← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

بعُمْرة (١)، فله ذلك على ما يأتي. (و ميقات العُمْرة) الزماني (جميعُ العام) لعدم المخصِّص لها بوقت دون آخر (ولا يُكره الإحرام بها يوم النَّحر، و) لا يوم (عَرَفة، و) لا (أيام التشريق) كالطواف المجرَّد؛ إذ الأصل عدم الكراهة، ولا دليل عليها. (وأشهرُ الحجِّ: شوال، وذو القعدة) بالفتح والكسر (وعشرٌ من ذي الحِجَّة) بكسر الحاء على الأشهر، رواه ابن عُمرَ مرفوعًا (٢)، وقاله جَمْعٌ في الصحابة (٣) (فيوم النَّحْر عنها، وهو يوم الحجِّ الأكبر) نصَّ عليه (٤)؛ للخبر؛ لأن العشر بإطلاقه للأيام كالعدة. قال القاضي والموفق وغيرهما: العرب تُغلِّب التأنيث في العدد خاصة، لسبق

стр. 2452

الليالي، فتقول: سِرنا عشرًا. وإنما فات الحج بفجر يوم النَّحْر؛ لخروج وقت الوقوف فقط، والجمع يطلق على اثنين، وعلى اثنين وبعض آخر، كعِدَّة ذات القروء.

стр. 2453

باب الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما (وهو) أي: الإحرام لغةً: نية الدُّخول في التحريم، يقال: أَشْتَى، إذا دخل في الشتاء، وأربع، إذا دخل في الربيع. وشرعًا: (نية النُّسُك) أي: الدُّخول فيه، لا نيته ليحجَّ أو يعتمر. (سُمِّي) الدخول في النُّسُك (إحرامًا؛ لأن المُحْرِم بإحرامه حرَّم على نفسه أشياء كانت مُباحةً له) من النكاح والطيب وأشياءَ من اللباسِ ونحوها، ومنه في الصلاة: "تحريمها التكبيرُ" (١). (ويُسَنُّ لمريدِه) أي: الإحرام (أن يغتسلَ، ذَكَرًا كان أو أنثى، ولو حائضًا ونُفُساء (٢)) لأن النبي ﷺ : "أمرَ أسَماءَ بنتَ عُميسٍ وهي نُفساءُ أن تَغتِسلَ" رواه مسلم (٣). وأمرَ عائشة: "أن تَغْتَسِلَ لإهْلالِ الحجِّ، وهِي حَائِضٌ" (٤) (فإن رجتا) أي: الحائض والنُّفساء (الطُّهْرَ قبل الخروج من الميقات، استُحبَّ) لهما (تأخير الغسل حتى تطهُرا) ليكون أكمل لهما (وإلا) أي: وإن لم تَرجُوا الطُّهرَ قبل الخروج من الميقات (اغتسلتا) قبل الطُّهر؛ لما تقدم؛ ولأن مجاوزة

стр. 2454

الميقات بلا إحرام غير جائزة، على ما تقدم (١) (ويتيمم عادمُ الماء) لإحرامه، وكذا العاجز عن استعماله، كسائر ما يُستحبُّ له الغسل (وتقدَّم) في باب الغسل (٢) (ولا يضرُّ حَدثُه بعد غُسْلِه قبل إحرامه) كحدثه بعد غُسْل الجمعة، وقبل صلاتها. (و) يُسنُّ لمريد الإحرام (أن يتنظَّف بإزالة الشَّعْر، مِنْ حَلْقِ العانة، وقصِّ الشاربِ، ونَتْفِ الإبطِ، وتقليم الأظفار، وقَطْعِ الرائحة الكريهة) لقول إبراهيم: "كانوا يستحبُّون ذلك، ثم يَلبَسونَ أحسَنَ ثيابهم"، رواه سعيد (٣). ولأن الإحرام عبادة، فَسُنَّ فيه ذلك، كالجُمعة؛ ولأن مُدته تطول. (و) يُسَنُّ لمريد الإحرام (أن يتطيَّب -ولو امرأةً- في بدنه، سواء كان) الطيب (مما تبقى عينُه كالمِسك، أو أثرُه كالعُودِ، والبخور، وماءِ الورد) لقول عائشة: "كنتُ أطيِّبُ رسولَ الله ﷺ لإحرامِهِ، قبلَ أن يُحْرِمَ"، رواه البخاري (٤). وقالت: "كأنِّي أنظُرُ إلى وَبِيصِ المِسْكِ في مَفارِقِ رسول الله ﷺ وهو مُحْرِمٌ". متفق عليه (٥). (ويُستحبُّ لها) أي: للمرأة إذا أرادت الإحرام (خِضابٌ بِحنَّاءٍ) لحديث ابن عمر: "مِنَ السُّنَّةِ أن تدلكَ المرأة يدَيْهَا في

стр. 2455

حِنَّاء" (١)؛ ولأنه من الزينة، أشبه الطيب. (ويُكره تطييبُه) أي: مريد الإحرام (ثوبَه) وحرَّمه الآجري. (فـ) ـعلى الأول (إن طيَّبه) أي: طيَّب مريدُ الإحرام ثوبَه (فله استدامته) أي: استدامة لبسه (ما لم ينزِعْه، فإن نَزَعه، فليس له لُبْسُه والطيب فيه) لأن الإحرام يمنع الطيب ولبس المطيَّب، دون الاستدامة (فإن فَعَل) أي: لَبِسَه بعد نزعه (وأثرُ الطيب باقٍ) لم يغسله حتى يذهب، فَدَى؛ لاستعماله الطيب (أو نَقَلَه) أي: الطيب (من موضع من بدنه إلى موضع) آخر (أو تعمَّد مسَّه بيده، فعَلِقَ) الطيب (بها، أو نحَّاه) أي: الطيب (عن موضعه، ثم ردَّه إليه) بعد إحرامه (فَدَى)؛ لأنه ابتداء للتطيب، (فإن ذاب) الطيبُ (بالشمس، أو بالعرق، فسال إلى موضع آخر) من بدن المُحْرِم (فلا شيء عليه) لحديث عائشة قالت: "كُنَّا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مَكَّةَ، فنضَمِّدُ جِباهَنا بالمِسْكِ (٢) عند الإحْرَام، فإذا عَرِقَتْ إحْدانا، سال على وَجْهِها، فيراها النبيُّ ﷺ ، فلا يَنهاها". رواه أبو داود (٣). (ويُسَنُّ) لمن يريد الإحرام (أن يلبس ثوبين أبيضين) لحديث:

стр. 2456

"خير ثِيَابِكُم البياضُ". رواه النسائي (١) (نظيفين) لأنا أحببنا له التنظيف في بدنه، فكذلك في ثيابه (إزارًا ورِداءً جديدين، أو غَسيلين، فالرِّداءُ على كتفيه، والإزارُ في وسطه) لما روى أحمد عن ابن عمر مرفوعًا: "ليُحْرِم أحَدُكُم في إزَارٍ ورداءٍ ونَعْلَينِ" (٢). قال ابن المنذر (٣): ثبت ذلك. وفي "تبصرة" الحلواني: إخراج كتفه الأيمن من الرداء أَولى. (ويجوزُ) إحرامه (في ثوبٍ واحد) وفي "التبصرة": بعضه على عاتقه.

стр. 2457

(ويتجرَّدُ) مريدُ الإحرام (عن المَخيط) لأنه ﷺ "تَجرَّدَ لإهْلالِهِ" (١). وكان ينبغي تقديمه على اللبس، لكن الواو لا تقتضي الترتيب (ويلبسُ نعلين) لما تقدَّم من الخَبر. وهما: التاسومة، ولا يجوز له لبس السَّرْموزة (٢) والجَمْجَم (٣)، قاله في "الفروع" (إن كان) المُحْرم (رَجُلًا، وأما المرأةُ فلها لُبْسُ المَخيط في الإحرام) إلا القفازين، ويأتي توضيحه (والمَخيطُ: كلُّ ما يُخاطُ على قَدْرِ الملبوس عليه، كالقَميص، والسَّراويل، والبُرْنس) والقَبَاء، وكذا الدِّرع ونحوه مما يُصنع من لَبَد (٤) ونحوه، على قَدْر الملبوس عليه، وإن لم يكن فيه خياطة. (ولو لَبِسَ إزارًا مُوَصَّلًا، أو اتَّشحَ بثوب مَخيط، أو ائتزر به، جاز) لأن ذلك ليس لُبْسًا للمخيط المصنوع على قَدْرِ الملبوس عليه لمثله. (ثم يُحْرِمُ عقب صلاة مكتوبة، أو) صلاة (نَفْلٍ) ركعتين (نَدْبًا) نصَّ عليه (٥)؛ لأنه ﷺ "أهلَّ في دُبُرِ صَلاة" رواه النسائي (٦).

стр. 2458

(وهو) أي: إحرامه عقب الصلاة (أَولى) لحديث ابن عباس قال: "إنِّي لأعلَمُ الناسِ بذلكَ، خرجَ حاجًّا فلمَّا صَلَّى في مسجِدِه بذِي الحُلَيْفَةِ ركعتَيهِ، أهَلَّ بالحَجِّ حين فَرَغَ منهمَا". رواه أحمد وأبو داود (١). وظاهر كلامه في "المبدع" و"المنتهى" وغيرهما: أنه عقب صلاة فرضٍ، أو ركعتين نَفْلًا سواء. (وإن شاء) أحرم (إذا رَكِبَ، وإن شاء) أحرم (إذا سار) قبل مجاوزة الميقات؛ لورود ذلك كله عنه ﷺ ، لكن ذَكَر ابنُ عباس: "أنَّهُ أوْجَبَ الإحرام حين فَرَغَ من ركعتيه (٢)، ولمَّا استوتْ به راحلتُهُ قائمًا أهَلَّ، فأدرك ذلك منه قوم فقالوا: أحرم حين استوت به راحلته، وذلكَ أنَّهم لم يُدرِكوا إلَّا ذلك، ثمَّ سارَ حتَّى علا البيداءَ فأهَلَّ، فَأدركَ ذلك منه

стр. 2459

أناسٌ، فقالُوا: أهَلَّ حين عَلا البيداء". رواه أبو داود والأثرم (١). (ولا يركعه) أي: النفل (وقتَ نهي) للأخبار السابقة في أوقات النَّهي (٢) (ولا من عَدِمَ الماءَ والترابَ) أو عَجَزَ عن استعمالهما لقروح لا يستطيع معها مسَّ البشرة، لِفَقْد شرطه. (ولا ينعقد الإحرام إلا بالنية) لقوله ﷺ : "إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنَّما لكُلِّ امرِئ ما نَوَى" (٣)؛ ولأنه عملٌ وعبادةٌ محضة، فافتقر إليها، كالصلاة (فهي) أي: النية (شرطٌ فيه) أي: الإحرام، كالنية في الوضوء، لكن سبق لك أن الإحرام: هو نية النُّسُك، فكيف يقال: لا تنعقد النيةُ إلا بنية، وأنَّ النية شرطٌ في النية، مع أنه يؤدِّي إلى التسلسل؟ وأما التجرُّد فليس ركُنًا، ولا شَرْطًا في النُّسُك، إلا أن يقال: لما كان التجرُّد هيئة تجامع نية النُّسك؛ ربما أُطلق عليها، فاحتيج إلى التنبيه على أن تلك الهيئة ليست كافية بنفسها، بل لابُدَّ معها من النية، وأنها لا تفتقر إلى غيرها من تلبية، أو سَوْق هدي كما سَيُنبه عليه. (ويُستحبُّ التلفُّظُ بما أحرم) به (فيقصِدُ بنيَّتِه نُسُكًا معينًا) لفعله ﷺ وفِعْل من معه في حَجَّة الوداع؛ ولأن أحكام ذلك تختلف، فاستُحِبَّ تعيينه ليترتب عليه مقتضاه. (ونيَّة النُّسُك كافية، فلا يَحتاج معها إلى تلبية، ولا سَوْق هَدْي) لعموم: "إنما الأعمالُ بالنِّياتِ" (٣).

стр. 2460

(وإن لَبَّى، أو ساق هَدْيًا من غير نيَّة، لم ينعقد إحرامُه) للخبر. (ولو نطقَ بغير ما نواه، نحو أن ينويَ العُمرة؛ فيَسبِقُ لسانُه إلى الحجِّ، أو بالعكس) بأن ينوي الحج، فيسبق لسانُه إلى العُمرة (انعقد) إحرامه (بما نواه، دون ما لَفَظَه) لأن النية محلُّها القلب، وتقدَّم نظيره في الوضوء (١)، وحكاه ابن المنذر (٢) إجماع من يحفظ عنه. (وينعقد) إحرامُه (حالَ جماعه) لأنه لا يخرج منه به (ويبطُلُ) أي: يفسد (إحرامه به) أي: بالجِماع، فيمضي في فاسده ويقضيه، كما يأتي. (ويَخرجُ منه) أي: من الإحرام (بردَّةٍ) لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٣). و (لا) يخرج منه (بجُنونٍ، وإغماءٍ، وسُكْرٍ، وموتٍ) لخبر المُحْرِم الذي وقصته راحلته (٤) (ولا ينعقدُ) الإحرام (مع وجود أحدها) أي: الجنون، أو الإغماء، أو السُّكْر؛ لعدم أهليته للنية (وتقدَّم بعض ذلك) موضحًا (٥). (فإذا أرادَ الإحرامَ نوى بقَلبِه، قائلًا بلسانه: اللهُمَّ إني أُريدُ النُّسُكَ الفلاني، فيسِّره لي وتقبَّلهُ مني) ولم يذكروا مثل هذا في الصلاة؛ لقصر مُدَّتها، وتيسرها عادة (وإن حَبسني حابسٌ، فَمحِلِّي

стр. 2461

حيث حبستني، أو: فلي أن أحلَّ. وهذا الاشتراط سُنَّةً) في قول عُمر (١)، وعلي (٢)، وابن مسعود (٣)، وعمار (٤). (ويفيد) هذا الاشتراط (إذا عاقه عدوٌّ، أو مرضٌ، أو ذهابُ نفقة، أو خطأ طريق ونحوُه: أن له التحلُّلَ) لقوله ﷺ لضباعة بنت الزُّبير حين قالت له: "إني أُريدُ الحجَّ، وأجِدُني وجعَةً، فقال: حجِّي واشتَرطِي، وقُولي: اللهُمَّ محِلِّي حيث حَبسْتَني". متفق عليه (٥). زاد النسائي في رواية -إسنادها جيد-: "فَإنَّ لَكِ على ربِّكِ مَا اسْتَثنيتِ" (٦). ولقول عائشة لعروة: "قُل: اللَّهُمَّ إني أُرِيدُ الحجَّ، فإن تَيَسَّر، وإلا فعُمْرَة" (٧). (و) يفيد هذا الاشتراط -أيضًا - (أنه متى حَلَّ بذلك) أي: بسبب عُذرٍ مما تقدَّم (فلا شيء عليه) نصَّ عليه (٨). قال في "المستوعب" وغيره:

стр. 2462

إلا أن يكون معه هَدي، فيلزمه نحره (ويأتي آخر باب الفوات والإحصار. فإن اشترط بما يؤدي معنى الاشتراط، كقوله: اللَّهُمَّ، إني أُريد النُّسُكَ الفلاني إن تَيسَّر لي، وإلا، فلا حَرَج عليَّ، جاز) لأنه في معنى ما تقدَّم في الخبر (وإن قال) في إحرامه: (متى شئتُ أحللتُ (١)، أو) إن (أفسدته، لم أقضه، لم يصحَّ) اشتراطه؛ لأنه لا عُذرَ له في ذلك. (وإن نوى الاشتراطَ ولم يتلفَّظ به، لم يُفد؛ لقول النبي (٢) ﷺ لضُباعة) -بضم الضاد- بنت الزبير (قولي: محِلِّي) أي: مكان إحلالي (من الأرض حيث حبستني) والقول لا يكون إلا باللسان. فصل (وهو) أي: مريد الإحرام (مخيرٌ ببن التمتُّع، والإفرادِ، والقِرانِ) ذَكره جماعة إجماعًا (٣)؛ لقول عائشة: "خرجْنَا مع النبيِّ ﷺ فقال: من أرادَ منكُم أن يُهِلَّ بحجٍّ وعُمْرة فليفْعَل، ومن أرادَ أن يُهِل بعُمْرةٍ فليُهلَّ. قالت: وأهلَّ بالحجِّ، وأهلَّ به ناسٌ معَهُ، وأهلَّ معه (٤) ناسٌ بالعُمْرةِ والحجِّ، وأهلَّ ناسٌ بالعُمرَةِ، وكنْتُ فِيمَنْ أهلَّ بعُمْرَةٍ". متفق عليه (٥).

стр. 2463

وذهب طائفة من السلف والخلف إلى أنه لا يجوز إلا التمتُّع، وقاله ابن عباس (١). وكَرِه التمتُّعَ: عُمرُ (٢)، وعثمانُ (٣)، ومعاويةُ (٤)، وابنُ الزبير (٥). وبعضهم القِران، روى الشافعي عن ابن مسعود: أنه كان يكرهه (٦). (وأفضلُها التمتُّعُ) في قول ابن عُمر (٧)، وابن عباس (٨)، وعائشة (٩)، وجَمْعٍ، نصَّ عليه في رواية صالح وعبد الله (١٠). وقال: لأنه آخر ما أمر به النبي ﷺ . قال إسحاق بن إبراهيم (١١): كان اختيار أبي عبد الله

стр. 2464

الدخول بعُمرة؛ لقوله ﷺ : "لو استَقبلتُ من أمري ما استَدبرتُ ما سقتُ الهديَ، ولأحللتُ معكم" (١)، وفي الصحيحين: "أنهُ أمرَ أصحابَهُ لما طَافوا وسَعَوا أن يجعلوها عُمْرةً إلا من ساقَ هَديًا" (٢) وثبت على إحرامه لَسَوْقه الهديَ، وتأسّف، ولا ينقلهم إلا إلى الأفضل، ولا يتأسَّف إلا عليه. لا يُقال: أمَرَهم بالفسخ ليس لفضل التمتُّع، وإنما هو لاعتقادهم عدم جواز العُمْرة في أشهر الحجِّ؛ لأنهم لم يعتقدوه، ثم لو كان، لم يخصَّ به من لم يَسقِ الهَديَ؛ لأنهم سواء في الاعتقاد، ثم لو كان لم يتأسَّف؛ لاعتقاده جوازها فيه، وجعل العِلَّة فيه سَوْق الهدي، ولأن التمتُّعُ منصوصٌ عليه في كتاب الله، ولإتيانه بأفعالهما كاملة على وجه اليُسر والسهولة، مع زيادة نُسك وهو الدم. قال في رواية أبي طالب (٣): إذا دخل بعُمْرة يكون قد جَمَع الله له حجَّة وعُمْرة ودمًا. (ثم الإفراد) لما في "الصحيحين" عن ابن عباس وجابر: "أن النبيَّ ﷺ أفردَ الحجَّ" (٤). وقال عُمرُ وعثمان وجابر: "هو أفضَلُ

стр. 2465

الأنْسَاكِ" (١) لما ذكرنا، ولإتيانه بالحجِّ تامًّا من غير احتياج إلى آخر. وأجاب أصحابنا عن الخبر: أنه أفرد عمل الحجِّ عن عمل العُمْرة، وأهل بالحجِّ فيما بعد، مع أن أكثر الروايات عن جابر ذكر أصحابه فقط (٢). وأجاب أحمد في رواية أبي طالب (٣): بأن هذا كان في أول الأمر بالمدينة، أحرم بالحج، فلما دخل مكة فَسَخ على أصحابه، وتأسف على التمتُّع؛ لأجل سَوق الهَدي فكان المتأخر أَولى. (ثم القِران) وتقدَّم أنه ﷺ : "حَجَّ قارنًا" (٤) والجواب عنه. (وصِفة التمتُّع: أن يُحرِمَ بالعُمْرة) أطلقه جماعةٌ، منهم صاحب "المحرر" و"الوجيز". وجزم آخرون من الميقات، أى: ميقات بلده (في أشهر الحجِّ) نصَّ عليه (٥)، ورُوي معناه بإسناد جيد عن جابر (٦).

стр. 2466

ولأنه لو لم يُحْرِم بها في أشهر الحجِّ، لم يجمع بين النُّسُكين فيه، ولم يكن متمتعًا (ويفرُغَ منها) أي: يتحلل، قاله في "المستوعب" لأنه لو أحرم بالحجِّ قبل التحلل من العُمْرة، لكان قارنًا، واجتماع النُّسُكين -أي: التمتع والقِران ممتنع؛ لتباينهما. وليس المراد بالنُّسُكين الحجَّ والعُمْرة؛ لإمكان اجتماعهما في القِران. ولعل صاحب "المبدع" فهم ذلك (١)، حتى قال: وفيه نظر. (ثم يُحْرِم بالحجِّ من مكَّة أو قريبٍ منها) نقله حرب وأبو داود (٢)؛ لما رُوي عن عُمر أنه قال: "إذا اعتَمَرَ في أشهُرِ الحجِّ ثم أقَامَ، فهو مُتَمَتِّعٌ، وإن خَرَجَ ورَجَعَ، فليس بمتَمَتِّع" (٣). وعن ابن عُمر نحوه (٤). ويُشترط كما يأتي: أن يحج في عامه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ (٥) الآية. وظاهره -يقتضي الموالاة بينهما؛ ولأنه لو أحرم بالعُمْرة في غير أشهر الحج، ثم حجَّ من عامه؛ لا يكون متمتعًا، فلأن لا يكون متمتعًا إذا لم يحجَّ من عامه أَولى. وما ذكره المصنفُ من اشتراط الإحرام من مكَّة أو قريبٍ منها،

стр. 2467

تَبع فيه "المقنع" و"الفائق" و"الرعايتين" و"الحاويين". والذي عليه أكثر الأصحاب: عدم التقييد، ونسبه في "الفروع" إلى الأصحاب، منهم صاحب "المذهب" و"مسبوك الذهب" و"الخلاصة"، ذكره في "الإنصاف". وقَطَعَ بعدم التقييد في "المنتهى". (و) صفة (الإفراد: أن يُحْرِمَ بالحج مفْرِدًا، فإذا فَرَغ منه) أي: من الحجِّ (اعتمر عُمْرة الإسلام، إن كانت باقيةً عليه) بأن لم يكن أتى بها قبل. (و) صفة (القِران: أن يُحْرِم بهما جميعًا) لفعله ﷺ (١) (أو يُحْرِم بالعُمْرةِ، ثم يُدْخِل عليها الحجَّ قبل الشروع في طوافها) لما روت عائشة قالت: "أهْلَلْنَا بالعُمْرةِ ثمَّ أدخَلْنَا عليها الحجَّ" (٢). وفي الصحيحين أن ابن عُمر فَعَلَهُ وقال: "هكذا صَنَعَ رسولُ الله ﷺ " (٣). وفي الصحيح "أنهُ أمَرَ عائِشَةَ بِذَلِكَ" (٤). فإن كان شرع في طواف العُمْرة لم يصح إدخاله عليها؛ لأنه شرع في التحلُّل من العُمْرة، كما لو سعى (إلا معه الهَدي، فيصحُّ) الإدخال (ولو بعد السعي) بناءً على المذهب أنه لا يجوز له التحلل حتى يبلغ الهَدي مَحِلَّه (ويصير قارنًا)

стр. 2468

جزم به في "المبدع" و"الشرح" و"شرح المنتهى" هنا، وهو مقتضى كلامه في "الإنصاف". وقال في "الفروع" و"شرح المنتهى" في موضع آخر: لا يصير قارنًا إذن. (ولا يُعتبر لصحَّة إدخال الحجِّ على العُمْرة الإحرام به) أي: الحجّ (في أشهره) لصحَّة الإحرام به قبلها، كما تقدم (١). (و إن أحرم بالحجِّ ثم أدخل عليه العُمْرة، لم يصحَّ إحرامُه بها) لأنه لم يرد به أثرٌ، ولم يستفد به فائدة، بخلاف ما سبق (ولم يَصِرْ قارنًا) لأنه لا يلزمه بالإحرام الثاني شيء. (وعَمَلُ القارنِ كالمُفْرد في الإجزاء) نقله الجماعة (٢) (ويسقُطُ ترتيبُ العُمْرة، ويصيرُ الترتيب للحج، كما يتأخر الحِلاقُ إِلى يوم النحر، فوطؤه قبل طواف القُدوم لا يُفسد عمرته، أي: إذا وطئ وطأً لا يُفسد الحجَّ، مثل إن وطئ بعد التحلُّل الأول) وكان لم يدخل مكة قبل ذلك، أو دخلها ولم يطف لقدومه (فإنه لا يفسد حجه، وإذا لم يفسد حجه، لم تفسد عمرته) لقول عائشة: "وأما الذين جمعوا الحجَّ والعُمْرةَ فإنما طافوا طوافًا واحدًا" متفق عليه (٣). وعن ابن عُمر نحوه. رواه أحمد (٤).

стр. 2469

(ويجب على المتمتِّع دمٌ) إجماعًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) الآية. وهو دَمُ (نُسُك، لا) دم (جبرانٍ) لما تقدم (٣) من أفضلية التمتُّع على غيره (بسبعة شروط) متعلِّق بـ"يجب": (أحدها: أن لا يكون) المتمتعُ (من حاضري المسجدِ الحرام) لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤) (وهم) أي: حاضرو المسجد الحرام (أهل مكَّة) و) أهل (الحَرم، ومن كان منه، أي: من الحَرَم، لا من نفس مكَّة دون مسافة القَصْرِ) لأن حاضر الشيء من حلَّ فيه، أو قرب منه وجاوره، بدليل رخص السفر (فمن له منزلان متأهِّلٌ بهما، أحدهما دون مسافة القَصْر) من الحرم (والآخر فوقها أو مثلها، لم يلزمه دَم) التمتُّع (ولو كان إحرامه من)

стр. 2470

المنزل (البعيد، أو كان أكثر إقامته) في البعيد (أو) كان أكثر (إقامة ماله فيه) أي: البعيد (لأن بعض أهله من حاضري المسجد الحرام) فلم يوجد الشرط (وإن استوطن مكة أُفُقيٌّ) بضمتين، نسبة إلى الأفق، وهو الناحية من الأرض أو السماء، وهو الأفصح، وبفتحتين تخفيفًا (فحاضِرٌ) لا دم عليه؛ لعموم الآية (فإن دَخَلها) أي: مكَّة (متمتِّعًا ناويًا الإقامةَ بها بعد فراغ نُسُكه، أو نواها) أي: الإقامة (بعد فَراغه منه) أي: من النُّسُك (أو استوطن مكِّيٌّ بلدًا بعيدًا، ثم عاد) إلى مكة (مقيمًا متمتِّعًا، لزِمَه دم) التمتُّع؛ لأنه حال الشروع في النُّسك لم يكن من حاضري المسجد الحرام. (الثاني: أن يعتمر في أشهر الحجِّ، والاعتبار بالشهر الذي أحرم) بها (فيه، لا) بالشهر (الذي حَلَّ) منها (فيه، فلو أحرم بالعُمرة في) شهر (رمضان، ثم حَلَّ) منها؛ بأن طاف وسعى وحَلَق أو قصَّر (في شوال، لم يكن متمتِّعًا) لأن الإحرام نُسُك (١) يُعتبر للعُمرة، أو من أعمالها، فاعتُبر في أشهر الحجِّ كالطواف. (وإن أحرم الآفاقي) -قال ابن خطيب الدَّهشة (٢): لا يقال: آفاقي، أي: لا يُنسب إلى الجَمع، بل إلى الواحد (٣) - (بعمرة في غير أشهر الحجِّ) كرمضان مثلًا (ثم أقام بمكة، واعتمر من التنعيم في أشهر الحجِّ، وحجَّ من عامه) (فهو (متمتِّعٌ، نصًّا) (٤) لأنه اعتمر وحجَّ في أشهر الحجِّ من عامه (وعليه دَمٌ) لعموم الآية. وهذا قول الموفق والشارح

стр. 2471

على اختيارهما الآتي بيانه في الشرط السادس. (الثالث: أن يحجَّ من عامه) لما سبق. (الرابع: أن لا يسافر بين الحجِّ والعُمْرة مسافة قَصْرٍ فأكثر، فإن فَعَل) أي: سافر مسافة قَصْرٍ فأكثر (فأحرم) بالحجِّ (فلا دم) عليه. نصَّ عليه (١) لما روي عن عُمر أنه قال: "إذا اعتَمرَ في الحجِّ ثم أقامَ فهو متمتِّعٌ، فإن خرجَ ورجعَ فليس بمتمتِّع" (٢)، وعن ابن عُمرَ نحو ذلك (٣). ولأنه إذا رَجَع إلى الميقات أو ما دونه، لَزِمَه الإحرام منه، فإذا (٤) كان بعيدًا فقد أنشأ سفرًا بعيدًا لحَجّه، فلم يترفَّه بترك أحد السفرين، فلم يلزمه دم. (الخامس: أن يَحِلَّ من العُمْرة قبل إحرامِه بالحجِّ، فإن أحرم به قبل حِلِّه منها، صار قارنًا) ولَزِمه دم قِران كما يأتي؛ لترفّهه بترك أحد السفرين. (السادس: أن يُحْرِم بالعُمْرة من الميقات) أي: ميقات بلده (أو من مسافة قَصْر فأكثر من مكة) فلو أحرم من دون مسافة قَصْرٍ من مكة، لم يكن عليه دم تمتُّع، ويكون حكمه حكم حاضري المسجد الحرام، وإنما يكون عليه دم مجاوزة الميقات بغير إحرام إن تجاوزه كذلك، وهو من أهل الوجوب. (ونصه (٥). واختاره (٦) الموفقُ وغيره: أنَّ هذا

стр. 2472

ليس بشرط) فيلزمه دم التمتُّع (وهو الصحيح، لأنا نسمِّي المكيَّ متمتِّعًا، ولو لم يسافر) وهذا غير ناهض؛ لأنه لا يلزم من تسميته متمتعًا وجوب الدَّم، ويأتي أن هذه الشروط لا تعتبر في كونه متمتعًا. (السابع: أن ينوي التمتُّع في ابتداء العُمْرة أو أثنائها) ذكره القاضي وتبعه الأكثرون؛ لظاهر الآية، وحصول الترفّه، وجزم الموفق بخلافه (ولا يُعتبر وقوعُ النُّسُكين عن واحد، فلو اعتمر لنفسه وحَجَّ عن غيره، أو عَكَسه) بأن اعتمر عن غيره وحَجَّ عن نفسه (أو فَعَل ذلك عن اثنين) بأن حَجَّ عن أحدهما واعتمر عن الآخر (كان عليه دمُ المتعة) لظاهر الآية. وهو على النائب إن لم يأذنا له في ذلك، إن لم يرجع إلى الميقات، فَيُحْرِم منه بالحجِّ لأنه بسبب مخالفته، وإن أذنا فعليهما، وإن أذن أحدهما وحده فعليه النصف والباقي على النائب، على ما ذكره في "الشرح"، فيما إذا استنابه اثنان في النُّسكين، فَقَرن بينهما لهما، أو استنابه واحد في أحد النُّسكين فَقَرن له ولنفسه. (ولا تُعتبر هذه الشروطُ) جميعًا (في كونه) يُسمَّى (متمتعًا) خلافًا لظاهر كلام الموفق ومن تبعه (فإنَّ المتعة تصحُّ من المكِّي كغيره) مع أنه لا دم على المكي. (ويلزمُ دمُ تمتُّع وقِران بطلوع فجر) يومِ (النَّحر) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١) أي: فليُهْدِ، وحَمْله على أفعاله أَولى من حَمْله على إحرامه، كقوله: "الحجُّ

стр. 2473

عرَفَة" (١)، و"يوم النحر يوم الحج الأكبر" (٢)؛ ولأن ذلك الوقت وقت ذَبْحه، فكان وقت وجوبه، قاله في "شرح المنتهى" تبعًا لأبي الخطاب. وفي كونه وقت ذَبْحه نظر. ومراده: أنه أول الأيام التي يذبح فيها، وإن تأخر زمنُ ذَبْحِه عنه، ولأن الهَدي من جنس ما يقع به التحلُّل، فكان وقت وجوبه بعد وقت الوقوف، كطوافٍ ورميٍ وحَلْقٍ، وفيه أيضًا نظر؛ لأنه يقتضي وجوبه من نصف الليل، إلا أن يُراد التشبيه بها في تأخُّر وقتها عن وقت الوقوف في الجُمْلة (ويأتي وقتُ ذَبْحه) في باب الهَدي والأضاحي (ويَلزمُ القارنَ -أيضًا- دمُ نُسُكٍ إذا لم يكن من حاضري المسجد الحرام) نصَّ عليه (٣). واحتج له جماعة بالآية؛ ولأنه ترفَّه بسقوط أحد السفرين كالمتمتع. (ولا يسقطُ دمُ تمتُّعٍ وقِرانٍ بفساد نُسُكِهما) نصَّ عليه (٤)؛ لأن ما

стр. 2474

وجب الإتيان به في الصحيح وجب في الفاسد، كالطواف وغيره. (ولا) يسقط دمُ تمتُّع وقِران -أيضًا- (بفواته) أي: الحج كما لو فسد. (وإذا قضى القارنُ قارنًا لَزِمه دمان، دمٌ لِقِرانه الأول، ودمٌ لِقِرانه الثاني، وإن قضى) القارن (مفرِدًا لم يلزمه شيء) لقِرانه الأول؛ لأنه أتى بنسك أفضل من نسكه. (وجَزَم غيرُ واحد) بـ (أنه يلزمه دَمٌ لقِرانه الأول) لأن القضاء كالأداء. قال في "الفروع": وهو ممنوع. (فإذا فَرَغ) من قضى مفرِدًا من الحجِّ (أحرم بالعُمرة من) الميقات (الأبعد) أي: أبعد الميقاتين اللذين أحرم في أحدهما بالقِران وفي الآخر بالحج (كمن فسد حجُّه) ثم قضاه، يحرم من أبعد الميقاتين (وإلا) أي: وإن لم يحرم بالعُمْرة من أبعد الميقاتين (لزم دَمٌ) لتركه واجبًا. (وإن قضى) القارن (متمتعًا، فإذا تحلَّل من العُمْرة، أحرم بالحج من أبعد الموضعين: الميقات الأصلي، والموضع الذي أحرم منه الإحرام الأول) الذي أفسده. قلت: والظاهر أنه لا دم عليه إذن؛ لفوات الشرط الرابع. (ويُسنّ لمن كان قارنًا أو مفرِدًا فَسْخُ نيتهما بالحجِّ، وينويان) بإحرامهما ذلك (عُمْرة مفردة، فإذا فرغا منها) أي: العُمْرة (وحلَّا، أحرما بالحجِّ، ليصيرا متمتعين، ما لم يكونا ساقا هديًا) لأنه صحَّ أن النبي ﷺ "أمَرَ أصحابَه الذين أفرَدُوا الحجَّ وقَرَنُوا أن يَحِلُّوا كلُّهُم ويجعلُوها عُمْرةً إلَّا من كانَ معه هديٌ". متفق عليه (١). وقال سلمة بن شبيب (٢)

стр. 2475

لأحمد (١): كل شيء منك حسن جميل إلا خلَّة (٢) واحدة. فقال: وما هي؟! قال: تقول: بفسخ الحجِّ، قال: كنت أرى أنَّ لك عقلًا، عندي ثمانية عشر حديثًا جيادًا صحاحًا كلها في فَسْخِ الحجِّ، أتركُها لقولك؟! وقد روى فَسْخَ الحجِّ إلى العُمْرة ابنُ عمر (٣)، وابنُ عباس (٤)، وجابرٌ (٥)، وعائشة (٦) وأحاديثهم متفق عليها، ورواه غيرهم من وجوه صحاح. وفي "الانتصار" و"عيون المسائل": لو ادَّعى مدَّعٍ وجوب الفسخ لم يبعد؛ مع أنه قول ابن عباس وجماعة، واختاره ابن حزم (٧). وجوابه: أنه ﷺ "لما قَدِمَ لأربعٍ مضَيْنَ من ذي الحجَّةِ، فصَلَّى الصبحَ بالبَطْحاء، ثم قال: من شاء منكم أن يجعلها عُمْرةً فليجعَلْهَا عُمْرة" (٨). واحتجَّ المخالف بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٩).

стр. 2476

ورُدَّ: بأن الفسخ نقله إلى غيره، لا إبطاله من أصله، ولو سُلِّم فهو محمول على غير مسألتنا، قاله القاضي. فإن قيل: هل يصحُّ -وإن لم يعتقد- فِعْل الحج من عامه؟ قيل: مَنَعه ابن عقيل وغيره. نقل ابن منصور (١): لابُدَّ أن يُهِلَّ بالحج من عامه، ليستفيد فضيلة التمتُّع؛ ولأنه على الفَوْر، فلا يؤخِّره لو لم يُحْرِم به، فكيف وقد أحرم به. واختلف كلام القاضي، وقدَّم الصحة؛ لأنه بالفسخ حصل على صفة يصح منه التمتُّع؛ ولأن العُمْرة لا تصير حجًّا، والحج يصير عُمْرة، كمن حُصر عن عرفة أو فاته الحج. فإن كان المُفرِد والقارن ساقا الهَدي لم يفسخا؛ لما تقدم من قوله: "إلا من كانَ معه هَديٌ" (٢). (أو) يكونا (وقفا بعرفة) فلا يفسخان، فإن من وقف بها أتى بمعظم الحجِّ، وأمِنَ من فوته بخلاف غيره (فلو فَسَخَا في الحالتين) أي: فيما إذا ساقا هديًا أو وقفا بعرقة (فَلَغوٌ) لما سبق، وهما باقيان على نُسُكهما الذي أحرما به. (و لو ساق المتمتع هَديًا، لم يكن له أن يَحِلَّ) من عُمْرته (فَيُحرِمَ بحجٍّ إذا طاف وسعى لعُمْرته فبل تُحلُّلِه بالحَلْق، فإذا ذَبَحه يومَ النَّحْر، حلَّ منهما) أي: من الحج والعُمْرة معًا؛ لقول ابن عُمر: "تمتَّعَ النَّاسُ مع النبيِّ ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحجِّ، فقال: من كانَ معه هَديٌ فإنه لا يحلُّ من شيءٍ حرمَ عليه، حتى يقضِيَ حجَّهُ" (٣). ولأن التمتع أحد نوعي

стр. 2477

الجمع بين الإحرامين كالقِران. (والمعتمرُ غير المتمتِّعِ يَحِلُّ بكلِّ حال) إذا فرغ من عُمْرته (في أشهر الحج وغيرها، ولو كان معه هَديٌ) لأن النبي ﷺ : "اعتَمرَ ثلاثَ عُمر سوى عُمْرتِه التي مع حجَّتِهِ بعضهن في ذِي القعْدَةِ" (١) فكان يَحِلُّ (فإن كان معه) هَديٌ (نَحَره عند المروة، وحيث نحره من الحرم، جاز) لأنه كله مَنْحَر له. (والمرأةُ إذا دخلت) مكة (متمتِّعةً، فحاضت قبل طواف العُمْرة، لم يكن لها أن تدخل المسجدَ (٢) ولا تطوفَ بالبيت) لحديث عائشة (٣)، (فإن خَشِيتْ فواتَ الحج أو خافه) أي: فوات الحج (غيرُها، أحرم بالحج، وصار قارنًا) نصَّ عليه (٤) في الحائض؛ لما روى مسلم: أن عائشة كانت متمتِّعةً فحاضَت، فقال لها النبيُّ ﷺ : "أهلِّي بالحجِّ" (٥)؛ ولأن إدخال الحج على العُمْرة يجوز من غير خشية الفوات، فمعها أَولى؛ لكونها ممنوعة من دخول المسجد (ولم يقضِ طوافَ القُدوم) لفوات محله، كتحية المسجد (ويجب دمُ قِران) كدم مُتعة (وتسقط عنه العُمْرة) أي: تندرج أفعالها في أفعال الحج، كسائر القارنين، وتجزئ عن عُمْرة الإسلام، كما يأتي.

стр. 2478

فصل (ومن أحرم مطلقًا بأن نوى نفس الإحرام) أي: الدخول في نُسُك (ولم يعيِّن نُسُكًا، صحَّ) إحرامه، نصَّ عليه (١)، كإحرامه بمثل ما أحرم فلان، وحيث صحَّ مع الإبهام، صحَّ مع الإطلاق (وله صرفه) أي: الإحرام (إلى ما شاء) من الأنساك، نصَّ عليه (٢) (بالنية) لا باللفظ؛ لأن له أن يبتدئ الإحرام بأيها شاء، فكان له صَرْف المطلق إلى ذلك (ولا يجزئه العمل) من طواف وغيره (قبل النيَّة) أي: التعيين؛ لحديث: "وإنما لكُلِّ امرئ ما نَوى" (٣) فإن طاف قبله لم يجزئه؛ لوجوده لا في حَجٍّ ولا عُمْرة (والأَولى صَرْفُه إلى العُمْرة) لأن التمتع أفضل. (وإن أحرم مُبْهِمًا كإحرامه بمثل ما أحرم به فلان، أو) إحرامه (٤) (بما أحرم به فلان، وعَلِمَ) ما أحرم به فلان (انعقد إحرامُه بمثله) لحديث جابر "أن عليًّا قدم من اليَمنِ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : بمَ أهلَلْتَ؟ فقال: بما أهلَّ به النَّبيُّ ﷺ ، قالَ: فأهْدِ، وامْكُثْ حرامًا (٥) " (٦). وعن أبي موسى نحوه (٧). متفق عليهما (فإن كان الأول أحرم مطلقًا، كان له) أي: الثاني

стр. 2479

(صَرْفُه إلى ما شاء) كما لو أحرم مطلقًا، ولا يتعيَّن عليه صَرْفه لما صَرَفه إليه الأول. قال في "المبدع": فظاهر كلامهم: يعمل بقوله، لا بما وقع في نفسه (ولو جَهِلَ (١) إحرامَ الأول، فكمن أحرم بنُسُكٍ ونَسِيه، على ما يأتي) بيانه قريبًا. (وإن شَكَّ هل أحرم الأولُ، فكمن لم يُحْرِم، فيكون إحرامُه مُطلقًا يصرِفُه إلى ما شاء) كما لو أحرم ابتداء مطلقًا (فإن صَرَفه قبل طوافِه، وَقَع طوافُه) بعد ذلك (عمَّا صَرَفه إليه، وإن طافَ قبل صَرْفِه) إلى نُسُك معين (لم يعتدَّ بطوافه) لأنه لا في حجٍّ ولا عُمْرة. (ولو كان إحرامُ الأول فاسدًا) بأن وطئ فيه (فيتوجَّه، كنَذْرِه عبادة فاسدة) هذا معنى كلامه في "الفروع" و"المبدع"، فينعقد إحرامه، ويأتي بحجَّة صحيحة، على ما يأتي في النذر. (و إن أحرم بحجَّتين أو عُمْرتين، انعقد إحرامُه بإحداهما، ولَغتِ الأخرى) لأن الزمان لا يصلح لهما مجتمعتين، فيصح بواحدة منهما مفردة، كتفريق الصفقة، ولا ينعقد بهما معًا، كبقية أفعالهما، وكنذرهما في عام واحد، فإنه يجب عليه إحداهما في ذلك العام؛ لأن الوقت لا يصلح لهما. قال القاضي وغيره: وكنيَّة (٢) صوم يومين في يوم، ولو فسدت هذه المنعقدة، لم يلزمه إلا قضاؤها. (وإن أحرم بنُسُكٍ) ونسيه (أو نَذَره ونَسِيه، وكان) نسيانه (قبل

стр. 2480

الطوافِ، جعله عُمْرة استحبابًا) لأنها (١) اليقين، وله صرف الحج والقِران إليها مع العِلم، فمع الإبهام أَولى (ويجوزُ صَرْفُه إلى غيرها) أي: غير العُمْرة؛ لعدم تعينها (٢). (وإن جعلَه قِرانًا أو إفرادًا، صحَّ حجًّا فقط) أي: دون العُمْرة فيما إذا صَرَفه إلى قِران؛ لأنه يحتمل أن يكون المنسي حجًّا مفردًا، فلا يصح إدخال العُمْرة عليه، فصحة العُمْرة مشكوك فيها، فلا تسقط بالشكِّ (ولا دم عليه) لأنه لم يتحقَّق أنه قارن، ولا وجوب مع الشكِّ. (وإن جعله) أي: المنسي (عُمْرة، فكفسخِ حجٍّ إلى عُمْرة) فيصحُّ و (يلزمه دم المتعة، ويجزئه) النُّسُك (عنهما) لصحتهما على كل تقدير. (وإن كان شكُّه بعد الطواف، صَرَفه إلى العُمْرة، ولا يجعلُه حجًّا ولا قِرانًا؛ لاحتمال أن يكون المنسيُّ عُمْرة؛ لأنه لا يجوز إدخالُ الحجِّ على العُمْرة بعد الطواف لمن لا هَديَ معه، فيسعى ويحلقُ ثم يُحْرِمُ بالحج مع بقاء وقته، ويتمُّه، ويسقطُ عنه فَرْضُه) لتأديته إياه (ويلزمه دمٌ بكلِّ حال؛ لأنه إن كان المنسيُّ حجًّا أو قِرانًا، فقد حَلَق فيه في غير أوانه) أي: الحَلْق (وفيه) أي: الحَلْق قبل أوانه (دم) جبران (وإن كان معتمرًا، فقد تحلَّل ثم حجَّ، وعليه دمُ المتعة) بشروطه (وإن جعَله حجًّا أو قِرانًا، لم يصحَّ) لاحتمال أن يكون المنسيُّ عُمْرة، ولا يصح إدخال الحجِّ عليها بعد الطواف لمن لا هَدي معه (ويتحلَّل بفِعْل الحجِّ) لاحتمال أن يكون حجًّا (ولم يجزئه) ما فَعَله (عن واحد منهما؛ للشكِّ، ولا دم ولا قضاء) عليه (للشكِّ في سببهما) الموجب لهما،

стр. 2481

والأصل براءته (١). و يصح: أحرمت يومًا، أو: بنصف نُسُك، ونحوه. لا: إن أحرم زيد فأنا مُحْرِم. (وإن أحرم عن اثنين) استناباه في حجٍّ أو عُمْرة، وقع عن نفسه؛ لأنه لا يمكن وقوعه عنهما، وليس أحدهما أَولى بوقوعه عنه من الآخر (أو) أحرم (عن أحدهما لا بعينه) وقع عن نفسه دونهما؛ لما تقدم (أو) أحرم (عن نفسه وغيره، وقع عن نفسه) لأنه إذا وقع عن نفسه فيما سبق ولم ينوِها، فمع نيته أَولى (ويضمن) ما أخذه منهما ليحج به عنهما، فيرد لهما بدله. (و يُؤدَّب من أخذ من اثنين حَجَّتين؛ ليحُجَّ عنهما في عام واحد) لفعله مُحرَّمًا. نصَّ عليه (٢) (وإن استنابَه اثنان في عام في نُسُك، فأحرَم عن أحدهما بعينه، ولم يَنْسَه، صحَّ، ولم يصحَّ إحرامُه للآخر بعدَه) نصَّ عليه (٣) ولو طاف للزيارة بعد نصف ليلة النَّحْر ورمى، لا إن علق الإحرام من المبيت ليالي منى، ورَمْي الجمار أيامها باقية، فلا يصحّ إدخال إحرام على إحرام (٤) (فإن نسي عمَّن أَحرمَ منهما وتعذَّرت معرفتُه، فإن فَرَّطَ) النائب (أعاد الحجَّ عنهما) لأنه لا يكون لأحدهما؛ لعدم أولويته (وإن فَرَّط الموصَى إليه بذلك) بأن لم يسمه للنائب (غَرِمَ) الموصى إليه (ذلك) أي: نفقة الحج عنهما (وإلا) أي: وإن لم يكن ذلك بتفريط النائب (٥)، ولا الموصى إليه؛ بأن سمَّاه الموصى إليه

стр. 2482

للنائب وعيَّنه ابتداءً، ولم يحصُل منه تفريط في نسيانه، لكنه نسيه (فـ) النفقة للحجِّ عنهما (من تَرِكَةِ الموصِيَيْن) المستناب عنهما؛ لعدم التفريط (إن كان النائب غير مستأجرٍ لذلك) أي: للحج عنهما؛ لأنه أمين (وإلا) بأن كان مستأجرًا له، إن قلنا: تصحُّ الإجارة للحج (لَزِماه) أي: لزم النائب الأجير أن يحجَّ عنهما؛ ليوفي بما استؤجر له. فصل (والتلبيةُ سُنَّة) لفعله ﷺ وأمره بها، وهي ذِكْر فيه، فلم تجب كسائر الأذكار. (ويُسَّنُّ ابتداؤها) أي: التلبية (عَقِبَ إحرامِه) على الأصح. وقيل: إذا استوى على راحلته، وجزم به في "المقنع" وغيره، وتبعهم في "المختصر" (١). (و) يُسنُّ (ذِكْرُ نُسكِه فيها، و) يُسنُّ (ذِكْرُ العُمْرةِ قبل الحج للقارن، فيقول: لبَّيكَ عُمْرةً وحجًّا) لحديث أنس قال: "سمعت رسولَ الله ﷺ يقولُ: لبَّيكَ عمرةً وحَجًّا" (٢). وقال جابر: "قدمنا مع رسول الله ﷺ ونحن نقول: لبَّيْكَ بالحجِّ" (٣). وقال ابن عباس: "قدم رسول الله ﷺ وأصحَابُه، وهمْ يُلَبُّونَ بالحجِّ" (٤). وقال ابن عُمر: "بدأ رسولُ

стр. 2483

الله ﷺ فأهلَّ بالعُمْرَةِ، ثم أهَلَّ بالحجِّ" (١). متفق عليهما. ومعنى "أهلَّ": رفع صوته بالتلبية، من قولهم: استهلَّ الصبي، إذا صاح. (و) يُسنُّ (الإكثارُ منها) أي: من التلبية؛ لخبر سهل بن سعد: "مَا من مسلم يُلبِّي إلَّا لَبَّى ما عن يمينهِ وشماله من شجر، أو حجرٍ، أو مَدَرٍ، حتَّى تنقطع الأرضُ من هاهنا وهاهنا". رواه الترمذي بإسناد جيد، وابن ماجه (٢). (و) يُسنُّ (رَفْعُ الصوت بها) لقول أنس: "سمعتُهم يَصرخُونَ بها صُراخًا" رواه البخاري (٣) (ولكن لا يُجْهِدُ نفسه في رَفعْه زيادة على الطاقة) خشية ضرر يصيبه. (ولا يستحبُّ إظهارها) أي: التلبية (في مساجد الحِلِّ وأمصاره) قال أحمد: إذا أحرم في مِصْره، لا يعجبني أن يلبي، حتى يبرز (٤)؛ لقول ابن عباس لمن سمعه يلبي بالمدينة: "إِنَّ هذا لمجنون، إنَّمَا التلببة إذَا بَرَزت" (٥). واحتج القاضي وأصحابه بأن إخفاء التطوُّع

стр. 2484

أَولى؛ خوف الرياء على من لا يشاركه في تلك العبادة، بخلاف البراري وعرفات، والحَرَم ومكة. (ولا) يُستحبُّ إظهارها (في طواف القدوم والسعي) بعده؛ خوف انشغال (١) الطائفين والساعين عن أذكارهم. وعُلم منه أنَّه لا بأس بهما فيهما سرًّا؛ لأنه زمن التلبية. (ويُكره رَفْع الصوت بها حول البيت)، وإن لم يكن طائفًا (لئلَّا يشغل الطائفين عن طوافهم وأذكارهم) المشروعة لهم. (ويُستحبُّ أن يلبّى عن أخرس ومريض وصغير ومجنون ومغمًى عليه) تكميلًا لنُسُكهم، وكالأفعال التي يعجزون عنها. (ويُسنُّ الدُّعاء بعدها) أي: التَّلبية (فيسأل الله الجنة، ويعوذ به من النار) لما روى الدارقطني بإسناده عن خزيمة بن ثابت "أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغَ من تلبيته، سألَ الله مغفرتَهُ ورضوانَهُ، واستعاذَ برحمته من النار" (٢) (ويدعو بما أحب) لأنه مظنّة إجابة الدعاء. (و) يُسنُّ عقبها (الصلاة على النبي ﷺ ) لأنه موضع يُشرع فيه ذِكْر الله تعالى، فشُرعت فيه الصلاة على رسوله ﷺ ، كالصلاة، أو فشُرع فيه ذِكْر رسوله، كالأذان (ولا يرفع بذلك) أي: بالدعاء والصلاة عليه

стр. 2485

- ﷺ عقب التلبية (صوته) لعدم وروده. (وصفة التلبية: لبيك اللَّهمَّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) قال الطحاوي (١) والقرطبي (٢): أجمع العلماء على هذه التلبية. وهي مأخوذة من لَبَّ بالمكان، إذا لزمه، فكأنه قال: أنا مقيم علي طاعتك، وكرَّره؛ لأنه أراد إقامة بعد إقامة، ولم يرد حقيقة التثنية، وإنما هو التكثير، كحنانيك، والحنان: الرحمة. وقيل: معنى التلبية: إجابة دعوة إبراهيم حين نادى بالحج، وقيل: محمد. والأشهر: أنَّه الله تعالى. وكسر همزة "إن" أَولى عند الجماهير، وحكي الفتح عن آخرين. قال ثعلب (٣): من كسر فقد عمَّ، يعني حمد الله على كل حال، ومن فتح فقد خصَّ، أي: لبيك؛ لأن الحمد لك. (ولا يُستحبُّ (٤) الزيادةُ عليها) لأنه ﷺ لزم تلبيته، فكرَّرها، ولم يزد عليها (ولا يُكره) نصَّ عليه (٥)؛ لأن ابن عُمر كان يلبِّي تلبية رسول الله ﷺ ، ويزيد مع هذا: "لبيكَ، لبيكَ، لبيكَ (٦) وسعدَيْكَ، والخيرُ

стр. 2486

بيدَيْكَ، والرغْبَاءُ إليكَ والعمَلُ". متفق عليه (١). وزاد عُمر: "لبَّيكَ ذَا النَّعماء والفضْلِ، لبَّيكَ لبيَّكَ مرغُوبًا ومرهوبًا إليكَ لبَّيكَ" رواه الأثرم (٢). ورُوي أن أنسًا كان يزيد: "لبَّيك (٣) حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا" (٤). (و لا يُستحبُّ؛ تكرارها في حالة واحدة) قاله أحمد (٥). قال في "المستوعب" وغيره: وقال له الأثرم: ما شيء تفعله العامة، يلبون دُبُرَ الصلاة ثلاثًا؟ فتبسم، وقال: لا أدري من أين جاؤوا به. قلت: أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى؛ لأن المروي التلبية مطلقًا من غير تقييد، وذلك يحصُل بمرَّة (وقال الموفق والشارح: تكرارها ثلاثًا في دُبُرِ الصلاة حسن) فإن الله وتر يحب الوتر.

стр. 2487

(ولا تُشْرَع) التلبية (بغير العربية لقادر) على التلبية بالعربية؛ لأنه ذِكر مشروع، فلم تشرع بغير العربية مع القدرة، كالأذان والأذكار المشروعة في الصلاة. (وإلا) أي: وإن لم يكن قادرًا على العربية، لبَّى (بلغته) كالتكبير في الصلاة. (ويتأكَّد استحبابُها إذا علا نَشَزًا، أو هبط واديًا، وفي دُبُرِ الصلوات المكتوبات ولو في غير جماعة، و) عند (إقبال الليل و) إقبال (النهار وبالأسحار، وإذا التقتِ الرفاقُ، وإذا سمع ملبيًا، أو أتى محظورًا ناسيًا إذا ذَكَره، أو ركب دابتَه، أو نزل عنها، أو رأى البيتَ) لما روى جابر قال: "كان النبيُّ ﷺ يلبِّي في حجَّتِهِ إذا لَقِيَ راكبًا، أو علا أكَمَةً، أو هبطَ واديًا، وفي أدبار الصلواتِ المكتويةِ، وفي آخر الليْلِ" (١). وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يستحبُّون التلبيةَ دُبُرَ الصلاة المكتوبة، وإذا هبط واديًا، وإذا عَلا نشزًا، وإذا لقِيَ راكبًا، وإذا استوت بهِ راحلتُهُ" (٢). وأما فيما إذا فَعَل محظورًا ناسيًا ثم ذَكَره، فلتدارك الحج، واستشعار إقامته عليه، ورجوعه إليه. وفي "المستوعب": تُستحبُّ عند تنقُّل الأحوال به.

стр. 2488

(و تُستحبُّ) التلبية (في مكة والمسجدِ) الحرام (وسائرِ مساجد الحرم، كمسجد منى، وفي عرفات -أيضًا- و) سائر (بقاع الحرم) لعموم ما سبق، ولأنها مواضع النُّسُك. (و لا بأس أن يلبِّي الحلال) لأنها ذِكرٌ مستحبٌّ للمُحْرِم، فلم تُكره لغيره، كسائر الأذكار. (وتُلبِّي المرأة) استحبابًا؛ لدخولها في العمومات (ويُعتبر أن تُسمِعَ نفسها) التلبية؛ لأنها لا تكون متلفظة بذلك إلا كذلك (ويُكره جَهْرُها بها أكثر من سماع رفيقتِها) قال ابن المنذر (١): أجمع العلماء على أن السُّنة في المرأة أن لا ترفع صوتها. انتهى. وإنما كُرِه لها رَفْعُ الصوت، مخافة الفتنة بها (٢). قلت: وخُنثى مشكل كأنثى (ويأتي) محل (قطعها آخر باب دخوله (٣) مكة) مفصلًا.

стр. 2489

باب محظورات الإحرام أي: الممنوع فِعْلهن في الإحرام شرعًا (وهي ما يَحرُمُ على المُحْرِم فِعْله) بسبب الإحرام (وهي تسعة: أحدها: إزالةُ الشَّعر من جميع بدنه) ولو من أنفه (بحَلْق أو غيره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) نصَّ على حَلقِ الرأس، وعُدِّيَ إلى سائر شعر البدن؛ لأنه في معناه، إذ حلقه يؤذن بالرفاهية، وهو ينافي الإحرام؛ لكون أن المُحْرم أشعث أغبر. وقِيسَ على الحَلقِ: النتف والقلع؛ لأنهما في معناه، وإنما عبَّر به في النصِّ؛ لأنه الغالب. (فإن كان له) أي: المُحْرِم (عُذْرٌ من مرضٍ، أو قمل، أو قروح، أو صداع، أو شدَةِ حَرٍّ؛ لكثرته مما يتضرَّرُ بإبقاءَ الشَّعْر، أزاله) أي: الشعر (وفَدَى) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)؛ ولما روى كعب بن عُجرة قال: "كان بي أذًى منْ رأسي، فحُملتُ إلى رَسُول الله ﷺ والقمْلُ يتناثَرُ على وجْهِي، فقال: ما كنتُ أرَى الجهدَ يَبلغُ بكَ مَا أرى، أتَجدُ شَاةً؟ قلت: بلى (٢). فنزلت: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستَّةَ مسَاكينَ: نصف صاعٍ طعامًا لِكُلِّ مسكين". متفق عليه (٣) (كأكلِ صيدٍ لضرورة) إلى أكله،

стр. 2490

فيأكله وعليه الجزاء. (الثاني: تقليم الأظفار) لأنه يحصُل به الرفاهية، فأشبه إزالة الشَّعر (إلا من عُذْر) فيباح عند العُذر، كالحلق (فمن حَلَقَ ئلاث شعرات فصاعدًا، أو قلَّم ثلاثة أظفار فصاعدًا، ولو مخطئًا، أو ناسيًا، فعليه دَمٌ) يعني شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كما يأتي في الفِدية، أما في الحَلْقِ، فلما تقدم. وخُصَّت بالثلاث؛ لأنها جَمْع، واعتُبرت في مواضع، بخلاف ربع الرأس، وأُلحقت حالة عدم العُذر بحالة وجوده؛ لأنها أَولى بوجوب الفِدية، وأما التقليم فبالقياس على الحَلْق؛ لأنه في معناه في حصول الرفاهية. (وفيما دون ذلك) أي: الثلاث من الشعرات أو الأظفار (في كل واحد طعام مسكين) ففي شعرة طعام مسكين، وفي شعرتين طعاما مسكين (١)، وفي تقليم ظفر واحد طعام مسكين، وفي ظفرين طعاما مسكين (١)؛ لأنه أقل ما وجب شرعًا فدية. (و في قصِّ بعض الظُّفر ما في جميعه، وكذا قَطعُ بعض الشَّعْرة) فيه ما في جميعها؛ لأنه غير مقدَّر بمساحة، وهو يجب فيهما، سواء طالا أو قصرا؛ كالمُوْضِحة (٢) يجب مع كبرها وصغرها، ففي بعض الشَّعْرة أو بعض الظُّفر طعام مسكين، وفي شعرتين وبعض أخرى، وظفرين وبعض آخر فدية كاملة. (وإن حُلق رأسُه بإذنه) فالفِدية على المَحلوق رأسه دون الحالق.
следующие страницы →