← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

مناسِككم" (١). وقال ابن عُمر: "كنا نتحيَّنُ إذا زالتِ الشمسُ، رَمَيْنَا" (٢). وأي وقت رَمَى بعد الزَّوال أجزأه، إلا أن المُستحبَّ المبادرة إليها حين الزَّوال؛ لقول ابن عُمر. (إلا السُّقَاةَ والرُّعاةَ، فلهم الرَّميُ ليلًا ونهارًا) للعُذر (ولو) كان رميهم (في يوم واحد، أو في ليلة واحدة من أيام التشريق. وإن رَمى غيرُهم) أي: غير السُّقاة والرُّعاة (قبل الزوال) أو ليلًا (لم يجزئه) الرَّمي (فيُعيدُ (٣)) لما تقدم. (وآخرُ وَقْتِ رَمْي كلِّ يوم) من أيام الرمي الأربعة (إلى المغرب) لأنه آخر النهار. (ويُستحبُّ) الرمي أيام منى (قبل صلاة الظهر) لقول ابن عباس: "كان رسولُ الله ﷺ يرمي الجمار إذا زالتِ الشمسُ؛ قدْرَ ما إذا فرغَ منْ رميه، صلى الظُّهرَ" رواه ابن ماجه (٤). (و) يُستحبُّ (أن لا يَدَعَ الصلاةَ مع الإمام في مسجد منى؛ وهو مسجد الخَيْف) لفعله ﷺ ، وفِعْلِ أصحابه (٥) (فإن كان الإمامُ غيرَ مرضيٍّ)

стр. 2697

لفسق، أو نحوه (صلى المرءُ برُفْقَتِه) محافظة على الجماعة. (ويرمي كلَّ جَمْرة) من الثلاث (بسبعِ حَصَياتٍ؛ واحدةً بعد واحدةٍ) كما تقدم (١) في رمي جَمْرة العقبة. (فيبدأُ بالجَمْرة الأولى، وهي أبعدُهنَّ من مكة، وتلي مسجدَ الخيفِ، فيجعلُها عن يساره ويَرْميها) بالسبع حصيات (ثم يتقدَّمُ قليلًا؛ لئلا يصيبه الحصى، فيقفُ فيدعو الله رافعًا يديه ويُطيلُ. ثم يأتي الوسطى فيجعلُها عن يمينه، ويَرْميها كذلك) بسبع حَصَيات (ويقفُ عندَها) أي: بعد أن يتقدَّم قليلًا؛ لئلا يصيبه الحصى (ويدعو) الله (ويرفعُ يديه) ويطيل. (ثم) يأتي لرمي (جَمْرة العقبةِ كذلك، ويجعلُها عن يمينه، ويَستبطنُ الواديَ) عند رمي جمرة العقبة (ولا يقفُ عندها) لما تقدم (٢). (ويستقبلُ القبلةَ في الجمرات كلِّها) لحديث عائشة قالت: "أفاضَ رسولُ الله ﷺ من آخر يومه حين صلى الظهرَ، ثم رجعَ إلى منى، فمكثَ بها ليالي أيام التشريق؛ يرمي الجمرة إذا زالتِ الشمس، كل جمرةٍ بسبع حصياتٍ، يكبِّر مع كلِّ حصاةٍ، ويقفُ عند الأولى والثانية، ويتضرَّعُ ويرمي الثالثة، ولا يَقفُ عندها" رواه أبو داود (٣).

стр. 2698

وعن ابن عمر: "أنهُ كان يرْمي الجمرة الأولى بسبْع حصَيَات؛ يكبِّرُ على إثر كلِّ حصَاةٍ، ثم يتقدَّمُ حتى يُسهلَ؛ فيقومُ مستقْبلَ القبلةِ طويلًا، ويدعُو، ويرفع يديْهِ، ثم يرمي الوسطَى، ثم يأخُذُ بذاتِ الشِّمال، فيُسهل، ويَقومُ مستقبلَ القبلةِ، ثم يدعو، فيرفعُ يديْهِ، ويقومُ طويلًا، ثم يرمي جمرةَ ذات العقبةِ من بطن الوادي، ولا يقفُ عندها، ثم ينصرفُ، فيقولُ: هكذا رأيت رسولَ الله ﷺ يفعلهُ" رواه البخاري (١). وروى أبو داود (٢): "أن ابن عمر كان يدعو بدعَائهِ الذي دَعا به بعرفة، ويزيدُ: وأصْلِحْ. أو: أتمَّ لنَا منَاسِكَنَا". وقال ابن المنذر (٣): "كان عمرُ وابنُ مسعودٍ يقولان عندَ الرمي: اللهمَّ اجعلْهُ حجًّا مبرُورًا، وذنبًا مغفورًا" (٤). (وترتيبُها) أي: الجمرات (شرطٌ؛ بأن يرمي أولًا) الجَمْرة (التي تلي مسجدَ الخيف، ثم الوسطى، ثم العقبة. فإن نكَّسه) أي: الرمي، بأن قدَّم على الأولى غيرها (لم يجزئْه) ما

стр. 2699

قدَّمه على الأولى. نصَّ عليه (١)؛ لأن النبي ﷺ رتَّبها في الرمي (٢)، وقال: "خُذُوا عنِّي مناسككم" (٣). ولأنه نُسكٌ متكرِّرٌ، فاشتُرط الترتيب فيه، كالسعي. (وإن أخلَّ بحصاة من الأُولى، لم يصح رميُ الثانية) وكذا لو أخلَّ بحصاة من الثانية، لم يصح رمي الثالثة؛ لإخلاله بالترتيب. (وإن جَهِل) الرامي (محلَّها) بأن جهل من أي جمرة ترك الحصاة، (بنى على اليقين) فإن شك؛ أمن الأُولى، أو ما بعدها؟ جعله من الأولى، أو شك في كونه من الثانية، أو الثالثة؟ جعله من الثانية؛ لتبرأ ذِمَّته بيقين، كما لو تيقَّن تَرْك رُكن وجهل محلَّه. (ثم يرمي في اليوم الثاني) الثلاث الجمرات مرتَّبة على صفة ما تقدم (و) يرمي في اليوم (الثالث كذلك) إن لم يكن تعجَّل في اليوم الثاني. (وعدد الحصى) لكلِّ جَمْرة (سَبْعٌ) لما تقدم (٤)، وأما مجموع حصى الجِمار فسبعون، يرمي منها جَمْرة العقبة بسبعة يوم النَّحْر، وباقيها في أيام التشريق؛ كل يوم إحدى وعشرين حصاة في الجمرات الثلاث؛ كل جَمْرة بسبعة كما تقدم. (وإن أخَّر الرميَ كلَّه مع رَمْي يوم النَّحْر) بأن أخَّر رمي جَمْرة

стр. 2700

العقبة يوم النَّحْر، ورمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق (فرماه آخرَ أيام التشريق، أجزأه أداءً؛ لأن أيام الرمي كلها بمثابة اليوم الواحد) لأنها كلها وَقْت للرمي، فإذا أخَّره من أول وقته إلى آخره، أجزأه، كما لو أخَّر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته (وكان) بتأخير الرمي إلى آخرها (تاركًا للأفضل) وهو الإتيان بالرمي في مواضعه السابقة. (ويجب ترتيبه بنيَّة) كالمجموعتين، والفوائت من الصلاة. (وكذا لو أخَّر رمي يوم) واحد (أو) رمي (يومين) ثم رماه فيما بعد، قبل مضي أيام التشريق، فإنه يكون أداءً؛ لما سبق. (وإن أخَّر الرمي كله) عن أيام التشريق (أو) أخَّر (جَمْرة واحدة عن أيام التشريق، أو تَرَك المبيت بمنى ليلة أو أكثر) من ليالي أيام التشريق (فعليه دَمٌ) لقول ابن عباس: "من تَرَكَ نُسكًا أو نَسيَهُ فإنه يُهرِيقُ دَمًا" (١). وعُلم منه أنه لو ترك دون ليلة، فلا شيء عليه (٢)، وظاهره: ولو أكثرها. (ولا يأتي به) أي: بالرمي بعد أيام التشريق (كالبيتوتة) بمنى

стр. 2701

لياليها إذا تَرَكها، لا يأتي بها لفوات وَقْتِه، واستقرار الفِداء الواجب فيه. (وفي تَرْكِ حصاةٍ) واحدة (ما في) حَلْق (شعرةٍ، وفي) تَرْكِ (حصاتين ما في) حَلْق (شعرتين) وفي أكثر من ذلك دم؛ لما تقدم (١) في حَلْق الرأس. (وليس على أهل سقايةِ الحاجِّ) وهم سُقاة زمزم، على ما في "المطلع"، و"المستوعب" و"المبدع" (و) لا على (الرِّعاء مبيتٌ بمنى، ولا بمزدلفة) لما روى ابن عمر "أن العباس أستأذنَ النبيَّ ﷺ أن يَبيتَ بمكةَ ليالي منى؛ من أجلِ سقايتِهِ، فَأذِنَ له" متفق عليه (٢). وعن عاصم قال: "رخَّصَ رسولُ الله ﷺ لرِعَاء الإبلِ في البيتوتةِ أن يَرموا يوم النَّحْرِ، ثم يجمعوا رمي يومينِ بعد النَّحْرِ، فيرمونه في أحدهما" رواه أحمد (٣)، وأخرج الترمذيُّ نحوه، وقال: حديث صحيح. (فإن غَربتِ الشمسُ وهم) أي: أهل سِقاية الحاج والرُّعاة (بمنى لزم الرِّعاءَ المبيتُ) لانقضاء وقت الرعي وهو النهار (دونَ أهل السقاية) فلا يلزمهم المبيت، ولو غربت وهم بمنى، لأنهم يسقون بالليل. (وقيل: أهلُ الأعذار من غير الرِّعاء، كالمرضَى، ومن له مالٌ يخافُ ضياعه ونحوه، حُكمُهم حكم الرِّعاء في تَرْك البيتوتة) جزم به الموفَّق، والشارح، وابن تميم. (ومن كان مريضًا، أو محبوسًا، أو له عُذر، جاز أن يَستنيبَ من

стр. 2702

يرمي عنه) كالمَعْضُوبِ (١) يَستنيبُ في الحجِّ كله إذا عَجَزَ عنه. (والأولى أن يشهده إن قدر) على الحضور ليتحقَّق الرمي. (ويُستحبُّ أن يَضعَ) المريض ونحوه (الحصى في يد النَّائب؛ ليكون له عمل في الرمي. ولو أُغمي على المستنيب، لم تنقطعْ النيابةُ) بذلك، كما لو نام. (ويُستحبُّ (٢) خُطبة إمام) أو نائبه (في اليوم الثاني من أيام التشريق، بعد الزَّوال) خطبة (يعلِّمهم فيها حكمَ التَّعجيل، والتأخير، والتوديع) لحديث سَرَّاء بنت نبهان قالت: "خطبنا النبي ﷺ يوم الرُّؤوسِ، فقال: أيُّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلمُ. قال: أليس أوسط أيام التشريق؟ " رواه أبو داود (٣). ولأن بالناس حاجة إلى تعليم ما ذُكِر.

стр. 2703

(ولكلِّ حاج - ولو أراد الإقامة بمكة - التعجيلُ إِن أحبَّ) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١) وقال عطاء: للناس (٢) عامة (٣). يعني: أهل مكة وغيرهم. ولقوله ﷺ : "أيامُ منى ثلاثةٌ، فمن تَعجَّلَ في يومين، فلا إثم عليه، ومن تأخَّر، فلا إثمَ عليهِ". رواه أبو داود، وابن ماجه (٤).

стр. 2704

(إلا الإمامَ المقيم للمناسك، فليس له التَّعجيل؛ لأجل من يتأخَّر) من الناس. (فإن أحبَّ) غير الإمام (أن يتعجَّل في ثاني) أيام (التشريق؛ وهو النفْر الأول، خرج) من منى (قبل غروب الشَّمس) لظاهر الآية، والخبر (ولا يضر (١) رجوعُه) إلى منى بعد ذلك؛ لحصول الرخصة. (وليس عليه) أي: المتعجِّل (في اليوم الثالث رَمْيٌ) نصَّ عليه (٢). (ويَدفِنُ بقيةَ الحصى) وهو حصى اليوم الثالث. قال في "الفروع": في الأشهر. زاد بعضهم: (في المَرْمى) وفي "منسك ابن الزاغوني": أو يرمي بهن، كفعله في اللواتي قبلهن. (فإن (٣) غربت) الشمس (وهو بها) أي: بمنى (لزم المبيت والرَّمْي من الغد بعد الزَّوال) قال ابن المنذر: وثبت عن عُمر أنه قال: "من أدركَهُ المسَاءُ في اليَوْمِ الثَّاني، فليُقِم إلى الغَدِ، ولينْفِرْ

стр. 2705

مَعَ النَّاس" (١). (ثم ينفِرُ) الإمام، ومن لم ينفر في اليوم الثاني (وهو النَّفْر الثاني) في اليوم الثالث. (ويُسنُّ إذا نَفَر من منى نزولُه بالأبطح؛ وهو المحصَّبُ) والخيف، والبطحاء، والحصبة (وحدُّه: ما بين الجبلين إلى المقبرة، فيُصلِّي به الظُّهرين والعِشاءين، ويهجع يسيرًا، ثم يدخل مكَّة) قال نافع: "كان ابنُ عُمرَ يُصلِّي بها الظُّهرَ والعصْرَ والمغربَ والعشَاءَ، ويَهجعُ هَجْعةً. وذكَرَ ذلك عن رسولِ الله ﷺ ". متفق عليه (٢). وقال ابن عُمر: "كانَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكر وعُمر وعثمانُ ينزِلُونَ الأبْطَحَ" قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (٣). وقال ابن عباس: "التحصيب ليس بشيء، إنما هو منزل نَزَله رسولُ الله ﷺ " (٤). وعن عائشة: "إنَّ نزولَ الأبطَحِ ليس بِسُنَّةٍ، إنما نَزَلَهُ رسُولُ الله

стр. 2706

- ﷺ ليكون أسْمَحَ بخروجِهِ (١) إذا خَرَجَ" (٢) متفق عليهما. فصل (فإذا أراد الخروجَ) من مكة (لم يخرج حتى يودِّعَ البيتَ بالطواف إذا فَرَغ من جميع أموره، إن لم يقم بمكة أو حَرَمِها) لما روى ابنُ عباس قال: "أُمِرَ النَّاسُ أنْ يكون آخرُ عهدِهِم بالبيْتِ، إلا أنهُ خُفِّفَ عن المرأة الحائض" متفق عليه (٣). وفي لفظ لمسلم قال: "كان النَّاسُ ينصرِفُون في كلِّ وجْهٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : لا ينْفِرَنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت" (٤)، ولأبي داود: "حتى يكون آخِر عهده الطواف بالبيتِ" (٥). (ومن كان خارجَه) أي: خارج الحرم، ثم أراد الخروج من مكَّة، (فعليه الوداعُ) سواء أراد الرُّجوع إلى بلده أو غيرها؛ لما تقدم. (وهو على كلِّ خارجٍ من مكَّة) قال القاضي والأصحاب: إنما يستحقُّ عليه عند العزم على الخروج. واحتجَّ به الشيخ تقي الدين على أنه ليس من الحج (٦). (ثم يصلِّي ركعتين خلف المقام) كسائر الطوافات (ويأتي الحطيم - وهو تحت المِيزاب - فيدعوَ، ثم يأتي زمزم، فيشربَ منها، ثم يستلمَ

стр. 2707

الحَجَر، ويُقبِّله، ويدعو في الملتزم بما يأتي) من الدعاء (١). (فإن ودَّع ثم اشتغل بغير شدِّ رَحْلٍ، أو اتَّجر، أو أقام، أعاد الوداع) وجوبًا؛ لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه؛ ليكون آخر عهده بالبيت. و (لا) يعيد الوداع (إنِ اشترى حاجةً في طريقه) أو اشترى زادًا، أو شيئًا لنفسه (أو صلَّى) لأنَّ ذلك لا يمنع أن آخر عهده بالبيت الطواف. (فإن خَرَج قبله) أي: قبل الوداع (فعليه الرُّجوع إليه) أي: إلى الوداع (لفعله، إن كان قريبًا) دون مسافة القصر (ولم يخفْ على نَفْسٍ، أو مال (٢)، أو فوات رُفقته، أو غير ذلك) من الأعذار. (ولا شيء عليه إذا رَجَع) قريبًا، سواء كان ممن له عُذر يسقط عنه الرُّجوع أو لا؛ لأن الدم لم يستقر عليه؛ لكونه في حكم الحاضر. (فإن لم يمكنه الرُّجوعُ) لعذر مما تقدَّم أو لغيره (أو أمكنه) الرُّجوع للوداع (ولم يرجع، أو بعد مسافة قَصْرٍ) عن مكة (فعليه دَمٌ، رجع) إلى مكة وطاف للوداع (أو لا) لأنه قد استقرَّ عليه ببلوغه مسافة القصر، فلم يسقط برجوعه، كمن تجاوز الميقات بغير إحرام، ثم أحرم، ثم رجع إلى الميقات. (وسواء تَرَكَه) أي: طواف الوداع (عمدًا، أو خطأ، أو نسيانًا) لعذر أو غيره؛ لأنه من واجبات الحجِّ، فاستوى عمده وخطؤه، والمعذور وغيره، كسائر واجبات الحجِّ. (ومتى رَجَعَ مع القُرْبِ، لم يلزمه إحرامٌ) لأنه في حكم الحاضر.

стр. 2708

(ويلزمه مع البُعدِ الإحرامُ بعُمرةٍ يأتي بها) فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصِّر (ثم يطوفُ للوداع) إذا فَرَغ من أموره. (وإن أخَّر طوافَ الزِّيارة) ونصّه (١) (أو القُدوم، فطافه عند الخروج، كَفَاه) ذلك الطواف (عنهما) لأن المأمور به أن يكون آخر عهده بالبيت، وقد فَعَل، ولأن ما شُرع مثل تحية المسجد يجزئ عنه الواجب من جنسه، كإجزاء المكتوبة عن تحية المسجد، وكإجزاء المكتوبة - أيضًا - عن ركعتي الطواف، وعن ركعتي الإحرام. فإن نوى بطوافه الوداع، لم يجزئه عن طواف الزيارة؛ لقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امرئ ما نوى" (٢). (و لا وداعَ على حائضٍ ونُفساء) لحديث ابن عباس: "إلا أنه خُفِّفَ عن الحائض" (٣). والنُّفساء في معناها. (ولا فِدية) على الحائض أو النُّفساء؛ لظاهر حديث صفيَّة (٤)، فإنه ﷺ لم يأمرها بفِدية. (إلا أن تطهر قبل مفارقة البنيان، فترجعَ وتغتسل) للحيض أو النفاس (وتودِّعَ)؛ لأنها في حكم الحاضرة. (فإن لم تفعل) أي: ترجع للوداع مع طُهرها قبل مفارقة البنيان (ولو لعُذر، فعليها دَمٌ) لتركها نُسكًا واجبًا.

стр. 2709

(فإذا فَرَغ من الوداع، واستلم الحَجَر وقبَّله، وَقَف في الملتزم) وهو (ما بين) الرُّكن الذي به (الحَجَر الأسود وباب الكعبة) وذرعه أربعة أذرع (فيلتزمه) أي: الملتزم (مُلصِقًا به صدرَه ووجهه وبطنه، ويبسط يديه عليه، ويجعل يمينه نحو الباب، ويساره نحو الحَجَر) لما روى عَمرو بن شعيب، عن أبيه، قال: "طُفْتُ مع عبْدِ الله، فلمّا جاءَ دبرَ الكعبةِ قلتُ: ألا تتعوَّذُ؟ قال: نَعُوذُ بالله منَ النَّارِ، ثم استَلَم الحَجَرَ، فقامَ بينَ الرُّكْنِ والباب، فوضَعَ صدرَهُ وذراعَيْهِ وكفَّيْهِ هكذا، وبَسَطهما بَسْطًا، وقال: هكذا رأيْتُ النبيَّ ﷺ يفعلُ" رواه أبو داود (١). (ويدعو بما أحبَّ من خيرَي الدُّنيا والآخرة، ومنه: اللَّهمَّ هذا بيتُك، وأنا عبدُك، وابنُ عبدك، وابنُ أمتِكَ، حَمَلْتَني على ما سخّرتَ لي من خلْقِكَ، وسيَّرتني في بلادِكَ حتى بلَّغتني بنعمتِكَ إلى بيتِكَ، وأعنْتَني على أداءِ نُسُكي، فإن كنتَ رضيتَ عنِّي، فازدَدْ عنِّي رضًا، وإلَّا فمُنَّ) الوجه فيه: ضم الميم وتشديد النون، على أنه صيغة أمر من: منَّ يمُنُّ، مقصودًا به الدعاء، ويجوز كسر الميم وفتح النون على أنه حرف جر

стр. 2710

لابتداء الغاية (الآنَ) أي: هذا الوقت الحاضر، وجمعه: آونة، كزمان وأزمنة (قبل أن تنأى) أي: تبعد (عن بيتِكَ داري، فهذا أوانُ انصرافي) أي: زمنه (إن أذنتَ لي، غيرَ مستبدلٍ بكَ ولا ببيتِكَ، ولا راغبٍ عنكَ، ولا عن بيتِكَ، اللَّهمَّ فأصْحِبْني) بقطع الهمزة (العافيةَ في بدني، والصحةَ في جسمي، والعصمةَ في ديني) وهي المنع من المعاصي (وأحسِنْ) بقطع الهمزة (مُنقلَبي، وارزقني طاعَتكَ ما أبقيتني، واجمعْ لي بين خيرَي الدُّنيا والآخرةِ، إنك على كلِّ شيءٍ قدير (١). وإن أحبَّ، دعا بغير ذلك. ويصلِّي على النبيِّ ﷺ . فإذا خرج ولَّاها ظهرَه، ولا يلتفتُ) قال أحمد: فإذا ولَّى لا يقف ولا يلتفت (فإن فَعَل) أي: التفت (أعاد الوداع) نصَّ عليه (٢)، يعني: (استحبابًا) قال في "الشرح": إذ لا نعلم لإيجاب ذلك عليه دليلًا. (وقد قال مجاهد: إذا كِدْتَ تخرُجُ من المسجدِ فالْتفتْ، ثم انظرْ إلى الكعبة، فقل: اللَّهمَّ لا تجعلْه آخرَ العهد (٣)). وروى حنبلٌ عن المهاجر (٤) قال: قلت لجابر بن عبد الله: "الرَّجلُ يطوف بالبيت ويصلِّي، فإذا انصرف، خَرَج، ثم استقبل القِبلة، فقام؟ فقال جابر: ما كنت أحسبُ يصنعُ هذا إلا اليهود

стр. 2711

والنصارى" (١) قال أبو عبد الله: أكره ذلك (٢). (والحائضُ) أو النفساء (تقف على باب المسجد) الحرام (وتدعو بذلك) الدُّعاء استحبابًا؛ لتعذُر دخوله عليها. فصل (وإذا فرغ من الحجِّ، استُحبَّ (٣) له زيارة قَبْرِ النبي ﷺ ، وقبرَي صاحبيه) أبي بكر وعُمر (رضي الله تعالى عنهما) لحديث الدارقطني عن ابن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ : "من حجَّ فزارَ قبرى بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي" (٤)، وفي رواية: "من زار قبري، وجبت له

стр. 2712

شفاعتي" (١) رواه باللفظ الأول سعيد.

стр. 2713

"تنبيه": قال ابن نصر الله: لازم استحباب زيارة قَبْره ﷺ استحباب شَدِّ الرِّحال إليها؛ لأن زيارته للحاج بعد حَجِّه لا تمكن بدون شَدِّ الرَّحْل، فهذا كالتصريح باستحباب شَدِّ الرَّحْل لزيارته ﷺ (١). (قال) الإمام (أحمد (٢): إذا حَجَّ الذي لم يحجَّ قطُّ، يعني: من غير طريق الشَّام، لا يأخذُ على طريق المدينة؛ لأنه إن حَدَث به حَدَثُ الموت كان في سبيل الحَجِّ) وهو من سبيل الله، فيكون شهيدًا، على ما تقدم بحثه عن صاحب "الفروع". وعبارة "الشرح" و"شرح المنتهى": لا يأخذ على طريق المدينة؛ لأني أخاف أن يَحدث به حَدَثٌ، فينبغي أن يقصد مكة من أقصر الطُّرق ولا يتشاغل بغيره.

стр. 2714

(وإن كان) الحج (تطوُّعًا، بدأ بالمدينة) قال ابن نصر الله في هذا: إن الزيارة أفضل من حج التطوُّع، وإن حجَّ الفرض أفضل عنها (١). انتهى. قلت: قد يُتوقف في ذلك، وإنما أراد الإمام أن ينضم إلى قَصْدِ الحج قَصْد الزيارة، فيثاب عليهما بخلاف حج الفرض، فيمحض النية له. (فإذا دخل مسجِدَها) أي: مسجد المدينة (سُنَّ أن يقول) عند دخوله (ما يقوله في دخول غيره من المساجد) وتقدم في صفة الصلاة (٢). (ثم يصلِّي تحية المسجد) لعموم الأوامر. (ثم يأتي القبرَ الشريفَ، فيقف قُبالة وَجْهِه ﷺ مُستدبرَ القِبلة، ويستقبل جدار الحُجْرة، و) يستقبل (المسمار الفضَّة في الرُّخامة الحمراء) ويُسمَّى الآن: الكوكب الدُّري (فيُسلِّمَ عليه) ﷺ (فيقول: السلام عليك يا رسولَ الله. كان) عبد الله (ابن عُمر ﵁ وعن أبيه وعن سائر الصحابة (لا يزيد على ذلك (٣). وإن زاد) عليه (فحَسنٌ).

стр. 2715

قال في "الشرح" و"شرح المنتهى": ويقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبيَّ الله وخِيرته من خَلْقِه وعباده، أشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أشهد أنَّك بلَّغت رسالات رَبِّك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعَبَدت الله حتى أتاك اليقين، صلَّى الله عليك كثيرًا، كما يحبُّ ربنا ويرضى، اللَّهمَّ اجزِ عنَّا نبينا أفضل ما جزيت أحدًا من النبيين والمرسلين، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، يغبطه به الأولون والآخرون، اللَّهمَّ صَلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صَلَّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميدٌ مجيدٌ، اللَّهمَّ إنك قلت وقولك الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (١) (٢). وقد أتيتك مستغفرًا من ذنوبي، مستشفعًا بك إلى رَبِّي، فأسألك يا ربِّ أن توجب لي المغفرة، كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم اجْعلْه أول الشافعين، وأنجحَ السائلين، وأكرم الأولين

стр. 2716

والآخرين، برحمتك يا أرحمَ الرَّاحمين. ثم يدعو لوالديه ولإخوانه وللمسلمين أجمعين. "فائدة": يُروى عن العُتبي قال: كنت جالسًا عند قَبْرِ النبيِّ ﷺ فجاء أعرابيٌّ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتُك مستغفِرًا من ذَنْبي (١)، مستشفعًا بك إلى ربِّي، ثم أنشأ يقول: يا خيرَ من دُفنتْ بالقاعِ أعظُمُهُ … فطابَ من طِيبهنَّ القاعُ والأكَمُ نفسي الفداءُ لقبرٍ أنتَ ساكنُهُ … فيهِ العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ ثم انصرف الأعرابيُّ، فحملتني عيني فرأيتُ النبيَّ ﷺ في النَّوم فقال: يا عُتبي، الْحَقِ الأعرابيَّ؛ فبشِّره أن الله تعالى قد غفر له (٢). (ولا يرفع صوته) لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ

стр. 2717

النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ (١) وحُرمته ميتًا كحُرمته حيًّا. (ثم يستقبل القِبلة، و) يجعل (الحُجْرة عن يساره قريبًا؛ لئلا يستدبر قبرَه ﷺ ، ويدعو) بما أحبَّ. (ثم يتقدَّم قليلًا من مقام سلامه) عليه ﷺ (نحو ذِراع على يمينه، فيُسلِّمُ على أبي بكرٍ) الصديق (﵁) فيقول: السلامُ عليك يا أبا بكر الصديق. (ثم يتقدَّم نحو ذِراع على يمينه أيضًا، فيسلِّم على عُمر) بن الخطَّاب (﵁) فيقول: السلامُ عليك يا عُمر الفاروق. ويقول: السلامُ عليكما يا صاحِبَي رسول الله ﷺ وضجيعيه، ووزيريه، اللَّهمَّ اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيرًا، سلام عليكم بما صبرتم فنِعْمَ عُقبى الدار، اللَّهمَّ لا تجعلْه آخرَ العهد من قَبْرِ نبيك ﷺ ومن حَرَمِ مسجدك يا أرحم الراحمين، قاله في "الشرح" و"شرح المنتهى". (ولا يتمسَّحُ ولا يمسُّ قَبْرَ النبيِّ ﷺ ولا حائطه، ولا يلصق به صدرَه ولا يقبِّله) أي: يُكره ذلك؛ لما فيه من إساءة الأدب والابتداع. قال الأثرم: رأيت أهلَ العلم من أهل المدينة لا يمسُّون قَبْرَ النبيِّ ﷺ ، يقومون (٢) من ناحية فيسلمون. قال أبو عبد الله: وهكذا كان ابن عمر يفعل (٣).

стр. 2718

وأما المنبر فرُوي عن ابن عُمر أنه كان يضع يَدَه على مقعَدِ النبي ﷺ من المنبر ثم يضعها على وجهِهِ (١). (قال الشيخ (٢): ويحرم طوافُه بغير البيت العتيق اتِّفاقًا) وقال: واتفقوا على أنه لا يقبِّله ولا يتمسَّح به، فإنه من الشرك. وقال: والشرك لا يغفره الله، ولو كان أصغر. (قال) أبو الوفاء علي (بن عقيل، و) أبو الفرج (٣) عبد الرحمن (بن الجوزي: يُكره قَصْدُ القبور للدُّعاء) فعليه؛ لا يترخص من سافر له (قال الشيخ (٤): و) يُكره (وقوفُه عندها) أي: القبور (له) أي: للدُّعاء (أيضًا). (وتُستحبُّ الصلاة بمسجده ﷺ وهي بألف صلاة، و) الصلاة (بالمسجد الحرام بمئة ألف) صلاة (و) الصلاة (في) المسجد (الأقصى بخمسمائة) صلاة، وتقدم ذلك في الاعتكاف (٥) مستوفى بأدلته.

стр. 2719

(وحسناتُ الحرم) في المضاعفة (كصلاته) لما تقدَّم عن ابن عباس مرفوعًا: "من حجَّ من مكة ماشيًا حتى يرجعَ إلى مكةَ، كتبَ اللهُ له بكلِّ خطوةٍ سبعمائةِ حسنة من حسنات الحرمِ، قيل له: وما حسناتُ الحرم؟ قال: بكلِّ حسنةٍ مائةُ ألف حسنة" (١). (وتعظُمُ السَّيئاتُ به) سُئل أحمد في رواية ابن منصور (٢): هل تُكتب السيئة أكثر من واحدة؟ قال: لا، إلا بمكة، لتعظيم البلد. ولو أن رجلًا بِعَدَن، وَهَمّ أن يقتل عند البيت، أذاقه الله من العذاب الأليم. انتهى. وظاهر كلامه: أن المضاعفة في الكيف لا الكم، وهو كلام الشيخ تقي الدين (٣). وظاهر كلامه في "المنتهى"، تبعًا للقاضي وغيره: أن التضاعف في الكم، كما هو ظاهر نصِّ الإمام (٢). وكلام ابن عباس: "مالي وبلدٌ تتضاعفُ فيه السيئاتُ كما تتضاعفُ الحسناتُ؟ " (٤). وهو خاصٌّ، فلا يعارضه عموم الآيات، بل تخصَّص به؛ لأن مثله لا يُقال من قبل الرأي، فهو بمنزلة المرفوع. (ويُسنُّ أن يأتي مسجد قُبا) بضم القاف، يقصر ويمد، ويصرف ولا يصرف، على ميلين من المدينة من جهة الجنوب، قاله في "الحاشية" (فيصلِّي فيه) لما في الصحيحين: "أنه ﷺ كان يأتيه راكبًا وماشيًا، فيصلِّي فيه ركعتينِ" (٥). وفيهما: "كان يأتيهِ كلَّ سبتٍ راكبًا

стр. 2720

وماشيًا". وكان ابن عُمر يفعله (١). (وإذا أراد الخروج) من المدينة ليعود إلى وطنه - بعد فِعْلِ ما تقدَّم وزيارة البقيع ومن فيه من الصحابة والتابعين والعلماء والصالحين - (عاد إلى المسجد) النبوي (فصلَّى ركعتين، وعاد إلى قبر رسول الله ﷺ فودَّع، وأعاد الدعاء، قاله في "المستوعب"، وقال: ويَعزِمُ على أن لا يعودَ إلى ما كان عليه قبل حَجِّه، من عَمَلٍ لا يرضى) ففي الحديث: "أنه يعُودُ كيوم ولدَتْهُ أمُّهُ" (٢). ويُستجاب دعاؤه إلى أربعين يومًا (٣)، قاله في "المستوعب". وروى أبو الشيخ الأصفهاني وغيره، من رواية ليث، عن مجاهد، قال (٤) عُمر: "يغفر للحاجِّ ولمن استغفرَ له الحاجُّ بقيةَ ذي الحجَّةِ ومُحرَّم وصفرٍ وعشرٍ من ربيع الأول" (٥) اقتصر عليه في "اللطائف" (٦).

стр. 2721

(ويُسنُّ أن يقول عند منصرفه من حَجِّه متوجِّهًا) إلى بلده: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شيء قدير، آيبون) أي: راجعون (تائبون، عابدون، لربِّنا حامدون، صَدَقَ اللهُ وعده، ونَصَرَ عبده، وهزم الأحزابَ وحده) لما روى البخاري عن ابن عُمر: "أن النبي ﷺ كانَ إذا قَفَلَ من غزوٍ أو حجٍّ أو عُمْرةٍ يكبِّرُ على كلِّ شَرفٍ من الأرضِ، ثم يقول. . ." فذكره (١). (ولا بأس أن يُقال للحاجِّ إذا قَدِمَ: تقبل اللهُ نُسُكَك، وأعظم أجرك، وأخلفَ (٢) نفقتك) رواه سعيد عن ابن عمر (٣). (قال في "المستوعب": وكانوا) أي: السلف (يغتنمون أدعية الحاجِّ قبل أن يتلطَّخوا بالذُّنوب (٤)) وفي الخبر: "اللهم اغفِرَ للحاجِّ ولمن استغفر له الحاجُ" (٥).

стр. 2722

فصل في صفة العُمرة وما يتعلق بذلك (من كان في الحَرَم من مكي وغيره) وأراد العُمْرة (خَرَج إلى الحِلِّ فأحرم من أدناه) أي: أقربه إلى الحَرَم. (و) إحرامه (من التَّنعيم أفضل) لأن النبيَّ ﷺ : "أمرَ عبد الرحمن بن أبي بكرٍ أن يُعمِرَ عائشة من التنعيم" (١)، وقال ابن سيرين: "بلغني أن النبي ﷺ وقَّتَ لأهْلِ مكة التنعيم" (٢).

стр. 2723

وإنما لزم الإحرام من الحِلِّ ليجمع في النُّسك بين الحِلِّ والحَرَم. (ثم) يلي الإحرام من التنعيم في الأفضلية الإحرام (من الجِعْرَانة) بكسر الجيم وإسكان العين، وقد تكسر العين وتشدد الراء، وقال الشافعي: التشديد خطأ (١). وهي موضع بين مكة والطائف، خارج من حدود الحرم، يعتمر منه، سُمِّيَ برَيْطَةَ بنتِ سعدٍ، وكانت تلقَّب بالجِعْرانة (٢). قال في القاموس (٣): وهي المراد في قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ (٤). (ثم) يلي الإحرام من الجِعْرانة في الأفضلية الإحرام من (الحُديبية) مصغرة، وقد تُشدَّد، بئر قرب مكة، أو شجرة حَدباء كانت هناك. (ثم) يلي ما سبق (ما بَعُدَ) عن الحرم، وعنه في المكي: كلما تباعد في العُمرة فهو أعظم للأجر (٥). (ومن كان خارج الحرم) أي: حرم مكة (دون الميقات) أي المواقيت التي سبقت (فـ) ــميقات إحرامه بالحجِّ أو العُمْرة (من دُويرة أهله) كما تقدم في باب المواقيت، لحديث ابن عباس السابق هناك (٦). (وإنْ كان في قرية) وأراد الإحرام (فـ) ــإنه يُحرِم (من الجانب

стр. 2724

الأقرب من البيت) أي: الحرم (و) إحرامه (من) الجانب (الأبعد أفضل) كمن بالميقات، فإن إحرامه من الجانب الأبعد عن الحرم أفضل (وتقدم) في المواقيت (١). (و تُباح) العُمْرة (كلَّ وَقْتٍ) من أوقات السنة في أشهر الحج وغيرها (فلا يُكره الإحرام بها يوم عَرفة، و) لا يوم (النَّحْر، و) لا أيام (التشريق) لأن الأصل الإباحة، ولا دليل على الكراهة. (ولا بأس أن يعتمر في السنة مِرارًا) رُوي عن عليٍّ (٢) وابن عُمر (٣) وابن عباس (٤) وأنس (٥) وعائشة (٦)؛ لأن عائشة اعتمرت في شهر مرَّتين

стр. 2725

بأمر النبي ﷺ عُمرة مع قِرانها، وعُمرة بعد حَجِّها (١). وقال ﷺ : "العمْرَةُ إلى العُمْرة كفَّارةٌ لما بينهما" متفق عليه (٢). وقال عليٌّ: "في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّة"، وكان أنس "إذا حَمَّمَ (٣) رَأسُهُ خَرَجَ فاعْتَمَرَ". رواهما الشافعي في "مسنده" (٤). (ويُكره الإكثارُ منها، والموالاةُ بينها. نصًّا) باتفاق السَّلف (٥)، قاله في "الفروع"، قال أحمد: إن شاء كل شهر (٦)، وقال: لا بُدَّ يحلق أو يُقصِّر، وفي عشرة أيام يمكن (٧) (٨). واستحبَّه جماعة. (وهي) أي: العُمْرة (في غير أشهر الحَجِّ أفضل) منها في أشهر الحَجِّ، نقله الأثرم وابن إبراهيم عن أحمد (٩). واختار في "الهدي" (١٠) أن العمرة في أشهر الحَجِّ أفضل.

стр. 2726

وظاهر كلام جماعة التسوية. (وأفضلها في رمضان، ويُستحبُّ تَكْرارها فيه) أي: في رمضان (لأنها تَعدلُ حَجَّة) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "عُمرَةٌ في رمضانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" متفق عليه (١). قال أحمد (٢): مَن أدرك يومًا من رمضان فقد أدرك عُمرة رمضان. قال إسحاق: معنى هذا الحديث مثل ما رُوي عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ قَرأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فقد قَرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ" (٣). وقال أنس: "حَجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةً واحدةً، واعتمرَ أربعَ عُمَرٍ،

стр. 2727

واحدةٌ في ذي القعدَةِ، وعُمْرةُ الحُديبية، وعُمْرةٌ مع حجّته، وعمرةُ الجِعْرَانة، إذ قَسَمَ غنائمَ حُنين" متفق عليه (١). (وتُسمَّى العُمْرة حَجًّا أصغر) لمشاركتها للحَجِّ في الإحرام والطَّواف والسعي والحَلْق أو التقصير، وانفراده بالوقوف بعرفة وغيره مما تقدم. (وإنْ أحرمَ) بالعُمْرة (من الحرم، لم يجزْ) له ذلك؛ لتركه ميقاته، وهو الحِل (وينعقدُ) إحرامُه (وعليه دَمٌ) لتركه نُسُكًا واجبًا. (ثم) بعد الإحرام بالعُمْرة (يطوف) لعُمْرته (ويسعى، ثم يحلِقُ أو يقصِّر، ولا يحل قبل ذلك) أي: قبل الحلق أو التقصير، فإن وطئ قبله، فعليه دم كما روى (٢) ابن عباس، وتقدم (٣). (وتجزئ عُمْرة القارن) عن عُمْرة الإسلام. (و) تجزئ (عُمْرةٌ) من (التنعيم عن عُمْرة الإسلام) لحديث عائشة حين قَرَنت الحَجّ والعُمْرة، فقال لها النبيُّ ﷺ حين حلَّت منهما: "قد حَلَلْتِ من حَجِّك وعُمرتك" (٤). وإنما أعمرها من التنعيم؛ قصدًا لتطييب خاطرها، وإجابة مسألتها، لا لأنها كانت واجبة عليها.

стр. 2728

فصل (أركان الحَجِّ) أربعة: (الوقوفُ بعَرفَة) لحديث: "الحجُّ عَرفة، فمن جاءه قبل صلاة الفجر ليلة جَمْعٍ فقد تم حَجُّه" رواه أبو داود (١). (وطوافُ الزيارة) قال ابن عبد البرِّ (٢): هو من فرائض الحَجِّ، لا خلاف في ذلك بين العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣). (والسعي) بين الصَّفا والمَروة، لما تقدَّم (٤) في موضعه. (والإحرامُ، وهو النية) أي: نية النُّسك، وإن لم يتجرَّد من ثيابه المُحرَّمة على المُحْرِم؛ لقوله ﷺ : "إنما الأعمَالُ بالنياتِ" (٥). (وواجباته) أي: الحج (سبعة: الإحرامُ من الميقات) المُعتبر له إنشاء ودوامًا، قال في "التلخيص": والإنشاء أَولى؛ لأنه ﷺ ذكر المواقيت، وقال: "هُنَّ لَهُنَّ، وَلمن مَرَّ عليهنَّ مِنْ غيرِهن، ممن أراد الحجَّ والعُمرةَ" (٦). (والوقوفُ بعرفة إلى الليل) على من وَقَفَ نهارًا؛ لما تقدم (٧). (والمبيتُ بمزدلفة إلى) ما (بعد نصفه) أي: الليل إن وافاها قبله.

стр. 2729

(والمبيتُ بمِنى) ليالي أيام التشريق على ما تقدم تفصيله (١). (والرميُ) للجِمار (مرتبًا) على ما سبق في الباب (٢). (والحِلاقُ أو التقصيرُ. وطوافُ الوداع. قال الشيخُ (٣): وطوافُ الوداع ليس من الحَجِّ، وإنما هو لكلِّ من أرادَ الخُروجَ من مكة) كما تقدمت (٤) الإشارة إليه. (وما عداهن) أي: المذكورات من الأركان والواجبات، كالمبيت بمِنى ليلة عرفة، وطواف القُدوم والرَّمل، والاضطباع، ونحوها (سُننٌ) للحجِّ. (وأركان العُمْرة) ثلاثة: (الإحرامُ، والطوافُ، والسعيُ) لما تقدم، في الحج. (وواجباتها) أي: العُمْرة شيئان: (الإحرامُ من الحِلِّ، والحَلْق أو التقصير) فمن أتى بواحد منهما، فقد أتى بالواجب. (فمن ترك رُكنًا، أو) ترك (النية له) إن اعتُبرت فيه كالطواف والسَّعي (لم يتمَّ نُسُكه إلا به) أي: بذلك الرُّكن بنيته. (لكن لا ينعقد نُسُكٌ بلا إحرام) حجًّا كان أو عُمْرة؛ لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٥). (ويأتي) في الباب (٦) بعده (إذا فاته الوقوف) بعرفة.

стр. 2730

(ومن تَرَك واجبًا) لحج أو عُمْرة (ولو سهوًا، فعليه دَمٌ) لما تقدم عن ابن عباس (١) (فإن عَدِمه، فكصوم مُتْعة) وتقدم (٢)، (والإطعام عنه على ما تقدم) فعلى المذهب: لا إطعام. (ومن ترك سُنَّة فلا شيء عليه) قال في "الفصول" وغيره: ولم يُشرع الدَّم عنها؛ لأن جبران الصلاة أدخل، فيتعدى إلى صلاته من صلاة غيره. ومن تَرَك طواف الإفاضة رَجَع إلى مكة معتمرًا فأتى به؛ لأنه على بقية إحرامه، وتقدم (٣)، فإن وطئ، أحرم من التنعيم على حديث ابن عباس (٤)، وعليه دَمٌ. (قال) أبو الوفاء علي (بن عقيل: وتُكرهَ تَسميةُ مَن لم يحج صَرُورة) لقوله ﷺ : "لا صَرُورة في الإسلام" (٥). و (لأنه اسم جاهليٌّ.

стр. 2731

و) يُكره (أن يقال: حَجَّة الوداع؛ لأنه اسمٌ على أن لا يعود) قال: وأن يقال: شوط، بل طوفة وطوفتان. (ويُعتبر في ولاية تسيير الحاجَّ) أي: في أمير الحاج (كونه مطاعًا ذا رأي، وشجاعة، وهداية. وعليه جمعُهم وترتيبُهم، وحراستُهم في المسير والنزول، والرِّفْق بهم، والنُّصح) لهم (ويلزمهم طاعته في ذلك، ويُصلح بين الخصمين، ولا يحكم إلا أن يُفوَّض إليه) الحكم (فيُعتبر كونُه من أهله). وقال الآجري: يلزمه علم خطب الحجِّ والعمل بها. قال الشيخ تقي الدين (١): ومَنْ جرد معهم، وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق، أُبيح له، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد، وهذا كأخذ بعض الإقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا اختلاف. ويلزم المعطي بذل ما أمر به. (وشَهْرُ السلاحِ عند قُدُومِ) الحاج الشَّامي (تبوكَ بدعةٌ، زاد الشيخُ: محرَّمة) (٢). ومثله، ما يفعله الحاجُّ المِصريُّ ليلة بدر في المَحلِّ المعروف بجبل الزينة. قال (٣): وما يذكره الجُهَّال من حصار تبوك كَذِبٌ، فلم يكن بها

стр. 2732

حِصْن، ولا مقاتلة، فإن مغازي النبي ﷺ كانت بضعًا وعشرين، لم يقاتل فيها إلا في تسع: بدر، وأُحُد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وفتح حُنين، والطائف. (وقال (١): ومن اعتقد أن الحجَّ يُسقِط ما عليه من الصلاة والزكاة، فإنه يُستتابُ بعد تعريفه إن كان جاهلًا، فإن تابَ، وإلا قُتِل، ولا يَسقطُ حَقُّ الآدميِّ من مالٍ، أو عِرْض، أو دمٍ بالحجِّ إجماعًا). انتهى. وقال الدَّميري (٢) في الحديث الصحيح "من حَجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ خرجَ من ذنوبِهِ كيوم ولدته أمهُ" (٣): وهو مخصوص بالمعاصي المتعلِّقة بحقوق الله تعالى خاصَّة، دون العباد، ولا يُسقِط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفَّارة ونحوها من حقوق الله تعالى، لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنَفْس التأخير يسقط بالحجِّ، لا هي نفسها، فلو أخَّرها بعده، تجدد إثمٌ آخر، فالحجُّ المبرور يُسقِط إثم المخالفة لا الحقوق. قاله في "المواهب" (٤).

стр. 2733

باب الفوات والإحصار (الفوات) مصدر: فاته، يفوته، فواتًا، وفوتًا، وهو (سَبْقٌ لا يُدركُ. والإحصار) مصدر: أحصره، أي: حبسه فهو (الحَبْس) أي: المنع. (من طلع عليه فَجْرُ يوم النَّحْر، ولم يقفْ بعرفةَ، ولو لعُذْرٍ، فاته الحجُّ) في ذلك العام؛ لانقضاء زمن الوقوف؛ لقول جابر: "لا يفُوتُ الحجُّ حتى يطلعَ الفجرُ من ليلة جَمْعٍ" قال أبو الزبير: "فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم" رواه الأثرم (١). ولمفهوم ما سبق من قوله ﷺ : "الحجُّ عَرفةُ، فمن جاء قبل صلاةِ الفَجْرِ ليلةَ جَمْعٍ، فقد تمَّ حَجُّهُ" (٢)؛ فإنه يدلُّ على فوات الحجِّ بخروج ليلة جَمْعٍ. (وسَقَطَ عنه توابعُ الوقوف، كمبيت بمزدلفة ومِنى، ورَمْي جِمار) لفوات متبوعها، كمن عَجَزَ عن السُّجود بالجبهة، لم يلزمه بغيرها. (وانقلب إحرامه عُمْرة، نصًّا (٣)، فيطوف ويسعى، ويحلِق أو يقصِّر) لقول عُمر لأبي أيوب لما فاته الحجّ: "اصْنَعْ ما يصنعُ المُعتمر ثم قد حَلَلْتَ، فإن أدركتَ الحجَّ قابلًا، فَحُجَّ، وأهْدِ مَا استيسرَ من الهَدْي". رواه الشافعي (٤). وروى البخاريُّ (٥) بإسناده عن عطاء مرفوعًا نحوه.

стр. 2734

ولأنه يجوز فَسْخ الحج إلى العُمْرة من غير فوات، فَمَع الفوات أَولى. (وسواءٌ كان قارنًا أو غيرَه) لأن عُمرة القارن لا يلزمه أفعالها، وإنما يمنع من عُمْرة على عُمْرة إذا لزمه المضي في كل منهما، ومحلُّ انقلاب إحرامه عُمْرة (إن لم يخترِ البقاء على إحرامه ليحُجَّ من قابل) من غير إحرام متجدد، فإن اختار ذلك فله استدامة الإحرام؛ لأنه رضي بالمشقَّة على نفسه. (ولا تُجزئُ) هذه العُمْرة التي انقلب إحرامه إليها (عن عُمْرة الإسلام) نصًّا (١)؛ لوجوبها كمنذورة. (وعليه القضاءُ، ولو) كان الحجُّ الفائت (نَفْلًا) لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاتهُ عرفَاتُ فقد فاتَه الحجُّ، وليتحلّلْ بعُمرة وعليه الحجُّ من قَابِلٍ" (٢).

стр. 2735

وعمومه شاملٌ للفَرْض والنفل، وكذا ما سبق عن عُمر (١)، ولأن الحَجَّ يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوُّعات. وأما قوله ﷺ : "الحجُّ مرة" (٢) فالمراد به الواجب بأصل الشرع، وهذا إنما وجب بإيجابه له بالشروع فيه، كالمنذور. وأما المُحْصَر فإنه غير منسوب إلى تفريط، بخلاف من فاته الحج، ومحله إن لم يشترط أن محِلِّي حيث حبستني، فإن اشترط فلا قضاء. (ويلزمُه) أيضًا (إن لم يكن اشترط أولًا) أن محِلِّي حيث حبستني (هدي شاة، أو سُبع بدنة) أو سُبع بقرة (من حين الفواتِ، ساقَه) أي: الهَدي (أو لا) نصَّ عليه (٣) (يؤخِّره إلى القضاء، يذبحُه فيه) لأنه حَلَّ من إحرامه قبل تمامه، فلزمه هدي، كالمُحصر. (فإن كان الذي فاته الحجُّ قارنًا قضى قارنًا) أي: لزمه في العام الثاني مثل ما أهلَّ به أولًا، نصَّ عليه (٤)؛ لأن القضاء يجب على حسب الأداء في صورته ومعناه، فيجب أن يكون هنا كذلك. قلت: والظاهر أنه يلزمه قضاء النُّسكين، لا أن يكون قارنًا كما
следующие страницы →