← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

أي: قيامًا (١)، لكن إن خشي عليها أن تنفِر أناخها. (و) السُّنة (ذَبْح بَقَر، وغَنَم) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (٢)، ولحديث أنس: "أن النبيَّ ﷺ ضَحَّى بكبشين ذَبحَهُما بيَدِهِ" (٣). (ويجوز عكسُه) أي: ذَبْح الإبل، ونَحْر البقر والغنم؛ لأنه لم يتجاوز محلَّ الذكاة؛ ولعموم قوله ﷺ : "ما أنهرَ الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللهِ عليه فَكُلْ" (٤). (ويأتي) ذلك. (ويقول بعد توجيهها) أي: الذبيحة (إلى القِبْلة على جنبها الأيسر) إن كانت مِن البقر والغنم (حين يحرِّكُ يده بالذَّبح: بسم الله، واللهُ أكبر، اللَّهمَّ هذا منك ولك) لما روى ابن عمر "أن النبيَّ ﷺ ذَبَحَ يومَ العيدِ كبشين، ثم قال حين وجَّهَهُما: وجَّهْتُ وَجْهِي للذي فَطَرَ السماواتِ والأرضَ حَنيفًا، وما أنا مِنَ المُشْرِكينَ، إن صَلاتِي ونُسُكي ومَحْيَايَ وممَاتِي للهِ رَبِّ العالمينَ، لا شَريكَ له، وبذلك أُمِرْتُ، وأنا

стр. 2767

أوَّلُ المسلمينَ، بسم الله، واللهُ أكبرُ، اللهُمَّ هذا منكَ ولكَ". رواه أبو داود (١). وإن اقتصر على التَّسمية، فقد تَرَك الأفضل، وكذا يقول عند تحريك يده بالنَّحْر. (وإن قال قبل ذلك) أي: بسم الله، والله أكبر، إلخ (وقبل تحريك يده) بالذبح، بأن قال عند توجه الذبيحة إلى القِبلة: (وجَّهتُ وجهيَ للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ حنيفًا، وما أنَا من المشركينَ، إن صلاتِي وَنُسكِي، ومحيَايَ، ومماتي لله ربِّ العالمين، لا شَريكَ له، وبذلكَ أُمِرْتُ، وأنا أول المسلمين) فَحَسنٌ؛ لما تقدم في حديث ابن عمر (٢)، لكن بإسقاط: "أوَّل"؛ لمناسبة المعنى. أو قال بعد "هذا منك، ولك": (اللهم تقبلْ منِّي، كما تقبَّلتَ من إبراهيم خليلك، فَحَسنٌ) لمناسبة الحال، وفي حديث لمسلم: أن النبيَّ ﷺ قال: "اللهمَّ تقبَّلْ من محمدٍ، وآلِ محمدٍ، وأمة محمد" (٣). وكرِه ابن عمر (٤)، وابن سيرين (٥) الأكلَ من الذبيحة، إذا وُجِّهت لغير القِبلة. (والأفضل تَولِّي صاحِبها) أي: الذبيحة هَديًا كانت، أو أُضحية

стр. 2768

(ذَبْحها بنفسه) لأن النبي ﷺ "ضحَّى بكبشين أقرَنَيْنِ أمْلَحيْنِ، ذَبَحهما بيَده، وسمَّى، وكبَّرَ، ووضَعَ رِجْلَه على صفاحِهما" (١)، "ونَحَرَ البَدَنَاتِ السِّتَّ بيدِهِ" (٢)، و"نَحَرَ من البُدْنِ التي أهداها في حجَّة الوداع ثلاثًا وستينَ بَدَنة بيدِه" (٣). ولأن فِعْلَ الذَّبْح قُربة، وتولِّي القُربة بنفسه أَولى من الاستنابة فيها. (وإن وكَّل من يصحُّ ذبحه، ولو ذِميًّا) كتابيًّا أبواه كتابيان (جاز، ومسلمٌ أفضل) من ذِمي؛ لأنه ﷺ "استنابَ عليًّا في نَحْر ما بَقِي من بُدْنِهِ" (٤). (ويُكره أن يوكّل) في ذبح أُضحية (٥) (ذميًّا) كتابيًّا؛ لقول علي (٦)،

стр. 2769

وابن عباس (١)، وجابر (٢)؛ ولحديث ابن عباس الطويل مرفوعًا: "ولا يَذبح ضَحَايَاكُم إلا طَاهِرٌ" (٣). (ويَشهدُها) أي: الأُضحية ربُّها (نَدْبًا إن وكَّل) في تذكيتها؛ لأن في حديث ابن عباس الطويل: "واحضُرُوهَا إذا ذبحتم، فإنه يُغْفَرُ لكم عندَ أولِ قطرةٍ من دَمِهَا" (٤)، ورُوي أنه ﷺ قال لفاطمة: "احضُرِي أُضْحِيَتَكِ يُغفر لكِ بأوَّل قطْرةٍ من دَمِها" (٥).

стр. 2770

(ولا بأس بقول (١) الوكيل: اللهمَّ تقبَّل من فلان) أي: الموكّل له (وتُعتبر النيةُ) أي: نية كونها أُضحية (من الموكّل إذًا) أي: وقت التوكيل في الذبح. (وفي "الرعاية": ينوي) أي: الموكِّل كونها أُضحية (عند الذَّكاة، أو الدَّفْع إلى الوكيل) ليذكِّيها (٢). (إلا مع التعيين) أي: تعيين الأُضحية، بأن تكون معينة، فلا تُعتبر النية (ولا تُعتبر تسمية المُضحَّى عنه) اكتفاء بالنية. (ووقت ابتداء ذَبْح أُضحية، وهَدي نَذْرٍ أو تطوُّع، و) دم (مُتعة وقِران يوم العيد بعد الصلاة) أي: صلاة العيد؛ لحديث جُندب بن عبد الله البَجَلي: أن النبيَّ ﷺ قال: "من ذَبَحَ قبل أنْ يصَلِّي فليُعِدْ مكانها أُخرى" (٣). وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "من صَلَّى صَلاتنا، ونَسَكَ نُسكنا، فقد أصَابَ النُّسُكَ، ومن ذَبَحَ قبل أن يُصَلِّيَ فليُعِدْ مَكانها أُخرى". متفق عليه (٤) (ولو) كان (قبل الخُطبة) لظاهر ما سبق.

стр. 2771

(والأفضل) أن يكون الذبح بعد الصلاة، و (بعدَها) أي: الخطبة، وذَبْحِ الإمام إن كان؛ خروجًا من الخلاف. (ولو سبقت صلاةُ إمامٍ (١) في البلد) الذي تتعدد (٢) فيه العيد (جاز الذَّبحُ) لتقدم الصلاة عليه (أو بعد) مضي (قَدْرها) أي: قَدْر زمن صلاة العيد (بعد حِلِّها) أي: دخول وقتها (في حقِّ من لا صلاة في موضعه) كأهل البوادي من أهل الخيام، والخَرْكاوات (٣) ونحوهم، ممن لا عيد عليه، فدخول وقت ذَبْح ما ذُكر في حقِّهم، بمضي قَدْر ما تُفعل فيه الصلاة بعد دخول وقتها؛ لأنه لا صلاة في حقِّهم تُعتبر، فوجب الاعتبار بقَدْرها. وأطلق الأصحاب قَدْر الصلاة، فقال الزركشي: يحتمل أن يُعتبر ذلك بمتوسط الناس، وأبو محمد - أي (٤): الموفَّق - اعتبر قَدْر صلاةٍ (٥) وخطبةٍ تامتين في أخفِّ ما يكون. انتهى. وقوله: "وخطبة" مبني على اعتبارها، والمذهب: لا تُعتبر كما تقدم. (فإن فاتتِ الصلاةُ) أي: صلاة العيد (بالزوال) بأن زالت الشمس في موضع تُصلَّى فيه، كالأمصار والقُرى قبل أن يصلُّوا؛ لِعُذْرٍ أو غيره

стр. 2772

(ضحَّى إذن) أي: عند الزوال فما بعده؛ لفوات التبعية بخروج وقت الصلاة. (وآخرُه) أي: آخر وقت ذَبْح أُضحية، وهَدي نَذْر، أو تطوُّع، أو مُتعة، أو قِران (آخرُ اليوم الثاني من أيام التشريق) فأيام النَّحْر ثلاثة: يوم العيد، ويومان بعده. وهو قول عمر (١)، وابنه (٢)، وابن عباس (٣)، وأبي هريرة (٤)، وأنس (٥). ورُوي أيضًا عن علي (٦). قال أحمد (٧): أيام النحر ثلاثة، عن غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وفي رواية (٨) عنه: خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأنه ﷺ : "نَهَى عَنِ ادِّخَارِ لُحُومِ الأضَاحِي فوق ثلاث" (٩) ويستحيل أن

стр. 2773

يُباح ذبحها في وقت يَحرم أكلها فيه، ونَسْخُ أحد الحكمين - وهو الادخار - لا يلزمه رَفْع الآخر، وهو إجزاء الذبح فيما زاد على الثلاثة. وفي "الإيضاح": إلى آخر أيام التشريق. (وأفضله) أي: ذبح ما ذُكر (أول يوم من) دخول (وقته) وهو مضي الصلاة، أو قَدْرها، والأفضل أن يكون بعد الخطبتين - أيضًا - وبعد ذبح الإمام إن كان، كما تقدم (١)؛ لما فيه من المبادرة والخروج من الخلاف. (ويجزئ) ذَبْح ما ذُكر (في ليلتهما) أي: ليلة يومي الشريق الأولين؛ لأن الليل زمن يصحُّ فيه الرَّمي، أي: في الجملة، كالسُّقاة والرُّعاة، وداخل في مدة الذبح، فجاز فيه، كالأيام (مع الكراهة) للخروج من الخلاف. وظاهر "المنتهى": لا يكره. (ووقت ذَبْح ما وجب) من الدماء (بفعل محذور (٢)) كلبس، وطيب، وحَلْق رأس، ونحوه (من حين وجوبه) أي: من حين فِعْل المَحذور (٢). (فإن فعله) أي: أراد فِعْل المحذور (٢) (لعُذر، فله ذبحه قبله) أي: قبل المَحذور (وتقدم) في باب الفدية (٣). (وكذا ما وجب) من الدماء (لترك واجب) يدخل وقته من ترك الواجب. (وإن ذَبَح) هَديًا، أو أُضحية (قبل وقته، لم يجزئه) كالصلاة قبل الوقت (وصَنَع به ما شاء) لأنه لحم (وعليه بدل الواجب) لبقائه في ذمته.

стр. 2774

(وإن فات الوقت) قبل ذَبْح هَدي، أو أُضحية (ذَبَح الواجب قضاء) لأن الذبح أحد مقصودي الأضحية، فلا يسقط بفوات وقته، كما لو ذبحها في الوقت، ولم يفرِّقها حتى خرج الوقت (وسقط التطوُّع) بخروج وقت الذَّبْح؛ لأن المُحَصّل للفضيلة الزمان، وقد فات، فلو ذبحه وتصدَّق به كان لحمًا تصدق به، لا أُضحية في الأصح. قاله في "التبصرة". فصل (ويتعيَّنُ الهَدي بقوله: هذا هَدْي) لأنه لفظ يقتضي الإيجاب؛ لوضعه له شرعًا، فوجب أن يترتب عليه مقتضاه (أو بتقليده) أي: ويتعيَّنُ الهَدْي أيضًا بتقليده مع النيَّة (أو إشعاره مع النيَّة) أي: نيَّة الهَدْي؛ لأن الفِعل مع النيَّة يقوم مقام اللفظ، إذا كان الفِعل يدلُّ على المقصود، كمن بني مسجدًا، وأذن للناس في الصلاة فيه. و (لا) يتعيَّن الهَدْي (بشرائه، ولا بسَوْقه مع النيَّة فيهما) لأن الشراء والسَّوْق لا يختصان بالهَدْي، والتعين (١) إزالة ملك على وجه القُرْبة، فلم تؤثر فيه النية المقارنة لهما، كالعتق والوقف لا يحصلان بالنية حال الشراء، وكإخراجه (٢) مالًا للصدقة به. (و) تتعين (الأُضحية بقوله: هذه أُضحية) فتصير واجبة بذلك، كما يعتق العبد بقول سيده: هذا حُرٌّ؛ لوضع هذه الصيغة لذلك شرعًا (أو: لله، فيهما) أي: يتعيَّن كل من الهَدْي والأُضحية بقوله: هذه لله؛

стр. 2775

لأن هذه الصِّيغ خبر أُريد به الإنشاء، كصيغ العقود (ونحوه) أي: نحو: هذه لله (من ألفاظ النَّذْر) كقوله: هذه صدقة. قال في "الموجز"، و"التبصرة": إذا أوجبها بلفظ الذبح، نحو: لله عليَّ ذبحها، لزمه، وتفريقه على الفقراء، وهو معنى قوله في "عيون المسائل": لو قال: لله عليَّ ذَبْح هذه الشاة، ثم أتلفها، ضَمِنها؛ لبقاء المستحق لها. (ولو أوجبها ناقصةً نقصًا يمنع الإجزاء) كالعوراء البيِّن عورُها، والعرجاء البيِّن عرجُها (لزمه ذبحُها) كما لو نذره (ولم يجزئه (١) عن الأُضحية الشرعيَّة) لما تقدم من الخبر (٢) (ولكن يُثاب على ما يَتصدَّق به منها) لحمًا منذورًا، لا أُضحية. قال في "المستوعب": وإن حَدَث بها - أي: بالمعيَّنة أُضحيةً - عَيبٌ، كالعمى، والعَرَج، ونحوه، أجزأه ذبحها، وكانت أُضحية. (فإن زال عيبها المانع من الإجزاء كبُرْءِ المريضة، و) برء (العَرْجاء، وزوال الهُزَال، أجزأت) لعدم المانع، والحكم يدور مع عِلَّته (٣). (وإذا تعيَّنا) أي: الهَدْي والأُضحية (لم يَزُل ملكُه) عنهما، كالعبد المنذور عتقه، والمال المنذور الصدقة به. (وجاز له نقل الملك فيهما) أي: في الهَدْي والأُضحية المعينين (بإبدالٍ، وغيره، وشراءِ خير منهما) بأن يبيعهما بخير منهما، أو بنقد،

стр. 2776

أو غيره، ثم يشتري به خيرًا منهما، نقله الجماعة عن أحمد (١)؛ لحصول المقصود مع نفع الفقراء بالزيادة. وأما حديث: "أنهُ ﷺ ساقَ في حجَّتِهِ مائَةَ بَدَنةٍ، وقَدمَ عليٌّ من اليَمنِ، فأشْرَكهُ في بُدْنِهِ" رواه مسلم (٢)، فيحتمل أنه أشرك عليًّا فيها قبل إيجابها، ويحتمل أنه أشركه فيها، بمعنى أن عليًّا جاء ببُدن، فاشتركا في الجميع، فكان بمعنى الإبدال، لا بمعنى البيع، ويجوز أن يكون أشركه في ثوابها وأجرها. قاله في "الشرح". (و) جاز (إبدال لحم) ما تعيَّن من هَدي وأُضحية (بخير منه) لنفع الفقراء. و (لا) يجوز إبدال ما تعيَّن من هَدي، أو أُضحية، أو لحمهما (بمثل ذلك، ولا) بما (دونه) إذ لا حظَّ في ذلك للفقراء. (وإن) اشترى أُضحية أو هَديًا وعيَّنها لذلك، ثم (عَلِمَ عيبها (٣) بعد التعيين، ملك الردَّ) واسترجاع الثمن. قلت: ويشتري به بدلها؛ بدليل ما يأتي (وإن أخذ الأرْشَ، فكفاضلٍ عن القيمة، على ما يأتي) فيشتري به شاة، أو سُبع بدنة، أو بقرة، أو يتصدَّق به، أو بلحم يُشترى به. (وإن) اشترى أُضحية، أو هَديًا، وعيَّنها ثم (بانت مستحقة بعده) أي: بعد التعيين (لزمه بدلها) نصًّا (٤)، نقله علي بن سعيد (٥). قال في

стр. 2777

"الفروع": ويتوجه فيه: كأرْشٍ. وعلم منه أنها لو بانت مستحقة قبل التعيين، لم يلزمه بدلها؛ لعدم صحة التعيين إذن. (وإن مات بعد تعيينها) أي: الأُضحية، أو الهَدي (لم يجز بيعها في دَيْنِهِ، ولو لم يكن له وفاءٌ إلا منها) لتعلق حقّ الله بها، وتعين ذبحها، وكما لو كان حيًّا (ولزم الورثة ذبحها، ويقومون مقامه في الأكل، والصدقة، والهدية) كسائر الحقوق له وعليه. (وإن أتلفها مُتْلِفٌ) - ربُّها، أو غيره - (فأُخذت (١) منه القيمة، أو باعها من أوجبها، ثم اشترى بالقيمة) في الأولى (أو) اشترى (بالثمن) في الثانية (مثلها، صارت) المُشتراة (معينة بنفس الشراء) كبدل رهن، أو وقف أتلف، ونحوه، لقيام البدل مقام مبدله. (وله) أي: لمن عيَّن هَديًا أو أُضحية (الركوب لحاجة فقط، بلا ضرر) قال أحمد (٢): لا يركبها إلا عند الضرورة؛ لأن النبي ﷺ قال: "اركَبْهَا بالمعروفِ؛ إذا ألجِئْتَ إليها، حتَّى تَجِدَ ظَهْرًا". رواه أبو داود (٣)، ولأنه تعلَّق بها حق المساكين، فلم يجز ركوبها من غير ضرورة، كملكهم، فإن تضررت بركوبه لم يجز؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر (ويضمن نقصها) الحاصل بركوبه؛ لأنه تعلَّق بها حق غيره. (وإن وَلَدت) التي عُيِّنت هَديًا أو أُضحية ابتداء، أو عن واجب في الذِّمَّة (ذَبَح ولدَها معها) سواء (عيَّنها حاملًا أو حدث) الحمل

стр. 2778

(بعده) أي: بعد التعيين؛ لأن استحقاق المساكين الولدَ حكمٌ ثبت بطريق السراية من الأم، فيثبت للولد ما يثبت لأمه، كولد أم الولد والمُدبَّرة (إن أمكن حَمْلُه) أي: الولد على ظهرها، أو ظهر غيرها (أو) أمكن (سوقه إلى محله) أي: محل ذبح الهَدْي. وتقدم في باب الفِدية (١). (وإلا) أي: وإن لم يمكن حمل الولد، ولا سوقه إلى محله (فكهدي عَطِبَ) على ما يأتي بيانه (٢). (ولا يَشربُ من لبنِها) أي: لبن المعينة أُضحية أو هَدْيًا (إلا ما فَضَل عن ولدها) فيجوز شربه؛ لقول علي: "لا يَحْلِبُها إلَّا ما فضلَ عن تيسير وَلدِها" (٣)؛ ولأنه انتفاع لا يضرُّ بها، ولا بولدها، والصدقة به أفضل؛ خروجًا من الخلاف. (فإن خالف) وشرب ما يضر بولدها (حَرُمَ) عليه ذلك، وكذا لو كان الحَلب يضر بها، أو ينقص لحمها (وضَمِنَه) أي: اللبن المأخوذ إذن؛ لتعديه بأخذه. (ويَجزُّ صوفَها ووبَرها) وشعرَها (لمصلحة) كما لو كانت تسمن به (وله أن ينتفع به، كلبَنِها، أو يتصدَّق به) قال القاضي: له الصدقة بالشعر، وله الانتفاع به. وذكر ابن الزاغوني أن اللبن والصوف لا يدخلان في الإيجاب، وله الانتفاع بهما، إذا لم يضرَّ بالهَدْي، وكذلك قال صاحب "التلخيص" في اللبن.

стр. 2779

(وإن كان بقاؤه) أي: الصوف أو الوبر أو الشعر (أنفع لها، لكونه يقيها الحَرَّ والبرد، لم يَجُزْ جَزُّه، كما لا يجوز أخذ بعض أعضائها) لتعلُّق حق الغير بها. (و لا يُعطي الجازر شيئًا منها أُجرةً) للخبر (١)، ولأنه بَيْعٌ لبعض لحمها، ولا يصح (بل) يعطيه منها (هَدية، وصَدَقة) لأنه في ذلك كغيره، بل هو أَولى؛ لأنه باشرها، وتاقت نفسُه إليها. (وله أن ينتفع بجلدها، وجُلِّها (٢)) قال في "الشرح": لا خلاف في جواز الانتفاع بجلودها، وجِلالها، لأن الجلد جزء منها، فجاز للمضحي الانتفاع به كاللحم، وكان علقمة ومسروق يدبغان جلد أضحيتهما، ويصليان عليه (٣). وعن عائشة قالت: "قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قد كانوا ينتفِعُونَ من ضحايَاهُمْ يحملون منها الودكَ، ويتَّخذُون منها الأسْقيةَ، قال: وما ذاك؟ قالت: نَهَيْتَ عن إمساكِ لحوم الأضاحي بعد ثلاث. قال: إنَّما نَهَيْتُكم؛ للدّافَةِ (٤) التي دفَّتْ، فكلوا، وتزَوَّدُوا وتصَدَّقُوا" (٥) - حديث صحيح - ولأنه انتفاع به، فجاز كلحمها (أو يتصدَّق بهما) أي: بالجلد، والجلِّ.

стр. 2780

(ويحرم بيعهما) أي: بيع الجلد، والجلِّ؛ لحديث علي، قال: "أمَرَني رسولُ الله ﷺ أنْ أقُومَ على بُدْنهِ، وأن أقسِمَ جُلُودها، وجِلالها، وأن لا أُعْطِي الجَازِرَ منها شيئًا، وقال: نحن نعْطِيه من عندنا" متفق عليه (١). (و) يَحرم (بيعُ شيء منها) أي: الذبيحة (٢)؛ هَديًا كانت أو أُضحية (ولو كانت تطوُّعًا؛ لأنها تعيَّنت بالذبح) لقوله ﷺ في حديث قتادة بن النعمان: "ولا تَبيعُوا لحومَ الأضَاحِي والهَدْي، [فكلوا] (٣)، وتَصَدَّقُوا واستَمتِعُوا بجُلُودها" (٤). قال الميموني (٥): قالوا لأبي عبد الله: فجلد الأُضحية نعطيه السَّلَّاخ؟ قال: لا. وحكى قول النبي ﷺ : "لا تعْطِ في جِزارَتِها شيئًا منها" (٦). قال: إسناد جيد. (وإن عيَّن أُضحية أو هَدْيًا، فسُرِق بعد الذبح، فلا شيء عليه، وكذا إن عيَّنه عن واجب في الذِّمة، ولو) كان وجوبه في الذِّمة (بالنذر) بأن نذر هَدْيًا أو أُضحية، ثم عيَّن عنه ما يجزئ، ثم ذبحه، فسُرِق، فلا شيء عليه؛ لأنه أمانة في يده، ولم يتعدَّ، ولم يفرِّط، فلم يضمن، كالوديعة. (وإن تلفت) المعينة هَدْيًا كانت أو أُضحية (ولو قبل الذبح، أو سُرقت، أو ضلَّت قبله) أي: الذبح (فلا بدل عليه إن لم يفرِّط) لأنه أمين.

стр. 2781

(وإن عيَّن عن واجب في الذِّمة) ما يجزئ فيه كالمتمتع يعيّن عن دم التمتع شاة، أو بقرة، أو بَدَنة، أو عن هَدي نذره في ذِمته (وتعيَّب) ما عيَّنه عن ذلك (أو تلف، أو ضلَّ، أو عَطِب، أو سُرِق، ونحوه) كما لو غُصب (لم يجزئه) لأن الذِّمة لم تبرأ من الواجب بمجرد التعيين عنه، كالدَّين يضمنه ضامن، أو يرهن به رهنًا، فإنه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه في ذمة المدين. فمتى تعذَّر استيفاؤه من الضامن، أو تلف الرهن، بقِيَ الحق في الذمة بحاله (ولزمه بدله) أي: بدل ما تعيَّب، أو تلف، أوْ ضَلَّ، أو عطِب، أو سُرق ونحوه إذا كان عيَّنه عن واجب في ذمته (ويكون أفضل مما في الذِّمة وإن (١) كان تلفه بتفريطه) هذا معنى كلامه في "الفروع"، و"الإنصاف"، و"شرح المنتهى". قال في "تصحيح الفروع": ظاهره مشكل، ومعناه: إذا عيَّن عما في الذِّمة أزيد مما في الذِّمة، ثم تلف بتفريطه، فإنه يلزمه مثل الذي تلف، وإن كان أفضل مما في الذِّمة؛ لأن الواجب تعلَّق بما عيَّنه عما في الذِّمة، وهو أزيد، فيلزمه مثله، وهو أزيد عمَّا (٢) في الذِّمة. صرَّح به في "المغني (٣) "، و"الشرح" وغيرهما. "تتمة": لو ضحَّى اثنان، كلٌّ بأضحية الآخر عن نفسه غلطًا، كفتهما، ولا ضمان استحسانًا، والقياس ضدهما، ذكره القاضي، وغيره.

стр. 2782

ونقل الأثرم وغيره (١) في اثنين ضَحَّى هذا بأُضحية هذا، يترادَّان اللحم (٢)، ويجزئ. ولو فرَّق كل منهما لحم ما ذَبَحه (٣)؛ لإذن الشرع في ذلك. (وإن ذَبَحها) أي: المعيَّنة هَدْيًا أو أُضحية (ذابحٌ في وقتها بغير إذن) ربها أو وَليِّه (ونواها عن ربها، أو أطلق، أجزأت) عن ربها (ولا ضمان على الذابح) لأن الذبح فِعْل لا يفتقر إلى النية، فإذا فَعَله غير صاحبه أجزأ عن صاحبه، كغسل ثوبه من النجاسة، ولأنها وقعت موقعها بذبحها في وقتها، فلم يضمن ذابحها، حيث لم يكن متعديًا؛ ولأن الذبح إراقة دم، تعيَّن إراقته لحق الله تعالى، فلم يضمن مريقه، كقاتل المرتد بغير إذن الإمام. (وإن نواها) أي: نوى الذابح الأُضحية (عن نفسه، مع عِلمه أنها أُضحية الغير، لم تُجْزِئْ مالكها (٤)) سواء فرَّق الذابح اللحم أو لا، ويضمن الذابح قيمتها إن فرَّق لحمها وأَرْشَ الذبح إن لم يفرقه؛ لغَصْبه واستيلائه على مال الغير، وإتلافه أو تنقيصه عدوانًا. (وإلا) أي: وإن ذبحها عن نفسه، ولم يعلم أنها أُضحية الغير؛ لاشتباهها عليه، مثلًا (أجزأت عن ربِّها إن لم يفرِّق الذابح لحمها) لما تقدم من أن الذبح لا يفتقر إلى نية، كإزالة النجاسة، فإن فرَّق اللحم إذن، ضَمِن؛ لأن الإتلاف يستوي فيه العمد وغيره. (وإن أتلفها) أي: المعيَّنة من هَدْي، أو أُضحية (صاحبُها،

стр. 2783

ضمِنها بقيمتها يوم التلف) في محله، كسائر المتقومات (تُصْرَفُ في مثلها كإتلاف أجنبي) غير مالكها لها؛ لبقاء المستحق لها؛ وهم الفقراء، بخلاف قنٍّ نذر عتقه، فلا يلزم صرف قيمه في مثله، إذا أتلف؛ لأن القصد من العتق تكميل الأحكام، وهو حقٌّ للرقيق الميت. (وإن فَضَل من القيمة) أي: قيمة الأُضحية المعيَّنة، أو الهَدْي المعيَّن (شيء عن شراء المِثْل) لنحو رُخْص عِوَض (اشترى به شاة إن اتَّسع) لذلك، أو سُبع بدنة، أو بقرة؛ لما فيه من إراقة الدم المقصود في ذلك اليوم. (وإلا) أي: وإن لم يتسع لشاة، أو شرك في بَدَنة، أو بقرة (اشترى به لحمًا فتصدَّق به، أو يتصدق بالفضل) لفوات إراقة الدم. (وإن فقأ عينه) أي: الحيوان المعيَّن هَدْيًا أو أُضحية مالكه، أو غيره (تصدَّق بالأرْش) أو بلحم يشتريه به إن لم يتسع لشاة أو سُبع بدنة أو بقرة. (وإن عَطِب في الطريق قبل محلِّه، أو) عطِب (ذهب الحرم هَدْي واجب، أو تطوع بأن ينويه هَدْيًا، ولا يوجبه بلسانه، ولا بتقليده وإشعاره، وتدوم نيته فيه قبل ذبحه، أو عجز) الهدي (عن المشي) إلى محله (لزم (١) نَحْره) أي: تذكية الهَدْي (موضعه مجزئًا، وصبغ نعله) أي: نعل الهَدْي (التي في عنقه في دمه، وضَرَب) به (صفحته؛ ليعرِفه الفقراء، فيأخذوه. ويَحرم عليه وعلى خاصة رُفقته - ولو كانوا فقراء - الأكلُ منه) أي: من الهَدْي العاطب (ما لم يبلغ محلَّه) لحديث ابن عباس: "أن ذُؤَيْبًا أبا قبيصَةَ حدَّثَهُ أن رسول الله ﷺ كان يبعثُ معه بالبُدْنِ، ثم

стр. 2784

يقولُ: إنْ عطِبَ منها شيءٌ فَخَشِيتَ عليها، فانحَرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضْرِبْ به صَفْحتها، ولا تَطعمْهَا أنتَ ولا أحَدٌ من أهْلِ رفقتِكَ" رواه مسلم (١)، وفي لفظ: "ويخَلّيها والنَّاسَ، ولا يأكُل منها هوَ ولا أحدٌ من أصحَابِهِ" رواه أحمد (٢). ولا يصح قياس رُفقته على غيرهم؛ لأن الإنسان يُشفق على رُفقته ويحب التوسعة عليهم، وربما وسَّع عليهم من مؤنته، وإنما مُنع السائق ورُفقته الأكل منه؛ لئلا يُقصِّر في حفظه ليعطبه؛ ليأكل هو ورُفقته منه، فتلحقه التهمة لنفسه ورُفقته. (فإن أكل) السائق (منه) أي: من الهَدْي العاطب (أو باع) منه لأحد (أو أطعم غنيًّا، أو) أطعم (رُفقته، ضَمِنه) لتعديه (بمثله لحمًا) لأنه مثلي. (وإن أتلفه) أي: الهَدْي (أو تلف) الهَدْي (بتفريطه) أو تعديه (أو خاف عطبه فلم ينحره حتى هلك، فعليه ضمانه) كسائر الودائع إذا فرَّط فيها أو تعدَّى (يوصله) أي: بدل الهدي (إلى فقراء الحرم) لأنهم مستحقوه. (وإن فَسَخَ في التطوع نيته قبل ذبحه، صَنع به ما شاء) من بيع وأكل وإطعام لرُفقة (٣)؛ لأنه لحم. (وإن ساقه عن واجب في ذِمته) لتمتع، أو فِعل محذور (٤) ونحوه (ولم يعينه بقوله: هذا هَدْي) ونحوه، (لم يتعيَّن) بالسوق مع النية؛ لأن

стр. 2785

السوق لا يختص بالهَدْي، والنية وحدها ضعيفة، لا يحصُل التعيين بها (وله التصرف فيه بما شاء) من بيع وأكل وغيره. (فإن بلغ) الهَدْي الذي ساقه عما في ذمته من الواجب (محِلَّه سالمًا فنحره) في محِلّه (أجزأ عما عيَّنه عنه) لصلاحيته لذلك وعدم المانع. (وإن عَطِب) ما ساقه عن واجب في ذِمته (دون محِلّه، صنع به ما شاء) من أكل وغيره؛ لأنه لحم (وعليه إخراج ما في ذِمته) في محِله؛ لعدم سقوطه. (وإن تعيَّب هو) أي: الهَدْي (أو) تعيَّبت (أُضحية) بغير فِعله، (ذبحه) أي: ما ذكر من الهَدْي أو الأضحية (وأجزأه إن كان واجبًا بنفس التعيين) بأن قال ابتداء: هذا هَدْي أو أُضحية، ولم يكن عن شيء في ذِمته؛ لما روى أبو سعيد قال: "ابْتعنَا كبشًا نضَحِّي به فأصاب الذئب من أليته، فسألنا النبي ﷺ ، فأمرنا أن نضحّيَ به" رواه ابن ماجه (١)، ولأنها

стр. 2786

أمانة عنده، فلم يضمن تعيُّبها، ولم يمنع من الإجزاء. (وإن تعيَّب) الهَدْي المعيَّن أو الأُضحية المعينة (بفعله) أي: تعديه أو تفريطه (فعليه بدله) كالوديعة يفرِّط فيها. و (إن كان واجبًا قبل التعيين بأن) - وفي نسخ (١): "فإن"، لكن الأُولى أَوْلى - (عيَّنه عن واجب في الذِّمة، كالفِدية والمنذور في الذِّمة) وتعيَّب عنده عيبًا يمنع الإجزاء (لم يجزئه) لأن الواجب في ذِمته دم صحيح، فلا يجزئ عنه دم معيب، والوجوب متعلِّق بالذمة، كالدَّين به رهن ويتلف، لا يسقط بذلك (وعليه بدله) أي: بدل ما عيَّنه عن الواجب في ذِمته (كما لو أتلفه أو تلف بتفريطه. ولو كان) ما عيَّنه عما في ذِمته (زائدًا عما في ذمته) كما لو كان الذي في ذِمته شاة، فعيَّن عنها بدنة أو بقرة فتعيبت، يلزمه بدنة أو بقرة نظير التي عيَّنها. وإن كان بغير تفريطه ففي "المغني": لا يلزمه أكثر مما كان في ذِمته؛ لأن الزيادة وجبت بتعيينه، وقد تلفت بغير تفريط (٢) فسقطت، كما لو عيَّن هَدْيًا تطوعًا ثم تلف، قاله في القاعدة الحادية والثلاثين (٣)، ومعناه في "الشرح". (وكذا لو سرق) ما عيَّنه هَدْيًا أو أُضحية ابتداء، أو عن واجب في الذِّمة، على ما سبق من التفصيل (أو ضَلَّ ونحوه) كما لو غصب

стр. 2787

(وتقدم) قريبًا (١). (ويذبح واجبًا قبل نَفْل) من هَدْي وأضحية. ولعل المراد: استحبابًا مع سعة الوقت. وقد تقدم لمن عليه زكاةٌ الصدقة تطوعًا قبل إخراجها، ولا يكاد يتحقق الفرق. (وليس له) أي: لمن نحر بدل ما عَطِب من أُضحية، أو هَدْي، أو تعيَّب، أو ضل ونحوه (استرجاع عاطب ومعيب وضالٍّ وُجد ونحوه) كمغضوب قدر عليه (بعد ذبح بدله) وقوله: (أبي مِلْكِهِ) متعلق بـ "استرجاع" (بل يذبحه) لما روي عن عائشة: "أنَّهَا أهْدَت هديَيْن فأضَلّتْهما، فبعثَ إليها ابنُ الزُّبيرِ بهديَيْنِ فنحرتهما، ثم عادَ الضَّالَّان فنحرتهما، وقالت: هذه سنَّةُ الهديِ". رواه الدارقطني (٢). وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله ﷺ ، ولأنه تعلق حق أنه تعالى بهما بإيجابهما على نفسه، فلم يسقط بذبح بدلهما. (وإن غصب شاةً فذبحها عمَّا في ذِمته) من دم فدية أو تمتع أو نذر ونحوه (لم يجزئه، وإن رضي مالكها) لأنه لم يكن قُربة في ابتدائه، فلم يصر قُربة في أثنائه، كما لو ذبحها للأكل، ثم نواها للتقرُّب. (ولا يبرأ من الهدي) الواجب عليه (إلا بذبحه أو نَحْره) في وقته ومحله؛ إذ المقصود إراقة الدم كالتوسعة على الفقراء.

стр. 2788

(و يُباح للفقراء الأخذ من الهَدْي إذا لم يدفعه إليهم بالإذن، كقوله) أي: المالك: (من شاء اقتطع، أو بالتخلية بينهم وبينه) لأنه ﷺ "نحر خمسَ بدَنَاتٍ وقال: من شاءَ فَليقتَطِع" (١) وقال لسائق البدن: "اصْبغْ نعلَها في دَمِهَا، واضْرِبْ به صَفْحَتها" (٢). وفيه دليل على اكتفاء الفقراء بذلك من غير لفظ، وإلا، لم يكن مفيدًا. فصل (سَوْق الهدي) من الحلِّ (مسنون) لأن النبي ﷺ فعله، فساق في حجته مائة بَدَنة (٣)، وكان يبعث بهديه وهو بالمدينة (٤). (ولا يجب) سَوْق الهدي؛ لأنه ﷺ لم يأمر به، والأصل عدم الوجوب (إلا بالنذر) لحديث: "من نذَرَ أنْ يُطِيعَ الله فليطِعْهُ" (٥). (ويُستحب أن يقفه) أي: الهَدْي (بعرفة) رُوي عن ابن عباس (٦)، وكان ابن عمر لا يرى هَدْيًا إلا ما وقفه بعرفة (٧). ولنا أن المراد نحوه، ونفع المساكين بلحمه، وهذا لا يتوقف على

стр. 2789

وقوفه بعرفة، ولم يرد بذلك دليل يوجبه. (و) يُسن أن (يجمع فيه) أي: الهَدْي (بين الحِل والحرم) لما تقدم. (ويُسن إشعار البُدْن) بضم الباء جمع بدنة (فيشق صفحة سَنامها) بفتح السين (اليمنى أو) يشق (محله) أي: السنام (مما لا سنام له من إبل وبقر، حتى يسيل الدم. وتقلَّد هي) أي: البُدْن (و) تقلَّد (بقر وغنم نعلًا، أو آذان القرب، أو العُرى) بضم العين جمع عروة؛ لحديث عائشة قالت: "فَتَلْتُ قلائِدَ هَدْي رسولِ اللهِ ﷺ ، ثم أشْعَرَها وقَلَّدَها" متفق عليه (١)، وفعله الصحابة أيضًا (٢). وعن ابن عباس "أن النبي ﷺ صلَّى بذي الحُليفة ثم دعا بِبَدنةٍ، فأشْعَرَها من صَفْحة سَنامها الأيْمَنِ وسَلَتَ الدَّمَ عنها بِيَدِه" رواه مسلم (٣). لا يقال: إنه إيلام؛ لأنه لغرض صحيح فجاز كالكي والوسم والحجامة، وفائدته: أن لا تختلط بغيرها، وأن يتوقاها اللص، ولا يحصُل ذلك

стр. 2790

بالتقليد بمفرده؛ لأنه يحتمل أن يحلَّ ويذهب. (و لا يُسن إشعار الغنم) لأنها ضعيفة؛ ولأن صوفها وشعرها يستر موضع إشعارها لو أُشعرت. (وإذا ساق الهدي) من (قبل الميقات، استحب إشعاره وتقليده من الميقات) لحديث ابن عباس (١). (وإذا نذر هَدْيًا مطلقًا، فأقل ما يجزئ شاة، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة) كالواجب بأصل الشرع المطلق (فإن ذبح) من نذر هَدْيًا وأطلق (البَدَنة، أو البقرة، كانت كلها واجبة) لتعينها عما في ذِمته بذبحها عنه. (وإن نذر بَدَنة، أجزأته بقرة إن أطلق البَدَنة) لمساواتها لها (وإلا) أي: وإن لم يطلق، بل نوى معينًا (٢) (لزمه ما نواه) كما لو عيَّنه باللفظ (٣). (فإن عيَّن) شيئًا (بنذره) بأن قال: هذا هَدْي، أو لله عليّ هذا هَديًا ونحوه (أجزأه ما عيَّنه، صغيرًا كان أو كبيرًا، من حيوان ولو معيبًا، وغير حيوان كدراهم وعقار وغيرهما) لأنه إنما وجب بإيجابه على نفسه، ولم يوجب سوى هذا، فأجزأه كيف كان. (و الأفضل) كون الهَدْي (من بهيمة الأنعام) لفعله ﷺ (٤). (وإن قال: إن لبست ثوبًا من غزلك، فهو هَدْي، فلبسه، أهداه) وجوبًا إلى مساكين الحرم، لوجود شرط النذر.

стр. 2791

(وعليه إيصاله) أي: الهدي مطلقًا (إلى فقراء الحرم) لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، ولأن النذر يحمل على المعهود شرعًا، والمعهود في الهدي الواجب بالشرع - كهدي المتعة - ذَبْحُه بالحرم، فكذا يكون المنذور. (ويبيع غير المنقول كالعقار، ويبعث ثمنه إلى الحرم) (٢) لتعذر إهدائه بعينه، فانصرف إلى بدله، يؤيده ما رُوي عن ابن عمر: "أن رجُلًا سألَهُ عن امرأةٍ نَذَرَتْ أن تُهْدِي دارًا، قال: تبيعُهَا وتَتَصَدَّقُ بِثمنها على فُقراءِ الحرمِ" (٣). (وقال) أبو الوفاء علي (بن عقيل: أو يقوِّمه) أي: العقار (ويبعث القيمة) إلى فقراء الحرم؛ لأن الغرض القيمة التي هي بدله، لا نفس البيع. (إلا أن يعينه) أي: المنذور (لموضع سوى الحرم، فيلزمه ذَبْحه فيه) أي: في الموضع الذي عيَّنه (وتفرقة لحمه على مساكينه) أي: مساكين ذلك الموضع (أو إطلاقه لهم) أي: لمساكينه (إلا أن يكون الموضع) الذي عيَّنه (به صنم، أو شيء من أمر الكفر، أو المعاصي كبيوت النار والكنائس ونحوها، فلا يوفِّ به) أي: بنذره؛ لما روى أبو داود: "أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أذبح بالأبواء، قال: أَبِهَا صَنَمٌ؟ قال: لا، قال: أوفِ بنذرك" (٤).

стр. 2792

(ويُستحب أن يأكل من هَديه التطوُّع، ويُهدِي، ويتصدق أثلاثًا) لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (١)، وأقل أحوال الأمر الاستحبابِ؛ ولأن النبي ﷺ أكل من بُدْنه (٢)، وقال جابر: "كُنَّا لا نَأكُلُ من بدْنِنَا فوقَ ثَلاثٍ، فرخَّصَ لنا النبي ﷺ فقال: كُلُوا وتَزوَّدوا، فأكَلْنَا وتَزَوَّدنا" رواه البخاري (٣). وعن ابن عمر: "الضحايا والهدايا: ثلثٌ لكَ، وثلثٌ لأهْلِكَ، وثلثٌ للمَساكِين" (٤). قال في "الشرح" و"شرح المنتهى": والمستحب أن يكون - أي: المأكولُ - اليسيرَ؛ لما روى جابر: "أن النبيَّ ﷺ أمَرَ مِنْ كلِّ بدنَةٍ ببضْعَةٍ، فجعلتْ في قِدرْ فأكَلْنَا منها، وحسَيْنَا منْ مَرَقِهَا" (٥). ولأنه نُسُك، فاستُحب الأكل منه (كأُضحية (٦)) وله التزود والأكل كثيرًا؛ لحديث جابر. (فإن أكلها) أي: الذبيحة هَدْيًا تطوعًا (كلها، ضَمِن المشروع

стр. 2793

للصدقة منها، كأُضحية) أكلها كلها، فإنه يضمن أقل ما يقع عليه الاسم، ويأتي. (وإن فرَّق أجنبي نذرًا بلا إذن) مالكه (لم يضمن) لوقوعه موقعه. (ولا يأكل من كل واجب) من الهدايا (ولو) كان إيجابه (بالنذر أو التعيين، إلا من دم مُتعة وقِران) نصَّ على ذلك (١)؛ لأن سببهما غير محظور، فأشبها هَدْي التطوع؛ ولأن أزواج النبي ﷺ تمتَّعْنَ معه في حجَّة الودَاع، وأدخلَتْ عائِشَةُ الحجَّ على العمرةِ فصارَتْ قارِنَةً، ثم ذَبَحَ عنهنَّ النبي ﷺ البقر فأكَلْنَ من لُحومِها (٢). قال أحمد (٣): قد أكل من البقر أزواج النبي ﷺ في حديث عائشة خاصة. (وما جاز له أكله) كأكثر هَدْي التطوع (فله هديته) لغيره، لقيام المُهدَى له مقامه (وما لا) يملك أكله، كالهَدْي الواجب غير دم تمتُّع وقِران (فلا) يملك هديته، بل يجب صرفه لفقراء الحرم؛ لتعلق حقّهم به. (فإن فعل) أي: أكل مما لا يجوز له الأكل منه، أو أهدى منه (ضَمِنه بمثله لحمًا) لأن الجميع مضمون عليه بمثله، فكذلك أبعَاضه. وكذا إن أعطى الجزار بأجرته شيئًا منها.

стр. 2794

(كبيعه وإتلافه) أي: كما لو باع شيئًا من الهَدْي أو أتلفه؛ فإنه يضمنه بمثله لحمًا. وإن أطعم منه غنيًّا على سبيل الهدية، جاز كالأُضحية. (ويضمَنُه) أي: المتلف من الهَدْي (أجنبيٌّ بقيمته) قال في "الشرح": لأن اللحم من غير ذوات الأمثال، فضمنه (١) بقيمته كما لو أتلف لحمًا لآدمي معين. انتهى. وفيه نظر؛ لأنه موزون لا صناعة فيه؛ يصح فيه السَّلَم، فهو مِثْلي. (وفي "الفصول": لو منعه الفقراءَ حتى أنتن، فعليه قيمتُه) أي: إن لم يبقَ فيه نفع، وإلا ضمن نقصه. كما في "المنتهى". فصل (والأُضحية) مشروعة إجماعًا (٢)، وسنده قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٣) قال جماعة من المفسرين (٤): المراد بذلك التضحية بعد صلاة العيد. وما رُوي أن النبي ﷺ : "ضَحّى بكبشين أملحينِ أقرنينِ، ذَبحهما بيدِهِ، وسَمّى وكبّرَ ووضَعَ رِجْلَهُ عَلى صِفَاحهما" متفق عليه (٥).

стр. 2795

وهي (سُنَّة مؤكَّدة لمسلم) تام الملك؛ لحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ قال: ثلاثٌ كُتِبتْ عَليَّ، وهنَّ لكم تطوُّعٌ" وفي رواية: "الوترُ، والنحْرُ، وركعتا الفجرِ" رواه الدارقطني (١)، وقوله ﷺ : "من أرادَ أنْ يضَحِّي فدخَلَ العشْرُ، فلا يأخُذْ من شَعْرِهِ ولا بَشرتِهِ شيئًا" رواه مسلم (٢). فعلَّقه على الإرادة، والواجب لا يعلق عليها. ولأن الأضحية ذبيحة لا يجب تفريق لحمها، فلم تكن واجبة كالعقيقة. وأما حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "من كان له سعَةٌ؛ ولم يُضَحِّ؛ فلا يَقرَبنَّ مصَلَّانا" (٣)، وحديث: "يا أيها النَّاسُ، إن على أهلِ

стр. 2796

كل بيت في كل عامٍ أَضْحَاةً وعَتيرَةً" (١) فقد ضعفه

стр. 2797

أصحاب (١) الحديث، ثم نحمله (٢) على تأكد (٣) الاستحباب؛ جمعًا بين الأخبار (٤)، كحديث: "غسْلُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محْتَلِمٍ" (٥)، و"من أكلَ من هاتين الشجرتينِ، فلا يقرَبَنَّ مُصَلَّانا" (٦). (ولو) كان المسلم (مكاتَبًا بإذن سيده) لأن منعه من التبرُّع لحق سيده، فإذا أذن فقد أسقط حقه (وبغير إذنه) أي: سيد المكاتَب (فلا) تُسن للمكاتَب (لنقصان ملكه. ويُكره تركها) أي: الأُضحية (لقادر عليها) لحديث أبي هريرة السابق (٧). ومن عدمَ ما يضحّي به اقترض، وضحَّى مع القدرة على الوفاء (٨)، ذكره في الاختيارات (٩)، وهو قياس ما يأتي في العقيقة. (وليست) الأُضحية (واجبة) لما سبق (إلا أن ينذرها) فتجب بالنذر؛ لحديث: "من نَذَرَ أن يُطيعَ الله، فلْيُطِعْهُ" (١٠). (وكانت) الأُضحية (واجبة على النبي ﷺ ) لحديث ابن عباس

стр. 2798

السابق (١). (وذبحها) أي: الأُضحية (ولو عن ميت) ويفعل بها كعن حي (وذبح العقيقة أفضل من الصدقة بثمنها) وكذا الهَدْي. صرَّح به ابن القيم في "تحفة المودود" (٢)، وابن نصر الله في "حواشيه"؛ لأن النبي ﷺ ضحَّى (٣)، والخُلفاء (٤)، ولو كانت الصدقة أفضل لعدلوا إليها. ولحديث عائشة مرفوعًا: "ما عَمِلَ ابنُ آدمَ يومَ النحْر عملًا أحبَّ إلى الله من إراقَةِ دَمٍ، وإنَّه ليأتي يومَ القيامةِ بقُرُونها وأظْلافِها وأشْعارِها،

стр. 2799

وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أنْ يَقَعَ على الأرض، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا" رواه ابن ماجه (١). ولأن إيثار الصدقة على الأضحية يفضي إلى ترْك سنة رسول الله ﷺ . قال في "الشرح" و"شرح المنتهى": وما رُوي عن عائشة من قولها: "لأنْ أتصَدَّقَ بخاتمِي هذا أحَبُّ إليَّ منْ أنْ أُهْدِي إلى البيتِ ألْفًا" (٢) فهو في الهَدْي لا في الأُضحية. انتهى. وفيه نظر؛ إذ الهَدْي كالأُضحية، كما تقدم عن ابن القيم وغيره، فالأَولى أن يُجاب عن الأثر بأن الموقوف لا يُعارض المرفوع.

стр. 2800

(و لا يُضحَّى عمَّا في البطن) رُوي عن ابن عمر (١)؛ لأنه لا تثبت له أحكام الدنيا، إلا في الإرث والوصية، لكن يقال: قد تقدم أنه يُسن إخراج الفِطرة عنه، إلا أن يُقال ذلك لفعل عثمان (٢)، ولأن القصد من زكاة الفطرة الطُّهرة، وما هنا على الأصل. (ومن بعضُه حرٌّ إذا ملك بجزئه الحرِّ) ما يضحِّي به (فله أن يضحِّي بغير إذن سيده) لأن ملكه تام على ما ملكه بجزئه الحرِّ. (والسُّنة أكل ثلثها، وإهداء ثلثها، ولو لغني، ولا يجبان) أي: الأكل والإهداء؛ لأن النبي ﷺ : "نَحَرَ خمسَ بدَنَاتٍ، وقال: من شاءَ فليقتَطِعْ" (٣)، ولم يأكُلْ منهُنَّ شيئًا، ولأنها ذبيحة يتقرب بها إلى الله، فلم يجب الأكل منها، كالعقيقة، فيكون الأمر للاستحباب. (ويجوز الإهداء منها) أي: الأُضحية (لكافر، أن كانت تطوعًا) قال أحمد (٤): نحن نذهب إلى حديث عبد الله، يأكُلُ هو الثُّلُثَ، ويطْعِمُ مَنْ أرادَ الثُّلثَ، ويتصدقُ بالثُّلُثِ على المساكين. قال علقمة: "بعثَ مَعِي عبد الله بهديَّةٍ، فأمَرَني أن آكُلَ ثلثًا، وأَن أُرسِلَ إلى أهْل أخِيه بثلث (٥)، وأن أتصدَّق بثُلث" (٦) فإن كانت واجبة لم يعطِ منها الكافر

стр. 2801

شيئًا، كالزكاة والكفَّارة. (والصدقة بثلثها، ولو كانت) الأُضحية (منذورة أو معينة) لحديث ابن عباس في صفة أُضحية النبي ﷺ قال: "ويطعِمُ أهْلَ بيتِه الثُّلثَ، ويطْعِمُ فقَراءَ جِيرانِه الثلثَ، ويتصدَّقُ عَلى السُّؤَّالِ بالثلُثِ". رواه الحافظ أبو موسى (١) في "الوظائف"، وقال: حديث حسن. وهو قول ابن مسعود (٢) وابن عمر (٣)، ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة. ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٤) والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعًا إذا سأل. والمعتر: الذي يعتريك، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل. فذكر ثلاثة أصناف، ومطلق الإضافة يقتضي التسوية، فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثًا. (ويُستحبُّ أن يتصدق بأفضلها) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٥) (و) أن (يُهدي الوسط، ويأكل (٦) الأدون) ذكره بعضهم. (وكان من شعار الصالحين: تناول لقمة من الأُضحية من كبدها،

стр. 2802

أو غيرها؛ تبركًا) وخروجًا من خلاف من أوجب الأكل. (وإن كانت) الأُضحية (ليتيم، فلا يتصدق المولى عنه) منها بشيء (ولا يُهدي منها شيئًا، ويأتي في الحَجْر، ويوفِّرها له) لأنه ممنوع من التبرع من ماله (وكذا المُكاتَب لا يتبرع منها بشيء) إلا بإذن سيده، لما سبق. (فإن أكل أكثر) الأُضحية (أو أهدى أكثر) ها (أو أكلها كلها) إلا أوقية تصدق بها جاز (أو أهداها كلها إلا أوقية تصدق بها، جاز؛ لأنه يجب الصدقة ببعضها نِيْئًا على فقير مسلم) لعموم: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١). (فإن لم يتصدق بشيء) نِيْءٍ منها (ضمن أقل ما يقع عليه الاسم) كالأوقية (بمثله لحمًا) لأن ما أُبيح له أكله لا تلزمه غرامته، ويلزمه غرم ما وجبت الصدقة به؛ لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه، فلزمته (٢) غرامته إذا أتلفه كالوديعة. (ويعتبر تمليك الفقير) كالزكاة والكفَّارة (فلا يكفي إطعامه) لأنه إباحة. (ومن أراد التضحية) أي: ذبح الأُضحية (فدخل العشر، حَرُم عليه وعلى من يضحي عنه أخذُ شيء من شعره وظفره وبشرته إلى الذبح، ولو بواحدة لمن يضحي بأكثر) لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إذا دخلَ العشْرُ وأرَادَ أحدُكم أنْ يُضَحِّيَ، فلا يَأخُذْ من شَعْرِه، ولا من أظفاره شيئًا حتى يُضَحِّي" رواه مسلم (٣)، وفي رواية له: "ولا من

стр. 2803

بشره" (١). وأما حديث عائشة: "كنت أفتلُ قلائِدَ هَدْي رسول الله ﷺ ثم يُقَلِّدُهَا بِيَده، ثم يَبْعَثُ بها، ولا يحرمُ عليه شيءٌ: أحلَّه الله له، حتى يَنْحَرَ الهَدْيَ" متفق عليه (٢)، أُجيب عنه بأنه في إرسال الهَدْي لا في التضحية. وأيضًا: فحديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص، فيُحمل العام عليه. وأيضًا: فحديث أم سلمة من قوله، وحديث عائشة من فِعْله، وقوله مقدَّم على فِعْله؛ لاحتمال الخصوصية. (فإن فعل) أي: أخذ شيئًا من شعره أو ظفره أو بشره (٣) (تاب) إلى الله تعالى؛ لوجوب التوبة مِن كل ذنب. قلت: وهذا إذا كان لغير ضرورة، وإلا، فلا إثم كالمُحْرم وأَولى (ولا فِدية عليه) إجماعًا (٤)، سواء فعله عمدًا أو سهوًا. (ويُستحبُّ حَلْقُه بعد الذبح) قال أحمد (٥): على ما فعل ابن عمر (٦)؛ تعظيمًا لذلك اليوم، ولأنه كان ممنوعًا من ذلك قبل أن يضحي، فاستُحب له ذلك بعده كالمُحْرم. (ولو أوجبها) بنذر أو تعيين (ثم مات قبله أو بعد

стр. 2804

الذبح (١)، قام وارثه مقامه) في الأكل والإهداء والصدقة كسائر حقوقه (ولا تُباع في دَينه، وتقدم قريبًا (٢). ونُسِخَ تحريمُ ادِّخار لحمها) أي: الأُضحية (فوق ثلاث؛ فيدَّخر ما شاء) لحديث مسلم: "كنتُ نهيتُكُمْ عن ادِّخَار لُحُوم الأضَاحي فوقَ ثلاث، فأمْسِكُوا ما بدا لكم" (٣) وحديث عائشة: "إنما نهيتكم للدافَّة التي دفَّت، فكلوا وتَزَوَّدُوا وتصَدَّقُوا، وادَّخِرُوا" (٤). ولم يُجِزْ ذلك علي (٥) وابن عمر (٦)؛ لأنه لم تبلغهما الرُّخصة. (قال الشيخ (٧): إلا زمن مجاعة) لأنه سبب تحريم الادخار. (وقال (٧): الأُضحية من النفقة بالمعروف، فتضحّي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه) عند غيبته، أو امتناعه، كالنفقة عليهم. (و) يضحّي (مَدين لم يطالبه ربُّ الدَّين) ولعل المراد: إذا لم يضرَّ به.

стр. 2805

(و لا يعتبر التمليك في العقيقة) لأنها لسرور حادث، فتشبه الوليمة، بخلاف الهَدي والأضحية. فصل (والعَقيقَة، وهي النَّسيكة، وهي التي تذبح عن المولود) قال أبو عُبيد (١): الأصل في العقيقة: الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق. ثم إن العرب سمَّت الذبيحة عند حَلْق شعر المولود عقيقة، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، أو ما يجاوره. ثم اشتهر ذلك، حتى صار من الأسماء العُرفية، بحيث لا يُفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة. وقال ابن عبد البر (٢): أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، ووجهه: أن أصل العقِّ القطعُ، ومنه: عقَّ والديه، إذا قطعهما. والذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين. انتهى. وقيل: العقيقة: الطعام الذي يُصنع ويُدعى إليه من أجل المولود. (سُنَّةٌ مؤكَّدة على الأب، غنيًا كان الوالد أو فقيرًا) قال أحمد (٣): العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ ، قد عقَّ عن الحسن والحسين (٤)، وفعله
следующие страницы →