بيدَيْكَ، والرغْبَاءُ إليكَ والعمَلُ". متفق عليه (١). وزاد عُمر: "لبَّيكَ ذَا النَّعماء والفضْلِ، لبَّيكَ لبيَّكَ مرغُوبًا ومرهوبًا إليكَ لبَّيكَ" رواه الأثرم (٢). ورُوي أن أنسًا كان يزيد: "لبَّيك (٣) حقًّا حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا" (٤).
(و لا يُستحبُّ؛ تكرارها في حالة واحدة) قاله أحمد (٥). قال في "المستوعب" وغيره: وقال له الأثرم: ما شيء تفعله العامة، يلبون دُبُرَ الصلاة ثلاثًا؟ فتبسم، وقال: لا أدري من أين جاؤوا به. قلت: أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى؛ لأن المروي التلبية مطلقًا من غير تقييد، وذلك يحصُل بمرَّة (وقال الموفق والشارح: تكرارها ثلاثًا في دُبُرِ الصلاة حسن) فإن الله وتر يحب الوتر.
стр. 2487
(ولا تُشْرَع) التلبية (بغير العربية لقادر) على التلبية بالعربية؛ لأنه ذِكر مشروع، فلم تشرع بغير العربية مع القدرة، كالأذان والأذكار المشروعة في الصلاة. (وإلا) أي: وإن لم يكن قادرًا على العربية، لبَّى (بلغته) كالتكبير في الصلاة.
(ويتأكَّد استحبابُها إذا علا نَشَزًا، أو هبط واديًا، وفي دُبُرِ الصلوات المكتوبات ولو في غير جماعة، و) عند (إقبال الليل و) إقبال (النهار وبالأسحار، وإذا التقتِ الرفاقُ، وإذا سمع ملبيًا، أو أتى محظورًا ناسيًا إذا ذَكَره، أو ركب دابتَه، أو نزل عنها، أو رأى البيتَ) لما روى جابر قال: "كان النبيُّ ﷺ يلبِّي في حجَّتِهِ إذا لَقِيَ راكبًا، أو علا أكَمَةً، أو هبطَ واديًا، وفي أدبار الصلواتِ المكتويةِ، وفي آخر الليْلِ" (١). وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يستحبُّون التلبيةَ دُبُرَ الصلاة المكتوبة، وإذا هبط واديًا، وإذا عَلا نشزًا، وإذا لقِيَ راكبًا، وإذا استوت بهِ راحلتُهُ" (٢). وأما فيما إذا فَعَل محظورًا ناسيًا ثم ذَكَره، فلتدارك الحج، واستشعار إقامته عليه، ورجوعه إليه. وفي "المستوعب": تُستحبُّ عند تنقُّل الأحوال به.
стр. 2488
(و تُستحبُّ) التلبية (في مكة والمسجدِ) الحرام (وسائرِ مساجد الحرم، كمسجد منى، وفي عرفات -أيضًا- و) سائر (بقاع الحرم) لعموم ما سبق، ولأنها مواضع النُّسُك.
(و لا بأس أن يلبِّي الحلال) لأنها ذِكرٌ مستحبٌّ للمُحْرِم، فلم تُكره لغيره، كسائر الأذكار.
(وتُلبِّي المرأة) استحبابًا؛ لدخولها في العمومات (ويُعتبر أن تُسمِعَ نفسها) التلبية؛ لأنها لا تكون متلفظة بذلك إلا كذلك (ويُكره جَهْرُها بها أكثر من سماع رفيقتِها) قال ابن المنذر (١): أجمع العلماء على أن السُّنة في المرأة أن لا ترفع صوتها. انتهى. وإنما كُرِه لها رَفْعُ الصوت، مخافة الفتنة بها (٢). قلت: وخُنثى مشكل كأنثى (ويأتي) محل (قطعها آخر باب دخوله (٣) مكة) مفصلًا.
стр. 2489
باب محظورات الإحرام
أي: الممنوع فِعْلهن في الإحرام شرعًا (وهي ما يَحرُمُ على المُحْرِم فِعْله) بسبب الإحرام (وهي تسعة:
أحدها: إزالةُ الشَّعر من جميع بدنه) ولو من أنفه (بحَلْق أو غيره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) نصَّ على حَلقِ الرأس، وعُدِّيَ إلى سائر شعر البدن؛ لأنه في معناه، إذ حلقه يؤذن بالرفاهية، وهو ينافي الإحرام؛ لكون أن المُحْرم أشعث أغبر. وقِيسَ على الحَلقِ: النتف والقلع؛ لأنهما في معناه، وإنما عبَّر به في النصِّ؛ لأنه الغالب.
(فإن كان له) أي: المُحْرِم (عُذْرٌ من مرضٍ، أو قمل، أو قروح، أو صداع، أو شدَةِ حَرٍّ؛ لكثرته مما يتضرَّرُ بإبقاءَ الشَّعْر، أزاله) أي: الشعر (وفَدَى) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١)؛ ولما روى كعب بن عُجرة قال: "كان بي أذًى منْ رأسي، فحُملتُ إلى رَسُول الله ﷺ والقمْلُ يتناثَرُ على وجْهِي، فقال: ما كنتُ أرَى الجهدَ يَبلغُ بكَ مَا أرى، أتَجدُ شَاةً؟ قلت: بلى (٢). فنزلت: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١). قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستَّةَ مسَاكينَ: نصف صاعٍ طعامًا لِكُلِّ مسكين". متفق عليه (٣) (كأكلِ صيدٍ لضرورة) إلى أكله،
стр. 2490
فيأكله وعليه الجزاء.
(الثاني: تقليم الأظفار) لأنه يحصُل به الرفاهية، فأشبه إزالة الشَّعر (إلا من عُذْر) فيباح عند العُذر، كالحلق (فمن حَلَقَ ئلاث شعرات فصاعدًا، أو قلَّم ثلاثة أظفار فصاعدًا، ولو مخطئًا، أو ناسيًا، فعليه دَمٌ) يعني شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كما يأتي في الفِدية، أما في الحَلْقِ، فلما تقدم. وخُصَّت بالثلاث؛ لأنها جَمْع، واعتُبرت في مواضع، بخلاف ربع الرأس، وأُلحقت حالة عدم العُذر بحالة وجوده؛ لأنها أَولى بوجوب الفِدية، وأما التقليم فبالقياس على الحَلْق؛ لأنه في معناه في حصول الرفاهية.
(وفيما دون ذلك) أي: الثلاث من الشعرات أو الأظفار (في كل واحد طعام مسكين) ففي شعرة طعام مسكين، وفي شعرتين طعاما مسكين (١)، وفي تقليم ظفر واحد طعام مسكين، وفي ظفرين طعاما مسكين (١)؛ لأنه أقل ما وجب شرعًا فدية.
(و في قصِّ بعض الظُّفر ما في جميعه، وكذا قَطعُ بعض الشَّعْرة) فيه ما في جميعها؛ لأنه غير مقدَّر بمساحة، وهو يجب فيهما، سواء طالا أو قصرا؛ كالمُوْضِحة (٢) يجب مع كبرها وصغرها، ففي بعض الشَّعْرة أو بعض الظُّفر طعام مسكين، وفي شعرتين وبعض أخرى، وظفرين وبعض آخر فدية كاملة.
(وإن حُلق رأسُه بإذنه) فالفِدية على المَحلوق رأسه دون الحالق.
стр. 2491
(أو) حُلِق رأسه بلا إذنه لكنه (سكت، ولم ينهه) أي: الحالق (ولو كان الحالق مُحرِمًا، فالفِدية عليه) أي: على المحلوق رأسه؛ لأن الله تعالى أوجب الفِدية بحلق الرأس، مع علمه أن غيره يحلقه، ولأن الشَّعْر أمانة عنده كوديعة، فإذا سكت ولم يَنْهَ الحالقَ فقد فرَّط فيه، فيضمنه (كما لو أُكره) المُحْرم (على حَلْقه) أي: الشعر، فحَلَقه (بيده) فالفِدية عليه؛ لأنه إتلاف، وهو يستوي فيه من باشره طائعًا أو مكرهًا (ولا شيء على الحالق) ولو مُحْرمًا؛ لأنه محظور واحد، فلا يوجب فديتين.
(وإن كان) المُحْرم المحلوق رأسه (مكرهًا) وحُلقت رأسُه (بيد غيره، أو) كان (نائمًا) وحُلقت رأسه (فـ) الفِدية (على الحالق) نصّ عليه (١)؛ لأنه أزال ما مُنِع من إزالته؛ كحَلْق مُحْرمٍ رأس نفسه.
(ومن طيَّب غيره) والغير مُحْرم (فكحالق) فإن كان بإذنه، أو سكت ولم ينهه؛ فالفِدية على المفعول به؛ وإن كان مكرهًا أو نائمًا، فعلى فاعل (٢)، ويأتي أنه لا فدية على من تطيَّب مكرهًا.
(وإن حَلَقَ مُحْرِمٌ حلالًا) يعني: أزال شعره (أو قَلَّمَ) المُحْرِم (أظفاره) أي: الحلال (فلا فِدية عليه) أي: هدر. نصَّ عليه (٣)؛ لأنه شعر أو ظفر مباح الإتلاف، فلم يجب بإتلافه جزاء، كبهيمة الأنعام.
(وحُكمُ الرأس والبَدن في إزالة الشَّعر، و) في (الطيب، و) في (اللُّبْس واحد) لأنه جنس واحد، لم يختلف إلا موضعه (فإن حَلَق شعر رأسِه وبدنه) ففدية واحدة؛ لما تقدم. وكما لو لَبِسَ قميصًا وسراويل
стр. 2492
(أو تطيَّب) في رأسه وبدنه (أو لَبِسَ فيهما، فـ) ــــــعليه (فِدية واحدة) لأن الحلق إتلاف، فهو آكد من ذلك، ومع ذلك ففيه فِدية واحدة فهنا أَولى.
(وإن حَلَق من رأسه شعرتين، ومن بدنه شعرة، أو بالعكس) بأن حَلَق من بدنه شعرتين ومن رأسه واحدة (فعليه دَمٌ) أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كما لو كانت من موضع واحد.
(وإن خرج في عينه شعر فَقَلعه) فلا شيء عليه (أو نَزَل شعرُ حاجبيه فغطَّى عينيه فأزاله، فلا شيء عليه) لأن الشعر آذاه، فكان له إزالته من غير فِدية، كقتل الصيد الصائل، بخلاف ما إذا حَلَقَ شعره لقمل، أو صداع، أو شدة حَرٍّ، فتجب الفِدية؛ لأن الأذى من غير الشعر.
(وكذا إن انكسر ظفره فقصَّه) لأنه يؤذيه بقاؤه (١) (أو قَطَع أصبعًا بظفرِها) فهَدْر؛ لأنه زال تبعًا، وإن لم يمكن مداواة مرضه إلا بقصه، قصه وفدى (أو قَلَع جلدًا عليه شعرٌ) فهَدْرٌ؛ لما تقدم (أو افتَصَد فزال شعرٌ) فهَدْرٌ. ولو قلع (٢) أشفار عين لم يضمن الهدب.
(وإن خلَّل لحيته، أو مشَّطها، أو) خلَّل (رأسه) أو مشَّطها (فسقط شعرٌ ميِّتٌ، فلا شيء عليه، نصًّا) قال أحمد (٣): إن خلَّلها فسقط، إن كان شعرًا ميتًا فلا شيء عليه (وإن تيقَّن أنه) أي: الشعر (بان بالمشطِ أو التَّخَلُّلِ (٤) فَدَى) لدخوله في عموم ما سبق (وتُستحبُّ الفِدية مع الشك) في كونه بانَ بمشط، أو كان ميتًا، احتياطًا لبراءة ذمته، ولا
стр. 2493
يجب؛ لأن الأصل عدمه.
(وله) أي: المُحْرِم (حَكُّ بدنه، أو رأسه (١) برِفقٍ) نصَّ عليه (٢) (ما لم يقطع شَعرًا) فيَحرم عليه.
(وله) أي: المُحْرم (غَسْلُه) أي: غسل رأسه وبدنه، فَعَل ذلك عُمر (٣) وابنه (٤)، وأرخص فيه عليٌّ (٥) وجابر (٦) (في حَمَّام وغيره، بلا تسريح) لأن تسريحه تعريض لقَطْعِه.
(و) للمُحْرِم (غَسْلُه بسِدرٍ وخطمي ونحوهما) كصابون وأُشنان؛ لقوله ﷺ في المُحْرِم الذي وَقَصته راحلته: "اغْسِلُوهُ بماءٍ وسِدْر" (٧) مع بقاء الإحرام، وقِيسَ على السِّدر ما يشبهه.
(وإن وَقَعَ في أظفاره مرض فأزالها لذلك المرض، فلا شيء عليه) لأنها تابعة، فلا تضمن كما تقدم.
(و إن انكسر ظُفره فأزال أكثر مما انكسر، فعليه الفِدية) أي: فِدية ما زاد على المنكسر؛ لعدم الحاجة إلى إزالته؛ بخلاف المنكسر.
стр. 2494
فصل
(الثالث: تغطية الرأس) إجماعًا (١)؛ لنهيه ﷺ المُحْرِمَ عن لبس العمائم (٢)، وقوله في المُحْرِم الذي وَقَصَته راحلته: "ولا تخَمِّرُوا رأسَه، فإنَّهُ يُبْعَثُ يومَ القِيامةِ مُلبِّيًا" (٣) متفق عليهما. وكان ابن عُمر يقول: "إحْرَامُ الرَّجُلِ في رَأسِهِ" (٤) وذكره القاضي مرفوعًا (٥) (والأذنان منه) لما
стр. 2495
في حديث ابن ماجه من قوله ﷺ : "الأُذُنَان من الرَّأسِ" (١) (وتقدم ذلك في) باب (الوضوء) ومنه أيضًا: النزعتان والصدغ، والتحذيف والبياض فوق الأذنين (فما كان منه) أي: الرأس (حَرُمَ على ذَكَرٍ تغطيتُه) لما تقدم (فإن غطَّاه) أي: الرأس (أو) غطَّى (بعضَه، حنى أذنيه بلاصِقٍ مُعتادٍ أو لا) أي: أو بلاصق غير معتاد (كعِمامة وخِرقةٍ وقِرطاس فيه دواءٌ أو غيره، أو لا دواء فيه، و) كـ (عصابةٍ لصُداع ونحوه) كرمد (ولو يسيرًا، وطِين (٢) طَلَاه به، أو بحنَّاء أو غيره، ولو بنُوْرَة؛ (٣) لعُذر أو غيره، فعليه الفِديةُ) لأنه فعل محرَّمًا في الإحرام يقصد به الترفّه، أشبه حَلْق الرأس.
(وإن استظلَّ في مَحْمِل) -ضبطه الجرهري كالمجلس، وعكس ابن مالك (٤) (ونحوه من هودج وعمَّاريَّة (٥) ومَحَارة (٦)، حَرُمَ، وفدي) لأن ابن عمر "رأى على رَجُلٍ مُحْرِمٍ عُودًا يَسْتُرُهُ مِن الشَّمْس فنهاهُ عن
стр. 2496
ذلكَ" رواه الأثرم (١)، واحتج به أحمد (٢). ولأنه قصد ستره (٣) بما يقصد به الترفّه كتغطيته، أو يقال: لأنه سَتر رأسه عمَّا (٤) يُستدام ويلزمه (وكذا لو استظلَّ بثوب ونحوه، راكبًا ونازلًا) كالمَحمِل (و لا أثر للقصد وعدمِه فيما فيه فِدية، وما لا فِدية فيه) لكن يأتي إذا فَعَله ناسيًا.
(ويجوز تلبيدُ رأسِه بعَسَل وصَمْغ ونحوه؛ لئلا يدخله غبارٌ، أو دبيبٌ، أو يصيبه شَعَثٌ) لحديث ابن عُمر: "رَأيتُ رسول الله ﷺ يهلُّ مُلَبِّدًا، متفق عليه (٥) (ولا شيء عليه) لأنه لم يفعل محظورًا، ولو كان في رأسه طيب مما فَعَله قبل الإحرام؛ لحديث ابن عباس: "كأني أنظر إلى وَبيصِ المِسْك في رَأس رسول الله ﷺ وهو مُحْرِم" (٦).
стр. 2497
(وكذا إن حَمَلَ على رأسه شيئًا، أو وضع يده عليه) لأنه لا يُستدام (أو نصب حياله ثوبًا؛ لحرٍّ أو بردٍ، أمسكه إنسان، أو رَفَعه على عود) لما روت أم الحصين قالت: "حَجَجْتُ مع النَّبيِّ ﷺ حجَّةَ الوداع، فرأيت بلالًا وأُسامة، وأحدُهُما آخذٌ بخطَامِ ناقتِهِ، والآخرُ رَافعٌ ثَوبهُ يَسْترُهُ مِنَ الحرِّ، حتَّى رَمَى جَمْرَةَ العقبة"، رواه مسلم (١). وأجاب أحمد (٢) -وعليه اعتمد القاضي وغيره- بأنه يسير لا يُراد للاستدامة، بخلاف الاستظلال بالمحمل.
(أو استظلَّ بخيمة أو شجرةٍ، ولو طَرَح عليها شيئًا يستظلُّ به، أو) استظل بـ (سقف أو جدار، ولو قَصَد به السَّتْر) فلا شيء عليه؛ لحديث جابر "أن النَّبيَّ ﷺ ضُرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ بِنَمِرَةَ فنزلها"، رواه مسلم (٣)؛ ولأنه لا يقصد به الترفّه في البدن عادة، بل جَمْع الرَّحْل وحفظه، وفيه شيء.
(وكذا لو غطَّى) المُحْرِم الذَّكر (وجهه) فيجوز، رُوي عن عثمان (٤) وزيد بن ثابت (٥)، وابن عباس (٦)، وابن الزبير (٧)، وغيرهم،
стр. 2498
ولأنه لم تتعلق به سنة التقصير من الرجل، فلم تتعلَّق به حُرمة التخمير، كباقي بدنه.
فصل
(الرابع: لُبْسُ الذَّكر المَخِيطَ، قلَّ أو كَثُرَ، في بدنه أو بعضه، مما عُمل على قَدْره) أي: قَدْر الملبوس فيه من بدن أو بعضه (من قميص وعِمامة وسراويل وبُرنُس ونحوها، ولو دِرعًا منسوجًا، أو لِبْدًا معقودًا، ونحوه) مما يُعمل على قَدْر شيء من البدن (و) كـ (الخفين أو أحدهما للرِّجْلين، و) كـ (القفازين) تثنية قفاز، كتفاح: شيء يُعمل (لليدين) كما يُعمل للبزاة (وقال القاضي وغيره: ولو كان) المخيط (غير معتاد، كجورب في كفٍّ، وخفٍّ في رأس، فعليه الفِدية. انتهى) للعمومات (ورانٍ) شيءٌ يُلبس تحت الخف (كخُفٍّ) لما روى ابن عُمر أن رجلًا "سَألَ النَّبيَّ ﷺ ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيابِ؟ فقال: لا يَلبَس القَميص، ولا العِمَامةَ، ولا البُرنُسَ، ولا السَّراويلَ، ولا ثَوْبا مَسَّهُ زَعْفَران أو وَرْس، ولا الخُفَّينِ، إلا أن لا يَجِدَ نَعْلَينِ، فليقطعهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكعبَينِ". متفق عليه (١).
فتنصيصه على القميص يلحق به ما في معناه من الجُبَّة والدرَّاعة، والعِمامة يلحق بها كلُّ ساتر ملاصق أو ساتر معتاد، والسراويل يلحق به التُّبَّان وما في معناه، ولا فَرْق بين قليل اللبس وكثيره؛ لظاهر الخبر، ولأنه استمتاع، فاعتُبِرَ فيه مجود الفعل، كالوطء في الفَرْج.
(ف إن لم يجد إزارًا، لبس سراويل) لقول ابن عباس: "سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَخْطُبُ بِعَرفاتٍ يقولُ: السَّرَاويلُ لمَنْ لا يَجِدُ الإزار، والخفَّان لمن
стр. 2499
لم يَجِدِ النَّعلينِ". متفق عليه (١)، ورواه الأثبات وليس فيه: "بعرفات". وقال مسلم (٢): انفرد بها شعبة. وقال البخاري (٣): تابعه ابن عيينةَ عن عمر (٤).
(ومثله) أي: السراويل (لو شَقَّ إزارَه، وشَدَّ كلَّ نصفٍ على ساقٍ) لأنه في معناه.
(ومتى وجد إزارًا، خَلَعه) أي: السراويل، كالمتيمم يجد الماء (وإن اتَّزر) المُحْرِم (بقميص، فلا بأس) به؛ لأنه ليس لبسًا للمخيط المصنوع لمثله.
(وإن عَدِمَ نعلين، أو) وجدَهما و (لم يمكن لبسهما) لضيقٍ أو غيره (لَبِسَ خُفَّين أو نحوهما من رانٍ وغيره) كسرموزة (٥)، وزربول؛ (٦) لحديث ابن عباس السابق (بلا فِدية) لظاهر الخبر، ولو وجبت، لبيَّنها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (ويحرُمُ قَطْعُهما) أي: الخُفَّين؛ لحديث ابن عباس السابق، ولمسلم عن جابر مرفوعًا مثله (٧)، وليس فيه: "يخْطُبُ بعَرَفَات". ولم يذكر في هذين الحديثين الخُفَّين (٨)، ولقول علي: "قَطْعُ الخُفَّينِ فَسادٌ" (٩)؛ ولأن الخف ملبوس أُبيح لعدم غيره،
стр. 2500
أشبه لبس السراويل من غير فَتْقٍ، ولنهي النبي ﷺ عن إضاعة المال (١). وقال أبو الشعثاء لابن عباس: "لمْ يقُلْ: لِيقْطعهُما؟ قال: لا" رواه أحمد (٢). وروي -أيضًا- عن عُمر: "الخفَّانِ نَعْلانِ لمنْ لا نَعْلَ لَهُ" (٣).
(وعنه (٤): يقطعُهما) أي: الخُفَّين ونحوهما (حتى يكونا أسفلَ من الكعبين، وجوَّزه جمعٌ. قال الموفق وغيره: والأولى قَطعُهما؛ عملًا بالحديث الصحيح) أي: حديث ابن عُمر (٥)؛ وخروجًا من الاختلاف، وأخذًا بالاحتياط. قال الشارح: وما قاله صحيح.
وأُجيب: بأن زيادة القَطْع لم يذكرها جماعةٌ، ورُوي أنها من قول ابن عُمر (٦)، ولو سُلِّمَ صحةُ رَفْعها فهي بالمدينة، وخَبَرُ ابن عباس
стр. 2501
بعرفات، فلو كان القطع واجبًا لبيَّنه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المدينة في موضع البيان ووقت الحاجة. لا يقال: اكتفى بما سبق؛ لأنه يقال: فَلِمَ ذكر لبسهما، والمفهوم من إطلاقه لبسهما بلا قَطْع؟!
ويُجاب عن قول المخالف بأن المقيَّد يقضي على المطلق: أن محلَّه إذا لم يمكن تأويله، وعن قوله: إن حديث ابن عُمر فيه زيادة لفظ: بأن خبر ابن عباس وجابر فيهما زيادة حكم جواز اللبس بلا قَطْع، يعتي: أن هذا الحكم لم يُشرع بالمدينة، وهذا أَولى من دعوى النَّسْخ، وبهذا يُجاب عن قول الخطابي (١): "العجب من أحمد في هذا، أي: قوله بعدم القطع؛ فإنه لا يخالف سُنَّة تبلغه". وفيه شيء؛ فإنه قد يخالف لمعارض راجح، كما هو عادة المتبحرين في العلم الذين أيدهم ألله بمعونته في جَمْعهم بين الأخبار.
(وإن لَبِسَ مقطوعًا) من خُفٍّ ونحوه (دون الكعبين مع وجود نَعْل، حَرُمَ) كلبس الصحيح؛ لأن قطعه كذلك لا يخرجه عن كونه مخيطًا (وفدى) للبسه كذلك.
(ويُباح) للمُحْرِم (النعلُ) لمفهوم ما سبق، وهي الحذاء، وهي مؤنثة، وتطلق على التاسومة، قاله في "الحاشية" (ولو كانت) النعل (بِعَقِبٍ وقَيدٍ، وهو السيرُ المُعترضُ على الزمام) للعمومات.
(و لا يعقد) المُحْرِم (عليه شيئًا من مِنطقةٍ، ولا رداء ولا غيرهما) لقول ابن عمر: ولا يعقد عليه شيئًا، رواه الشافعي (٢)، وروى هو ومالك:
стр. 2502
أنه يكره لُبْس المنطقة للمُحْرِم (١)، ولأنه يترفَّه بذلك أشبه اللباس.
(وليس له أن يجعل لذلك) أي: المِنْطقة والرِّداء ونحوهما (زرًّا وعروة، ولا يخلُّه بشوكة أو إبرة أو خيط، ولا يغرز أطرافه في إزاره، فإن فعل) من غير حاجة (أثِم وفدى؛ لأنه كمخيط.
ويجوز له) أي: المُحْرِم (شدُّ وسطه بمنديل وحبل ونحوهما، إذا لم يعقد (٢). قال) الإمام (أحمد (٣) في مُحْرِمٍ حَزَم عِمامته على وسطه: لا يعقدها، ويدخل بعضها في بعض) لاندفاع الحاجة بذلك. قال طاوُس: فَعَله ابنُ عمر (٤) (إلا إزاره) فله عَقْده (لحاجة ستر العورة، و) إلا (هِمْيانه، ومِنْطَقته اللذين فيهما نفقته، إذا لم يثبت) الهِميان أو المِنْطقة (إلا بالعقد) لقول عائشة: "أوْثِقْ عليك نفقَتكَ" (٥). وروي عن ابن عباس (٦) وابن عُمر (٧) معناه. بل رَفَعه بعضهم (٨)، ولأن الحاجة تدعو إلى عَقْدِه، فجاز كعقد الإزار، فإن ثبت بغير العقد، كما لو
стр. 2503
أدخل السيور بعضها في بعض، لم يجز عقده لعدم الحاجة، وكما لو لم يكن فيه نفقة.
(وإن لَبِسَ المِنطْقة لوجع ظهر أو حاجة) غيره (أو لا) لحاجة (فدى) كما لو لبس مخيطًا لحَرٍّ أو برد.
(وله أن يلتحف بقميص) أي: يتغطَّى به (ويرتدي به، وبرِداء موصَّل) لأن ذلك كله ليس بلبس المخيط المصنوع لمثله (ولا يعقده) أي: الرداء، وتقدَّم.
(ويَفْدي بطَرْحِ قَباء ونحوه على كتفيه) مطلقًا. نصَّ عليه (١)؛ لما روى ابن المنذر مرفوعًا: "أنه نَهَى عن لبسِ الأقْبيةِ للمُحْرِم" (٢) ورواه النجَّاد عن علي (٣)، ولأنه مخيط، وهو عادة لبسه كمخيط.
(ومن به شيء) من قروح أو غيرها (لا يُحِبُّ أن يطَّلع عليه أحدٌ) لبس وفَدى، نصَّ عليه (٤) (أو خاف) المُحْرِم (من بَرْدٍ، لَبِسَ وفَدى) كما لو اضطر إلى أكل صيد.
(و لا تحرمُ دَلالةٌ على طِيبٍ ولباس) لأنه لا يحرم على المُحْرم تحصيلهما بل استعمالهما بخلاف الصيد (ويأتي قريبًا.
стр. 2504
ويتقلَّد) المُحْرِم (بسيف) لـ (لحاجة) لما روى البراء بن عازب قال: "لما صالحَ رسولُ الله ﷺ أهلَ الحدَيبيةِ، صالحَهُمْ أن لا يَدْخُلَها إلا بجُلبَانِ (١) السِّلاحِ: القرَابُ بِمَا فيه" متفق عليه (٢). وهذا ظاهر في إباحته عند الحاجة؛ لأنهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد (ولا يجوز) أن يتقلَّد بالسيف (لغيرها) أي: غير حاجة لقول ابن عُمر: "لا يحمل المُحْرِم (٣) السِّلاحَ في الحَرَم" (٤) قال الموفق: والقياس يقتضي إباحته؛ لأنه ليس في معنى اللُّبْس، كما لو حمل قِربة في عنقه.
(و لا يجوز حَمْل السلاح بمكة لغير حاجة) لما روى مسلم عن جابر مرفوعًا: "لا يَحِلُّ أَن يُحمَلَ السِّلاحُ بِمَكَّةَ" (٥). وإنما مَنَعَ أحمد (٦) من تقليد السيف؛ لأنه في معنى اللبس.
(وله حمل جِراب وقِربة الماء في عُنقُه، ولا فِدية) عليه (ولا يُدخل) حبلها (٧) (في صدره) نصَّ عليه (٨).
стр. 2505
(والخُنثى المُشْكل إن لَبِسَ المخيطَ) ولم يُغَطِّ وجهه، فلا فِدية عليه؛ لاحتمال كونه امرأة (أو غطَّى وجهه وجسده من غير لُبْسٍ) للمخيط (فلا فِدية) لاحتمال كونه رجلا (وإن غطَّى وجهَه ورأسه) فدى؛ لأنه إن كان أنثى فقد غطَّى وجهه، وإن كان رجلًا فقد غطَّى رأسه، فوجبت بكل حال (أو غطَّى وجهَه ولَبِسَ المخيط، فدى) لأنه إن كان أنثى فعليه الفِدية لتغطية وجهه، وإن كان ذكرًا فللبسه المخيط.
فصل
(الخامس: الطيبُ) إجماعًا (١)؛ لأنه ﷺ "أمرَ يعلَى بنَ أُمَيَّةَ بغَسْلِ الطِّيبِ" (٢) وقال في المُحْرم الذي وقصته ناقته: "لا تُحَنِّطُوهُ" (٣) متفق عليهما، ولمسلم: "لا تمسُّوهُ بطِيبٍ" (٤) (فيحرُمُ عليه) أي: المُحْرِم (بعد إحرامِه تطييبُ بدنه وثيابه) أو شيء من بدنه. نصَّ عليه (٥)، أو شيء من ثوبه؛ لحديث ابن عمر (٦) ولأنه يُعدُّ متطيبًا بكل
стр. 2506
واحد منهما (ولو) كان التطييب له (من غيره بإذنه) وكذا لو سَكَتَ ولم ينهه كما تقدم (١)، وسبق (٢) حكم ما لو تطيب قبل إحرامه، ثم استدامه.
(و) يحرم عليه (لُبْسُ ما صُبغ بزعفران أو وَرسٍ) لما تقدم في حديث ابن عُمر من قوله ﷺ : "ولا ثوبًا مسَّه زَعْفَران أو وَرْسٌ" وهو نبت أصفر يكون باليمن تُتخذُ منه الحُمْرة للوجه، قاله الجرهري (٣)، وفي "القاموس" (٤): الورس نبات كالسمسم ليس إلا باليمن، يُزرع فيبقى عشرين سنة، نافع للكَلَف طلاءً، وللبَهَق شربًا.
(أو) أي: ويحرم على المُحْرِم لُبْس (ما غُمس في ماء وَرْد، أو بُخِّرَ بعود ونحوه) كعنبر؛ لأنه مطيب.
(و) يحرم عليه -أيضًا- (الجلوسُ والنومُ عليه) أي: على ما صُبغ بزعفران أو وَرْس، أو غمس في ماء وَرْد، أو بُخِّرَ بعود ونحوه (فإن فَرَش فوقَ الطِّيب ثوبًا صفيقًا يمنعُ الرائحةَ والمباشرة غير ثياب بدنه، فلا فِدية بالنوم عليه) ولا بالجلوس عليه؛ لأنه لا يعد مستعملًا له، بخلاف ثياب بدنه ولو صفيقة.
(ويحرمُ) على المُحْرِم (الاكتحالُ) بمُطَيَّب (والاستعاطُ) بمطيب (والاحتقانُ بمطيَّبٍ) لأنه استعمال للطيب، أشبه شمَّه.
(و) يَحرمُ على المُحْرِم (شَمُّ الأدهان المطيِّبة، كدُهن وَرْد، و) دُهن (بَنَفْسج) بفتح الباء والنون والسين، معرَّب (و) دُهن (خِيريٍّ)
стр. 2507
وهو المنثور، ويأتي (و) دُهن (زَنْبق) بوزن جعفر. يقال: هو الياسمين، قاله في "الحاشية"، والمعروف أنه غيره، لكنه قريب منه في طبعه (و) يَحرم على المُحْرِمِ (الادِّهانُ بها) أي: الأدهان المطيبة، لأنها تقصد رائحتها وتتخذ للطيب، أشبهت ماء الورد.
(و) يَحرم على المُحْرِم (شمُّ مِسْكٍ وكافور وعنبر، وغاليةٍ، وماء وَرْد، وزعفران، وورس، وتبخرٌ بعود ونحوه) كعنبر؛ لأنها هكذا تستعمل.
(و) يَحرم على المُحْرِم (أكلُ أو شربُ ما فيه طِيبٌ يَظهرُ طعمُه أو ريحه، -ولو مطبوخًا -أو مسَّته النارُ، حتى ولو ذهبت رائحتُه وبقي طعمُه) لأن الطعم يستلزم (١) الرائحة، ولبقاء المقصود منه (فإن بقي اللون فقط) دون الطعم والرائحة (فلا بأس بأكله) لذهاب المقصود منه.
(وإن مسَّ من الطيب ما لا يَعْلَق بيده، كمِسْكٍ غير مسحوقٍ، وقِطَع كافور، و) قِطَع (عنبر ونحوه) كقِطَع عود (فلا فِدية) عليه بذلك؛ لأنه غير مستعمل للطيب (فإن شمَّه) أي: المِسك وقِطَعَ الكافور والعنبر ونحوه (فَدى) كما سبق (وإن عَلِقَ الطيبُ بيده كالمسحُوق) من مِسك وكافور وعنبر (و) كـ (الغالية وماء الورد، فَدى) لأنه مُستعمل للطيب.
(وله شَمُّ العودِ؛ لأنه لا يتطيَّبُ به إلا بالتبخير، و) له شَمُّ (الفواكه كلِّها من الأتْرُجِّ والتفاح والسَّفرجل وغيرها، وكذا نباتُ الصحراء كشيح وخُزامى وقَيصوم وإذْخِر ونحوه مما لا يُتَّخذُ طيبًا) لأنه ليس بطيب، ولا يتخذ منه طيب، ولا يُسمَّى متطيبًا عادة.
(و) كذا (ما ينبته الآدمي لغير قَصْدِ الطيب، كحناء، وعُصْفر،
стр. 2508
وقرنفل، ودار صينيٍّ (١) ونحوه) كالزرنب (٢) (أو ينبته لطيب ولا يتخذ منه طيب، كريحان فارسي، ومَحلُّ الخِلاف) -أي: الروايتين (٣) (فيه- وهو الحَبَق، معروف بالشام والعراق ومكَّة وغيرها) قال في "القاموس" (٤): نبات طيب الرائحة، فارسيته (٥): "القوتنج" (٦) يشبه النمّام (٧). وحَبَق الماء وحَبَق التمساح: "القوتنج (٦) النهري" (وخصَّه). أي: الريحان الفارسي (بعضُ العلماء بالصنميران (٨) وهو صنف منه) أي: من الريحان الفارسي (قال بعضهم: هو العُنجج المعروف بالشام بالريحان الجمام؛ لاستدارته على أصل واحد. انتهى. وماء ريحان ونحوه) كماء الفواكه والعصفر والقرنفل ونحوها، كما (٩) تقدم (كهو) فيحل للمُحْرِم، لما تقدم (والريحان عند العرب هو الآس) أي:
стр. 2509
المرسين (ولا فِدية في شمِّه) قطعًا، قاله في "المبدع" (وكذا نرجس) بفتح النون وكسرها، أعجمي معرَّب (ونمَّام) قال في "القاموس" (١): نبت طيبٌ مُدِرٌّ، يُخرج الجنين الميت والدود (وبَرَم، وهو: ثمر العضاه، كأم غيلان، ونحوها، ومرْزَجوش (٢)) قال في "القاموس" (٣): بالفتح المردَقوش معرب مَرزَكُموش (٤). وعربيته: السَّمْسَق، نافع لعُسر البول والمغص، ولسعة العقرب.
(و يفدي) المُحْرِم (بشَمِّ ما ينبته) الآدمي (لطيب، ويُتَّخذُ منه كورد وبنفسج، وخِيريّ) بكسر الخاء وتشديد الياء آخره (وهو المنثور، ولينوفر، وياسمين، ونحوه) كالبان والزنبق؛ لقول جابر: "لا يشمّه". رواه الشافعي (٥) وكرهه ابن عُمر (٦). قاله أحمد (٧)؛ لأنه يتخذ للطيب كماء الورد.
(ولا فِدية بادهان بدُهن غير مطيب كزيت وشيرج وسمن) حتى في رأسه؛ لأنه ﷺ فعله، رواه أحمد والترمذي وغيرهما (٨) من حديث
стр. 2510
ابن عُمر من رراية فَرْقد السَّبَخي، وهو ضعيف عندهم. وذكره البخاري (١) عن ابن عباس، ولعدم الدليل.
(و) للمُحْرِم الادهان بـ (دُهْنِ البان الساذج) أي: الخالي عن الطيب (ونحوها في رأسه وبدنه) لما تقدم.
(وإن جَلَس عند عطَّار، أو) جلس (في موضع ليَشُمَّ الطيب، فشمَّه مثل من قَصَدَ الكعبة حال تجميرها، أو حَمَل عقدة فيها مسك ليجد ريحها، فَدى) إن شمَّه، نصَّ عليه (٢)؛ لأنه شمَّه قاصدًا، أشبه ما لو باشره (فإن لم يقصد شمَّه كالجالس عند العطار (٣) لحاجته (٤)، و) كـ (داخل السوق) لا لشم الطيب (أو داخل الكعبة ليتبرك بها (٥)، ومن
стр. 2511
يشتري طيبًا لنفسه، أو للتجارة، ولا يمسّه، فغير ممنوع) لأنه لا يمكن الاحتراز منه (ولمشتريه حمله وتقليبه إذا لم يمسه، ولو ظهر ريحه؛ لأنه لم يقصد الطيب) ولم يستعمله.
(وقليل الطيب وكثيره سواء) للعمومات.
(وإذا تطيب ناسيًا أو عامدًا، لزمه إزالته بما أمكن من الماء وغيره من المائعات) لأن القصد الإزالة (فإن لم يجد) مائعا يزيل به الطيب (فـ) إنه يزيله (بما أمكنه من الجامدات، كحَكِّه بخرقة وتراب وورق شجر ونحوه) كحجر وخشب؛ لأن الواجب إزالته حسب الإمكان وقد فَعَل (وله غسله بنفسه، ولا شيء عليه لملاقاة الطيب بيده) لأنه تارك (والأفضلُ الاستعانة على غسلِه بحلالٍ) لئلا يباشره، وتقدم أنه يقدم غسله على غسل نجاسته (١) وحدث، لكن إن قدر على قطع رائحته بغير الماء فعل، وتوضأ بالماء؛ لأن المقصود من إزالة الطيب قَطْعُ رائحته.
فصل
(السادسُ: قَتلُ صيد البرِّ المأكول وذبحُه) إجماعًا (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٣) (واصطياده) لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيكُمْ صَيدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤) (وأذاه) ولو لم يقتله أو يخرجه (٥) في الاصطياد أو الأذى.
стр. 2512
(وهو) أي: صيد البرّ (ما كان وحشيًّا أصلًا لا وصفًا، فلو تأهل وحشيٌّ) كحمام وبط (ضَمِنَه) اعتبارًا بأصله، و (لا) ضمان (إن توحش أهلي): من إبل أو بقر أو غيرهما، فلا يحرم قتله للأكل ولا جزاء فيه، قال أحمد (١) في بقرة صارت وحشية: لا شيء فيها؛ لأن الأصل فيها الإنسية.
(ويحرمُ) قتل واصطياد متولِّد من المأكول وغيره، تغليبا للتحريم، كما غلَّبوا تحريم أكله (ويُفدى متولدٌ من المأكول ومن غيره) إذا قتله؛ لتحريم قتله (كمتولِّد بين وحشيٍّ وأهلي) فإنه يحرم قتله واصطياده (٢)، ويفدي تغليبًا للحظر (و) كذا المتولد (بين وحشي وغير مأكول) فيحرم قتله واصطياده؛ لما تقدم (ويأتي حكمُ غير الوحشي) وحكم غير المأكول (فحَمَام وبَطٌّ وحشيان وإن تأهلا) اعتبارًا بأصلهما (وبقرٌ وجواميس أهلية وإن توحّشت) لأن الأصل فيها الإنسية، وتقدم (فمن أتلف صيدًا) أو بعضه، فعليه جزاؤه (أو تلف) الصيد (في يده، أو) تلف (بعضه) في يده (بمباشرة) لإتلافه (أو سبب، ولو) كان (بجناية دابة) هو (متصرِّفٌ فيها) بأن كان راكبًا أو سائقًا أو قائدًا، بخلاف ما لو انفلتت منه فأتلفته (فعليه جزاؤه إن كان) الإتلاف (بيدها، أو فمِها) و (لا) يضمنه إن كان بـ (رجلها) نفحًا (٣)، لا وطئًا، كما يعلم من الغصب (ويأتي آخرَ جزاء الصيد) أمَّا كونه يضمنه بالجزاء إذا أتلفه فبالإجماع (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ
стр. 2513
النَّعَمِ﴾ (١)، وأما ضمانه إذا تلف في يده، فلأنه تَلِفَ تحت يد عادية، أشبه ما لوَ أتلفه؛ إذ الواجب إما إرساله أو رده على مالكه. وأما ضمان جزئه بالإتلاف والتلف، فلأن جملته مضمونة، فضمنت أبعاضه كالآدمي والمال.
(ويحرمُ عليه) أي: المُحرِم (الدلالة عليه) أي: الصيد (والإشارةُ والإعانةُ، ولو بإعارة سلاح ليقتله) أي: الصيد (أو ليذبَحَه به، سواء كان معه) أي: الصائد (ما يقتله به أو لا، أو يناولُه سِلاحَه أو سوطَه، أو يَدفعُ إليه فرسًا لا يقدِر على أخذِ الصيدِ إلا به) لأنه وسيلة إلى الحرام، فكان حرامًا، كسائر الوسائل، ولحديث أبي قتادة لما صاد الحمارَ الوحشي وأصحابه مُحْرِمون، قال النبي ﷺ : "هل أشارَ إليه إنسانٌ منكم، أو أمَرَهُ بشيء؟ قالوا: لا" وفيه: "أبْصَرُوا حمَارًا وَحشيًّا فلم يَدُلُّوني، وأحَبوا لو أنِّي أبْصَرتُهُ، فالتَفَتُّ فأبْصَرْتُهُ، ثمّ ركِبت؛ ونَسِيت السَّوْطَ، أو الرُّمْحَ، فقلتُ لهم: نَاولُوني. فقالوا: لا والله، لا نعينك عليه بشيء؛ إنا مُحْرِمون، فتناولته فأخذته، ثم أتَيتُ الحِمارَ مِن وراء أكمَة فَعَقَرْتهُ، فأتَيتُ بهِ أصحابي، فقال بعضهم: كلوا، وقال بعضهمْ: لا تأكُلُوا، فأتَيتُ النبي ﷺ فسألتُهُ، فقَال: كُلُوهُ وهو حَلالٌ" متفق عليه (٢) ولفظه للبخاري. (ويضمنه بذلك) أي: يضمن المُحرِم الصيدَ بالدلالة عليه، والإشارة إليه، والإعانة عليه بشيء مما تقدم، كما يضمن المودع بالدلالة، لكن لو دلَّه، فكذبه، فلا ضمان عليه، قاله في "المبدع".
стр. 2514
(ولا ضمانَ على دالٍّ ولا مشيرٍ بعد أن رآه مَن يريد صيدَه) لأنه لم يكن سببًا في تلفه (وكذا لو وُجِدَ من المُحرِم عند رؤية الصيدِ ضَحِكٌ، أو استشراف) نفسٍ (فَفَطِنَ له غيرُه) أي: غير المُحرِم، فلا تحريم ولا ضمان؛ لما تقدم من حديث أبي قتادة (وكذا لو أعاره آلةَ لغير الصيدِ، فاستعمَلها فيه) أي: الصيد (لأن ذلك غير مُحرمٍ) فلا يترتب عليه ضمان.
(و لا تحرم دلالةٌ على طِيب ولباسٍ) لعدم ضمانهما بالسبب، ولأنه لا يتعلَّق بهما حكم يختص بالدال عليهما، بخلاف الدلالة على الصيد؛ فإنه يتعلق بها حكم يختص (١) بالدالِّ، وهو تحريم الأكل منه، ووجوب الجزاء إذا كان من دلَّه المُحرم حلالًا.
(ولا) تحرم (دلالة حلال مُحرِمًا على صيد) بغير الحرم؛ لأن صيد الحلال حلال، فدلالته أَولى (ويضمنه المُحرم) إذا قتله؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) (إلا أن يكون) الصيدُ (في الحرم، فيشتركان) أي: الحلال والمُحرِم (في الجزاء كالمُحرِمين) لتحريم صيد الحرم على الحلال والمُحرم.
(فإن اشترك في قتل صيدِ حلال ومُحرِمٌ، أو) اشترك فيه (سَبعٌ ومحرِمٌ في الحِل) متعلق بـ: "اشترك" (فعلى المحرِم الجزاءُ جميعُه) لأنه اجتمع موجب ومسقط، فغلب الإيجاب، كما لو قتل صيدًا بعضه في الحرم. وقال القاضي في "المجرد": مقتضى الفقه عندي أنه يلزمه نصف الجزاء. وقاسه على مشاركة مَن لا ضمان عليه في إتلاف النفوس والأموال، والفَرق واضح، إذ الإذن هناك منتفٍ، وهاهنا موجود، نعم
стр. 2515
إن قصد المُحِلُّ إعانة المُحرِم ومساعدته على قتل الصيد، توجَّه ما قاله القاضي، فإنه يكره له ذلك، أو يحرم عليه، كما إذا باع مَن لا جُمعة عليه لمن عليه الجمعة بعد النداء. قاله في "القواعد الفقهية" في التاسعة والعشرين (١).
(ثم إن كان جَرحُ أحدهما) أي: الحلال والمُحرِم (قبل صاحبه، والسابقُ) بالجرح (الحلالُ، أو السَّبُعُ، فعلى المُحرِم جزاؤه مجروحًا) اعتبارًا بحال جنايته عليه؛ لأنه وقت الضمان (وإن سبقه المُحرم) فجَرحه (وقتله أحدهما) أي: الحلال أو السَّبعُ (فعلى المُحرِم أرش جَرحِه) فقط؛ لأنه لم يوجد منه سوى الجرح (وإن كان جرحهما في حالة واحدة، أو جرحاه) أحدهما بعد الآخر (ومات منهما، فالجزاء كله على المُحرِم) تغليبا للوجوب، كما سبق. وإن جَرَحه مُحرِم ثم قتله محرِم، فعلى الأول أرش جرحه، وعلى الثاني تتمة الجزاء.
(وإذا دلَّ مُحرِمٌ محرمًا على صيد، ثم دل الآخرُ محرما آخر) ثم (كذلك إلى عشرة فقتله العاشر، فالجزاء على جميعهم) لاشتراكهم في الإثم والتسبب (وإن قتله الأول، فلا شيء) على غيره؛ لأن الغير لم يقتل ولم يتسبب في القتل.
(ولو دلَّ حلالٌ حلالًا على صيد في الحرم، فكدلالة مُحرم مُحرِمًا عليه) أي: على الصيد، فيكون جزاؤه بينهما، نصَّ عليه (٢).
(وإن نصب) حلالٌ (شَبكة ونحوها) كفخٍّ (ثم أحرم) لم يضمن ما تلف بذلك ما لم يكن حيلة (أو أحرم ثم حفر بئرًا بحق، كـ) أن حَفَرها في (داره ونحوها) من ملكه أو موات (أو) حفر البئر (للمسلمين بطريق
стр. 2516
واسع، لم يضمن ما تلف بذلك) لعدم تحريمه (ما لم يكن حيلة) على الاصطياد، فإن كان حيلة ضَمِنَ؛ لأن الله تعالى عاقب اليهود على نَصْبِ الشَّبَكِ يوم الجمعة وأخذِ ما سقط فيها يوم الأحد. وهذا في معناه، وشَرعُ من قبلنا شَرعٌ لنا؛ ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن حفر البئر بحقٍّ، كحفرها بطريق ضيق ونحوه (ضَمِنَ) ما تلف بها من الصيد (كالآدمي إذا تلف في هذه المسألة) قال ابن عقيل: لو باع فخًّا أو شبكة منصوبتين، فوقع فيهما صيد في الحرم، أو مملوكًا للغير، لم يسقط عنه ضمانه، ذكره عنه في "القواعد الفقهية" (١).
(ويحرمِ على المحرِم أكل صيد صاده) هو أو غيره من المُحرِمين (أو ذبَحه، أو دلَّ عليه حلالًا أو أعانه عليه أو أشار إليه) لما تقدم في حديث أبي قتادة من قوله ﷺ : "هل منكم أحدٌ أمَرهُ أن يحمِل عليه، أو أشارَ إليه؟ قالوا: لا. قال: كلُوا ما بَقيَ مِنْ لَحمِهَا" متفق عليه (٢).
(وكذا) يحرم على المُحْرِم (أكلُ ما صِيدَ لأجله) نقله الجماعة (٣)؛ لما في "الصحيحين" من حديث الصعب بن جَثَّامة: "أنهُ أهْدَى للنبيِّ ﷺ حمارًا وحْشيًّا، فردهُ عليهِ، فلما رأى ما في وجههِ، قال: إنا لم نَرُدَّهُ علَيكَ إلَّا أنا حُرُمٌ" (٤)، وروى الشافعي، وأحمد من حديث جابر
стр. 2517
مرفوعًا: "لحمُ الصَّيدِ للمحرِم حَلالٌ، ما لَمْ تصيدُوهُ أو يُصَد لَكم" (١).
فيه المطلب بن حَنْطب. قال الترمذي: لا يُعرف له سماع من جابر.
وعن عثمان: "أنهُ أُتِيَ بِلَحمِ صَيدٍ، فقال لأصحابه: كُلُوا، فقالوا: ألا تأكل أنْتَ؟ فقال: إني لست كهَيئتكُم، إنَّما صِيدَ لأجلي" رواه مالك والشافعي (٢).
стр. 2518
(وعليه) أي: المُحرِم (الجزاءُ إن أكله) أي: ما صِيدَ لأجله؛ لأنه إتلاف مُنع منه بسبب الإحرام، فوجب عليه به الجزاء كقتل الصيد، بخلاف قَتل المُحرِم صيدًا، ثم يأكله، فإنه يضمنه لقتله، لا لأكله. نصَّ عليه (١)؛ لأنه مضمون بالجزاء، فلم يتكرَّر كإتلافه بغير أكله، وكصيد الحرم إذا قتله حلال وأكله، ولأنه ميتة وهي لا تُضمن، ولهذا لا يضمنه بأكله مُحرِم غيره.
(وإن أكل) المُحرِمُ (بعضَه) أي: بعض ما صِيدَ لأجله (ضَمنه بمثله من اللحم) من النَّعَم (كضمان أصله) لو أكله كله (بمثله من النَّعم) والفرع يتبع أصله (ولا مشقَّة فيه) أي: في ضمان البعض بمثله من اللحم (لجواز عدوله) أي: المجرم (إلى عَدْلِه) أي: البعض (مِن طعام وصوم (٢)) فلا يفضي إلى التشقيص.
(ولا يحرم عليه) أي: المُحْرِم (أكلُ غيره) أي: غير ما صِيد أو ذُبح له، إذا لم يدلَّ ونحوه عليه؛ لما تقدم (فلو ذبح مُحِلٌّ صيدًا لغيره من المُحْرِمين، حَرُم على المذبوح له) لما سبق و (لا) يحرم (على غيره من المُحرِمين) لما مرَّ (وما حَرُم على مُحْرِم، لدلالة، أو إعانة، أو صيد له) أو ذُبح له (لا يحرم على مُحرِم غيره) أي: غير الدال أو المعين، أو الذي صِيد أو ذُبح له (كحلال) أي: كما لا يحرم على حلال (٣).
(وإن قتل المُحرِم صيدًا، ثم أكله، ضَمنه لقتله، لا لأكله؛ لأنه ميتة يحرم أكله على جميع الناس) والميتة غير متموَّلة فلا تضمن (وكذا
стр. 2519
إن حَرُمَ) الصيد (١) (عليه) أي: على المُحْرم (بالدلالة، أو الإعانة عليه، أو الإشارة) إليه (فأكل منه، لم يضمن) ما أكله (للأكل) بل للسبب من الدلالة ونحوها؛ لأنه مضمون بالسبب، فلم يتكرَّر ضمانه كما تقدم.
(و بَيْضُ الصيد ولَبنُه مثلُه فيما سبق) لأنه كجزئه.
(و يحرُم تنفيرُ الصيد) لأنه إيذاء، وكصيد الحرم (فإن نفَّره فتلِفَ، أو نقص في حال نفوره، ضمن) التالف بمثله أو قيمته، وما نقص بأرشه لتسببه فيه.
(وإن أتلف) المُحْرم (بيضه) أي: الصيد (ولو) كان إتلافه (بنقلِه) من مكانه (فجَعَله تحت صيد آخر) أو لا (أو تَرَك مع بيضه بيضًا آخر) فنفَرَ (أو) جعل مع بيضه (شيئًا فنفَر) الصيد (عن بيضه حتى فَسَد) البيض (ضمنه بقيمته مكانه) لقول ابن عباس: "في بيض النعام قيمته" (٢)؛ ولأن البيض لا مِثل له، فتجب فيه القيمة، كصغار الطير. وإطلاق الثمن في خبر أبي هريرة مرفوعًا: "في بيض النعام ثَمَنُه" -رواه ابن ماجه (٣) - يدل
стр. 2520
على ذلك؛ إذ غالب الأشياء يعدل ثمنها قيمتها (كلبنه) فيضمن بقيمته؛ لأنه لا مِثْلَ له من بهيمة الأنعام.
و (لا) يضمن البيض (المَذِرَ (١)، و) لا (ما فيه فَرْخٌ ميت).
لأنه لا قيمة له (سوى بيض النعام، فإن لقشرِه قيمة فيضمَنهُ) بقيمته وإن كان مَذِرًا، أو فيه فَرخٌ ميت (وإن باض على فراشه أو متاعه) صيد (فنقله) أي: البيض (برفق، ففسد) أي: البيض بنقله (فكجَرادٍ انفرش (٢) في طريقه) فيضمنه على ما يأتي؛ لأنه أتلفه لمنفعته.
(وإن كَسَر بيضةً فخرج منها فَرْخٌ، فعاش، فلا شيء فيه) وقال ابن عقيل: يحتمل أن يضمنه إلا أنه يحفظه إلى أن ينهض ويطير، ويحتمل عدمه؛ لأنه لم يجعله غير ممتنع، كما لو أمسك طائرًا أعرج ثم تركه (وإن مات) بعد خروجه (ففيه ما في صغار أولاد المُتْلفِ بيضه، ففي فَرخ الحَمَام صغيرُ أولاد الغنم، وفي فَرخ النعامة حُوار) بضم الحاء المهملة، أي: صغير أولاد الإبل (وفيما عداهما قيمته) لأن غيرهما من الطيور يضمن بقيمته.
(ولا يَحِلُّ لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره هو) أي: الآكل (أو محرم غيره) لأنه جزء من الصيد، أشبه سائر أجزائه، وكذا شُربُ لبنه
стр. 2521
(ويحِلُّ) بيض الصيد الذي كسره مُحرِم، ولبنه الذي حَلَبه مُحرم (للحلال) لأنَّ حِلَّه على المُحِلِّ لا يتوقف على الكسر أو الحلب، ولا يعتبر لواحد منهما أهلية الفاعل، فلو كسره أو حلبه مجوسي، أو بغير تسمية، حَلَّ.
(وإن كسَره) أي: بيض الصيد، وكذا لو حَلَب لبنه (حلال، فكَلَحمِ صَيدٍ، إن كان أخذه لأجل المُحرم، لم يبح) للمحرم (أكله) كالصيد الذي ذُبح لأجله (وإلا) أي: وإن لم يكن الحلال أخذه لأجل المحرم (١) (أبيح) للمُحرم، كصيد ذَبَحَه حلال لا لقصد المُحرِم.
(ولو كان الصيد مملوكًا) وأتلفه المحرم، أو تلف بيده، أو بيضه، أو لبنه (ضمنه جزاء) لمساكين الحرم (وقيمته) لمالكه (٢) لأنهما سببان مختلفان.
(ولا يملك) المُحرِم (الصيد ابتداء بشراء ولو بوكيله، ولا باتِّهاب، ولا باصطياد) لخبر الصعب السابق (٣)، فليس محلًّا للتمليك له؛ لأنَّ الله حرّمه عليه كالخمر (فإن أخذه) أي: الصيد، مُحرِمٌ (بأحد هذه الأسباب) أي: الشراء والاتِّهاب والاصطياد (ثم تَلِفَ) الصيد (فعليه) أي: المحرم الآخذ له (جزاؤه) لما تقدم من الآية.
(وإن كان) الصيد (مبيعًا) وتلف بيد المحرم المشتري (فعليه القيمة لمالكه) لأنَّه مقبوض ببيع فاسد، فيضمنه كصحيحه (و) عليه (الجزاء) لمساكين الحرم؛ لعموم: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ
стр. 2522
مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١).
(وإن أخذه) أي: الصيد، مُحرمٌ (رهنًا) لم يصح، وإن تلف في يده (فعليه الجزاءُ فقط) لمساكين الحرم، لما سبق، ولا يضمنه لمالكه؛ لأنَّ صحيح الرهن لا ضمان فيه، ففاسده كذلك (وإن لم يتلف) الصيد الذي أخذه المُحْرِم بشراء أو اتِّهاب أو ارتهان (فعليه رده إلى مالكه) لفساد العقد وعدوان يده (فإن أرسله) أي: الصيد، المحرم القابض له (فعليه ضمانه لمالكه) لأنَّه أحال بينه وبينه (ولا جزاء) فيه؛ لأنَّه لم يتلفه (وعليه) أي: المحرم المشتري للصيد (ردُّ) الصيد (المبيع -أيضًا-) لمالكه؛ لفساد العقد.
(ولا يستردُّ) المُحْرم (الصيدَ الذي باعه وهو حلال بخيار) مجلس أو شرط (ولا عيب في ثمنه) المعين (ولا غير ذلك) كالاختلاف في الثمن والتقايل؛ لأنَّه ابتداء تملك، وهو ممنوع منه (وإن ردَّه) أي: الصيد (المشتري عليه) أي: على البائع المحرم (بعيب) في الصيد (أو خيار، فله) أي: المشتري (ذلك) لقيام سبب الردِّ (ثم لا يدخل في ملك المُحرم) لعدم أهليته لتملكه، وعلى هذا يكون أحق به، فيملكه إذا حَلَّ، كالعصير يتخمر ثم يتخلل (ويلزمه) أي: المحرم (إرسالُه) أي: الصيد؛ لئلا تثبت يده المشاهدة عليه.
(و يملك) المُحْرِم (الصيدَ بإرث) لأنَّه أقوى من غيره، ولا فِعْل منه، بدليل أنَّه يدخل في ملك الصبي والمجنون، ويملك به الكافر العبد المسلم، فجرى مجرى الاستدامة. ومثله لو أصدق امرأته صيدًا وهو حلال، ثم طلقها قبل الدخول وهو مُحرِم، عاد نصفه إليه قهرًا، كما يأتي في الصداق. ومثله لو ارتدت ونحوه قبل الدخول، فيعود إليه كله.
стр. 2523
(وإن أمسكَ) المحرم (صيدًا حتَّى تحلل) من إحرامه (لزمه إرسالُه) لعدوان يده عليه (فإن تلف) الصيد قبل إرساله (أو ذَبَحه) بعد تحلُّله (أو أمسك) مُحْرِم أو حلال (صيدَ حَرم وخرج به إلى الحِل) ضمنه؛ لأنَّه تلف بسبب كان في الإحرام أو الحرم (أو ذَبَح مُحِل صيدَ حَرَم) مكّة (ضَمِنه) لما يأتي (وكان) الصيد (ميتة) في الصور المتقدّمة؛ لأنه صيد يلزمه ضمانه، فلم يُبح بذبحه، كحالة الإحرام.
(وإن أحرم) وفي يده صيدٌ (أو دخل الحرم) المكيّ أو المدني (بصيد، لم يَزُلْ ملكُه عنه، فيردُّه من أخذه) لاستدامة ملكه عليه (ويضمَنُه مَن قَتله) كسائر الأموال المحترمة. (ويلزمه) أي: مَن أحرم وفي يده صيد، أو دخل الحرم المكيِّ وفي يده صيدٌ (إرساله في موضع يَمتنعُ فيه) لأنَّ في عدم ذلك إمساكًا للصيد، فلم يجز كحالة الابتداء، بدليل اليمين (و) يلزمه (إزالة يده المشاهدة عنه، مثل ما إذا كان في قبضته، أو رَحلِه، أو خيمته، أو قفصه، أو) كان (مربوطًا بحبل معه ونحوه) لما سبق (دون يده الحكمية) فلا يلزمه إزالتها (مثل أن يكون) الصيد (في بيته، أو بلده، أو يد نائبه) الحلال (في غير مكانه) لأنَّه لم يفعل في الصيد فعلًا، فلم يلزمه شيء، كما لو كان في ملك غيره. وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدَةِ؛ لأنَّه فعل الإمساك (ولا يضمَنُه) إذا تلف بيده الحكمية؛ لأنَّه لا تلزمه إزالتها، ولم يوجد منه سبب في تلفه (وله) أي: المحرم (نَقْلُ الملك فيه) أي: في الصيد الذي بيده الحكمية، ببيع وغيره، كسائر أملاكه.
(ومن غَصَبه) أي: الصيد (لَزِمه ردُّه) إلى مالكه؛ لاستمرار ملكه عليه (فلو تلف) الصيد (في يده) أي: المُحرِم (المشاهدَةِ قبل التمكن من إرساله) بأن نفَّره ليذهب، فلم يذهب (لم يضمنه) لعدم ما يقتضيه
стр. 2524
من تعدٍّ وتقصير (وإلا) أي: وإن تمكن من إرساله فلم يرسله (ضمنه) لأنَّه تلف تحت يده العادية، فلزمه الضمان كمال الآدمي (وإن أرسله) أي: الصيد (إنسان من يده) أي: المحرم (المشاهدةِ قهرًا، لم يضمنه) لأنه فَعَل ما يتعين (١) على المحرم فِعله في هذه العين خاصة، كالمغصوب. ولأن اليد قد زال حكمها وحرمتها، فلو أمسكه حتَّى تحلل، فملكُه باق عليه، واعتبره في "المغني" و"الشرح" كعصير تخمَّر، ثم تخلَّل قبل إراقته. وفي "الكافي "وجزم به في "الرعاية" يرسله بعد حله، كما لو صاده (٢).
(ومَن ملك صيدًا في الحِل، فأدخله الحرمَ المكيّ، لزمه إرسالُه) لأنَّه صار صيد حَرَمٍ بحلوله فيه (أو أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحِلِّ، لزمه إرسالُه) اعتبارًا بحال السبب (فإن تلف في يده، ضَمنه) كصيد الحِلِّ في حق المُحْرِم إذا أمسكه حتَّى تحلَّل.
(وإن قتل صيدًا صائلًا عليه، دَفعًا عن نفسه خشية تلفِها، أو) خشية (مضرّة، كجَرحِه، أو إتلاف ماله، أو بعض حيواناته) لم يضمنه؛ لأنَّه قتله لدفع شره، فلم يضمنه كآدمي، مع أن الشارع أذن في قتل الفواسق؛ لدفع أذًى متوهم، فالمتحقق أَولى (أو تلف) الصيد (بـ) سبب (تخليصه من سَبعُ، أو شبكة ونحوها ليُطلِقه، أو أخذه) أي: الصيد مُحرم (ليخلِّصَ من رجله خيطًا أو نحوه، فتلف بذلك، لم يضمنه) لأنَّه فعلٌ أبيح لحاجة الحيوان، فلم يضمنه، كمداواة المُوَلَّي (٣) مولِيَّه.
стр. 2525
(ولو أخذه) أي: الصيد مُحْرِم (ليداويه، فـ) هو (وديعة) عنده، فلا ضمان عليه إن تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط؛ لأنَّه محسن.
(وله) أي: المحرم (أخذ ما لا يضرُّه) أي: الصيد (كيدٍ) ونحوها (متآكلة) لأنه لمصلحة الحيوان، فإن مات بذلك، لم يضمنه (وإن أزمنه) أي: المُحْرِم الصيد (فـ) عليه (جزاؤه) لأنَّه كتالف، وكجرح يتيقن به موته.
(و لا تأثير لحَرَم ولا إحرام في تحريم حيوان إِنسي) إجماعًا (١)، (كبهيمة الأنعام والخيل، والدجاج) بتثليث الدال؛ لأنَّه ليس بصيد، والمُحَرَّم إنما هو الصيد؛ بدليل أنَّه ﷺ كان يتقربُ إلى الله بذَبحِ الهَدايا في إحرامه، وقال: "أفضَلُ الحجِّ العجُّ والثَّجُّ" (٢). قال في "الشَّرح": حديث غريب. والعج: رفع الصوت بالتلبية. والثج: إسالة الدماء بالذبح والنحر.
(ولا) تأثير لحَرَمٍ ولا إحرام (في مُحرم الأكل غير المتولِّد) بين مأكول وغيره؛ تغليبًا للحظر، كما تقدم، وهو ثلاثة أقسام:
الأول: ما أشار إليه بقوله: (كالفواسق، وهي: الحِدَأة) بالهمز بوزن: عِنبة، والجمع حِداء، بحذف الهاء، وحدآن -أيضًا- مثل: غزلان، قاله في "الحاشية" (والغراب الأبقع، وغراب البين، والفأرة، والحية، والعقرب، والكلب العقور) لحديث عائشة قالت: "أمر رسول الله ﷺ بقتْلِ خمسِ فواسقَ في الحرَمِ: الحدأةُ، والغرابُ، والفأرةُ، والعقربُ، والكلب العقور" (٣)، وعن ابن عُمر: أن رسول الله ﷺ قال: