والعُمْرَةُ" (١)، ولأنها ليست من أهل القتال؛ لضعفها وخَوَرِها، ولذلك لا يُسهَم لها. ومثلها الخنثى المشكل؛ لأنه لا تُعلم ذكوريته.
(حُرٍّ) فلا يجب على عبد؛ لما رُوي أنه ﷺ كان يُبايعُ الحرَّ على الإسلام والجهاد، والعبدَ على الإسلامِ دون الجهاد (٢)، ولأنه عبادة تتعلق بقطع مسافة، فلم تجب على العبد، كالحج، وفرضُ الكفاية لا يلزم رقيقًا، وظاهره: ولو مبعَّضًا ومكاتَبًا؛ رعاية لحق السيد.
(مكلَّفٍ) لحديث: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلاثِ" (٣).
(مستطيع) لأن غير المستطيع عاجز، والعجز ينفي الوجوب (وهو) أي: المستطيع (الصحيحُ) في بدنه من المرض والعمى والعرج؛ لقوله
стр. 2837
تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١)، ولأن هذه الأعذار تمنعه (٢) من الجهاد (الواجدُ - بملْك، أو بَذْلِ إمامٍ أو نائبه - لزاده ولما يحمله إذا كان) السفرُ (مسافةَ قصرٍ، ولما يكفي أهله في غيبته) لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا﴾ الآية (٣).
ولأنه لا يمكن القُدرة عليه إلا بآلةٍ، فاعتُبرت القدرة عليها كالحج.
ولا تُعتبر الراحلة مع قُرْب المسافة كالحج.
ويُعتبر أن يكون ذلك فاضلًا عن قضاء دَيْنه، وأُجرة مسكنه، وحوائجه، كالحج.
وإن بذَل له غير الإمام ونائِبه ما يجاهدُ به، لم يَصِر مستطيعًا، كما تقدم في الحج (٤).
(ولا يجب) الجهاد (على أُنثى، ولا خُنثى، ولا عبد - ولو أَذِنَ له سيدُه - ولا صبي، ولا مجنون، ولا ضعيف، ولا مريض مرضًا شديدًا) لما تقدم.
و (لا) يسقط وجوبه بالمرض إن كان (يسيرًا لا يمنعه) أي: الجهاد (كوجع ضِرس، وصُداع خفيف، ونحوهما) كالعَوَر.
стр. 2838
(ولا) يجب (على فقير، ولا كافر، ولا أعمى، ولا أعرج، ولا أشلَّ، ولا أقطع اليد أو الرِّجْل، ولا مَنْ أكثر أصابعه ذاهبة، أو إبهام يده) ذاهبة (أو) قُطع منه (ما يذهب بذهابه نَفْع اليد أو الرِّجْل) لأنه ليس بصحيح، ويؤخذ بيان ذلك من الكفَّارة.
(و يلزم) الجهادُ (الأعورَ والأعشى، وهو الذي يبصر بالنهار فقط) أي: دون الليل؛ لأنه لا يمنع الجهاد.
(قال الشيخ (١): الأمر بالجهاد) يعني: الجهاد المأمور به (منه ما يكون بالقلب) كالعزم عليه (والدعوة) إلى الإسلام وشرائعه (والحجَّة) أي: إقامتها على المبطل (والبيان) أي: بيان الحق وإزالة الشُّبَه (والرأي والتدبير) فيما فيه نفع المسلمين (٢) (والبَدَن) أي: القتال بنفسه (فيجب) الجهاد (بغاية ما يمكنه) من هذه الأمور.
قلت: ومنه هَجْو الكفار، كما كان حسان رضي الله تعالى عنه يهجو أعداءه ﷺ (٣).
(وأقل ما يُفعل) الجهاد (مع القدرة عليه، كل عام مرة) لأن الجزية تجب على أهل الذِّمة مرة في العام، وهي بدل النُّصرة، فكذا مبدلها.
(إلا أن تدعوَ حاجة إلى تأخيره؛ لضعف المسلمين) من عدد أو
стр. 2839
عُدَّة (أو قلة عَلَف) في الطريق، (أو) قِلة (ماءٍ في الطريق أو انتظار مَدَدٍ) يستعين به إمام (١) (فيجوز تركه) أي: الجهاد (بهُدنة وبغيرها) لأنه ﷺ صالحَ قريْشًا عشْرَ سنين (٢)، وأخَّرَ قتَالَهُمْ حتّى نَقَضُوا العهدَ (٣)، وأخّرَ قتالَ قبائِلِ العرب بِغير هُدْنَةٍ.
و (لا) يجوز تأخيره (إن رُجيَ إسلامهم) أي: الكفار، خلافًا للموفَّق ومن تابعه.
(ولا يُعتبر أمْن الطريق) فإنَّ وَضْعه على الخوف.
(وتحريم القتال في الأشهر الحُرُم) وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم (منسوخ نصًّا) وهو قول الأكثرين (٤)، بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٥)، وبغزوه ﷺ الطائف (٦).
واختار في "الهدي" (٧): لا. وأجابَ: بأنه لا حجَّة في غزوه
стр. 2840
الطائفَ، وإن كانت في ذي القعدة؛ لأنها كانت من تمام غزوة هوازن، وهم بدؤوا النبيَّ ﷺ بالقتال.
قال (١): ويجوز القتال في الشهر الحرام دفعًا، إجماعًا (٢). وأطال في "الفروع" فيه في كتاب الحدود.
(وإن دعتِ الحاجة إلى القتال في عام أكثر من مرَّة، وجب) لأنه فرض كفاية، فوجب منه ما تدعو إليه الحاجة.
(ومن حَضَرَ الصفَّ من أهل فرض الجهاد) وهو: الذَّكَر الحُرُّ المكلف المسلم المستطيع (أو) من (عبد، أو مبعَّض، أو مكاتَب، أو حصره) عدوٌّ (أو) حصر (بلده عدوٌّ، أو احتاج إليه بَعيد) في الجهاد (أو تقابل الزحفان) المسلمون والكفار (أو استنفره من له استنفاره، ولا عُذر، تعيَّن عليه) أي: صار الجهاد فَرْض عين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ (٤)، ولحديث عائشة وابن عباس مرفوعًا: "إذا اسْتُنفرتُمْ فانْفِروا" متفق عليه (٥).
стр. 2841
(ولم يجز لأحدٍ أن يتخلَّف عن النفير؛ لما تقدم، إلا من يُحتاج إليه، لحفظ أهلٍ، أو مال، أو مكانٍ، ومن منعه الإمام من الخروج) ذكره في "البُلغة".
(وإن نودي بالصلاة والنفير معًا، صلَّى ثم نَفَر مع البعد) أي: بُعد العدوِّ (ومع قُرْب العدوّ ينفر ويصلِّي راكبًا، وذلك أفضل) نص عليه (١).
(ولا ينفر في خطبة الجمعة، ولا بعد الإقامة لها) عبارة "المبدع" و"المنتهى": ولا بعد الإقامة، فعمومه يتناول الجمعة وغيرها.
(ولا يقطع الصلاة إذا كان فيها) لأجل النفير.
(ولا تنفر الخيل إلا على حقيقة) دفعًا للضرر.
(ولا ينفر على غلام إذا أبق) لئلا يهلك الناس بسببه.
(ولا بأس أن يشتري الرجلان فرسًا بينهما؛ يغزوان عليه (٢)، يركب هذا عُقبة، وهذا عُقبة، ويأتي في) باب (قسمة الغنيمة.
ولو نادى الإمام: الصلاة جامعة، لحادثة يُشاور فيها، لم يتأخَّر أحد) عن الحضور (بلا عُذر) لوجوب الجهاد بغاية ما يمكن من البدن والرأي والتدبير، والحرب خدعة.
(ومُنِعَ النبيُّ ﷺ من نزعِ لأمةِ الحرب إذا لبسها حتى يلقى العدو) للخبر، علَّقه البخاري، وأسنده أحمد، وحسَّنه البيهقي (٣)، واللأْمَة
стр. 2842
كتمرة، بالهمز، ويجوز تخفيفها، وهي: الدرع، وجمعها لأْم؛ كتمرة وتَمْر، ولُؤَمٌ كصُرد، على غير قياس (١).
(كما مُنع) ﷺ (من الرمز بالعين والإشارة بها) لحديث: "ما ينبغي لِنَبيٍّ أن تكون له خائنَةُ الأعْيُنِ" رواه أبو داود، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٢). وهي الإيماء إلى مباح، من نحو ضرب أو قتل، على
стр. 2843
خلاف ما هو ظاهر.
وسُمِّي خائنة الأعين؛ لشبهه بالخيانة بإخفائه. ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور.
(و) مُنع ﷺ (من الشِّعر والخطّ وتعلُّمِهما) لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ (٢). ويأتي في الخصائص (٣) له تتمة.
(وأفضل ما يُتطوعُ به الجهاد) قال أحمد (٤): لا أعلم شيئًا من العمل بعد الفرائض أفضل من الجهاد. والأحاديث متظافرة (٥) بذلك؛ فمنها: حديث ابن مسعود (٦)، وحديث أبي
стр. 2844
هريرة (١)، وروى أبو سعيد قال: "قيل: يا رسولَ اللهِ، أيُّ الناس أفضلُ؟ قال: مؤمِنٌ مُجاهدٌ في سبيلِ الله بنَفْسِهِ ومالِه" متفق عليه (٢).
(و غَزو البحر أفضل من غَزو البرّ) لحديث أم حَرام "أنَّ النبيَّ ﷺ نامَ عندها، ثم استيقظ، وهو يضحك، قالت: فقُلْتُ: ما يُضْحكك (٣) يا رسول الله؟ قال: ناسٌ منْ أمّتِي عُرِضُوا عليَّ غزاةً في سبيلِ اللهِ يركَبُونَ ثَبَجَ (٤) هذا البحر، ملوكٌ على الأسِرَّة، أو مثلَ المُلوكِ على الأسِرَّةِ" متفق عليه (٥).
قال ابن عبد البر (٦): أمُّ حَرام بنت مِلحان أخت أم سليم، خالة رسول الله ﷺ من الرضاعة، أرضعته أخت لهما ثالثة.
وروى ابن ماجه بإسناده عن أبي أُمامة مرفوعًا: "شهيدُ البحرِ مثلُ
стр. 2845
شَهيدَي البَرِّ، والمائد في البحر كالمُتَشَحِّطِ في دمه في البَرِّ، وما بين الموجَتَيْنِ كقاطعِ الدنيا في طاعة الله تعالى، وإنَّ الله تعالى وكل مَلَكَ الموتِ بقبضِ الأرواح إلَّا شهيدَ البحرِ، فإن الله يتولَّى قَبْضَ أرواحِهم، وشهيد البَرِّ يُغْفَرُ له كلُّ شيءٍ إلا الدَّيْنَ، وشهيدُ البحرِ يغفرُ له كل شيءٍ والدَّيْنُ" (١) وإسناده ضعيف. ولأنه أعظم خطرًا ومشقة؛ لكونه بين خطر العدو والغرق، ولا يتمكن من الفرار إلا مع أصحابه؛ فكان أفضل من غيره.
(و الجهاد من السياحة) المُرغَّب فيها.
(وأما السياحة في الأرض، لا لمقصودٍ) شرعي (ولا إلى مكان معروف، فمكروهة) لأنها من العبث.
(ويُغزَى مع كل أمير بَرٍّ وفاجر يحفظان المسلمين) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الجهاد واجبٌ عليكم مع كلِّ أميرٍ، بَرًّا كان أو فاجِرًا"، رواه أبو داود (٢). وفي الصحيح: "إن الله لَيُؤَيِّدُ هذا الدِّينَ بالرجل
стр. 2846
الفاجر" (١)؛ ولأن تركه مع الفاجر يفضي إلى تركه وظُهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم، وإعلاء كلمة الكفر.
(ولا يكون) الأمير (مخذِّلًا، ولا مُرْجِفًا ولا معروفًا بالهزيمة وتضييع المسلمين) لعدم المقصود من حفظه المسلمين (ولو عُرف بالغُلُول وشُرب الخمر، إنما ذلك في نفسه) أي: إثمه عليه، لا يتعداه إلى غيره، فلا يمنع الغزو معه (ويقدَّم القوي منهما) أي: من الأميرين، نص عليه (٢)؛ لأنه أنفع للمسلمين.
(ويُستحبُّ تشييع غازٍ ماشيًا إذا خرج) إلى الغزو.
(ولا بأس بخلع نعله) أي: المشيِّع (لِتَغْبَرَّ قدماه في سبيل الله. فعله أحمد) فشيَّع أبا الحارث الصائغ ونعلاه في يده (٣)؛ لما رُوي عن أبي بكر الصِّدِّيق، "أنه شَيَّعَ يزيدَ بنَ أبي سفيان حين بعثهُ إلى الشَّام، ويَزيدُ رَاكبٌ، وأبو بكر يمشي، فقال له: ما تريدُ يا خليفةَ رسول الله؟ إمَّا أنْ تَركَبَ، وإمّا أن أنزلَ أنا، فأمشي معك. فقال: لا أرْكَبُ ولا تنزِلُ، إني أحتسِبُ خُطايَ هذه في سبيلِ اللهِ (٤).
стр. 2847
وشيَّع عليٌّ رسول الله ﷺ في غَزْوة تبوك ولم يتلقَّه (١).
وفي الخبر: "من اغبرَّت قدَمَاهُ في سَبيل اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ على النَّارِ" (٢).
(ولا يُستحبُّ تلقِّيه) أي: المغازي؛ لأنه تهنئة له بالسلامة من الشهادة. قال في "الفروع": ويتوجه مثله حج، وأنه (٣) يقصده للسلام.
(وفي "الفنون": تَحسنُ التهنئةُ بالقدوم للمسافر) كالمرضى تحسن تهنئة كلٍّ منهم بسلامته.
(وفي "شرح الهداية" لأبي المعالي) أسعد، ويُسمَّى محمدًا وجيه الدين ابن المنجا بن بركات: (تُستحبُّ زيارة القادم، ومعانقته، والسلام عليه) ونقل عن الإمام في حج: لا، إلا إن كان قصده، أو ذا عِلم، أو هاشميًّا، أو يخاف شرّه.
ونقل ابناه أنه قال لهما: اكتبا لي اسمَ من سلَّم علينا ممن حج، حتى إذا قدم سلَّمنا عليه (٤). قال القاضي: جعله مقابلة، ولم يستحب أن
стр. 2848
يبدأهم. قال ابن عقيل: محمولٌ على صيانة العلم، لا على الكِبْر.
(وذكر) أبو بكر (الآجريُّ: استحباب تشييع الحاج ووداعه، ومسألتِه أن يدعو له) وشيَّع أحمدُ أمَّه لحجٍّ (١).
(ويتعين أن يقاتِل كلُّ قومٍ مَن يليهم من العدو) لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ (٢)، ولأن الاشتغال بالعدوِّ البعيد يمكِّن القريب من انتهاز الفرصة في المسلمين؛ لاشتغالهم عنه.
(إلا لحاجة) إلى قتال الأبعد (كأن يكون) العدو (الأبعد أخوف، أو) لمصلحة في البداءة بالأبعد (لغِرَّته) بكسر الغين المعجمة (وإمكان الفُرصة منه، أو يكون الأقرب مهادَنًا، أو يمنع مانع من قتاله) أي: الأقرب (فيبدأ بالأبعد) للحاجة.
(ومع التساوي) أي: تساوي العدو في البعد والقُرب (قتال أهل الكتاب أفضل) لأنهم يقاتلون عن دين، قاله ابن المبارك، وكان يأتي مِن مَرْو لغزو الروم، واستبعده أحمد (٣) من حيث ترك العدو القريب والمجيء إلى البعيد، وحُمل على أنه متبرع بالجهاد، والكفاية حاصلة بغيره، لكن يؤيده حديث أمِّ خلاد من قوله ﷺ لها: "إنَّ ابنَكِ له أجرُ شهيدَيْن. قالت: ولمَ ذاك يا رسولَ اللهِ؟ قال: لأنَّهُ قَتَلَهُ أهلُ كتابٍ" رواه أبو داود (٤).
стр. 2849
(ويُقاتَل من تُقبل منهم الجزية) وهم أهل الكتاب والمجوس (حتى يُسلموا) لحديث: "أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتى يشهدُوا أنْ لا إله إلَّا الله (١) (أو يبذلوا الجِزية) بشرطه؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (٢).
(و) يقاتَل (من لا تُقبل منهم) الجِزية (حتى يُسلموا) للحديث السابق، خُصَّ منه أهل الكتاب للآية، والمجوس "لأخذه ﷺ الجِزية من مجوس هَجَر" (٣)، وبقي مَن عداهم.
(فإن امتنعوا من ذلك) أي: من بَذْلِ الجِزية حيث تُقبل منهم، ومن الإسلام (وضعُفَ المسلمون عن قتالهم، انصرفوا) عن الكفار بلا قتال؛
стр. 2850
لما تقدم من مصالحته ﷺ قريشًا على تَرْك القتال عشر سنين (١) (إلا إن خيف على مَن يليهم) أي: الكفار (من المسلمين) فلا ينصرفون عنهم؛ لئلا يسلطوهم على المسلمين.
(وتُسنُّ الدعوة) أي: دعوة الكفار إلى الإِسلام (قبل القتال لمن بلغته) الدعوة؛ قطعًا لحجته.
(ويَحرم) القتال (قبلَها) أي: الدعوة (لمن لم تبلغه) الدعوة؛ لحديث بُريدة قال: "كان النبي ﷺ إذا بعث أميرًا على سريَّةٍ أو جيشٍ، أمَرَهُ بتقوى الله تعالى في خاصَّةِ نَفْسِه، وبمَنْ معه من المسلمينَ، وقال: إذا لقيتَ عدوَّكَ من المشركينَ فادْعُهُمْ إلى إحدى ثلاثٍ، فإنْ هم أجابوكَ إليها، فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم: ادْعُهُمْ إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم، فإن أبوا، فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإنْ أجابوكَ، فاقبَلْ منهم وكُفَّ عنهم، فإنْ أبَوْا، فاسْتَعِنْ باللهِ وقاتِلهم" رواه مسلم (٢).
(وقيَّد) أبو عبد الله محمد شمس الدين (ابن القيم (٣) وجوبها) - أي: الدعوة - لمن لم تبلغه (واستحبابها) لمن بلغته (بما إذا قصدهم) أي: الكفار (المسلمون، أما إذا كان الكفارُ قاصدين) المسلمين بالقتال (فللمسلمين قتالهم من غير دعوة؛ دفعًا عن نفوسهم وحريمهم.
وأمرُ الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده) لأنه أعرف بحال الناس، وبحال العدو، ونِكايتهم، وقُربهم وبعدهم.
стр. 2851
(ويلزم الرعية طاعتُه فيما يراه من ذلك) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (٢).
(وينبغي أن يبتدئ) الإمام (بترتيب قوم في أطراف البلاد، يكفُّون مَن بإزائهم من المشركين، ويأمُرَ بعمل حصونهم، وحَفْرِ خنادقهم وجميع مصالحهم) لأن أهم الأمور الأمن، وهذا طريقه.
(ويُؤَمِّر في ناحية أميرًا يقلِّده أمر الحرب، وتدبير الجهاد.
ويكون) الأمير (ممن له رأي وعقل وخبرة بالحرب، ومكايد العدوِّ، مع أمانةٍ ورفقٍ بالمسلمين، ونُصْحٍ لهم) ليحصُل المقصود من إقامته.
(ويوصيه) أي: يوصي الإمامُ الأمير - إذا ولَّاه - بتقوى الله في نفسه، و (أن لا يحمل المسلمين على مَهْلكة، ولا يأمرهم بدخول مَطْمورة (٣) يُخاف أن يُقتَلوا تحتها) لحديث بُريدة السابق.
(فإن فعل) أي: حملهم على مَهْلكة، أو أمرهم بدخول مَطْمورة يُخاف أن يُقتَلوا تحتها (فقد أساء، ويستغفر الله) أي: يتوب إليه من ذلك؛ لوجوب التوبة من كل معصية (ولا عقلَ) أي: دِية (عليه، ولا كفَّارة إذا أُصيب أحد منهم بطاعته) لأنه فعل ذلك باختياره.
стр. 2852
(فإن عُدِم الإمام، لم يؤخَّر الجهاد) لئلا يستولي العدو على المسلمين، وتظهر كلمة الكفر.
(وإن حصلت غنيمة، قسموها على موجب الشرع) كما يقسمها الإمام، على ما يأتي بيانه في باب قسمة الغنيمة.
(قال القاضي: وتؤخَّر قسمة الإماء حتى يقوم إمام) فيقسمها (احتياطًا للفروج.
فإن بعث الإمام جيشًا) أو سرية (وأمَّر عليهم أميرًا، فقُتِل أو مات) الأمير (فللجيش أن يُؤَمِّرُوا أحدهم) كما فعل أصحابُ النبيِّ ﷺ في جيش مُؤْتَةَ، لمَّا قُتل أمراؤهم، أمَّروا عليهم خالد بن الوليد فبلغ النبيَّ ﷺ فرضي أمرهم، وصوَّب رأيهم، وسمَّى خالدًا يومئذ سيف الله (١).
(فإن لم يقبل أحدٌ منهم أن يتأمَّر عليهم دافعوا (٢) عن أنفسهم) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣).
(ولا يقيمون في أرض العدو إلا مع أمير) يقيمونه، أو يبعثه الإمام إليهم.
(و يُسنُّ الرِّباط) نص عليه (٤)؛ لحديث سلمان قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: رباطُ ليلة في سبيل اللهِ خيرٌ من صيامِ شهرٍ وقيامِهِ،
стр. 2853
فإنْ ماتَ جرى عليه عَمَلُه الذي كان يعملُ، وأُجْريَ عليه رزْقُهُ، وأمِنَ الفَتَّان" رواه مسلم (١).
وعن فَضالة بن عبيد مرفوعًا: "كلُّ ميِّتٍ يختمُ على عمله إلا المُرابِطَ في سبيلِ الله، فإنَّهُ يَنْمُو له عملُهُ إلى يوم القيامة، ويأمَنُ مِنْ فتَّانِ القبرِ" رواه أبو داود، والترمذي وقال: حسن صحيح (٢).
(وهو) أي: الرِّباط (الإقامة بثغر تقويةً للمسلمين) مأخوذ من رِباط الخيل؛ لأن هؤلاء يربطون خيولهم، وهؤلاء يربطون خيولهم، كلٌّ يعدُّ لصاحبه.
والثغر: كل مكان يُخيفُ أهلُه العدوَّ، ويخيفهم.
(وأقله) أي: الرباط (ساعة) قال أحمد (٣): يومٌ رباط، وليلةٌ
стр. 2854
رباط، وساعةٌ رباط.
(وتمامه) أي: الرباط (أربعون يومًا) قاله أحمد (١). ورُوي عن ابن عمر (٢)؛ لحديث: "تمامُ الرباط أربعونَ يومًا" رواه أبو الشيخ في "كتاب الثواب" (٣)، وعن أبي هريرة: "رباطُ يومٍ في سبيلِ الله أحَبُّ إليَّ أنْ أوافِقَ ليلةَ القَدْرِ في أحَدِ المسجدَيْنِ: مسجِد الحرامِ، ومسجد رسول الله ﷺ ، ومن رابط أربعينَ يومًا فقد استكملَ الرباط" رواه سعيد (٤).
(وإن زاد) الرباط على أربعين يومًا (فله أجره) كسائر أعمال البِرِّ.
(وهو) أي: الرباط (بأشد الثغور خوفًا أفضل) لأنهم أحوج، والمُقام به أنفع.
(و) الرباط (أفضل من المُقام بمكة) ذكره الشيخ تقي الدين إجماعًا (٥) (والصلاة بها) أي: بمكة (أفضل من الصلاة بالثغر) قال أحمد: فأما فضل الصلاة، فهذا شيء خاصةُ فَضْلٍ لهذه
стр. 2855
المساجد (١).
(ويُكره لغير أهل الثغر نَقْل أهله من الذرية والنساء إليه) أي: إلى الثغر إن كان مخوفًا؛ لقول عمر: "لا تُنْزلُوا المسلمِينَ خِيفَةَ (٢) البحر" رواه الأثرم (٣). وقال أحمد (٤): كيف لا أخاف الإثم، وهو يعرِّض ذريته للمشركين.
و (لا) يكره نقل أهله (إلى غير مخوف) للأمن (كأهل الثغر) أي: كإقامة أهل الثغر بأهليهم، فلا تُكره؛ لأنه (٥) لا بد لهم من السُّكنى بأهليهم، وإلا؛ لخربت الثغور وتعطلت.
(والحَرْس في سبيل الله ثوابه عظيم) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "عَينان لا تَمَسُّهُما النار، عيْنٌ بكَتْ منْ خشْيَة الله تعالى، وعيْنٌ باتَتْ تحرُس في سبيلِ الله" رواه الترمذي (٦) وقال: حسن غريب.
стр. 2856
وعن عثمان مرفوعًا: "حرسُ ليلةٍ في سبيل اللهِ أفضلُ من ألفِ ليلةٍ، قيام ليلِها وصيامِ نهارها". رواه ابن
стр. 2857
سنجر (١).
(و حكم الهجرة باقٍ لا ينقطع إلى يوم القيامة) لحديث معاوية مرفوعًا: "لا تنقطع الهجرةُ حتّى تنقطع التوبةُ، ولا تنقطع التوبةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مغربها" رواه أبو داود (٢).
стр. 2858
وعنه ﷺ : "لا تنقطعُ الهجرَةُ ما كانَ الجهادُ" رواه سعيد وغيره (١)، مع إطلاق الآيات والأخبار، وتحقق المعنى المقتضي لها في كل زمان.
وأما حديث: "لا هجرة بعد الفتح" (٢) يعني: من مكة.
(وكل بلد فُتح لا تبقى منه هجرة، إنما الهجرة إليه) لأن الهجرة الخروج من بلد الكفار، فإذا فُتح لم يبقَ بلدَ الكفار، فلا تبقى منه هجرة.
(وتجب) الهجرة (على من يَعجِز عن إظهار دينه بدار الحرب، وهي
стр. 2859
ما يغلب فيها حُكم الكفر) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (١)، ولقوله ﷺ : "أنا بريءٌ من مسلِمٍ بين مشْرِكين، لا تراءى ناراهما" رواه أبو داود والنسائي والترمذي (٢).
ومعناه: لا يكون بموضع يَرى نارَهم ويرون نارَه إذا أوقدت، ولأن
стр. 2860
القيام بأمرِ الدين واجب، والهجرة من ضرورة الواجب، وما لا يتم الواجب إلا به واجب.
(زاد جماعة) وقطع به في "المنتهى" (أو بلدِ بُغاة أو بِدَع مُضِلَّة، كرفض واعتزال) فيخرج منها إلى دار أهل السُّنة وجوبًا، إن عَجَز عن إظهار مذهب أهل السُّنة فيها (إن قدر عليها) أي: على الهجرة من أرض الكفر وما أُلحق بها؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ (١) (ولو) كان من يَعجز عن إظهار دينه بما ذكر (امرأة) لدخولها في العمومات (ولو) كانت (في عِدَّة أو بلا راحلة ولا مَحْرم) بخلاف الحج.
وفي "عيون المسائل" و"الرعايتين": إن أمنت على نفسها من الفتنة في دينها، لم تهاجر إلا بمَحْرم، كالحج. ومعناه في "شرح الهداية" للمجد، وزاد: وأَمِنَتْهم على نفسها، وإن لم تأمنهم، فلها الخروج، حتى وحدها، بخلاف الحج.
(وتُسنُّ) الهجرة (لقادر على إظهاره) أي: دينه، ليتخلَّص من تكثير الكفار، ومخالطتهم، ورؤية المنكر بينهم، ويتمكن من جهادهم، وإعانة المسلمين، ويكثِّرهم (٢).
ولا تجب الهجرة من بين أهل المعاصي، لكن روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ (٣) أنَّ المعنى: "إذا عُمِلَ بالمعاصي في أرْضٍ فاخرجوا منها" (٤) وقاله
стр. 2861
عطاء (١).
ويردُّه: ظاهر قوله ﷺ : "من رأى منكم منكرًا فليغَيِّرْهُ" (٢) الخبر.
(ولا يجاهد تطوُّعًا مَن عليه دَين - ولو مؤجَّلًا لآدمي - لا وفاء له، إلا بإذن غريمه) لأن الجهاد يُقصد منه الشهادة، وبها تفوت النفس، فيفوت الحق بفواتها.
(فإن أقام ضامنًا مليئًا، أو رهنًا مُحْرَزًا، أو وكيلًا يقضيه متبرِّعًا، جاز) وكذا لو كان له وفاء. نص عليه (٣)؛ لأن عبد الله بن حَرَام والد جابر خرج إلى أُحُدٍ وعليهِ ديونٌ كثيرة، فاستُشْهِدَ، وقضى عنه ابنه، مع علمه ﷺ من غير نكيرٍ (٤)؛ ولعدم ضياع حق الغريم إذن.
(ولا) يجاهد تطوعًا (مَن أبواه حُرَّان مسلمان عاقلان، إلا بإذنهما، وإن كان أحدهما) أي: أحد أبويه (كذلك) أي: حرًّا مسلمًا عاقلًا، لم يجاهد تطوعًا (إلا بإذنه) لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أُجاهِدُ؟ فقال: لك أبوان؟ قال: نعم. قال: ففيهما فجاهدْ" (٥). وروى البخاري معناه من حديث
стр. 2862
ابن عمر (١).
وروى أبو داود عن أبي سعيد: "أنَّ رجلًا هاجر إلى النبيِّ ﷺ من اليمن فقال: هل لك أحدٌ باليمن؟ فقال: أبَوَايَ، فقال: أذِنَا لك؟ قال: لا. قال: فارجع فاستأذِنْهما، فإنْ أذِنا لك فجاهِدْ، وإلَّا، فبرّهُمَا" (٢).
стр. 2863
ولأن بِرَّهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، والأول مقدَّم.
(إلا أن يتعين عليه) الجهاد لحضور الصف، أو حَصْر العدو، أو استنفار الإمام له، ونحوه (فيَسقط إذنهما، وإذنُ غريم) لأنه يصير فرض عين، وتركه معصية (لكن يُستحبُّ للمَديون أن لا يتعرض لمكان القتل من المبارزة والوقوف في أول المقاتلة) لأن فيه تغريرًا بتفويت الحق.
(ولا طاعة للوالدين في تَرْك فريضة، كتعلُّم عِلم واجب يقوم به دِينه من طهارة وصلاة وصيام، ونحو ذلك، وإن لم يحصُل ذلك) أي: ما وجب عليه من العلم (ببلده، فله السفر لطلبه بلا إذنهما) أي: أبويه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (١).
(ولا إذن لجدٍّ ولا جدَّة) لظاهر الأخبار، ولا لكافرين؛ لفعل الصحابة، ولا لرقيقين؛ لعدم الولاية، ولا لمجنونين؛ لأنه لا حكم لقولهما.
(فإن خرج في جهادِ تطوُّع بإذنهما، ثم مَنَعاه منه بعد سيره وقبل تَعيينه عليه، فعليه الرجوع) لأنه معنًى لو وُجد في الابتداء، مَنَعَ، فَمَنَعَ إذا وُجد في أثنائه، كسائر الموانع (إلا أن يخاف على نفسه في الرُّجوع، أو يحدث له عُذر من مرض ونحوه، فإن أمكنه الإقامة في الطريق) أقام حتى يقدر على الرجوع، فيرجع (وإلا مضى مع الجيش.
وإذا حضر الصفَّ، تعيَّن عليه؛ لحضوره، وسقط إذنهما، وإن كان
стр. 2864
رجوعهما عن الإذن بعد تعيين الجهاد علبة، لم يؤثر شيئًا) لعدم اعتبار الإذن إذَنْ.
(وإن كانا) أي: الأبوان (كافرين، فأسلما ثم منعاه، كان كمنعهما بعد إذنهما) على ما تقدم تفصيله (وكذا حكم الغريم) يأذن ثم يرجع.
(فإن عَرَض للمجاهد في نفسه مرض أو عمًى أو عَرَجٌ، فله الانصراف، ولو بعد التقاء الصفين) لخروجه عن أهلية الوجوب.
(وإن أذن له أبواه في الجهاد، وشرطا عليه أن لا يقاتل، فحضر القتال، تعيَّن عليه، وسقط شرطهما).
قلت: وكذا لو اسْتَنْفَرَه من له استنفاره ونحوه، مما يتعيَّن به الجهاد عليه.
فصل
(ويَحرم فِرار مسلم من كافريْنِ) (و) يحرم فِرار (جماعة من مِثلَيْهم) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (١). قال ابن عباس: "من فرَّ من اثنين فقد فَرَّ، ومنْ فرَّ من ثلاثةٍ فما فرَّ" (٢).
стр. 2865
(ويلزمهم) أي: المسلمين (الثبات، وإن ظنُّوا التَّلَف) لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (١) ولأنه ﷺ عدَّ الفِرار من الكبائر (٢).
(إلا مُتحرِّفين لقتال) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣).
(ومعنى التحرُّف) لقتال (أن ينحازوا إلى موضع يكون القتال فيه أمكن، مثل أن ينحازوا من ضِيق إلى سعة، أو من مَعْطَشَة إلى ماء، أو من نزول إلى عُلُوٍّ، أو عن (٤) استقبال شمس أو ريح إلى استدبارهما، أو يفرُّوا بين أيديهم لينتقض صفهم، أو تنفرد خيلهم من رَجَّالتهم، أو ليجدوا فيهم فرصة، أو يستندوا إلى جبل، ونحو ذلك) مما جرت به عادة أهل الحرب، قال عمر: "يا ساريةُ، الجَبَلَ" (٥)، فانحازوا إليه،
стр. 2866
وانتصروا على عدوهم.
(أو مُتحيِّزين إلى فئة ناصرةٍ تُقاتل معهم، ولو بَعُدَت) لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (١).
(قال القاضي: لو كانت الفئةُ بخراسان، والفئةُ بالحجاز، لجاز التحيُّزُ إليها) لحديث ابن عمر: "أن النبي ﷺ قال: إنِّي فِئَةٌ لكم" (٢)
стр. 2867
وكانوا بمكان بعيد منه. وقال عمر: "أنا فئَةٌ لكل مسلمٍ" (١) وكان بالمدينة، وجيوشه بالشام والعراق وخراسان. رواهما سعيد.
(وإن زادوا على مِثْلَيْهم، فلهم الفِرار) قال ابن عباس: "لما نزلت ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (٢) شَقَّ ذلك على المسلمين، حين فرض الله عليهم أن لا يفرَّ واحد من عشرة، ثم جاء التخفيف، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية (٣)، فلما خَفَّفَ عنهم مِنَ العدو (٤)، نقصَ منَ الصبرِ بِقَدْرِ ما خَفَّفَ منَ العِدّةِ (٥) " رواه أبو داود (٦). وظاهره: أنه يجوز لهم الفرار مع أدنى زيادة.
(وهو) أي: الفرار (أَولى) من الثبات (إن ظنُّوا التلف بتَرْكه) أي:
стр. 2868
الفرار، وأطلق ابن عقيل استحباب الثبات للزائد؛ لما في ذلك من المصلحة.
(وإن ظنُّوا الظَّفَر، فالثبات أولى) من الفرار (بل يُستحبُّ) الثبات؛ لإعلاء كلمة الله، ولم يجب؛ لأنهم لا يأمنون العطب (كما لو ظنُّوا الهلاك فيهما) أي: في الفرار والثبات (فـ) يُستحبُّ الثبات وأن (يقاتلوا، ولا يستأسروا.
قال) الإمام (أحمد (١): ما يعجبني أن يستأسروا. وقال (٢): يقاتل أحب إليَّ، الأسر شديد، ولا بُدَّ من الموت. وقال (٣): يقاتل، ولو أعطوه الأمان، قد لا يَفُون. وإن استأسروا، جاز).
قال في "البُلغة" وغيرها: وقال عمار: "من اسْتأسَرَ، برئَتْ منهُ الذِّمَّة" (٤) فلهذا قال الآجري: يأثم، وأنه قول أحمد (٥).
(فإن جاء العدو بلدًا، فلأهله التحصُّن منهم، وان كانوا) أي: أهل الحِصن (أكثر من نصفهم، ليلحقهم مددٌ أو قوَّة) ولا يكون ذلك تولِّيًا ولا فرارًا، إنما التولي بعد اللقاء.
(وإن لقوهم خارج الحصن، فلهم التحيُّز إلى الحصن) ليلحقهم مددٌ أو قوة؛ لأنه بمنزلة التحرُّف للقتال، أو التحيز للفئة.
(وإن غزوا فذهبت دوابهم) لشرود أو قتل (فليس ذلك عذرًا في الفرار) إذ القتال ممكن بدونها.
стр. 2869
(وإن تحيَّزوا إلى جبل ليقاتلوا فيه رَجَّالة، جاز) لأنه من التحرُّف للقتال.
(وإن فرّوا) أي: المسلمون (قبل إحراز الغنيمة فلا شيء لهم إذا أحرزها غيرهم) لأن مُلْكها لمن أحرزها.
(وإن قالوا) أي: الفارُّون (إنهم فرُّوا متحرِّفين للقتال، فلا شيء لهم أيضًا) لأنهم لم يشهدوا الوقعة حال تقضِّي الحرب، والاعتبار به كما يأتي.
(وإن أُلقيَ في مركبهم) أي: المسلمين (نارٌ فاشتعلت، فعلوا ما يرون السلامة فيه (١)) لأن حفظ الروح واجب، وغلبة الظن كاليقين في أكثر الأحكام، فهنا كذلك (من المُقام، أو الوقوع في الماء) ليتخلصوا من النار.
(وإن (٢) شكُّوا) في أيهما السلامة (فعلوا ما شاؤوا) لأنهم ابتلوا بأمرين، ولا مزية لأحدهما على الآخر (كما لو تيقَّنوا الهلاك فيهما، أو ظنوه ظنًّا متساويًا، أو ظنوا السلامة) فيهما (ظنًّا متساويًا) قال أحمد (٣): كيف شاء صَنَع. وقال الأوزاعي (٤): هما موتتان، فاخترْ أيسرهما انتهى. وهم ملجؤون إلى الإلقاء، فلا ينسب إليهم الفعل بوجه، فلا يقال: ألقوا بأنفسهم إلى التهلكة.
стр. 2870
فصل
(ويجوز تَبْييتُ الكفار، وهو كَبْسهم ليلًا، وقتلهم وهم غارُّون) أي: مغرورون (ولو قُتل فيه) أي: التبييت (من لا يجوز قتله من امرأة وصبي وغيرهما) كمجنون وشيخ فانٍ، إذا لم يُقصدوا؛ لحديث الصعب بن جثَّامة قال: "سمعت النبيَّ ﷺ يُسألُ عن ديار المشركين يُبَيِّتُون فيصابُ من نسائهم وذراريهم؟ فقال: هم منهم". متفق عليه (١).
(وكذا قَتْلهم) أي: الكفار (في مَطمورة إذا لم يقصدهم) أي: النساء والصبيان، ونحوهم.
(و) يجوز أيضًا (رميهم بالمنجنيق) نص عليه (٢)؛ لأنه ﷺ نَصَبَ المنْجَنيقَ على أهلِ الطّائفِ. رواه الترمذي مرسلًا (٣)، ونَصَبَه عمرو بن
стр. 2871
العاص على الإسكندرية (١)، ولأن الرمي به معتاد كالسهام، وسواء مع الحاجة وعدمها.
(و) يجوز (قَطْع المياه عنهم، و) قَطْع (السَّابِلة (٢)) عنهم (وإن تضمن ذلك قتل الصبيان والنساء) لأنه في معنى التبييت السابق فيه حديث الصعب بن جثَّامة، ولأن القصد إضعافهم وإرهابهم؛ ليجيبوا داعي الله.
(و) تجوز (الإغارة على علّافيهم وحطَّابيهم ونحوه) أي: نحو ما ذكر مما فيه إضعاف وإرهاب لهم.
(ولا يجوز إحراق نَحْلِهم) بالمهملة (ولا تغريقه) لما روى مكحول: أن النبيَّ ﷺ أوصى أبا هريرة بأشياءَ، قال: "إذا غزَوْتَ فلا تحرقْ نَحْلًا (٣) ولا تُغْرقه" (٤)، وروى مالك أن أبا بكر قال ليزيد بن أبي
стр. 2872
سفيان نحوه (١). ولأن قتله فساد، فيدخل في عموم، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ الآية (٢)؛ ولأنه حيوان ذو روح، فلم يجز إهلاكه لغيظهم، كنسائهم.
(ويجوز أخذ العسل وأكلُه) لأنه مباح (و) يجوز (أخذ شَهْده كله، بحيث لا يترك للنحل شيئًا فيه) لأن الشَّهْد من الطعام المباح، وهلاك النحل بأخذ جميعه يحصُل ضمنًا غير مقصود، فأشبه قتل النساء والذراري في البيات.
(والأَولى أن يترك له) أي: للنحل (شيئًا) من الشَّهْد ليبقى به.
(ولا يجوز عَقْر دوابهم ولو شاة) لنهيه ﷺ عن قتل الحيوان صَبْرًا (٣)، وقول الصديق ليزيد بن أبي سفيان في وصيته: "ولا تعقِرَنْ شجرًا مثْمِرًا، ولا دَابَّةً عجماء ولا شاةً إلا لمأكلة (١) (أو من دواب قتالهم) فلا يجوز عَقْرها؛ لما تقدم (إلا حال قتالهم) فيجوز بلا خلاف؛
стр. 2873
لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، إذ قتل بهائمهم مما يُتوصَّل به إلى قَتْلهم وهزيمتهم، وهو المطلوب، قاله في "المبدع".
(أو لأكل يحتاج إليه) فيباح قتلها لذلك؛ لما تقدم من قول الصديق: "إلا لمأكلة"؛ ولأن الحاجة تبيح مال المعصوم، فغيره أولى (ويردُّ الجِلْد في الغنيمة) لأنه ليس بطعام، وإن لم تَدْعُ الحاجة إلى أكله، وكان مما يُحتاج إليه في القتال كالخيل، لم يبح ذبحه للأكل.
(وأما الذي لا يُراد إلا للأكل، كالدجاج والحمام، وسائر الطير، والصيود، فحكمه حكم الطعام) في قول الجميع.
(ويجوز حَرْق شجرهم، وزرعهم، وقطعه إذا دَعَتِ الحاجة إلى إتلافه، أو كان لا يُقدَر عليهم) أي: الكفار (إلا به) كالذي يَقرُب من حصونهم ويمنع من قتالهم، أو يستترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة الطرق (١) (أو كانوا يفعلونه) أي: حرق الشجر والزرع وقطعهما (بنا) أي: معاشر المسلمين (فيفعل بهم ذلك لينتهوا) عنه وينزجروا.
(وما تضرر المسلمون بقطعه) من الشجر والزرع (لكونهم ينتفعون ببقائه لِعَلُوفَتِهم، أو يستظلون به، أو يأكلون من ثمره، أو تكون العادة لم تجر بيننا وبين عدونا) بقطعه (حَرُم قطعه) لما فيه من الإضرار بنا.
(وما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه بالمسلمين ولا نفع لهم) به (سوى غيظِ الكفار والإضرارِ بهم، فيجوز إتلافه) لقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية (٢)؛ ولما روى ابن عمر: أن النبيَّ ﷺ حرَّق نخل
стр. 2874
بني النَّضير وقَطَعَ، وهي البُوَيْرةُ، فأنزل الله الآية، ولها يقول حسان (١):
وَهانَ على سَراة بني لؤيٍّ … حريقٌ بالبويْرةِ مُسْتَطيرُ
متفق عليه (٢).
(وكذلك يجوز رميهم) أي: الكفار (بالنار، والحيَّات، والعقارب، في كفَّات المجانيق، و) يجوز (تدخينهم في المطامير، وفتح الماء ليُغرِقهم، وفتح حصونهم وعامرِهم) أي: هدمها عليهم؛ لأنه في معنى التبييت.
(فإذا قدر عليهم، لم يجز تحريقهم) لحديث: "إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ، فإذا قتلْتُم فأحسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحْسِنُوا الذَّبحة" (٣)، ولقوله ﷺ : "فإنه لا يعذِّب بالنَّار إلا ربُّ النَّارِ" رواه أبو داود (٤). وكان أبو بكر يأمر بتحريق أهل الرِّدة بالنار (٥)، وفعله خالد بن
стр. 2875
الوليد بأمره (١).
(ويجوز إتلاف كتبهم المُبدَّلة) وفي "المنتهى": يجب (وإن أمكن الانتفاع بجلودها وورقها) أي: فيجوز إتلافها تبعًا.
(وإذا ظُفِر) بالبناء للمفعول (بهم) أي: بأهل الحرب (حَرُم قَتْل صبي وامرأة) لقول ابن عمر: "إنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن قَتْلِ النساء والصِّبيانِ" متفق عليه (٢)؛ ولأنهم يصيرون أرقَّاء بنفس السبي، ففي قتلهم إتلاف المال، فإن شكَّ في بلوغ الصبي، عُوِّل على شعر العانة، قاله في "البُلغة".
(وخُنثى) لاحتمال أن يكون امرأة.
(وراهب، ولو خالط الناس) لقول عمر: "ستَمُرُّون على قومٍ في صوامع لهم، احتَبَسُوا أنفسَهم فيها، فدعوهم حتى