← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ركب" رواه مسلم (١). واختار الموفَّق والشارح: يجزئ السعي راكبًا ولو لغير عُذر. (ويقع الطَّوافُ) أو السعي (عن المَحْمُول إن نويا) أي: الحامل والمَحْمول (عنه، أو نوى كُلٌّ منهما عن نفسه) لأن المقصود هنا الفعل، وهو واحد، فلا يقع عن شخصين، ووقوعه عن المَحْمُول أَولى؛ لأنه لم ينوِ بطوافه إلا لنفسه، والحامل لم يخلص قصده بالطواف لنفسه؛ ولأن الطواف عبادة أدّى بها الحامل فرض غيره، فلم تقع عن فَرْضِه، كالصلاة، وصحَّة أخذ الحامل عن المَحْمُول الأجرة يدلُّ على أنه قصده به؛ لأنه لا يصحُّ أخذه عن شيء يفعله لنفسه، ذكره القاضي وغيره. (وإن نويا) أي: الحامل والمَحْمول الطوافَ (عن الحامل، وَقَعَ) الطواف (عنه) أي: الحامل؛ لخلوص كل منهما بالنية للحامل. (وإن نوى أحدُهما) الطوافَ (عن نفسه، والآخرُ لم ينوِ) الطوافَ (وقع لمن نوى) لحديث: "وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى" (٢). (وإن عُدِمتِ النيةُ منهما، أو نوى كلٌّ منها عن الآخر، لم يصحَّ) الطوافُ (لواحدٍ منهما) لخلوِّ طواف كلٍّ منهما عن نيَّة منه. (وإن حَمَله بعرفاتٍ) لعُذر أو لا (أجزأَ) الوقوف (عنهما) لأن المقصود الحصول بعرفة، وهو موجود. (وإن طاف منكِّسًا، بأن جعل البيت عن يمينه) لم يجزئه؛ لقوله ﷺ : "خُذوا عنِّي مناسككم" (٣)، وقد جعل البيت في طوافه على يساره.

стр. 2627

وكذا لو طاف القَهْقَرى (أو) طاف (على جدار الحِجْر) بكسر الحاء المهملة، لم يجزئه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) والحِجْر منه؛ لقوله ﷺ في حديث عائشة: "هو من البيت" رواه مسلم (٢). فمن لم يطف به لم يُعتدَّ بطوافه. (أو) طاف على (شاذَرْوَان الكعبة، بفتح الذَّال) المعجمة (وهو القَدْرُ الذي تُرِكَ خارجًا عن عَرْض الجدار مرتفعًا عن الأرض قَدْرَ ثُلثي ذراع) لم يجزئه (لأنه) أي: الشاذَرْوَان (منها) أي: من الكعبة. (أو تَرَكَ شيئًا من الطَّواف، وإن قَلَّ) لم يجزئه، لأنه لم يطف بجميع البيت. (أو لم ينوِ) الطوافَ لم يجزئه؛ لحديث: "إنما الأعمالُ بالنيات" (٣)؛ ولأنه صلاةٌ؛ للخبر (٤)، والصَّلاةُ من شَرْطها النيةُ. (أو) طاف (خارجَ المسجد) لم يجزئه؛ لأنه لم يَرِدْ به الشرعُ، ولا يحنث به من حَلَفَ لا يطوف. (أو) طاف (مُحْدِثًا، ولو حائضًا) لقوله ﷺ : "الطوافُ بالبيت صلاة إلا أنكم تتكلمون فيه" رواه الترمذيُّ والأثرم من حديث ابن عباس (٤). وقال ﷺ لعائشة حين حاضت: "افعَلي ما يفْعَل الحاجُّ غيرَ أنْ لا تَطُوفي بالبيتِ" (٥) (ويَلزمُ الناسَ انتظارُها) أي: الحائض (لأجلِه فقط، إن أمكن) لتطوف طوافَ الإفاضة، وظاهره: أنه لا يلزمهم انتظارها

стр. 2628

للنِّفاس؛ لطول مدته. (أو) طاف (نجسًا) ثوبه، أو بدنه، أو بقعته، لم يجزئه، كالمُحْدث. (أو) طاف (شاكًّا فيه) أي: في الطواف (في طهارته) وقد تيقَّن الحَدَث، لم يجزئه؛ استصحابًا للأصل، و (لا) يضرُّه شكُّه في طهارته (بعد فَراغه منه) أي: الطواف؛ لأنَّ الظاهر صحَّته، كشَكِّه في الصلاة أو غيرها بعد الفراغ. (أو) طاف (عُريانًا)، لم يجزئه؛ لحديث أبي هريرة: "أن أبا بكر بعثه في الحَجَّة التي أمَّرَ أبا بكر عليها قبل حَجَّة الوداع، يؤذِّنُ يومَ النَّحْر: لا يحجُّ بعد العام مشركٌ، ولا يطوف بالبيت عُريان" متفق عليه (١). (أو قَطَعه) أي: الطواف (بفَصلٍ طويل عُرفًا، ولو سهوًا، أو لعُذْرٍ) لم يجزئه؛ لأنه ﷺ "وَالى بين طوافه، وقال: خُذوا عَنِّي مناسِككم" (٢) ولأنه صلاة، فاعتُبرت فيه الموالاة كسائر الصلوات. (أو أحدثَ في بعضِه، لم يجزئْه) لأن الطَّهارة شَرْطٌ فيه، وإذا وُجِدَ الحَدَثُ بَطَل، فيبطل كالصلاة (فتُشترطُ الموالاةُ فيه، وفي سَعْيٍ) لما مرَّ. (وعند الشيخ (٣): الشاذَرْوَان ليس من الكعبة، بل جُعِلَ عمادًا للبيت) فيصحُّ الطَّواف عليه (وعلى الأول: لو مسَّ الجِدار بيده في موازاة الشاذَرْوَان، صحَّ طوافُه) اعتبارًا بجملته، كما لا يضرُّ التفات المصلِّي

стр. 2629

بوجهه. وعلى قياسه: لو مَسَّ أعلى جدار الحِجْر. (وإن طاف في المسجد من وراء حائلٍ من قُبَّةٍ وغيرها، أجزأ) هـ الطواف؛ لأنه في المسجد. (وإن طافَ على سَطْحِه) أي: المسجد (توجَّه الإجزاءُ) كصلاته إليها (قاله في "الفروع"). وإن قَصَدَ في طوافه غريمًا، وقَصَدَ معه طوافًا بنيَّة حقيقية لا حُكْمية، توجَّه الإجزاء في قياس قولهم، ويتوجَّه احتمال كعاطس قَصَد بحمده قراءة، وفي الإجزاء عن فَرْض القِراءة وجهان. قاله في "الفروع". (وإنْ شكَّ في عدد الأشواط، أخذ باليقين) ليخرج من العُهدة بيقين. (وَيَقبلُ قولَ عَدلَين) في عدد الأشواط، كعدد الرَّكعات في الصلاة. (ويُسنُّ فِعْلُ سائرِ المناسك) من السَّعي والوقوف والرَّمي وغيرها (على طهارة) وتقدم في الوضوء (١). (وإن قَطَعَ الطَّواف بفَضْلٍ يسير) بنى من الحَجَر؛ لعدم فوات الموالاة بذلك. (أو أُقيمت صلاةٌ مكتوبةٌ) صلَّى وبنى؛ لحديث: "إذا أُقيمت الصَّلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة" (٢)، والطَّواف صلاة، فتدخل في العموم. (أو حضرت جنازةٌ، صَلَّى وبنى) لأنها تفوت بالتشاغل عنها (ويكون البناءُ من الحَجَر) الأسود (ولو كان القطعُ من أثناء الشَّوْطِ) لأنه لا يعتد ببعض شَوْطٍ قطع فيه (٣)، وحُكْم السعي في ذلك كطواف.

стр. 2630

(ثم) بعد تمام الطواف (يُصلِّي ركعتين، والأفضلُ) كونهما (خلفَ المقامِ) أي: مقام إبراهيم؛ لقول جابر في صفة حجِّ النبي ﷺ : "حتى أتينا البيتَ معه، استلم الرُّكنَ، فرمَلَ ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدَّمَ إلى مقام إبراهيمَ، فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١) فجعل المقامَ بينه وبين البيت" (٢). (وحيث ركعهما من المسجد أو غيره جاز) لعموم: "جُعلت لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا (٣) " (٤) وصلَّاهما عُمر بذي طُوًى (٥) (ولا شيء عليه) لتَرْكِ صلاتهما خَلْف المقام. (وهما سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ، يقرأُ فيهما بعد الفاتحة في الأُولى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و) يقرأ (في الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) لحديث جابر: "فصلَّى ركعتين، فقرأ فاتحة الكتاب و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثم عاد إلى الرُّكن فاستلمه، ثم خرج إلى الصَّفا" رواه مسلم (٦). (ولا بأس أن يصلِّيهما إلى غير سُترة، ويَمرُّ بين يديه الطائفون من

стр. 2631

الرِّجال والنِّساء) فإن النبيَّ ﷺ "صلَّاهما والطُّوَّافُ بين يديه، ليس بينهما شيء" (١). وكان ابن الزبير يصلِّي والطُّوَّافُ بين يديه، فتمرُّ المرأةُ بين يديه، ينتظرها حتى ترفع رجلَها، ثم يسجد (٢). وكذا سائر الصلوات بمكَّة، لا يعتبر لها سُترة، قاله في "الشرح" (وتقدم) في الصلاة موضحًا (٣). (وتكفي عنهما) أي: عن ركعتي الطواف (مكتوبةٌ، وسُنَّةٌ راتبةٌ) كركعتي الإحرام، وتحية المسجد. (و يُسنُّ الإكثارُ من الطَّواف كلَّ وقتٍ) وتقدم (٤) نصُّ الإمام أن الطواف لغريب أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام.

стр. 2632

(وله جَمْعُ أسابيعَ) من الطواف (فإذا فرغ منها، ركع لكلِّ أسبوع ركعتين) لفعل عائشة (١) والمِسور بن مَخْرمة (٢) (والأَولى) أن يُصلِّي (لكلِّ أُسبوعٍ عقبه) لفعله ﷺ (٣). (و لا يُشرعُ تَقبيلُ المَقام ولا مسحُه) لعدم وروده. (فرع: إذا فرغ المتمتِّعُ) من العُمْرة والحجِّ (ثم عَلِم أنه كان على غير طهارة في أحد الطَّوافين، وجَهِلَه) أي: الطواف الذي كان فيه على غير طهارة (لَزِمه الأشدُّ) ليبرئ ذِمَّته بيقين (وهو) أي: الأشد (كونه) بلا طهارة (في طواف العُمْرة، فلم تصحَّ) لفساد طوافها (ولم يحلَّ منها) بالحَلْقِ؛ لفساد الطواف (فيلزمه دَمٌ للحَلْق) لبقاء إحرامه (ويكون قد أدخل الحجَّ على العُمْرة، فيصير قارنًا، ويجزئه الطواف للحَجِّ) إي: طواف الإفاضة (عن النُّسكين) أي: الحج والعُمْرة، كالقارن في ابتداء إحرامه. قلت: الذي يظهر لزوم إعادة الطَّواف؛ لاحتمال أن يكون المتروك منه (٤) الطهارة هو طواف الحَجِّ، فلا يبرأ بيقين إلا بإعادته.

стр. 2633

(ولو قدَّرْناه) أي: الطواف بغير طهارة (من الحجِّ، لَزِمَه إعادةُ الطَّواف) لوقوعه غير صحيح. (ويَلزمُه إعادةُ السَّعي على التَّقديرين؛ لأنه وُجِدَ بعد طوافٍ غير معتدٍّ به) لأنا قدَّرنا كونه وقع بغير طهارة. (وان كان وطئَ بعدَ حِلِّه من العُمْرةِ) وقد فرضنا طوافها بلا طهارة (حكمنا بأنه أدخل حجًّا على عُمْرة فاسدة، فلا يصحُّ) إدخاله (١) الحجّ عليها (ويَلغو ما فَعَله من أفعال الحَجِّ) لعدم صحة الإحرام به (ويتحلَّل بالطَّواف الذي قَصَده للحجِّ من عُمْرته الفاسدة، وعليه) دمان: (دمٌ للحَلْق، ودَمٌ للوطء في عُمْرته، ولا يحصُل له حجٌّ ولا عُمْرة) لفساد العُمْرة بالوطء فيها، وعدم صحة إدخال الحَجِّ عليها إذن. (ولو قدَّرناه أي: الطواف بلا طهارة (من الحجِّ، لم يلزمه أكثر من إعادة الطَّواف والسعي) للحجِّ، (ويحصُل له الحجُّ والعُمْرة) لحصول الوطء زمن الإحلال. فصل (ويُشترط لصحَّة الطَّوافِ ثلاثة عشر شيئًا: الإسلامُ، والعقلُ، والنيَّةُ) كسائر العبادات (وسَتْرُ العورةِ) لما تقدم (٢) (وطهارةُ الحَدَث) لأنه صلاة، و (لا) تُشترط طهارة الحَدَث (لطفلٍ دون التمييز) لعدم إمكانها منه، (وطهارةُ الخبث) وظاهره: حتى للطفل (وتكميلُ السَّبْع، وجَعْلُ البيت عن يسارِه، والطَّوافُ بجميعِه) أي: البيت، بأن لا يطوف على

стр. 2634

جدار الحِجْر، أو شاذَرْوَان الكعبة (وأن يطوف ماشيًا مع القُدْرة) على المشي (وأن يوالي بينه) إلا إذا حضرت جنازة، أو أُقيمت صلاة، وتقدم (١) (وأن لا يخرج من المسجد) يعني: أن يطوف في المسجد (وأن يبتدئ من الحَجَر الأسود، فيحاذيه) بكل بدنه. وتقدم (٢) ذلك كله موضَّحًا. (وسُننُه) أي: الطواف (عشر: استلامُ الرُّكن) يعني به الحَجَر الأسود (وتقبيلُه، أو ما يقومُ مقامَه من الإشارة) عند تعذُّر الاستلام. (واستلامُ الرُّكن اليماني، والاضطباعُ، والرَّملُ، والمشيُ في مواضِعه) على ما تقدم (٣) ببانه مفصَّلًا (والدُّعاءُ والذِّكْر، والدُّنوُّ من البيت، وركعتا الطَّواف) وتقدمت أدلة ذلك كله. (وإذا فرغ من ركعتي الطَّواف وأراد السعيَ، سُنَّ عودُه إلى الحَجَر فيستلمُه) لحديث جابر، وتقدم قريبًا (٤). (ثم يخرج إلى الصَّفا من بابه) أي: باب المسجد المعروف بباب الصفا (وهو) أي: الصفا (طرفُ جبل أبي قُبَيْس، عليه دَرَجٌ، وفوقها (٥) أزَجٌ (٦) كإيوان، فَيَرقى عليه نَدْبًا، حتى يرى البيتَ إن أمكَنه، فيستقبلُه) لحديث أبي هريرة: "أن النبيَّ ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصَّفا، فعلا

стр. 2635

عليه، حتى نظر إلى البيت ورَفَعَ يده، فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء أن يدعو" رواه مسلم (١). وفي حديث جابر: فبدأ بالصَّفا، فرقِيَ عليه، حتى رأى البيتَ، فاستقبل القِبلة" الحديث، رواه مسلم (٢). (ويُكبِّر ثلاثًا، ويقول ثلاثًا: لا إله إلا الله، وحدَه لا شريك له، له المُلْكُ، وله الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخيرُ، وهو على كلِّ شيء قدير، لا إله إلا الله؛ وحدَه لا شريك له، صَدَق وعدَه، ونَصَرَ عبدَه، وهزم الأحزابَ وحدَه) (٣) أي: الذين تحزَّبوا على النبيِّ ﷺ في غزوة الخندق، وهم قريش وغطفان واليهود. (ويقول: لا إله إلا الله، ولا نعبدُ إلا إيَّاه، مُخلصين له الدِّين، ولو كَرِه الكافرون، اللَّهمَّ اعصمْني بدينك وطواعيتك وطواعية رسولك، اللَّهمَّ جنِّبني حدودَك) أي: محارمك (اللَّهمَّ اجعلني ممن يحبُّك ويحبُّ ملائكتَك وأنبياءَك ورُسُلَك وعبادَك الصالحين، اللَّهمَّ حَبِّبْني إليك، وإلى ملائكتك، وإلى رُسُلك، إلى عبادك الصالحين، اللَّهمَّ يسِّرْ لي اليُسرى، وجَنِّبني العُسرى، واغفِرْ لي في الآخرة والأُولى، واجعلني من أئمة المتقين، واجعلني من ورثة جنَّة النعيم، واغفِرْ لي خطيئتي يوم الدِّين، اللَّهمَّ قلتَ (٤): ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٥) وإنَّك لا تخلف الميعاد، اللَّهمَّ إذ هديتني للإسلام، فلا تنزِعْني منه، ولا تنزِعْه منِّي، حتى تتوفاني على الإسلام، اللَّهمَّ لا تقدِّمْني للعذاب، ولا تؤخِّرني لسوءِ الفتن) هذا

стр. 2636

دعاء ابن عُمر (١). قال أحمد: يدعو به (٢). قال نافع بعده: "ويدعو دعاءً كثيرًا، حتى إنه ليُمِلُّنا، ونحن شباب" (٣). (ولا يُلبِّي) على الصَّفا؛ لعدم وروده، ويأتي حكم التلبية في السعي. (ثم ينزل من الصَّفا، ويمشي حتى يُحاذي العَلَم، وهو المِيلُ الأخضر المُعلَّق برُكْن المسجد على يسارِه بنحو ستَّة أذرع) يعني: يمشي من الصَّفا حتى يبقى بينه وبين العَلَم المذكور نحو ستَّة أذرع (فيسعى ماشٍ سعيًا شديدًا نَدْبًا، بشَرْطِ أن لا يؤذِي ولا يؤذَى، حتى يتوسَّط بين المِيلين الأخضرين، وهما العَلَم الآخرُ، أحدُهما برُكن المسجد، والآخرُ بالموضع المعروف بدار العبَّاس، فيترُكُ شِدَّة السَّعي (٤) حتى يأتي المروة، وهي أنفُ) جبل (قُعَيْقِعان (٥)، فيَرْقاها نَدْبًا، ويستقبلُ القِبلة، ويقول عليها ما قال على الصَّفا) لما في حديث جابر: "أن النبي ﷺ لما دنا من الصَّفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٦) أبدأُ بما بدأ الله به، فبدأ بالصَّفا، فرقيَ عليه حتى رأى البيتَ، فاستقبل القِبْلة، فوحَّد الله وكبَّره، وقال (٧): لا إله إلا الله وحدَه، أنجزَ وعده، ونَصَرَ عبدَه، وهَزَم

стр. 2637

الأحزاب وحدَه، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المَرْوة، حتى إذا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى أتى المَرْوة، فَفَعَل على المَرْوة كما فَعَل على الصَّفا". رواه مسلم (١). (ويجب استيعابُ ما بينَهما) أي: الصَّفا والمَرْوة؛ لفعله ﷺ وقوله: "خُذوا عنِّي مناسككم" (٢). (فإن لم يَرْقَهما ألْصَقَ عَقِبَ رجلَيه بأسفل الصَّفا، و) ألصق (أصابعَهما بأسفل المَرْوة) ليستوعب ما بينهما، وإن كان راكبًا لعُذر، فَعَلَ ذلك بدابته، لكن قد حصل علوّ في الأرض من الأتربة والأمطار، بحيث تَغطَّى عِدَّة من درجهما، لكن من لم يتحقَّق قَدْرَ المُغطَّى يحتاط ليخرج من عُهدة الواجب بيقين. (ثم يَنقلِبُ) ينزل عن المَرْوة (إلى الصَّفا، فيمشي في موضع مَشيه، ويَسْعَى في موضع سعيه إلى الصَّفا، يفعلُ) الساعي (ذلك سبعًا، يحتسب بالذّهاب سَعيةً، و) يحتسب (بالرُّجُوع سَعيةً، يفتتح بالصَّفا، ويختِمُ بالمروة) لخبر جابر، وسبق. (فإن بدأ بالمروة لم يحتسبْ بذلك الشَّوْط) لمخالفته لقوله ﷺ : "خُذوا عنِّي مناسككم" (٢). (ويُكْثِرُ من الدُّعاء والذِّكر فيما بين ذلك) أي: الصَّفا والمَرْوة (ومنه) أي: من الدُّعاء ما ورد عن ابن مسعود أنه كان إذا سعى الصَّفا والمَرْوة قال: (رَبِّ اغفِرْ وارحم، واعفُ عمَّا تعلم، وأنت الأعزُّ

стр. 2638

الأكرمُ (١)). وقال ﷺ : "إنَّما جُعِلَ رميُ الجِمارِ، والسعيُ بينَ الصفَا والمَرْوةِ؛ لإقامه ذِكِر الله تعالى". قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). (ولا يُسنُّ السَّعيُ بينهما) أي: بين الصَّفا والمَرْوة (إلا في حَجٍّ أو عُمْرة) فهو رُكن فيهما كما يأتي، فليس السعيُ كالطواف في أنه يُسنُّ كل

стр. 2639

وقت؛ لعدم ورود التطوُّع به مفردًا. (و يُستحبُّ أن يسعى طاهرًا من الحَدَث) الأكبر والأصغر (و) من (النَّجاسة) في بدنه وثوبه (مستترًا) أي: ساترًا لعورته، بمعنى: أنه لو سعى عُريانًا أجزأه، وإلا فكَشْفُ العورة غيرُ جائز. (و تُشترطُ) للسعي (النيةُ) لحديث: "إنما الأعمالُ بالنيات" (١). (والموالاة) قياسًا على الطواف، قاله القاضي. (والمرأة لا ترقى) الصَّفا ولا المَرْوة (ولا تسعى) بين العَلَمين سعيًا (شديدًا) لقول ابن عُمر: "ليس على النساء رَمَلٌ بالبيت، ولا بين الصَّفا والمَرْوة" (٢). وقال: "لا تصعدُ المرأةُ فوقَ الصَّفَا والمَرْوةِ، ولا ترفَعُ صوتَهَا بالتلْبِيَة". رواه الدارقطني (٣)؛ ولأن المطلوب منها السَّتْر، وفي ذلك تعرُّضٌ للانكشاف، والقَصْدُ بشدة السعي إظهارُ الجَلَد، وليس ذلك مطلوبًا في حقِّها. (وإن سعى على غير طهارة) بأن سعى مُحْدِثًا أو نجسًا (كُرِه) له ذلك، وأجزأه؛ لأنه عبادة لا تتعلَّق بالبيت، أشبه الوقوف. (و يُشترطُ تقدم الطَّواف عليه، ولو) كان الطواف الذي تقدم عليه (مسنونًا، كطواف القدوم) لأن النبي ﷺ إنما سعى بعد الطواف، وقال: "لتأخُذوا عنِّي منَاسِكَكُمْ" (٤). (فإن سعى بعد طوافه) الواجب أو المسنون (ثم عَلِمَ أنه طاف غير

стр. 2640

متطهِّرٍ، لم يجزئه السعيُ) لبطلان الطواف الذي تقدمه، فوجوده كعدمه. (وله) أي: للساعي (تأخيرُه) أي: السعي (عن طوافه بطوافٍ وغيره، فلا تجب الموالاة بينهما) أي: بين الطواف والسعي (فلا بأس أن يطوف أول النهار، ويسعى آخره) أو بعد ذلك، لكن تُسنُّ الموالاة بينهما. (ولا تُسنُّ عقبه) أي: السعي (صلاة) لعدم الورود. (وإن سعى) المُفْرِدُ، أو القارن (مع طواف القدوم، لم يُعِده) أي: السعي (مع طواف الزيارة) لأنه لم يشرع تكراره (وإلا) أي: وإن لم يكن سعى مع طواف القدوم، أو كان متمتعًا (سعى بعده) أي: بعد طواف الزيارة، ليأتي بركن الحجِّ. (فإذا فرغ من السعي، فإن كان متمتعًا بلا هدي) أي: ليس معه هدي (حلق أو قصَّر من جميع شعره، وقد حَلَّ، ولو كان ملبِّدًا رأسه، فَيَستبيحُ جميعَ محظوراتِ الإحرام، والأفضلُ هنا التَّقصيرُ؛ ليتوفَّرَ الحَلْقُ للحجِّ. ولا يُسنُّ تأخير التحلُّلِ) لحديث ابن عمر قال: "تمتعَ الناسُ مع رسُول الله ﷺ بالعُمرَة إلى الحجِّ، فلما قدم رسول الله ﷺ مكَّةَ، قال: من كان معَهُ هدْيٌ، فإنه لا يحلُّ من شيءٍ حرم منه، حتى يقضي حجّهُ، ومن لم يكن معه هديٌ، فَلْيطُفْ بالبيت وبالصَّفا والمروَة، وليقَصِّرْ وليَحْلِلْ". متفق عليه (١). فإن ترك التقصير والحَلْقَ (٢) فعليه دَمٌ.

стр. 2641

فإن وطئ قبله، فعمرتُه صحيحة، وعليه دَمٌ، رُوي (١) عن ابن عباس (٢)، ذكره في "الشرح". (وإن كان معه) أي: المتمتِّع (هديٌ أدخل الحجَّ على العُمْرة) ويصير قارنًا، وتقدم (٣) (وليس له أن يحلَّ، ولا) أن (يَحلِقَ حتى يحجَّ، فيُحْرِم به) أي: بالحج (بعد طوافه وسعيه لعُمْرته، كما يأتي، ويَحِلّ منهما) أي: من الحج والعُمْرة معًا (يوم النَّحْر) نصَّ عليه (٤)؛ لما تقدم (٥)؛ لحديث حفصة قالت: "يا رسولَ الله، ما شأنُ الناس حلُّوا من العُمْرَة، ولم تحلَّ أنْتَ من عُمْرتكَ؟ فقال: إني لبَّدتُ رأسي، وقلَّدت هديي، فلا أَحِلُّ حتَّى أنْحَرَ". متفق عليه (٦). (وإن كان) الذي طاف وسعى لعُمْرته (معتمرًا غير متمتِّع، فإنه يحلُّ) أي: يحلق أو يقصِّر، وقد حلَّ (ولو كان معه هديٌ) سواء كان (في أشهر الحجِّ) ولم يقصد الحج من عامه (أو) كان (في غيرها) أي: غير أشهر الحج، ولو قصده من عامه؛ لأن النبي ﷺ

стр. 2642

اعتمرَ ثلاثَ عُمَرٍ سوى عُمرتِهِ التي معَ حجَّتِهِ، بعضُهُنَّ في ذي القَعْدَةِ (١). وقيلَ: كلهن، وكان يحلّ منها. ومتى كان معه هدي نَحَرَه عند المَرْوة. وحيث نَحَرَه من الحرم، جاز؛ لما تقدم (٢). (وإن كان) الذي طاف وسعى (حاجًّا) مُفْردًا أو قارنًا (بقي على إحرامه) حتى يتحلَّل يوم النَّحْرِ؛ لفعله ﷺ . (ومن كان متمتِّعًا، أو معتمرًا، قَطَعَ التلبية، إذا شرع في الطواف) لحديث ابن عباس يرفعه: "كانَ يُمْسِكُ عنِ التلبيَةِ في العُمْرةِ إذا استلمَ الحَجَرَ" قال الترمذي: حسن صحيح (٣). وروى عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن النبيَّ ﷺ اعتَمَرَ

стр. 2643

ثلاثَ عُمَرٍ، ولم يَزلْ يلبي حتَّى استَلَمَ الحَجَرَ" (١). ولشروعه في التحلُّل، كالحاج يقطعها إذا شرع في رمي جَمْرة العقبة. (ولا بأس بها في طواف القدوم) نصَّ عليه (٢) (سِرًّا) ومعنى كلام القاضي: يكره، أي: الجهر بها فيه، وكذا السعي بعده، يتوجه أن حكمه كذلك، وهو مراد أصحابنا؛ لأنه تبع له، قاله في "الفروع".

стр. 2644

باب صفة الحج والعمرة وما يتعلق بذلك (يُستحبُّ لمتمتع حَلَّ من عُمْرته، ولغيره من المُحلِّين بمكة) وقربها (الإحرام بالحج يوم التروية) لقول جابر في صفة حج النبي ﷺ : "فحلَّ الناسُ كلُّهم وقصَّرُوا، إلا النبيَّ ﷺ ، ومن كانَ معه هدْيٌ، فلما كانَ يومُ التروية توجَّهُوا إلى منى فأهَلُّوا بالحج" (١). (وهو) أي: يوم التروية (الثامن من ذي الحِجَّة). قال ابن رسلان (٢): أعلم أن أيام المناسك سبعة: أولها سابع ذي الحجة، وآخرها ثالث عشرة، فالسابع: ذكر مكي (٣) بن أبي طالب في باب عمل الحج أن اسمه يوم الزينة، أي: لأنهم كانوا يزينون محاملهم وهوادجهم للخروج، وأما يوم الثامن فاسمه يوم التَّرْوية - بالتاء المثناة - وسُمِّي بذلك؛ لتروِّيهم فيه الماء، وسُمِّي يوم النقلة؛ لانتقالهم فيه من مكة إلى منى. والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النَّحْر. والحادي عشر يوم القَرِّ - بفتح القاف وتشديد الراء - لأنهم قارُّون فيه بمِنى. والثاني عشر يوم النَّفْر الأول - بفتح النون وسكون الفاء - والثالث عشر يوم النَّفْر الثاني.

стр. 2645

(إلا لمن) أي: متمتع (لم يجد هَدْيَ تَمَّتُّعٍ، فـ) يُستحب له أن (يُحرِمَ يومَ السابع) من ذي الحجة (١) يعني: أن يكون محرمًا فيه، فيقدم الإحرام عليه، كما يعلم من باب الفِدية (ليكون) صوم الثلاثة (٢) أيام في إحرامه بالحج، ويكون (آخر) تلك (الثلاثة) الأيام التي يصومها في الحج (يومَ عَرَفة) فيصوم السابع والثامن والتاسع. (و) يُستحب (أن يفعلَ عند إحرامه) من مكة أو قُرْبها (ما يفعلُه عند إحرامه من الميقات، من غسلٍ وغيره) أي: تنظُّف وتطيُّب في بدنه، وتجرُّدِ ذَكَرٍ من مَخيط، ولُبْسِ إزار ورداء أبيضين نظيفين ونعلين. (ثم) بعد ذلك (يطوف أسبوعًا، ويصلي ركعتين. ثم يُحرم بالحج من المسجد) الحرام، والأفضل من تحت الميزاب. ذكره في "المبهج" و"الإيضاح". وكان عطاء يستلم الركن، ثم ينطلِق مُهِلًّا بالحج (٣). (وتقدم في) باب (المواقيت (٤). ولا يطوف بعده) أي: بعد إحرامه بالحج قبل خروجه عن مكة (لوداع البيت) نص عليه (٥)؛ لقول ابن عباس: "لا أرى لأهل مكة أنْ يطوفُوا بعدَ أنْ يُحرمُوا بالحجِّ، ولا أن يطُوفُوا بينَ الصَّفا والمروةِ حتى

стр. 2646

يرجعُوا" (١) (فلو طافَ وسعى بعده، لم يجزئه) سعيه (عن السعي الواجب (٢))؛ لأنه لم يسبقه طواف واجب ولا مسنون. (ولا يخطب يوم السابع بعد صلاة الظهر بمكة) لعدم وروده. (ثم يخرج إلى منى قبل الزوال، فيصلي بها الظهر مع الإمام، ويبيت بها) أي: بمِنًى (إلى أن يصلي معه) أي: الإمام (الفجر) لقول جابر: "وركبَ رسولُ الله ﷺ إلى منى فصلَّى بها الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشَاءَ والفجْرَ، ثم مكثَ قليلًا حتى طلعَتِ الشَّمْسُ" (٣) (وليس ذلك واجبًا) بل سُنَّة؛ لأن عائشة تخلَّفت ليلةَ التَّروية حتى ذهب ثُلثا الليل (٤) وصلى ابن الزبير بمكة (٥) (٦). قاله في "الشرح". (ولو صادف يومَ جُمعة وهو مقيمٌ بمكة ممن تجب عليه، وزالتِ الشمس) وهو بمكة (فلا يخرج قبل صلاتها) أي: الجمعة؛ لوجوبها بالزوال (وقبل الزوال إن شاء خرج) إلى مِنى (وإن شاء أقام) بمكة (حتى يصليها) أي: الجمعة (فإن خرج الإمام أمر من يصلي بالناس) الجمعة إن اجتمع العدد معه؛ لئلا تفوتهم.

стр. 2647

(فإذا طلعتِ الشمس) من عَرفة (سار من مِنًى إلى عرفة، فأقام بنَمِرَة نَدْبًا، حتى تزول الشمس، ونَمِرَة موضعٌ بعَرفة) وقيل: بقُربها خارج (١) عنها (وهو الجبلُ الذي عليه أنصابٌ) أي: علامات (الحرم، على يمينك إذا خرجتَ من مأزِمَي عَرفة، تريد الموقف. فإذا زالتِ الشمس استُحبَّ للإمام أو نائبه أن يخطُب خطبةً واحدة يقصِّرُها) لقول سالم للحجَّاج بن يوسف يوم عرفة: "إن كنت تريدُ أن تصيبَ السنةَ فقصِّرِ الخطبة وعجِّل الصلاة (٢)، فقال ابنُ عُمرَ: صدقَ". رواه البخاري (٣) (ويفتتحُها بالتكبير، يعلِّمُ الناسَ فيها مناسِكَهم من الوقوف، ووقتِه، والدفعِ من عرفات، والمبيتِ بمزدلفة وغير ذلك) من الحَلْق والنَّحْر. (فإذا فرغ من خُطبته، نزل فصلى الظهر والعصر جَمْعًا إن جاز له) الجَمْع كالمسافر سفر قَصْر (وتقدم) في الجَمْع (٤) (بأذان) للأُولى (وإقامتين) لكل صلاة إقامة؛ لقول جابر: "وأمرَ بقُبَّة من شعر تُضرب له بنمِرةَ، فسَارَ رسولُ الله ﷺ ، ولا تشُكُّ قريشٌ إلَّا أنَّهُ واقِفٌ عندَ المشْعَرِ الحَرَام، كما كانت قريشٌ تصنَعُ في الجاهلية، فأجازَ رسولُ الله ﷺ حتى إذا أتى عَرفَةَ، فوجَدَ القبَّة قد ضُرِبَتْ لهُ بنمرةَ، فنزلَ بهَا، حتَّى إذا زالت الشمس، أمر بالقَصْوَى (٥)، فرُحِلَتْ له، فأتى بطن الوادي، فخطب

стр. 2648

الناس وقال: إنَّ دماءَكم وأموالَكم حرامٌ عليكم كحُرْمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا إنَّ كل شيء من أمْر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهليةِ موضوعةُ، وإنَّ أولَ دم أضعُهُ من دمائنا دمُ ابنِ أبي ربيعة (١) بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعدٍ، فقتَلَتْهُ هُذيلٌ، ورِبا الجاهليةِ موضوعٌ، وأولُ رِبًا أضعُ رِبانا رِبَا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوعٌ كلُّه، فاتَّقُوا الله في النساءِ، فإنكم أخذْتُموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بِكلمَةِ الله، ولكم عليهن أن لا يُوطئن فرشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلنَ ذلك، فاضربوهُنَّ ضَرْبًا غير مبرِّحٍ، ولهن عليكم رزقهُنَّ وكسوتُهُنَّ بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لن تضلُّوا بعده إن اعتصمتم به: كتابَ الله، وأنتم تسألونَ عنِّي فما أنتم قائلُونَ؟ قالُوا: نشهَدُ أنَّكَ قد بلَّغتَ وأدَّيتَ، ونصحتَ، فقال بأصبعِهِ السبَّابَةِ، يرفعُهَا إلى السماء وينكتُهَا إلى الناس: اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشهَدْ، ثلاثَ مرات، ثم أذَّن، ثم أقام فصلَّى الظُّهرَ، ثم أقام فصلَّى العصرَ، ولم يصَلِّ بينهُمَا شيئًا" (٢). (وإن لم يؤذن) للصلاة (فلا بأس) أي: لا كراهة، قال أحمد (٣): لأن كلًّا يُروى (٤) عن رسول الله ﷺ (٥)، والأذان أَولى.

стр. 2649

(وكذا يَجمع غيرُه) أي: غير الإمام (ولو منفردًا) لأن الجماعة ليست شرطًا للجمع، كما تقدم في محله (١). (ثم يأتي موقف عَرفة، ويغتسل له) أي: للوقوف استحبابًا، لفعل ابن مسعود (٢)، ويُروى عن علي، وتقدم (٣). (وكلُّها) أي: عَرفة (موقفٌ إلا بطن عُرَنة، فإنه لا يجزئُه الوقوف به) لأنه لم يقف بعُرنة، ولقوله ﷺ : "كلُّ عَرفة موقفٌ، وارفعوا عن بطنِ عُرنة". رواه ابن ماجه (٤).

стр. 2650

(و حدُّ عَرفات: من الجبل المُشْرف على عُرَنة؛ إلى الجبال المقابلة له، إلى ما يلي حوائطَ بني عامر.

стр. 2651

ويُسن أن يقف عند الصخرات وجبل الرحمة - واسمه: إلالٌ، على وزن هِلال - ولا يُشرع صعودُه) قال الشيخ تقي الدين: إجماعًا (١). ويُقال لجبل الرحمة - أيضًا - جبل الدعاء. (ويقف مستقبل القبلة راكبًا) لقول جابر: "ثم ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصوى إلى الصخرات، وجعل حَبْل المشاة بين يديه، واستقبلَ القبلةَ، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمسُ، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص" (٢) (بخلاف سائر المناسك والعبادات، فـ) إنه يفعلها (راجلًا). وفي "الانتصار" و"مفردات" أبي يعلى الصغير: أفضلية المشي في الحج على الرُّكوب، وهو ظاهر كلام ابن الجوزي في "مثير العزم الساكن" (٣)، فإنه ذكر الأخبار في ذلك عن جماعة من العباد، وأن الحسن بن علي حج خمس عشرة حجة ماشيًا، وذكر غيره خمسًا وعشرين، والجنائب (٤) تُقاد معه (٥). وقال في "أسباب الهداية": فصل في فضل الماشي: عن ابن عباس مرفوعًا: "من حجَّ من مكةَ ماشيًا حتى يرجعَ إلى مكةَ، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم، قيل له: وما حسناتُ

стр. 2652

الحَرَمِ؟ قال: بكلِّ حسنة مائةُ ألف حسنةٍ" (١). قال: وعن عائشة مرفوعًا: "إن الملائكة لتصافِحُ ركبانَ الحاجِّ، وتعتنقُ المشاةَ" (٢). كذا ذكر هذين الخبرين. (ويُكثر) بعرفة (من الدعاء ومن قول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حيٌّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، ويَسِّرْ لي أمري، ويدعو بما أحبَّ) لما في "الموطأ" عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز - بفتح الكاف وآخره زاي - أن رسول الله ﷺ قال: "أفضل الدُّعاء [دعاء] (٣) يوم عرفةَ، وأفضلُ ما

стр. 2653

قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي: لا إلهَ إلا الله؛ وحدَه لا شَريكَ له" (١). ولما روى الترمذي عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: "كانَ أكثرُ دعاء النبيِّ ﷺ يومَ عَرفةَ: لا إله إلا الله؛ وحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيء قديرٌ" (٢). وسُئل سفيانُ بن عُيينة عن أفضل الدعاء يوم عَرفة فقال: "لا إلهَ إلا الله؛ وحدَهُ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ"، قيل له: هذا ثناء وليس بدُعاء! فقال: أما سمعتَ قولَ

стр. 2654

الشاعر (١): أأذْكرُ حاجتي، أم قد كفاني … حياؤك، إنَّ شيمتَك الحياءُ إذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كفاه من تعرُّضه الثناءُ (٢) وما في المتن مأثور عن علي (٣). وفي "الوجيز": يدعو بما ورد، ومنه ما رُوي عنه ﷺ أنه دعا فقال: "اللَّهمَّ إنك ترى مكَاني، وتسمع كلامي، وتعلم سرِّي وعلانيَتي، ولا يخفى عليك شيءٌ من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيثُ المستجيرُ، الوجِلُ المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المساكين، وأبتهلُ إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوكَ دعاءَ الخائِف الضرير، من خشعتْ لكَ رقبته، وذلَّ لكَ جسدُهُ، وفاضَتْ لك عينَاه، ورغمَ لك أنفه" (٤).

стр. 2655

وكان عبد الله بن عَمرو (١) يقول: "الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريك له، له الملك وله الحمد، اللهمَّ اهْدِني بالهُدَى، وقِني (٢) بالتَّقْوى، واغفر لي في الآخرَةِ والأُولى"، ويردُّ يديه ويسكت قَدْر ما كان إنسان قارئًا فاتحة الكتاب، ثم يعود فيرفع يديه، ويقول مثل ذلك. ولم يزل يفعل ذلك حتى أفاض (٣). (و وقت الوقوف: من طُلوع الفجر يوم عَرفةَ) لحديث عروة بن مضرِّس الطائي قال: "أتيتُ النبيَّ ﷺ بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسولَ الله: إني جئت من جبليْ طَيِّئٍ، أكللتُ راحلتي، وأتعبتُ نفسي، والله ما تركت من جبلٍ إلا وقفت عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال النبيُّ ﷺ : من شهدَ صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تَمَّ حجُّه، وقضى تفثه". رواه الخمسة (٤)، وصحَّحه الترمذي، ولفظه له، ورواه الحاكم وقال:

стр. 2656

صحيح على شرط كافَّة أئمة الحديث. ولأن ما قبل الزوال من يوم عَرَفة، فكان وقتًا للوقوف كما بعد الزوال، وتَرْكه ﷺ الوقوفَ فيه لا يمنع كونه وقتًا للوقوف، كما بعد العشاء، وإنما وقف النبي ﷺ وقت الفضيلة. (واختار الشيخ (١) وغيره) كأبي حفص العكبري (وحُكي

стр. 2657

إجماعًا) (١) أن وقت الوقوف (من الزوال يوم عرفة) وهو قول مالك (٢) والشافعي (٣) وأكثر الفقهاء (٤)؛ لأن النبي ﷺ إنما وقف بعد الزوال (٥) (إلى طلوع فَجْرِ) يوم (النَّحْر) لقول جابر: "لا يفوتُ الحجُّ حتى يطلعَ الفجرُ منْ ليلةِ جَمْع. فقال أبو الزُّبير: فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم" (٦). (فمن حصل بعرفةَ في هذا الوقت ولو لحظةً، ولو مارًّا بها، أو نائمًا، أو جاهلًا بها) أي: بأنها عَرفة (وهو (٧) من أهل الوقوف) بأن يكون (٨) مسلمًا عاقلًا مُحْرِمًا بالحج (صح حجُّه) وأجزأه عن حجة الإسلام، إن كان حرًّا بالغًا، وإلا فنفل؛ لعموم قوله ﷺ : ". . . وقد أتَى عرفة قبلَ ذلك ليلًا أو نهارًا" (٩). و (لا) يصح الوقوف من (مجنون، ومُغمًى عليه، وسكران) لعدم عقلِه (إلا أن يُفيقوا (١٠) وهم بها قبل خروج وقت الوقوف) وكذا لو أفاقوا بعد الدفع منها، وعادوا فوقفوا بها في الوقت.

стр. 2658

(ومن فاته ذلك) أي: الوقوف بعرفة قبل طلوع فجر يوم النحر (فاته الحجُّ) لما تقدم عن جابر (١). (ويُستحبُّ أن يقف طاهرًا من الحَدَثين) قلت: ومن نجاسةٍ ببدنه وثوبه، كسائر المناسك. (و يصحُّ وقوفُ الحائض إجماعًا (٢)، ووقفت عائشة) الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها وعن بقية الصحابة والتابعين لهم (حائضًا بأمر النبي ﷺ (٣)) وتقدم في دخول مكة (٤). (ولا يُشترط) للوقوف (ستارة ولا استقبال) للقبلة (ولا نيَّة) بخلاف الطواف؛ لأنه صلاة، وغيره ليس كذلك. (ويجب أن يجمع في الوقوف بين الليل والنهار من وقف نهارًا) لفعله ﷺ مع قوله: "لتأخذوا عني مناسككم" (٥). (فإن دفع) من عَرفة (قبل غروب الشمس، فعليه دَمٌ إن لم يَعُدْ قبلَه (٦)) لأنه ترك واجبًا لا يفسد الحج بتركه، أشبه الإحرام من الميقات، وإن عاد إليها ليلًا، فلا شيء عليه؛ لأنه أتى بالواجب وهو الجَمْع بين الليل والنهار. (وإن وافاها) أي: عرفة (ليلًا، فوقف بها، فلا دم عليه.

стр. 2659

وإن خاف فوت وقت الوقوف) بعرفة إن صلى صلاة أَمْنٍ (صلى صلاة خائف إن رجا إدراكه) لما في فوت الحج من الضرر العظيم. (و وقفة الجمعة في آخر يومها ساعة الإجابة) للخبر (١)، (فإذا اجتمع فَضْلُ يوم الجمعة ويوم عرفة كان لهما مزية على سائر الأيام) قيل: ولهذا اشتهر وَصْفُ الحج بالأكبر، إذا كانت الوقفة يوم الجمعة، ولأن فيها موافقة حَجّة النبيِّ ﷺ ، فإنَّ وَقْفَة حَجَّة الوداع كانت يوم الجمعة، وللحديثين الآتيين. (قال) ابن القيم (في الهَدي) النبوي (٢): "وأما ما استفاضَ على ألسنة العوام بأنها تعدل ثنتين وسَبعين حَجَّة فباطلٌ لا أصلَ له" لكن أخرج رَزين مرفوعًا: "يومُ الجمعة أفضلُ الأيام؛ إلا يومَ عرفة، وإن وافق يوم الجمعة فهو أفضلُ من سبعينَ حجَّةً في غير يوم جمعةٍ" (٣) ذكره ابن جَماعة في "مناسكه" (٤)، والكازروني (٥) في تفسيره المعروف

стр. 2660

بالأخوين، والشيخ نور الدين علي الزيادي (١) في حاشيته. وحديث: "إذا كان يومُ عرفة يوم جمعة غفَرَ الله لجميع أهل الموقف" (٢) قد يُستشكل بأنه قد ورد مثله في مطلق الحجِّ، ويمكن حَمْل هذا على مغفرته لهم بلا واسطة، وحَمْلُ غيره على أنه يَهبُ قومًا لقوم، ذكره الكازروني. وهو معنى كلام ابن جَماعة في مناسكه عن أبيه. فصل (ثم يدفعُ بعد غروب الشمس) من عَرفة (بسكينة) لقوله ﷺ في عشية عَرفة وغداة جَمْع للناس حين دفعوا: "عليكم بالسكينة" رواه مسلم (٣) من حديث الفضل بن عباس. (قال أبو حكيم) إبراهيم بن دينار النهرواني: ويكون (مُستغفرًا) حال دَفْعه من عَرفة (إلى مُزدلفة) سُمِّيت بذلك من الزَّلَف، وهو التقرُّب؛ لأن الحُجَّاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها، أي: تقرَّبوا ومَضوا إليها. وتُسمَّى - أيضًا - جَمْعًا؛ لاجتماع الناس بها (على طريق المأزِمَين) لأنه رُوي أنه ﷺ سَلَكها (٤)، وهما جبلان صغيران (مع

стр. 2661

إمام (١) أو نائبه، وهو أمير الحج (٢)، فإن دفع قبله، كُرِه) لقول أحمد (٣): ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام. (ولا شيء عليه) في الدفع قبل الإمام. (يُسرعُ في الفَجْوة) لقول أسامة: "كان رسولُ الله ﷺ يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَد فجوةً نصَّ" متفق عليه (٤). والعَنَق: انبساط السير. والنَّصُّ فوقه. (ويلبِّي في الطريق) لقول الفضل بن عباس: "إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَزلْ يلبِّي حتَّى رمَى جَمْرَةَ العَقَبة". متفق عليه (٥). (ويذكُرُ الله تعالى) لأنه في زمن السعي إلى شعائره. (فإذا وَصَلَها) أي: مزدلفة (صلى المغرب والعشاء جَمْعًا) إن كان ممن يُباح له الجَمْع (قبل حطِّ رَحْلِه بإقامة لكلِّ صلاة، بلا أذان) هذا اختيار الخرقي، قال ابن المنذر (٦): هو آخر قولي أحمد، لأنه رواية

стр. 2662

أسامة (١) وهو أعلم بحال رسول الله ﷺ ، فإنه كان رديفه، وإنما لم يؤذِّن للأُولى هاهنا؛ لأنها في غير وقتها بخلاف المجموعتين بعَرفة، وظاهر كلام الأكثرين يؤذن للأُولى، كما تقدم في باب الأذان (٢)، ولقول جابر: "حتَّى أتى المزدَلفة فصلَّى بها المغربَ والعشَاءَ بأذَانٍ واحدٍ وإقامَتين" (٣). (وإن أذَّن وأقام للأُولى فقط) أي: ولم يقم للثانية (فَحَسَنٌ) لحديث مسلم عن ابن عُمر قال: "جَمَعَ رسولُ الله ﷺ بينَ المغرب والعشاء بجَمْع، صلَّى المغربَ ثلاثًا والعشَاءَ ركعتين، بإقامة واحدةٍ" (٤)، لكن السُّنة أن يقيم لها؛ لما تقدم. (ولا يتطوَّع بينهما) أي: بين المغرب والعشاء المجموعتين؛ لقول أسامة وابن عُمر: "إن النبيَّ ﷺ لم يفصِل (٥) بينَهُمَا" (٦)، لكن لا يبطل جَمْعُ التأخير بالتطوُّع بين المجموعتين، بخلاف جَمْعِ التقديم، كما تقدم في الجَمْع (٧). (فإن صلى المغرب في الطريق، ترك السنة، وأجزأته) لأن كلَّ صلاتين جاز الجَمْعُ بينهما جاز التفريق بينهما، كالظُّهر والعصر بعَرَفة،

стр. 2663

وفِعْل النبيِّ ﷺ محمولٌ على الأفضل. (وإن فاتته الصلاة مع الإمام بها) أي: بمزدلفة (أو بعَرفة، جَمَع وحدَه) لفعل ابن عمر (١). (ثم يبيتُ بها، حتى يصبح، ويصلي الفجرَ) لقول جابر: "ثم اضطجع رسولُ الله ﷺ حتَّى طلَعَ الفجرُ، فصلى الفجرَ حينَ تبيَّن لهُ الصُّبحُ بأذان وإقامة" (٢). (وله الدَّفع قبل الإمام، وليس له الدَّفع قبل نصف الليل. ويُباحُ) الدَّفْع من مزدلفة (بعدَه) أي: بعد نصف الليل (ولا شيء عليه، كما لو وافاها بعدَه) أي: بعد نصف الليل؛ لقول ابن عباس: "أنا ممن قدَّمَ النبيُّ ﷺ ليلة المزدلقة في ضعفة أهله" متفق عليه (٣). وعن عائشة قالت: "أرسلَ رسولُ الله ﷺ بأم سَلَمة ليلة النَّحْر، فرمت الجمرَةَ قبل الفجر، ثم مضَتْ فأفاضَتْ". رواه أبو داود (٤). (وإن جاء) مزدلفةَ (بعد الفجرِ، فعليه دم) لتركه نُسُكًا واجبًا. (وإن دَفَعَ غيرُ سُقاة ورُعاة قبل نصفه) أي: الليل (فعليه دم إن لم يَعُدْ إليها) قبل الفجر، عالمًا كان أو جاهلًا، ذاكرًا أو ناسيًا؛ لأنه ترك

стр. 2664

نُسُكًا واجبًا، والنسيان إنما يؤثِّرُ في جعل الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، فإن عاد إليها (ولو بعد نصفه) فلا دم عليه. وأما الرُّعاة والسُّقاة فلا دم عليهم بالدَّفْع قبلَه؛ لأن النبيَّ ﷺ رَخَّصَ للرُّعاة في تَرْكِ البيتوتة؛ لحديث عدي (١). ورخَّص للعباس في ترك البيتوتة؛ لأجل سقايته (٢). ولأن عليهم مشقَّة لحاجتهم إلى حِفْظ مواشيهم، وسقي الحاج، فكان لهم تَرْك المبيت بمزدلفة، كليالي منى. (و حدُّ المزدلفة: ما بين الجبلين المأزِمين) بكسر الزاي (ووادي

стр. 2665

مُحسِّر) بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة، وليس من مزدلفة؛ لقوله ﷺ : "وارفعوا عَنْ بطْنِ مُحسِّر" (١) قاله في "الشرح". (فإذا أصبح) بمزدلفة (صلى الصُّبحَ بغلَس أولَ وَقْتها) لما تقدم في حديث جابر (٢)؛ وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام. (ثم يأتي المَشْعَر الحرام) سُمِّيَ بذلك لأنه من علامات الحج؛ وتُسمَّى - أيضًا - المزدلفة بذلك تسمية للكلِّ باسم البعض، واسمه في الأصل: قُزَح، وهو جبل صغير بالمزدلفة (فيَرقى عليه إنْ أمكنه، وإلا وقف عنده، ويحمدُ الله) تعالى (ويهلِّلُه ويكبِّره، ويدعو، ويقول: اللَّهمَّ كما وقَّفتنا فيه وأريتنا إيَّاه، فوفقنا لذِكرك كما هديتنا، واغفِر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ثم لا يزالُ يدعو إلى أن يُسفِرَ جدًّا) لقول جابر: "ثم ركب القصوى حتَّى أتى المشعَرَ، فاستقبلَ القِبلة، ودَعاهُ وكبَّرهُ وهلَّلَهُ ووحَّدهُ، فلم يزَلْ واقفًا حتى أسفر جدًّا" (٤). (ولا بأس بتقديم الضَّعَفة والنساء) في الدَّفْع من مزدلفة إلى منى بعد نصف الليل؛ لما تقدم من حديث ابن عباس وعائشة (٥).
следующие страницы →