(وقال الشيخ (١): المراد) بتفطيره (إشباعه).
(و يُستحبُّ في رمضان الإكثار مِن قراءة القرآن والذِّكرِ والصدقة) لتضاعف الحسنات به. قال في "المبدع": وكان مالك يترك أصحاب الحديث في شهر رمضان، ويُقْبِلُ على تلاوة القرآن (٢). وكان الشافعي يقرأ ستين ختمة (٣). وقال إبراهيم: تسبيحة في رمضان خير مِن ألف تسبيحة فيما سواه (٤).
(ويُستحبُّ التتابع فورًا في قضائه) أي: رمضان؛ لأن القضاء يحكي الأداء، وفيه خروج مِن الخِلاف، وأنجى لبراءة الذِّمَّة. وظاهره: لا فَرقَ بين أن يكون أفطر بسبب مُحرَّم، أو لا (ولا يَجبان) أي: التتابع والفور في قضاء رمضان. قال البخاري: قال ابن عباس: "له أن يفرِّق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥) " (٦). وعن
стр. 2242
ابن عمر مرفوعًا: "قضاء رمضان إن شاء فرَّق وإن شاء تابع". رواه الدارقطني (١)، ولم يسنده غير سفيان بن بشر. قال المجد: لا نعلم
стр. 2243
أحدًا طعن فيه. والزيادة مِن الثقة مقبولة، ولأنه لا يتعلَّق بزمان معيَّن، فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المُطلَق (إلا إذا لم يبقَ مِن شعبان إلا ما يتسع للقضاء فقط) فيتعيَّن التتابع؛ لضيق الوقت، كأداء رمضان في حَقِّ مَن لا عُذر له.
(و لا يُكره القضاء في عشر ذي الحجَّة) لأنها أيام عبادة، فلم يُكره القضاءُ فيها، كعشر المُحرَّم. ورُويَ عن عمرَ أنه كان يَستحبُّ القضاء فيها (١).
(و يجب العزمُ على القضاء) إذا لم يفعله فورًا (في) القضاء (الموسَّع، وكذا كلُّ عِبادة متراخية) يجب العزمُ عليها، كالصَّلاة إذا دخل وقتها المتسع.
فصل
(ومَن فاته) صومُ (رمضانَ كله، تامًّا كان) رمضانُ (أو ناقصًا، لعُذر أو غيره (٢)، كالأسير والمَطمور، وغيرهما، قضى عددَ أيامه) سواء (ابتدأه مِن أول الشَّهر، أو مِن أثنائه كأعداد الصلوات) الفائتة؛ لأن القضاء يجب أن يكون بعِدَّة ما فاته كالمريض والمسافر؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣).
стр. 2244
(ويجوز أن يقضي يومَ شتاء عن يومِ صيف، وعكسُه) بأن يقضي يوم صيف عن يوم شتاء؛ لعموم الآية.
(وإن كان عليه معه) أي: مع قضاء رمضان (صوم نَذر لا يخاف فَوته) لاتساع وقته (بدأ بقضاء رمضان) وجوبًا، قاله في "شرح المنتهى". فإن خاف فَوتَ النَّذر لضيق وقته، قَدَّمه.
قلت: إلا أن يضيق الوقت عن قضاء رمضان؛ بأن كان عليه مثلًا عشرة أيام مِن رمضان، ونَذَرَ أن يصوم عشرة أيام مِن شعبان، ولم يبقَ سوى العشرة فيصومها عن قضاء رمضان؛ لتعيُّن الوقت لها.
(ويجوز تأخير قضائه) أي: رمضان (ما لم يفت وقته، وهو) أي: وقت القضاء (إلى أن يُهلَّ رمضان آخر) لقول عائشة: "كانَ يكونُ عليَّ الصومُ مِن رمضانَ فما أستَطيعُ أن أقضِيهُ إلا في شعبانَ؛ لمكانِ رسولِ الله ﷺ ". متفق عليه (١). وكما لا يؤخِّر الصلاة الأولى إلى الثانية (فلا يجوز تأخيره) أي: قضاء رمضان (إلى رمضانَ آخر مِن غير عُذر) نصَّ عليه (٢)، واحتجَّ بما تقدَّم عن عائشة.
(ويحرم التطوُّع بالصوم قبلَه) أي: قبل قضاء رمضانَ (ولا يصحُّ) تطوُّعه بالصوم قبل قضاء ما عليه مِن رمضان، نصَّ عليه (٣). نقل حنبل أنه لا يجوز، بل يبدأ بالفرض حتى يقضيه، وإن كان عليه نَذرٌ،
стр. 2245
صامه، يعني بعد الفرض. وروى حنبل (١) بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "مَن صامَ تطوُّعًا وعليهِ مِن رمضان شيءٌ لم يقضِهِ، فإنَّهُ لم يُتَقبَّل منهُ حتَّى يصُومَهُ" (٢). وكالحجِّ، والحديث يرويه ابن لهيعة وهو ضعيف، وفي سياقه ما هو متروك؛ فإنه قال في آخره: "ومن أدركهُ رمضَانُ وعليهِ مِن رمضَانَ شيءٌ، لم يُتَقبل منهُ" قاله في "الشرح"، (ولو اتَّسع الوقت" أي: وقت القضاء، وعنه: بلى إن اتَّسع الوقت (٣).
(فإن أخَّره) أي: قضاء رمضان (إلى رمضانَ آخر، أو) أخَّره إلى (رمضانات، فعليه القضاء وإطعام مسكين لكلِّ يوم، ما يجزئ في كفَّارة) رواه سعيد (٤) بإسناد جيد عن ابن عباس، فيما إذا أخَّره
стр. 2246
لرمضانَ آخر، والدارقطني (١) بإسناد صحيح عن أبي هريرة، ورواه (٢) مرفوعًا بإسناد ضعيف.
(ويجوز إطعامه قبل القضاء، ومعه وبعدَه) لقول ابن عبَّاس. (والأفضل) إطعامه (قبلَه) قال المجد: الأفضل عندنا تقديمه؛ مسارعة إلى الخير، وتخلُّصًا مِن آفات التأخير، وإنما لم تتكرَّر الفِدية بتعدُّد الرمضانات؛ لأن كثرة التأخير لا يزاد بها الواجب، كما لو أخَّر الحج الواجب سنين لم يكن عليه أكثر مِن فِعله.
(وإن أخَّره) أي: قضاء رمضان حتى أدركه آخر أو أكثر (لعُذر) نحو مَرَض أو سَفَر (فلا كفَّارة) لعدم الدليل على وجوبها إذن.
стр. 2247
(ولا قضاء إن مات) مَن أخَّر القضاء لعُذر؛ لأنه حقٌّ لله تعالى وجب بالشرع، فَسَقَطَ بموت مَن يجب عليه قبل إمكان فِعلِه إلى غير بَدَل، كالحج.
(ومَن دام عُذره بين الرمضانين ثم زال) عُذره (صام الرمضان الذي أدركه) لأنه لا يسعُ غيره (ثم قضى ما فاته) قبلُ (ولا إطعام) عليه. نصَّ عليه (١) (كما لو مات قبل زواله) أي: العُذر، فإنه يَسقط عنه القضاء والكفَّارة، وأما الحي فتسقط عنه الكفَّارة دون القضاء؛ لإمكانه.
(فإن أخَّره) أي: القضاء (لغير عُذر، فمات قبل رمضان آخر) أو بعد (٢) (أُطعِم عنه لكل يوم مسكين) رواه الترمذي (٣) عن ابن عمر
стр. 2248
مرفوعًا بإسناد ضعيف، والصحيح وَقفُهُ عليه. وسُئلت عائشةُ عن القضاء فقالت: "لا، بل يُطعِمُ". رواه سعيد (١) بإسناد جيد، (ولا يُصام عنه؛ لأن الصومَ الواجب بأصل الشَّرع لا يُقضى عنه) لأنه لا تدخله النيابة في الحياة، فكذا بعد الموتِ، كالصلاة.
(والإطعام مِن رأس ماله، أوصى به أو لا) كسائر الديون.
(ولا يجزئ صوم عن كفَّارة عن ميت، ولو أوصى به) لأنه وجب بالشرع، أشبه قضاءَ رمضان (لكن لو مات بعد قُدرَته عليه) أي: على صوم الكفَّارة (وقلنا: الاعتبار بحالة الوجوب، وهو المذهب) كما يأتي توضيحه في كتاب الظِّهار (أُطعم عنه ثلاثة مساكين لكل يوم مسكين) في كفَّارة اليمين، قياسًا على قضاء رمضان.
(ولو مات وعليه صوم شهر) أو أقل أو أكثر (مِن كفَّارة) ظِهار أو غيره (أُطعم عنه أيضًا) لكلِّ يوم مسكين؛ لما سبق (وكذا صوم متعة)
стр. 2249
الحجِّ إذا مات قبله.
(وإن ماتَ وعليه صومٌ منذور في الذِّمَّة) كأن نَذَرَ صومَ شهر غير معيَّن، أو عشرة أيام مطلقة، ثم مات (ولم يَصُم منه شيئا مع إمكانه، ففعل عنه، أجزأ عنه) لما في "الصحيحين": "أن امرَأة جَاءَت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمِّي ماتَت، وعليها صومُ نَذر، أفأصومُ عنها؟ قال: نعم" (١)؛ ولأن النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، وهو أخف حكمًا من الواجب بأصل الشرع؛ لإيجابه من نفسه.
(فإن لم يُخَلِّف) الميتُ (تَرِكَة، لم يلزم الوليَّ شيءٌ، لكن يُسَنُّ له فِعلُه عنه؛ لتفرغ ذِمَّته، كقضاء دينه) لأنه ﷺ شبَّهه بالدَّين.
(وإن خَلَّفَ) الميتُ (تَرِكَة، وجب) الفِعل، كقضاء الدَّين (فيفعله الوليُّ بنفسه استحبابًا) لأنه أحوط لبراءة الميت (فإن لم يفعلِ) الوليُّ بنفسه (وجب أن يدفع مِن تَرِكَتِهِ إلى مَن يصوم عنه عن كلِّ يوم طعام مسكين) لأن ذلك فِدية الصوم؛ لما تقدَّم.
(ويجزئ فِعل غيره) أي: الولي (عنه بإذنه وبدونه) لأن النبيَّ ﷺ شبَّهه بالدَّين، والدَّين يصحُّ قضاؤه مِن الأجنبي، ولا فَرقَ في ذلك بين صوم النَّذرِ وغيره مِن النذور.
(و إن مات، وقد أمكنه صوم بعض ما نَذَره، قضي عنه ما أمكنه صومه فقط) كمَن نَذَرَ صوم شهر، ومات قبل مضي ثلاثين يومًا، فيصام عنه ما مضى منه، دون الباقي؛ لأنه لم يثبت في ذِمَّته، بخِلاف
стр. 2250
المقدار الذي أدركه حيًّا؛ فإنه ثبت في ذِمَّته، وإن كان مريضًا؛ لأنَّ المرض لا ينافي ثبوتَ الصوم في الذِّمَّة، بدليل وجوب قضاء رمضان مع المرض ونحوه.
(ويجزئ صوم جماعة عنه) أي: الميت (في يوم واحد عن عِدَّتهم مِن الأيام) أي: لو كان على ميت صوم عشرة أيام، فصام عنه عشرة رجال في يوم واحد، أجزأ عنه؛ لأن المقصود يحصُل به مع نجاز إبراء ذِمَّته، ونقل عنه أبو طالب (١): يصوم واحد. وحَمَله المجد على صوم شرطه التتابع، وتعليل القاضي بأنه كالحَجَّة المنذورة؛ يدلُّ على ذلك.
(وإن نَذَرَ صوم شهر بعينه) كالمُحَرَّم (فمات قبل دخولِه، لم يُصَم) عنه (ولم يُقضَ عنه).
وكذا لو جُنَّ قبله، ودام به الجنون حتى انقضى الشهر المعيَّن؛ لأنه لم يثبت صومه في ذِمَّته (قال المجد: وهو مذهب سائرِ الأئمة، ولا أعلم فيه خِلافًا (٢).
وإن مات في أثنائه) أي: الشهر المعين بالنَّذرِ (سَقَطَ باقيه) لما سَبَقَ.
стр. 2251
(فإن لم يصمهُ) أي: النذر المعيَّن (لمرض حتى انقضى، ثم مات في مرضه، فعلى ما تقدَّم فيما إذا كان في الذِّمَّة، مِن أنه إن كان أمكنه فِعله قبل موته فُعِلَ عنه) وجوبًا إن خلَّف تَرِكَة، واستحبابًا إن لم يخلِّف شيئًا. وتقدم أن المرض لا يمنع ثبوت الصوم في الذِّمَّة، فالمراد بإمكان الفعل مضي زمن يتسع له.
(ولا كفَّارة مع الصوم عنه) أي: عن الميت، إذا كان منذورًا (أو الإطعام (١)) إن كان عليه قضاء رمضان، أو صوم متعة ونحوه.
(وإن مات وعليه حَجٌّ منذور، فُعِلَ عنه) نَصَّ عليه (٢)؛ لما روى ابن عباس: "أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرَت أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتَت، أفأحجُّ عنها؟ قال: نعم حجِّي عنها". رواه البخاري (٣)(٤) (ولا يعتبر تمكُّنه) أي: الناذر (مِن الحج في حياته) لظاهر الخبر؛ ولأن النيابة تدخله حال الحياة في الجُملة، فهو كنذر الصدقة والعتق.
(وكذا العمرة المنذورة) حكمها حكم الحج في ذلك؛ لمشاركتها له في المعنى.
(ويجوز أن يحجَّ عنه حجة الإسلام، ولو بغير إذن وليِّه) لشبهه بالدَّين في إبراء الذِّمَّة.
стр. 2252
(وله) أي: الحاج عن الميت حجَّة الإسلام بغير إذن وَليِّه (الرجوع على التَّرِكَة بما أنفق) بنيَّة الرُّجوع؛ لأنه قام بواجب.
(و إن مات وعليه اعتكاف منذور، فُعِلَ عنه) نَقَلَه الجماعة (١)؛ لقول سعد بن عبادة: "إن أمِّي ماتت وعليها نذرٌ لم تقضِهِ، فقال النبيُّ ﷺ : اقضِهِ عنها" رواه أبو داود (٢) وغيره بإسناد صحيح من حديث ابن عباس، ومعناه متفق عليه (٣)، ورُويَ عن عائشة (٤) وابن عمر (٥)، وابن عباس (٦)، ولم يُعرف لهم مخالفٌ في الصحابة، وكالصوم.
(فإن لم يمكنه فِعله حتى مات) كمَن نَذَرَ اعتكاف شهر رمضان،
стр. 2253
فمات قبل دخوله (فكالصوم) وكذا إن مات في أثنائه، على ما تقدَّم.
(وإن كانت عليه صلاةٌ منذورةٌ) ومات بعد التمكُّن (فُعلت عنه) كالصوم، وتصحُّ وصيته بها (ولا كفَّارة معه) أي: مع الفِعل عنه، كما لو فَعَلَه الناذر.
(وطوافٌ مَنذُورٌ كصلاة) منذورة فيما سبق (وأما صلاةُ الفرض فلا تُفعل عنده) ذكر (١) القاضي عياض (٢) إجماعًا أنه لا يُصلَّى عنه فائتة (كقضاء رمضان) فإنه لا يُصام عنه، كما تقدَّم. وعلى ذلك يُحمل ما رواه مالك في "الموطأ" أنه بلغه عن ابن عمر: "أنه لا يصومُ أحدٌ عن أحد، ولا يصلِّي أحدٌ عن أحد" (٣).
стр. 2254
باب صوم التطوع وما يُكره منه وذِكْر ليلة القدر وما يتعلَّق بذلك
(أفضله) أي: صوم التطوُّع (صوم يوم، وإفطار يوم) لقوله ﷺ لعبد الله بن عمرو: "صُم يومًا، وأفطر يومًا، فذلك صيامُ داودَ، وهو أفضلُ الصيام، قلتُ: فإني أطيقُ أفضلَ من ذلك. فقال: لا أفضلَ من ذلكَ" متفق عليه (١).
(ويُسَنُّ صوم ثلاثة أيام مِن كلِّ شهر) قال في "الشرح" و"المبدع": بغير خِلاف نعلمه. (والأفضل أن تكون أيام) الليالي (البيض، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر) لما روى أبو ذَرٍّ أن النبي ﷺ قال له: "إذا صُمتَ مِن الشَّهر ثلاثةَ أيَّام، فصُم ثلاثَ عشرةَ، وأربعَ عَشرة، وخمسَ عَشرة" رواه الترمذي (٢) وحسَّنه
(وهو) أي: صوم ثلاثة أيام مِن كلِّ شهر (كصوم الدَّهر، أي: يحصُل له) بصيامها (أجر صيام الدَّهر بتضعيف الأجر) الحسنة بعشر أمثالها (مِن غير حصول المفسدة) التي في صيام الدَّهر (والله أعلم.
وسُمِّيت بيضًا؛ لابيضاضها ليلًا بالقمر ونهارًا بالشمس) وهذا
стр. 2257
يقتضي أنَّ الإضافة في كلامه بيانية، وأنَّ البيض وصفٌ للأيام، وكلامه في "الشرح" و"شرح المنتهى" وغيره يخالفه. قال: وسُمِّيت لياليها بالبيض؛ لبياض ليلها كله بالقمر. زاد في "الشرح": والتقدير ليالي الأيام البيض. وقيل: لأن الله تاب فيها على آدم وبيَّض صحيفته (١).
(ويُسَنُّ صوم) يوم (الاثنين) بهمزة وصل، سُمِّي بذلك؛ لأنه ثاني الأسبوع، ذَكَره في "الحاشية" (و) يوم (الخميس) لقول أسامة بن زيد: "إن نبيَّ الله ﷺ كان يصُومُ يومَ الاثنينِ ويومَ الخميس، فَسُئل عن ذلك، فقال: إنَّ أعمالَ الناسِ تُعرضُ يومَ الاثنين ويومَ الخميسِ" رواه أبو داود (٢). وفي لفظ: "وأُحِبُّ أن يُعرَضَ عَمَلي
(و) يُسَنُّ صومُ (ستة أيام مِن شوَّال ولو متفرِّقة، فمَن صامها بعد أن صام رمضان، فكأنما صام الدَّهرَ) فَرضًا، كما في "اللطائف" (١). وذلك لما روى أبو أيوب قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن صَامَ رَمَضَانَ وأتبَعَه سِتًّا مِن شَوَّال، فكأنَّمَا صَامَ الدَّهرَ" رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه (٢).
قال أحمد (٣): هو مِن ثلاثة أوجه عن النبيِّ ﷺ (٤). ولا يجري
стр. 2260
مجرى التقديم لرمضان؛ لأن يومَ العيد فاصِلٌ. وروى سعيد بإسناده عن ثوبان، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن صامَ رمضانَ، شهرٌ بعشرة أشهر، وصامَ ستةَ أيام بعدَ الفطرِ، وذلك سَنَةٌ" (١) يعني: أن الحسنة بعشر أمثالها، الشهر بعشرة أشهر، والستة بستين، فذلك سنة كاملة.
والمراد بالخبر: التشبيه به في حصول العبادة به على وجه لا مشقة فيه، كما في صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فلا يقال: الحديث لا يدل على فضيلتها؛ لأنه شبَّه صيامها بصيام الدهر، وهو مكروه؛ لانتفاء المفسدة في صومها، دون صومه.
стр. 2261
(ولا تحصُل الفضيلة بصيامها) أي: الستة أيام (في غير شوَّال) (١) لظاهر الأخبار. وظاهره: أنه لا يُستحبُّ صيامها إلا لمن صامَ رمضانَ، وقاله أحمد والأصحاب، لكن ذكر في "الفروع": أنَّ فضيلتها تحصُل لمَن صامها، وقضى رمضان، وقد أفطره لعُذر، ولعلَّه مراد الأصحاب (٢)، وفيه شيء. قاله في "المبدع".
(و) يُسَنُّ (صومُ التسع مِن ذي الحجَّة) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "ما مِن أيام العَملُ الصَّالحُ فِيهِنَّ أحَبُّ إلى الله مِن هذهِ الأيَّامِ العشرِ، قالوا: يا رسولَ الله، ولا الجهادُ في سبيلِ الله؟ قال: ولا الجهادُ في سبيلِ الله، إلا رجلًا (٣) خرجَ بِنَفسِهِ ومالِهِ، فلم يَرجِع مِن ذلكَ بشَيء". رواه البخاري (٤).
(وآكده: التاسعُ، وهو يومُ عَرفة إجماعًا، ثم الثامن، وهو يوم التروية) ويأتي في الحج وجه التَّسمية بذلك.
стр. 2262
(و) يُسَنُّ (صومُ المُحَرَّم، وهو أفضل الصيام بعد صيام شهر رمضان) لقوله ﷺ : "أفضَلُ الصَّلاةِ بعد المكتوبَةِ جوفُ الليلِ، وأفضلُ الصِّيامِ بعد رمضَانَ شهرُ الله المُحرَّمُ" رواه مسلم وغيره (١) مِن حديث أبي هريرة. قال في "المبدع": وأضافه إليه تفخيمًا وتعظيمًا، كناقة الله، ولم يُكثِر ﷺ الصومَ فيه، إما لعُذر أو لم يعلم فَضلَه إلا أخيرًا. والمراد: أفضل شهر تُطُوِّعَ به كاملًا بعد رمضان شهر الله المحرَّم؛ لأن بعض التطوُّع قد يكون أفضل من أيامه كعرفة وعشر ذي الحجَّة، فالتطوُّع المطلق أفضله المحرَّم، كما أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل.
(وأفضله) أي: المحرَّم (يوم عاشوراء) بالمدِّ في الأشهَر، وهو اسم إسلامي لا يُعرف في الجاهلية، قاله في "المشارق" وغيره (٢). (وهو) اليوم (العاشر) مِنْ المُحرَّم في قول أكثر العلماء، ورواه الترمذي (٣) مرفوعًا، وصحَّحه. وقال ابن عباس:
стр. 2263
هو التاسع (١) (ثم تاسوعاء) بالمدِّ على الأفصح (وهو) اليوم (التاسع) من المُحرَّم.
(ويُسَنُّ الجمعُ بينهما) أي: بين صوم يوم تاسوعاء وعاشوراء؛ لما روى الخلال بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعًا: "لَئِن بَقيتُ إلى قَابل لأصومنَّ التاسعَ والعاشِرَ" (٢)
стр. 2264
واحتجَّ به أحمد (١) (و) قال (٢): (إنِ اشتبه علينا أول الشهر صام ثلاثة أيام) لتيقُّن صومهما (٣).
(ولا يُكره إفراد العاشر بالصوم) قال في "المبدع": وهو
стр. 2265
المذهب. وقال الشيخ تقي الدين (١): مقتضى كلام أحمد الكراهة، وهي قول ابن عباس (٢).
(وهما) أي: تاسوعاء وعاشوراء (آكده) أي: آكد شَهرِ الله المحرَّم (ثم) بقية (العشر، ولم يجب صومُ) يوم (عاشوراء) في قول القاضي، ومَن تابعه، قال (٣): لأنه ﷺ لم يأمر مَن أكل فيه بالقضاء، ولحديث معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هَذا يومُ عاشُورَاءَ، لم يكتبِ الله عليكُم صِيامَهُ، فمن شاءَ فليصُم، ومن شاءَ فليُفطِر" (٤). وهو حديث صحيح. قاله في "الشرح".
(وعنه: وَجَبَ) صومُه (ثم نُسِخَ، اختاره الشيخ (٥) ومال إليه الموفق والشارح) وقاله الأصوليون (٦)؛ لما روت عائشة "أنه ﷺ صامَهُ، وأمَرَ بصيامِهِ، فلمَّا افتُرِضَ رمضانُ، كان هو الفريضَةَ، وتركَ عاشوراء، فمن شاءَ صامهُ، ومن شاءَ تَرَكَهُ" (٧). حديث صحيح. وحديث معاوية محمول على إرادة أنه ليس هو مكتوبًا عليكم الآن، قاله في "الشرح".
стр. 2266
(وصيام يوم عاشوراء كفَّارة سَنَة) ماضية للخبر (١).
(وما رُويَ في فَضلِ الاكتحال والاختضاب والاغتسال والمصافحة والصلاة فيه) أي: يوم عاشوراء (فكَذِبٌ) وكذا ما يُروى في مَسحِ رأس اليتيم، وأكل الحبوب، أو الذبح، ونحو ذلك، فكلُّ ذلك كَذِبٌ على النبيِّ ﷺ (٢)، ومثل ذلك بدعة لا يُستحبُّ شيء
стр. 2267
منه عند أئمة الدين، قاله في "الاختيارات" (١).
وينبغي فيه التوسعة على العيال، سأل ابن منصور أحمد عنه، فقال: نعم، رواه سفيان بن عيينة، عن جعفر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر - وكان أفضل أهل زمانه - أنه بلغه: "من وسَّعَ على عِيالِه يوم عاشورَاءَ وسَّعَ الله عليهِ سائِرَ سَنَتِهِ" (٢) قال ابن عيينة:
قد جربناه منذ خمسين سنة أو ستين، فما رأينا إلا خيرًا (١).
(و صيامُ يومِ عَرفة كفَّارة سنتين) لما روى أبو قتادة مرفوعًا قال: "صيام يومِ عرفةَ أحتَسِبُ عَلى الله أن يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قبلَه، والسَّنةَ التي بعدَه" وقال في صيام عاشوراء: "إني أحتَسِبُ عَلى الله أن يكَفِّرَ
стр. 2270
السَّنةَ التي قبلَهُ" رواه مسلم (١). ولعلَّ مضاعفة التكفير على عاشوراء؛ لأن نبينا ﷺ أعطيه.
(قال) النووي (في "شرح مسلم" (٢) عن العلماء: المراد كفَّارة الصغائر، فإن لم تكن) له صغائر (رُجِيَ التخفيف مِن الكبائر، فإن لم تكن) له كبائر (رُفع له درجات) واقتصر عليه في "الفروع" و"المبدع" وغيرهما.
(ولا يُستحبُّ صيامه) أي: يوم عَرفة (لمن كان بعرفة مِن الحاجِّ، بل فِطرُه أفضل) لما روت أمُّ الفضل "أنَّهَا أرسَلَت إلى النبيِّ ﷺ بِقدَحِ لبن، وهو واقفٌ على بعيرِه بعرفَةَ، فشَربَ" متفق عليه (٣).
وأخبر ابن عمر "أنه حجَّ معَ النبيِّ ﷺ ، ثم أبي بكر، ثم عُمَرَ، ثم عثمانَ، فلم يصُمهُ أحَدٌ منهم" (٤). ولأنه يُضْعِفُ عن الدُّعاء، فكان تَرْكُه أفضل. وقيل: لأنهم أضياف الله وزُوَّاره.
стр. 2271
وعن عُقبة مرفوعًا: "يومُ عَرفة ويومُ النَّحر، وأيامُ التشريق عيدٌ يا أهل (١) الإسلامِ، وهي أيامُ أكل وشُرب". رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصحَّحه، والنسائي (٢).
стр. 2272
وكرهه جماعة؛ للنهي عنه في حديث أبي هريرة، رواه أحمد وابن ماجه (١).
стр. 2273
(إلا لمتمتع وقارن عَدِمَا الهَديَ) فيصومانه مع اليومين قبله (ويأتي) في الحج.
(و يُكره إفرادُ رَجَب بالصومِ) لما روى ابن ماجه عن ابن عباس: "أن النبيَّ ﷺ نهى عن صيامِهِ" (١) وفيه داود بن عطاء، وقد ضعَّفه أحمدُ وغيره.
ولأن فيه إحياء لشعار الجاهلية بتعظيمه، ولهذا صَحَّ عن عمر: "أنه كان يضربُ فيه، ويقولُ: كُلُوا؛ فإنما هو شَهرٌ كانت الجاهليةُ
стр. 2274
تعظِّمُهُ" (١).
(وتزول الكراهة بفِطرِه فيه، ولو يومًا، أو بصومه شهرًا آخر مِن السَّنة. قال المجد: وإن لم يَلِهِ) أي: يلي الشهرَ الآخر رجب.
(ولا يُكره إفرادُ شهر غيرِه) أي: غير رجب بالصَّوم. قال في "المبدع": اتفاقًا؛ لأنه ﷺ : "كان يصوم شعبانَ ورمضانَ" (٢)،
стр. 2275
والمراد: أحيانًا، ولم يداوم كاملًا على غيرِ رمضان، فدلَّ أنه لا يُستحبُّ صومُ رجب وشعبان في قول الأكثر، واستحبَّه في "الإرشاد".
(وكلُّ حديث رُوي في فضل صوم رجب، أو الصلاة فيه، فَكَذِبٌ باتفاق أهل العلم) بالحديث (١).
(ويُكره تعمُّد إفراد يوم الجمعة بصوم) لحديث أبي هريرة: "لا تصُومُوا يومَ الجمعَةِ إلا وقبلَهُ يومٌ وبعدَه يومٌ" متفق عليه (٢)، ولمسلم: "لا تخصُّوا ليلةَ الجمعةِ بقيام من بين الليالي، ولا يومَ الجمعَةِ بصيام من بين الأيَّامِ، إلا أن يكونَ في صوم يصُومُه أحدُكُم" (٣).
قال الداوُدي (٤): لم يبلغ مالكًا الحديث، ويُحملُ ما رُوي مِن
стр. 2276
صومه والترغيب فيه، على صومه مع غيره، فلا تعارض.
(و) يُكره تعمُّدُ (إفراد يوم السبت) بصوم؛ لحديث عبد الله بن بُسر، عن أخته الصمَّاء: "لا تَصُومُوا يومَ السبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم" رواه أحمد بإسناد جيد، والحاكم (١)، وقال: على شرط البخاري.
ولأنه يومٌ تعظِّمه اليهود، ففي إفراده تَشبُّه بهم.
ويوم السبت آخر أيام الأسبوع. قال الجوهري (١): سُمِّيَ يوم السبت لانقطاع الأيام عنده (٢).
(إلا أن يوافقَ) يوم الجمعة، أو السبت (عادة) كأن وافق يوم عَرَفة، أو يومَ عاشوراء، وكان عادتُه صومهما، فلا كراهة؛ لأن العادة لها تأثيرٌ في ذلك.
(و يُكره صومُ يوم الشَّكِّ تطوُّعًا) لقول عمار: "مَن صَامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه، فقد عَصَى أبا القاسِم ﷺ " رواه أبو داود، والترمذي وصحَّحه، وهو للبخاري تعليقًا (٣) (ويصح) صوم يوم الشَّكِّ.
стр. 2280
(أو) أي: ويُكره صوم يوم الشَّكِّ (بنيَّةِ الرمضانية احتياطًا) ولا يجزئ إن ظهر منه، كما تقدَّم.
(وهو) أي: يوم الشَّكِّ (يوم الثلاثين مِن شعبان، إن لم يكن في السماء) في مطلع الهلال (عِلَّةٌ) مِن غيم، أو قَتَر، ونحوهما، (ولم يُرَ الهلالُ، أو شهد به من رُدَّت شهادته) لفِسق ونحوه.
(إلا أن يوافق) يوم الشَّكِّ (عادة) كمَن عادته يصوم يوم الخميس والاثنين، فوافق يومُ الشَّكِّ أحدهما (١)، أو عادته يصوم يومًا ويفطر آخر، فوافق صومَه ذلك، فلا كراهة.