الإذخِر" (١) وهو بكسر الهمزة والخاء، قاله في "حاشيته" (٢)، (و) إلا (الكَمْأَة والفَقْع) لأنهما لا أصل لهما، فليسا بشجر ولا حشيش.
"فائدة": قال القزويني في "عجائب المخلوقات" (٣): العرب تقول: إن الكمأة تبقى في الأرض، فيمطر عليها مطر الصيف، فتستحيل أفاعي (٤). وكذا أخبر بها غير واحد. قاله في "حاشيته".
(و) إلا (الثمرة) لأنها تُستخلَف، (و) إلا (ما زرعه آدميٌّ من بَقْلٍ، ورياحين، وزروع، وشَجَرٍ غُرس من غير شجر الحَرَم، فَيُباح أخذُه والانتفاع به) لأنه مملوك الأصل، كالأنعام، والنهي عن شجر الحرم، وهو ما أضيف إليه لا يملكه أحد، وهذا يضاف إلى مالكه، فلا يعمّه الخبر.
(و) يباح الانتفاع (بما انكسر من الأغصان، و) بما (انقلع من الشجر بغير فِعْلِ آدمي) وتقدم آنفًا (وكذا الورق الساقط) يجوز الانتفاع به.
(ويجوز رَعْيُ حشيشِ) الحرم؛ لأن الهدايا كانت تدخل الحرم فتكثر فيه، ولم ينقل سَدُّ أفواهها، وللحاجة إليه كالإذخر، وفي "تعليق القاضي": الخلاف إن أدخلها للرعي، فإن أدخلها لحاجته، فلا ضمان.
و (لا) يجوز (الاحتشاشُ للبهائم) لعموم قوله ﷺ : "لا يختلى خلاها" (١).
стр. 2592
(وإذا قطع) الآدمي (ما يَحرُمُ قَطْعُه) من شجر الحرم وحشيشه ونحوه (حَرُمَ انتفاعُه) به (و) حرم (انتفاعُ غيرِه به) لأنه ممنوع من إتلافه؛ لحُرمة الحرم، فإذا قَطَعه من يحرم عليه قَطْعُه، لم ينتفع به، (كصيدٍ ذبحه مُحْرِم) لا يَحِلُّ به ولا لغيره.
(ومن قَطَعه) أي: شجر الحرم وحشيشه ونحوه (ضَمِنَ الشجرةَ الكبيرةَ والمتوسطة) عُرفًا (ببقرةٍ، و) ضَمِنَ (الصغيرة) عُرفًا (بشاةٍ) لما رُوي عن ابن عباس: "في الدوحة بقرة، وفي الجزلة شاة" (١). وقاله عطاء (٢)، الدَّوحة: الشجرة العظيمة، والجزلة: الصغيرة.
(و) يضمن (الحشيشَ والورقَ بقيمته) نصَّ عليه (٣)؛ لأن الأصل وجوب القيمة، تُرِكَ - فيما سبق - لقضاء الصحابة، فبقي ما عداه على مقتضى الأصل.
(و) يضمن (الغصنَ بما نَقَص) أصله؛ لأنه نقص بفعله، فوجب فيه ما نقصه، كما لو جنى على مال آدمي فنقصه.
(وإن استخلف الغصنُ والحشيشُ، سَقَط الضمانُ) كما لو قُطع شعر آدمي ثم نبت.
стр. 2593
(وكذا لو ردَّ شجرةً) قلعها من الحرم إليه (فنبتت) فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يُتلفها.
(ويَضمنُ نقصَها إن نبتت ناقصةً) لتسببه فيه.
(وإن قلع شجرًا من الحرم فَغَرَسَه في الحِلِّ، لزمه ردُّه) إلى الحرم؛ لإزالة حرمتها، (فإن تعذَّر) ردها (أو يبست) ضمنها؛ لأنه أتلفها.
(أو قلعها من الحَرَم، فغَرسها في الحَرَم، فيبست، ضمنها) لما مرَّ.
(فإن قلعها غيرُه من الحِلِّ بعد أن غَرَسَها هو) أي: قالعها من الحرم (ضمنها قالعُها) من الحِلِّ؛ لأنه أتلفها (بخلاف من نفَّر صيدًا فخرج إلى الحِلِّ) فقتله غيره فيه (يضمنه (١) منفِّر، لا قاتل) لتفويته حرمته بإخراجه.
والفرق أن الشجر لا ينتقل بنفسه، ولا تزول حرمته بإخراجه، ولهذا وجب على مخرجه ردّه، فكان جزاؤه على متلفه، والصيد تارة يكون في الحَرَم، ومرة في الحَلِّ، فمن نفَّره، فقد فوَّت حرمته بإخراجه، فلزمه جزاؤه.
(ويخيرُ) من وجب عليه جزاء شجر الحَرَم وحشيشه وصيده (بين الجزاء) أي: ذبحه، وإعطائه لمساكين الحرم إن كان من بهيمة الأنعام (وبين تقويمه، ويفعلُ بثمنه) أي: قيمته (كجزاءِ صيدِ) الإحرام، بأن يشتري به طعامًا، فيطعمه للمساكين، كل مسكين مدَّ بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره، وما لا مِثْلَ له كقيمة الحشيش، يتخير فيها، كجزاء صيد لا مِثل له، على ما سبق.
(وإن قَطَع غُصنًا في الحِلِّ، أصلُه أو بعضه في الحرم، ضمنه) لأنه تابع لأصله، وتغليبًا للحُرمة، كالصيد.
стр. 2594
و (لا) يضمن الغصن (إن قَطَعه في الحرم، وأصلُه كلُّه في الحِلِّ) لتبعيته لأصله.
(قال) الإمام (أحمد (١): لا يخرج من تراب الحَرَم، ولا يدخل إليه من الحِل) كذلك قال ابن عُمر، وابن عباس (٢).
(ولا يخرج من حجارة مكَّة إلى الحِلِّ، والخروج أشدّ، يعني: في الكراهة) واقتصر في "الشرح" على الكراهة.
وقال بعض أصحابنا: يُكره إخراجه إلى الحِلِّ، وفي إدخاله في الحرم روايتان (٣).
وفى "الفصول": يُكره في تراب المسجد كتراب الحَرَم.
وظاهر كلام جماعة: يحرم؛ لأن في تراب المسجد انتفاعًا بالموقوف في غير جهته، ولهذا قال أحمد (٤): فإن أراد أن يستشفي بطِيْب الكعبة، لم يأخذ منه شيئًا، ويلزق عليها طيبًا من عنده، ثم يأخذه (٥). قال في "المنتهى": لا وضع الحصى بالمساجد، أي: لا يُكره، ويَحرم إخراج ترابها، وطِيبها.
(و لا يُكرهُ إخراجُ ماءِ زَمزم ؛ لأنه يُستخلفُ فهو كالثمرةِ) قال
стр. 2595
أحمد (١): أخرجه كعب (٢). انتهى. ورُوي عن عائشة: "أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله"، رواه الترمذي (٣)، وقال: حسن غريب.
(و مكة أفضل من المدينة) لحديث عبد الله بن عَدي بن الحمراء أنه سمع النبي ﷺ يقول - وهو واقف بالحَزْوَرَةِ في سوق مكَّة -: "والله إنَّكِ لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجتُ منك ما خرجتُ". رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي (٤)، وقال:
стр. 2596
حسن صحيح. ولمضاعفة الصلاة فيه أكثر.
وأما حديث: "المدينة خيرٌ من مكَّة" (١) فلم يصحَّ، وعلى فرض صحته، فيحمل على ما قبل الفتح، ونحوه.
وحديث: "اللَّهمَّ، إنهم أخرجوني من أحبِّ البقاع إليَّ، فأسكني في أحبِّ البقاع إليك" (٢). رُدَّ - أيضًا - بأنه لا يعرف، وعلى تقدير صحته، فمعناه: أحبُّ البقاع (٣) بعد مكَّة.
(وتُستحبُّ المجاورةُ بها) أي: بمكَّة؛ لما سبق مع أفضليتها، وجزم في "المغني" وغيره أن مكة أفضل، وأن المجاورة بالمدينة أفضل، وذكر قول أحمد: المقام بالمدينة أحبُّ إليَّ من المقام بمكة، لمن قوي عليه؛ لأنها مهاجر المسلمين (٤). وقال ﷺ : "لا يصبر أحدٌ على لأوائها وشدَّتها إلا كنتُ له شفيعًا يوم القيامة" رواه مسلم من حديث ابن
стр. 2597
عُمر (١)، ومن حديث أبي هريرة (٢)، وأبي سعيد (٣)، وسعد (٤). وفيهن: "أو شهيدًا". وتضاعف الحسنة والسيئة، بمكان وزمان فاضلين.
(ولمن هاجر منها) أي: مكة (المجاورةُ بها) كغيره.
(وما خَلَقَ الله خَلْقًا أكرم عليه من) نبينا (محمدٍ ﷺ ) كما دلَّت عليه البراهين (وأما نَفْسُ تُراب تُرْبَتِهِ) ﷺ (فليس هو أفضلَ من الكعبة، بل الكعبةُ أفضل منه).
قال في "الفنون": الكعبة أفضل من مجرد الحُجرة، فأما والنبي ﷺ فيها، فلا والله، ولا العرش وحملته، والجنة؛ لأن بالحُجرة جسدًا لو وُزِنَ به لرجح. قال في "الفروع": فدلَّ كلام أحمد والأصحاب على أن التربة على الخلاف.
(ولا يُعرف أحدٌ من العلماء فَضَّلَ تراب القبر على الكعبة إلا القاضي عياض (٥)، ولم يسبقه أحدٌ إليه، ولا وافقه أحدٌ قطُّ عليه) هذا معنى كلام الشيخ تقي الدين (٦)، وقال: المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيث كان.
(و حدُّ الحرم) المكي (من طريق المدينة: ثلاثة أميال عند بيوت السقيا) ويقال لها: بيوت نِفَار - بكسر النون، وبالفاء - وهي دون التنعيم، ويعرف الآن بمساجد عائشة.
стр. 2598
(و) حدُّه (من) طريق (اليمن: سبعة) أميال (عند أَضاة لِبْن) أما أضاة فبالضاد المعجمة، بوزن قناة، وأما لبن فبكسر اللام، وسكون الباء الموحدة. قال في "الفروع": وهذا هو المعروف. انتهى، وفي "الهداية": عند إضاحة لبن.
(و) حدُّه (من) طريق (العراق كذلك) أي: سبعة أميال (على ثنية خَلٍّ) بخاء معجمة مفتوحة ولام مشدَّدة، هكذا في ضبط المصنف بالقلم. وفي "المنتهى" و"المبدع" وغيرهما: رِجْل، أي: بكسر الراء وسكون الجيم (وهو جبل بالمَقْطَع) بقاف ساكنة وطاء مفتوحة، هكذا ضبطه المصنف بالقلم، وعبارة "المنتهى" و"المبدع" وغيرهما: بالمنقطع.
(ومن الجِعْرانة) بسكون العين وتخفيف الراء على المشهور (تسعة أميال في شِعْبِ عبد الله بن خالد.
(و) حدُّه (من) طريق (جُدَّة: عشرة أميال، عند منقطع الأعشاش) أي: منتهى طرفها - جمع عُش - بضم العين المهملة.
(و) حدُّه (من) طريق (الطائف، على عرفات من بطن نمرة: سبعة) أميال (عند طرف عرفة.
و) حدُّه (من بطن عُرَنة أحدَ عشر ميلًا).
فصل
(ويحرم صيد المدينة) لحديث عامر بن سعد، عن أبيه مرفوعًا: "إنِّي أحرِّمُ ما بين لابتي المدينةِ أن يُقطع عِضاهُها، أو يُقتل صيدُها". رواه مسلم (١).
والمدينة من الدين بمعنى الطاعة؛ لأن المقام بها طاعة، أو بمعنى
стр. 2599
الملك؛ لأنها دين أهلها، أي: ملكهم. يقال: فلان في دين فلان، أي: في ملكه وطاعته (١). وتُسمَّى - أيضًا - طابة، وطيبة.
(والأَولى: أن لا تُسمَّى يثرب (٢)) لأن النبي ﷺ غيَّره (٣)؛ لما فيه من التثريب، وهو التعيير، والاستقصاء في اللوم، وما وقع في القرآن (٤) فهو حكاية لمقالة المنافقين.
ويثرب في الأصل: اسم لرَجُل من العمالقة بنى المدينة فسُمِّيت به، وقيل: يثرب اسم أرضها، ذكره في "حاشيته".
(فلو صاد) من حَرَم المدينة (وذَبَح) صيدها (صحَّت تذكيته) قال القاضي: تحريم صيدها يدلُّ على أنه لا تصح ذكاتُه، وإن قلنا: تصح؛ فلعدم تأثير هذه الحُرْمة في زوال ملك الصيد (٥). نصَّ عليه، مع أنه ذكر في عِلَّة الصحة احتمالين.
стр. 2600
(ويحرم قَطْعُ شجرها) أي: المدينة (وحشيشها) لما روى أنس: أن النبي ﷺ قال: "المدينةُ حرمٌ من كذَا إلى كذَا، لا يُقطع شجرُهَا". متفق عليه (١). ولمسلم: "لا يُختلى خلاها، فمن فعلَ ذلك فعليهِ لعنةُ الله والملائكةِ والناسِ أجمعينَ" (٢).
(ويجوز أخْذُ ما تدعو الحاجةُ إليه من شجرِها للرَّحْلِ) أي: رَحْل البعير، وهو أصغر من القَتَب (والقَتَب وعوارضه وآلة الحرث ونحو ذلك) كآلة الدياس والجَذاذ والحصاد (والعارضة لسقف المحمل والمساند من القائمتين اللتين تُنصب البكرةُ عليهما، والعارضة بين القائمتين ونحو ذلك) كعود البكرة؛ لما روى جابر: "أن النبيَّ ﷺ لما حرَّم المدينةَ، قالوا: يا رسولَ الله، إنَّا أصحابُ عملٍ وأصحابُ نَضْحٍ، وإنَّا لا نستطيعُ أرضًا غير أرضِنَا؛ فرخص لنا، فقال: القائمتان والوسادةُ والعارضةُ والمسندُ (٣)، فأما غير ذلك فلا يعضدُ". رواه أحمد (٤)، فاستثنى الشارع ذلك، وجعله مباحًا. والمسند: عود البكرة.
стр. 2601
(و) يجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه (من حشيشها؛ للعلف) لقوله ﷺ في حديث علي: "ولا يصلح أن تُقطع منها شجرة إلا أن يعلف رَجُلٌ بعيره" رواه أبو داود (١)؛ ولأن المدينة يقرب منها شَجَرٌ وزَرعٌ، فلو مُنِعنا من احتشاشها، أفضى إلى الضرر، بخلاف مكة.
(ومن أدخل إليها صيدًا، فله إمساكُه وذبحُه) نصَّ عليه (٢)؛ لقول أنس: "كان النبيُّ ﷺ أحسن الناس خُلُقا، وكان لي أخ يقال له: أبو عُمير، قال: أحسبه فطيمًا، وكان إذا جاء قال: يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟ - بالغين المعجمة - وهو طائر صغير، كان يلعب به" متفق عليه (٣).
(و لا جزاء في صيدها) وشجرها (وحشيشها) قال في "المنتهى": ولا جزاء فيما حُرِّم من ذلك.
قال أحمد (٤) في رواية بكر بن محمد: لم يبلغنا أن النبي ﷺ ولا أحدًا من أصحابه حكموا فيه بجزاء؛ لأنه يجوز دخولها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء النُّسُك، ولا لذبح الهدايا، فكانت كغيرها من البلدان، ولا يلزم من الحُرْمة الضمان، ولا من عَدَمِها عدمه.
(وحدُّ حَرَمِها: ما بين ثَوْر إلى عَير) لحديث عليٍّ مرفوعًا: "حَرمُ
стр. 2602
المدينةِ ما بين ثَوْرٍ إلى عَير". متفق عليه (١) (وهو ما بين لابتيها) لقول أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ : "ما بين لابتَيْهَا حرامٌ". متفق عليه (٢). واللابة: الحَرَّة، وهي أرض تركبها حجارة سود، فلا تعارض بين الحديثين.
قال في "فتح الباري" (٣): رواية: "ما بين لابتيها" أرجح؛ لتوارد الرواة عليها، ورواية: "جبليها" لا تنافيها، فيكون عند كلِّ جبل لابة، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب. وعاكسه في "المطلع".
(وقَدْره: بريدٌ في بريدٍ، نصًّا) قال أحمد (٤): ما بين لابتيها حرام، بريد في بريد، كذا فسَّره مالكُ بن أنس (٥).
(وهما) أي: ثور وعَير (جبلان بالمدينة، فثور) أنكره جماعةٌ من العلماء، واعتقدوا أنه خطأ من بعض رواة الحديث؛ لعدم معرفتهم إياه، وليس كذلك، بل هو (جبلٌ صغير) لونه (يضرب إلى الحُمْرة بتدوير) ليس بمستطيل (خلف أحُدٍ من جهة الشمال).
قال في "فتح الباري" (٦) نقلًا عن شيخه أبي بكر بن حسين المراغي: "إن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سَلَفهم: أن خَلْف أُحد من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الحمرة بتدوير، يُسمَّى ثورًا. قال: وقد تحققته بالمشاهدة".
стр. 2603
(وعَير) جبلٌ (مشهور بها) أي: بالمدينة. قال في "المطلع": وقد أنكره بعضهم. "وجعل النبي ﷺ حولَ المدينةِ اثني عشرَ ميلًا حِمًى". رواه مسلم (١) عن أبي هريرة.
(ولا يحرم على المحِلِّ صيد وَجٍّ وشجره) وحشيشه (وهو واد بالطائف) كغيره من الحِلِّ.
وأما حديث محمد بن عبد الله بن سنان (٢)، عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن أبيه مرفوعًا: "إن صيد وَجٍّ وعضاهه حَرَمٌ محرَّمٌ لله" رواه أحمد وأبو داود (٣)، وذلك قبل نزوله الطائف وحصاره ثقيفًا، فقد ضعفه أحمد (٤). وقال أبو حاتم (٥) في محمد: ليس بقوي، في حديثه نظر. وقال البخاري (٦): لا يتابع عليه. وقال ابن حبان والأزدي: لم يصح حديثه (٧). وحمل القاضي ذلك على الاستحباب؛ للخروج من الخلاف.
стр. 2604
باب دخول مكَّة وما يتعلَّق به من الطواف والسعي وغيره
(يُسنُّ الاغتسالُ لدخولها) - ولو كان بالحَرَم - ولدخول (١) حَرَمِها (ولو لحائضٍ) ومثلها النُّفساء، فتغتسل لدخول مكَّة، وتقدم في الغسل (٢).
(و) يُسنُّ (أن يدخُلَها نهارًا) لفعله ﷺ (٣). قال في "الفروع": وقيل: وليلًا، نقل ابن هانئ (٤): لا بأس به، وإنما كَرِهه من السُّرَّاق. انتهى. وأخرج النسائي: "أنه ﷺ دخلها ليلًا ونهارًا" (٥). (من أعلاها)
стр. 2605
أي: مكَّة (من ثَنيَّة كَداءٍ) بفتح الكاف، ممدود مهموز مصروف، وغير مصروف، ذكره في "المطالع" (١) ويُعرف الآن بباب المُعلاة.
(و) يُسنُّ (أن يَخرجَ من كُدًى) بضم الكاف وتنوين الدال، عند ذي طوى، بقرب شِعب الشافعيين (من الثَّنيَّة السُّفلى) ويقال لها: باب شبيكة، لقول ابن عُمر: "كان رسولُ الله ﷺ يدخل عن الثنيَّة العُليا التي بالبطحاء، ويخرج من الثَّنيَّة السُّفلى" متفق عليه (٢). وأما كُدَيّ - مصغرًا - فأباحه (٣) لمن خرج من مكَّة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء.
стр. 2606
(و) يُسنُّ (أن يدخلَ المسجدَ) الحرام (من باب بني شَيبةَ) وبإزائه الآن الباب المعروف بباب السلام؛ لحديث جابر: "أن النبيَّ ﷺ دخل مكَّةَ ارتفاعَ الضُّحى، وأناخ راحلته عند باب بني شَيبة، ثم دخل" رواه مسلم وغيره (١).
ويقول عند دخول المسجد ما تقدَّم في باب المشي إلى الصلاة (٢). وقال في "أسباب الهداية": يُسنُّ أن يقول عند دخوله: بسم الله، وبالله، ومن الله، وإلى الله، اللَّهمَّ افتحْ لي أبواب فضلك (٣).
(ف إذا رأى البيتَ، رَفَعَ يديه) رواه الشافعي (٤) عن ابن جُريج مرفوعًا.
стр. 2607
وقول جابر: "ما كنتُ أظنُّ أحدًا يفعل هذا إلا اليهود" الحديث. رواه النسائي (١)، رُدَّ بأنه قولُ جابر عن ظَنِّه، وخالفه ابنُ عمر وابنُ عباس (٢).
стр. 2608
(وكَبَّرَ) للحديث، رواه البيهقي في "السنن" (١) وحكاه في "الفروع" بـ "قيل". ولم يذكره في "المنتهى" وغيره، وقيل: ويهلِّل.
(وقال: اللَّهمَّ أنت السَّلامُ ومنك السَّلامُ، حَيِّنا ربَّنا بالسلامِ) كان ابن عُمر يقول ذلك، رواه الشافعي (٢). والسلام الأول: اسم الله، والثاني: من أكرمته بالسلام، والثالث: سَلِّمْنا بتحيتك إيَّانا من جميع الآفات، ذكر ذلك الأزهري (٣) (اللَّهمَّ زِدْ هذا البيتَ تعظيمًا) أي: تبجيلًا (وتشريفًا) أي: رِفْعة وإعلاء (وتكريمًا ومهابةً) أي: توقيرًا (وبِرًّا) بكسر الباء: اسم جامع للخير (وزِدْ من عظّمه وشرَّفه - ممن حجَّه واعتمَره -
стр. 2609
تعظيمًا وتشريفًا وتكريمًا، ومهابة وبِرًّا) رواه الشافعي (١) بإسناده عن ابن جُريج مرفوعًا (الحمدُ لله رَبِّ العالمين كثيرًا، كما هو أهلُه، وكما ينبغي لكَرَمِ وجهِه، وعِزِّ جلاله، والحمدُ لله الذي بلَّغني بيته، ورآني لذلك أهلًا، والحمدُ لله على كلِّ حال، اللَّهمَّ، إنك دعوتَ إلى حَجِّ بيتك الحرام) سُمِّي بذلك؛ لأن حُرمته انتشرت، وأُريد بتحريم البيت سائرُ الحَرَم، قاله العلماء (وقد جئتُك لذلك، اللَّهمَّ تقبَّل منِّي، واعفُ عنِّي، وأصلحْ لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت) ذكر ذلك الأثرم وإبراهيم الحربي (٢).
قال في "الفروع": وكان النبي ﷺ "إذا رأى ما يحبُّ قال: الحمدُ لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، وإذا رأى ما يَكره قال: الحمدُ لله على كل حال" (٣).
стр. 2610
(يرفعُ بذلك) الدُّعاء (صوتَه إنْ كان رَجُلًا) لأنه ذِكْرٌ مشروع، فاستُحبَّ رَفْعُ الصوت به، كالتلبية (وما زاد من الدُّعاء فَحَسنٌ) لأن تلك البقاع مظنَّةُ الإجابة.
(ثم يَبتدئُ بطواف العُمرة، إن كان معتمِرًا) أي: مُحْرِمًا بالعُمرة، متمتعًا أو غيره (ولم يحتج أن يطوفَ لها طواف قُدومٍ) كمن دخل المسجدَ، وقد أُقيمت الصلاةُ، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد.
(و) يبتدئ (بطواف القُدومِ - ويُسمَّى طوافَ الوُرود - إن كان مُفرِدًا، أو قارنًا، وهو تحيةُ الكعبة) فاستُحبت البداءة به، ولقول عائشة: "إنَّ النبي ﷺ حين قَدِم مكَّة، توضأ، ثم طاف بالبيت" متفقٌ عليه (١)، ورُوي عن أبي بكر، وعُمر، وابنه، وعثمان، وغيرهم (٢).
стр. 2611
(وتحيَّةُ المسجدِ) الحَرَام (الصَّلاةُ، ويجزئُ عنها الركعتان بعد الطَّوافِ) وهذا لا ينافي أن تحية المسجد الحرام الطوافُ؛ لأنه مُجْمَل، وهذا تفصيله.
(فيكونُ أولَ ما يَبدأُ (١) به الطَّوافُ) لما تقدم (إلا إذا أُقيمت الصلاةُ، أو ذَكَر فريضةً فائتةً، أو خاف فَوْتَ ركعتي الفَجرِ أو الوِتر، أو حضرت جنازةٌ، فيقدِّمُها عليه) أي: الطواف؛ لاتساع وقته وأمْنِ فواته (ثم يطوفُ) إذا فرغ من صلاته تلك.
(والأَولى للمرأةِ تأخيرُه) أي: الطواف (إلى الليل) لأنه أستر (إن أَمنتِ الحيضَ والنِّفاسَ، ولا تزاحم الرِّجال لتستلم الحجر) الأسود، ولا لغيره، خوف المحظور (لكن تُشيرُ) المرأة (إليه) أي: إلى الحَجَر (كـ) الرجل (الذي لا يمكنُه الوصولُ إليه) إلا بمشقَّة.
(ويَضْطَبعُ برِدائه في طواف القدومِ، و) في (طوافِ العُمْرة للمتمتِّعِ، ومن في معناه غير حامل معذور (٢)) بحملِه بردائه (في جميع أسبوعِه، فيجعلُ وَسَطه) أي: الرداء (تحت عاتِقِه الأيمن، و) يجعل (طرفيْه على عاتِقِه الأيسرِ) مأخوذ من الضَّبْع، وهو عضد الإنسان، وذلك لحديث يعلى ابن أمية: "أن النبيَّ ﷺ طاف مضطبعًا وعليه بُرْدٌ" صحَّحه الترمذي (٣).
стр. 2612
وعن ابن عباس: "أنَّ رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعْرانة، فرمَلُوا بالبيت، وجعلوا أرديَتهم تحت آباطِهم، ثم قذفوها على عواتِقهم اليسرى" رواه أبو داود وابن ماجه (١).
(فإذا فرغ من الطواف سوَّاه) أي: الرِّداء، فجعله على عاتقيه.
(و لا يضطبعُ في السَّعْي) لعدم وروده، قال أحمد (٢): ما سمعنا فيه شيئًا. ولا يصح القياس إلا فيما عُقِلَ معناه، وهذا تعبُّدي محض.
(ويبتدئ الطوافَ من الحَجَر الأسود) لأنه ﷺ كان يبتدئ به (٣)، وقال: "خذوا عنِّي مناسككم" (٤) (وهو جهةُ المشرق، فيحاذيه) أي: الحَجَر (أو) يحاذي (بعضَه بجميع بدنه) لأن ما لزم استقباله لزم بجميع البدن، كالقِبلة.
(فإن لم يفعل) أي: يحاذي الحَجرَ أو بعضَه بكلِّ بدنه، بأن ابتدأ
стр. 2613
بالطواف عن جانب الرُّكن من جهة الباب، بحيث خرج شيءٌ من بدنه عن مُحاذاة الحَجرِ (أو بدأَ بالطوافِ من دون الرُّكنِ) الذي به الحَجر (كالباب ونحوه) كالمُلتزم (لم يحتسب بذلك الشَّوط) لعدم محاذاة بدنه للحَجَرِ، ويُحتسب له بالثاني وما بعده، ويصير الثاني أولًا؛ لأنه يُحاذي فيه الحَجَر بجميع بدنه.
(ثم يَستلمه) أي: الحَجَر (أي: يمسحُه بيده اليُمنى) لقول جابر: "إنَّ رسولَ الله ﷺ لما قدم مكَّة أتى الحَجرَ فاستلمه" الحديث رواه مسلم (١). والاستلام: افتعال من السلام، وهو التحية. وأهل اليمن يُسمُّون الحجرَ الأسود: المحيا؛ لأن الناس يحيونه بالاستلام. وقد ثَبَتَ عن النبي ﷺ "أنه نَزَل من الجنَّة أشد بياضًا من اللَّبَنِ" رواه الترمذي (٢) وقال: حسن صحيح.
стр. 2614
وعن عليٍّ قال: "لمَّا أخذَ الله الميثاقَ على الذُّريَّة، كَتَبَ كتابًا فألقمه الحَجرَ، فهو يَشهدُ للمؤمن بالوفاء، وعلى الكافر بالجُحودِ" ذكره الحافظ أبو الفَرَج (١).
(ويُقَبِّلُه) أي: الحَجرَ (من غير صوت يَظهرُ للقُبلة) لحديث ابن عُمر: "أن النبيَّ ﷺ استقبلَ الحجرَ، ووضع شفتيه عليه يبكي طويلًا، ثم التفتَ؛ فإذا هو بعُمرَ بن الخطَّاب يبكي، فقال: يا عُمر، ها هنا تُسْكَبُ العَبَرات" رواه ابن ماجه (٢).
وفي "الصحيحين": أنَّ أَسْلَم قال: "رأيت عُمرَ بن الخطَّاب قبَّل الحَجرَ، وقال: إني لأعلم أنك حَجَرٌ، لا تضرُّ ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ يقبِّلُك ما قَبَّلْتُك" (٣) (ونصَّ) أحمد في رواية
стр. 2615
الأثرم (١) (ويَسجدُ عليه) فَعَلَه ابنُ عُمر (٢)، وابن عباس (٣).
(فإنْ شَقَّ) استلامه وتقبيله، لم يُزاحم و (استَلَمَه) بيده (وقبَّل يَدَه) لحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ استَلَمه وقَبَّل يَدَه" (٤)، ورُوي عن ابن عُمر، وجابر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس (٥).
стр. 2616
(فإنْ شقَّ) استلامه بيده (استَلَمَه بشيء وقبَّله) رُوي عن ابن عباس موقوفًا (١).
(فإنْ شقَّ) استلامه بشيء (أشار إليه بيده أو بشيء، واستقبله بوجهه، ولا يقبِّل المشارَ به) لعدم وروده.
(ولا يُزاحم) لاستلام الحَجر، أو تقبيله، أو السُّجود عليه (فيؤذِي أحدًا) من الطائفين.
(ويقول) عند استلام الحَجرِ، أو استقباله بوجهه إذا شَقَّ استلامه: (بسم الله، والله أكبرُ، اللَّهمَّ إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابِك، ووفاءً بعهدك، واتِّباعًا لِسُنَّة نبيك محمد ﷺ ، ويقول ذلك كلما استلمه) لحديث عبد الله بن السائب "أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول ذلك عند استلامه" (٢) (وزاد
стр. 2617
جماعةٌ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، لا إله إلا الله، والله أكبرُ، الله أكبر، ولله الحمدُ.
فإنْ لم يكن الحَجرُ موجودًا) والعياذ بالله (وقف مقابلًا لمكانه) كما تقدم في استقبال الكعبة إذا هُدِمت (واستلم الرُّكن وقبَّله، فإن شَقَّ، استلمه وقبَّل يدَه) لحديث: "إذا أمرتُكم بأمرٍ، فأتوا منه ما استطَعْتُم" (١).
(ثم يأخذ على يمينه مما يلي باب البيت) لحديث جابر: "أنَّ النبيَّ ﷺ لما قدم مكَّة أتى الحَجرَ فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فَرَمَلَ ثلاثًا، ومشى أربعًا" رواه مسلم (٢).
(ويجعلُه) أي: البيت (على يساره) لفعله ﷺ مع قوله: "لتأخذوا عنِّي مناسككم" (٣) (ليُقربَ جانبه الأيسر) الذي هو مَقرُّ القلب (إليه) أي: إلى البيت.
(فأول رُكن يمرُّ به) الطائفُ (يُسَمَّى الشَّاميَّ والعراقيَّ، وهو جهة
стр. 2618
الشَّام، ثم يليه الرُّكن الغربيُّ والشاميُّ، وهو جهة المغرب، ثم اليماني جهة اليمن، فإذا أتى عليه) أي: على الرُّكن اليماني (استلمه ولم يقبِّله) وحديث مجاهد عن ابن عباس قال: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا استلم الرُّكنَ استلمه، ووضع خَدَّه الأيمن عليه" (١)، فقال ابن عبد البر (٢): هذا لا يصح، وإنما يُعرف التقبيل في الحَجرِ الأسود.
(و لا يستلمُ ولا يقبِّلُ الرُّكنين الآخرين) أي: الشامي والغربي ؛ لقول ابن عُمر: "لم أرَ النبيَّ ﷺ يمسُّ من الأركان إلا اليمانيين" متفق عليه (٣).
وقال ابن عمر: "ما أراه - يعني النبيَّ ﷺ لم يستلم الرُّكنين
стр. 2619
اللذَين يليانِ الحجرَ إلا لأن البيت لم يُتمَّ (١) على قواعد إبراهيم" (٢)، ولا طاف الناسُ من وراء الحِجْرِ إلا لذلك.
وطاف معاويةُ فجعل يستلمُ الأركانَ كلَّها، فقال ابنُ عبَّاس: لِمَ تستلم هذين الرُّكنين، ولم يكن النبيُّ ﷺ يستلمهما؟ فقال معاويةُ: ليس شيءٌ: من البيت مهجورًا، فقال ابنُ عباس: لقد كان لكم في رسول الله أُسوةٌ حسنة، فقال معاوية: صدقت" (٣).
(ولا) يستلم ولا يقبِّل (صخرةَ بيت المقدس ولا غيرَها من المساجد والمدافنِ التي فيها الأنبياءُ والصالحون) لما تقدم عن ابن عباس لمعاوية، بل هذه أَولى.
(ويطوفُ سبعًا، يَرْمُل في الثلاثة الأُوَل منها ماشٍ) لما تقدم من حديث جابر (٤)، وكذلك رواه ابن عُمر (٥) وابن
стр. 2620
عبَّاس (١) متفق عليهما. وقال ابن عباس: "رَمَلَ النبيُّ ﷺ في عُمَرِه كلها وفي حجِّه، وأبو بكر، وعُمر، وعثمان، والخلفاء من بعده" رواه أحمد (٢). وإن كان أصل الرَّمَل لإظهار الجَلَد للمشركين، فبقي الحُكْم بعد زوال عِلَّته؛ لما تقدم (غيرَ راكبٍ، و) غيرَ (حاملِ معذورٍ، و) غيرَ (نساءٍ، و) غيرَ (مُحْرِم من مكَّة، أو من قُرْبها، فلا يُسنُّ هو) أي: الرَّمَل (ولا الاضطباع لهم) لعدم وجود المعنى الذي لأجله شُرِعا (٣)، وهو أظهار الجَلَد والقوة لأهل البلد. وكان ابنُ عُمر إذا أحرم من مكَّة لم يَرْمُل (٤). ومن لا يُشرع له الرَّمَل لا يُشرع له الاضطباع.
(ولا) يُسنُّ رَمَلٌ ولا اضطباع (في غير هذا الطَّواف) لأن النبي ﷺ وأصحابه إنما اضطبعوا ورَمَلوا فيه (٥).
(ولا يقضيه) أي: ما ذكر من الاضطباع والرَّمَل (ولا) يقضي
стр. 2621
(بعضه) إذا فاته (في) طواف (غيره) خلافًا للقاضي، كمن تَرَك الجهر في صلاة الفجر، لا يقضيه في صلاة الظُّهر، ولا يقتضي القياس أن تقضى هيئة عبادة في عبادة أخرى.
(وهو) أي: الرَّمَل (إسراعُ المشي مع تقارُبِ الخُطى مِن غير وَثْبٍ. والرَّمَل أَولى من الدُّنوِّ من البيت بدونه) أي: دون رمل؛ لعدم تمكنه منه مع القُرْب للزحام؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلَّق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلَّق بمكانها أو زمانها.
(وإن كان لا يتمكَّن من الرَّمَل - أيضًا -) أي: مع البُعدِ عن البيت؛ لقوة الزحام (أو) كان إذا تأخر في حاشية القوم للرَّمَل (يختلطُ بالنساء، فالدُّنُوُّ) من البيت مع ترك الرَّمَل (أَولى) من البعد؛ لخلوّه عن المعارض (ويطوف) مع الزحام (كيفما أمكنه) بحيث لا يؤذي أحدًا (إذا وجد فُرْجَة، رَمَلَ فيها) ما دام في الثلاثة الأُوَل؛ لبقاء محلّه.
(وتأخير الطَّواف) حتى يزول الزحام (له) أي: لأجل الرَّمَل (وللدُّنوِّ) من البيت (أو لأحدهما أَولى) من تقديمه مع فواتهما، أو فوات أحدهما، ليأتي بالطواف على الوجه الأكمل.
(ويمشي الأربعةَ الأشواطَ الباقية) من الطواف؛ للأخبار المتفق عليها التي تقدمت (١) الإشارة إليها.
(و كلَّما حاذى الحَجَرَ الأسود والرُّكن اليماني استَلَمهما) استحبابًا ؛ لما روى ابن عُمر قال: كان رسولُ الله ﷺ لا يَدَع أن يستلم الرُّكن اليماني والحَجَر في طوافه. قال نافع: وكان ابنُ عُمر يفعله" رواه أبو داود (٢).
стр. 2622
(وإنْ شَقَّ) استلامُهما للزحام (أشار إليهما) لما مرَّ.
(ويقول كلَّما حاذى الحَجَرَ الأسود: الله أكبر، فقط) لحديث البخاري عن ابن عباس قال: "طاف النبيُّ ﷺ على بعير، كلَّما أتى الرُّكن، أشار بيده وكبَّر" (١).
(وله القراءةُ في الطواف، فتُستحبُّ) القراءة فيه، نصَّ عليه (٢). قال القاضي وغيره: ولأنه صلاة، وفيها قراءة ودعاء، فيجب كونه مثلها، و (لا) يُستحبُّ (الجهرُ بها) أي: القراءة في الطواف (ويُكره) الجهرُ بالقراءة (أن غلَّط المصلِّين) قلت: أو الطائفين.
(و) يقول (بين) الرُّكن الذي به الحَجَر (الأسود، و) الرُّكن
стр. 2623
(اليماني: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١) رواه أحمد في "المناسك" (٢) عن عبد الله بن السائب أنه سمع
стр. 2624
النبي ﷺ يقوله.
وعن أبي هريرة مرفوعًا قال: "وُكِّلَ به - أي: الرُّكن اليماني - سبعون ألفَ مَلَكٍ، فمن قال: اللَّهمَّ إني أسألك العفوَ والعافيةَ في الدُّنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنة، وقِنَا عذابَ النار. قالوا: آمين" (١).
(ويُكثرُ في بقية طوافِه من الذِّكرِ والدُّعاءِ. ومنه: اللَّهمَّ اجعلْه
стр. 2625
حجًّا مَبرورًا، وسعيًا مشكورًا) أي: عملًا متقبَّلًا يزكو لصاحبه ثوابه، ومساعي الرَّجل أعماله الصالحة، واحدها مسعاة، قاله في "حاشيته" (وذنْبًا مغفورًا. ربِّ اغفر، وارحم، وتجاوز عما تعلم، وأنت الأعزُّ الأكرم. ويدعو بما أحبّ، ويصلِّي على النبي ﷺ ) لأن ذلك مستحبٌّ في جميع الأحوال، ففي حال تلبسه بهذه العبادة أَولى.
(ويَدَعُ الحديثَ إلا الذِّكرَ، والقراءةَ، والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكر، وما لا بُدَّ منه) لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاة، فمن تكلَّم فلا يتكلَّم إلا بخير" (١).
(ومن طاف أو سعى راكبًا، أو محمولًا لغير عُذْرٍ، لم يجزئه) الطواف ولا السعي؛ لقوله ﷺ : "الطوافُ بالبيت صلاةٌ"؛ ولأنه عبادةٌ تتعلَّق بالبيت، فلم يَجز فِعلُها ركبًا كالصلاة، والسعيُ كالطواف.
(و) الطواف أو السعي راكبًا، أو محمولًا (لعُذرٍ يجزئ) لحديث ابن عباس: "أنَّ النبيَّ ﷺ طاف في حَجَّة الوداع على بعير، يستلم الرُّكن بمِحْجَن" (٢). وعن أم سلمة قالت: "شكوتُ إلى النبيِّ ﷺ أني أشتكي، قال: طوفي من وراء الناس وأنتِ راكبةٌ" (٣) متفق عليهما.
وكان طوافه ﷺ راكبًا لعُذر، كما يُشيرُ إليه قولُ ابن عباس: "كَثُر عليه الناس يقولون: هذا محمد، هذا محمد، حتى خرج العواتقُ من البيوت، وكان النبيُّ ﷺ لا تضربُ الناسُ بين يديه، فلما كَثُروا عليه
стр. 2626
ركب" رواه مسلم (١).
واختار الموفَّق والشارح: يجزئ السعي راكبًا ولو لغير عُذر.
(ويقع الطَّوافُ) أو السعي (عن المَحْمُول إن نويا) أي: الحامل والمَحْمول (عنه، أو نوى كُلٌّ منهما عن نفسه) لأن المقصود هنا الفعل، وهو واحد، فلا يقع عن شخصين، ووقوعه عن المَحْمُول أَولى؛ لأنه لم ينوِ بطوافه إلا لنفسه، والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه؛ ولأن الطواف عبادة أدّى بها الحامل فرض غيره، فلم تقع عن فَرْضِه، كالصلاة، وصحَّة أخذ الحامل عن المَحْمُول الأجرة يدلُّ على أنه قصده به؛ لأنه لا يصحُّ أخذه عن شيء يفعله لنفسه، ذكره القاضي وغيره.
(وإن نويا) أي: الحامل والمَحْمول الطوافَ (عن الحامل، وَقَعَ) الطواف (عنه) أي: الحامل؛ لخلوص كل منهما بالنية للحامل.
(وإن نوى أحدُهما) الطوافَ (عن نفسه، والآخرُ لم ينوِ) الطوافَ (وقع لمن نوى) لحديث: "وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى" (٢).
(وإن عُدِمتِ النيةُ منهما، أو نوى كلٌّ منها عن الآخر، لم يصحَّ) الطوافُ (لواحدٍ منهما) لخلوِّ طواف كلٍّ منهما عن نيَّة منه.
(وإن حَمَله بعرفاتٍ) لعُذر أو لا (أجزأَ) الوقوف (عنهما) لأن المقصود الحصول بعرفة، وهو موجود.
(وإن طاف منكِّسًا، بأن جعل البيت عن يمينه) لم يجزئه؛ لقوله ﷺ : "خُذوا عنِّي مناسككم" (٣)، وقد جعل البيت في طوافه على يساره.
стр. 2627
وكذا لو طاف القَهْقَرى (أو) طاف (على جدار الحِجْر) بكسر الحاء المهملة، لم يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) والحِجْر منه؛ لقوله ﷺ في حديث عائشة: "هو من البيت" رواه مسلم (٢). فمن لم يطف به لم يُعتدَّ بطوافه.
(أو) طاف على (شاذَرْوَان الكعبة، بفتح الذَّال) المعجمة (وهو القَدْرُ الذي تُرِكَ خارجًا عن عَرْض الجدار مرتفعًا عن الأرض قَدْرَ ثُلثي ذراع) لم يجزئه (لأنه) أي: الشاذَرْوَان (منها) أي: من الكعبة.
(أو تَرَكَ شيئًا من الطَّواف، وإن قَلَّ) لم يجزئه، لأنه لم يطف بجميع البيت.
(أو لم ينوِ) الطوافَ لم يجزئه؛ لحديث: "إنما الأعمالُ بالنيات" (٣)؛ ولأنه صلاةٌ؛ للخبر (٤)، والصَّلاةُ من شَرْطها النيةُ.
(أو) طاف (خارجَ المسجد) لم يجزئه؛ لأنه لم يَرِدْ به الشرعُ، ولا يحنث به من حَلَفَ لا يطوف.
(أو) طاف (مُحْدِثًا، ولو حائضًا) لقوله ﷺ : "الطوافُ بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" رواه الترمذيُّ والأثرم من حديث ابن عباس (٤). وقال ﷺ لعائشة حين حاضت: "افعَلي ما يفْعَل الحاجُّ غيرَ أنْ لا تَطُوفي بالبيتِ" (٥) (ويَلزمُ الناسَ انتظارُها) أي: الحائض (لأجلِه فقط، إن أمكن) لتطوف طوافَ الإفاضة، وظاهره: أنه لا يلزمهم انتظارها
стр. 2628
للنِّفاس؛ لطول مدته.
(أو) طاف (نجسًا) ثوبه، أو بدنه، أو بقعته، لم يجزئه، كالمُحْدث.
(أو) طاف (شاكًّا فيه) أي: في الطواف (في طهارته) وقد تيقَّن الحَدَث، لم يجزئه؛ استصحابًا للأصل، و (لا) يضرُّه شكُّه في طهارته (بعد فَراغه منه) أي: الطواف؛ لأنَّ الظاهر صحَّته، كشَكِّه في الصلاة أو غيرها بعد الفراغ.
(أو) طاف (عُريانًا)، لم يجزئه؛ لحديث أبي هريرة: "أن أبا بكر بعثه في الحَجَّة التي أمَّرَ أبا بكر عليها قبل حَجَّة الوداع، يؤذِّنُ يومَ النَّحْر: لا يحجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريان" متفق عليه (١).
(أو قَطَعه) أي: الطواف (بفَصلٍ طويل عُرفًا، ولو سهوًا، أو لعُذْرٍ) لم يجزئه؛ لأنه ﷺ "وَالى بين طوافه، وقال: خُذوا عَنِّي مناسِككم" (٢) ولأنه صلاة، فاعتُبرت فيه الموالاة كسائر الصلوات.
(أو أحدثَ في بعضِه، لم يجزئْه) لأن الطَّهارة شَرْطٌ فيه، وإذا وُجِدَ الحَدَثُ بَطَل، فيبطل كالصلاة (فتُشترطُ الموالاةُ فيه، وفي سَعْيٍ) لما مرَّ.
(وعند الشيخ (٣): الشاذَرْوَان ليس من الكعبة، بل جُعِلَ عمادًا للبيت) فيصحُّ الطَّواف عليه (وعلى الأول: لو مسَّ الجِدار بيده في موازاة الشاذَرْوَان، صحَّ طوافُه) اعتبارًا بجملته، كما لا يضرُّ التفات المصلِّي
стр. 2629
بوجهه. وعلى قياسه: لو مَسَّ أعلى جدار الحِجْر.
(وإن طاف في المسجد من وراء حائلٍ من قُبَّةٍ وغيرها، أجزأ) هـ الطواف؛ لأنه في المسجد.
(وإن طافَ على سَطْحِه) أي: المسجد (توجَّه الإجزاءُ) كصلاته إليها (قاله في "الفروع").
وإن قَصَدَ في طوافه غريمًا، وقَصَدَ معه طوافًا بنيَّة حقيقية لا حُكْمية، توجَّه الإجزاء في قياس قولهم، ويتوجَّه احتمال كعاطس قَصَد بحمده قراءة، وفي الإجزاء عن فَرْض القِراءة وجهان. قاله في "الفروع".
(وإنْ شكَّ في عدد الأشواط، أخذ باليقين) ليخرج من العُهدة بيقين. (وَيَقبلُ قولَ عَدلَين) في عدد الأشواط، كعدد الرَّكعات في الصلاة.
(ويُسنُّ فِعْلُ سائرِ المناسك) من السَّعي والوقوف والرَّمي وغيرها (على طهارة) وتقدم في الوضوء (١).
(وإن قَطَعَ الطَّواف بفَضْلٍ يسير) بنى من الحَجَر؛ لعدم فوات الموالاة بذلك.
(أو أُقيمت صلاةٌ مكتوبةٌ) صلَّى وبنى؛ لحديث: "إذا أُقيمت الصَّلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢)، والطَّواف صلاة، فتدخل في العموم.
(أو حضرت جنازةٌ، صَلَّى وبنى) لأنها تفوت بالتشاغل عنها (ويكون البناءُ من الحَجَر) الأسود (ولو كان القطعُ من أثناء الشَّوْطِ) لأنه لا يعتد ببعض شَوْطٍ قطع فيه (٣)، وحُكْم السعي في ذلك كطواف.
стр. 2630
(ثم) بعد تمام الطواف (يُصلِّي ركعتين، والأفضلُ) كونهما (خلفَ المقامِ) أي: مقام إبراهيم؛ لقول جابر في صفة حجِّ النبي ﷺ : "حتى أتينا البيتَ معه، استلم الرُّكنَ، فرمَلَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدَّمَ إلى مقام إبراهيمَ، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فجعل المقامَ بينه وبين البيت" (٢).
(وحيث ركعهما من المسجد أو غيره جاز) لعموم: "جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا (٣) " (٤) وصلَّاهما عُمر بذي طُوًى (٥) (ولا شيء عليه) لتَرْكِ صلاتهما خَلْف المقام.
(وهما سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، يقرأُ فيهما بعد الفاتحة في الأُولى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و) يقرأ (في الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) لحديث جابر: "فصلَّى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم عاد إلى الرُّكن فاستلمه، ثم خرج إلى الصَّفا" رواه مسلم (٦).
(ولا بأس أن يصلِّيهما إلى غير سُترة، ويَمرُّ بين يديه الطائفون من