← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

إمام (١) أو نائبه، وهو أمير الحج (٢)، فإن دفع قبله، كُرِه) لقول أحمد (٣): ما يعجبني أن يدفع إلا مع الإمام. (ولا شيء عليه) في الدفع قبل الإمام. (يُسرعُ في الفَجْوة) لقول أسامة: "كان رسولُ الله ﷺ يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَد فجوةً نصَّ" متفق عليه (٤). والعَنَق: انبساط السير. والنَّصُّ فوقه. (ويلبِّي في الطريق) لقول الفضل بن عباس: "إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَزلْ يلبِّي حتَّى رمَى جَمْرَةَ العَقَبة". متفق عليه (٥). (ويذكُرُ الله تعالى) لأنه في زمن السعي إلى شعائره. (فإذا وَصَلَها) أي: مزدلفة (صلى المغرب والعشاء جَمْعًا) إن كان ممن يُباح له الجَمْع (قبل حطِّ رَحْلِه بإقامة لكلِّ صلاة، بلا أذان) هذا اختيار الخرقي، قال ابن المنذر (٦): هو آخر قولي أحمد، لأنه رواية

стр. 2662

أسامة (١) وهو أعلم بحال رسول الله ﷺ ، فإنه كان رديفه، وإنما لم يؤذِّن للأُولى هاهنا؛ لأنها في غير وقتها بخلاف المجموعتين بعَرفة، وظاهر كلام الأكثرين يؤذن للأُولى، كما تقدم في باب الأذان (٢)، ولقول جابر: "حتَّى أتى المزدَلفة فصلَّى بها المغربَ والعشَاءَ بأذَانٍ واحدٍ وإقامَتين" (٣). (وإن أذَّن وأقام للأُولى فقط) أي: ولم يقم للثانية (فَحَسَنٌ) لحديث مسلم عن ابن عُمر قال: "جَمَعَ رسولُ الله ﷺ بينَ المغرب والعشاء بجَمْع، صلَّى المغربَ ثلاثًا والعشَاءَ ركعتين، بإقامة واحدةٍ" (٤)، لكن السُّنة أن يقيم لها؛ لما تقدم. (ولا يتطوَّع بينهما) أي: بين المغرب والعشاء المجموعتين؛ لقول أسامة وابن عُمر: "إن النبيَّ ﷺ لم يفصِل (٥) بينَهُمَا" (٦)، لكن لا يبطل جَمْعُ التأخير بالتطوُّع بين المجموعتين، بخلاف جَمْعِ التقديم، كما تقدم في الجَمْع (٧). (فإن صلى المغرب في الطريق، ترك السنة، وأجزأته) لأن كلَّ صلاتين جاز الجَمْعُ بينهما جاز التفريق بينهما، كالظُّهر والعصر بعَرَفة،

стр. 2663

وفِعْل النبيِّ ﷺ محمولٌ على الأفضل. (وإن فاتته الصلاة مع الإمام بها) أي: بمزدلفة (أو بعَرفة، جَمَع وحدَه) لفعل ابن عمر (١). (ثم يبيتُ بها، حتى يصبح، ويصلي الفجرَ) لقول جابر: "ثم اضطجع رسولُ الله ﷺ حتَّى طلَعَ الفجرُ، فصلى الفجرَ حينَ تبيَّن لهُ الصُّبحُ بأذان وإقامة" (٢). (وله الدَّفع قبل الإمام، وليس له الدَّفع قبل نصف الليل. ويُباحُ) الدَّفْع من مزدلفة (بعدَه) أي: بعد نصف الليل (ولا شيء عليه، كما لو وافاها بعدَه) أي: بعد نصف الليل؛ لقول ابن عباس: "أنا ممن قدَّمَ النبيُّ ﷺ ليلة المزدلقة في ضعفة أهله" متفق عليه (٣). وعن عائشة قالت: "أرسلَ رسولُ الله ﷺ بأم سَلَمة ليلة النَّحْر، فرمت الجمرَةَ قبل الفجر، ثم مضَتْ فأفاضَتْ". رواه أبو داود (٤). (وإن جاء) مزدلفةَ (بعد الفجرِ، فعليه دم) لتركه نُسُكًا واجبًا. (وإن دَفَعَ غيرُ سُقاة ورُعاة قبل نصفه) أي: الليل (فعليه دم إن لم يَعُدْ إليها) قبل الفجر، عالمًا كان أو جاهلًا، ذاكرًا أو ناسيًا؛ لأنه ترك

стр. 2664

نُسُكًا واجبًا، والنسيان إنما يؤثِّرُ في جعل الموجود كالمعدوم، لا في جعل المعدوم كالموجود، فإن عاد إليها (ولو بعد نصفه) فلا دم عليه. وأما الرُّعاة والسُّقاة فلا دم عليهم بالدَّفْع قبلَه؛ لأن النبيَّ ﷺ رَخَّصَ للرُّعاة في تَرْكِ البيتوتة؛ لحديث عدي (١). ورخَّص للعباس في ترك البيتوتة؛ لأجل سقايته (٢). ولأن عليهم مشقَّة لحاجتهم إلى حِفْظ مواشيهم، وسقي الحاج، فكان لهم تَرْك المبيت بمزدلفة، كليالي منى. (و حدُّ المزدلفة: ما بين الجبلين المأزِمين) بكسر الزاي (ووادي

стр. 2665

مُحسِّر) بالحاء المهملة والسين المهملة المشددة، وليس من مزدلفة؛ لقوله ﷺ : "وارفعوا عَنْ بطْنِ مُحسِّر" (١) قاله في "الشرح". (فإذا أصبح) بمزدلفة (صلى الصُّبحَ بغلَس أولَ وَقْتها) لما تقدم في حديث جابر (٢)؛ وليتسع وقت الوقوف عند المشعر الحرام. (ثم يأتي المَشْعَر الحرام) سُمِّيَ بذلك لأنه من علامات الحج؛ وتُسمَّى - أيضًا - المزدلفة بذلك تسمية للكلِّ باسم البعض، واسمه في الأصل: قُزَح، وهو جبل صغير بالمزدلفة (فيَرقى عليه إنْ أمكنه، وإلا وقف عنده، ويحمدُ الله) تعالى (ويهلِّلُه ويكبِّره، ويدعو، ويقول: اللَّهمَّ كما وقَّفتنا فيه وأريتنا إيَّاه، فوفقنا لذِكرك كما هديتنا، واغفِر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك، وقولك الحق: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). ثم لا يزالُ يدعو إلى أن يُسفِرَ جدًّا) لقول جابر: "ثم ركب القصوى حتَّى أتى المشعَرَ، فاستقبلَ القِبلة، ودَعاهُ وكبَّرهُ وهلَّلَهُ ووحَّدهُ، فلم يزَلْ واقفًا حتى أسفر جدًّا" (٤). (ولا بأس بتقديم الضَّعَفة والنساء) في الدَّفْع من مزدلفة إلى منى بعد نصف الليل؛ لما تقدم من حديث ابن عباس وعائشة (٥).

стр. 2666

فصل (ثم يَدفعُ قبل طلوع الشَّمس إلى منى) لقول عمر: "كان أهلُ الجاهلية لا يفيضُونَ من جَمْع حتى تطلُعَ الشمسُ، ويقولونَ: أشْرِقْ ثَبيرُ كَيْمَا نُغير. وإنَّ رسول الله ﷺ خَالَفَهم فأفَاض قبْلَ أنْ تطلُعَ الشمسُ". رواه البخاري (١). (وعليه السكينةُ) لقول ابن عباس: "ثم أردف النبيُّ ﷺ الفَضْلَ بن عبَّاس، وقال: أيها (٢) الناس إنَّ البِرَّ ليس بإيجاف الخيلِ والإبلِ، فَعليْكم بالسَّكينة" (٣). (فإذا بلغ وادي مُحسِّر) - بين مزدلفة ومنى، سُمِّي بذلك؛ لأنه يحسر سالكه - (أسرع، راكبًا كان) فيحرك دابته (أو ماشيًا قَدْر رمية حَجَرٍ) لقول جابر: "حتَّى أتي بطْنَ مُحسِّر حَرَّكَ قَليلًا" (٤). وروي أن ابن عُمر لما أتى مُحسِّرًا أسرع، وقال: إليك تعدو قلقًا (٥) وضينُها … مخالفًا دين النصارى دينها

стр. 2667

معترضًا في بطنها جنينها (١) (ويكون مُلبيًا إلى أن يرمي جَمْرة العقبة) لقول الفَضْل بن عباس: "لم يزَلْ رسولُ الله ﷺ يُلبِّي حتَّى رمى الجمْرَة". رواه مسلم (٢) مختصرًا (وهي) أي: جمرة العقبة (آخر الجمرات مما يلي منى، وأولها مما يلي مكَّة. ويأخذ حصى الجِمار من طريقه قبل أن يصل إلى منى، أو) يأخذه (من مزدلفة، ومن حيث أخذه) أي: الحصا (جاز) لقول ابن عباس: قال رسولُ الله ﷺ غداة العقبة، وهو على ناقته: "القطْ لي حصًى، فلقطتُ له سبع حصَيَات هن حصى الخَذْف، فجعل يَقْبِضهُنَّ في كَفِّهِ، ويقول: أمثالَ هؤلاء فارْمُوا، ثم قال: أيُّها الناسُ، إيَّاكم والغُلُوَّ في الدِّين، فإنَّما أهلَك مَنْ كانَ قبلكم الغُلُوُّ في الدِّينِ". رواه ابن

стр. 2668

ماجه (١). وكان ذلك بمنى. قال في "الشرح" وفي "شرح المنتهى": "وكان ابن عُمر يأخذ الحصى من جَمْعٍ" (٢). وفَعَلَه سعيد بن جبير، وقال: "كانوا يتزوَّدون الحصى من جَمْعٍ" (٣). وذلك لئلا يشتغل عند قدومه منى بشيء قبل الرّمي؛ لأن الرَّمي تحية منى كما يأتي (٤)، فلا يبدأ بشيء قبله. (ويُكره) أخذ الحصى (من منى، وسائر الحرم) هذا معنى كلامه في "الفروع" و"الإنصاف" و"التنقيح" و"المنتهى"، بعد أن قدَّم في "الإنصاف" أنه يجوز أخذه من طريقه، ومن مزدلفة، ومن حيث شاء، وأنه المذهب، وعليه الأصحاب، وهو معنى ما تقدم في قوله: ومن

стр. 2669

حيث أخذه جاز. قال أحمد (١): خُذِ الحصى من حيث شئت. وفي حديث الفضل بن عباس: ". . . حتى دخل مُحسِّرًا وقال: عليكم بحصى الخذف الذي تُرْمَى بهِ الجمْرَة" رواه مسلم (٢). ولما تقدم (٣) من حديث ابن عباس وفِعْلِ ابن عُمر، وقول سعيد بن جبير. ولذلك قال في "تصحيح الفروع" عمَّا في "الفروع": إنه سهو، وقال: لعله أراد حَرَم الكعبة، وفي معناه قوة. انتهى. أي: أراد بالحَرَم المسجد الحرام، ويؤيده قوله في "المستوعِب": وإن أخذه من غيرها جاز، إلا من المسجد، لما ذكرنا أنه يكره إخراج شيء من حصباء الحَرَم، وترابه. انتهى. وقول ابن جماعة في "مناسكه الكبرى" (٤): وقال الحنابلة: إنه يُكره من المسجد ومن الحِلِّ. انتهى. وما أُجيب به عن "الفروع"، لا يتأتَّى الجواب به عن كلام المصنف. (و) يُكره (تكسيرُه) أي: الحصى، لئلا يطير إلى وجهه شيء فيؤذيه. ويُكره أخذه من الحُش. (ويكون) حصى الجِمار (أكبر من الحِمَّص، ودون البندُق، كحصى الخَذْف) لما تقدم من حديث ابن عباس وأخيه الفضل (٥) (فلا يجزئ صغيرٌ جدًّا، ولا كبير) لأمره ﷺ بالرمي بمثل حصى الخذف، فلا يتناول ما لا يُسمَّى حصى، ولا كبيرة تُسمَّى حجرًا.

стр. 2670

(ويجزئ مع الكراهة) الرمي بحصى (نجس) أما إجزاؤه؛ فلعموم الأمر، وأما الكراهة فخروجًا من الخلاف (فإن غَسَله) أي: النجس (زالت) الكراهة لزوال عِلَّتها. (و) تجزئ (حصاة في خاتم إن قَصَدها) بالرمي كغيرها، فإن لم يقصدها لم تجزئه؛ لحديث "وإنما لكلِّ امرئٍ ما نَوى" (١). (ولا فَرْقَ بين كون الحصى أبيض، أو أسود، أو كَدَّانًا (٢) أو أحمرَ من مَرْمَرٍ، وبِرام، ومَرْوٍ - وهو حَجَر الصوان -، ورُخام، ومِسَنٍّ (٣) وغيرها) لعموم الأخبار. (وعدد الحصى سبعون حصاةً. ولا يُستحبُّ غَسْلُه) قال أحمد (٤): لم يبلغنا أن النبيَّ ﷺ فَعَله (إلا أن يَعلمَ نجاسته) فيغسله، خروجًا من الخلاف في إجزائه. (فإذا وصَل إلى منى - وحَدُّها: من وادي مُحسِّرٍ إلى جَمْرة العقبة) ووادي محسر وجمرة العقبة ليسا من منى، ويُستحبُّ سلوك الطريق الوسطى التي تخرج على الجَمْرة الكبرى؛ لأن النبيَّ ﷺ سَلَكها، كذا في حديث جابر (٥)، قاله في "الشرح" (بدأ بها راكبًا إن كان) راكبًا، لحديث ابن مسعود "أنَّهُ انتهى إلى جَمْرة العقبة، فرمَاها من بطن الوادي بسبع

стр. 2671

حصيات، وهو راكبٌ يكبِّرُ مع كُلِّ حصاةٍ، وقال: اللَّهُمَّ اجعَلْه حَجًّا مَبرورًا، وذَنْبًا مغفورًا، ثم قال: ههنا كان يقومُ الذي أُنْزِلَتْ عَليهِ سُورَةُ البقرةِ" رواه أحمد (١). وظاهر كلام الأكثر ماشيًا (وإلا) أي: وإن لم يكن راكبًا، رماها (ماشيًا). وقوله: (لأنها تحيَّةُ منى) تعليلٌ لبداءته بها، كما أن الطواف تحية المسجد، فلا يبدأ بشيء قبله. (فرماها) أي: جَمْرة العقبة (بسبعِ) حصيات (واحدة بعد واحدة) أي: حصاة بعد حصاة (بعد طلوع الشمس نَدْبًا) لقول جابر: "رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجَمْرة ضُحى يوم النَّحْر وحدَه" أخرجه مسلم (٢). (فإن رَمَى بعد نصف ليلة النَّحْرِ أجزأ) هـ الرمي. قلت: إن كان وَقَف، وإلا؛ فبعدَه، كطواف الإفاضة، لما روى أبو داود عن عائشة "أنَّ النبي ﷺ أمَرَ أمَّ سلمةَ ليلة النَّحْرِ، فرمت جمْرَةَ العقبة قبل الفجرِ، ثم مضت فأفَاضَتْ" (٣). ورُوي أنه "أمرَهَا أن تُعَجِّلَ الإفاضةَ وتُوافي مكة مع صلاة الفجرِ" (٤)، احتجَّ به

стр. 2672

أحمد (١). ولأنه وَقْتُ الدفع (٢) من مزدلفة، فكان وقتًا للرمي، كما بعد طلوع الشمس. وحديث أحمد عن ابن عباس مرفوعًا: "لا تَرْمُوا الجمْرةَ حتى تَطْلُعَ الشَّمسُ" (٣) محمولٌ على وَقْتِ الفضيلة، جمعًا بين الأخبار.

стр. 2673

(وإنْ غربت الشَّمسُ) قبل رمي الجَمْرة (فـ) إنه يرميها (بعد الزوال من الغد) لقول ابن عُمر: "من فَاتَهُ الرَّمْيُ حتَّى تغيبَ الشمسُ فلا يَرْمِ حتى تزولَ الشمسُ من الغدِ" (١).

стр. 2674

(فإن رماها) أي السَّبْع (دَفْعة واحدةً لم يُجزئْه) الرميُ (إلا عن) حصاة (واحدة) لأن النبي ﷺ رَمَى سَبْعَ رمَيَاتٍ، وقالَ: "خُذُوا عنِّي منَاسِككُمْ" (١) (ويؤدَّبُ نصًّا) نقله الأثرم (٢). (ويُشترطُ عِلمه بحصُولها) أي: السَّبْع حصيات (في المَرْمى) في جَمْرة العقبة (وفي سائر الجمرات) لأن الأصل بقاء الرَّمْي في ذِمته، فلا يزول عنه بالظن، ولا بالشَّكِّ فيه. (ولا يُجزئ وَضْعها) أي: الحصيات في المَرْمى؛ لأنه ليس برمي (بل) يُعتبر (طَرْحُها) لفعله ﷺ وقوله: "خُذوا عنِّي مناسِككم" (١). (ولو أصابت) الحصاةُ (مكانًا صُلْبًا) بضم الصاد وسكون اللام (في غير المَرْمى، ثم تدحرجت إلى المَرْمى، أو أصابَتْ ثوبَ إنسانٍ ثم طارت فوقعت في المَرْمى أجزأته) لأن الرامي انفرد برميها. (وكذا لو نَفَضها) أي: الحصاة (من وقعت على ثوبه، فوقعت في المَرْمى) أجزأته (نصًّا) (٣) لحصولها في المَرْمى (وقال ابن عقيل: لا تجزئه؛ لأن حصولها في المَرْمى بفعل الثاني) دون الأول (قال في "الفروع": وهو أظهر، قال في "الإنصاف": قلت: وهو الصواب) وهو كما قال. "تنبيه": قد علمت مما سبق أن المَرْمى مجتمع الحصى، كما قال الشافعي (٤)، لا نَفْس الشاخص ولا مَسيله. (وإن رمَاها) أي: الحصاة (فاختطفَها طائرٌ قبل حصولها فيه) أي: المَرْمى (أو ذهبت بها الريحُ عن المَرْمى لم يُجزئْه) أي لم يعتدَّ له بها،

стр. 2675

لعدم حصولها في المَرْمى. (ويُكبِّر مع كلِّ حصاة) لفعله ﷺ ، رواه مسلم (١) من حديث جابر. (ويَستبطنُ الوادي) لفعله ﷺ ، متفق عليه (٢) من حديث ابن عمر. (ويقول) مع كل حصاة: (اللهمَّ اجْعَلْه حجًّا مبرورًا) أي: مقبولًا. يقال: بَرَّ الله حَجَّه، أي: تقبَّله (وذَنْبًا مغفورًا، وعملًا مشكورًا) لحديث ابن عُمر مرفوعًا، رواه حنبل (٣). وكذا كان ابن عباس يقوله (٤). (ويرفع الرامي) للجمار (يُمناه حتى يُرى) بالبناء للمفعول (بياضُ إبْطِه) لأن في ذلك معونة على الرمي (ويَرْميها على حاجبه الأيمن) لقول

стр. 2676

عبد الله بن يزيد (١): "لما أتَى عبدُ الله جمرَةَ العقَبَةِ استبطَنَ الواديَ، واستقْبَل القبلة، وجعلَ يرمي الجمرةَ على حاجبهِ الأيمن، ثم رَمَى بسبع حصياتٍ، ثم قال: والذي لا إله غيرُهُ من ههنَا رمَى الذي أُنزلتْ عليه سورةُ البقرة" قال الترمذي: حديث صحيح (٢). (وله رَمْيُها) أي: جَمْرة العقبة (من فَوْقها) لفعل عمر (٣). (ولا يقفُ) الرامي (عندها) أي: جَمْرة العقبة (بل يرميها وهو ماشٍ) يعني بلا وقوف عندها؛ لقول ابن عمر وابن عباس: "إن النبي ﷺ كان إذا رَمَى جَمْرة العقبة انصرفَ ولم يقفْ" رواه ابن ماجه (٤) وروى البخاري (٥) معناه من حديث ابن عمر. ولضيق المكان. (و يَقطعُ التَّلبيةَ مع رَمي أولِ حصاةٍ منها) لما تقدم من حديث الفضل بن عباس (٦)، وفي بعض ألفاظه: "حتى رَمَى جَمْرة العقبةِ قطَعَ عنْدَ أولِ حصاةٍ" رواه حنبل في "مناسكه" (٧).

стр. 2677

(فإن رَمَى بذهب، أو فضَّة، أو) رَمَى بـ (ــغير الحصى من الجواهر المُنْطَبِعةِ، والفَيْرُوزَجِ، والياقوتِ، والطينِ، والمَدَرِ) وهو التراب الملبَّد (أو) رَمَى (بغير جنس الأرض) كالحديد والنحاس والرصاص والخشب، لم يجزئه؛ لأنه ﷺ رَمَى بالحصى، وقال: "خذوا عنِّي مناسككم" (١). (أو) رَمَى (بحجر) أي: حصى (رُمِي به، لم يجزئه) نصًّا (٢)؛ لأنه استُعمل في عبادة، فلا يُستعمل فيها ثانيًا، كماء الوضوء؛ ولأن ابن عباس قال: "ما تُقبِّل منه رُفع" (٣).

стр. 2678

(ثم يَنحرُ هَديًا إن كان معه، واجبًا كان أو تطوُّعًا) لقول جابر في صفة حَجِّه ﷺ : "أنه رَمى من بطنِ الوادي، ثم انصرفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثلاثًا وستينَ بدنَةً بيده، ثم أعطى عليًّا فنحَرَ ما غبرَ، وأشركه في هديه" (١). (فإن لم يكن معه هَديٌ وكان عليه هَديٌ واجبٌ) لتمتُّع، أو قِران أو نحوهما (اشتراه) وذبحه. (وإن أحب أن يُضحِّي اشترى ما يُضحِّي به) وكذا إن أحب أن يتطوَّع بهدي. (ثم يحلِقُ رأسَه) لحديث ابن عُمر "أن رسولَ الله ﷺ حَلَقَ رأسَهُ في حَجَّة الودَاعِ" متفق عليه (٢). (ويبدأ بأيمنه) أي: شِقَّ رأسه الأيمن؛ لحديث أنس "أنَّ رسولَ الله ﷺ أتَى منى، فأتى الجَمرَةَ فرمَاها، ثم أتى منزلَهُ بمنى، ونَحَرَ، ثم قال للحلاق: خُذ، وأشَارَ إلى جَانبه الأيمنِ، ثم الأيسرِ، ثم جَعَل يعطيهِ الناسَ" رواه مسلم (٣). (ويَستقبلُ القِبلة فيه) أي: في الحَلْق، لأنه نُسُكٌ أشبه سائر المناسك.

стр. 2679

(ويُكبِّرُ وقت الحَلْق) كالرمي. (والأَولى أن لا يشارط الحلَّاق على أجرة) قال أبو حكيم (١): ثم يصلي ركعتين (٢). (وإن قصَّر فمن جميع شَعْر رأسه) نصَّ عليه (٣) (لا من كل شعرة بعينها) لأن ذلك لا يُعلم إلا بحَلْقِه. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤) وهو عامٌّ في جميع شعر الرأس، وقد حَلَق ﷺ جميعَ رأسه (٥)، فكان ذلك تفسيرًا لمطلق الأمر بالحَلْق، أو التقصير، فيجب الرجوع إليه. ومن لبَّد رأسه أو ضفَّره أو عَقَصه فكغيره. (والمرأة تُقصِّرُ من شعرها على أيِّ صفةٍ كان من ضَفْر وعَقْص وغيرهما، قَدْر أُنمُلَةٍ فأقلَّ من رؤوس الضَّفائر) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "ليس على النساء حَلْق، إنما على النساء التقصير" رواه أبو داود (٦). ولأنه مُثْلَةٌ في حقِّهن.

стр. 2680

(وكذا عَبْدٌ) يقصِّر (ولا يحلِقُ إلا بإذن سيِّده؛ لأن الحَلْق ينقص قيمته. ويُسنُّ أخْذُ أظفاره) أي: الحاج (وشارِبه ونحوه) كعانته وإبطه. قال ابن المنذر (١): ثبت "بأن (٢) رسول الله ﷺ لما حَلَقَ رأسَهُ قلَّمَ أظفَارهُ" (٣) وكان ابن عُمر يأخذ من شاربه وأظفاره (٤). ويُستحبُّ إذا حلق أن يبلغ العظم الذي عند منقطع الصُّدغ من الوجه، لقول ابن عُمر للحالق: "أبلغْ العظمين" (٥) افصل الرأسَ من اللحية. وكان عطاء يقول: "من السُّنة إذا حَلَقَ أن يبلغ العظمين" (٦).

стр. 2681

(و من عَدِم الشَّعرَ استُحبَّ أن يُمِرَّ الموسى على رأسِه) رُوي عن ابن عُمر (١). ولا يجب؛ خلافًا لأبي حنيفة (٢). (ثم قد حلَّ له كلُّ شيء من الطِّيب وغيره إلا النِّساءَ) نصَّ عليه في رواية الجماعة (٣) (من الوَطء والقُبلة واللَّمْس لشهوةٍ وعَقْدِ النكاح) لحديث عائشة مرفوعًا قال: "إذا رميتم وحلقتم فقد حَلَّ لكم الطِّيبُ والثيابُ وكلُّ شيءٍ إلا النساءَ" رواه سعيد (٤). وقالت عائشة: "طيَّبتُ رسولَ الله ﷺ لإحرامِهِ حين أحْرَمَ؛ ولحلِّهِ قبل أنْ يَطُوفَ بالبيتِ" متفق عليه (٥).

стр. 2682

فصل (ويحصُلُ التَّحلُّلُ الأولُ باثنين من ثلاثة: رَمْيٍ) لجمرة العقبة (وحَلْقٍ) أو تقصير (وطوافِ) إفاضة؛ لحديث سعيد عن عائشة السابق (١). وقِيسَ على الحَلْق والرَّمي الباقي، فلو حَلَق وطاف، ثم واقع أهله قبل الرمي، فحَجُّه صحيح، وعليه دَمٌ. (و) يحصُل التحلُّل (الثاني بالثالث منها) أي: من الحَلْق والرَّمي والطواف، مع السعي إن كان متمتعًا، أو كان مُفْرِدًا أو قارنًا، ولم يَسْعَ مع طواف القدوم. (فالحَلْقُ والتقصيرُ) الواو بمعنى "أو" (نُسُكٌ) لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٢) فوصفهم، وامتنَّ عليهم بذلك، فدلَّ أنه عن العبادة، لا إطلاق من محظور؛ ولقوله ﷺ : "فلْيقصِّرْ ثم ليحلل" (٣) ولو لم يكن نُسكًا لم يتوقف الحِلُّ عليه، ودعا ﷺ للمُحلِّقين والمقصِّرين (٤)،

стр. 2683

وفاضل بينهم، فلولا أنه نُسك لما استحقوا لأجله الدُّعاء، ولما وقع التفاضل فيه، إذ لا مفاضلة في المباح ففي تركهما دَمٌ (وإن أخَّره عن أيام منى فلا دَمَ عليه) لأنه لا آخر لوقته. (وإن قدَّم الحَلْقَ على الرمي أو) على (النَّحْر، أو طاف للزيارة) قبل رميه (أو نَحَر قبل رميه جاهلًا أو ناسيًا، فلا شيء عليه، وكذا لو كان عالمًا) لحديث عطاء "أن النبيَّ ﷺ قال له رجلٌ: أفضتُ قبل أنْ أرمي؟ قال: ارْمِ ولا حرج" وعنه: أن النبي ﷺ قال: "من قدَّم شيئًا قبل شيءٍ فلا حرج" رواهما سعيد في "سننه" (١). وعن عبد الله بن عَمرو قال: "قال رجل: يا رسول الله، حلقتُ قبل أن أذبحَ؟ قال: اذبحْ ولا حرج. فقال آخرُ: ذبحتُ قبلَ أن أرمِيَ؟ قال: ارْمِ ولا حَرجَ" متفق عليه (٢). وفي لفظ قال: "فجاءَ رجلٌ فقال: يا رسولَ الله لم أشعُرْ، فحَلَقْتُ قبل أنْ أذبحَ، وذكر الحديث، قال: فما سمِعْتُه يُسْألُ يَومئذٍ عن أمر مما ينسى المرءُ أو يجهلُ، من تقديم بعض الأمورِ على بعضٍ، وأشباهِها إلا قال: افْعَلُوا ولا حرجَ" رواه مسلم (٣).

стр. 2684

وعن ابن عباس معناه مرفوعًا. متفق عليه (١). (لكن يُكرَه) ذلك للعالم؛ خروجًا من الخلاف. (وإن قدَّم) طوافَ (الإفاضةِ على الرمي أجزأه طوافُه) لما تقدم. (ثم يخطُب الإمام يوم النَّحْر بكرةَ النهار بمنى خُطبة مفتتحة بالتكبير، يُعلِّمهم فيها: النَّحرَ، والإفاضةَ، والرَّمي) نصَّ عليه (٢)؛ لحديث ابن عباس "أن النبيَّ ﷺ خطبَ الناس يوْمَ النَّحْرِ" يعني: بمنى، أخرجه البخاري (٣). ولأنه يومٌ تكثُر فيه أفعال الحج من الوقوف بالمَشْعر الحرام، والدفع منه إلى منى، والرَّمي، والنَّحْر، والحَلْق (٤)، والرجوع إلى منى ليبيت بها، وليس في غيره مثله، فلذلك يُسمَّى (٥): يوم الحج الأكبر. ولهذا قال ﷺ في خطبته يوم النَّحْر: "هذا يومُ الحَج الأكبر" رواه البخاري (٦). (ثم يُفيضُ إلى مكة فيطوفُ متمتِّعٌ لقُدُومه) كطوافه (لعُمْرَته) السابق في دخول مكة (نصًّا) (٧) - هكذا في "الإنصاف" وبعض النُّسخ، وفي بعضها: كعُمْرته - والمعنى على ما ذكرته (بلا رَمَل) ثم يطوف للزيارة.

стр. 2685

واحتجَّ الإمامُ (١) بحديث عائشة قالت: "فطافَ الذينَ أهلُّوا بالعُمْرةِ وبين (٢) الصَّفَا والمروَة، ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجَّهِمْ. وأما الذين جَمَعُوا الحجَّ والعمرَةَ فإنما طَافُوا طَوافًا واحدًا" (٣)، فحَمَلَ أحمدُ قولَ عائشة على أن طوافهم لحَجِّهم هو طواف القدوم؛ ولأنه قد ثبت أنَّ طواف القدوم مشروع، فلم يكن طواف الزيارة مسقِطًا له، كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبُّس بالفرض. واختار ذلك الخرقي وأكثرُ الأصحاب. (وكذا يَطوفُه) أي: طواف القدوم (برَمَلٍ مُفرِدٌ وقارنٌ لم يكونا دخلا مكَّة قبل يوم النَّحْر ولا طافاه نصًّا) (٤) لما تقدم. (وقيل: لا يَطوفُ للقُدُوم أحدٌ منهم، اختارَه الشيخ (٥) والموفق، ورَدَّ) الموفقُ (الأولَ، وقال) الموفق: (لا نعلمُ أحدًا وافق أبا عبد الله على ذلك) بل المشروع طواف واحد للزيارة، كمن دخل المسجد وأُقيمت الصلاةُ، فإنه يكتفي بها عن تحية المسجد؛ ولأنه لم يُنقل عن النبيِّ ﷺ ولا أصحابه الذين تمتَّعوا معه في حَجّة الوداع، ولا أمر به النبيُّ ﷺ أحدًا. وحديث عائشة دليلٌ على هذا، فإنها قالت: "طَافُوا طَوَافًا واحدًا بعد أن رجعوا من منى لحجهم". وهذا هو طواف الزيارة، ولم تذكر طوافًا آخر، ولو كان هذا الذي ذكرته طواف القدوم لكانت قد أخلَّت بذِكْرِ طوافِ الزيارة الذي هو رُكن الحَجِّ لا يَتمُّ إلا به،

стр. 2686

وذكرت ما يستغنى عنه، وعلى كل حال، فما ذكرت إلا طوافًا واحدًا، فمن أين يستدل به على طوافين؟! (قال) أبو الفَرَج عبد الرحمن زين الدين (ابن رجب (١): وهو الأصحُّ. ثم يطوفُ للزيارةِ) سُمِّي بذلك؛ لأنه يأتي من منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى منى (ويُسمَّى الإفاضةَ) لأنه يفعل بعدها (و) يُسَمَّى (الصَّدَر) بفتح الصاد والدال المهملة، وهو رجوع المسافر من مقصده؛ لأنه يفعل بعده أيضًا، وما ذكره من أنه يُسَمَّى طواف الصَّدَر، قاله في "المطلع" و"الرعاية" و"المستوعب"، وقدَّمه الزركشي، وصحَّح في "الإنصاف" أن طوافَ الصَّدَر هو طواف الوداع، وتبعه في "المنتهى". (ويُعيِّنُه) أي: طواف الزيارة (بنيته) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢) وكالصلاة. ويكون (بعد وقوفِه بعرفة) لأنه ﷺ طاف كذلك، وقال: "لتأخُذُوا عنِّي منَاسكَكُمْ" (٣). (وهو الطَّوافُ الواجبُ الذي به تمامُ الحَجِّ) فهو رُكن من أركانه، إجماعًا. قاله ابنُ عبد البر (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٥). وعن عائشة قالت: "حَجَجْنا مع رسولِ الله ﷺ فأفضْنَا يومَ

стр. 2687

النحْرِ، فحاضَتْ صفيَّةُ، فأرادَ النبي ﷺ منها ما يُريدُ الرجُلُ من أهلِهِ، فقلتُ: يا رسُولَ الله، إنها حَائِضٌ، قال: أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسولَ الله، إنَّها قد أفاضتْ يومَ النَّحْرِ، قال: اخرجُوا" متفق عليه (١). فعُلِمَ منه أنها لو لم تكن أفاضت يوم النَّحْر كانت حابستهم، فيكون الطَّواف حابسًا لمن لم يأتِ به. (فإن رَجَع إلى بلده قبلَه) أي: طواف الزيارة (رَجَع منها) أي: بلده (٢) (مُحْرِمًا) أي: باقيًا على إحرامه بمعنى بقاء تحريم النساء عليه، لا الطيب، ولبس المخيط ونحوه، لحصول التحلُّل الأول إن كان رَمَى وحَلَق (فطافه) أي: طواف الإفاضة، وحلَّ بعده، وتقدم (٣) حكم ما لو وطئ، ويُحرِم بعُمرة إذا وصل الميقات (٤)، فإذا حلَّ منها، طاف للإفاضة. (ولا يجزئ عنه) أي: عن طواف الإفاضة (غيره) من طواف

стр. 2688

الوداع أو غيره، لحديث: "وإنما لكُلِّ امرئٍ ما نَوَى" (١). (وأولُ وقت طواف الزِّيارة بعد نصف ليلةِ النَّحْر) لما تقدم من حديث أبي داود عن عائشة (٢). (والأفضلُ فِعْلُه يوم النَّحْر) لقول ابن عمر: "أفَاضَ رسولُ الله ﷺ يوم النَّحْر" متفق عليه (٣). (فإن أخَّره إلى الليل فلا بأس) بذلك. (وإن أخَّره عنه) أي: عن يوم النَّحر (و) أخَّره (عن أيام منى، جاز كالسَّعْي، ولا شيء عليه) لأن آخر وقته غير محدود. (ثم يَسعى بين الصفا والمَروة إن كان متمتعًا، ولا يكتفي بسعي عُمْرته) لأنها نُسكٌ آخر، بل يسعى لحجه (أو) كان (غير متمتِّعٍ، ولم يكن سعى مع طواف القُدُوم) مُفرِدًا كان أو قارنًا (فإن كان قد سعى) بعد طواف القُدُوم (لم يَسْعَ) لأنه لا يُستحبُّ التطوُّع بالسعي كسائر الأنساك. قال في "الشرح": ولا نعلم فيه خلافًا. (والسَّعيُ رُكنٌ في الحج فلا يتحلَّلُ (٤)) التحلُّلَ الثاني (إلا بفعله كما تقدم) لحديث حبيبة بنت أبي تَجْرَاة قالت: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ يطوفُ بين الصَّفَا والمَروةِ والناسُ بين يَديهِ، وهو وراءهُمْ، وهو يَسْعى حتى أرَى ركبتيه من شدَّة السعي، يدورُ به إزاره، وهو يقول: اسعوا فإنَّ الله كتب عليكم السعْيَ" رواه أحمد (٥).

стр. 2689

وعن عائشة: "ما أتَمَّ الله حجَّ امرئ ولا عُمْرَتَهُ لم يطُفْ بين الصَّفَا والمَروةِ" متفق عليه (١) مختصر. (فإنْ فَعَله) أي: السَّعي (قبل الطَّواف عالمًا أو ناسيًا أو جاهلًا أعاده) لما تقدم (٢) من أن شَرْطه وقوعه بعد طواف.

стр. 2690

(ثم قد حَلَّ له كلُّ شيء) حتى النساء. (ويُستحبُّ التَّطييبُ (١) عند الإحلال) الأول، لما تقدم من حديث عائشة (٢). (ثم يأتي زمزمَ فيشربُ منها لما أحبَّ) لحديث جابر مرفوعًا: "ماءُ زمزم لما شُرِبَ له". رواه ابن ماجه (٣). وعن ابن عباس معناه مرفوعًا، رواه الدارقطني (٤).

стр. 2691

(ويتضلَّعُ) منه؛ لقوله ﷺ : "إنَّ آيةَ ما بينَنَا وبين المنافقينَ لا يَتَضَلَّعونَ من زمزم" رواه ابن ماجه (١). (زاد في "التَّبصرة": ويرُشُّ على بدنِه وثوبه، ويقول: بسم الله، اللَّهمَّ اجعلْه لنا عِلمًا نافعًا، ورِزْقًا واسعًا، وريًّا) بفتح الراء وكسرها مع تشديد الياء، وكرضا (٢) (وشِبَعًا) بكسر الشين وفتح الباء، وكسرها وسكونها: مصدر شبع (وشفاءً من كلِّ داء، واغسلْ به قلبي، واملأه من خشيتك) زاد بعضهم: وحكمَتِك؛ لأن هذا الدُّعاء لائقٌ بهذا الفعل، وهو شامل لخيري الدُّنيا والآخرة. وعن عكرمة قال: "كان ابنُ عباس إذا شَرِبَ من ماءِ زمزَمَ قال:

стр. 2692

اللهُمَّ إنِّي أسألُكَ علْمًا نافعًا، ورزْقًا واسعًا، وشفَاءً منْ كل داءٍ" رواه الدارقطني (١). (ويُسنُّ أن يدخل البيت، والحِجْر منه) أي: من البيت؛ لحديث عائشة، وتقدم في استقبال القِبْلة (٢). (ويكون) حال دخول البيت والحِجْر (حافيًا بلا خُفٍّ ولا نَعْلٍ) لما روى الأزرقي (٣)، عن الواقدي، عن أشياخه: "أولُ من خلع الخفَّ والنعلَ فلم يدْخُلْها - أي: الكعبة - بهما الوليدُ بن المغيرَة؛ إعظامًا لهَا، فَجَرى ذلك سُنَّةً" (بغير سلاح نصًّا (٤). ويُكبِّرُ) في نواحيه (ويدعو في نواحِيه، ويُصلِّي في ركعتين) لقول ابن عُمر: "دخلَ النبيُّ ﷺ وبلالٌ وأسامةُ بن زيد، فقلتُ لبلال: هل صلى فيه رسولُ الله ﷺ ؟ قالَ: نعم، قلتُ: أيْنَ؟ قال: بين العمودين تلقاءَ وجهه، قال: ونسيتُ أنْ أسألَهُ كم صَلَّى" متفق عليه (٥). (ويُكثِر النظرَ إليه) أي: البيت (لأنه) أي: النظر إليه (عِبادة (٦).

стр. 2693

فإن لم يدخله فلا بأس) لحديث عائشة: "أن النبيَّ ﷺ خَرَجَ من عندهَا وهو مسرورٌ، ثم رجع وهو كئيبٌ، فقال: إنِّي دخلتُ الكعبةَ، ولو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما دخلتُهَا، إنِّي أخافُ أنْ أكُونَ قدْ شققتُ على أمتي" (١)

стр. 2694

(و يُتصدَّقُ بثياب الكعبة إذا نُزعتْ، نصًّا) (١) لفعل عُمر، رواه مسلم (٢) عن أبي نَجيح عنه؛ فهو مرسل. وروى الثوريُّ: أن شيبة كان يدفع خلقان البيت إلى المساكين (٣). وقياسًا على الوقف المنقطع، بجامع انقطاع المصرف. (ومن أراد أن يَستشفيَ بشيءٍ من طِيبها) أي: الكعبة (فليأتِ بطيبٍ من عنده فيلزقه على البيت ثم يأخذه، ولا يأخذ من طِيب الكعبة شيئًا) (٤) أي: يحرم ذلك؛ لأنه صَرْفٌ للموقوف في غير ما وُقِفَ عليه.

стр. 2695

فصل (ثم يَرجعُ) من أفاض إلى مكة بعد الطوافِ والسعي، على ما تقدم (إلى منى؛ فَيَبيتُ بها) وجوبًا؛ لحديث ابن عباس قال: "لم يرخِّصْ النبيُّ ﷺ لأحدٍ يبيتُ بمكة إلا للعباس؛ لأجلِ سقايتِهِ" رواه ابن ماجه (١) (ثلاثَ ليالٍ) إن لم يتعجَّل في يومين، وليلتين إن تعجَّل. (ويصلي بها ظهْرَ يوم النَّحْر) نصًّا، نقله أبو طالب (٢)؛ لحديث ابن عُمر "أن النبيَّ ﷺ أفاضَ يومَ النحرِ ثم رجعَ فصلى الظُّهرَ بمنى" متفق عليه (٣). (ويَرمي الجمرات بها في أيام التشريق) وهي أيام منى الثلاثة التي تلي يوم النَّحْر (كل يومٍ بعد الزَّوال) لقول جابر: "رأيتُ رسولَ الله ﷺ يرمي الجمرَةَ ضُحَى يوْمِ النَّحْرِ، ورَمَى بعد ذلك بعد زَوالِ الشمس" (٤). وقد قال ﷺ : "لتأخذوا عني

стр. 2696

مناسِككم" (١). وقال ابن عُمر: "كنا نتحيَّنُ إذا زالتِ الشمسُ، رَمَيْنَا" (٢). وأي وقت رَمَى بعد الزَّوال أجزأه، إلا أن المُستحبَّ المبادرة إليها حين الزَّوال؛ لقول ابن عُمر. (إلا السُّقَاةَ والرُّعاةَ، فلهم الرَّميُ ليلًا ونهارًا) للعُذر (ولو) كان رميهم (في يوم واحد، أو في ليلة واحدة من أيام التشريق. وإن رَمى غيرُهم) أي: غير السُّقاة والرُّعاة (قبل الزوال) أو ليلًا (لم يجزئه) الرَّمي (فيُعيدُ (٣)) لما تقدم. (وآخرُ وَقْتِ رَمْي كلِّ يوم) من أيام الرمي الأربعة (إلى المغرب) لأنه آخر النهار. (ويُستحبُّ) الرمي أيام منى (قبل صلاة الظهر) لقول ابن عباس: "كان رسولُ الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالتِ الشمسُ؛ قدْرَ ما إذا فرغَ منْ رميه، صلى الظُّهرَ" رواه ابن ماجه (٤). (و) يُستحبُّ (أن لا يَدَعَ الصلاةَ مع الإمام في مسجد منى؛ وهو مسجد الخَيْف) لفعله ﷺ ، وفِعْلِ أصحابه (٥) (فإن كان الإمامُ غيرَ مرضيٍّ)

стр. 2697

لفسق، أو نحوه (صلى المرءُ برُفْقَتِه) محافظة على الجماعة. (ويرمي كلَّ جَمْرة) من الثلاث (بسبعِ حَصَياتٍ؛ واحدةً بعد واحدةٍ) كما تقدم (١) في رمي جَمْرة العقبة. (فيبدأُ بالجَمْرة الأولى، وهي أبعدُهنَّ من مكة، وتلي مسجدَ الخيفِ، فيجعلُها عن يساره ويَرْميها) بالسبع حصيات (ثم يتقدَّمُ قليلًا؛ لئلا يصيبه الحصى، فيقفُ فيدعو الله رافعًا يديه ويُطيلُ. ثم يأتي الوسطى فيجعلُها عن يمينه، ويَرْميها كذلك) بسبع حَصَيات (ويقفُ عندَها) أي: بعد أن يتقدَّم قليلًا؛ لئلا يصيبه الحصى (ويدعو) الله (ويرفعُ يديه) ويطيل. (ثم) يأتي لرمي (جَمْرة العقبةِ كذلك، ويجعلُها عن يمينه، ويَستبطنُ الواديَ) عند رمي جمرة العقبة (ولا يقفُ عندها) لما تقدم (٢). (ويستقبلُ القبلةَ في الجمرات كلِّها) لحديث عائشة قالت: "أفاضَ رسولُ الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهرَ، ثم رجعَ إلى منى، فمكثَ بها ليالي أيام التشريق؛ يرمي الجمرة إذا زالتِ الشمس، كل جمرةٍ بسبع حصياتٍ، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ويقفُ عند الأولى والثانية، ويتضرَّعُ ويرمي الثالثة، ولا يَقفُ عندها" رواه أبو داود (٣).

стр. 2698

وعن ابن عمر: "أنهُ كان يرْمي الجمرة الأولى بسبْع حصَيَات؛ يكبِّرُ على إثر كلِّ حصَاةٍ، ثم يتقدَّمُ حتى يُسهلَ؛ فيقومُ مستقْبلَ القبلةِ طويلًا، ويدعُو، ويرفع يديْهِ، ثم يرمي الوسطَى، ثم يأخُذُ بذاتِ الشِّمال، فيُسهل، ويَقومُ مستقبلَ القبلةِ، ثم يدعو، فيرفعُ يديْهِ، ويقومُ طويلًا، ثم يرمي جمرةَ ذات العقبةِ من بطن الوادي، ولا يقفُ عندها، ثم ينصرفُ، فيقولُ: هكذا رأيت رسولَ الله ﷺ يفعلهُ" رواه البخاري (١). وروى أبو داود (٢): "أن ابن عمر كان يدعو بدعَائهِ الذي دَعا به بعرفة، ويزيدُ: وأصْلِحْ. أو: أتمَّ لنَا منَاسِكَنَا". وقال ابن المنذر (٣): "كان عمرُ وابنُ مسعودٍ يقولان عندَ الرمي: اللهمَّ اجعلْهُ حجًّا مبرُورًا، وذنبًا مغفورًا" (٤). (وترتيبُها) أي: الجمرات (شرطٌ؛ بأن يرمي أولًا) الجَمْرة (التي تلي مسجدَ الخيف، ثم الوسطى، ثم العقبة. فإن نكَّسه) أي: الرمي، بأن قدَّم على الأولى غيرها (لم يجزئْه) ما

стр. 2699

قدَّمه على الأولى. نصَّ عليه (١)؛ لأن النبي ﷺ رتَّبها في الرمي (٢)، وقال: "خُذُوا عنِّي مناسككم" (٣). ولأنه نُسكٌ متكرِّرٌ، فاشتُرط الترتيب فيه، كالسعي. (وإن أخلَّ بحصاة من الأُولى، لم يصح رميُ الثانية) وكذا لو أخلَّ بحصاة من الثانية، لم يصح رمي الثالثة؛ لإخلاله بالترتيب. (وإن جَهِل) الرامي (محلَّها) بأن جهل من أي جمرة ترك الحصاة، (بنى على اليقين) فإن شك؛ أمن الأُولى، أو ما بعدها؟ جعله من الأولى، أو شك في كونه من الثانية، أو الثالثة؟ جعله من الثانية؛ لتبرأ ذِمَّته بيقين، كما لو تيقَّن تَرْك رُكن وجهل محلَّه. (ثم يرمي في اليوم الثاني) الثلاث الجمرات مرتَّبة على صفة ما تقدم (و) يرمي في اليوم (الثالث كذلك) إن لم يكن تعجَّل في اليوم الثاني. (وعدد الحصى) لكلِّ جَمْرة (سَبْعٌ) لما تقدم (٤)، وأما مجموع حصى الجِمار فسبعون، يرمي منها جَمْرة العقبة بسبعة يوم النَّحْر، وباقيها في أيام التشريق؛ كل يوم إحدى وعشرين حصاة في الجمرات الثلاث؛ كل جَمْرة بسبعة كما تقدم. (وإن أخَّر الرميَ كلَّه مع رَمْي يوم النَّحْر) بأن أخَّر رمي جَمْرة

стр. 2700

العقبة يوم النَّحْر، ورمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق (فرماه آخرَ أيام التشريق، أجزأه أداءً؛ لأن أيام الرمي كلها بمثابة اليوم الواحد) لأنها كلها وَقْت للرمي، فإذا أخَّره من أول وقته إلى آخره، أجزأه، كما لو أخَّر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته (وكان) بتأخير الرمي إلى آخرها (تاركًا للأفضل) وهو الإتيان بالرمي في مواضعه السابقة. (ويجب ترتيبه بنيَّة) كالمجموعتين، والفوائت من الصلاة. (وكذا لو أخَّر رمي يوم) واحد (أو) رمي (يومين) ثم رماه فيما بعد، قبل مضي أيام التشريق، فإنه يكون أداءً؛ لما سبق. (وإن أخَّر الرمي كله) عن أيام التشريق (أو) أخَّر (جَمْرة واحدة عن أيام التشريق، أو تَرَك المبيت بمنى ليلة أو أكثر) من ليالي أيام التشريق (فعليه دَمٌ) لقول ابن عباس: "من تَرَكَ نُسكًا أو نَسيَهُ فإنه يُهرِيقُ دَمًا" (١). وعُلم منه أنه لو ترك دون ليلة، فلا شيء عليه (٢)، وظاهره: ولو أكثرها. (ولا يأتي به) أي: بالرمي بعد أيام التشريق (كالبيتوتة) بمنى
следующие страницы →