← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

شيئًا، كالزكاة والكفَّارة. (والصدقة بثلثها، ولو كانت) الأُضحية (منذورة أو معينة) لحديث ابن عباس في صفة أُضحية النبي ﷺ قال: "ويطعِمُ أهْلَ بيتِه الثُّلثَ، ويطْعِمُ فقَراءَ جِيرانِه الثلثَ، ويتصدَّقُ عَلى السُّؤَّالِ بالثلُثِ". رواه الحافظ أبو موسى (١) في "الوظائف"، وقال: حديث حسن. وهو قول ابن مسعود (٢) وابن عمر (٣)، ولا يُعرف لهما مخالف من الصحابة. ولقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٤) والقانع: السائل، يقال: قنع قنوعًا إذا سأل. والمعتر: الذي يعتريك، أي: يتعرض لك لتطعمه، ولا يسأل. فذكر ثلاثة أصناف، ومطلق الإضافة يقتضي التسوية، فينبغي أن تقسم بينهم أثلاثًا. (ويُستحبُّ أن يتصدق بأفضلها) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٥) (و) أن (يُهدي الوسط، ويأكل (٦) الأدون) ذكره بعضهم. (وكان من شعار الصالحين: تناول لقمة من الأُضحية من كبدها،

стр. 2802

أو غيرها؛ تبركًا) وخروجًا من خلاف من أوجب الأكل. (وإن كانت) الأُضحية (ليتيم، فلا يتصدق المولى عنه) منها بشيء (ولا يُهدي منها شيئًا، ويأتي في الحَجْر، ويوفِّرها له) لأنه ممنوع من التبرع من ماله (وكذا المُكاتَب لا يتبرع منها بشيء) إلا بإذن سيده، لما سبق. (فإن أكل أكثر) الأُضحية (أو أهدى أكثر) ها (أو أكلها كلها) إلا أوقية تصدق بها جاز (أو أهداها كلها إلا أوقية تصدق بها، جاز؛ لأنه يجب الصدقة ببعضها نِيْئًا على فقير مسلم) لعموم: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١). (فإن لم يتصدق بشيء) نِيْءٍ منها (ضمن أقل ما يقع عليه الاسم) كالأوقية (بمثله لحمًا) لأن ما أُبيح له أكله لا تلزمه غرامته، ويلزمه غرم ما وجبت الصدقة به؛ لأنه حق يجب عليه أداؤه مع بقائه، فلزمته (٢) غرامته إذا أتلفه كالوديعة. (ويعتبر تمليك الفقير) كالزكاة والكفَّارة (فلا يكفي إطعامه) لأنه إباحة. (ومن أراد التضحية) أي: ذبح الأُضحية (فدخل العشر، حَرُم عليه وعلى من يضحي عنه أخذُ شيء من شعره وظفره وبشرته إلى الذبح، ولو بواحدة لمن يضحي بأكثر) لحديث أم سلمة مرفوعًا: "إذا دخلَ العشْرُ وأرَادَ أحدُكم أنْ يُضَحِّيَ، فلا يَأخُذْ من شَعْرِه، ولا من أظفاره شيئًا حتى يُضَحِّي" رواه مسلم (٣)، وفي رواية له: "ولا من

стр. 2803

بشره" (١). وأما حديث عائشة: "كنت أفتلُ قلائِدَ هَدْي رسول الله ﷺ ثم يُقَلِّدُهَا بِيَده، ثم يَبْعَثُ بها، ولا يحرمُ عليه شيءٌ: أحلَّه الله له، حتى يَنْحَرَ الهَدْيَ" متفق عليه (٢)، أُجيب عنه بأنه في إرسال الهَدْي لا في التضحية. وأيضًا: فحديث عائشة عام، وحديث أم سلمة خاص، فيُحمل العام عليه. وأيضًا: فحديث أم سلمة من قوله، وحديث عائشة من فِعْله، وقوله مقدَّم على فِعْله؛ لاحتمال الخصوصية. (فإن فعل) أي: أخذ شيئًا من شعره أو ظفره أو بشره (٣) (تاب) إلى الله تعالى؛ لوجوب التوبة مِن كل ذنب. قلت: وهذا إذا كان لغير ضرورة، وإلا، فلا إثم كالمُحْرم وأَولى (ولا فِدية عليه) إجماعًا (٤)، سواء فعله عمدًا أو سهوًا. (ويُستحبُّ حَلْقُه بعد الذبح) قال أحمد (٥): على ما فعل ابن عمر (٦)؛ تعظيمًا لذلك اليوم، ولأنه كان ممنوعًا من ذلك قبل أن يضحي، فاستُحب له ذلك بعده كالمُحْرم. (ولو أوجبها) بنذر أو تعيين (ثم مات قبله أو بعد

стр. 2804

الذبح (١)، قام وارثه مقامه) في الأكل والإهداء والصدقة كسائر حقوقه (ولا تُباع في دَينه، وتقدم قريبًا (٢). ونُسِخَ تحريمُ ادِّخار لحمها) أي: الأُضحية (فوق ثلاث؛ فيدَّخر ما شاء) لحديث مسلم: "كنتُ نهيتُكُمْ عن ادِّخَار لُحُوم الأضَاحي فوقَ ثلاث، فأمْسِكُوا ما بدا لكم" (٣) وحديث عائشة: "إنما نهيتكم للدافَّة التي دفَّت، فكلوا وتَزَوَّدُوا وتصَدَّقُوا، وادَّخِرُوا" (٤). ولم يُجِزْ ذلك علي (٥) وابن عمر (٦)؛ لأنه لم تبلغهما الرُّخصة. (قال الشيخ (٧): إلا زمن مجاعة) لأنه سبب تحريم الادخار. (وقال (٧): الأُضحية من النفقة بالمعروف، فتضحّي المرأة من مال زوجها عن أهل البيت بلا إذنه) عند غيبته، أو امتناعه، كالنفقة عليهم. (و) يضحّي (مَدين لم يطالبه ربُّ الدَّين) ولعل المراد: إذا لم يضرَّ به.

стр. 2805

(و لا يعتبر التمليك في العقيقة) لأنها لسرور حادث، فتشبه الوليمة، بخلاف الهَدي والأضحية. فصل (والعَقيقَة، وهي النَّسيكة، وهي التي تذبح عن المولود) قال أبو عُبيد (١): الأصل في العقيقة: الشعر الذي على المولود وجمعها عقائق. ثم إن العرب سمَّت الذبيحة عند حَلْق شعر المولود عقيقة، على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، أو ما يجاوره. ثم اشتهر ذلك، حتى صار من الأسماء العُرفية، بحيث لا يُفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة. وقال ابن عبد البر (٢): أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة الذبح نفسه، ووجهه: أن أصل العقِّ القطعُ، ومنه: عقَّ والديه، إذا قطعهما. والذبح قطع الحلقوم والمريء والودجين. انتهى. وقيل: العقيقة: الطعام الذي يُصنع ويُدعى إليه من أجل المولود. (سُنَّةٌ مؤكَّدة على الأب، غنيًا كان الوالد أو فقيرًا) قال أحمد (٣): العقيقة سنة عن رسول الله ﷺ ، قد عقَّ عن الحسن والحسين (٤)، وفعله

стр. 2806

أصحابه. وقال ﷺ : "الغلام مُرْتَهنٌ بعَقِيقَتِه"،

стр. 2807

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2808

وهو إسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا (١). ومن جعلها من أمر الجاهلية، فلأنه لم يبلغه ما ورد فيها من الأحاديث. (عن الغلام شاتان متقاربتان سِنًّا وشبهًا) لما روت أُمُّ كُرْزٍ الكعبية، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "عَن الغلام شاتان متكافِئتان، وعن الجاريةِ شاةٌ" وفي لفظ: "عن الغلام شاتان". وفي لفظ: "عن الغلامِ شاتانِ مِثلانِ، وعن الجاريةِ شاةٌ" رواه أبو داود (٢).

стр. 2809

(فإن تعذَّر) تا، أي: الشاتان عن الغلام (فـ) ــشاة (واحدة) لحديث: "إذا أمرْتكم بأمْرٍ فائْتُوا مِنه مَا اسْتَطَعتم" (١). (فإن لم يكن عنده ما يَعُقُّ، اقترض) وعقَّ (قال) الإمام (أحمد (٢): أرجو أن يُخْلِفَ الله عليه) أحيا سُنَّة. قال ابن المنذر (٣): صدق أحمد، إحياء السُّنن واتباعها أفضل. (قال الشيخ (٤): محله لمن له وفاء) وإلا فلا يقترض؛ لأنه إضرار بنفْسه وغريمه. (و لا يَعُقُّ غير الأب) قال الحافظ ابن حجر في "شرح البخاري" (٥): وعن الحنابلة يتعيَّن الأب، إلا أن يتعذر بموت أو امتناع. انتهى. قلت: وما تقدم أنه ﷺ عَقَّ عن الحسن والحسين (٦)؛ فلأنه أَولى بالمؤمنين من أنفسهم.

стр. 2810

(ولا) يَعقُّ (المولود عن نفسه إذا كبر) نصَّ عليه (١)؛ لأنها مشروعة في حق الأب، فلا يفعلها غيره كالأجنبي (فإن فَعَل) أي: عقَّ غير الأب، والمولودُ عن نفسه بعد أن كبر (لم يكره) ذلك (فيهما) لعدم الدليل عليها. قلت: لكن ليس لها حكم العقيقة. (واختار جَمْعٌ: يعقُّ عن نفسه) استحبابًا إذا لم يعقَّ عنه أبوه، منهم صاحب "المستوعب"، و"الروضة"، و"الرعايتين"، و"الحاويين"، و"النظم". قال في "الرعاية": تأسيًا بالنبي ﷺ (٢). ومعناه في "المستوعب"، وهو قول عطاء والحسن؛ لأنها مشروعة عنه؛ ولأنه مرتهن بها، فينبغي أن يُشرع له فكاك نفسه. (وقال الشيخ (٣): يعقُّ عن اليتيم) أي: من ماله (كالأُضحية وأَولى) لأنه مرتهن بها، بخلاف الأُضحية.

стр. 2811

(وعن الجارية شاة) لما تقدم (١). (تُذبح يوم سابعه من ميلاده) لحديث سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ غُلامٍ رهِينَةٌ بعقيقتهِ، تذبحُ عنه يوم سَابعِهِ، ويُسمَّى فيه، ويحلَقُ رأسُه". رواه أهل السُّنن كلهم (٢). وقال الترمذي: حسن صحيح (قال في "المستوعب" و"عيون المسائل": ضحوة النهار) لعله تفاؤلًا. (ويجوز ذبحها قبل السابع) قال في "تحفة المودود في أحكام المولود" (٣): والظاهر أن التقييد بذلك، أي: بالسابع ونحوه،

стр. 2812

استحباب، وإلا فلو ذبح عنه في الرابع أو الثامن أو العاشر، أو ما بعده أجزأت. والاعتبار بالذبح لا بيوم الطبخ والأكل. (ولا تجزئ قبل الولادة) كالكفَّارة قبل اليمين؛ لتقدمها على سببها. (وإن عَقَّ ببَدَنة، أو بقرة، لم تجزئه إلا كاملة، فلا يجزئ فيها شرك في دم) أي: في بَدَنة أو بقرة. نصَّ عليه (١). لعدم وروده. قال في "النهاية": وأفضله شاة (وينويها عقيقة) لحديث: "إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ" (٢). (ويُسمَّى) المولود (فيه) أي: في اليوم السابع، لحديث سَمُرة، وتقدم (٣). (والتسمية للأب) فلا يُسمِّيه غيره مع وجوده. (وفي "الرعاية": يُسمَّى يوم الولادة) لحديث مسلم في قصة ولادة إبراهيم ابنه ﷺ : "وُلِدَ لي الليلة مولودٌ فسمَّيْتُهُ باسْمِ أبي إبراهيمَ" (٤). (ويُسن أن يُحسِن اسمه) لقوله ﷺ : "إنكم تُدْعونَ يومَ القيامةِ بأسمائِكُم وأسماء آبائِكُم فأحْسِنوا أسماءَكُم" رواه أبو داود (٥).

стр. 2813

(و أحب الأسماء إلى الله: عبد الله، وعبد الرحمن) رواه مسلم مرفوعًا (١). (وكل ما أُضيف إلى) اسم من أسماء (الله) تعالى (فَحَسن) كعبد الرحيم، وعبد الرزاق، وعبد الخالق، ونحوها. (وكذا أسماء الأنبياء) كإبراهيم، ونوح، ومحمد، وصالح، وشبهها؛ لحديث: "تسمَّوا باسْمِي، ولا تكنَّوا (٢) بكُنيتي" (٣). وروى أبو نعيم: "قال الله تعالى: وعزَّتِي وجلالي لا عذَّبْتُ أحَدًا يسَمّى باسْمِكَ في النَّارِ" (٤). (وتجوز التسمية بأكثر من اسم واحد، كما يُوضع اسم) وهو ما ليس كنية، ولا لقبًا (وكنية) وهي ما صُدِّر (٥) بأب، وأم (ولقب) وهو ما أَشْعر بمدح، كزين العابدين، أو ذم، كبطة (والاقتصار على اسم واحد أَولى) لفعله ﷺ في أولاده.

стр. 2814

(ويُكره) من الأسماء: (حَرْب، ومُرَّة، وحَزْن، ونافع، ويسار، وأفلح، ونَجيح، وبَرَكة، ويعلى، ومُقبل، ورافع، ورباح، والعاصي، وشِهاب، والمضطجع، ونبي، ونحوها) كرسول. (وكذا ما فيه تزكية؛ كالتقي، والزكي، والأشرف، والأفضل، وبَرَّة. قال القاضي: وكل ما فيه تفخيم، أو تعظيم). قال ابن هُبيرة في حديث سَمُرة: "لا تُسَمِّ غلامَكَ يَسارًا، ولا رَبَاحًا، ولا نَجيحًا، ولا أفْلَحَ؛ فإنكَ تقولُ: أثَمَّ هوَ؟ فلا يكون، فتقول: لَا" (١) فربما كان طريقًا إلى التشاؤم، والتطير، فالنهي يتناول ما يَطْرُقُ (٢) الطيرة إلا أن ذلك لا يحرم؛ لحديث عمر: "أنَّ الآذِنَ على مشْرَبَةِ رسولِ الله ﷺ عَبْدٌ يقالُ له: ربَاحٌ" (٣). (ويَحرم (٤)) التسمية (بملك الأملاك، ونحوه) مما يوازي أسماء الله؛ كسلطان السلاطين، وشاهٍ شاه؛ لما روى أحمد: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ على رَجُلٍ تَسَمَّى مَلكَ الأمْلاكِ، لَا مَلِكَ إلَّا الله" (٥).

стр. 2815

(و) يَحرم - أيضًا - التسمية (بما لا يليق إلا بالله، كقدوس، والبَرِّ، وخالق، ورحمان) لأن معنى ذلك لا يليق بغيره تعالى. (ولا يُكره) أن يُسمَّى (بجبريل) ونحوه من أسماء الملائكة (وياسين) قلت: ومثله طه، خلافًا لمالك (١)، فقد كَرِه التسمية بهما. وقال ابن القيم في "التحفة" (٢): ومما يُمنع التسمية بأسماء القرآن، وسوره مثل: "طه"، و"يس"، و"حَم". وقد نصَّ مالك على كراهة التسمية بـ "يس". ذكره السُّهيلي. وأما ما يذكره العوام: أن "يس" و"طه" من أسماء النبي ﷺ ، فغير صحيح، ليس ذلك في حديث صحيح، ولا حسن، ولا مرسل، ولا أثر عن صاحب، وإنما هذه الحروف مثل: "الم" و"حم" و"الر" ونحوها انتهى. - لكن قال العلامة (٣) في تفسيره في سورة طه (٤): وقيل: هو اسم من أسماء النبي ﷺ سمَّاه الله به، كما سمَّاه محمدًا. رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "لي عَشَرةُ أسْمَاءٍ فذكَرَ منها: طَهَ ويَس" (٥). انتهى. وعليه فلا تمتنع التسمية بهما. وقال ابن القيم (٦) أيضًا: لا تجوز تسمية الملوك بالقاهر والظاهر.

стр. 2816

(قال ابن حزم (١): اتفقوا على تحريم كل اسم مُعبَّد لغير الله) تعالى (كعبد العزَّى، وعبد عمر، وعبد علي، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك. انتهى. ومثله عبد النبي، وعبد الحسين، كعبد المسيح. قال ابن القيم (٢): و) أما (قوله ﷺ : "أنا ابن عبد المطلب (٣) ". فليس من باب إنشاء التسمية، بل من باب الإخبار بالاسم الذي عُرف به المُسمَّى، والإخبار بمثل ذلك على وجه تعريف المُسمَّى لا يحرم، فباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء. قال (٤): وقد كان جماعة من أهل الدِّين يتورَّعون عن إطلاق قاضي القُضاة، وحاكم الحكام) قياسًا على ما يبغضه الله ورسوله من التسمية بملك الأملاك (وهذا محض القياس. قال (٤): وكذلك تحريم التسمية بسيد الناس، وسيد الكُلِّ، كما يَحرم بسيد ولد آدم. انتهى) لأنه لا يليق إلا به ﷺ (٥).

стр. 2817

(ومن لُقِّب بما يصدقه فِعْله) بأن يكون فِعْله موافقًا لِلَقَبِهِ (جاز. ويحرم) من الألقاب (ما لم يقع على مَخرج صحيح) لأنه كذب (على أن التأويل كمال الدِّين، وشرف الدِّين: أن الدِّين كمَّله وشَرَّفه، قاله) يحيى (بن هبيرة. ولا يُكره التكني بأبي القاسم، بعد موت النبي ﷺ ) صوَّبه في "تصحيح الفروع"، قال: وقد وقع فِعلُ ذلك من الأعيان، ورضاهم به يدلُّ على الإباحة. وقال في "الهدي" (١): والصواب أن التكنِّي بِكُنيته ممنوع، والمنع في حياته أشد، والجَمْع بينهما ممنوع. انتهى. فظاهره التحريم. ويؤيده حديث: "لا تجمَعُوا بين اسمِي وكُنْيَتِي" (٢). (وتجوز تكنيتُه: أبا فلان، وأبا فلانة، وتكنيتها أم فلان كأم فلانة) لعدم المحذور. (و) تُباح (تكنية (٣) الصغير) ذكرًا كان أو أُنثى؛ لما تقدم من قوله

стр. 2818

- ﷺ : "يا أبا عُمَيْرٍ ما فعلَ النُّغَيْر" (١). (و يحرم أن يقال لمنافق أو كافر: يا سيدي) كبداءته بالسلام؛ لما فيه من تعظيمه. (ولا يُسمَّى الغلام) أي: العبد (بيسار، ولا رباح، ولا نَجيح، ولا أفلح) لما تقدم عن ابن هُبيرة (٢). (قال ابن القيم (٣): قلت: وفي معنى هذا: مبارَك، ومُفلح، وخير، وسرور، ونعمة، وما أشبه ذلك) لما تقدم من أنه ربما كان طريقًا للتشاؤم والتطير. (ومن) الأسماء (المكروهة التسميةُ بأسماء الشياطين كخَنْزَب) بالخاء المعجمة والنون والزاي والباء الموحدة (وولهان، والأعور، والأجدع. و) من التسمية المكروهة التسميةُ بـ (أسماء الفراعنة والجبابرة، كفرعون، وقارون، وهامان، والوليد. و يُستحبُّ تغيير الاسم القبيح) قال أبو داود: "وغَيَّرَ النبيُّ ﷺ اسمَ العَاص وعَزيز وعَفْرَة (٤) وشيطان والحكَم وغُرَاب وحُبَاب وشهاب، فسمَّاه هِشَامًا، وسمَّى حَرْبًا سِلْمًا، وسمَّى المضطجع المُنْبَعِث، وأرضًا عفرةً سمَّاها خَضِرَةً، وشِعْب الضلالة شِعْب الهُدَى، وبَنُو الزنية سمَّاهم

стр. 2819

بني الرِّشْدَة، وسمَّى بني مُغْوِيَة بني مُرْشِدة" (١). قال: وتركت أسانيدها للاختصار (٢). (قال) ابن عقيل (في "الفصول": و لا بأس بتسمية النجوم بالأسماء العربية، كالحمل، والثور، والجدي، لأنها أسماء أعلام، واللغة وَضْعٌ) أي: جَعْل لفظٍ دليلًا على المعنى، فليس معناه أنها هذه الحيوانات، حتى يكون كذبًا (فلا يُكره) وضع هذه الألفاظ لتلك المعاني (كتسمية الجبال والأودية والشجر بما وضعوه لها. وليس من حيث تسميتُهم) أي: العرب (لها) أي: النجوم (بأسماء الحيوان) السابقة (كان) الظاهر زيادتها (كذبًا) أي: ليس الوضع كذبًا من حيث التسمية (وإنما ذلك توسع ومجاز، كما سموا الكريم بحرًا) لكن استعمال البحر للكريم مجاز، بخلاف استعمال تلك الأسماء في النجوم فإنه (٣) حقيقة، والتوسُّع في التسمية فقط. (و) سُنَّ أن (يؤذِّن في أُذُن المولود اليُمنى) ذَكَرًا كان أو أُنثى (حين يولد، و) أن (يقيم في اليُسرى) لحديث أبي رافع قال: "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ أذَّنَ في أذُنِ الحسَنِ بنِ عليٍّ حينَ ولدتهُ فاطِمَةُ". رواه أبو داود والترمذي وصحَّحاه (٤). وعن الحسن بن علي مرفوعًا: "من وُلِدَ له مولُودٌ فأذَّنَ في أذُنِه اليُمْنَى وأقام في أذُنِهِ اليُسرى، رُفِعَتْ عنه أمُّ الصِّبيان" (٥).

стр. 2820

وعن ابن عباس: "أن النبي ﷺ أذَّنَ في أذُنِ الحسن بن عَليٍّ يومَ وُلِدَ، وأقامَ في أذُنِهِ اليُسْرى" (١). رواهما البيهقي في "الشُّعب" وقال: وفي إسنادهما ضعف. (و) سُنَّ أن (يُحنَّك) المولود (بتمرة، بأن تمضغ ويدلك بها داخل فمِه، ويفتح فمه حتى ينزل إلى جوفه شيء منها) لما في الصحيحين عن أبي بُرْدَةَ، عن أبي موسى قال: "وُلِدَ لي غُلامٌ فأتَيْتُ به النبيَّ ﷺ فسمَّاهُ إبراهيمَ، وحنَّكه بتمرةٍ" زاد البخاري: "ودَعا له بالبركةِ ودَفَعَهُ إليَّ، وكان أكبَرَ وَلَدِ أبي موسى" (٢). (ويحلق رأس ذَكَرٍ، لا) رأس (أُنثى يوم سابعه، ويتصدَّق بوزنه وَرِقًا) أي: فضة؛ لحديث سَمُرة، وتقدم (٣)، وقوله ﷺ لفاطمة لما ولدت الحسن: "احْلِقي رأسَهُ وتصَدَّقي بوزنِ شَعْرِهِ فِضَّةً عَلى المساكينِ، والأوْفاضِ (٤)، يعني أهلَ الصُّفَّةِ" رواه أحمد (٥).

стр. 2821

(فإن فات) يوم السابع من غير عقيقة ولا تسمية ولا حَلْق رأس ذكر (فـ) إن ذلك يفعل (في أربعة عشر) أي: في اليوم الرابع عشر. (فإن فات ففي أحد وعشرين) رُوي عن عائشة (١)، ومثله لا يُقال من قبل الرأي. (ولا تُعتبر الأسابيع بعد ذلك، فيعق بعد ذلك) البوم الحادي والعشرين (في أي يوم أراد) لأنه قضاء دم فائت، فلم يتوقف على يوم، كقضاء الأُضحية. (ولا تختصُّ العقيقة بالصِّغَر) فيعق الأب عن المولود، ولو بعد

стр. 2822

بلوغه؛ لأنه لا آخر لوقتها. (ولو اجتمع عقيقة وأُضحية ونوى بالأُضحية) أي: الذبيحة (عنهما) أي: عن العقيقة والأضحية (أجزأت عنهما نصًّا) (١). وقال في "المنتهى": وإن اتفق وقت عقيقة وأُضحية فعقَّ أو ضحَّى، أجزأ عن الأخرى. انتهى. ومقتضاه إجزاء إحداهما عن الأخرى، وإن لم ينوها، لكن تعبير المصنف موافق لما عبَّر به في "تحفة المودود" آخرًا. (قال) الشيخ شمس الدين محمد (ابن القيم في) كتابه ("تحفة المودود في أحكام المولود" (٢): كما لو صلَّى ركعتين ينوي بهما تحية المسجد وسُنة المكتوبة، أو صلى بعد الطواف فرضًا أو سُنَّة مكتوبة، وقع) أي: ما صلاه (عنه) أي: عن فرضه (وعن ركعتي الطواف. وكذلك لو ذبح المتمتع والقارن شاة يوم النَّحْر، أجزأ عن دم المتعة) أي: أو القِران (وعن الأُضحية. انتهى. وفي معناه: لو اجتمع هَدي، وأُضحية) فتجزئ ذبيحة عنهما؛ لحصول المقصود منهما بالذبح. وهو معنى قول ابن القيم: وكذلك لو ذبح المتمتع. . . إلخ (واختار الشيخ (٣): لا تضحية بمكة؛ إنما هو الهدي) لظاهر الأخبار. (ويُكره لَطْخُه) أي: المولود (من دمها) لقوله ﷺ : "مع الغُلَامِ

стр. 2823

عَقيقَةٌ فهَرِيقُوا (١) عنه دَمًا، وأميطُوا عنه الأذَى". رواه أبو داود (٢). وهذا يقتضي أن لا يُمسّ بدم؛ لأنه أذى. وعن يزيد بن عبد المُزني، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "يُعقُّ عن الغُلامِ، ولا يُمسُّ رَأسُهُ بدَمٍ" (٣). [و] رواه ابن ماجه" (٤)، ولم يقل: عن أبيه، قال مُهَنَّا (٥): ذكرت هذا الحديث لأحمد فقال: ما أظرفه. وأما من روى "ويدمى"، فقال أبو داود (٦): "ويُسمَّى" - يعني مكان: "يدمى" - أصح. هكذا قال سلام بن أبي مطيع، عن قتادة،

стр. 2824

وإياس بن دغفل عن الحسن، ووهم هَمَّامٌ، فقال: "ويدمى". قال أحمد (١): قال فيه عن ابن أبي عروبة: "يُسمَّى"، وقال هَمَّامٌ: "يدمى"، وما أراه إلا خطأ. (وإن لطَّخ رأسه بزعفران، فلا بأس) لقول بريدة: "كُنَّا في الجاهليَّةِ إذا وُلِدَ لأحدنا غلامٌ، ذبح عنه شاة؛ ويلطَخُ رأسه بدَمها، فلمَّا جاء الإسلامُ، كنَّا نذبح شَاةً، ونَحلقُ رأسَهُ، ونلطِّخُهُ بزعفران". رواه أبو داود (٢) (وقال) شمس الدين محمد (ابن القيم (٣)) لَطْخ رأسه بزعفران (سُنَّةٌ) لما مرَّ. (وينزعها أعضاء، ولا يكسر عظمها) لقول عائشة: "السنَّةُ شاتانِ مُتكافِئَتانِ عن الغُلام، وعنِ الجاريَةِ شَاةٌ، تُطبَخُ جُدولًا، لا يُكسر لها عَظْمٌ" (٤) أي: عضوًا عضوًا، وهو الجَدْل، بدال مهملة، والإرْبُ، والشِّلْو، والعضو، والوصل، كله واحد. والحكمة فيه: أنها أول ذبيحة عن المولود، فاستُحب فيها ذلك تفاؤلًا بالسلامة. كذلك قالت عائشة.

стр. 2825

(وطَبْخها) - أي: العقيقة - (أفضل من إخراج لحمها نِيْئًا)، نص عليه (١)؛ لما تقدم عن عائشة (فتطبخ بماء، وملح - نصًّا - (٢) ثم يطعم منها الأولاد، والمساكين، والجيران. قيل لـ) ــلإمام (أحمد: فإن طُبخت بشيء آخر، أي (٣): غير الماء والملح؟ فقال: ما ضرَّ ذلك (٤). وقال جماعة) منهم صاحب "المستوعب" و"المنتهى": (ويكون منه بحُلْوٍ). قال في "المستوعب": ويُستحبُّ أن يطبخ منها طبيخ حُلْو؛ تفاؤلًا بحلاوة أخلاقه. وجزم به في "الرعايتين"، و"الحاويين"، و"تجريد العناية". (قال أبو بكر) في "التنبيه": (و يُستحبُّ أن يعطي القابلة منها فخذًا) لما في "مراسيل أبي داود" عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال في العقيقة التي عقَّتها فاطمة عن الحسن والحسين: "أن يَبْعَثُوا إلى القابلة بِرِجْلٍ، وكُلوا وأطْعمُوا ولا تَكسِرُوا منها عَظْمًا" (٥). (وحكمها) أي: العقيقة (حكم الأُضحية في أكثر أحكامها، كالأكل، والهدية، والصدقة) قال في رواية الحارث (٦)، وصالح

стр. 2826

ابنه (١): يأكل، ويطعم جيرانه. وقال له ابنه عبد الله (٢): كم يقسم من العقيقة؟ قال: ما أحَبَّ. وقال الميموني (٣): سألت أبا عبد الله: يؤكل من العقيقة؟ فال: نعم يؤكل منها. قلت: كم؟ قال: لا أدري، أما الأضاحي، فحديث ابن مسعود (٤)، وابن عمر (٥)، ثم قال لي: ولكن العقيقة يؤكل منها، قلت: يشبهها في كل الأُضحية؟ قال: نعم، يؤكل منها. (والضمان) إذا أتلفها، أو أمسك اللحم حتى أنتن، ولم ينتفع به (والولدِ) فيُذبَح معها (واللبنِ، والصوفِ)، أو الشعر، أو الوبر، فتُستحبُّ الصدقة به (والذَّكاةِ) فلا يجزئ إخراجها حيَّة (والركوبِ، وما يجوز من الحيوان، وغير ذلك) مما تقدم في الهَدْي والأُضحية، كاستحباب استحسانها واستسمانها، وأن أفضل ألوانها البياض؛ لاشتراكهما في تعلق حق الفقراء بهما. (ويجتنب فيها) أي: العقيقة (من العيب ما يجتنبه في الأُضحية) فلا تجزئ فيها العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، ونحوها. (ويُباع جلدها، ورأسها، وسواقطُها، ويُتصدَّق بثمنها، بخلاف الأُضحية؛ لأن الأُضحية أدخل منها في التعبُّد). والذَّكَر أفضل في العقيقة؛ لأن النبي ﷺ : "عَقَّ عن الحسن والحُسينِ بكَبْشٍ كَبْشٍ" (٦).

стр. 2827

(ويقول عند ذبحها: باسم الله، اللَّهمَّ لك وإليك، هذه عقيقةُ فلان بن فلان)؛ لحديث عائشة قالت: قال النبي ﷺ : "اذْبَحُوا على اسْمِهِ فقولُوا: باسم الله، اللهم لكَ وإليكَ، هذه عقيقةُ فُلانٍ". رواه ابن المنذر بإسناده، وقال: هذا حسن" (١). "تتمة": قال في "الشرح": وروينا أن رَجُلا قال لرجل عند الحسن يُهَنِّئه بابن: لِيَهْنِكَ الفارسُ، فقال الحسن: وما يدريك أفارس هو أو حمار؟ فقال: كيف نقول؟ قال: قل: بُورك في الموهوب وشكرت الواهب، وبلغ أشدّه، ورزقت بِرَّه (٢). (ولا تُسنُّ الفَرَعَة) بفتح الفاء والراء، وتُسمَّى أيضًا: الفَرَع (وهي ذَبْح أول ولد الناقة) كانوا في الجاهلية يأكلون لحمه ويلقون جلده على شجرة. (ولا العَتيرة، وهي ذَبيحة رجب) أي: شاة كانت العرب تذبحها في العشر الأول من رجب لطواغيتهم، وأصنامهم، ويأكلون لحمها، ويلقون

стр. 2828

جلدها أيضًا على شجرة، قاله في "المستوعب"؛ لحديث أبي هريرة: "لا فَرَعَ ولا عَتيرة" متفق عليه (١). وأما حديث عائشة: "أمَرَنا رسول الله ﷺ بالفَرعَةِ من كلِّ خمسين واحدَةً" (٢). قال ابن المنذر: حديث ثابت (٣). فهو منسوخ؛ لتأخر إسلام أبي هريرة، فإنه كان في فتح خيبر في السنة السابعة من الهجرة، ولأن الفَرَع والعَتيرة كان فعلهما أمرًا متقدمًا على الإسلام، فالظاهر بقاؤهم عليه إلى حين نَسْخه، واستمرار النسخ من غير رفع له. (ولا يكرهان) أي: الفَرَعة والعَتيرة؛ لأن المراد بالخبر نفي كونهما سُنة، لا تحريم فِعلهما، ولا كراهته، لكن إذا لم يكن على وجه التشبُّه بما كان في الجاهلية، وهذا واضح؛ لحديث: "مَنْ تَشَبَّه بقومٍ فهو منهم" (٤).

стр. 2829

كتاب الجهاد ختَم به العبادات؛ لأنه أفضل تطوُّع البَدَن، وهو مشروع بالإجماع (١)؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (٢) إلى غير ذلك، ولفعله ﷺ ، وأمره به، وأخرج مسلم: "مَنْ ماتَ ولم يَغْزُ، ولم يُحدِّثْ نفسهُ بالغزو، ماتَ على شُعبة مِنَ النِّفاقِ" (٣). (وهو) أي: الجهاد، مصدر جاهد جهادًا ومجاهدةً، من جَهَد، إذا بالغ في قَتْلِ عدوه. فهو لغةً: بَذْل الطاقة والوِسع. وشرعًا: (قتال الكفَّار) خاصة، بخلاف المسلمين من البُغاةِ وقُطَّاع الطريق، وغيرهم، فبينه وبين القتال عموم مطلق. (وهو فَرْض كفاية؛ إذا قام به من يكفي، سقط وجوبُه عن غيرهم) وإن لم يَقُم به من يكفي، أثِم الناسُ كلهم، فالخطاب في ابتدائه يتناول الجميع، كفرض الأعيان، ثم يختلفان بأن فَرْض الكفاية يسقط بفعل البعض، وفروض الأعيان لا تسقط عن أحد بفعل غيره. والدليل على أنه فَرْض كفاية: قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٤) فهذا يدلُّ على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم.

стр. 2830

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية (١). ولأنه ﷺ كان يبعث السرايا، ويُقيم هو وأصحابه. وأما قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢) فقد قال ابن عباس: نَسَخَها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ رواه الأثرم وأبو داود (٣). ويحتمل أنه حين استنفرهم النبيُّ ﷺ إلى غزوة تبوك، وحينئذ يتعيَّن، كما يأتي؛ ولذلك هَجَر النبيُّ ﷺ كعبَ بنَ مالك وأصحابَه تخلَّفوا، حتى تاب اللهُ عليهم (٤). (وسُنَّ في حقِّهم) أي: حقِّ غير الكافِيْنَ فيه (بتأكُّد) لحديث أبي داود عن أنس مرفوعًا: "ثلاثٌ من أصلِ الإيمان: الكَفُّ عمَّنْ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، لا نُكَفِّرُه بذنبٍ، ولا نُخْرِجه من الإسلام بعملٍ، والجهادُ ماضٍ منذُ بَعَثَني اللهُ حتى يقاتِلَ آخرُ أمَّتي الدَّجَّالَ، لا يُبْطِلُه جَوْرُ جائرٍ، ولا عَدْلُ عادل، والإيمانُ بالأقدارِ" (٥).

стр. 2831

ومعنى الكفاية في الجهاد: أن ينهض إليه قومٌ يكفون في جهادهم، إما أن يكونوا جندًا لهم دواوين من أجل ذلك، أو يكونوا أعَدُّوا أنفسهم له تبرُّعًا؛ بحيث إذا قصدهم العدوُّ، حصلت المَنعةُ بهم. ويكون في الثغور من يدفع العدوَّ عنها، ويبعث في كلِّ سنة جيشًا، يُغيرون على العدوِّ في بلادهم. (وفَرْضُ الكفاية: ما قُصِد حصوله من غير شخص معيَّن، فإن لم يوجد إلا واحد، تعيَّن عليه) كردِّ السلام، والصلاةِ على الجنازة. (فَمِنْ ذلك: دَفْعُ ضَرَر المسلمين، كسَتْرِ العاري، وإشباع الجائع) وفكِّ الأسرى (على القادرين إن عَجَزَ بيت المال عن ذلك، أو تعذَّر أخذه منه) لمَنْعٍ أو نحوه. (و) من ذلك (الصنائعُ المباحةُ المحتاجُ إليها غالبًا لمصالح

стр. 2832

الناس (١) الدينية والدنيوية، البدنية والمالية، كالزَّرْع والغَرْس ونحوهما) لأن أمر المعاد والمعاش لا ينتظم إلا بذلك، فإذا قام بذلك أهلُه بنيَّة التقرُّب، كان طاعة، وإلا؛ فلا. (و) من ذلك (إقامةُ الدعوة) إلى دين الإسلام (ودفع الشُّبَه بالحُجَّة والسيف) لمن عاند؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). (و) من ذلك (سَدُّ البُثُوق) بتقديم الموحدة، وهو ما انفتح في (٣) جانب النهر. (و) من ذلك (حَفْرُ الآبار والأنهار، وكَرْيُها - وهو تنظيفها - وعَمَل القناطر والجسور والأسوار، وإصلاحها) أي: القناطر والجسور والأسوار (وإصلاح الطُّرق والمساجد) لعموم حاجة الناس إلى ذلك. (و) من ذلك (الفتوى، وتعليم الكِتاب والسُّنة، وسائر العلوم الشرعيةِ) كالفقه وأصوله، والتفسير، والفرائض (وما يتعلَّق بها من حساب ونحوه، ولُغة ونَحْوٍ وتصريف وقراءة. وعكسُ العلوم الشرعية: علومٌ محرَّمة أو مكروهة، فالمُحرَّمة: كعلم الكلام) إذا تكلمَ فيه بالمعقول المحض، أو المخالف للمنقول الصريح الصحيح، فإن تكلم فيه بالنقل فقط، أو بالنقل والعقل الموافق له، فهو أصل الدين وطريقة أهل السُّنة. وهذا معنى كلام الشيخ تقي الدين (٤)، وفي "الحاشية" ما فيه كفاية في ذلك.

стр. 2833

(و) كعلم (الفلسفة، والشَّعْبذة، والتنجيم، والضَّرْب بالرَّمْل، والشَّعير، وبالحصى، و) كعلم (الكيمياء، وعلوم الطبائعيين، إلا الطِّب؛ فإنه فَرْض كفاية في قول). قال في "الآداب الكبرى" (١): ذكر ابن هُبيرة أن علم الطِّب فَرْض كفاية! وهذا غريب في المذهب. (ومن المُحرَّم: السحر والطِّلَسْمات (٢)) بغير العربية لمن لا يعرف معناها، كما يأتي في آخر الردة. (و) من المُحرَّم (التلبيسات، وعلم اختلاج الأعضاء، والكلام عليه، ونسبته إلى جعفر الصادق) بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (كَذِبٌ، كما نصَّ عليه الشيخ (٣). و) عن المُحرَّم (حسابُ اسم الشخص واسم أُمِّه بالجُمَّلِ (٤)، وأن طالعه كذا، ونجمه كذا، والحكم على ذلك بفقر أو غِنى، أو غير ذلك من الدلائل الفلكية على الأحوال السُّفليّة، كما يصنع الآن) في التقاويم المشهورة.

стр. 2834

(وأما عِلم النجوم الذي يُستدلُّ به على الجهات والقِبلة، وأوقات الصلوات، ومعرفة أسماء الكواكب لأجل ذلك، فمُستحبٌّ كالآداب) وقد يجب، إذا دخل الوقت وخفيت القِبلة، كما تقدم في باب استقبال القِبلة (١). (و) العِلم (المكروه: كالمنطق، والأشعار المشتملة محلى الغَزَل والبَطالة. والمُباح منها) أي: الأشعار (ما لا سُخْفَ فيه، ولا ما يُكره، ولا ينشِّط على الشَّر، ولا يُثبِّط عن الخير) ويأتي: أن الشعر كالكلام، حَسَنه حسن وقبيحه قبيح. (ومن) العِلم (المباح: عِلم الهيئة، والهندسة، والعَروض) ومثله القوافي (و) منه علم (المعاني والبيان). قلت: لو قيل: بأنه فرض كفاية، لكان له وجه وجيه؛ إذ هو كالنحو في الإعانة على نِكَات الكتاب والسُّنة. (و من فروض الكفاية: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) والمعروف: كل ما أُمر به شرعًا. والمنكر: كل ما نُهي عنه شرعًا؛ فيجب على من علمه جزمًا، وشاهَدَه، وعرف ما ينكر، ولم يخف أذى. قال القاضي: ولا يسقط فرضه بالتوهم؛ فلو قيل له: لا تأمر على فلان بالمعروف؛ فإنه يقتلك، لم يسقط عنه لذلك. وقال ابن عقيل في آخر "الإرشاد": من شروط الإنكار أن يعلم أو يغلب على ظنِّه أنه لا يُفضي إلى مفسدة.

стр. 2835

قال أحمد في رواية الجماعة (١): إذا أمرت أو نَهيت، فلم ينتهِ، فلا ترفعه إلى السلطان، لِيُعدَى عليه. وقال - أيضًا (٢) -: من شرطه أن يأمن على نفسه وماله خوف التَّلف، وكذا قال جمهور العلماء (٣). ومن شرطه - أيضًا - رجاء حصول المقصود، وعدم قيام غيره به. نقله في "الآداب" (٤) عن الأصحاب. وعلى الناس إعانةُ المُنْكِر، ونَصْره على الإنكار. وأعلاه باليد، ثم باللسان، ثم بالقلب، وهو أضعف الإيمان. قال في رواية صالح: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح (٥). قال القاضي: ويجب فعل الكراهةِ للمنكر، كما يجب إنكاره. وفي "الحاشية" ما يغني عن الإطالة. (وذكرنا في الكتاب من فروض الكفايات كثيرًا في أبوابه، فلا حاجة إلى إعادته) لما فيها من التكرار، على أن بعض المذكورات مذكور - أيضًا - في مواضعه. (ولا يجب الجهاد إلا على ذَكَرٍ) لحديث عائشة قالت: "قلتُ يا رسول الله: هل على النِّساءِ جهادٌ؟ فقال: جهادٌ لا قتال فيه: الحجُّ

стр. 2836

والعُمْرَةُ" (١)، ولأنها ليست من أهل القتال؛ لضعفها وخَوَرِها، ولذلك لا يُسهَم لها. ومثلها الخنثى المشكل؛ لأنه لا تُعلم ذكوريته. (حُرٍّ) فلا يجب على عبد؛ لما رُوي أنه ﷺ كان يُبايعُ الحرَّ على الإسلام والجهاد، والعبدَ على الإسلامِ دون الجهاد (٢)، ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم تجب على العبد، كالحج، وفرضُ الكفاية لا يلزم رقيقًا، وظاهره: ولو مبعَّضًا ومكاتَبًا؛ رعاية لحق السيد. (مكلَّفٍ) لحديث: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثِ" (٣). (مستطيع) لأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب (وهو) أي: المستطيع (الصحيحُ) في بدنه من المرض والعمى والعرج؛ لقوله

стр. 2837

تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١)، ولأن هذه الأعذار تمنعه (٢) من الجهاد (الواجدُ - بملْك، أو بَذْلِ إمامٍ أو نائبه - لزاده ولما يحمله إذا كان) السفرُ (مسافةَ قصرٍ، ولما يكفي أهله في غيبته) لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ الآية (٣). ولأنه لا يمكن القُدرة عليه إلا بآلةٍ، فاعتُبرت القدرة عليها كالحج. ولا تُعتبر الراحلة مع قُرْب المسافة كالحج. ويُعتبر أن يكون ذلك فاضلًا عن قضاء دَيْنه، وأُجرة مسكنه، وحوائجه، كالحج. وإن بذَل له غير الإمام ونائِبه ما يجاهدُ به، لم يَصِر مستطيعًا، كما تقدم في الحج (٤). (ولا يجب) الجهاد (على أُنثى، ولا خُنثى، ولا عبد - ولو أَذِنَ له سيدُه - ولا صبي، ولا مجنون، ولا ضعيف، ولا مريض مرضًا شديدًا) لما تقدم. و (لا) يسقط وجوبه بالمرض إن كان (يسيرًا لا يمنعه) أي: الجهاد (كوجع ضِرس، وصُداع خفيف، ونحوهما) كالعَوَر.

стр. 2838

(ولا) يجب (على فقير، ولا كافر، ولا أعمى، ولا أعرج، ولا أشلَّ، ولا أقطع اليد أو الرِّجْل، ولا مَنْ أكثر أصابعه ذاهبة، أو إبهام يده) ذاهبة (أو) قُطع منه (ما يذهب بذهابه نَفْع اليد أو الرِّجْل) لأنه ليس بصحيح، ويؤخذ بيان ذلك من الكفَّارة. (و يلزم) الجهادُ (الأعورَ والأعشى، وهو الذي يبصر بالنهار فقط) أي: دون الليل؛ لأنه لا يمنع الجهاد. (قال الشيخ (١): الأمر بالجهاد) يعني: الجهاد المأمور به (منه ما يكون بالقلب) كالعزم عليه (والدعوة) إلى الإسلام وشرائعه (والحجَّة) أي: إقامتها على المبطل (والبيان) أي: بيان الحق وإزالة الشُّبَه (والرأي والتدبير) فيما فيه نفع المسلمين (٢) (والبَدَن) أي: القتال بنفسه (فيجب) الجهاد (بغاية ما يمكنه) من هذه الأمور. قلت: ومنه هَجْو الكفار، كما كان حسان رضي الله تعالى عنه يهجو أعداءه ﷺ (٣). (وأقل ما يُفعل) الجهاد (مع القدرة عليه، كل عام مرة) لأن الجزية تجب على أهل الذِّمة مرة في العام، وهي بدل النُّصرة، فكذا مبدلها. (إلا أن تدعوَ حاجة إلى تأخيره؛ لضعف المسلمين) من عدد أو

стр. 2839

عُدَّة (أو قلة عَلَف) في الطريق، (أو) قِلة (ماءٍ في الطريق أو انتظار مَدَدٍ) يستعين به إمام (١) (فيجوز تركه) أي: الجهاد (بهُدنة وبغيرها) لأنه ﷺ صالحَ قريْشًا عشْرَ سنين (٢)، وأخَّرَ قتَالَهُمْ حتّى نَقَضُوا العهدَ (٣)، وأخّرَ قتالَ قبائِلِ العرب بِغير هُدْنَةٍ. و (لا) يجوز تأخيره (إن رُجيَ إسلامهم) أي: الكفار، خلافًا للموفَّق ومن تابعه. (ولا يُعتبر أمْن الطريق) فإنَّ وَضْعه على الخوف. (وتحريم القتال في الأشهر الحُرُم) وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم (منسوخ نصًّا) وهو قول الأكثرين (٤)، بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥)، وبغزوه ﷺ الطائف (٦). واختار في "الهدي" (٧): لا. وأجابَ: بأنه لا حجَّة في غزوه

стр. 2840

الطائفَ، وإن كانت في ذي القعدة؛ لأنها كانت من تمام غزوة هوازن، وهم بدؤوا النبيَّ ﷺ بالقتال. قال (١): ويجوز القتال في الشهر الحرام دفعًا، إجماعًا (٢). وأطال في "الفروع" فيه في كتاب الحدود. (وإن دعتِ الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرَّة، وجب) لأنه فرض كفاية، فوجب منه ما تدعو إليه الحاجة. (ومن حَضَرَ الصفَّ من أهل فرض الجهاد) وهو: الذَّكَر الحُرُّ المكلف المسلم المستطيع (أو) من (عبد، أو مبعَّض، أو مكاتَب، أو حصره) عدوٌّ (أو) حصر (بلده عدوٌّ، أو احتاج إليه بَعيد) في الجهاد (أو تقابل الزحفان) المسلمون والكفار (أو استنفره من له استنفاره، ولا عُذر، تعيَّن عليه) أي: صار الجهاد فَرْض عين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٤)، ولحديث عائشة وابن عباس مرفوعًا: "إذا اسْتُنفرتُمْ فانْفِروا" متفق عليه (٥).
следующие страницы →