← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

(ويحِلُّ) بيض الصيد الذي كسره مُحرِم، ولبنه الذي حَلَبه مُحرم (للحلال) لأنَّ حِلَّه على المُحِلِّ لا يتوقف على الكسر أو الحلب، ولا يعتبر لواحد منهما أهلية الفاعل، فلو كسره أو حلبه مجوسي، أو بغير تسمية، حَلَّ. (وإن كسَره) أي: بيض الصيد، وكذا لو حَلَب لبنه (حلال، فكَلَحمِ صَيدٍ، إن كان أخذه لأجل المُحرم، لم يبح) للمحرم (أكله) كالصيد الذي ذُبح لأجله (وإلا) أي: وإن لم يكن الحلال أخذه لأجل المحرم (١) (أبيح) للمُحرم، كصيد ذَبَحَه حلال لا لقصد المُحرِم. (ولو كان الصيد مملوكًا) وأتلفه المحرم، أو تلف بيده، أو بيضه، أو لبنه (ضمنه جزاء) لمساكين الحرم (وقيمته) لمالكه (٢) لأنهما سببان مختلفان. (ولا يملك) المُحرِم (الصيد ابتداء بشراء ولو بوكيله، ولا باتِّهاب، ولا باصطياد) لخبر الصعب السابق (٣)، فليس محلًّا للتمليك له؛ لأنَّ الله حرّمه عليه كالخمر (فإن أخذه) أي: الصيد، مُحرِمٌ (بأحد هذه الأسباب) أي: الشراء والاتِّهاب والاصطياد (ثم تَلِفَ) الصيد (فعليه) أي: المحرم الآخذ له (جزاؤه) لما تقدم من الآية. (وإن كان) الصيد (مبيعًا) وتلف بيد المحرم المشتري (فعليه القيمة لمالكه) لأنَّه مقبوض ببيع فاسد، فيضمنه كصحيحه (و) عليه (الجزاء) لمساكين الحرم؛ لعموم: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ

стр. 2522

مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). (وإن أخذه) أي: الصيد، مُحرمٌ (رهنًا) لم يصح، وإن تلف في يده (فعليه الجزاءُ فقط) لمساكين الحرم، لما سبق، ولا يضمنه لمالكه؛ لأنَّ صحيح الرهن لا ضمان فيه، ففاسده كذلك (وإن لم يتلف) الصيد الذي أخذه المُحْرِم بشراء أو اتِّهاب أو ارتهان (فعليه رده إلى مالكه) لفساد العقد وعدوان يده (فإن أرسله) أي: الصيد، المحرم القابض له (فعليه ضمانه لمالكه) لأنَّه أحال بينه وبينه (ولا جزاء) فيه؛ لأنَّه لم يتلفه (وعليه) أي: المحرم المشتري للصيد (ردُّ) الصيد (المبيع -أيضًا-) لمالكه؛ لفساد العقد. (ولا يستردُّ) المُحْرم (الصيدَ الذي باعه وهو حلال بخيار) مجلس أو شرط (ولا عيب في ثمنه) المعين (ولا غير ذلك) كالاختلاف في الثمن والتقايل؛ لأنَّه ابتداء تملك، وهو ممنوع منه (وإن ردَّه) أي: الصيد (المشتري عليه) أي: على البائع المحرم (بعيب) في الصيد (أو خيار، فله) أي: المشتري (ذلك) لقيام سبب الردِّ (ثم لا يدخل في ملك المُحرم) لعدم أهليته لتملكه، وعلى هذا يكون أحق به، فيملكه إذا حَلَّ، كالعصير يتخمر ثم يتخلل (ويلزمه) أي: المحرم (إرسالُه) أي: الصيد؛ لئلا تثبت يده المشاهدة عليه. (و يملك) المُحْرِم (الصيدَ بإرث) لأنَّه أقوى من غيره، ولا فِعْل منه، بدليل أنَّه يدخل في ملك الصبي والمجنون، ويملك به الكافر العبد المسلم، فجرى مجرى الاستدامة. ومثله لو أصدق امرأته صيدًا وهو حلال، ثم طلقها قبل الدخول وهو مُحرِم، عاد نصفه إليه قهرًا، كما يأتي في الصداق. ومثله لو ارتدت ونحوه قبل الدخول، فيعود إليه كله.

стр. 2523

(وإن أمسكَ) المحرم (صيدًا حتَّى تحلل) من إحرامه (لزمه إرسالُه) لعدوان يده عليه (فإن تلف) الصيد قبل إرساله (أو ذَبَحه) بعد تحلُّله (أو أمسك) مُحْرِم أو حلال (صيدَ حَرم وخرج به إلى الحِل) ضمنه؛ لأنَّه تلف بسبب كان في الإحرام أو الحرم (أو ذَبَح مُحِل صيدَ حَرَم) مكّة (ضَمِنه) لما يأتي (وكان) الصيد (ميتة) في الصور المتقدّمة؛ لأنه صيد يلزمه ضمانه، فلم يُبح بذبحه، كحالة الإحرام. (وإن أحرم) وفي يده صيدٌ (أو دخل الحرم) المكيّ أو المدني (بصيد، لم يَزُلْ ملكُه عنه، فيردُّه من أخذه) لاستدامة ملكه عليه (ويضمَنُه مَن قَتله) كسائر الأموال المحترمة. (ويلزمه) أي: مَن أحرم وفي يده صيد، أو دخل الحرم المكيِّ وفي يده صيدٌ (إرساله في موضع يَمتنعُ فيه) لأنَّ في عدم ذلك إمساكًا للصيد، فلم يجز كحالة الابتداء، بدليل اليمين (و) يلزمه (إزالة يده المشاهدة عنه، مثل ما إذا كان في قبضته، أو رَحلِه، أو خيمته، أو قفصه، أو) كان (مربوطًا بحبل معه ونحوه) لما سبق (دون يده الحكمية) فلا يلزمه إزالتها (مثل أن يكون) الصيد (في بيته، أو بلده، أو يد نائبه) الحلال (في غير مكانه) لأنَّه لم يفعل في الصيد فعلًا، فلم يلزمه شيء، كما لو كان في ملك غيره. وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدَةِ؛ لأنَّه فعل الإمساك (ولا يضمَنُه) إذا تلف بيده الحكمية؛ لأنَّه لا تلزمه إزالتها، ولم يوجد منه سبب في تلفه (وله) أي: المحرم (نَقْلُ الملك فيه) أي: في الصيد الذي بيده الحكمية، ببيع وغيره، كسائر أملاكه. (ومن غَصَبه) أي: الصيد (لَزِمه ردُّه) إلى مالكه؛ لاستمرار ملكه عليه (فلو تلف) الصيد (في يده) أي: المُحرِم (المشاهدَةِ قبل التمكن من إرساله) بأن نفَّره ليذهب، فلم يذهب (لم يضمنه) لعدم ما يقتضيه

стр. 2524

من تعدٍّ وتقصير (وإلا) أي: وإن تمكن من إرساله فلم يرسله (ضمنه) لأنَّه تلف تحت يده العادية، فلزمه الضمان كمال الآدمي (وإن أرسله) أي: الصيد (إنسان من يده) أي: المحرم (المشاهدةِ قهرًا، لم يضمنه) لأنه فَعَل ما يتعين (١) على المحرم فِعله في هذه العين خاصة، كالمغصوب. ولأن اليد قد زال حكمها وحرمتها، فلو أمسكه حتَّى تحلل، فملكُه باق عليه، واعتبره في "المغني" و"الشرح" كعصير تخمَّر، ثم تخلَّل قبل إراقته. وفي "الكافي "وجزم به في "الرعاية" يرسله بعد حله، كما لو صاده (٢). (ومَن ملك صيدًا في الحِل، فأدخله الحرمَ المكيّ، لزمه إرسالُه) لأنَّه صار صيد حَرَمٍ بحلوله فيه (أو أمسكه في الحرم، فأخرجه إلى الحِلِّ، لزمه إرسالُه) اعتبارًا بحال السبب (فإن تلف في يده، ضَمنه) كصيد الحِلِّ في حق المُحْرِم إذا أمسكه حتَّى تحلَّل. (وإن قتل صيدًا صائلًا عليه، دَفعًا عن نفسه خشية تلفِها، أو) خشية (مضرّة، كجَرحِه، أو إتلاف ماله، أو بعض حيواناته) لم يضمنه؛ لأنَّه قتله لدفع شره، فلم يضمنه كآدمي، مع أن الشارع أذن في قتل الفواسق؛ لدفع أذًى متوهم، فالمتحقق أَولى (أو تلف) الصيد (بـ) سبب (تخليصه من سَبعُ، أو شبكة ونحوها ليُطلِقه، أو أخذه) أي: الصيد مُحرم (ليخلِّصَ من رجله خيطًا أو نحوه، فتلف بذلك، لم يضمنه) لأنَّه فعلٌ أبيح لحاجة الحيوان، فلم يضمنه، كمداواة المُوَلَّي (٣) مولِيَّه.

стр. 2525

(ولو أخذه) أي: الصيد مُحْرِم (ليداويه، فـ) هو (وديعة) عنده، فلا ضمان عليه إن تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط؛ لأنَّه محسن. (وله) أي: المحرم (أخذ ما لا يضرُّه) أي: الصيد (كيدٍ) ونحوها (متآكلة) لأنه لمصلحة الحيوان، فإن مات بذلك، لم يضمنه (وإن أزمنه) أي: المُحْرِم الصيد (فـ) عليه (جزاؤه) لأنَّه كتالف، وكجرح يتيقن به موته. (و لا تأثير لحَرَم ولا إحرام في تحريم حيوان إِنسي) إجماعًا (١)، (كبهيمة الأنعام والخيل، والدجاج) بتثليث الدال؛ لأنَّه ليس بصيد، والمُحَرَّم إنما هو الصيد؛ بدليل أنَّه ﷺ كان يتقربُ إلى الله بذَبحِ الهَدايا في إحرامه، وقال: "أفضَلُ الحجِّ العجُّ والثَّجُّ" (٢). قال في "الشَّرح": حديث غريب. والعج: رفع الصوت بالتلبية. والثج: إسالة الدماء بالذبح والنحر. (ولا) تأثير لحَرَمٍ ولا إحرام (في مُحرم الأكل غير المتولِّد) بين مأكول وغيره؛ تغليبًا للحظر، كما تقدم، وهو ثلاثة أقسام: الأول: ما أشار إليه بقوله: (كالفواسق، وهي: الحِدَأة) بالهمز بوزن: عِنبة، والجمع حِداء، بحذف الهاء، وحدآن -أيضًا- مثل: غزلان، قاله في "الحاشية" (والغراب الأبقع، وغراب البين، والفأرة، والحية، والعقرب، والكلب العقور) لحديث عائشة قالت: "أمر رسول الله ﷺ بقتْلِ خمسِ فواسقَ في الحرَمِ: الحدأةُ، والغرابُ، والفأرةُ، والعقربُ، والكلب العقور" (٣)، وعن ابن عُمر: أن رسول الله ﷺ قال:

стр. 2526

"خمسٌ من الدوابِّ ليس على المُحرمِ جناح في قتلِهنَ"، وذكر مثله. متفق عليه (١). وفي بعض ألفاظ الحديث: "الحية" بدل "العقرب" (٢). وما يباح أكله من الغربان لا يباح قتله؛ لأنَّه من الصيد (بل يُستحب قَتلُها) أي: المذكورات؛ لحديث عائشةَ. والمراد في الجملة -ويأتي في الصيد- أن الكلب العقور يجب قتله. (و) القسم الثَّاني: ما أشار إليه بقوله -ويُستحب أيضًا-: (قَتْلُ كلِّ ما كان طَبعُه الأذى، وإن لم يوجد منه أذى) قياسًا على ما تقدم (كالأسد، والنَّمِر، والذئب، والفهد، وما في معناه) ممَّا فيه أذى للناس في أنفسهم أو أموالهم (والبازي، والصَّقر، والشاهين، والعقاب، والحشرات المؤذية) كالحية والعقرب (والزنبور، والبق، والبعوض، والبراغيث) والطَّبُّوع (٣). قاله في "المستوعب". (و) القسم الثالث: ما لا يؤذي بطبعه كـ (ـالرخَم، والبوم، والديدان) فلا تأثير للحَرَم ولا للإحرام فيه (ولا جزاءَ في ذلك) لأنَّ الله تعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد، وليس شيء من ذلك بصيد، قال في "المبدع": ويجوز قتله، وقيل: يُكره، وجزم به في "المحرر" وغيره، وقيل: يحرم. انتهى. وكلام المصنف يوهم أنَّه يُستحب قَتْله، وفيه ما علمت. قال في "الآداب" (٤): ويُكره قَتل النمل إلَّا من أذية شديدة، فإنَّه

стр. 2527

يجوز قتلهن، وقَتل القمل بغير النَّار، ويُكره قَتلهما بالنار، ويكره قَتْل الضفادع، ذكر ذلك في "المستوعب". وفي "الرعاية": يُكره قَتْل ما لا يضرّ من نمل، ونحل، وهُدهد، وصُرَد. ويجوز تدخين الزنابير، وتشميس القَزِّ، ولا يُقتل بنارٍ نملٌ، ولا قمل، ولا برغوث، ولا غيرها. ولا يقتل ضفدع بحال، وظاهره التحريم، وقال صاحب "النظم": إلَّا أنَّه يَحرم إحراق كل ذي روح بالنار، وأنه يجوز إحراق ما يؤذيه بلا كراهة، إذا لم يزل ضرره دون مشقة غالبة إلَّا بالنار. وقال: إنه سأل عما ترجَّح عند الشيخ شمس الدين صاحب "الشَّرح"؟ فقال: ما هو ببعيد. (و لا بأس أنْ يُقَرِّدَ بعيرَه، وهو: نَزع القُرادِ عنه) روي عن ابن عمر (١) وابن عباس (٢)، كسائر المؤذي (ويحرم على المحرِم لا على الحلال، ولو في الحرم) قال في "المبدع": بغير خلاف؛ لأنَّه إنَّما حرم في حق المحرم لما فيه من الرفاهية، فأبيح في الحرم كغيره (قَتلُ قملِ) لأنه يترفه بإزالته، كإزالة الشعر (و) قتل (صِئبانه) لأنَّه بيضه (من رأسه وبدنه) وباطن ثوبه، ويجوز من ظاهره، قاله القاضي وابن عقيل. وظاهر كلام الموفق وصاحب "المنتهى" وغيرهما العموم (ولو) كان قتله للقمل وصئبانه (بزئبق ونحوه) فيحرم في الإحرام فقط. (وكذا رَميهُ) لما فيه من الترفُّه (ولا جزاء فيه) أي: في القَمل وصِئبانه إذا قتله أو رماه؛ لأنَّه ليس بصيد، ولا قيمة له، أشبه البعوض والبراغيث.

стр. 2528

(ولا يَحرمُ) بالإحرام (صيدُ البحر، والأنهار، والآبار، والعيون، ولو كان ممَّا يعيش في البر والبحرِ، كالسلحفاة والسرطان ونحوهما) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١) (إلَّا في الحرمِ، ولو للحَلال) كصيد من آبار الحرم وبركة ماجد (٢)؛ لأنَّه حرمي، أشبه صيد الحرم، ولأن حُرْمة الصيد للمكان، فلا فرق (٣). (وطير الماء) برِّي؛ لأنَّه يفرخ ويبيض فيه، فيُضمن بقيمته. (والجرادُ من صيد البر فيُضمنُ) لأنَّه طير بري، أشبه العصافير (بقيمته) في مكانه؛ لأنَّه متلف غير مثلي. وعنه (٤): يتصدق بتمرة عن جرادة. ورُوي عن ابن عُمر (٥) (فإن انفرشَ) الجرادُ (في طريقه فقتله بمشيه، أو أتلف بيض طير لحاجة، كالمشي عليه فعليه جزاؤه) لأنَّه أتلفه لمنفعته، أشبه ما لو اضطر إلى أكله، بخلاف ما لو وَقَعَ من شجر على عين إنسان فدفعها، فانكسرت فلا ضمان عليه. وكذا لو أشرفت سفينة على الغرق، فألقى متاع غيره ليخففها، ضمنه، ولو سقط عليه متاع غيره فخشي عليه أن يهلكه، فدفعه في

стр. 2529

الماء، لم يضمنه. (وإذا ذبح المُحرمُ الصيدَ وكان مضطرًا، فله أكلُه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)، (ولمن به مِثلُ ضرورته) أي: ضرورة الذابح (لحاجة الأكل) لما تقدم. (وهو) أي: ما ذبحه المُحرم من الصيد (ميتةٌ) لعدم أهلية المذكي للذكاة (في حقِّ غيره) أي: غير المضطر. قال في "المبدع": فإذا ذبحه، كان ميتة، ذكره القاضي، واحتج بقول أحمد (٢): كل ما صاده المحرم أو قتله فإنَّما هو قتلة (٣). قال في "الفروع": ويتوجه حِلُّه لحِلِّ فِعله. انتهى. وكلام المصنف كـ"المنتهى" يقتضي أنَّه ميتة في حقِّ غير المضطر، ومذكَّى في حقِّ المضطر، فيكون نجسًا طاهرًا بالنسبة إليهما. وفيه نظرٌ (٤) (ويقدم) المحرم المضطر (عليه) أي: على الصيد (الميتة) لأنَّه لا جزاء فيها (ويأتي في) كتاب (الأطعمة). (و إن احتاج) المحرم (إلى فِعْل محظور، فله فِعله، وعليه الفداء) لأنَّ كعبًا لما احتاج إلى الحَلق، أباحه الشارع له، وأوجب عليه الفدية (٥)، والباقي في معناه، ولأن أكل الصيد إتلاف، فوجب ضمانه، كما لو اضطر إلى طعام غيره.

стр. 2530

فصل (السابع: عَقدُ النكاح فلا يتزوجُ) المُحرم (ولا يُزوِّجُ غيره بولاية، ولا وكالة، ولا يقبلُ له) أي: للمُحْرم (النكاحَ وكيلُه الحلالُ، ولا تُزوَّجُ المُحرِمة. والنكاح في ذلك كله باطل، تعمده أو لا) لما روى مسلم عن عثمان مرفوعًا: "لا يَنكِحُ المحرم ولا يُنكِح، ولا يخطبُ" (١). وعن ابن عُمر أنَّه كان يقول: "لا يَنْكِحُ المُحرمُ ولا يُنكِحُ، ولا يخطبُ على نفسه، ولا على غيره" رواه الشَّافعي (٢)، ورَفَعه الدارقطني (٣). وأجازه ابن عباس لروايته "أنَّه ﷺ تزوج ميمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ" متَّفقٌ عليه (٤). ولأحمد والنَّسائيُّ: "وهُمَا محْرِمَان" (٥)، ولأنه عَقْدٌ يملك به

стр. 2531

الاستمتاع، فلم يحرمه الإحرام، كشراء الإماء. وجوابه: ما روى مسلم عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة "أن النبي ﷺ تزوَّجهَا وهو حلالٌ. قال: وكانت خالتِي وخالةَ ابن عباس" (١). ولأبي داود: "وتَزوَّجَني (٢) ونحنُ حَلالانِ بِسرفٍ" (٣). وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع "أن رسول الله ﷺ تزَوَّجَ مَيمُونةَ حلالًا، وبَنى بهَا حَلالًا، وكنْتُ الرسُولَ بينهما" إسناده جيد، رواه أحمد والترمذي وحسَّنه (٤). وقال ابن المسيب: إن ابن عباس

стр. 2532

وَهِلَ (١). وقال -أيضًا-: أوهم. رواهما الشافعي (٢)، أي: ذهب وهمُه إلى ذلك. وللبخاري وأبي داود (٣) هذا المعنى عن ابن عباس. قال في "الفروع": وهذا يدلُّ على أن حديث ابن عباس خطأ، وكذا نقل أبو الحارث عن أحمد: أنه خطأ (٤). ثم قصة ميمونة مختلفة، كما سبق، فيتعارض ذلك، وما سبق لا معارض له، ثم رواية الحِلِّ أَولى؛ لأنها أكثر، وفيها صاحب القصة والسفير فيها، ولا مطعن فيها، ويوافقها ما سبق، وفيها زيادة، مع صغر ابن عباس إذن. ويمكن الجمع بأن ظهر تزويجها وهو مُحْرِم، أو فِعله خاصٌّ به ﷺ ، فعلى هذا يكون من خصائصه. فلهذا قال تبعًا "للتنقيح" كـ "المنتهى" (إلا في حقِّ النبي ﷺ )

стр. 2533

فلا يكون محظورًا بخلاف أُمَّته؛ لما تقدم. وروى مالك والشافعي "أن رجلًا تزوَّجَ امرأةً وهو مُحْرمٌ، فرد عمرُ نِكَاحَهُ" (١)، وعن علي وزيد معناه، رواهما أبو بكر النيسابوري (٢)؛ ولأن الإحرام يمنع الوطء ودواعيه، فمنع عَقْد النكاح كالعِدة. (والاعتبارُ بحالة العَقْد) أي: عقد النكاح، لا بحالة الوكالة (فلو وكَّل مُحْرمٌ حلالًا) في عَقْدِ النكاح (فَعَقَده بعد حِلِّه) من إحرامه (صَحَّ) عَقْده، لوقوعه حال حِلِّ الوكيل والموكِّل (ولو وكَّل حلالٌ حلالًا فَعَقَده) الوكيل (بعد أن أحرم) هو أو موكله فيه (لم يصحَّ) العقد؛ لما تقدم (ولو وكَّله) أي: الحلال (ثم أحرم) الموكل (لم ينعزل وكيلُه) بإحرامه (فإذا حَلَّ) الموكل (كان لوكيله عَقْده) لزوال المانع. (ولو وكَّل حلالٌ حلالًا) في عَقد النكاح (فَعَقَدَهُ، وأحرم الموكلُ، فقالت الزوجةُ: وَقَع في الإحرام، وقال الزوجُ:) وَقَع (قبله، فالقول قولُه) أي: الزوج؛ لأنه يدَّعي صحة العقد وهي الظاهر (وإن كان بالعكس) بأن قالت الزوجة: وَقَع قبل الإحرام، وقال الزوج: في الإحرام (فـ) القول (قولُه أيضًا) لأنه يملك فسخَه، فقُبل إقراره به (ولها نصفُ الصَّداق) لأن قوله لا يُقبل عليها في إسقاطه؛ لأنه خلاف الظاهر.

стр. 2534

(ويصحُّ) النكاح (مع جهلهما) أي: الزوجين (وقوعه) أي: وقوع النكاح، هل كان قبل الإحرام أو فيه؟ لأن الظاهر من العقود الصحة، وإن قال: تزوجتك وقد حللتِ، وقالت: بل كنتُ مُحْرِمة، صُدِّق، وتُصدَّق هي في نظيرتها في العِدَّة. (وإن أحرم الإمامُ الأعظم، لم يجز أن يتزوَّج) لنفسه ولا لغيره بالولاية العامة ولا الخاصة؛ لعموم ما سبق (ولا) أن (يزوِّج أقاربه) بالولاية الخاصة (ولا) أن يزوِّج (غيرهم) عمن لا وَليَّ له (بالولاية العامة) كالخاصة (و) يجوز أن (يزوِّج خلفاؤه) من لا وليَّ له أو لها؛ لأنه يجوز بولاية الحكم ما لا يجوز بولاية النسب، بدليل تزويج الكافرة. وأما وكلاؤه في تزويج نحو بنته، فلا، لما سبق (وإن أحرم نائبه فكهو) أي: فكإحرام الإمام، فلا يجوز له أن يتزوَّج، ولا أن يزوِّج أقاربه، ولا غيرهم بالولاية العامة، ويزوج نوابه. (وتُكره خِطبة مُحْرِم) -بكسر الخاء- (امرأة على نفسه وعلى غيره، وخطبة مُحلٍّ محْرِمةً، كخُطبة عَقده) بضم الخاء، أي: عقد النكاح، لما تقدم في حديث عثمان: "ولا يخطب" (١). (و) يُكره (حضوره) أي: المُحْرم (وشهادته فيه) أي: في النكاح. نقل حنبل (٢) لا يخطب، قال: معناه: لا يشهد النكاح. وما روى فيه: "ولا يشهد" (٣) فلا يصح.

стр. 2535

(وتُباح الرجعة للمُحْرِم (١)، وتصحُّ) لأنها إمساك، ولأنها مباحة قبل الرجعة، فلا إحلال (كشراء أمَة لوطء وغيره) لورود عَقْد النكاح على منفعة البُضع خاصة، بخلاف شراء الأَمَة، ولذلك لم يصح نكاح المجوسية، ولا الأخت من الرضاع ونحوها، وصحَّ شراؤها. (و يصحُّ اختيارُ من أسلم على أكثر من أربع نسوة لبعضهنَّ في حال الإحرام) لأنه إمساك واستدامة، لا ابتداء نكاح، كالرجعة وأَولى (ولا فِدية عليه في شيء من ذلك كله) أي: جميع ما تقدم من صبر النكاح؛ لأنه عَقدٌ فَسَد لأجل الإحرام، فلم تجب به فِدية (كشراء الصيد) ولا فرق فيه بين الإحرام والصحيح والفاسد. قاله في "الشرح". فصل (الثامن: الجِماع في فَرْجٍ أصلي) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ (٢) قال ابن عباس: "هو الجماع" (٣) بدليل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٤) يعني: الجماع (قُبُلًا كان) الفَرْج (أو دُبُرًا، من آدمي أو غيره) حي أو ميت، لوجوب

стр. 2536

الحدِّ والغسل (فمن فَعَل ذلك) أي: جامع في فرج أصلي (قبل التحلُّل الأول، ولو بعد الوقوف) بعَرَفة؛ نقله الجماعة عن أحَمد (١)، خلافًا لأبي حنيفة (٢) (فَسَدَ نُسُكُهما) حكاه ابن المنذر (٣) إجماع العلماء: أنه لا يفسد النُّسُك إلا به. وفي "الموطأ": "بلغني أن عُمَر وعليًّا وأبا هريرة سُئلوا عَن رجُل أصاب أهلَهُ وهو مُحْرمٌ؟ فقالُوا: ينفذان لوجْهِهِمَا حتى يقْضِيَا حجَّهُمَا، ثم عليهما حجٌّ من قابلٍ، والهدْيُ" (٤)، ولم يُعرف لهم مخالف (ولو) كان المجامع (ساهيًا، أو جاهلًا، أو مُكرهًا، نصًّا، أو نائمة) نقله الجماعة (٥)؛ لأن من تقدَّم من الصحابة قضوا بفساد النُّسُك، ولم يستفصلوا (ويجب به) أي: بالجِماع قبل التحلُّل الأول في الحج (بدَنةٌ) لقول ابن عباس: "أهْدِ ناقةً، ولتُهْدِ نَاقةً" (٦). (ولا يفسد) الإحرام (بـ) شيء من المحظورات (غير الجماع)

стр. 2537

لعدم النص فيه والإجماع (١). (وعليهما) أي: الواطئ والموطوءة (المضيُّ في فاسده، وحكمُه) أي: الإحرام الذي أفسده بالجِماع (حكم الإحرام الصحيح فيَفْعلُ بعد الإفساد كما كان يفعل قبلَه من الوقوف وغيره، ويجتنبُ ما يجتنبُ قبلَه) أي: الفساد (من الوَطء وغيره، وعليه الفِدية إذا فَعَل محظورًا بعده) لما روى الدارقطني بإسناد جَيد إلى عَمرو بن شعيب، عن أبيه "أن رجلًا أتى عبد الله بن عَمرو، فسألَهُ عن مُحْرِمٍ وقعَ بامرأتِهِ، فأشارَ إلى عبد الله بن عُمر فقال: اذهبْ إلى ذلكَ، واسألَهُ، قال شعَيبٌ: فلم يعرفهُ الرجُلُ فذهَبْتُ معه، فسألَ ابنَ عمر. فقال: بطلَ حجُّكَ. فقال الرجل: أفَأقْعُدُ؟ قال: لا، بل تَخرجُ مع النَّاسِ، وتصنَعُ ما يصْنَعُونَ، فإذا أدْركْتَ قابلًا، فحجَّ وأهْدِ، فرجَعَ إلى عبد الله بن عَمرو، فأخبَرَهُ، ثم قال: اذهَبْ إلى ابن عباس فاسألهُ، فقال شعَيبٌ: فذهَبْتُ معه فسَألَهُ، فقال له مِثْلَ ما قال ابنُ عُمَر، فرجعَ إلى عبد الله بن عَمرو فأخبرهُ، ثم قال: ما تَقولُ أنْتَ؟ قال: أقولُ مثلَ ما قالا" (٢). ورواه الأثرم، وزاد: "وحُلَّ إذا حَلُّوا، فإذا كانَ العامُ المُقْبِلُ، فاحْجُجُ أنْتَ وامرأتُكَ، وأهْدِيا هديًا، فإن لم تجِدا، فصُومَا ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ وسبعَةً إذا رَجَعْتُمَا" (٣). وعَمرو بن شعيب حديثه حسن. قال

стр. 2538

البخاري (١): رأيت عليًّا وأحمد والحُميدي وإسحاق يحتجون به. قيل له: فمن تكلم فيه ماذا يقول؟ قال: يقولون: أكثَرَ عَمرو بن شعيب، ونحو هذا. (و) عليهما (القضاءُ على الفَوْر، ولو نَذرًا أو نَفلًا) لأنه لزم بالدخول فيه؛ ولأن من تقدم عن الصحابة لم يستفصلوا (إن كانا) أي: الواطئ والموطوءة (مكلَّفين) لأنهما لا عُذْر لهما في التأخير مع القُدْرة على القضاء (وإلا) أي: وإن لم يكونا مكلَّفين حال الإفساد، قضياه (بعده) أي: بعد التكليف (بعد حَجَّة الإسلام) وتقدم (على الفَوْر) حيث لا عُذْر في التأخير، وتقدَّم (٢) حكم ما لو بلغ في الحَجَّة الفاسدة في أوائل كتاب الحج. (ويصح قضاءُ عَبْد في رِقِّه) وكذا قضاء أَمَة في رِقِّها؛ لتكليفهما (وتقدَّم حكمُ إفساد حَجّه) أي: القِنِّ (و) حكم إفساد (حجِّ الصبي) في أوائل كتاب الحج (٣)، ويكون إحرام الواطئ والموطوءة في القضاء (من حيث أحرما أولًا من الميقات أو قبلَه) لأن الحُرُمات قصاص، بخلاف المُحصَر إذا قضى لا يلزمه الإحرام إِلا من الميقات، نصَّ عليه (٤)؛ لأن المُحصَر فيه لم يلزمه إتمامه، ذكره في "القواعد الفقهية" في الحادية والثلاثين (٥) (وإلا). أي: وإن لم يكونا أحرما قيل الميقات (لزمهما) الإحرام (من الميقات) لأنه لا يحلُّ تجاوزه بلا إحرام. (و إن أفسد القضاء، قضى الواجب لا القضاء) كالصوم

стр. 2539

والصلاة. ولأن الواجب لا يزداد بفواته، وإنما يبقى ما كان واجبًا في الذِّمة على ما كان عليه. (و نفقةُ المرأة في القضاء عليها إن طاوَعَت) لقول ابن عمر: "وأهْديَا هدْيًا" (١) أضاف الفعل إليهما؛ وقول ابن عباس "أهْدِ ناقةً، ولتُهْدِ نَاقَةً" (٢) ولأنها بمطاوعتها أفسدت نُسُكها، فكانت النفقة عليها كالرَّجُل (وإن أُكرِهت) المرأة (فـ) النفقة (على الزوج) لأنه المفسد لنُسُكها، فكانت عليه نفقتها، كنفقة نسكه. (و تُستحبُّ تفرقتهما (٣) في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه) لما روى ابن وهب بإسناده، عن سعيد بن المسيب "أن رجلًا جامَعَ امرأةً وهُمَا محْرمَان، فسألَ النبيَّ ﷺ فقال لهمَا: أتِمَّا حَجَّكُما، ثم ارْجعا وعليكما حجةٌ أخرى من قَابلٍ، حتَّى إذا كنْتُما في المَكَان الذي أصَبْتَهَا، فأحْرِمَا وتَفَرَّقًا، ولا يُوَاكِل أحَدُكما صاحِبَهُ، ثم أتِمَّا مناسِكَكُما وأهْدِيا" (٤). وروى الأثرم عن ابن عُمر (٥) وابن عباس (٦) معناه (إلى أن يحِلَّا) من إحرامهما؛ لأن التفريق خوف المحظور. ويحصُل التفريق (بأن لا يركبَ معها على بعير، ولا

стр. 2540

يجلس معها في خِباء، وما أشبه ذلك، بل يكون قريبًا منها، يراعي أحوالها؛ لأنه مَحْرَمُها) ونقل ابن الحكم (١): يعتبر أن يكون معها مَحْرَم غيره. (والعُمرة في ذلك كالحجِّ) لأنها أحد النُسُكين، فـ (يُفسدُها الوَطء قبل الفراغ مِن السَّعي) كالحج قبل التحلُّل الأول. و (لا) يفسدُها الوَطء (بعده) أي: بعد الفراغ من السعي (وقبل حَلْقٍ) كالوطء في الحجِّ بعد التحلُّل الأول (ويجب المضيُّ في فاسدها) أي: العُمرة (ويجب القضاءُ) فورًا كالحجِّ (والدم وهو شاة) لنقص العُمْرة عن الحجِّ (ولكن إن كان) المفسد لعُمْرته (مكيًّا، أو حصل بها) أي: بمكة (مجاورًا، أحرم للقضاء من الحِلِّ، سواء كان قد أحرم بها) أي: بالعُمرة التي أفسدها (منه، أو من الحرم) لأن الحِلَّ هو ميقاتها. (وإن أفسد المتمتع عُمْرته، ومضى في فاسدها وأتمها، خرج إلى الميقات، فأحرم منه بعُمْرة) مكان التي أفسدها؛ لأن الحرمات قصاص (فإن خاف فوات (٢) الحجِّ، أحرم به من مكَّة، وعليه دم، فإذا فرغ من حَجّه، خرج، فأحرم من الميقات بعُمْرة مكان التي أفسدها، وعليه هديٌ يذبحه إذا قدم مكَّة، لما أفسد من عُمْرته) نصَّ عليه (٣). (وإن أفسدَ المفردُ حَجَّته وأتمَّها، فله الإحرامُ بالعُمْرة من أدْنى الحِلِّ) لأنه ميقاتها. (وإن أفسد القارنُ نُسُكه، فعليه فِداء واحدٌ) لما تقدم أن عمل

стр. 2541

القارن كعمل المفرد. (وإن جامع) المُحْرم (بعد التحلُّل الأول، وقبل) التحلُّل (الثاني) بأن رمى جمرة العقبة، وحلق مثلًا، ثم جامع قبل الطواف (لم يفسد حَجُّه قارنًا كان، أو مفرِدًا) أو متمتعًا؛ لقول ابن عباس في رجل أصاب أهله قبل أن يفيض يوم النحر: "ينحرانِ جزورًا بينهما، وليس عليه الحج من قابلٍ"، رواه مالك (١). ولا يُعرف له مخالفٌ في الصحابة (لكن فَسَد إحرامُه) بالوطء (فيمضي إلى الحِلِّ) التنعيم أو غيره، ليجمع بين الحِلِّ والحرم (فيُحرِمُ منه ليطوف للزيارة في إحرام صحيح، ويسعى إن لم يكن سعى وتحلَّل؛ لأن الذي بقي عليه بقية أفعَال الحج، وليس هذا عُمْرة حقيقية (٢)) والإحرام إنما وجب ليأتي بما بقي من الحج، هذا ظاهر كلام جماعة، منهم الخرقي. فقول أحمد (٣)، ومن وافقه من الأئمة: إنه يعتمر، يحتمل أنهم أرادوا هذا، وسموه عُمْرة؛ لأن هذه أفعالها، وصحَّحه في "المغني" و"الشرح"، ويحتمل أنهم أرادوا عُمرة حقيقة، فيلزمه سعيٌ وتقصيرٌ، وعلى هذا نصوص أحمد (٣)، وجزم به القاضي، وابن عقيل، وابن الجوزي؛ لما سبق عن ابن عباس؛ ولأنه إحرام مستأنف، فكان فيه طواف، وسعي، وتقصير، كالعُمْرة المفردة، والعُمْرة تجري مجرى الحجِّ بدليل القرآن بينهما، قاله في "المبدع"

стр. 2542

(ويلزمه شاة) لعدم إفساده للحجِّ، كوطء دون فَرْجٍ بلا إنزال، ولخفّة الجناية فيه. (والقارنُ كالمفرد) لأن الترتيب للحجِّ، لا للعُمْرة، بدليل تأخير الحَلْقِ إلى يوم النَّحر (فإن طاف للزيارة) أي: وحَلَق (ولم يَرْمِ) جَمْرة العقبة (ثم وطئ، ففي "المغني" و"الشرح": لا يلزمه إحرام منَ الحِلِّ، ولا دم عليه؛ لوجود أركان الحج، وقال في "الفروع": وظاهر كلام جماعة كما سبق) لوجود الوطء قبل ما يتم به التحلُّل (وهو بعد التحلُّل الأول مُحْرِم؛ لبقاء تحريم الوطء المنافي وجوده صحة الإحرام) فيفسد إحرامه بالوطء بعد جمرة العقبة. قال في "المبدع": والمراد فسادُ ما بقي منه، لا ما مضى، إذ لو فَسَد كله لوقع الوقوف في غير إحرام. فصل (التاسع: المباشرة فيما دون الفرج لشهوة بوطء، أو قُبْلة، أو لَمْسٍ، وكذا نظرٌ لشهوةٍ) لأنه وسيلة إلى الوطء المُحَرَّم، فكان حرامًا. (فإن فَعَل، فأنزل، فعليه بدنة) نقله الجماعة (١)؛ لأنها مباشرة اقترن بها الإنزال، فأوجبتها، كالجِماع في الفرجِ (ولم يفسُدْ نُسُكه) لعدم الدليل، ولأنه استمتاع لم يجب بنوعه الحدّ، فلم يفسده (كما لو لم ينزل، وكما لو لم يكن) الإنزال (لشهوةٍ) والفرق بينه وبين الصوم: أنه يفسده كل واحد من محظوراته، بخلاف الحجِّ، لا يفسده إلا الجِماع، والرفث مختَلفٌ فيه، فلم نَقُلْ بجميعه، مع أنه يلزم القول به في

стр. 2543

الفسوق والجدال (وتأتي تتمته في الباب بعده). فصل (والمرأة إحرامُها في وجهِها، فيَحرمُ) عليها (تغطيتُه ببُرفع أو نِقابٍ أو غيره) لحديث ابن عُمر: "لا تَنْتَقبُ المرأةُ ولا تلْبَسُ القُفَّازَينِ" رواه البخاري (١). وقال ابن عُمر: "إحرامُ المرأةِ في وجهِهَا، وإحرامُ الرجُلِ في رأسِهِ". رواه الدارقطني (٢) بإسناد جيد. (فإن غطَّته) أي: الوجه (لغير حاجة فَدَت) كما لو غطَّى الرجُلُ رأسَه (ولحاجةٍ كمُرور رِجال قريبًا منها، تسدُلُ الثوبَ من فوق رأسِها على وجهها) لفعل عائشة، رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (٣) (ولو مسَّ) الثوب (وجهَها)

стр. 2544

وشرط القاضي في الساتر أن لا يصيب بشرتها، فإن أصابها، ثم ارتفع بسرعة فلا شيء عليها، وإلا فَدَت لاستدامة الستر، وردَّه الموفَّق بأنَّ هذا الشرط ليس هو عن أحمد، ولا هو في الخبر، بل الظاهر منه خِلافه، فإنه لا يكاد يَسلم المَسدول من إصابه البشرة، فلو كان شرطًا لبُيِّن. ويجب عليها تغطية رأسها كله (ولا يمكنها تغطيةُ جميع الرأس إلا بجزء من الوجه، ولا كشفُ جميعِ الوجه إلا بجزء من الرأس، فسترُ الرأس كلِّه أَولى) لأنه آكد؛ لوجوب ستره مطلقًا. (ولا تحرمُ تغطيةُ كفَّيها) خلافًا لأبي الفَرَج، حيث ألحقها بالوجه. (ويَحرمُ عليها ما يَحرمُ على الرجل) من إزالة الشعر، وتقليم الأظفار، وقَتْلِ الصيد، ونحوها؛ لدخولها في عموم الخطاب (إلا لُبْس المَخيط، وتظليل المَحْمِل وغيره) كالهودج والمِحَفَّة؛ لحاجتها إلى الستر، وحكاه ابن المنذر (١) إجماعًا، وكعقد الإزار للرَّجُل. (ويَحرمُ عليها وعلى رَجُل لبس قُفَّازين أو قُفَّاز واحد، وهما: كلُّ ما يُعمل لليدين إلى الكُوعين يُدخِلُهما فيه ليسترهما عن الحَرِّ؛ كالجورب للرِّجْلين، كما يُعمل للبُزاة) لحديث ابن عُمر مرفوعًا: "لا تَنْتَقِبُ المرأةُ الحرام (٢) ولا تَلْبَسُ القُفَّازَينِ" رواه البخاري (٣)، والرَّجل

стр. 2545

أَولى. ولا يلزم من جواز تغطيتهما بُكمِّها -لمشقَّة التحرُّز- جوازه بهما؛ بدليل جواز تغطية (١) قدمه (٢) بإزاره لا بخف، وإنما جاز تغطية قدميها بكل شيء؛ لأنهما عورة في الصلاة. (وفيه) أي: لُبْس القُفَّازين أو أحدهما (الفِديةُ كالنِّقاب. قال القاضي: ومثلهما لو لفَّتْ على يديها خِرْقة أو خِرَقًا، وشدَّتها على حِنَّاء أو لا، كشدِّه) أي: الرَّجُل (على جَسَدِه شيئًا) وذكره في "الفصول" عن أحمد (٣)، وجزم بمعناه في "المنتهى" و"شرحه" (وظاهرُ كلام الأكثر: لا يحرم. وإن لفَّتها بلا شدٍّ، فلا بأس) لأن المُحَرَّم اللبس لا التغطية، كيدي الرَّجُل. ولا بأس أن تطوف منتقبة، إن لم تكن مُحْرِمة، فعلته عائشة (٤). (ويُباح لها خَلْخالٌ ونحوه من حلي، كسوار ونحوه) كدُمْلج، نقله الجماعة (٥). قال نافع: "كنَّ نساءُ ابن عُمرَ يلبسْنَ الحلي والمعصفَرَ وهنَّ مُحرِمَاتٌ". رواه الشافعي (٦)، وفي خبر ابن عُمر: "ويلبَسْنَ بعد ذلك مَا أحبَبنَ" (٧)، ولا دليل للمنع.

стр. 2546

(ولا يَحرمُ عليها لِباسُ زينةٍ، وفي "الرعاية" وغيرها: يُكرهُ) أي: لباس الزينة. قال. أحمد (١): المُحْرِمة، والمتوفَّى عنها زوجها يتركان الطيب والزينة، ولهما سوى ذلك، وفي "التبصرة": يحرم. (ويُكره لهما) أي: للمُحْرِم والمُحْرِمة (كُحْلٌ بإثمدٍ ونحوه) من كل كُحْل أسود (لزينة لا لغيرها) رواه الشافعي (٢) عن ابن عُمر، والأصل عدم الكراهة (ولا يكره غيرُه) أي: الإثمد ونحوه؛ لأنه لا زينة به (إذا لم يكن مطيَّبًا) فإن كان مطيبًا، حَرُم. (ويُكره لها خِضابٌ) لأنه من الزينة كالكحل بالإثمد، و (لا) يُكره لها الخِضاب بالحِنَّاء (عند) إرادة (الإحرام) بل يُستحبُّ (وتقدم) أول باب الإحرام (٣)، ولا بأس بذلك للرجُل فيما لا تشبه فيه بالنساء؛ لأن الأصل الإباحة، ولا دليل للمنع. (و يجوز لهما لبس المُعَصْفَر والكُحْلِي وغيرهما من الأصباغ) لقوله ﷺ في حديث ابن عُمر في حقِّ المُحْرِمة: "ولتلبسْ بعد ذلكَ ما أحبَّتْ من مُعصْفَرٍ أو خزٍّ أو كُحْلِيٍّ (٤) ". رواه أبو داود (٥). وعن عائشة

стр. 2547

وأسماء: أنهما كانا يُحْرِمَانِ في المعصْفر (١). ولأنه ليس بطيب، فلم يُكره المصبوغ به كالسواد (إلا أنه يُكره للرجل لُبْسُ المُعصفَر) لأنه سبق أنه يُكره في غير الإحرام، ففيه أَولى، هكذا في "الإنصاف" هنا، ومعناه في "الشرح"، وتقدم في باب ستر العورة (٢) أنه لا يُكره في الإحرام، كما في "المبدع" و"التنقيح" وغيرهما، وذكروه نصًّا (٣). (ولهما قَطْعُ رإئحةٍ كريهةٍ بغير طيب) لأنه ليس من المحظورات، بل مطلوب فِعْله (والنظر في المرآة) جائز (لهما جميعًا لحاجة، كمداواة جُرْحٍ، وإزالةِ شعر بعينه) لأنه ليس بزينة. (ويُكره) نظرهما في المرآة (لزينة) كالاكتحال بالإثمد. (وله) أي: المُحْرِم (لُبْسُ خاتم) من فضة، أو عقيق ونحوهما؛ لما روى الدارقطني عن ابن عباس: "لا بأس بالهمْيَانِ والخَاتِم للمُحْرم" (٤).

стр. 2548

(و) له (بَطُّ جُرْح، و) له (ختانٌ) نصًّا (١)، (وقَطْعُ عضو عند الحاجة (٢)، وأن يحتجم) لأنه لا رفاهية فيه، ولحديث ابن عباس: "أن النبيَّ ﷺ احتَجَمَ وهو مُحرِمٌ". متفق عليه (٣) (فإن احتاج) المُحْرِم (في الحجامة إلى قَطْع شعرٍ فله قَطْعُه، وعليه الفِدية) لما قَطَعه من الشعر، كما لو احتاج لحلق رأسه. (ويجتنب المُحْرِم) ذكرًا كان أو أنثى (ما نهى الله) تعالى (عنه من الرَّفَث، وهو الجِماع) روي عن ابن عباس (٤) وابن عمر (٥). وقال الأزهري (٦): الرَّفَثُ: كلمة جامعة لكل ما يريده الرَّجلُ من المرأة. (وكذا التقبيلُ والغمزُ، وأن يُعرِّضَ لها بالفحش من الكلام) رُوي -أيضًا- عن ابن عباس (٧). (والفسوق، وهو السِّباب) وقيل: المعاصي. (والجِدال، وهو المِراء فيما لا يعني) أي: يهم. قال الموفق: المُحْرِم ممنوع من ذلك كله. وقال في "الفصول": يجب اجتناب الجدال، وهو المماراة فيما لا يعني. وفي "المستوعب": يحرم عليه الفسوق، وهو السباب والجدال، وهو المماراة فيما لا يعني، وقدم في "الرعاية": يُكره كل

стр. 2549

جدال، ومِراء فيما لا يعنيه. (ويُستحبُّ له قِلَّة الكلام إلا فيما ينفع) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من كانَ يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فليقُل خيرًا أو ليصْمت". متفق عليه (١)، وعنه مرفوعًا: "من حُسْنِ إسلام المرْءِ تركُهُ ما لا يَعْنِيهِ". حديث حسن، رواه الترمذي وغيره (٢)، ولأحمد من حديث الحسين بن علي مثله. وله -أيضًا- في لفظ: "قلة الكلام فيما لا يَعْنِيه" (٣). (و) يُستحبُّ للمُحْرِم (أن يشتغل بالتلبية، وذِكْرِ الله، وقراءةِ القرآن، والأمرِ بالمعروف، والنهيِ عن المنكر، وتعليمِ الجاهل، ونحو ذلك) من المطلوبات. (ويُباح له أن يتَّجِر، و) أن (يصنع الصنائعَ ما لم يشغله) ذلك (عن واجب أو مستحب) قال ابن عباس: "كانت عُكَاظٌ، ومَجِنّة، وذُو المَجَازِ أسواقًا في الجاهليةِ، فتأثَّمُوا أن يتَّجِرُوا في المواسم، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤) في مواسم الحجِّ. رواه البخاري (٥). ولأبي داود عن أبي أُمامة التيمي قال: "كنتُ رجلًا أُكري في هذا الوجْهِ، وكان ناسٌ يقولون: ليس لك حجٌّ، فلقيتُ ابنَ

стр. 2550

عمرَ، فقلت (١): إني أُكري في هذا الوجه، وإنَّ نَاسًا يقولون: ليس لكَ حجٌّ، فقال ابنُ عمرَ: أليس تُحْرِمُ وتُلَبِّي، وتطوفُ بالبيتِ، وتُفيضُ من عرفات، وترمِي الجمَارَ؟ فقلتُ: بَلى، قال: فإنَّ لكَ حَجًّا، جاءَ رجلٌ إلى النبي ﷺ فسألَهُ مثل ما سألتني، فسكَتَ عنه رسول الله ﷺ فلم يُجِبْهُ حتَّى نزلتْ هذه الآية: ﴿لَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فأرسل إليه رسول الله ﷺ وقَرأ عليه هذه الآية، وقال: لكَ حَجٌّ" (٢). إسناده جيد، ورواه الدارقطني وأحمد، وعنده: "إنَّا نُكْري، فهل لنا من حَجٍّ؟ " وفيه: "وتَحلِقونَ رؤوسَكُم". وفيه: "فقال: أنتم حجَّاجٌ" (٣).

стр. 2551

باب الفدية مصدر فَداه، يقال: فَداه وأفداه: أعطى فِداءَه، ويقال: فداه، إذا قال له: جُعلت فِداك. والفدية والفِداء والفَدى بمعنى، إذا كُسر أوله يمدُّ ويُقصر، وإذا فُتح أوله قُصر، وحكى صاحب "المطالع" (١) عن يعقوب: فداءك، ممدودًا مهموزًا مثلث الفاء. (وهي ما) أي: دم أو صوم أو طعام (يجبُ بسبب نُسُكٍ) كدم تمتُّع وقران، وما وجب لتَرك واجب، أو إحصار، أو لفعل محظور (أو) تجب بسبب (حَرَمٍ) مكي، كالواجب في صيده ونباته. (وله تقديمها) أي: الفِدية (على فعل المحظور) إِذا احتاج إِلى فعله (لعُذر، كـ) ـأن يحتاج إلى (حَلْقٍ ولُبس وطيب (٢)) أو اضطر إلى أكل صيد (بعد وجود السبب) أي: العذر (المبيح) لفعل المحظور، فَعَلَهُ عليٌّ (٣)، ولأنها كفارة فجاز تقديمها على وقت الوجوب (ككفَّارة يمين) له تقديمها على الحنث بعد عَقْدِ اليمين، وكتعجيل الزكاة لحول أو حولين بعد ملك النصاب الزكوي (ويأتى) ذلك.

стр. 2552

(وهي) أي: الفِدية (على ثلاثة أضرب) لكنها في التحقيق ضربان كما ستقف عليه: (أحدها): ما يجب (على التخيير، وهو نوعان: أحدهما: يخير فيه) المُخرِج (بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين -لكل مسكين مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاع تمر، أو زبيب، أو شعير-) كفِطرة وكفَّارة (أو ذبح شاة، فلا يجزئ الخبز) كالفِطرة والكفَّارة على المذهب (واختار الشيخ (١) الإجزاء) أي: إجزاء الخبز، كاختياره في الفِطرة والكفَّارة (ويكون) الخبزُ لكلِّ مسكين بناء على إجزائه (رطلين عراقية) كما قيل في الكفارة. (وينبغي أن يكون) ما يخرجه (بأُدُم) ليكفي المساكين المؤنة على قياس الكفَّارة (و) إخراج الفِدية (مما يأكله أفضل من بُرٍّ وشعير) وغيرهما كالكفَّارة، وخروجًا من خلاف من أوجبه؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٢). (وهي) أي: الفِدية التي يخيَّر فيها بين ما ذكر (فِديةُ حلقِ الشعر) أي: أكثر من شعرتين (وتقليم الأظفار) أي: أكثر من ظفرين، وتقدم (٣) حكم الشعرتين والظفرين وما دونهما (و) فِدية (تغطية الرأس) من الذَّكَر أو الوجه من المرأة (و) فِدية (اللُّبس والطيب، ولو حَلَق ونحوه) بأن قلَّم أو لَبس أو تطيب (لعُذر أو غيره) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤). وقال ﷺ

стр. 2553

لكعب بن عُجرَة: "لعلَّكَ آذاكَ هَوَامُّ رأسِك؟ قال: نعم يا رسُول الله، فقال رسول الله ﷺ : احلقْ رأسكَ، وصُم ثلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطعِم سته مساكينَ، أو انسُك شَاةً" متفق عليه (١). وفي لفظ: "أو أطْعِم سِتَّة مساكينَ، لكلِّ مسكين نصف صَاع تَمرٍ" (٢). فدلَّت الآية والخَبر على وجوب الفِدية على صفة التخيير -لأنه مدلول "أو"- في حَلق الرأس، وقيس عليه: تقليم الأظفار، واللبس، والطيِب؛ لأنه يَحرم في الإحرام؛ لأجل الترفّه فأشبه حَلق الرأس. وثبت الحكم في غير المعذور بطريق التنبيه تبعًا له؛ ولأن كل كفَّارة ثبت التخيير فيها مع العُذر ثبت مع عدمه، كجزاء الصيد، وإنما الشرط لجواز الحَلْق لا للتخيير. والحديث ذُكرَ فيه التمر، وفي بعضِ طرقه: الزبيب (٣)، وقيس عليهما: البر، والشعير، والأقط، كالفِطرة والكفَّارة. (النوع الثاني) من الضرب الذي على التخيير (جزاءُ الصيدِ، يخير فيه بين) إخراج (المِثْل، فإن اختاره، ذبحه وتصدَّق به على مساكين الحرم، ولا يجزئه أن يتصدَّق به حيًّا) لأن الله تعالى سمَّاه هديًا، والهدي يجب ذَبحه (وله ذبحُه أي وقت شاء، فلا يختص بأيام النَّحر) لأن الأمر به مطلق (أو تقويم المثل بدراهم) ويكون التقويم (بالموضع الذي أتلفه) أي: الصيد (فيه وبقُرْبه) أي: قرب مَحلِّ تلف الصيد، نقله ابن القاسم

стр. 2554

وسِندي (١) لـ (يشتري بها) أي: الدراهم (طعامًا يجزئ في الفِطرة) كواجب في فِدية أذى وكفَّارة (وإن أحبَّ أخرج من طعام) مجزئ (يملكه بقَدرِ القيمة) متحريًا العدل، لحصول المقصود من الشراء، ولا يجوز أن يتصدَّق بالدراهم؛ لأن الله تعالى ذَكَرَ في الآية التخيير بين ثلاثة أشياء، وهذا ليس منها (فيُطعِم كلَّ مسكين) من مساكين الحَرَم؛ لأنه بدل الهدي الواجب. لهم (مدًّا من حنطة، أو نصف صاع من غيره) وتقدم بيان المُدِّ والصاع في الغسل (٢) (أو يصوم عن طعام كل مسكين يومًا) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣) فعطف بـ: "أو"، وهي للتخيير كما تقدم (وإن بقيَ) من الطعام (ما لا يعدل يومًا) بأن كان دون طعام مسكين (صام يومًا) كاملًا؛ لأن الصوم لا يتبعَّض (ولا يجب التتابع في هذا الصوم) لعدم الدليل عليه، والأمر به مطلق، فيتناول الحالين. (ولا يجوز أن يصومَ عن بعض الجزاء ويُطعِمَ عن بعضه) نصَّ عليه (٤)؛ لأنها كفارة واحدة، فلم يَجز فيها ذلك كسائر الكفارات. (وإن كان) الصيد (مما لا مِثل له، خُيِّر بين أن يشتري بقيمته طعامًا) يجزئ في الفِطرة، وإن أحب أخرج من طعام يملكه بقَدْرِ القيمة، كما تقدم (فيطعمه للمساكين) كل مسكين مُدُّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره (وبين أن يصوم عن كلِّ طعام مسكين يومًا) لتعذُّر المِثل، فيُخيَّر فيما عداه.

стр. 2555

فصل (الضربُ الثاني) من أضرب الفِدية (على الترتيب، وهو ثلاثةُ أنواع: أحدها: دم متعةٍ وقِرانٍ، فيجب الهديُ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). وقِيس القارنُ عليه؛ لما تقدم (فإن عَدِمه) أي: عدم المتمتع والقارن الهديَ (موضعَه، أو وجده) يباع (ولا ثمن معه إلا في بلده، فصيامُ ثلاثة أيام في الحجِّ) قيل: معناه في أشهر الحج. وقيل: معناه في وقت الحجِّ؛ لأنه لابدَّ من إضمار؛ لأن الحج أفعال لا يصام فيها، وإنما يُصام في أشهرها أو وقتها، وذلك كقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٢) أي: في أشهر (ولا يلزمه أن يقترض) ثمن الهدي (ولو وجد من يُقرِضُه) لأن الظاهر استمرار إعساره. (ويعمل بظنِّه في عَجزِه) عن الهدي (فإن الظاهرَ من المُعسِر استمرارُ إعساره، فلهذا جاز) للمُعْسِر (الانتقالُ إلى الصوم قبل زمان الوجوب) أي: وجوب الصوم؛ لأنه يجب بطلوع فجر يوم النحر. (والأفضل: أن يكون آخرُ الثلاثة يومَ عَرَفة) نصَّ عليه (٣) (فيصومُه) أي: يوم عَرَفة هنا استحبابًا (للحاجة) إلى صومه (ويقدِّم الإحرامَ بالحج قبل يوم التروية، فيكون اليوم السابعَ من) ذي (الحِجَّة

стр. 2556

مُحرِمًا) فيحرم قبل طلوع فجره (وهو أولها) ليصومها كلها وهو مُحْرِم بالحج. (وله تقديمها) أي: الأيام الثلاثة (قبل إحرامِه بالحجِّ بعد أن يُحْرِم بالعُمرة) وأن يصومها في إحرام العُمرة؛ لأن إحرام العُمرة أحد إحرامي التمتُّع، فجاز الصوم فيه وبعده، كالإحرام بالحج. ولأنه يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه، إذا وُجدَ سبب الوجوب، وهو هنا إحرامه بالعُمْرة في أشهر الحج، كتقديم الكفَّارة على الحنث بعد اليمين. و (لا) يجوز تقديم صومها (قبله) أي: قبل إحرام العُمرة؛ لعدم وجود سبب الوجوب، كتقديم الكفارة على اليمين. (ووقتُ وجوبِ صومِ الأيام الثلاثة وقتُ وجوبِ الهدي) وهو طلوع فجر يوم النحر، على ما تقدم؛ لأنها بدلُه (وتقدم) وقت وجوبه (و) صيام (سبعة) أيام (إذا رَجَعَ إلى أهله) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١). (ولا يصحُّ صومُها) أي: السبعة (بعد إحرامه بالحج قبل فراغه منه) قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يعني: من عَمَلِ الحج؛ لأنه المذكور. (ولا) يصح صومُها (في أيام منى لبقاء أعمالٍ من (٢) الحج) كرمي الجِمار (ولا) يصحُّ صومُ السبعة (بعدها) أي: بعد أيام منى (قبل طواف الزيارة) لأنه قبل ذلك لم يرجع من عَمَلِ الحج. قلت: وكذا بعد الطواف وقبل السعي.

стр. 2557

(و) إن صام السبعة (بعده) أي: بعد الطواف، ولعل المراد: والسعي (يصحُّ) لأنه رجع من عَمَلِ الحج (والاختيار) أن يصومها (إذا رَجَعَ إلى أهله) لحديث ابن عُمر: أن النبي ﷺ قال: "فمنْ لم يَجِدْ فَلْيَصُم ثَلاثةَ أيامِ في الحجِّ وسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلى أهلِهِ". متفق عليه (١). (فإن لم يَصم الثلاثةَ قيل يوم النحر، صام أيام منى) وهي أيام التشريق؛ لقول ابن عمر وعائشة: "لم يرخِّص في أيامِ التشرِيق أن يُصَمنَ إلا لمَنْ لم يَجِد الهَدي" رواه البخاري (٢)؛ لأن (٣) الله تعالى أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحج، ولم يبقَ من الحج إلا هذه الأيام، فتعين فيها الصوم (ولا دم عليه) إذا صامها أيام مني؛ لأنه صامها في الحج (فإن لم يصمها) أي: الثلاثة أيام (فيها) أي: في أيام منى ولا قبلها (ولو لعُذر) كمرض (صام بعد ذلك عشرة أيام) كاملة، استدراكًا للواجب (وعليه دم) لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته. (وكذا إن أخَّر الهديَ عن أيام النحرِ لغير عُذر) فعليه دم، لتأخير الهَدي الواجب عن وقته، فإن كان لعُذر كأن ضاعت نفقته، فلا دم عليه. (ولا يجب تتابعٌ ولا تفريقٌ في صوم الثلاثة، ولا) في صوم (السبعة، ولا بين الثلاثة والسبعة إذا قضى) الثلاثة أو صامها أيام منى؛ لأن الأمر وَرَدَ بها مطلقًا، وذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا. (ومتى وجب عليه الصومُ) لعجزه عن الهَدي وقت وجوبه (فَشَرَع فيه) أي: الصوم (أو لم يشرع) فيه (ثم قدر على الهدي، لم يلزمه الانتقال

стр. 2558

إليه) اعتبارًا بوقت الوجوب، كسائر الكفارات (وإن شاء انتقل) عن الصوم إلى الهدي؛ لأنه الأصل. وإن صام قبل الوجوب؛ ثم قدر على الهدي وقت الوجوب، فصرَّح ابن الزعفراني: بأنه لا يجزئه الصوم. وإطلاق الأكثرين يخالفه. وفي كلام بعضهم تصريح به، قاله في القاعدة الخامسة (١)، واقتصر عليه في "الإنصاف". (ومن لزمه صوم المتعة، فمات قبل أن يأتي به) كله أو بعضه (لغير عُذر، أُطعم عنه لكلِّ يوم مسكين) من تركته إن كانت، وإلا، استُحب لوليه كقضاء رمضان، ولا يُصام عنه لوجوبه بأصل الشرع، بخلاف النذر (وإلا) أي: وإن لم يكن عدم إتيانه به لغير عُذر، بل (٢) كان لعذر (فلا) إطعام عنه؛ لعدم تقصيره. النوع (الثاني) من الضرب الثاني: (المُحصَر، يلزمه الهَديُ) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) و (ينحَرُه بنيَّة التحلُّل) لقوله ﷺ : "وإنما لكل امرِئ ما نَوَى" (٤) (مكانَه) أي: الإحصار (كما يأتي في بابه) موضحًا (فإن لم يجد) المُحْصَر الهدي (صامَ عشَرةَ أيام) قياسًا على هدي التمتُّع (بالنيَّة) أي: نية التحلُّل؛ لما تقدم (ثم حَلَّ) وليس له التحلل قبل ذلك (ولا إطعامَ فيه) أي: في هذا النوع، ويأتي إيضاحه في بابه. النوع (الثالث: فِدية الوَطء تجبُ به (٥) بدنةٌ) في حج قبل التحلُّل

стр. 2559

الأول (قارنًا كان أو مفرِدًا، فإنْ لم يجدها) أي: البَدَنة (صام عشرة أيامٍ: ثلاثة في الحج، وسبعةً إذا رَجَع) أي: فرغ من عمل الحج (كدم المتعة؛ لقضاء الصحابة به) قاله ابن عُمر، وابن عباس، وعبد الله بن عَمرو. رواه عنهم الأثرم (١). ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة، فيكون إجماعًا (٢)، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة. (و) تجب (شاةٌ إن كان) الوطء (في العُمرة) وتقدم في الباب (٣) قبله مستوفى (ويجب على المرأة المطاوِعة مثلُ ذلك) المذكور في الحج والعمرة و (لا) تجب فِدية الوَطء على (المكرهة والنائمة) لقوله ﷺ : "عُفيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنسيانِ وما استُكرِهُوا عليهِ" (٤) (ولا يجبُ على الواطيء أن يفديَ عنها، وتقدَّم ذلك) في الباب قبله (٥). فصل (الضربُ الثالثُ) من أضرب الفِدية (الدماءُ الواجبةُ) لغير ما تقدم، كدم وجب (لفواتِ الحجِّ بعدم وقوفه بعَرَفة، لعُذرٍ حَصْرٍ أو غيره) حتى طلع فجر يوم النَّحْر (ولم يشترط أن مَحلِّي حيث حبستني) فإن كان اشترط، فلا دم عليه. (أو وجب) الدم (لتركِ واجب، كتَركِ الإحرام من الميقات، أو

стр. 2560

الوقوف بعَرَفة إلى الليل) لمن وقف نهارًا (وسائر الواجبات) كالمبيت بمزدلفة، أو ليالي منى، أو رَمْي الجِمار، أو طواف الوداع (فيلزمُه من الهَدي ما تيَسَّر، كدم المتعةِ، على ما تقدم (١) من حُكمِه وحُكم الصيام) بدله. يعني: أنه يجب عليه دم كدم المتعة، فإن عَدِمه، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، لكن في مسألة الفوات لا يُتصوَّر صوم الثلاثة قبل يوم النَّحر؛ لأن الفوات إنما يتحقَّق بطلوع فجره، وإنما أُلحق بدم التمتع؛ لتَرْكه بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالمترفِّه بتَرك أحد السفرين، ولم يُلحق بالإحصار، مع أنه أشبه به، إذ هو إحلال من إحرامه قبل إتمامه؛ لأن البدل في الإحصار ليس منصوصًا عليه، وإنما ثبت قياسًا، وقياسه على الأصل المنصوص عليه أَولى، على أنَّ الهَدي هنا كهدي الإحصار، والصيام مثل الصيام عن دم الإحصار، إلا أنَّ التحلُّل في الإحصار لا يجوز إلا بعد ذَبحِ الهَدي، أو الصيام بنيَّة التحلُّل، وهنا (٢) يجوز قبل الحِلِّ وبعده. (وما وجب) من الدماء (للمباشرة في غير الفَرْجِ) كالقُبلة واللمس، والنظر لشهوة (فما أوجبَ منه بدنةً) وهو الذي فيه إنزال، وكان قبل التحلُّل الأول من الحج (فحكمُها حُكمُ البدنة الواجبة بالوَطء في الفَرج) فتجب البدنة، فإن لم يجدها، صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رَجَع؛ لأنه دم وجب بسبب المباشرة، أشبه الواجب بالوطء في الفَرج. (وما عدا ما يوجبُ بدنةً، بل) أوجب (دمًا، كاستمتاعٍ لم ينزل فيه) وكالوطء في العُمْرة وبعد التحلُّل الأول في الحج، قاله في
следующие страницы →