← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

و) يُكره (أن يقال: حَجَّة الوداع؛ لأنه اسمٌ على أن لا يعود) قال: وأن يقال: شوط، بل طوفة وطوفتان. (ويُعتبر في ولاية تسيير الحاجَّ) أي: في أمير الحاج (كونه مطاعًا ذا رأي، وشجاعة، وهداية. وعليه جمعُهم وترتيبُهم، وحراستُهم في المسير والنزول، والرِّفْق بهم، والنُّصح) لهم (ويلزمهم طاعته في ذلك، ويُصلح بين الخصمين، ولا يحكم إلا أن يُفوَّض إليه) الحكم (فيُعتبر كونُه من أهله). وقال الآجري: يلزمه علم خطب الحجِّ والعمل بها. قال الشيخ تقي الدين (١): ومَنْ جرد معهم، وجمع له من الجند المقطعين ما يعينه على كلفة الطريق، أُبيح له، ولا ينقص أجره، وله أجر الحج والجهاد، وهذا كأخذ بعض الإقطاع ليصرفه في المصالح، وليس في هذا اختلاف. ويلزم المعطي بذل ما أمر به. (وشَهْرُ السلاحِ عند قُدُومِ) الحاج الشَّامي (تبوكَ بدعةٌ، زاد الشيخُ: محرَّمة) (٢). ومثله، ما يفعله الحاجُّ المِصريُّ ليلة بدر في المَحلِّ المعروف بجبل الزينة. قال (٣): وما يذكره الجُهَّال من حصار تبوك كَذِبٌ، فلم يكن بها

стр. 2732

حِصْن، ولا مقاتلة، فإن مغازي النبي ﷺ كانت بضعًا وعشرين، لم يقاتل فيها إلا في تسع: بدر، وأُحُد، والخندق، وبني المصطلق، والغابة، وفتح خيبر، وفتح مكة، وفتح حُنين، والطائف. (وقال (١): ومن اعتقد أن الحجَّ يُسقِط ما عليه من الصلاة والزكاة، فإنه يُستتابُ بعد تعريفه إن كان جاهلًا، فإن تابَ، وإلا قُتِل، ولا يَسقطُ حَقُّ الآدميِّ من مالٍ، أو عِرْض، أو دمٍ بالحجِّ إجماعًا). انتهى. وقال الدَّميري (٢) في الحديث الصحيح "من حَجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ خرجَ من ذنوبِهِ كيوم ولدته أمهُ" (٣): وهو مخصوص بالمعاصي المتعلِّقة بحقوق الله تعالى خاصَّة، دون العباد، ولا يُسقِط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفَّارة ونحوها من حقوق الله تعالى، لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنب تأخيرها، فنَفْس التأخير يسقط بالحجِّ، لا هي نفسها، فلو أخَّرها بعده، تجدد إثمٌ آخر، فالحجُّ المبرور يُسقِط إثم المخالفة لا الحقوق. قاله في "المواهب" (٤).

стр. 2733

باب الفوات والإحصار (الفوات) مصدر: فاته، يفوته، فواتًا، وفوتًا، وهو (سَبْقٌ لا يُدركُ. والإحصار) مصدر: أحصره، أي: حبسه فهو (الحَبْس) أي: المنع. (من طلع عليه فَجْرُ يوم النَّحْر، ولم يقفْ بعرفةَ، ولو لعُذْرٍ، فاته الحجُّ) في ذلك العام؛ لانقضاء زمن الوقوف؛ لقول جابر: "لا يفُوتُ الحجُّ حتى يطلعَ الفجرُ من ليلة جَمْعٍ" قال أبو الزبير: "فقلت له: أقال رسول الله ﷺ ذلك؟ قال: نعم" رواه الأثرم (١). ولمفهوم ما سبق من قوله ﷺ : "الحجُّ عَرفةُ، فمن جاء قبل صلاةِ الفَجْرِ ليلةَ جَمْعٍ، فقد تمَّ حَجُّهُ" (٢)؛ فإنه يدلُّ على فوات الحجِّ بخروج ليلة جَمْعٍ. (وسَقَطَ عنه توابعُ الوقوف، كمبيت بمزدلفة ومِنى، ورَمْي جِمار) لفوات متبوعها، كمن عَجَزَ عن السُّجود بالجبهة، لم يلزمه بغيرها. (وانقلب إحرامه عُمْرة، نصًّا (٣)، فيطوف ويسعى، ويحلِق أو يقصِّر) لقول عُمر لأبي أيوب لما فاته الحجّ: "اصْنَعْ ما يصنعُ المُعتمر ثم قد حَلَلْتَ، فإن أدركتَ الحجَّ قابلًا، فَحُجَّ، وأهْدِ مَا استيسرَ من الهَدْي". رواه الشافعي (٤). وروى البخاريُّ (٥) بإسناده عن عطاء مرفوعًا نحوه.

стр. 2734

ولأنه يجوز فَسْخ الحج إلى العُمْرة من غير فوات، فَمَع الفوات أَولى. (وسواءٌ كان قارنًا أو غيرَه) لأن عُمرة القارن لا يلزمه أفعالها، وإنما يمنع من عُمْرة على عُمْرة إذا لزمه المضي في كل منهما، ومحلُّ انقلاب إحرامه عُمْرة (إن لم يخترِ البقاء على إحرامه ليحُجَّ من قابل) من غير إحرام متجدد، فإن اختار ذلك فله استدامة الإحرام؛ لأنه رضي بالمشقَّة على نفسه. (ولا تُجزئُ) هذه العُمْرة التي انقلب إحرامه إليها (عن عُمْرة الإسلام) نصًّا (١)؛ لوجوبها كمنذورة. (وعليه القضاءُ، ولو) كان الحجُّ الفائت (نَفْلًا) لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاتهُ عرفَاتُ فقد فاتَه الحجُّ، وليتحلّلْ بعُمرة وعليه الحجُّ من قَابِلٍ" (٢).

стр. 2735

وعمومه شاملٌ للفَرْض والنفل، وكذا ما سبق عن عُمر (١)، ولأن الحَجَّ يلزم بالشروع فيه، فيصير كالمنذور، بخلاف سائر التطوُّعات. وأما قوله ﷺ : "الحجُّ مرة" (٢) فالمراد به الواجب بأصل الشرع، وهذا إنما وجب بإيجابه له بالشروع فيه، كالمنذور. وأما المُحْصَر فإنه غير منسوب إلى تفريط، بخلاف من فاته الحج، ومحله إن لم يشترط أن محِلِّي حيث حبستني، فإن اشترط فلا قضاء. (ويلزمُه) أيضًا (إن لم يكن اشترط أولًا) أن محِلِّي حيث حبستني (هدي شاة، أو سُبع بدنة) أو سُبع بقرة (من حين الفواتِ، ساقَه) أي: الهَدي (أو لا) نصَّ عليه (٣) (يؤخِّره إلى القضاء، يذبحُه فيه) لأنه حَلَّ من إحرامه قبل تمامه، فلزمه هدي، كالمُحصر. (فإن كان الذي فاته الحجُّ قارنًا قضى قارنًا) أي: لزمه في العام الثاني مثل ما أهلَّ به أولًا، نصَّ عليه (٤)؛ لأن القضاء يجب على حسب الأداء في صورته ومعناه، فيجب أن يكون هنا كذلك. قلت: والظاهر أنه يلزمه قضاء النُّسكين، لا أن يكون قارنًا كما

стр. 2736

يعلم مما سبق في الإحرام. قال في "الشرح": ويلزمه دمان: لقِرانه، وفواته. (فإن عَدِم الهديَ زمن الوجوب) وهو وقت الفوات (صام عشرة أيام: ثلاثة في الحجِّ - أي: حج القضاء - وسبعة إذا رجع) أي: فرغ من حجة القضاء؛ كمتمتِّع؛ لما روى الأثرم بإسناده: "أن هَبَّار بن الأسود حَجَّ من الشام فقدم يوم النَّحْر، فقال له عُمرُ: ما حبسك؟ قال: حَسِبْتُ أنَّ اليوم يومُ عرفةَ، قال: فانطلقْ إلى البيتِ فطُفْ به سَبْعًا، وإن كان معكَ هديةٌ، فانْحَرْها، ثم إذا كان قابل فاحججْ، فإن وجدت سَعَةً، فأهْدِ، فإنْ لم تجدْ فصم ثلاثةَ أيام في الحجِّ وسبعةً إذا رَجَعْتَ إنْ شاءَ الله" (١). والمكي وغيره في ذلك سواء (ثم حَلَّ. والعبدُ لا يُهدي، ولو أذن له سيدُه؛ لأنه لا مال له) لأنه لا يملك، ولو ملك غير المكاتب (ويجب عليه الصوم المذكور بَدَلَ الهدي. وعلى قياس هذا: كلّ دم لزمه في الإحرام) لفعل محظور أو غيره (لا يجزئه عنه إلا الصيام) لما تقدم. (وإذا صام) العبدُ (فإنه يصوم عن كل مُدٍّ من قيمة الشاة يومًا، حيث يصوم الحُرُّ، ثم حَلَّ) ذكره الخِرقي. والصحيح الذي عليه جماهير الأصحاب: أنه يصوم عشرة أيام، ثلاثة في حجة القضاء، وسبعة إذا رجع، كما قدَّمه في قوله: "ويجب عليه الصوم المذكور بدل الهدي". وقوله هنا وفيما تقدم: "ثم حَلَّ" يقتضي أنه لا يَحلّ حتى يصوم،

стр. 2737

وليس بظاهر؛ لأنه ليس كالمُحصر، بل يحصُل التحلُّل بنفس إتمام النُّسك، على ما تقدم في صفة الحجِّ؛ إذ لم يفرقوا بين القضاء وغيره، ولم يذكر "ثم حَلَّ" في "المنتهى" وغيره فيمن فاته الحج، بل في المُحْصر. (وإن أخطأ الناس، فوقفوا في غير يوم عَرفة) بأن وقفوا الثامن أو العاشر (ظنًّا منهم أنه يوم عَرفة، أجزأهم) نصًّا (١)؛ لما روى الدارقطني بإسناده عن عبد العزيز بن جابر (٢) بن أسيد قال: قال ﷺ : "يومُ عَرفَةَ اليومُ الذي يعرفُ الناسُ فِيهِ" (٣). وقد روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "فطْرُكُم يومَ تفْطِرُونَ، وأضْحَاكم يَومَ تضَحونَ". رواه الدارقطني وغيره (٤). قال الشيخ تقي الدين (٥): وهل هو يوم عَرفة باطنًا؟ فيه خلاف في مذهب أحمد، بناءً على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء، أو لما يراه الناس ويعلمونه، وفيه خلاف مشهور في مذهب أحمد وغيره.

стр. 2738

قال: والثاني هو الصواب. وقال: فعُلم أنه يوم عرفة باطنًا وظاهرًا، يوضحه: أنه لو كان هنا خطأ وصواب، لاستُحِبَّ الوقوف مرتين، وهو بدعة، لم يفعله السلف، فعُلم أنه لا خطأ. وقال: فلو رآه طائفةٌ قليلة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور. وقال في "الفروع": ويتوجَّه وقوف مرتين إن وقف بعضهم، لا سيما من رآه. وصرَّح جماعة: إن أخطؤوا لغلطٍ في العدد، أو في الرؤية، أو في الاجتهاد مع الإغماء (١)، أجزأ، وهو ظاهر كلام الإمام (٢) وغيره. (وإن أخطأ بعضُهم، فاته الحجّ) هذه عبارة غالب الأصحاب. وفي "الانتصار": وإن أخطأ عددٌ يسير. وفي "الكافي" و"المجرد": إن أخطأ نفرٌ منهم. قال ابن قتيبة (٣): يقال: إن النَّفَر ما بين الثلاثة إلى العشرة. ولذلك قال في "المنتهى": وإن وقف الناس، أو إلا يسيرًا الثامن أو العاشر خطأ، أجزأهم. (ومَن أحرم فحَصَره عدوٌّ في حَجٍّ أو عُمْرة عن الوصول إلى البيت) أي: الحرم (بالبلد) متعلِّق بـ "حصره" (أو الطريق، قبل الوقوف، أو بعده، أو مُنع) من دخول الحَرَم (ظُلمًا، أو جُنَّ، أو أُغمي عليه، ولم يكن له طريقٌ آمن إلى الحجِّ) ولو بعدت (وفات) أي: خشي فوات (الحجِّ، ذبح هَديًا، شاة، أو سُبْعَ بدنة) أو سُبْعَ بقرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ

стр. 2739

الْهَدْيِ﴾ (١)، ولأنه ﷺ "أمَرَ أصحَابَه حين أحْصِرُوا في الحُدَيْبيةِ أن يَنْحَرُوا ويحلُّوا" (٢). قال الشافعي (٣): لا خِلاف بينَ أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حَصْر الحديبية. ولأنه أُبيح له التحلُّل قبل إتمام نُسُكه، فوجب الهدي في صورة ما لو حُصر بعد الوقوف، كما لو حُصر قبله. "تنبيه": إنما قَدَّرتُ "ولو بعدت" وأوَّلتُ "فات" بخشية الفوات؛ ليوافق كلام الأصحاب وكلامه الآتي، إذ فوت الحج ليس شرطًا لتحلُّل المُحْصَر، كما يدلُّ (٤) عليه الآية، والخبر، وكلام الأصحاب. ويكون محلُّ ذبح الهدي (في موضع حَصْرِه حلًّا كان أو حرمًا) لذبحه ﷺ وأصحابه بالحُديبية، وهي من الحِلِّ، وتقدم. (ينوي) المُحْصَر (به) أي: بذبح الهدي (التحلُّل وجوبًا) لحديث: "إنما الأعمال بالنِّيَّاتِ" (٥). (وحَلَق أو قصَّر) وجوبًا، قدمه في "الرعاية"، واختاره القاضي في "التعليق" وغيره. وقدم في "المحرر"، و"شرح ابن رزين" عدم الوجوب، وهو ظاهر "الخرقي" و"المنتهى"؛ لعدم ذكره في الآية؛ ولأنه مباح ليس بنُسُك خارج الحرم؛ لأنه من توابع الوقوف كالرمي (ثم حلَّ)

стр. 2740

من إحرامه. (فإن أمكن المُحْصَرَ الوصول) إلى الحرم (من طريق أخرى) غير التي أُحصر فيها (لم يبح له التحلُّل) لقدرته على الوصول إلى الحرم، فليس بمُحْصَر (ولزمه سلوكها) ليتم نُسُكه؛ لأن ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب (بَعُدت) الطريق (أو قَرُبت، خشي الفوات) أي: فوات الحجِّ (أو لم يخشَه. فإن لم يجد) المُحْصَر هديًا (صام عشرة أيام بالنيَّة) أي: نية التحلُّل (كمبدله) أي: الصوم (١)، وهو ذَبْح الهدي، فإنه يذبحه بنية التحلُّل، كما تقدم (ثم حَلَّ. ولا إطعام فيه) أي: الإحصار؛ لعدم وروده. وقال الآجري: إن عَدِم الهدي مكان إحصاره، قوَّمه طعامًا، وصام عن كل مُدٍّ يومًا، وحَلَّ، وأوجب أن لا يحِلَّ حتى يصوم إن قدر، فإن صعب عليه، حَلَّ ثم صام (بل يجب مع الهدي) على المُحْصَر (حَلْق أو تقصير) وتقدم ما فيه. (ولا فَرْق) فيما تقدم (بين الحَصْر العام في كلِّ الحاجِّ، وبين) الحصر (الخاصِّ في شخصٍ واحد، مثل أن يحبس بغير حقٍّ أو يأخذه اللصوص) لعموم النصِّ، ووجود المعنى في الكُلِّ. (ومن حُبس بحقٍّ أو دَيْن حالٍّ) وهو (قادر على أدائه، فليس له التحلُّل) لأنه ليس بمَعذور. فإن كان عاجزًا عن أدائه أو مؤجَّلًا فحُبِس بغير حقٍّ، فله التحلُّل لما مرّ. (وإذا كان العدوُّ الذي حَصَر الحاجَّ مسلمين، جاز قتالهم) للحاجة إليه (وإن أمكن الانصرافُ من غير قتال، فهو أَولى) لصون دماء المسلمين.

стр. 2741

(وإن كانوا مشركين، لم يجب قتالُهم إلا إذا بدؤوا بالقتال، أو وقع النَّفير) ممن له الاستنفار، فيتعيَّن إذن لما يأتي في الجهاد (فإن غلب على ظَنِّ المسلمين الظَّفَر) بالمشركين (استُحِبَّ قتالُهم) حيث لم يجب لإعلاء كلمة الدِّين (ولهم) أي: الحاج (لُبْسُ ما تجب فيه الفِدْية، إنِ احتاجوا إليه) في القتال (ويفدون) للبسه، كما تقدم في حَلْق الرأس وتغطيته (١). (وإلا) أي: وإن لم يَقْوَ على ظَنِّ المسلمين الظَفَر (فتَرْكُه) أي: القتال (أَولى) لئلا يغروا بالمسلمين. (فإن أذِنَ العدوُّ لهم) أي: للحجاج (في العُبور فلم يثقوا بهم، فلهم الانصرافُ) والتحلُّل، كما تقدم (وإن وثِقُوا بهم، لَزِمهم المضيُّ على الإحرام) لإتمام النُّسك؛ إذ لا عُذْر لهم إذن. (وإن طلب العدو خَفَارة على تخلية الطَّريق) للحجاج (وكان) العدوُّ (ممن لا يوثقُ بأمانه) لعادته بالغدر (لم يلزم بَذْلُه) أي: المال المطلوب خَفَارة؛ لأنه إضاعة من غير وصول للمقصود. (وإن وُثِقَ) بأمانه (والخَفارة كثيرة، فكذلك) لا يجب بَذْلُها؛ للضَّرر (بل يُكره بَذْلُها) أي: الخَفَارة (إن كان العدوُّ كافرًا) لما فيه من الذل والهوان، وتقوية الكفَّار. (وإن كانت) الخَفَارة (يسيرة، فقياس المذهب وجوب بَذْلِه) أي: مال الخَفَارة، قاله الموفَّق والشارح، وصحَّحه في "تصحيح الفروع"؛ لأنه ضررٌ يسير، كماءِ الوضوء. وقال جماعةٌ من الأصحاب: لا يجب بَذْل خَفَارة بحال، كما في ابتداء الحجِّ لا يلزمه إذا لم يجد طريقًا آمنًا من غير خَفَارة.

стр. 2742

وفي "المنتهى": يُباح تحلُّل لحاجة قتال أو بَذْل مال لا يسيرٍ لمسلم. (ولو نوى) المُحْصَر (التحلُّل قبل ذَبْحِ هدي) إن وجده (أو) قبل (صوم) إن عدم الهدي (ورفضَ (١) إحرامَه، لم يَحِلَّ، ولزمه دَمٌ؛ لتحلُّله، ولكل محظُور فَعَله بعده) أي: بعد التحلُّل، هكذا في "المقنع". قال في "الإنصاف": وهذا المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. وقدَّمه في "الفروع". وقيل: لا يلزمه دم لذلك، جزم به في "المغني" و"الشرح". انتهى. وسبق في كلام المصنف تبعًا لما صحَّحه في "الإنصاف" - أيضًا - في باب الإحرام (٢): أنه لا شيء عليه؛ لرفض إحرامه؛ لأنه مجرَّد نيَّة، فانظر: هل هما مسألتان، فيُحمل التحلُّل هنا على لُبْس المخيط مثلًا، أو مسألة واحدة، تَنَاقَضَ التصحيحُ فيها؟! (٣). (ولا قضاء على مُحْصَرٍ إن كان) حَجُّه (نَفْلًا) لظاهر الآية، وذكر في "الإنصاف" أنه المذهب، وقيَّده في "المستوعب"، و"المنتهى" بما إذا تحلَّل قبل فوات الحَجِّ. ومفهومهما: أنه لو تحلَّل بعد فوات الحَجِّ يلزمه القضاء، وهو إحدى روايتين (٤) أطلقهما في "الشرح" وغيره. وهو ظاهر كلامه أول الباب.

стр. 2743

وإن زال الحصر بعد تحلُّله وأمكنه فِعْلُ الحجِّ الواجب في ذلك العام، لزمه فِعْلُه. (ومَن حُصِر عن واجب) كرمي الجِمار (لم يتحلَّل، وعليه له) أي: لتركه ذلك الواجب (دَمٌ) كما لو تركه اختيارًا (وحَجُّه صحيح) لتمام أركانه. (وإن صُدَّ) المُحْرِم (عن عَرَفة دون البيت) أي: الحرم (تحلَّل بـ) ــأفعال (عُمْرة، ولا شيء عليه) لأن قَلْبَ الحجِّ إلى العُمْرة مباح بلا حَصْر، فمعه أَولى. فإن كان قد طاف وسعى للقُدُوم، ثم أُحصِر، أو مرض، أو فاته الحج تحلَّل بطواف وسعي آخرين؛ لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العُمْرة، ولا سعيها، وليس عليه أن يجدد إحرامًا في الأصح، قاله في "شرح المنتهى". ومن حُصِر عن طواف الإفاضة، وقد رمى وحلق، لم يتحلَّل حتى يطوف. (ومن أحصر بمرضٍ، أو ذهاب نفقة (١) لم يكن له التحلُّل، وهو على إحرامه، حتى يقدِرَ على البيت) لأنه لا يستفيد بالإحلال الانتقال من حال إلى حال خير منها، ولا التخلُّص من الأذى الذي به، بخلاف حَصْر العدو. ولأن النبي ﷺ "دخَلَ على ضُباعةَ بنتِ الزبيرِ ققالت: إنِّي أريدُ الحجَّ وأنا شَاكيةٌ، فقال: حجِّي واشْترطي أن مَحلِّي حيث حبَسْتَني" (٢)

стр. 2744

فلو كان المرضُ يبيح التحلُّل ما احتاجت إلى شَرْطٍ. وحديث: "من كُسِرَ، أو عَرَجَ فقد حَلَّ" (١) متروك الظَّاهر، فإن مجرَّد الكسر والعرج لا يصير به حلالًا، فإن حملوه على أنه أُبيح له التحلُّل، حملناه على ما إذا اشترط الحِلّ، على أن في الحديث كلامًا لابن عباس يرويه ومذهبه بخلافه. (وإن فاته الحجَّ) لطلوع فجر يوم النَّحْر قبل وقوفه (تحلَّل بعُمْرة)

стр. 2745

نقله الجماعة (١) (٢) (كغير المرض) أي: ما لو فاته الحجّ لغير مَرَض. (ولا يَنْحرُ) من أُحصر بمرض أو ذهاب نفقة (هديًا معه إلا بالحرم، فيبعث به) أي: الهَدي (ليُذبح فيه) أي: الحرم بخلاف من حصره العدو، نصَّ أحمد على التفرقة بينهما (٣). ومثل المريض: من ضَلَّ الطريقَ، ذكره في "المستوعب"، وتبعه في "المنتهى". ومثله - أيضًا - حائض تعذَّر مقامها، أو رجعت ولم تطف؛ لجهلها بوجوب طواف الزيارة، أو لعجزها عنه، أو لذهاب الرُّفقة، قاله في "شرح المنتهى". (والحُكم في القضاء والهَدي كما تقدم) (٤) تفصيله. (ويقضي عَبْدٌ) مكلَّف حيث وجب عليه القضاء، بأن كان نَذْرًا أو فاته الحجّ (في رِقّه كحُرٍّ) لأنه أهل لأداء الواجب. (وصغير) في فوات وإحصار (كبالغ، ولا يصحّ) قضاؤه حيث وجب (إلا بعد البلوغ) كما لو أفسد نُسُكه بالوطء. (ولو أُحصر في حَجٍّ فاسد، فله التحلُّل) منه بذبح الهدي إن

стр. 2746

وَجَده، أو الصوم إن عدمه كالصحيح. (فإن حَلَّ) من الحجِّ الفاسد (ثم زال الحَصْرُ وفي الوقت سعة) للقضاء (فله أن يقضي في ذلك العام) ذكره في "الإنصاف" وغيره؛ ولعل المراد: يجب؛ لوجوب القضاء على الفور، كما تقدم (١)، وإنما قالوه في مقابلة المنع، وليس يتصور القضاء في العام الذي أفسد فيه الحَجَّ في غير هذه المسألة، قاله الموفّق والشارح وجماعة. ولا يصح ممن أحرم بالحجِّ، ووقف بعرفة، ثم طاف، وسعى، ورَمَى جَمْرة العقبة، وحَلَق في نصف الليل الثاني، أن يُحرِم بحجَّة أخرى، ويقف بعرفة قبل الفجر؛ لأن رمي أيام التشريق عمل واجبٌ بالإحرام السابق، فلا يجوز مع بقائه أن يحرم بغيره، هذا معنى كلام القاضي. وسلم الإجماع (٢) على أنه لا يجوز فِعْل حَجَّتين في عام. (ومن شرط في ابتداء إحرامه أن يَحِلَّ متى مَرِض، أو ضاعت نفقتُه، أو نفدَت ونحوه) كمن ضلَّ الطريق (أو قال: إن حبسني حابسٌ، فمحِلِّي حيث حبستني، فله التحلُّل بجميع ذلك) لحديث ضُباعة بنت الزبير السابق (٣)، وقوله ﷺ : "فإنَّ لك على ربِّكِ ما اشْتَرَطْتِ" (٤). ولأن للشرط تأثيرًا في العبادات، بدليل: إن شفى الله مريضي

стр. 2747

صمتُ شهرًا ونحوه. (وليس عليه هَديٌ، ولا صوم، ولا قضاءٌ، ولا غيره) لظاهر حديث ضُباعة، ولأنه إذا شرط شرطًا كان إحرامه الذي فعله إلى حين وجود الشَّرط، فصار بمنزلة مَن أكمل أفعال الحج (وله البقاء على إحرامه) حتى يزول عُذره، ويتم نُسُكه. (فإن قال: إنْ مرضتُ ونحوه، فأنا حلال، فمتى وُجِدَ الشرطُ حلَّ بوجوده) لأنه شرط صحيح، فكان على ما شرط.

стр. 2748

باب الهدي، والأضاحي، والعقيقة، وما يتعلق بها (الهَدي) أصله التشديد (١)، من هديت الشيء أهديه. ويقال - أيضًا -: أهديت الهدي إهداء. وهو (ما يُهدى إلى الحَرَم من نَعَمٍ (٢) وغيرها). وقال ابن المنجَّا: ما يُذبح بمِنى، سُمِّي بذلك؛ لأنه يُهدى إلى الله تعالى. (والأُضحية) بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها، ويقال: ضَحيَّة، كسَريَّة، والجمع ضحايا، ويقال: أضْحَاة، والجمع: أضحًى، كأرْطَاة وأرْطًى، نقله الجوهري (٣) عن الأزهري (٤). وهي: (ما تُذبح (٥) من بهيمة الأنعام) أي: الإبل، والبقر، والغنم الأهلية (أيام النَّحْر) الثلاثة، وليلتي يومي التشريق على ما يأتي (بسبب العيد) بخلاف ما يذبح بسبب نُسُك، أو إحرام (تقرُّبًا إلى الله تعالى) احترازًا عمَّا يُذبح للبيع ونحوه. (يُسنُّ لمن أتى مكةَ، أن يُهدي هديًا) لفعله ﷺ ، قال جابر في صفة حجِّ النبي ﷺ : "وكان جماعَةُ الهَديِ الذي قدِمَ بِه عليٌّ من اليمنِ،

стр. 2749

والذي أتى بهِ النبي ﷺ مائةً" (١). وقد كان النبيُّ ﷺ يبعث بالهَدي إلى مكة، ويقيم بالمدينة (٢). (والأفضل فيهما) أي: في الهَدي، والأُضحية (إبلٌ، ثم بقرٌ، إن أخرج كاملًا، ثم غنمٌ) لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من اغتسلَ يومَ الجمعةِ غُسْلَ الجنَابَةِ، ثم راح في الساعة الأُولى، فكأنما قرَّبَ بدنة، ومَن راح في الساعة الثانية، فكأنما قَرَّب بقرَةً، ومن راح في الساعةِ الثالثة، فكأنما قَرَّبَ كبْشًا أَملحَ، ومن راح في الساعةِ الرابعةِ، فكأنما قرَّب دجاجَةً، ومن راحَ في السَّاعَةِ الخامسةِ فكأنَّمَا قرَّبَ بيضةً" متفق عليه (٣). ولأن البُدن أكثر ثمنًا ولحمًا، وأنفع للفقراء، وسُئل ﷺ : "أيُّ الرقَاب أفْضَلُ؟ فقال: أغلاها ثَمَنًا وأنْفَسُهَا عند أهْلِها" (٤). والإبل أغلى ثمنًا، وأنفس من البقر، والغنم. (ثم شِرْكٌ) سُبْعٌ فأكْثَر (في بدنة، ثم شِرْكٌ في بقرة) لأن إراقة الدم مقصودة في الأُضحية، والمنفرد تَقَرَّبَ بإراقته كله. (ولا يجزئ في الأُضحية الوحشيُّ) إذ لا يحصُل المقصود به، مع عدم الورود (ولا) يجزئ - أيضًا - في الأضحية (مَن أَحد أبويه وحشيٌّ) تغليبًا لجانب المنع.

стр. 2750

(وأفضلُها) أي: الأجناس، أي: أفضل كل جنس (أسمنُ، ثم أغلى ثمنًا) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١). قال ابن عباس: "تعظِيمُهَا اسْتِسمانُها واسْتِحسانها" (٢)؛ ولأن ذلك أعظم لأجرها، وأكثر لنفعها. (وذكرٌ وأنثى سواء) لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيرٌ﴾ (٤)، ولم يقل: ذكرًا، ولا أنثى. وقد ثبت أن النبي ﷺ : "أهْدَى جَملًا كان لأبي جهل في أنفه بُرَةٌ (٥) مِن فضةٍ" رواه أبو داود (٦)، وابن

стр. 2751

ابن ماجه (١). قال أحمد (٢): الخصيُّ أحبُّ إلينا من النعجة؛ لأن لحمه أوفر وأطيب (٣). (وأقرَنُ أفضلُ) لأنه ﷺ "ضَحَّى بكبشينِ أمْلحينِ أقرنينِ" (٤).

стр. 2752

(ويُسنُّ استِسمانها واستحسانها) لما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (١). (وأفضلُها لونًا الأشهبُ، وهو الأملح، وهو الأبيض) النقي البياض، قاله ابن الأعرابي (٢) (أو ما بياضُه أكثرُ من سَواده) قاله الكسائي (٣)؛ لما روي عن مولاة أبي ورقة بن سعيد، قالت: قال رسول الله ﷺ : "دَمُ عَفْرَاءَ أزكى عند الله من دم سوداوَيْنِ" رواه أحمد بمعناه (٤). وقال أبو هريرة: "دَمُ بَيْضاءَ أحَبُّ إلى الله (٥) مِنْ دَمِ سَوْداوَيْنِ" (٦). ولأنه لون أضحية النبي

стр. 2753

- ﷺ (١). (ثم أصفرُ، ثم أسودُ) يعني: أن كلَّ ما كان أحسن لونًا فهو أفضل، (وقال) الإمام (أحمد (٢): يعجبني البياضُ، وقال: أكره السّوادَ). (ولا يجزئ) في الأضحية، وكذا دم تمتع ونحوه (إلا الجَذَعُ من الضَّأن، وهو ما له ستةُ أشهر) ويدل لإجزائه: ما روت أمُّ بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: "يُجْزِئ الجَذَعُ من الضَّأنِ أُضْحيَةً" رواه ابن ماجه (٣). والهَدي مثله.

стр. 2754

والفَرْق بين جَذَع الضَّأن، والمعز: أن جَذَع الضَّأن ينزو فيلقح، بخلاف الجَذَع من المعز، قاله إبراهيم الحربي (١). ويُعرف كونه أجذع بنوم الصوف على ظهره. قال الخرقي: سمعت أبي يقول: سألت بعض أهل البادية، كيف تعرفون الضَّأن إذا أجذع؟ قالوا: لا تزال الصُّوفة قائمة على ظهره ما دام حَمَلًا، فإذا نامت الصُّوفة على ظهره، عُلِمَ أنه قد أجذع. (و) لا يجزئ إلا (الثني مما سواه) أي: الضأن (فثني الإبل: ما كمل له خمس سنين) قال الأصمعي وأبو زيد الكلابي وأبو زيد الأنصاري: إذا مضت السَّنةُ الخامسة على البعير، ودخل في السادسة، وألقى ثنيَّه (٢)، فهو حينئذ ثني (٣). ونرى أنه إنما سُمِّي ثنيًا؛ لأنه ألقى ثنيَّه.

стр. 2755

(و) ثني (بقر) ما له (سنتان) كاملتان. (و) ثني (مَعْزٍ) ما له (سَنَةٌ) كاملة؛ لحديث: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً، فإن عسر عليكم فاذبحوا الجَذعَ من الضَّأنِ" (١). ولأنه قبل ذلك لا يلقح. (ويُجزئ أعلى سِنًّا مما ذُكِر) لأنه أولى. والحصر فيما تقدم إضافي. فالمعنى: لا يجزئ أدون مما تقدم. (وجَذَعُ ضأن أفضل من ثَنيِّ مَعْز) قال أحمد (٢): لا تعجبني الأُضحية إلا بالضأن. ولأن جَذَع الضأن أطيب لحمًا من ثَنيِّ المَعْز. (وكُلٌّ منهما) أي: من جَذَع الضأن، وثَنيِّ المَعْز (أفضلُ من سُبعِ بدنة، أو) سُبع (بقرة) لما تقدم أن المقصود إراقة الدَّم. (و سَبعُ شياه أفضلُ من بَدَنة أو بقرةٍ. وزيادة عدد في جنس أفضلُ من المغالاة مع عدمِه) أي: عدم التعدد (فبدنتان) سمينتان (بتسعةٍ، أفضلُ من بَدَنةٍ بعشرةٍ) لما فيه من كثرة إراقة الدَّم (ورجَّح الشيخُ (٣) البَدَنةَ) التي بعشرة على البدنتين بتسعةٍ؛ لأنها أنفس. (والخصيُّ راجحٌ على النعجة) لأن لحمه أوفر وأطيب (ورجَّح الموفَّقُ الكبشَ) في الأضحية (على سائر النَّعَمِ) لأنه أضحية النبي ﷺ (٤).

стр. 2756

(وتُجزئ الشاة عن واحد) ونص الإمام (١): (وعن أهل بيته وعياله، مثل امرأته وأولاده ومماليكه) قال صالح (٢): قلت لأبي: يضحِّي بالشاة عن أهل البيت؟ قال: نعم، لا بأس، "قد ذبحَ النبيُّ ﷺ كبشين، فقال: بسم الله، هذا عن محمَّدٍ وأهلِ بيته، وقرَّبَ الآخرَ، وقال: بسم اللهِ، اللهمَّ مِنْكَ ولكَ، عَمَّنْ وَحَّدَكَ من أمَّتي" (٣). ويدلُّ له أيضًا: ما روى أبو أيوب قال: "كان الرجل في عهدِ رسول الله ﷺ يُضَحِّي بالشَّاةِ عنه، وعن أهلِ بيتِهِ، فيأكُلُونَ، ويطعِمُونَ" (٤) قال في "الشرح": حديث صحيح. (و) تجزئ كل من (البَدَنة والبقرة عن سبعة) رُوي ذلك عن علي (٥)،

стр. 2757

وابن مسعود (١)، وابن عباس (٢)، وعائشة (٣)؛ لحديث جابر قال: "نحرنا بالحُديبية مع النبيِّ ﷺ البدنة عن سبعةٍ، والبقرة عن سبعةٍ"، وفي لفظ: "أمرَنا رسولُ الله ﷺ أنْ نَشتَرِكَ في الإبل والبَقَرِ، كلُّ سبعةٍ منَّا في بدنةٍ" رواهما مسلم (٤) (فأقلَّ) أي: وتجزئ البَدَنة والبقرة عن أقل من سبعة بطريق الأَولى. (قال الزركشي: الاعتبار) أي: في إجزاء البَدَنة أو البقرة عن سبعة فأقل (أن يشترك الجميع) أي: في البدنة أو البقرة (دفعةً، فلو اشترك ثلاثة في) بَدَنة، أو (بقرة أُضحية، وقالوا: من جاء يريد أُضحية شاركناه، فجاء

стр. 2758

قومٌ فشاركوهم، لم تُجزئْ (١)) البَدَنة أو البقرة (إلا عن الثلاثة، قاله الشيرازي انتهى. والمراد: إذا أوجبوها) أي: الثلاثة (على أنفسهم. نصَّ عليه (٢)) لأنهم إذا لم يوجبوها، فلا مانع من الاشتراك قبل الذبح؛ لعدم التعيين. (والجواميسُ فيهما) أي: في الهَدي، والأُضحية (كالبقر) في الإجزاء، والسن، وإجزاء الواحدة عن سبعة؛ لأنها نوع منها. (وسواء أراد جَميعهم) أي: جميع الشركاء في البَدَنة أو البقرة (القُرْبة، أو) أراد (بعضهم) القُرْبة، (و) أراد (الباقون اللحم) لأن الجزء المجزئ لا ينقص أجره بإرادة الشريك غير القُرْبة، كما لو اختلفت جهات القُرْبة، بأن أراد بعضهم المُتعة، والآخر القِران، والآخر تَرْك واجب، وهكذا؛ ولأن القسمة هنا إفراز حق وليست بيعًا، وفي أمر النبي ﷺ بالاشتراك - مع أن سُنة الهَدي والأُضحية الأكل والإهداء - دليل على تجويز القسمة؛ إذ بها يتمكن من ذلك. ويجوز الاشتراك في البُدن، والبقر (ولو كان بعضهم) أي: الشركاء (ذِميًّا في قياس قوله) أي: الإمام (قاله القاضي) وجزم بمعناه في "المنتهى". (ويُعتبر ذبحها) أي: البَدَنة، أو البقرة (عنهم) أي: السبعة فأقل. نصَّ عليه (٣). (ويجوز أن يقسموا اللَّحم؛ لأن القِسمة) في المثليات، ونحوها (ليست بيعًا) بل إفراز حقٍّ.

стр. 2759

(ولو ذبحوها) أي: البَدَنة، أو البقرة (على أنهم سَبعة، فبانوا ثمانيةً، ذبحوا شاة، وأجزأتهم) الشاة مع البَدَنة أو البقرة، فإن بانوا تسعة، ذبحوا شاتين، وهكذا. (و لو اشترك اثنان في شاتين على الشيوع، أجزأ) ذلك عنهما، كما لو ذبح كل منهما شاة. (ولو اشترى سُبْع بقرة) أو بدنة (ذُبحت للحم، فهو لحم اشتراه، وليست) الحصة التي اشتراها (بأُضحية) لعدم ذبحها عنهم، وكذا لو اشترى إنسان شاة ذُبحت للحم. وأما ما ذُبح هَديًا، أو أُضحية، فلا يصح بيعه، كما يأتي، ولو تطوُّعًا؛ لتعينه بالذبح. فصل (ولا يجزئ فيهما) أي: في الهَدي والأُضحية (العَوراء) البيّنة العَوَر، وهي (التي انخسفت عينها، فإن كان عليها) أي: العين (بياض، وهي قائمة لم تذهب، أجزأت) لمفهوم ما يأتي، ولأن ذلك لا يُنقص لحمها. (ولا تُجزئ) فيهما (عمياء، وإن لم يكن عَماها بينًا) كقائمة العينين مع ذهاب إبصارهما؛ لأن العَمى يمنع مشيها مع رفيقتها، ويمنع مشاركتها في العَلَف؛ ولأن في النهي عن العوراء تنبيهًا على النهي عن العمياء. (ولا عَجفاء لا تُنْقِي) - بضم التاء وكسر القاف - من أنقت الإبل: إذا سمنت وصار فيها نِقْيٌ، وهو مخُّ العظم، وشحم العين من السمن. قاله في "المطلع" (١) (وهي) أي: العجفاء (الهزيلة التي لا مخَّ فيها.

стр. 2760

ولا) تجزئ (عَرجاء بيِّنٌ ضَلعها) - بفتح اللام وسكونها - أي: غمزها، وصوابه: بالظاء المشالة، كلما يعلم من "الصحاح" (١) وغيره (وهي: التي لا تقدر على المشي مع جنسها) الصحيح (إلى المرعى. ولا) تُجزئ (كسيرة، ولا مريضة بيِّنٌ مَرَضُها، وهو المفسد للحمِها، بجرب أو غيره) لحديث البراء بن عازب قال: "قامَ فينَا رسول الله ﷺ فقال: أربَعٌ لا تجوزُ في الأضاحي: العَوراءُ البَيِّنُ عَوَرُها، والمريضَةُ البَيِّنُ مرضُهَا، والعَرجاءُ البَيِّنُ ظلعُهَا، والعَجفاءُ التي لا تُنْقِي" رواه أبو داود، والنسائي (٢).

стр. 2761

(ولا) تجزئ (عَضْباء) بالعين المهملة والضاد المعجمة (وهي: التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها) لحديث علي قال: "نهى النبيُّ ﷺ أن يُضَحّى بأعْضَبِ الأُذنِ والقَرْن" قال قتادة: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: العضْبُ النصفُ، أو أكثر من ذلك. رواه الخمسة (١)، وصححه الترمذي. وقال أحمد (٢): العَضْبَاء: ما ذهب أكثر أذنها أو قَرْنها. نقله حنبل؛ لأن الأكثر كالكل. (وتُكره مَعيبةُ أذن بخَرْق، أو شَقٍّ، أو قَطْع لـ) ـــنصف، أو (أقل من النصف، وكذا) معيبة (قَرْن) بواحد من هذه؛ لحديث علي قال: "أمَرنَا رسول الله ﷺ أن نَسْتَشْرِفَ العينَ والأُذنَ، وأن لا نضحِّيَ بمقابلةٍ، ولا مدابرَةٍ، ولا خرْقَاءَ، ولا شَرْقاءَ. قال زهير: قلت لأبي إسحاق: ما المقابَلةُ؟ قال: يقطع طرف الأُذنِ، قلتُ: فما المدابرةُ؟ قال: يقطعُ من مؤخَّرِ الأُذنِ، قلت: فما الخرْقَاءُ؟ قال: تُشَقُّ

стр. 2762

الأُذُن (١). قلت: فما الشرقَاءُ؟ قال: تشقُّ أذُنها للسّمَةِ" (٢) رواه أبو داود (٣). وقال القاضي: الخَرْقاء: التي قد انتقبت أذنها. والشرقاء: التي تشق أذنها، وتبقى كالشاختين (٤). وهذا نهي تنزيه، ويحصُل الإجزاء بها؛ لأن اشتراط السلامة من ذلك يشق، إذ لا يكاد يوجد سالم من هذا كله. (ولا تجزئ الجَدَّاء: وهي جافة الضَّرْع) أي: الجدباء التي شاب ونشف ضرعها؛ لأن هذا أبلغ في الإخلال بالمقصود من ذهاب شحمة العين. (ولا) تجزئ (هَتْماءُ: وهي التي ذهبت ثناياها من أصلها) قال في "التلخيص": هو قياس المذهب. (ولا عَصْماءُ (٥): وهي التي انكسر غِلافٌ قَرْنها) قاله في

стр. 2763

"المستوعب" و"التلخيص". (ويجزئ ما ذهب دون نصف أليتها) وكذا ما ذهب نصفها، كما في "المنتهى" وقياس ما تقدم في الأذن: وتكره، بل هنا أَولى. (و) تجزئ (الجَمَّاء، وهي: التي خُلقت بلا قَرْن، والصَّمْعاء، وهي: الصغيرة الأذن، وما خُلقت بلا أُذُن، والبتراءُ: التي لا ذَنَب لها خِلْقة، أو مقطوعًا) لأن ذلك لا يخل بالمقصود. (و) تجزئ (التي بعينها بياض لا يمنعُ النظرَ) لعدم فوات المقصود من البصر. (و) يجزئ (الخصِيُّ الذي قُطعت خُصيتاه، أو سُلَّتا، أو رُضَّتا) لأن النبي ﷺ "ضحَّى بكبشينِ مَوْجُوأيْنِ" (١). والوِجاء: رَضُّ

стр. 2764

الخصيتين؛ ولأن الخصاء إذهاب عضو غير مستطاب، يطيب اللحم بذهابه ويسمن. قال الشعبي (١): ما زاد في لحمه وشحمه أكثر مما ذهب منه. (فإن قُطع ذَكَرُه مع ذلك) أي: مع قطع الخصيتين، أو سلهما، أو رضهما (لم يجز وهو الخصي المجبوب) نصَّ عليه (٢). وجزم به في "التلخيص"، وقدَّمه في "الرعاية الكبرى". (وتُجزئ الحامل) من الإبل، أو البقر، أو الغنم، كالحائل.

стр. 2765

فصل (والسُّنة نَحْرُ الإبل قائمة معقولةً يدها اليسرى، فيطعنها بالحَرْبة في الوَهْدة التي هي (١) بين أصل العنق والصدر) لما روى زياد بن جبير قال: "رأيتُ ابنَ عمرَ أتى على رجُلٍ أناخَ بَدَنَة؛ ليَنْحرها، فقال: ابْعَثها قائمةً مُقَيَّدةً، سُنَّةَ محمدٍ ﷺ " متفق عليه (٢). وروى أبو داود بإسناده عن عبد الرحمن بن سابط: "أن النبي ﷺ وأصحابه، كانُوا ينْحَرُونَ البدَنَةَ معقُولَةَ اليُسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها" (٣). وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٤) دليل على أنها تنحر قائمة. وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٥)

стр. 2766

أي: قيامًا (١)، لكن إن خشي عليها أن تنفِر أناخها. (و) السُّنة (ذَبْح بَقَر، وغَنَم) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢)، ولحديث أنس: "أن النبيَّ ﷺ ضَحَّى بكبشين ذَبحَهُما بيَدِهِ" (٣). (ويجوز عكسُه) أي: ذَبْح الإبل، ونَحْر البقر والغنم؛ لأنه لم يتجاوز محلَّ الذكاة؛ ولعموم قوله ﷺ : "ما أنهرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه فَكُلْ" (٤). (ويأتي) ذلك. (ويقول بعد توجيهها) أي: الذبيحة (إلى القِبْلة على جنبها الأيسر) إن كانت مِن البقر والغنم (حين يحرِّكُ يده بالذَّبح: بسم الله، واللهُ أكبر، اللَّهمَّ هذا منك ولك) لما روى ابن عمر "أن النبيَّ ﷺ ذَبَحَ يومَ العيدِ كبشين، ثم قال حين وجَّهَهُما: وجَّهْتُ وَجْهِي للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حَنيفًا، وما أنا مِنَ المُشْرِكينَ، إن صَلاتِي ونُسُكي ومَحْيَايَ وممَاتِي للهِ رَبِّ العالمينَ، لا شَريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ، وأنا

стр. 2767

أوَّلُ المسلمينَ، بسم الله، واللهُ أكبرُ، اللهُمَّ هذا منكَ ولكَ". رواه أبو داود (١). وإن اقتصر على التَّسمية، فقد تَرَك الأفضل، وكذا يقول عند تحريك يده بالنَّحْر. (وإن قال قبل ذلك) أي: بسم الله، والله أكبر، إلخ (وقبل تحريك يده) بالذبح، بأن قال عند توجه الذبيحة إلى القِبلة: (وجَّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ حنيفًا، وما أنَا من المشركينَ، إن صلاتِي وَنُسكِي، ومحيَايَ، ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شَريكَ له، وبذلكَ أُمِرْتُ، وأنا أول المسلمين) فَحَسنٌ؛ لما تقدم في حديث ابن عمر (٢)، لكن بإسقاط: "أوَّل"؛ لمناسبة المعنى. أو قال بعد "هذا منك، ولك": (اللهم تقبلْ منِّي، كما تقبَّلتَ من إبراهيم خليلك، فَحَسنٌ) لمناسبة الحال، وفي حديث لمسلم: أن النبيَّ ﷺ قال: "اللهمَّ تقبَّلْ من محمدٍ، وآلِ محمدٍ، وأمة محمد" (٣). وكرِه ابن عمر (٤)، وابن سيرين (٥) الأكلَ من الذبيحة، إذا وُجِّهت لغير القِبلة. (والأفضل تَولِّي صاحِبها) أي: الذبيحة هَديًا كانت، أو أُضحية

стр. 2768

(ذَبْحها بنفسه) لأن النبي ﷺ "ضحَّى بكبشين أقرَنَيْنِ أمْلَحيْنِ، ذَبَحهما بيَده، وسمَّى، وكبَّرَ، ووضَعَ رِجْلَه على صفاحِهما" (١)، "ونَحَرَ البَدَنَاتِ السِّتَّ بيدِهِ" (٢)، و"نَحَرَ من البُدْنِ التي أهداها في حجَّة الوداع ثلاثًا وستينَ بَدَنة بيدِه" (٣). ولأن فِعْلَ الذَّبْح قُربة، وتولِّي القُربة بنفسه أَولى من الاستنابة فيها. (وإن وكَّل من يصحُّ ذبحه، ولو ذِميًّا) كتابيًّا أبواه كتابيان (جاز، ومسلمٌ أفضل) من ذِمي؛ لأنه ﷺ "استنابَ عليًّا في نَحْر ما بَقِي من بُدْنِهِ" (٤). (ويُكره أن يوكّل) في ذبح أُضحية (٥) (ذميًّا) كتابيًّا؛ لقول علي (٦)،

стр. 2769

وابن عباس (١)، وجابر (٢)؛ ولحديث ابن عباس الطويل مرفوعًا: "ولا يَذبح ضَحَايَاكُم إلا طَاهِرٌ" (٣). (ويَشهدُها) أي: الأُضحية ربُّها (نَدْبًا إن وكَّل) في تذكيتها؛ لأن في حديث ابن عباس الطويل: "واحضُرُوهَا إذا ذبحتم، فإنه يُغْفَرُ لكم عندَ أولِ قطرةٍ من دَمِهَا" (٤)، ورُوي أنه ﷺ قال لفاطمة: "احضُرِي أُضْحِيَتَكِ يُغفر لكِ بأوَّل قطْرةٍ من دَمِها" (٥).

стр. 2770

(ولا بأس بقول (١) الوكيل: اللهمَّ تقبَّل من فلان) أي: الموكّل له (وتُعتبر النيةُ) أي: نية كونها أُضحية (من الموكّل إذًا) أي: وقت التوكيل في الذبح. (وفي "الرعاية": ينوي) أي: الموكِّل كونها أُضحية (عند الذَّكاة، أو الدَّفْع إلى الوكيل) ليذكِّيها (٢). (إلا مع التعيين) أي: تعيين الأُضحية، بأن تكون معينة، فلا تُعتبر النية (ولا تُعتبر تسمية المُضحَّى عنه) اكتفاء بالنية. (ووقت ابتداء ذَبْح أُضحية، وهَدي نَذْرٍ أو تطوُّع، و) دم (مُتعة وقِران يوم العيد بعد الصلاة) أي: صلاة العيد؛ لحديث جُندب بن عبد الله البَجَلي: أن النبيَّ ﷺ قال: "من ذَبَحَ قبل أنْ يصَلِّي فليُعِدْ مكانها أُخرى" (٣). وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "من صَلَّى صَلاتنا، ونَسَكَ نُسكنا، فقد أصَابَ النُّسُكَ، ومن ذَبَحَ قبل أن يُصَلِّيَ فليُعِدْ مَكانها أُخرى". متفق عليه (٤) (ولو) كان (قبل الخُطبة) لظاهر ما سبق.
следующие страницы →