مُحرِمًا) فيحرم قبل طلوع فجره (وهو أولها) ليصومها كلها وهو مُحْرِم بالحج.
(وله تقديمها) أي: الأيام الثلاثة (قبل إحرامِه بالحجِّ بعد أن يُحْرِم بالعُمرة) وأن يصومها في إحرام العُمرة؛ لأن إحرام العُمرة أحد إحرامي التمتُّع، فجاز الصوم فيه وبعده، كالإحرام بالحج. ولأنه يجوز تقديم الواجب على وقت وجوبه، إذا وُجدَ سبب الوجوب، وهو هنا إحرامه بالعُمْرة في أشهر الحج، كتقديم الكفَّارة على الحنث بعد اليمين.
و (لا) يجوز تقديم صومها (قبله) أي: قبل إحرام العُمرة؛ لعدم وجود سبب الوجوب، كتقديم الكفارة على اليمين.
(ووقتُ وجوبِ صومِ الأيام الثلاثة وقتُ وجوبِ الهدي) وهو طلوع فجر يوم النحر، على ما تقدم؛ لأنها بدلُه (وتقدم) وقت وجوبه (و) صيام (سبعة) أيام (إذا رَجَعَ إلى أهله) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (١).
(ولا يصحُّ صومُها) أي: السبعة (بعد إحرامه بالحج قبل فراغه منه) قالوا: لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يعني: من عَمَلِ الحج؛ لأنه المذكور.
(ولا) يصح صومُها (في أيام منى لبقاء أعمالٍ من (٢) الحج) كرمي الجِمار (ولا) يصحُّ صومُ السبعة (بعدها) أي: بعد أيام منى (قبل طواف الزيارة) لأنه قبل ذلك لم يرجع من عَمَلِ الحج.
قلت: وكذا بعد الطواف وقبل السعي.
стр. 2557
(و) إن صام السبعة (بعده) أي: بعد الطواف، ولعل المراد: والسعي (يصحُّ) لأنه رجع من عَمَلِ الحج (والاختيار) أن يصومها (إذا رَجَعَ إلى أهله) لحديث ابن عُمر: أن النبي ﷺ قال: "فمنْ لم يَجِدْ فَلْيَصُم ثَلاثةَ أيامِ في الحجِّ وسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلى أهلِهِ". متفق عليه (١).
(فإن لم يَصم الثلاثةَ قيل يوم النحر، صام أيام منى) وهي أيام التشريق؛ لقول ابن عمر وعائشة: "لم يرخِّص في أيامِ التشرِيق أن يُصَمنَ إلا لمَنْ لم يَجِد الهَدي" رواه البخاري (٢)؛ لأن (٣) الله تعالى أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحج، ولم يبقَ من الحج إلا هذه الأيام، فتعين فيها الصوم (ولا دم عليه) إذا صامها أيام مني؛ لأنه صامها في الحج (فإن لم يصمها) أي: الثلاثة أيام (فيها) أي: في أيام منى ولا قبلها (ولو لعُذر) كمرض (صام بعد ذلك عشرة أيام) كاملة، استدراكًا للواجب (وعليه دم) لتأخيره واجبًا من مناسك الحج عن وقته.
(وكذا إن أخَّر الهديَ عن أيام النحرِ لغير عُذر) فعليه دم، لتأخير الهَدي الواجب عن وقته، فإن كان لعُذر كأن ضاعت نفقته، فلا دم عليه.
(ولا يجب تتابعٌ ولا تفريقٌ في صوم الثلاثة، ولا) في صوم (السبعة، ولا بين الثلاثة والسبعة إذا قضى) الثلاثة أو صامها أيام منى؛ لأن الأمر وَرَدَ بها مطلقًا، وذلك لا يقتضي جمعًا ولا تفريقًا.
(ومتى وجب عليه الصومُ) لعجزه عن الهَدي وقت وجوبه (فَشَرَع فيه) أي: الصوم (أو لم يشرع) فيه (ثم قدر على الهدي، لم يلزمه الانتقال
стр. 2558
إليه) اعتبارًا بوقت الوجوب، كسائر الكفارات (وإن شاء انتقل) عن الصوم إلى الهدي؛ لأنه الأصل. وإن صام قبل الوجوب؛ ثم قدر على الهدي وقت الوجوب، فصرَّح ابن الزعفراني: بأنه لا يجزئه الصوم. وإطلاق الأكثرين يخالفه. وفي كلام بعضهم تصريح به، قاله في القاعدة الخامسة (١)، واقتصر عليه في "الإنصاف".
(ومن لزمه صوم المتعة، فمات قبل أن يأتي به) كله أو بعضه (لغير عُذر، أُطعم عنه لكلِّ يوم مسكين) من تركته إن كانت، وإلا، استُحب لوليه كقضاء رمضان، ولا يُصام عنه لوجوبه بأصل الشرع، بخلاف النذر (وإلا) أي: وإن لم يكن عدم إتيانه به لغير عُذر، بل (٢) كان لعذر (فلا) إطعام عنه؛ لعدم تقصيره.
النوع (الثاني) من الضرب الثاني: (المُحصَر، يلزمه الهَديُ) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) و (ينحَرُه بنيَّة التحلُّل) لقوله ﷺ : "وإنما لكل امرِئ ما نَوَى" (٤) (مكانَه) أي: الإحصار (كما يأتي في بابه) موضحًا (فإن لم يجد) المُحْصَر الهدي (صامَ عشَرةَ أيام) قياسًا على هدي التمتُّع (بالنيَّة) أي: نية التحلُّل؛ لما تقدم (ثم حَلَّ) وليس له التحلل قبل ذلك (ولا إطعامَ فيه) أي: في هذا النوع، ويأتي إيضاحه في بابه.
النوع (الثالث: فِدية الوَطء تجبُ به (٥) بدنةٌ) في حج قبل التحلُّل
стр. 2559
الأول (قارنًا كان أو مفرِدًا، فإنْ لم يجدها) أي: البَدَنة (صام عشرة أيامٍ: ثلاثة في الحج، وسبعةً إذا رَجَع) أي: فرغ من عمل الحج (كدم المتعة؛ لقضاء الصحابة به) قاله ابن عُمر، وابن عباس، وعبد الله بن عَمرو. رواه عنهم الأثرم (١). ولم يظهر لهم مخالف في الصحابة، فيكون إجماعًا (٢)، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة.
(و) تجب (شاةٌ إن كان) الوطء (في العُمرة) وتقدم في الباب (٣) قبله مستوفى (ويجب على المرأة المطاوِعة مثلُ ذلك) المذكور في الحج والعمرة و (لا) تجب فِدية الوَطء على (المكرهة والنائمة) لقوله ﷺ : "عُفيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنسيانِ وما استُكرِهُوا عليهِ" (٤) (ولا يجبُ على الواطيء أن يفديَ عنها، وتقدَّم ذلك) في الباب قبله (٥).
فصل
(الضربُ الثالثُ) من أضرب الفِدية (الدماءُ الواجبةُ) لغير ما تقدم، كدم وجب (لفواتِ الحجِّ بعدم وقوفه بعَرَفة، لعُذرٍ حَصْرٍ أو غيره) حتى طلع فجر يوم النَّحْر (ولم يشترط أن مَحلِّي حيث حبستني) فإن كان اشترط، فلا دم عليه.
(أو وجب) الدم (لتركِ واجب، كتَركِ الإحرام من الميقات، أو
стр. 2560
الوقوف بعَرَفة إلى الليل) لمن وقف نهارًا (وسائر الواجبات) كالمبيت بمزدلفة، أو ليالي منى، أو رَمْي الجِمار، أو طواف الوداع (فيلزمُه من الهَدي ما تيَسَّر، كدم المتعةِ، على ما تقدم (١) من حُكمِه وحُكم الصيام) بدله. يعني: أنه يجب عليه دم كدم المتعة، فإن عَدِمه، صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، لكن في مسألة الفوات لا يُتصوَّر صوم الثلاثة قبل يوم النَّحر؛ لأن الفوات إنما يتحقَّق بطلوع فجره، وإنما أُلحق بدم التمتع؛ لتَرْكه بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالمترفِّه بتَرك أحد السفرين، ولم يُلحق بالإحصار، مع أنه أشبه به، إذ هو إحلال من إحرامه قبل إتمامه؛ لأن البدل في الإحصار ليس منصوصًا عليه، وإنما ثبت قياسًا، وقياسه على الأصل المنصوص عليه أَولى، على أنَّ الهَدي هنا كهدي الإحصار، والصيام مثل الصيام عن دم الإحصار، إلا أنَّ التحلُّل في الإحصار لا يجوز إلا بعد ذَبحِ الهَدي، أو الصيام بنيَّة التحلُّل، وهنا (٢) يجوز قبل الحِلِّ وبعده.
(وما وجب) من الدماء (للمباشرة في غير الفَرْجِ) كالقُبلة واللمس، والنظر لشهوة (فما أوجبَ منه بدنةً) وهو الذي فيه إنزال، وكان قبل التحلُّل الأول من الحج (فحكمُها حُكمُ البدنة الواجبة بالوَطء في الفَرج) فتجب البدنة، فإن لم يجدها، صام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رَجَع؛ لأنه دم وجب بسبب المباشرة، أشبه الواجب بالوطء في الفَرج.
(وما عدا ما يوجبُ بدنةً، بل) أوجب (دمًا، كاستمتاعٍ لم ينزل فيه) وكالوطء في العُمْرة وبعد التحلُّل الأول في الحج، قاله في
стр. 2561
"الشرح" (فإنه يوجب شاةً، وحكمُها حُكمُ فِديةِ الأذى) لما في ذلك من الترفّه. وقد قال ابن عباس: "فمن وقعَ على امرأتِه في العُمْرة قبلَ التَّقصيرِ، عليهِ فِديِةٌ صيام أو صَدَقَةٍ أو نسكٍ". رواه الأثرم (١).
(وإن كرَّر النَّظرَ) فأمنى (أو قبَّل) فأمنى (أو لمس لشهوةٍ فأمنى، أو استمنى فأمنى، فعليه بدنةٌ) قياسًا على الوطء (وإن مَذَى بذلك) فعليه شاة؛ لأنه يحصُل به التذاذ، كاللمس.
(أو أمنى بنظرة واحدة فـ) ـعليه (شاةٌ) أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كفدية أذًى؛ لأنه فِعْل يحصُل به اللذَّة، أوجب الإنزال، أشبه اللمس.
(وإن لم ينزل) بالنظر فلا شيء عليه؛ لأنه لا يمكن التحرُّز منه، ولو كرَّره. وأما الاستمتاع بلا إنزال فتجب به شاة، كما تقدم (أو أنزل عن فِكر غَلَبَه) فلا شيء عليه، لقوله ﷺ : "عُفِيَ لأمَّتي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيانِ، وما حَدَّثَتْ بهِ أنفسَهَا ما لم تَعملْ بهِ، أو تَتكلَّمْ". متفق عليه (٢). ولأنه لا نصَّ فيه ولا إجماع، ولا يصحُّ قياسه على تكرار النظر؛ لأنه دونه في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الإنزال، ويخالفه في التحريم إذا تعلَّق بأجنبية، أو في الكراهة إذا تعلق بمباحة، فيبقى على الأصل (أو مَذَى
стр. 2562
بنظرة من غير تكرار) للنظر، فلا شيء عليه؛ لمشقَّة الاحتراز منه (أو احتلم فلا شيء عليه) لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
(وخطأٌ كعمد في الكُلِّ) أي: كل ما تقدم من المباشرة دون الفَرْجِ، وتكرار النظر، والتقبيل واللمس لشهوة، فلا تختلف الفِدية بالخطأ والعمد فيه، كالوطء (والمرأة كالرَّجُل مع شهوة) فيجب عليها مع الشهوة ما يجب عليه؛ لاشتراكهما في اللذة، فإن لم توجد منها شهوة، فلا شيء عليها.
فصل
(وإن كرَّر محظورًا من جنس غير) قَتْل (صيدٍ، مثل أن حَلَق) ثم أعاد (أو قلَّم) ثم أعاد (أو لَبِس) مخيطًا ثم أعاد (أو تطيب) ثم أعاد (أو وطئ) ثم أعاد (أو) فَعَل (غيرها من المحظورات) كأن باشر دون الفَرْج (ثم أعاد) ذلك (ثانيًا، ولو غير الموطوءة) أوَّلًا (أو) كان تكريره للمحظور (بلُبْسِ مخيطٍ في رأسه) فعليه فديةٌ واحدة. قال في "الشرح": فإن لبس قميصًا وسراويل، وعمامة وخُفَّين، كفاه فِدية واحدة؛ لأن الجميع لُبْس، فأشبه الطيب في رأسه وبدنه (أو بدواءٍ مطيب) ذكره في "الإنصاف" المذهب، وأن عليه الأصحاب، وبناه في "المستوعب" على رواية أن الحكم يختلف باختلاف الأسباب، لا باختلاف الأوقات والأجناس، وهو ظاهر؛ إذ الطيب وتغطية الرأس جنسان كما تقدم. ويمكن حَمْل كلامه على تكرار الطيب فقط، بأن تطيب أولًا، ثم أعاده بدواءٍ مطيب، فهذا جنس واحد، لا لُبْس معه، ولا تغطية رأس، بخلاف ما لو غطَّى رأسه، ثم أعاده بدواء مطيب، فإنه على مقتضى كلامه يلزمه فديتان: لتغطية الرأس فِدية، وللطيب فِدية، وقوله: (قبل التكفير عن الأول) متعلِّق بـ"أعاد" (فـ) عليه (كفَّارة واحدة، تابع الفِعل أو فرَّقه) لأن
стр. 2563
الله تعالى أوجب في حَلْقِ الرأس فِدية واحدة، ولم يفرِّق بين ما وقع في دفعة أو دفعات (فلو قلَّم ثلاثةَ أظفار، أو قَطَع ثلاث شعرات في أوقات قبل التكفير، لزمه دم) أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، ولم تلزمه ثانية؛ لما تقدم.
(وإن كفَّر عن) الفِعل (الأول، لزمته للثاني (١) كفَّارة) ثانية؛ لأن السبب الموجب للكفَّارة الثانية غير عين السبب الموجب للكفَّارة الأُولى، أشبه ما لو حلف ثم حنث وكفَّر، ثم حلف وحنث.
(وتتعدد كفَّارة الصيد) أي: جزاؤه (بتعدده) أي: الصيد، ولو قُتلت الصيود معًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢) ومثلُ جزاء الاثنين فأكثر لا يكون مثلَ أحدهما.
(وإن فَعَل محظورًا من أجناس، فعليه لكُلِّ) جنس (واحدٍ فِداءٌ) سواء فَعَل ذلك مجتمعًا أو متفرقًا، اتحدت فديتُها أو اختلفت؛ لأنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم يتداخل موجَبها، كالحدود المختلفة.
(وإن حَلَق، أو قلَّم) أظفاره (أو وطِئ، أو قتل صيدًا عامدًا، أو ناسيًا، أو مخطئًا أو مُكرهًا -ولو نائمًا- قَلَع شعرَه، أو صوَّبْ رأسه إلى تنُّورٍ فأحرق اللَّهبُ شعرَه، فعليه الكفَّارة) لأن هذه أتلاف، فاستوى عمدُها وسهوها وجهلها، كإتلاف مال الآدمي، ولأنه تعالى أوجب الفِدية على من حَلَقَ رأسه لأذًى به، وهو معذور، فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور، ودليلًا على وجوبها على المَعذور بنوع آخر، كالمحتجم يحلق موضع محاجمه. ومثل ذلك المباشرة دون الفَرْج، كما تقدم قريبًا.
стр. 2564
(وإن لَبِسَ) مخيطًا ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا (أو تطيب) ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا (أو غطَّى رأسه ناسيًا، أو جاهلًا، أو مكرهًا، فلا كفَّارة) لقوله ﷺ : "عُفِيَ لأمَّتِي عنِ الخَطأ والنِّسْيان ومَا اسْتُكرِهُوا عليه" (١). قال أحمد (٢): إذا جامع أهله؛ بطل حجُّه؛ لأنه شيء لا يقدر على ردِّه، والصيد إذا قَتَله، فقد ذهب لا يقدر على ردِّه، والشعر إذا حَلَقه، فقد ذهب، فهذه الثلاثة العمد والخطأ والنسيان فيه (٣) سواء، وكل شيء من النسيان بعد هذه الثلاثة فهو يقدر على ردِّه، مثل ما إذا غطَّى المُحْرِم رأسه، ثم ذكر، ألقاه عن رأسه، وليس عليه شيء، أو لبس خفًّا نَزَعه، وليس عليه شيء. ويلحق بالحلق: التقليم؛ بجامع الإتلاف.
(ويلزمُه غَسْلُ الطيب، وخَلْع اللباس في الحال) أي: بمجرد زوال العُذر من النسيان والجهل والإكراه؛ لخبر يعلى بن أمية: "أن رجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ وهو بالجِعْرانةِ، وعليهِ جُبَّةٌ، وعليه أَثرُ خلُوق -أو قال: أثر صُفرةٍ- فقال: يا رسول الله، كيفَ تأمُرُنِي أن أصنَع في عُمرتي؟ قال: اخلعْ عنكَ هذه الجبَّةَ، واغسِلْ عنكَ أثرَ الخلُوقِ -أو قال: أثرَ الصفْرَة- واصنَعْ في عُمرتِكَ كما تصنَعُ في حجِّكَ". متفق عليه (٤)، فلم يأمره بالفِدية مع سؤاله عما يصنع، وتأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز، فدلَّ ذلك على أنه عَذَرَه لجهله، والناسي والمُكره في معناه (ومتى أخَّره)
стр. 2565
أي: غسل الطيب، وخلع اللباس (عن زمن الإمكان، فعليه الفِدية) لاستدامة المحظور من غير عُذر (وتقدَّم) (١) حكم (غسل الطيب) في الباب قبله.
(ومن رَفَض إحرامَه، لم يفسُدْ) إحرامه بذلك؛ لأنه عبادة لا يخرج منها بالفساد، فلم يخرج منها برفضِها، بخلاف سائر العبادات (ولم يلزمْه دَمٌ لرَفْضه) لأنه مجرد نية، قال في "الإنصاف": وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب، ومشى عليه في "المنتهى" و"شرحه". وقيل: يلزمه، وذكره في "الترغيب" وغيره، وقدمه في "الفروع" (وحُكمُ إحرامِه باقٍ) لأن التحلُّل من الحج لا يحصُل إلا بأحد ثلاثة أشياء: إما بكمال أفعاله، أو التحلُّل منه عند الحصر، أو بالعذر إذا شرط في ابتداء إحرامه أن مَحِلِّي حيث حبستني (فإن فَعَلَ محظورًا) بعد رفْضِه إحرامه (فعليه فِداؤه) لبقاء إحرامه.
(و من تطيَّب قبل إحرامه في بدنه، فله استدامةُ ذلك في إحرامِه) لما تقدم من حديث عائشة (٢)؛ فإنه كان في حَجَّة الوداع سنة عشر، وحديث يعلى بن أمية (٣) كان عام حُنين بالجِعْرانة سنة ثمان. ذكره ابن عبد البَرِّ (٤) اتفاق أهل العلم بالسير والآثار (وتقدم) في الباب قبله.
(وليس له) أي: المُحْرِم (لُبْس ثوب مطيَّب بعد إحرامه) لقوله ﷺ : "لا تلبسُوا منَ الثِّيابِ شيئًا مسَّه الزعْفَرانُ ولا الوَرْسُ". متفق
стр. 2566
عليه (١) (وتقدم) في الباب قبله. وتقدم أيضًا حُكم استدامة ثوب مطيَّب أحرم فيه.
(وإنْ أحرمَ وعليه قميصٌ ونحوه، خَلَعه) في الحال (ولم يشُقَّه) ولا فِدية عليه؛ لأن محظورات الإحرام إنما تترتَّب على المُحْرِم لا على المُحِلِّ، لا يقال: إنَّه بإقدامه على إنشاء الإحرام وهو متلبِّس بمحظوراته، متسبب إِلى مصاحبة اللبس في الإحرام، كما لا يقال مثل ذلك في الحالف والناذر، فإنه كان يمكنه أن لا يحلِفَ حتى يترك التلبُّس بما يحلف عليه، فظهر من ذلك أنه يجوز له الإحرام وعليه المخيط، ثم يخلعه، إلا على الرواية التي ذكرها في "الرعاية" أن عليه الفِدية، فإن مقتضاها أنه لا يجوز، قاله في القاعدة السابعة والأربعين (٢) (فإن استدام لُبْسه) أي: المخيط (ولو لحظة فوق المعتاد في (٣) خَلْعِه، فدى) لاستدامة المحظور بلا عُذر.
(وإن لبِس بعد إحرامه ثوبًا كان مُطيَّبًا وانقطع ريحُه) إذا رشَّ فيه ماء فاح ريحه، فدى (أو افترشه، ولو تحت حائل -غيرَ ثيابه- لا يَمنعُ ريحَه ومباشرته إذا رُشَّ فيه ماء فاح ريحه، فدى) لأنه مطيب، بدليل أن رائحته تظهر عند رشّ الماء، والماء لا رائحة له، وإنما هو من الطيب الذي فيه، أشبه ما لو ظهرت الرائحة بنفسها، فإن كان الحائل غير ثيابه صفيقًا يمنع ريحه ومباشرته، فلا فِدية عليه؛ لأنه لا يُعدُّ مستعملًا له.
стр. 2567
فصل
(وكلُّ هدي أو إطعام يتعلَّقُ بحَرَم أو إحرام، كجزاءِ صيدٍ، وما وجب لترك واجب، أو) وجب لـ (ـفواتٍ، أو بفعل محظور في الحرم، وهَدي تمتُّع وقِران ومنذور ونحوها) فهو لمساكين الحرم، أما الهَدي؛ فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، وأما جزاء الصيد؛ فلقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢)، وأما ما وجب لترك واجب أو فوات الحجِّ؛ فلأنه هَدي وجب لترك نُسُكٍ، أشبه دَمَ القِران، والإطعام في معنى الهَدي، قال ابن عباس: "الهَدْيُ والإطعام بِمكَّةَ" (٣) ولأنه نُسُك ينفعهم كالهَدي.
وكل هَدي قلنا: إنه لمساكين الحرم، فإنه (يلزمه (٤) ذَبْحُه في الحرم) ويجزئه الذبحُ في جميع الحرم؛ لما روي عن جابر مرفوعًا: "كُلُّ فجَاجِ مكَّةَ طريق ومَنْحَرٌ" رواه أحمد وأبو دارد (٥)، لكنه في مسلم
стр. 2568
عنه مرفوعًا: "منى كُلُّها مَنْحَرٌ" (١) وإنما أراد الحرم؛ لأنه كلُّه طريق إليها، والفجُّ: الطريق. وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣) لا يمنع الذبح في غيرها، كما لم يمنعه بمنى.
(و) يلزمه (تفرقة لحمِه فيه) أي: في الحرم (أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكينه) أي: الحرم (من المسلمين إن قَدَر على إيصاله إليهم (٤) بنفسه، أو بمن يرسله معه) لأن المقصود من ذبحه بالحرم التوسعة على مساكينه، ولا يحصُل بإعطاء غيرهم.
(وهم) أي: مساكين الحرم (من كان) مقيمًا (به، أو واردًا إليه من حاجٍّ وغيره ممن له أخذ زكاة لحاجة) كالفقير، والمسكين، والمكاتب، والغارم نفسه (فإن دفع) من الهَدي أو الإطعام (إلى فقير في ظنِّه، فبان غنيًّا، أجزأه) كالزكاة.
(ويجزئ نحره في أي نواحي الحرم كان) الذبح (قال) الإمام (أحمد (٥): مكَّة ومنى واحد. ومراده في الإجزاء، لا في التساوي) في الفضيلة (ومنى كلها مَنْحَر) لما تقدم من حديث مسلم (١).
стр. 2569
(و الأفضل: أن ينحر في الحجِّ بمِنى، وفي العُمْرة بالمروة) خروجًا من خلاف مالك ﵀ (١).
(وإن سَلَّمه) أي: الهَدي حيًّا (إليهم) أي: إلى مساكين الحرم (فنحروه) بالحرم (أجزأ) لحصول المقصود (وإلا) أي: وإن لم ينحروه (استردَّه) منهم (ونَحَره) لوجوب نحره (فإن أبى) أن يستردَّه (أو عَجَزَ) عن استرداده (ضَمِنَه) لمساكين الحرم، لعدم خروجه من عهدة الواجب (فإن لم يقدِرْ على إيصاله إليهم) أي: إلى مساكين الحرم (جاز نحرُه في غير الحرم) كالهَدي إذا عطب؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (٢).
(و) جاز (تفرقته هو) أي: الهَدي الذي عَجَزَ عن إيصاله (و) تفرقة (الطعام) إذا عَجَزَ عن إيصاله بنفسه، أو بمن يرسله معه (حيث نَحَره) أي: بالمكان الذي نَحَره فيه؛ لما تقدم.
(وفِديه الأذى، واللُّبْس، ونحوهما، كطيب، ودم المباشرة دون الفَرْج إذا لم يُنْزِل، وما وجب بفعل محظور خارجَ الحرم، ولو لغير عُذرٍ، فله تفرقتُها) أي: الفِدية دمًا كانت أو طعامًا (حيث وُجِدَ سببها) لأنه ﷺ "أمرَ كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ بالفِدْية بالحُدَيبِية" (٣) وهي من الحِلِّ. "واشْتكَى الحسينُ بن عَليٍّ رأسَهُ، فَحَلَقَهُ عَليٌّ، ونحَرَ عنه جَزورًا بالسقْيَا". رواه مالك والأثرم وغيرهما (٤) (و) له تفرقتها (في الحرم -أيضًا-) كسائر الهدايا.
стр. 2570
(ووقتُ ذَبْحٍ فِدية الأذى) أي: حَلْق الرأس (و) فِدية (اللُّبْس ونحوهما) كتغطية الرأس والطيب (وما أُلحق به) أي: بما ذكر من المحظورات (حين فِعْله) أي: المحظور.
(وله الذبحُ قبلَه) إذا أراد فِعله (لعُذر) ككفَّارة اليمين ونحوها، وتقدم أول الباب (١).
(وكذلك ما وجب لتركِ واجب) أي: يكون وقته من تَرْك ذلك الواجب.
(ولو أمسك صيدًا، أو جَرَحه، ثم أخرج جزاءه، ثم تلف المَجروحُ أو المُمْسَكُ، أو قَدَّمَ من أبيح له الحَلْق فِديتَه قبل الحَلْق، ثم حَلَقَ، أجزأه) ولا يخلو عن نوع تكرار مع ما قبله.
(و دمُ الإحصار يخرجه حيث أُحصر) من حِلٍّ أو حرم، نصَّ عليه (٢)؛ لأن النبي ﷺ : "نَحرَ هديهُ في موضِعِهِ بالحُدَيبيَةِ" (٣) وهي من الحلِّ. ودلَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (٤)؛ ولأنه موضع حِلِّه، فكان موضع نَحْرِه، كالحرم.
стр. 2571
(وأما الصيام والحَلقُ) فيجزئه بكلِّ مكان؛ لقول ابن عباس: "الهَديُ والإطعَامُ بِمكَّةَ، والصوم حيثُ شَاءَ" (١). ولأنه لا يتعدى نفعه إلى أحد، فلا معنى لتخصيصه بمكان، بخلاف الهَدي والإطعام، ولعدم الدليل على التخصيص.
(و) أما (هَدي التطوُّع وما يسمى نُسُكًا فيجزئه بكل مكان، كأُضحية) ذكره في "الفروع". قال في "تصحيح الفروع": وفيه نظر؛ فإن هدي التطوُّع لأهل الحرم، وكذا ما كان نُسُكًا، فلعل أن يكون هنا نقص، ويدلُّ عليه قوله بعد ذلك: لعدم نفعه، ولا معنى لتخصيصه بمكان. وهذا التعليل ينافي هَدي التطوع، وما يُسمَّى نسُكًا، فإن فيهما نفعًا لمساكين الحرم.
(وكل دم ذُكر) ولم يقيد (يجزئ فيه شاة كأضحية، فيجزئ الجَذَع من الضأن، والثنيُّ من المَعز، أو سُبع بدنة أو سُبع بقرة) لقوله تعالى في المتمتع: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢) قال ابن عباس: "شَاة أو شِركٌ في دَم" (٣)، وقوله في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤)، وفسره ﷺ في حديث كعب بن عُجرة "بِذَبح شاة" (٥) وما سوى هذين مقيس عليهما.
(وإن ذَبحَ بدنة أو بقرة فهو أفضل، وتكون كلها واجبة) لأنه اختار الأعلى لأداء فَرضه، فكان كله واجبًا، كما لو اختار الأعلى من خصال الكفَّارة.
стр. 2572
(ومن وَجَبت عليه بدنةٌ، أجزأته) عنها (بقرةٌ) لقول جابر: "كنا ننحَرُ البدَنةَ عن سَبْعَةٍ. فقيلَ له: والبقرة؟ فقال: وهل هِيَ إلا مِنَ البُدْنِ" رواه مسلم (١) (كعكسه) أي: إجزاء البدنة عن بقرة (٢) (ولو) كان ذبح البقرة عن البدنة أو بالعكس (في جزاء صيدٍ ونَذرٍ) مطلق، فإن نوى شيئًا بعينه، لزِمه ما نواه، قاله ابن عقيل.
(ويجزئه عن كل واحدة منهما) أي: من البدنة والبقرة (سَبعُ شياه) ولو في نَذْرٍ، أو جزاء صيد، قدمه في "الشرح".
(ويجزئه عن سَبعِ شياه بدنةٌ أو بقرةٌ) سواء وجد الشياه أو عدمها؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتمتعون، فيذبحون البقرة عن سبعة. قال جابر: "أمَرَنَا رَسولُ الله ﷺ أن نشترِكَ في الإبلِ والبقرِ، كل سَبعَة مِنا في بدَنةٍ" رواه مسلم (٣) (وذَكرَ جماعة: إلا في جزاء صيد) فلا تجزئ بدنة عن بقرة، ولا عن سبع شياه.
стр. 2573
باب جزاء الصيد على طريق التفصيل
(جزاؤه ما يستحقُّ بدله) أي: الصيد على من أتلفه بمباشرة أو سبب (من مثلِه) أي: الصيد (ومقارِبه وشِبهِه) لعله عطف تفسير للمراد من المِثل؛ دفعًا لما يتوهم من إرادة المماثلة اللغوية، وهي اتحاد الاثنين في النوع (١). كما ذكرته في "الحاشية" عن "الطوالع" (٢).
والجزاء -بالمدِّ والهمز- مصدر جزيته بما صَنَع، ثم أطلق بمعنى المفعول.
قال أبو عثمان في "أفعاله" (٣): جزا الشيء عنك، وأجزا: إذا قام مقامك، وقد يهمز.
(ويجتمع الضمانُ) لمالكه (والجزاءُ) لمساكين الحرم (إذا كان) الصيد (ملكًا للغير) أي: غير متلفه؛ لأنه حيوان مضمون بالكفارة، فجاز أن يجتمع التقويم والتكفير في ضمانه كالعبد (وتقدم) في السادس من المحظورات (٤).
(ويجوز إخراج الجزاء بعد الجرحِ وقبل الموت) ككفَّارة قتل الآدمي، وتقدم (٥).
(وهو) أي: الصيد (ضربان):
стр. 2574
(أحدهما: له مِثل) أي: شبيه (من النَّعم، خِلْقةً لا قيمة، فيجب فيه مثلُه) نص عليه (١) للآية (وهو) أي: الذي له مِثل (نوعان):
(أحدهما: ما قضت فيه الصحابة) أي: ولو البعض لا كُلُّهم (ففيه ما قضت) به الصحابةُ، وتقدم تعريف الصحابي في الخطبة (٢)؛ لقوله ﷺ : "أصحابي كالنجومِ بأيهِم اقتدَيتم اهتديتُم" (٣)، ولقوله:
"عليكُم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّين، عضوا عليهَا بالنَّواجذِ". رواه أحمد والترمذي (١) وحسنه. ولأنهم أقربُ إلى الصواب، وأعَرفُ بمواقع الخطاب، فكان حكمهم حُجَّة على غيرهم؛ كالعالم مع العامِّي.
(ففي النعامة بدنة) حَكَم به عُمر وعُثمان وعليٌّ وزيدٌ (٢) وأكثر العلماء؛ لأنها تشبه البعير في خَلْقِه (٣) فكان مِثلًا لها، فيدخل في عموم النص. وجعلها الخرقي من أقسام الطير؛ لأن لها جناحين، فيُعايَا بها، فيقال: طائر يجب فيه بَدَنة.
(و) يجب (في كل واحد من حمارٍ الوحش) بقرة، قضى به عمر (٤)، وقاله عروة (٥) ومجاهد (٦)؛ لأنها شبيهة به (وبقرته) أي: الوحش بقرة،
стр. 2577
قضى به ابنُ مسعود (١). وقاله عطاء (٢) وقتادة (٣) (والوَعل) بفتح الواو مع فتح العين وكسرها وسكونها: تيس الجبل. قاله في "القاموس" (٤) (وهو الأروَى) قاله في "الصحاح" (٥)، يروى عن ابن عمر أنه قال: "في الأرْوَى بقرة" (٦) (يُقال لذَكره: الأيل) على وزن قِنَّب، وخُلَّب، وسَيد. وفيه بقرة؛ لقول ابن عباس (٧). (وللمُسِنِّ منه الثَّيتَل) بوزن جعفر (بقرة) لما تقدم عن ابن عُمر.
(و في الضبع: كبش) لقول جابر: "سألْتُ النبي ﷺ عن الضَّبُع؟ فقال: هو صَيدٌ، وفيهِ كَبشٌ إذا صَادَهُ المُحرِمُ" رواه أبو داود (٨). وروى -أيضًا- ابن ماجه، والدارقطني، عن جابر نحوه مرفوعًا (٩).
стр. 2578
وقضى به عُمر (١) وابن عباس (٢)، (وهو) أي: الكبش (فَحلُ الضأن.
وفي الظبي -وهو الغزال- عنزٌ) قضى به عُمر (٣) وابن عباس (٤).
ورُوي عن علي (٥)، وقاله عطاء (٦)(٧). قال ابن المنذر (٨): ولا يحفظ عن غيرهم خلافه؛ لأن فيه شبهًا بالعنز؛ لأنه أجرد الشعر مُتقلِّص الذَّنَب. (وهي الأنثى من المَعزِ.
стр. 2579
ولا شيء في الثعلب؛ لأنه سَبُعٌ) أي: مفترس بنابه فيحرم أكله، فليس صيدًا.
(وفي الوَبْر) بسكون الباء، والأُنثى وَبْرة. قال في "القاموس" (١): وهو دُوَيبةٌ كحلاء دون السنور لا ذَنَب لها (و) في (الضَّبِّ: جدي (٢)) قضى به عمر وأَرْبد (٣)(٤). والوَبْر مقيس على الضبِّ، والجديُ (ما بلغ من أولاد المَعْز ستة أشهر.
و في اليربوع جَفْرة من المَعْز، لها أربعة أشهر) قضى به عُمر (٥) وابن مسعود (٦) وجابر (٧).
(و في الأرنب عَنَاق) قضى به عُمر (٨). وعن جابر: "أن النبي ﷺ
стр. 2580
قال: في الأرنبِ عَنَاقٌ، وفي اليربُوعِ جَفْرَةٌ" رراه الدارقطني (١).
والعَنَاق: (أنثى من أولاد المَعْز أصغر من الجَفْرة، قاله في "الشرح" و"الفروع") و"شرح المنتهى".
(وفي واحدة الحَمَام - وهو كل ما عَبَّ وهَدَر -: شاة) قضى به عُمر (٢)، وابنُه (٣)، وعُثمان (٤)، وابن عباس (٥) في حَمَام الحرم. ورُوي عن ابن عباس - أيضًا - في الحَمَام في حال الإحرام (٦)، وليس ذلك على وجه القيمة لما سبق، ولاختلاف القيمة بالزمان والمكان.
وقوله: "كلُّ ما عَبَّ" بالعين المهملة: أي: وضع منقاره في الماء فيكرع كما تكرع الشاة، ولا يأخذ قطرة قطرة، كالدجاج والعصافير "وهَدَر" أي: صوَّت.
стр. 2581
وإنما أوجبوا فيه شاة؛ لشبهه بها في كَرْع الماء، ومن هنا قال أحمد (١) في رواية ابن القاسم وسِندي: كل طير يعبُّ الماء كالحَمَام فيه شاة (فيدخلُ فيه القَطا والفواخِتُ والوَرَاشينُ، والقَماريُّ، والدَّبَاسيُّ) جمع دُبسي بالضم: ضرب من الفواخت، قاله في "حاشيته"، وفي "شرح المنتهى": هو طائر لونه بين السواد والحُمرة، يقرقر، والأنثى دبسية (ونحوها) كالسفانين جمع سِفَنَّة بكسر السين وفنح الفاء والنون مشددة. قال في "القاموس" (٢): طائر بمصر لا يقع على شجرة إلا أكل جميع ورقها؛ لأن العرب تسميها حَمَامًا. وقال الكسائي: كل مطوَّق حَمَام. فيلخل فيه الحَجَل؛ لأنه مطوَّق.
(النوع الثاني: ما لم تقضِ فيه الصحابةُ، فيُرجعُ فيه إلى قول عَدلين) لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فلا يكفي واحد (من أهل الخِبرةِ) لأنه لا يتمكَّن من الحُكم بالمثل إلا بهما فَيَعْتَبِران الشَّبَه خلقة لا قيمة، كفعل الصحابة.
(ويجوزُ أن يكون القاتلُ أحدَهما) نصَّ عليه (٤)؛ لظاهر الآية. وروي أن عُمر "أمرَ كعبَ الأحبارِ أن يَحكمَ على نفسِهِ في الجرادتيْن اللَّتيْنِ صادهمَا وهو مُحْرمٌ" (٥). و"أمر - أيضًا - أرْبَدَ بذلكَ حينَ وَطِئَ الضَّبَّ، فحكمَ
стр. 2582
على نفسِهِ بجدْيٍ، فأقَرَّهُ" (١)، وكتقويمه عَرْضَ التجارة لإخراج زكاته.
(و) يجوز (أن يكونَا) أي: الحاكمان بمثل الصيد المقتول (القاتلين) لما تقدم (وحَمَله ابن عقيل على ما إذا قَتَله خطأً أو جاهلًا تحريمه) لعدم فسقه. قال في "الشرح" (وعلى قياسه: إذا قَتَله لحاجةِ أكله) لأنه قَتْل مباح، لكن يجب فيه الجزاء. قال في "التنقيح": وهو قوي. ولعلَّه مرادهم؛ لأن قَتْل العَمْد ينافي العدالة.
(ويُ ضمنُ كلُّ واحد من الكبيرِ والصغيرِ، والصَّحيحِ والمعيبِ، والذَّكَر والأُنثى، والحاملِ والحائلِ بمثله) للآية، ولأن ما يضمن باليد والجناية يختلف ضمانه بذلك، كالبهيمة (وتقدم بعضه.
وإنْ فُدِي الصغيرُ بكبير، و) فُدِي (الذَّكرُ بأنثى) والمعيب بصحيح (فهو أفضل) لأنه زاد خيرًا.
(ولو جنى على حامل، فألقت جَنينها ميتًا، ضمن نقصَ الأم فقط، كما لو جَرَحها) لأن الحَمْل في البهائم زيادة (وإن ألقته) أي: الجنين (حيًّا لوقتٍ يعيشُ مثله، ثم مات، ففيه جزاؤه) وإن كان لوقت لا يعيش لمثله، فكالميت، جزم به في "المغني" و"الشرح".
(ويجوز فِداءُ أعورَ من عينٍ و) فداء (أعرجَ من قائمةٍ بأعور وأعرج من أُخرى) لأن الاختلاف يسير، ونوع العيب واحد. و (لا) يجوز (فِداء أعور بأعرج، و) لا (عكسه) كفِداء أعرج بأعور؛ لاختلاف نوع العيب.
(و يجزئ (٢) فِداء أُنثى بذَكَر، كعكسه) أي: فِداء ذكر بأُنثى؛ لأن لَحْمَه أوفر، وهي أطيب، فيتساويان.
стр. 2583
فصل
(الضربُ الثاني: ما لا مِثل له) من النَّعم (فيجبُ فيه قيمتُه مكانه) أي: مكان إتلاف، كمال الآدمي غير المِثلى (وهو سائرُ الطيرِ، ولو أكبر من الحَمَام، كالإوَزِّ) بكسر الهمزة وفتح الواو وتشديد الزاي، جمع إوزة. ويقال: وز جَمْع وزة، كتمر وتمرة، ذكره في "حاشيته" (والحُبَارى والحَجَل، والكبير من طير الماء، والكُرْكيِّ وغير ذلك) لأنه القياس، تركناه في الحَمَام؛ لقضاء الصحابة.
(وإن أتلف جزءًا من صيدٍ واندمل) أو تلف في يده جزءٌ منه ثم اندمل (وهو) أي: الصيد (ممتنع، وله مِثْلٌ) من النَّعم (ضَمِنَه) أي: الجزء (بمثله لحمًا من مِثْله) من النَّعم؛ لأن ما وجب ضمان جملته بالمِثْل وجب في بعضه مثله، كالمكيلات، والمشقَّة مدفوعة؛ لجواز عدوله إلى عدله طعامًا أو صيامًا، كما سبق.
(وما لا مِثْلَ له) إذا أتلف (١) جزؤه أو تلف في يده، ثم اندمل - وهو ممتنع - يضمن (ما نقص من قيمتِه) لأن جملته مضمونة بالقيمة، فكذلك أبعاضه، فيقوَّم الصيد سليمًا، ثم مجنيًّا عليه، فيجب ما بينهما يشتري به طعامًا، كما تقدم (٢).
(وإن نفَّر) المُحْرِم (صيدًا فتلِفَ بشيء، ولو بآفة سماوية، أو نقص في حال نفوره، ضَمِنَه) لأن عُمر "دخلَ دارَ النَّدوةِ، فعلَّقَ رِداءهُ، فوقَعَ عليهِ حَمامٌ فأطارَه، فوقَعَ على واقفٍ في البيتِ، فخرجتْ حَيَّةٌ فقتلتهُ، فسألَ من معه، فحكَمَ عليهِ عثمانُ بشاةٍ". رواه الشافعي (٣).
стр. 2584
وكذا إن جَرَحه فتحامل، فوقع في شيء تلف به؛ لأنه تلف بسببه.
و (لا) يضمنه (إن تلف بعد نفورِه في مكانه بعد أَمْنِه). قال في "المبدع": أما إن نَفَّره إلى مكان فأَكَرَ (١) به، ثم تلف، فلا ضمان في الأشهر.
(وإن رمى) المُحْرمُ (صيدًا فأصابه، ثم سقط) المرمي (على آخر فماتا، ضمنهما) لتلفهما بجنايته (فلو مشى المجروحُ قليلًا، ثم سقط على آخر) فماتا (ضَمِنَ المجروح) لموته بجنايته (فقط) أي: دون ما سقط؛ لأن سقوطه عليه ليس من فِعْلِه.
(وإن جَرَحه) المُحرِم (جرحًا غير مُوَحٍّ (٢)، فغاب ولم يعلم خبرَه، فعليه ما نَقَصَه، فيقوَّم صحيحًا وجريحًا غير مندمل، ثم يُخرِجُ بقسطِه من مِثْلِه) إن كان مِثليًّا، وإلا ما نقصه كما تقدم (وكذا إن وَجَدَه ميتًا) بعد جرحه غير مُوَحٍّ (ولم يعلم موتَه بجرحِه) لأنا لا نعلم حصول التلف بفعلِه (وإن وَقَع) بعد جرحه (في ماء، أو تردَّى) من علو (فمات، ضَمنه) لتلفه بسببه (وإن اندمل) الجرحُ، وصار الصيد (غير ممتنعٍ) فعليه جزاء جميعه؛ لأنه عطَّله، فصار كالتالف (أو جَرَحه جُرْحًا مُوَحّيًا) أي: لا تبقى معه الحياة غالبًا (فعليه جزاءُ جميعِه) كقتله؛ لأنه سبب للموت.
(و كل ما يُضمنُ به الآدميُّ يُضمنُ به الصيدُ) في الإحرام والحَرَم (من مباشرةٍ، أو سببٍ) كدلالة وإشارة وإعانة (وكذلك ما جَنَت دابتُه بيدها أو فَمِها فأتلفت صيدًا، فالضَّمانُ على راكِبها، أو قائدِها، أو سائقها) المتصرِّف فيها، كما لو كان المتلف آدميًّا (وما جنت برجلِها)
стр. 2585
أي: نفحت بها (فلا ضمان عليه) فيه كذَنَبها، بخلاف وطئها بها (وتقدم) (١) في السادس من المحظورات.
(وإن انفلتت) الدابة (فأتلفت صيدًا، لم يضمنه، كالآدمي) إذا أتلفته إذن؛ لأن يده ليست عليها، إلا الضَّاريةَ، كما يأتي في الغصب.
(وإن نصب) المُحْرِم (شَبَكةً) أو نحوها، فوقع فيها صيدٌ، ضَمنه. (أو حفر) المُحْرِم (بئرًا بغير حَقٍّ) بأن حفرها (٢) في غصب أو طريق ولو واسعًا لنفع نفسه (فوقع فيها صيدٌ، ضمنه) لعدوانه بحفرها (وإن نَصَب شبكةً ونحوها) كَشَرَك وفخٍّ (قبل إحرامه، فوقع فيها صيدٌ بعد إحرامه، لم يضمنه) إن لم يتحيَّل (كما لو صاده قبل إحرامه وتَرَكه في منزله، فتلف بعد إحرامه). وكذا إن حَفَرَ بئرًا بحقٍّ فتلف بها صيد، وتقدم (٣).
(وإن نتف) المُحْرِم (ريشَه) أي: الصيد (أو شعرَه، أو وَبَرَه، فعاد) ما نتفه (فلا شيء عليه) لأن النقص زال، أشبه ما لو اندمل الجرح (فإن صار) الصيدُ (غيرَ ممتنعٍ) بنتف ريشه ونحوه (فكالجُرْح) أي: فكما لو جَرَحه جَرْحًا صار به غير ممتنع. وإن نتفه فغاب ولم يعلم خبره، فعليه ما نقصه.
(وإن اشترك جماعةٌ في قَتْلِ صيدٍ، ولو كان بعضُهم ممسكًا) للصيد والآخر قاتلًا (أو) كان بعضهم (متسببًا) كالمشير والدالِّ والمعين (والآخر قاتلًا، فعليهم جزاءٌ واحد (٤)، وإن كفَّروا بالصوم) لأن الله تعالى أوجب
стр. 2586
المثل، أو عدله من الطعام أو الصيام بقتله، فلا يجب غيره، وهو ظاهر في الواحد والجماعة. والقتلُ هو الفِعل المؤدِّي إلى خروج الرُّوح، وهو فِعْلُ الجماعة لا كل واحد، كقوله: من جاء بعبدي فله دِرهم، فجاء به جماعةٌ. ولأنه ﷺ : "جَعَلَ في الضَّبُعِ كَبْشًا" (١) ولم يفرِّق. وهذا قول عُمر (٢) وابنه (٣) وابن عباس (٤)، ولم يُعرف لهم مخالفٌ، ولأنه جزاء عن مقتول يختلف باختلافه، ويحتمل التبعيض فكان واحدًا، كقِيم المُتلفات والدِّية، بخلاف كفَّارة القتل.
(وإن اشترك حلالٌ ومُحْرِمٌ في قَتْلِ صيدٍ حرميٍّ، فالجزاءُ عليهما نصفين) لاشتركهما في القتل، وإن تعددت جهةُ التحريم في أحدهما واتحدت في الآخر (وهذا الاشتراكُ الذي هذا حكمُه هو الذي يقعُ) فيه (الفِعل منهما معًا، أو يجرحه أحدهما قبل الآخر، ويموت منهما) أي: من الجرحين بالسراية (فإن جَرَحه أحدهما، وقَتَله الآخر، فعلى الجارحِ ما نَقَصه) أي: أرشُ نَقْصِه؛ لأنه لم يشارك في القتل (وعلى القاتل جزاؤه مجروحًا) لأنه قتله كذلك.
(و إذا قتل القارنُ صيدًا، فعليه جزاءٌ واحد) لعموم الآية، وكذا لو تطيب أو لَبِسَ، وكذا المُحْرِمُ يقتل صيدًا في الحَرَم، وكلما قتل صيدًا حكم عليه؛ لأن الجزاء كفَّارة قَتْلِ الصيد، فاستوى فيه المبتدئ والعائد، كقَتْلِ الآدمي، والآية اقتضت الجزاء على العائد؛ لعمومها، وذِكْر العقوبة في العائد لا يمنع الوجوب.
стр. 2587
باب صيد الحرمين ونباتهما
أي: حرم مكة والمدينة (يَحرمُ صيدُ حَرَمِ مكة على الحلال والمُحْرمِ) إجماعًا (١)؛ لما روى ابن عباس مرفوعًا أنه قال يوم فَتْحِ مكة: "إنَّ هذا البلدَ حرَّمَهُ الله يوم خلقَ السماواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرْمةِ الله إلى يوم القيامةِ، لا يُخْتَلى خلاهَا، ولا يُعْضَدُ شَوْكها، ولا يُنَفّرُ صيدُهَا، ولا تُلتقطُ لُقَطتُها إلا مَنْ عَرَّفها، فقال العباس: إلا الإذْخِر؛ فإنَّهُ لقَينِهم (٢) وبُيُوتِهِم، قال: إلَّا الإذْخِر" متفق عليه (٣).
وعُلم منه: أن مكة كانت حرامًا قبل إبراهيم، وعليه أكثر العلماء. وقيل: إنما حُرِّمت بسؤال إبراهيم، وفي الصحيحين من غير وجه: "إنَّ إبراهيمَ حَرَّمَهَا" (٤) أي: أظهر تحريمها.
(فمن أتلف منه) أي: من صيد حَرَمِ مكَّة (شيئًا، ولو كان المُتْلِف كافرًا، أو صغيرًا، أو عبدًا) لأن ضمانه كالمال، وهم يضمنونه (فعليه ما
стр. 2588
على المُحْرِم في مِثْلِه) نصَّ عليه (١)؛ لأنه كصيد الإحرام، ولاستوائهما في التحريم، فوجب أن يستويا في الجزاء، فإن كان الصيد مِثليًّا ضَمِنَه بمِثله، وإلا فبقيمته (ولا يَلزمُ المُحْرِمَ) بقَتْلِ صيدِ الحرم (جزاءان) نصَّ عليه (٢)؛ لعموم الآية.
(وحكمُ صيدِه) أي: حرم مكة (حُكمُ صَيْدِ الإحرامِ مطلقًا) أي: في التحريم، ووجوبِ الجزاء، وإجزاءِ الصوم، وتملكِه، وضمانه بالدلالة ونحوها، سواء كان الدالُّ في الحِلِّ أو الحرم، وقال القاضي: لا جزاء على الدالِّ إذا كان في الحِلِّ، والجزاء على المَدلول، فكلُّ ما يُضمن في الإحرام يُضمن في الحَرَم (إلا القملَ، فإنه لا يُضمن) في الحَرَم (ولا يُكره قَتْلُه فيه) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنه حُرِّم في حقِّ المُحْرِم؛ لأجل الترفّه، وهو مباح في الحَرَم كالطِّيب ونحوه.
(وإن رمى الحلالُ من الحِلِّ صيدًا في الحَرَم) كله (أو بعض قوائمه فيه) أي: في الحَرَم ضَمنه، وكذا إن كان جزء منه فيه غير قوائمه إن لم يكن قائمًا؛ تغليبًا لجانب الحظر، فإن كانت قوائمه الأربع بالحِلِّ، وهو قائم، ورأسه أو ذَنَبه بالحَرَم، لم يكن من صيد الحَرَم، كالشجرة إذا كانت بالحِلِّ، وأغصانها بالحَرَم (أو أرسل كلبه عليه) أي: على صيد الحَرَمِ فقتله، ضَمنه.
(أو قتل صيدًا على غُصْنٍ في الحَرَم أصلُه) أي: الغصن (في الحِلِّ) ضمنه؛ لأن الهواء تابع للقرار، فهو من صيد الحرم.
(أو أمسك طائرًا في الحِلِّ، فهَلَكَ فِراخُه) وكذا لو أمسك
стр. 2589
وحشًا، فهلك أولاده (في الحَرَم، ضَمنه) أي: المذكور؛ لعموم قوله ﷺ : "لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" (١). وقد أجمعوا على تحريم صَيْدِ الحَرَم (٢)، وهذا منه، ولأنه أتلف صيدًا حرميًّا، فضمنه، كما لو كان في الحَرَم. و (لا) يضمن (أمَّه) لأنه من صيد الحِلِّ، وهو حلال.
(ولو رَمى الحلالُ صيدًا، ثم أحرم قبل أن يصيبه، ضَمنه) اعتبارًا بحالة الإصابة.
(ولو رَمى المُحرمُ صيدًا، ثم حَلَّ قيل الإصابة، لم يضمن) الصيد (اعتبارًا بحالة الإصابة.
وإنْ قَتَل) الحلال (من الحرم صيدًا في الحِلِّ بسهمه أو كلبِه) فلا جزاء فيه؛ لأنه ليس من صَيْدِ الحرم، فليس معصومًا.
(أو) قتل (صيدًا على غُصْنٍ في الحِلِّ، أصلُه في الحَرَم) فلا جزاء فيه؛ لتبعية الهواء للقرار، وقراره حِلٌّ، فلا يكون صيده معصومًا.
(أو أمسك حمامةً) مثلًا (في الحَرَم، فهلَك فِراخُها في الحِلِّ، لم يضمن) لأن الأصل الإباحة، وليس من صيد الحَرَم، فليس بمعصوم.
(وإن كان الصيدُ والصائدُ) له (في الحِلِّ، فرماه بسهمه، أو أرسل كلبَه عليه) في الحِلِّ (فدخل الحَرَم، ثم خَرج فقتله في الحِلِّ، فلا جزاء فيه) لأنه ليس بحَرَمي.
(وإن أرسل كلبَه من الحِلِّ على صيدٍ في الحلِّ، فقَتَله أو غيره في الحَرَم، أو فَعَل ذلك بسهمه، بأن شَطَح السهم فدخل الحَرَم، لم يضمن) لأنه لم يرسله على صيدٍ بالحَرَم، بل دخل (٣) باختياره، أشبه ما لو
стр. 2590
استرسل بنفسه، وكذا شطوح السهم بغير اختياره.
(ولا يؤكل) صيد وُجِدَ سبب موته بالحَرَم، وإن لم يضمن (كما لو ضَمنه.
ولو جَرَحَ) مُحِلٌّ (من الحلِّ صيدًا في الحِلِّ، فمات) الصيدُ (في الحَرَم، حلَّ، ولم يضمن) لأن الذَّكاة وُجِدت بالحِلِّ.
فصل
(ويحرمُ قَطْعُ شجرِ الحَرَم) المكِّي (حتى ما فيه مضرَّة، كشوك، وعَوسج) والعَوسج، بفتح العين والسين المهملتين: نبت معروف ذو شوك؛ لعموم قوله ﷺ : "ولا يُعْضَدُ شَجَرُهَا" (١). وقال أكثر أصحابنا: لا يحرم ما فيه مضرَّة كشوك وعَوسج؛ لأنه مؤذٍ بطبعه، كالسِّباع، ذكره في "المبدع".
(و) يَحرم قَطْعُ (حشيش) الحَرَم؛ لقوله ﷺ : "لا يُختَلى خَلَاهَا" (١) (حتى شوكٍ وورق وسواك، ونحوه) لعموم ما سبق.
(ويضمنهُ) أي: شجر الحَرَم، وحشيشه حتى شوك وورق وسواك ونحوه، وتأتي كيفية ضمانه، (إلا اليابس) من شجر وحشيش، وورق ونحوها؛ لأنه بمنزلة الميت، (و) إلا (ما زال بفعل غيرِ آدميٍّ) فيجوز الانتفاع به، نصَّ عليه (٢)؛ لأن الخبر في القطع، (أو) إلا (٣) ما (انكسر ولم يَبِنْ) فإنه كظفر منكسر، (و) إلا (الإذخر) لقوله ﷺ : "إلا
стр. 2591
الإذخِر" (١) وهو بكسر الهمزة والخاء، قاله في "حاشيته" (٢)، (و) إلا (الكَمْأَة والفَقْع) لأنهما لا أصل لهما، فليسا بشجر ولا حشيش.
"فائدة": قال القزويني في "عجائب المخلوقات" (٣): العرب تقول: إن الكمأة تبقى في الأرض، فيمطر عليها مطر الصيف، فتستحيل أفاعي (٤). وكذا أخبر بها غير واحد. قاله في "حاشيته".
(و) إلا (الثمرة) لأنها تُستخلَف، (و) إلا (ما زرعه آدميٌّ من بَقْلٍ، ورياحين، وزروع، وشَجَرٍ غُرس من غير شجر الحَرَم، فَيُباح أخذُه والانتفاع به) لأنه مملوك الأصل، كالأنعام، والنهي عن شجر الحرم، وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحد، وهذا يضاف إلى مالكه، فلا يعمّه الخبر.
(و) يباح الانتفاع (بما انكسر من الأغصان، و) بما (انقلع من الشجر بغير فِعْلِ آدمي) وتقدم آنفًا (وكذا الورق الساقط) يجوز الانتفاع به.
(ويجوز رَعْيُ حشيشِ) الحرم؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، ولم ينقل سَدُّ أفواهها، وللحاجة إليه كالإذخر، وفي "تعليق القاضي": الخلاف إن أدخلها للرعي، فإن أدخلها لحاجته، فلا ضمان.
و (لا) يجوز (الاحتشاشُ للبهائم) لعموم قوله ﷺ : "لا يختلى خلاها" (١).
стр. 2592
(وإذا قطع) الآدمي (ما يَحرُمُ قَطْعُه) من شجر الحرم وحشيشه ونحوه (حَرُمَ انتفاعُه) به (و) حرم (انتفاعُ غيرِه به) لأنه ممنوع من إتلافه؛ لحُرمة الحرم، فإذا قَطَعه من يحرم عليه قَطْعُه، لم ينتفع به، (كصيدٍ ذبحه مُحْرِم) لا يَحِلُّ به ولا لغيره.
(ومن قَطَعه) أي: شجر الحرم وحشيشه ونحوه (ضَمِنَ الشجرةَ الكبيرةَ والمتوسطة) عُرفًا (ببقرةٍ، و) ضَمِنَ (الصغيرة) عُرفًا (بشاةٍ) لما رُوي عن ابن عباس: "في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة" (١). وقاله عطاء (٢)، الدَّوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة.
(و) يضمن (الحشيشَ والورقَ بقيمته) نصَّ عليه (٣)؛ لأن الأصل وجوب القيمة، تُرِكَ - فيما سبق - لقضاء الصحابة، فبقي ما عداه على مقتضى الأصل.
(و) يضمن (الغصنَ بما نَقَص) أصله؛ لأنه نقص بفعله، فوجب فيه ما نقصه، كما لو جنى على مال آدمي فنقصه.
(وإن استخلف الغصنُ والحشيشُ، سَقَط الضمانُ) كما لو قُطع شعر آدمي ثم نبت.
стр. 2593
(وكذا لو ردَّ شجرةً) قلعها من الحرم إليه (فنبتت) فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يُتلفها.
(ويَضمنُ نقصَها إن نبتت ناقصةً) لتسببه فيه.
(وإن قلع شجرًا من الحرم فَغَرَسَه في الحِلِّ، لزمه ردُّه) إلى الحرم؛ لإزالة حرمتها، (فإن تعذَّر) ردها (أو يبست) ضمنها؛ لأنه أتلفها.
(أو قلعها من الحَرَم، فغَرسها في الحَرَم، فيبست، ضمنها) لما مرَّ.
(فإن قلعها غيرُه من الحِلِّ بعد أن غَرَسَها هو) أي: قالعها من الحرم (ضمنها قالعُها) من الحِلِّ؛ لأنه أتلفها (بخلاف من نفَّر صيدًا فخرج إلى الحِلِّ) فقتله غيره فيه (يضمنه (١) منفِّر، لا قاتل) لتفويته حرمته بإخراجه.
والفرق أن الشجر لا ينتقل بنفسه، ولا تزول حرمته بإخراجه، ولهذا وجب على مخرجه ردّه، فكان جزاؤه على متلفه، والصيد تارة يكون في الحَرَم، ومرة في الحَلِّ، فمن نفَّره، فقد فوَّت حرمته بإخراجه، فلزمه جزاؤه.
(ويخيرُ) من وجب عليه جزاء شجر الحَرَم وحشيشه وصيده (بين الجزاء) أي: ذبحه، وإعطائه لمساكين الحرم إن كان من بهيمة الأنعام (وبين تقويمه، ويفعلُ بثمنه) أي: قيمته (كجزاءِ صيدِ) الإحرام، بأن يشتري به طعامًا، فيطعمه للمساكين، كل مسكين مدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، وما لا مِثْلَ له كقيمة الحشيش، يتخير فيها، كجزاء صيد لا مِثل له، على ما سبق.
(وإن قَطَع غُصنًا في الحِلِّ، أصلُه أو بعضه في الحرم، ضمنه) لأنه تابع لأصله، وتغليبًا للحُرمة، كالصيد.
стр. 2594
و (لا) يضمن الغصن (إن قَطَعه في الحرم، وأصلُه كلُّه في الحِلِّ) لتبعيته لأصله.
(قال) الإمام (أحمد (١): لا يخرج من تراب الحَرَم، ولا يدخل إليه من الحِل) كذلك قال ابن عُمر، وابن عباس (٢).
(ولا يخرج من حجارة مكَّة إلى الحِلِّ، والخروج أشدّ، يعني: في الكراهة) واقتصر في "الشرح" على الكراهة.
وقال بعض أصحابنا: يُكره إخراجه إلى الحِلِّ، وفي إدخاله في الحرم روايتان (٣).
وفى "الفصول": يُكره في تراب المسجد كتراب الحَرَم.
وظاهر كلام جماعة: يحرم؛ لأن في تراب المسجد انتفاعًا بالموقوف في غير جهته، ولهذا قال أحمد (٤): فإن أراد أن يستشفي بطِيْب الكعبة، لم يأخذ منه شيئًا، ويلزق عليها طيبًا من عنده، ثم يأخذه (٥). قال في "المنتهى": لا وضع الحصى بالمساجد، أي: لا يُكره، ويَحرم إخراج ترابها، وطِيبها.
(و لا يُكرهُ إخراجُ ماءِ زَمزم ؛ لأنه يُستخلفُ فهو كالثمرةِ) قال
стр. 2595
أحمد (١): أخرجه كعب (٢). انتهى. ورُوي عن عائشة: "أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله"، رواه الترمذي (٣)، وقال: حسن غريب.
(و مكة أفضل من المدينة) لحديث عبد الله بن عَدي بن الحمراء أنه سمع النبي ﷺ يقول - وهو واقف بالحَزْوَرَةِ في سوق مكَّة -: "والله إنَّكِ لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجتُ". رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي (٤)، وقال: