العاص على الإسكندرية (١)، ولأن الرمي به معتاد كالسهام، وسواء مع الحاجة وعدمها.
(و) يجوز (قَطْع المياه عنهم، و) قَطْع (السَّابِلة (٢)) عنهم (وإن تضمن ذلك قتل الصبيان والنساء) لأنه في معنى التبييت السابق فيه حديث الصعب بن جثَّامة، ولأن القصد إضعافهم وإرهابهم؛ ليجيبوا داعي الله.
(و) تجوز (الإغارة على علّافيهم وحطَّابيهم ونحوه) أي: نحو ما ذكر مما فيه إضعاف وإرهاب لهم.
(ولا يجوز إحراق نَحْلِهم) بالمهملة (ولا تغريقه) لما روى مكحول: أن النبيَّ ﷺ أوصى أبا هريرة بأشياءَ، قال: "إذا غزَوْتَ فلا تحرقْ نَحْلًا (٣) ولا تُغْرقه" (٤)، وروى مالك أن أبا بكر قال ليزيد بن أبي
стр. 2872
سفيان نحوه (١). ولأن قتله فساد، فيدخل في عموم، قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ الآية (٢)؛ ولأنه حيوان ذو روح، فلم يجز إهلاكه لغيظهم، كنسائهم.
(ويجوز أخذ العسل وأكلُه) لأنه مباح (و) يجوز (أخذ شَهْده كله، بحيث لا يترك للنحل شيئًا فيه) لأن الشَّهْد من الطعام المباح، وهلاك النحل بأخذ جميعه يحصُل ضمنًا غير مقصود، فأشبه قتل النساء والذراري في البيات.
(والأَولى أن يترك له) أي: للنحل (شيئًا) من الشَّهْد ليبقى به.
(ولا يجوز عَقْر دوابهم ولو شاة) لنهيه ﷺ عن قتل الحيوان صَبْرًا (٣)، وقول الصديق ليزيد بن أبي سفيان في وصيته: "ولا تعقِرَنْ شجرًا مثْمِرًا، ولا دَابَّةً عجماء ولا شاةً إلا لمأكلة (١) (أو من دواب قتالهم) فلا يجوز عَقْرها؛ لما تقدم (إلا حال قتالهم) فيجوز بلا خلاف؛
стр. 2873
لأن الحاجة تدعو إلى ذلك، إذ قتل بهائمهم مما يُتوصَّل به إلى قَتْلهم وهزيمتهم، وهو المطلوب، قاله في "المبدع".
(أو لأكل يحتاج إليه) فيباح قتلها لذلك؛ لما تقدم من قول الصديق: "إلا لمأكلة"؛ ولأن الحاجة تبيح مال المعصوم، فغيره أولى (ويردُّ الجِلْد في الغنيمة) لأنه ليس بطعام، وإن لم تَدْعُ الحاجة إلى أكله، وكان مما يُحتاج إليه في القتال كالخيل، لم يبح ذبحه للأكل.
(وأما الذي لا يُراد إلا للأكل، كالدجاج والحمام، وسائر الطير، والصيود، فحكمه حكم الطعام) في قول الجميع.
(ويجوز حَرْق شجرهم، وزرعهم، وقطعه إذا دَعَتِ الحاجة إلى إتلافه، أو كان لا يُقدَر عليهم) أي: الكفار (إلا به) كالذي يَقرُب من حصونهم ويمنع من قتالهم، أو يستترون به من المسلمين، أو يحتاج إلى قطعه لتوسعة الطرق (١) (أو كانوا يفعلونه) أي: حرق الشجر والزرع وقطعهما (بنا) أي: معاشر المسلمين (فيفعل بهم ذلك لينتهوا) عنه وينزجروا.
(وما تضرر المسلمون بقطعه) من الشجر والزرع (لكونهم ينتفعون ببقائه لِعَلُوفَتِهم، أو يستظلون به، أو يأكلون من ثمره، أو تكون العادة لم تجر بيننا وبين عدونا) بقطعه (حَرُم قطعه) لما فيه من الإضرار بنا.
(وما عدا هذين القسمين مما لا ضرر فيه بالمسلمين ولا نفع لهم) به (سوى غيظِ الكفار والإضرارِ بهم، فيجوز إتلافه) لقوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية (٢)؛ ولما روى ابن عمر: أن النبيَّ ﷺ حرَّق نخل
стр. 2874
بني النَّضير وقَطَعَ، وهي البُوَيْرةُ، فأنزل الله الآية، ولها يقول حسان (١):
وَهانَ على سَراة بني لؤيٍّ … حريقٌ بالبويْرةِ مُسْتَطيرُ
متفق عليه (٢).
(وكذلك يجوز رميهم) أي: الكفار (بالنار، والحيَّات، والعقارب، في كفَّات المجانيق، و) يجوز (تدخينهم في المطامير، وفتح الماء ليُغرِقهم، وفتح حصونهم وعامرِهم) أي: هدمها عليهم؛ لأنه في معنى التبييت.
(فإذا قدر عليهم، لم يجز تحريقهم) لحديث: "إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كل شيءٍ، فإذا قتلْتُم فأحسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحتم فأحْسِنُوا الذَّبحة" (٣)، ولقوله ﷺ : "فإنه لا يعذِّب بالنَّار إلا ربُّ النَّارِ" رواه أبو داود (٤). وكان أبو بكر يأمر بتحريق أهل الرِّدة بالنار (٥)، وفعله خالد بن
стр. 2875
الوليد بأمره (١).
(ويجوز إتلاف كتبهم المُبدَّلة) وفي "المنتهى": يجب (وإن أمكن الانتفاع بجلودها وورقها) أي: فيجوز إتلافها تبعًا.
(وإذا ظُفِر) بالبناء للمفعول (بهم) أي: بأهل الحرب (حَرُم قَتْل صبي وامرأة) لقول ابن عمر: "إنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن قَتْلِ النساء والصِّبيانِ" متفق عليه (٢)؛ ولأنهم يصيرون أرقَّاء بنفس السبي، ففي قتلهم إتلاف المال، فإن شكَّ في بلوغ الصبي، عُوِّل على شعر العانة، قاله في "البُلغة".
(وخُنثى) لاحتمال أن يكون امرأة.
(وراهب، ولو خالط الناس) لقول عمر: "ستَمُرُّون على قومٍ في صوامع لهم، احتَبَسُوا أنفسَهم فيها، فدعوهم حتى
стр. 2876
يُميتهم (١) الله على ضلالهم" (٢).
(وشيخ فانٍ) لأنه ﷺ "نَهَى عن قَتْله" رواه أبو داود (٣). وروي عن
стр. 2877
ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (١) يقول: "لا تقتلوا النساء والصبيانَ والشيخ الكبيرَ" (٢). ولأنه ليس من أهل القتال أشبه المرأة، ويحمل ما روي (٣) على قتل المقاتلة الذين فيهم قوة، مع أنه عام، وخبرنا خاص بالهِمِّ (٤)، فيقدَّم عليه.
(وزَمِن، وأعمى) لأنه ليس فيهما نكاية؛ فأشبها الشيخ الفاني.
(وفي "المغني"). والشرح": (وعبد، وفلَّاح) لا يقاتل؛ لقول عمر: "اتّقُوا الله في الفَلّاحِينَ الذينَ لا يَنْصِبُون لكم الحَرْب" (٥)؛ ولأن
стр. 2878
الصحابة لم يقتلوهم حسين فتحوا البلاد؛ ولأنهم لا يقاتلون، أشبهوا الشيوخ والرهبان، وفي "الإرشاد": وحَبْر.
(لا رأي لهم) فمن كان من هؤلاء ذا رأي - وخصَّه في "الشرح" بالرجال، وفيه شيء، قاله في "المبدع" - جاز قتله؛ لأن دريد بن الصِمَّة قُتل يوم حنين، وهو شيخ لا قتال فيه؛ لأجل استعانتهم برأيه، فلم ينكر ﷺ قتله (١)، ولأن الرأي من أعظم المعونة على الحرب، وربما كان أبلغ في القتال، قال المتنبي (٢):
الرأيُ قبل شجاعة الشُّجعان … هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مُرَّةٍ … بَلَغَتْ من العلياء كلَّ مكان
ولربما طَعن الفتى أقرانه … بالرأي قبل تطاعن الفُرْسان
(إلا أن يقاتلوا) فيجوز قتلهم بغير خلاف؛ لأن النبي ﷺ قَتَلَ يوم قُرَيْظة (٣) امرأةً ألقَتْ رحًى على محمود بنِ مسلمة (٤)، وروى ابن عباس:
стр. 2879
"أن النبي ﷺ مرَّ على امرأةٍ مقتولةٍ يومَ الخندق، فقال: من قتل هذه؟ فقال رجلٌ: أنا، نازَعَتْنِي قَائِمَ سَيْفِي، فسكت" (١).
(أو يُحرِّضوا عليه) أي: على القتال، فإن حرَّض أحد منهم، جاز قتله، فإنَّ تحريض النساء والذُّرية أبلغ من مباشرتهم القتال بأنفسهم.
(ولا يُقتل معتوه) أي: مختل العقل (مثله لا يقاتل) لأنه لا نكاية فيه، أشبه الصبي (ويأتي ما يحصل به البلوغ) في الحَجْر.
стр. 2880
(ويُقتل المريض إذا كان ممن لو كان صحيحًا قاتل، كالإجهاز على الجريح) لأن في تركه حيًّا ضررًا على المسلمين، وتقوية للكفار (وإن كان) المريض (مأيوسًا من برئه، فكزَمِنٍ) لعدم النكاية بقتله.
(فإن تترَّسوا) أي: الكفار (بهم) أي: بالصبي والمرأة والخنثى، ونحوهم ممن تقدم أنه لا يقتل (جاز رميهم) لأن كف المسلمين عنهم حينئذ يفضي إلى تعطيل الجهاد، وسواء كانت الحرب قائمة أو لا (ويقصد) الرامي لهم (المقاتِلة) لأنهم المقصودون بالذات.
(ولو وقفت امرأة في صَفِّ الكفار، أو على حصنهم، فشتمتْ المسلمين، أو تكشَّفت لهم، جاز رميها والنظرُ إلى فَرْجِها للحاجة إلى رميها) ذكره في "المغني" و"الشرح". قال في "المبدع": وظاهر نص الإمام والأصحاب خلافه. ويتوجه: أن حكم غيرها ممن منعنا قتله كهي (وكذلك يجوز لهم رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام، أو تسقيهم الماء) كالتي تُحرِّض على القتال، وفيه شيء.
(وإن تترَّسوا) أي: أهل الحرب (بمسلمين، لم يجز رميهم) لأنه يؤول إلى قتل المسلمين، مع أنَّ لهم مندوحة عنه، (فإن رماهم، فأصاب مسلمًا، فعليه ضمانه) لعدوانه (إلا أن يخاف علينا) من تَرْك رميهم (فقط، فيرميهم) نصَّ عليه (١) للضرورة (ويقصد الكفَّار) بالرمي؛ لأنهم هم المقصودون بالذات؛ فلو لم يخفْ على المسلمين، لكن لا يقدر عليهم إلا بالرمي، لم يجز رميهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ الآية (٢). قال
стр. 2881
الليث (١): تَرْك فَتْح حصن يُقدر على فتحه أفضل من قتل مسلم بغير حق.
فصل
(ومن أسر أسيرًا، لم يجز قتله حتى يأتي به الإمام) فيرى فيه رأيه؛ لأن الخيرة في أمر الأسير إليه (إلا أن يمتنع) الأسير (من المسير معه - ولا يمكنه إكراهه بضرب أو غيره - أو يهرب منه، أو يخاف هربه، أو يخاف منه، أو يقاتله، أو كان مريضًا، أو مرض معه) أو كان جريحًا، فله قتله؛ لأن تركه حيًّا ضرر على المسلمين، وتقوية للكفار، وكجريحهم إذا لم يأسره.
(ويحرم عليه قَتْل أسيرِ غيره، قبل أن يأتي الإمام) ليرى فيه رأيه؛ لأنه افتيات على الإمام (إلا أن يصير) الأسير (في حالة يجوز فيها قتله لمن أسره) بأن يمتنع من المسير، ولا يمكن إكراهه بضرب أو غيره، أو يهرب ونحوه مما مَرَّ.
(فإن قتل أسيرَه، أو) قتل (أسيرَ غيرِه قبل ذلك) أي: قبل أن يصير في حالة يجوز فيها قتله (وكان) الأسير (المقتول رجلًا، فقد أساء) القاتل؛ لافتياته على الإمام (ولا شيء عليه) أي: القاتل. نص عليه (٢)؛ لأن عبد الرحمن بن عوف أسر أُمية بن خلف وابنه عليًّا يوم بدر، فرآهما بلال، فاستصرخ الأنصار عليهما، حتى قتلوهما (٣). ولم يغرموا شيئًا،
стр. 2882
ولأنه أتلف ما ليس بمال.
(وإن كان) الأسير (صغيرًا، أو امرأة ولو راهبة، عاقبه) أي: القاتلَ (الأميرُ) لافتياته (وغرَّمه قيمته غنيمة؛ لأنه صار رقيقًا بنفس السبي) بخلاف الحُرِّ المقاتل.
(ومن أُسر، فادعى أنه كان مسلمًا، لم يقبل قوله إلا ببينة) لأنه خلاف الظاهر (فإن شهد له) أي: للأسير رجل (واحد وحلف معه، خُلِّي سبيله) فيثبت بما يثبت به المال، كالعتق والكتابة والتدبير. واستدلَّ الأصحاب بحديث عبد الله بن مسعود: "أن النبي ﷺ قال يوم بدر: لا يُبقَّى (١) منهم أحدٌ؛ إلا أنْ يفدى، أو يُضْرَبَ عنُقُهُ. فقال عبد الله بن مسعود: إلّا سُهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال النبي ﷺ : إلا سهيلُ بن بيضاء (٢)، فقَبِل شهادةَ عبد الله وحده.
стр. 2883
قلت: هذا يقتضي أن يكون كهلال رمضان، فيقبل فيه خبر عدل واحد، إذ لم يُذكر في الخبر تحليف.
(قال جماعة: ويقتل المسلمُ أباه وابنَه، ونحوَهما من ذوي قرابته في المعترك) لأن أبا عبيدة قتل أباه في الجهاد (١)، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (٢).
(ويُخَيَّرُ الأميرُ تَخييرَ مصلحة واجتهاد) في الأصلح (لا تخيير شهوة في الأسْرى الأحرار المقاتلين والجاسوس - ويأتي - بين قتلٍ) لعموم قوله
стр. 2884
تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (١)؛ ولأن النبي ﷺ قتل رجال قُريظة (٢)، وهم بين السِّتمائة والسبعمائة (٣)، وقتل يوم بدرٍ عتبَة (٤) بنَ أبي مُعيْط (٥)،
стр. 2885
والنضر بنَ الحارث، وفيه تقولُ أختُه:
ما كان ضرَّكَ لو مننتَ ورُبَّما … مَنَّ الفتى، وهو المَغِيظُ المُحْنَقُ
فقال النبي ﷺ : "لو سَمِعْتُه ما قَتَلْتُه" (١).
(واسترقاق) لقول أبي هريرة: لا أزال أحبُّ بني تميم بعد ثلاثٍ سمعتهنّ من رسول الله ﷺ ، سَمِعْتُه يقول: "هم أشدُّ أمَّتي على الدَّجَّال"، وجاءت صدقاتُهُمْ، فقال النبي ﷺ : "هذه صدقاتُ قومِنا". قال: وكانت سَبيَّةٌ منهم عند عائشة، فقال النبي ﷺ : "أعتقيها، فإنَّها مِنْ ولدِ إسماعيل" متفق عليه (٢).
ولأنه يجوز إقرارهم على كفرهم (٣) بالجزية، فَبِالرِّق أَولى؛ لأنه أبلغ في صَغَارهم.
(ومَنٍّ) لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا
стр. 2886
فِدَاءً﴾ (١)، ولأن النبي ﷺ مَنَّ على أبي عزَّة الشاعر يوم بدرٍ (٢)، وعلى أبي العاص بن الرَّبيع (٣)، وعلى ثُمامة بنِ أثال (٤).
(وفِداءٍ بِمُسْلِمٍ) للآية؛ ولما روى عمران بن حصين: أن النبيَّ ﷺ فدَى رجُلَيْنِ من أصحابِهِ برجُلٍ من المشركينَ من بني عُقَيْل. رواه أحمد والترمذي وصححه (٥) (أو) فداء (بمالٍ) للآية، ولأنه ﷺ فادى أهل بدرٍ بالمال (٦).
стр. 2887
(فما فعله) الأمير من هذه الأربعة (تعيَّن) ولم يكن لأحد نقضه.
(ويجب عليه اختيار الأصلح للمسلمين) لأنه يتصرف لهم على سبيل النظر، فلم يجز له ترك ما فيه الحظ، كوَليِّ اليتيم؛ لأن كل خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح في بعض الأسرى، فإنَّ منهم من له قوة ونكاية في المسلمين، فقتله أصلح، ومنهم الضعيف ذو المال الكثير، ففداؤه أصلح، ومنهم حسن الرأي في المسلمين يرجى إسلامه، فالمَنُّ عليه أَولى، ومن ينتفع بخدمته ويؤمن شره، استرقاقه أصلح (فمتى رأى المصلحة في خَصْلة، لم يجز اختيار غيرها) لما سبق.
(ومتى رأى القتل (١)، ضَرَب عنقه بالسيف) لقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (٢).
(ولا يجوز التمثيل به، ولا التعذيب) لقوله ﷺ في حديث بريدة: "ولا تعذِّبوا، ولا تُمثِّلوا" (٣).
(وإن تردَّد رأيُه ونظره) في الأسرى (فالقتل أَولى) لكفاية الشر.
(والجاسوس المسلم يُعاقَب، ويأتي حكم) الجاسوس (الذمي) في أحكام الذمة.
стр. 2888
(ومن استُرِقَّ منهم) أي: الكفار (أو فُودي (١) بمال، كان الرقيق والمال للغانمين، حكمُه حكم الغنيمة) على ما يأتي. قال في "المبدع" و"الشرح": بغير خلاف نعلمه؛ لأنه ﷺ قَسمَ فِداءَ أسارى بدرٍ بين الغَانِمين (٢).
(وإن سأل الأُسارى من أهل الكتاب) أو المجوس (تخليتَهم على إعطاء الجزية، لم يجز) ذلك (في نسائهم وصبيانهم) لأنهم صاروا أرقَّاء بنفس السبي (ويجوز في الرجال) ولا تجب إجابتهم إليه؛ لأنهم صاروا
стр. 2889
في يد المسلمين بغير أمان.
(ولا يزول التخييرُ الثابت فيهم) بمجرد بذل المالِ قبل إجابتهم؛ لعدم لزومها لما سبق.
(و لا يُبطِلُ الاسترقاقُ حقًّا لمسلم) قاله ابن عقيل. وفي "الانتصار": لا يسقط حق قَوَد له، أو عليه. وفي سقوط دَيْنٍ من ذمَّته لضعفها برقِّه، كذمَّة مريض، احتمالان. وفي "البُلغة": يتبع به بعد عتقه، إلا أن يغنم بعد إرقاقه، فيقضي منه دينه، فيكون رِقه كموته. وعليه؛ يخرَّج حلوله برقِّه، وإن غُنما معًا، فهما للغانم، ودينه في ذِمته.
(والصبيان والمجانين من كتابي وغيره، والنساءُ، ومن فيه نفع ممن لا يُقتَل، كأعمى ونحوه، رقيق بنفس السبي) لأن النبي ﷺ "نهى عن قَتلِ النِّساءِ والوِلْدانِ" متفق عليه (١)، وكان يسترقهم إذا سباهم (ويضْمَنُهم قاتِلُهم بعد السبي) بالقيمة، وتكون غنيمة، (ولا) يضمنهم قاتلهم (قبله) أي: قبل السبي؛ لأنهم لم يصيروا مالًا.
(وقِنُّ) أهل الحرب (غنيمة) لأنه مال كفار استُولي عليه، فكان للغانمين، كالبهيمة (وله) أي: الأمير (قَتْله) أي: القِنّ (لمصلحة) كالمرتد.
(ويجوز استرقاق من تُقبل منه الجِزية) وهم أهل الكتابَيْن والمجوس؛ لما تقدم.
(و) يجوز استرقاق (غيره) أي: غير من تُقبل منه الجِزية، كعَبَدة الأوثان، وبنى تغلب، ونحوهم؛ لأنه كافر أصلي، أشبه أهل الكتاب (ولو كان عليه ولاء لمسلم أو ذِمي) لأنه يجوز قتله، فجاز استرقاقه كغيره.
стр. 2890
(وإن أسلموا) أي: الأسرى الأحرار المقاتلون (تعيَّن رِقهم في الحال، وزال التخيير) فيهم (وصار حكمهم حكم النساء) نص عليه (١)؛ لقوله ﷺ : "لا يحلُّ دَمُ امْرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ (٢) ". وهذا مسلمٌ، ولأنه أسير يحرم قتله؛ فصار رقيقًا، كالمرأة.
(وعنه (٣): يحرم القتل، ويُخَيَّر) فيهم الأمير (بين رقٍّ ومَنٍّ وفداء، صححه الموفق وجَمعٌ) منهم الشارح وصاحب "البلغة"، وقدَّمه في "الفروع" وجزم به في "الكافي"، وقال في "التنقيح": وهو المذهب. انتهى. لأنه إذا جاز ذلك في حال كفره، ففي إسلامه أَولى (فيجوز الفداء ليتخلص من الرِّق) وله أن يَمنَّ عليه؛ لما سبق.
(ويحرم ردُّه) أي: الأسير المسلم (إلى الكفار، قال الموفق) والشارح (إلا أن يكون له) أي: الأسير المسلم (من يمنعه) من الكفار (من عشيرة ونحوها) فلا يمتنع رده؛ لأمنه.
(ومن أسلم) من الكفار (قبل أسره لخوف أو غيره، فلا تخيير) فيه (وهو كمسلم أصلي) لأنه لم يحصل في أيدي الغانمين.
(ومتى صار لنا رقيقًا محكومًا بكفره من ذَكَرٍ وأنثى) وخنثى (وبالغ وصغير) مميز أو دونه (حرم مفاداته بمال، وبيعه لكافر ذِمي، و) كافر (غيره) أي: غير ذمي؛ كمستأمن ومعاهد، (ولم يصح) بيعه لهم.
стр. 2891
قال أحمد (١): ليس لأهل الذِّمة أن يشتروا مما سَبَى المسلمون. قال (٢): وكتب عمر بن الخطاب ينهى عنه أمراء الأمصار، هكذا حكى أهل الشام. انتهى. ولأن فيه تفويتًا للإسلام الذي يظهر وجوده إذا بقي مخالطًا للمسلمين، بخلاف ما إذا كان رقيقًا لكافر.
(وتجوز مفاداته) أي: المسترق منهم (بمسلم) لدعاء الحاجة لتخليص المسلم.
(ويُفدى الأسير المسلم من بيت المال) لما روى سعيد بإسناده، عن حِبَّان بن أبي جَبَلة، أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ على المسلمينَ في فَيْئِهم أنْ يُفادوا أسيرَهُمْ، ويُؤَدُّوا عن غارمهم" (٣).
ولأنه موضوعٌ لمصالح المسلمين، وهذا من أهمِّها.
(فإن تعذر) فداؤه من بيت المال لمَنْعٍ، أو نحوه (فمن مال المسلمين) فهو فرض كفاية؛ لحديث: "أطعموا الجائعَ، وعُودُوا المريضَ، وفكُّوا العاني" (٤).
стр. 2892
(و لا يُردُّ) الأسير المسلم (إلى بلاد العدو بحال) لأنه تسليط لهم عليه.
(ولا يُفدى) الأسير (بخيل ولا سلاح) لأنه إعانة علينا (ولا بمُكاتَبٍ وأم ولد) لانعقاد سبب الحرية فيهما (بل) يفادى (بثياب ونحوها) من العُروض والنقود.
(وليس للإمام قتلُ من حَكمَ حاكمٌ برِقِّه) لأن القتل أشدُّ من الرق، وفيه إتلاف الغنيمة على الغانمين، وكما لو حكم الإمام برقِّ إنسان ليس له قتله بعد.
(ولا رِقُّ مَن حكم بقتله) أي: ليس للإمام رقُّ من حكم حاكم بقتله؛ لأنه قد يكون ممن يخاف من بقائه النكاية في المسلمين، ودخول الضرر عليهم.
(ولا رِقُّ، ولا قَتْل من حكم بفدائه) أي: ليس للإمام أن يسترق ولا أن يقتل من حكم حاكم بفدائه؛ لأنه ليس له ذلك فيمن حكم هو بفدائه؛ لأن القتل والرق أشد من الفداء، ويكون نقضًا للحكم بعد لزومه.
(وله) أي: للإمام (المنُّ؛ على الثلاثة المذكورين) أي: من حكم بقتله ورقه ومُفاداته؛ لأن المَنَّ أخف من الثلاثة، فإذا رآه الإمام مصلحة، جاز له فعله؛ لأنه أتمُّ نظرًا، وكما لو رآه ابتداء.
(وله) أي: للإمام (قَبول الفداء ممن حَكم) هو أو غيره (بقتله أو رقِّه) لأنه أخفُّ منهما؛ ولأنه نقض للحكم برضا المحكوم له؛ ولأنهما حق الإمام، فإذا رضي بتركهما إلى غيرهما، جاز.
стр. 2893
(ومتى حَكمَ) إمامٌ أو غيرُه (برقٍّ أو فداء، ثم أسلم) محكوم عليه (فحكمه بحاله لا ينقض) لوقوعه لازمًا.
(ولو اشتراه) أي: الأسير (أحد من أهل دار الحرب، ثم أطلقه، أو أخرجه إلى دار الإِسلام، فله) أي: المشتري (الرجوع عليه بما اشتراه) أي: ببدله، إن كان دفعه عنه (بنية الرجوع) على الأسير (إذا كان) الأسير (حرًّا، أذِنَ) الأسير في ذلك (أو لم يأذن) لما روى سعيد بإسناده عن الشعبي، قال: "أغار أهلُ ماهٍ (١) وأهلُ جلولاء (٢) على العرب، فأصابوا سبايا من سبايا العرب، فكتب السائبُ إلى عمرَ في سبايا المسلمين ورقيقهم ومتاعِهم، فكتب عمر: أيما رجلٍ أصابَ رقيقَهُ ومتاعَه بعينه، فهو أحقُّ به مِنْ غيرِه، وان أصابَه في أيدي التُّجارِ بعد ما انقسم، فلا سبيلَ إليه، وأيما حرٍّ اشتراهُ التُّجّارُ، فإنّهُ يردُّ إليهم رؤرس أموالِهمْ؛ فإنَّ الحرَّ لا يُباع ولا يُشْتَرى" (٣).
ولأن الأسير يجب عليه فداء نفسه؛ ليتخلَّص من حكم الكفار،
стр. 2894
فإذا ناب عنه غيره في ذلك، كان له الرجوع، كما لو أدى عنه دينًا واجبًا عليه، فإن لم ينوِ الرجوع، لم يرجع؛ لأنه متبرع (ويأتي) ذلك (في الباب بعده.
ومن سُبي من أطفالهم) أي: الكفار (أو مميِّزيهم منفردًا) عن أبويه، فمسلم؛ لأن التبعية انقطعت، فيصير تابعًا لسابيه المسلم في دِينه (أو) سُبي (مع أحد أبويه، فمسلم) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ما من مولود إلَّا يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواهُ يهوِّدانه، ويُنَصِّرانِه، ويُمَجِّسانِهِ" متفق عليه (١)، فجعل التبعية لأبويه، فإذا لم يكن كذلك، انقطعت التبعية، ووجب بقاؤه على حكم الفطرة.
قال أحمد (٢): الفطرة التي فطر الناس عليها: شقي أو سعيد. وذكر الأثرم (٣) معنى الفطرة (٤): على الإقرار بالوحدانية حين أخذهم من صُلب آدم، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٥)، وبأن له (٦) صانعًا ومدبرًا وإن عَبَدَ شيئًا غيره، وسمَّاه بغير اسمه، وأنه ليس المراد على الإسلام؛ لأن اليهودي يرثه ولده الطفل إجماعًا (٧).
стр. 2895
(وإن كان السَّابي) لغير البالغ منفردًا أو مع أحد أبويه (ذمِّيًّا، تبعه) المسبي على دينه (كـ) مسبي (مسلم) لانقطاع تبعيته لأبويه.
(وإن سُبي) غير البالغ (مع أبويه، فهو على دينهما) لبقاء التبعية.
(وإن أسلم أبوا حَملٍ أو طفلٍ أو مميز) فمسلم (لا) إن أسلم (جدٌّ وجدَّة) فلا يحكم بإسلامه بذلك؛ لظاهر الخبر السابق.
(أو) أسلم (أحدهما) أي: أحد أبوي الحمل، أو الطفل أو المميز، فمسلم.
(أو ماتا) في: أبوا غير بالغ (أو) مات (أحدهما في دارنا، أو عُدما) أي: الأبوان (أو) عدم (أحدهما بلا موت، كزنى ذِمية، ولو بكافر، أو اشتبه ولد مسلم بكافر، فمسلم في الجميع) للخبر السابق، وانقطاع التبعية. ولا يُقرع فيها إذا اشتبه؛ خشية أن يقع ولد المسلم للكافر.
(وكذا إن بلغ) ولد الكافر (مجنونًا) فإنه يُحكم بإسلامه في الحال الذي يُحكم فيه بإسلام غير البالغ؛ كإسلام أحد أبويه، أو موته بدارنا، كما هو صريح "الكافي" وغيره. وليس المراد أنه مسلم مطلقًا، وإلا لما صح قولهم فيما سبق: إن المسبيَّ المجنونَ رقيق بالسبي، وقولهم في باب الذِّمة: لا تؤخذ من مجنون، وغير ذلك.
(وإن بلغ) من حُكِم بإسلامه تبعًا لأحد أبويه، أو موته بدارنا (عاقلًا، ممسكًا عن الإسلام والكفر، قُتِلَ قاتله) لأنه مسلم معصوم، وليس المعنى: أنه يكون مسلمًا مطلقًا، كما يدل عليه قوله: (ويرث ممن جعلناه مسلمًا بموته، حتى ولو تصور موتهما) أي: أبويه (معًا لَوَرِثَهُما) إذ الحكم بالإسلام يعقب الموت، فحال الموت كان على دِين مورثه، لكن الحمل لا يرث أباه إذا مات بدارنا، كما يأتي في ميراث الحمل.
стр. 2896
(وإن ماتا) أي: أبوا غير البالغ (بدار حَرْب، لم يُجعل مسلمًا) بذلك؛ لأنها دار كفر لا إسلام.
(ولا ينفسخ النكاح باسترقاق الزوجين، ولو سَبَى كلَّ واحد منهما رجلٌ) لأن الرِّق معنًى لا يمنع ابتداء النكاح، فلا يقطع استدامته، كالعتق.
(ولا يَحرم التفريق بينهما) أي: الزوجين (في القسمة، و) لا في (البيع) لعدم ورود الشرع به.
(وإن سُبيت المرأة وحدها) أي: دون زوجها (انفسخ نكاحها، وحلَّت لسابيها) لحديث أبي سعيد الخدري قال: أصَبْنَا سبايا يومَ أوطاس، ولهُنَّ أزْواجٌ في قومِهنَّ، فذُكِر ذلك للنبيِّ ﷺ ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ. . .﴾ الآية (١) رواه الترمذي (٢) وحسَّنه. والمراد: تحلّ لسابيها بعد الاستبراء؛ لما يأتي في بابه.
(وإن سُبِيَ الرجل وحده، لم ينفسخ) نكاحه؛ لأنه لا نصَّ فيه، ولا يقتضيه القياس.
(وليس بيع الزوجين القِنَّين، أو) بيع (أحدهما طلاقًا؛ لقيامه) أي: المشتري (مقام البائع) وكذا هبتهما، أو أحدهما، ونحوها.
فصل
(ويَحرم، ولا يصح أن يفرَّق بين ذي رَحِم مَحْرَم، ببيع ولا غيره) من قسمة وهِبَة ونحوهما (ولو رضوا به) لأنهم قد يرضوا بما فيه ضررهم، ثم يتغير قلبهم فيندمون (أو كان بعد البلوغ) لعموم حديث أبي
стр. 2897
أيوب، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "منْ فرَّق بين والدةٍ وولدها، فرَّقَ الله بينه وبين أحبَّتهِ يوم القيامةِ" رواه الترمذي (١)، وقال: حسن غريب.
وعن علي قال: "وهَبَ لي رسول الله ﷺ غلامين أخويْنِ، فبعْتُ أحدَهُما، فقال لي رسُول الله ﷺ : ما فعل غلامُكَ؟ فأخبرتُهُ. فقال: رُدَّهُ رُدَّهُ" رواه الترمذي (٢)، وقال: حسن غريب، وقِيْس على ذلك كل ذي
стр. 2898
رحم مَحْرَم.
(إلا بعتق) فيجوز أن يعْتقَ أحدهما دون الآخر.
(أو افتداء أسير) مسلم بكافر.
(أو بيعٍ فيما إذا ملك أختين ونحوهما على ما يأتي) في كتاب النكاح؛ فإنه إذا وطئ إحداهما، لم يجز له وطء الأخرى حتى يحرِّمَ الموطوءةَ، فيجوز التفريق بينهما بالبيع أو الهبة، ونحوهما؛ للضرورة.
(ولو باعهم) أي: باع الإمام أو غيره السبايا (على أنَّ بينهم نسبًا يمنع التفريقَ) من أخوَّة ونحوها (ثم بان عدمه) أي: النسب المُحَرِّم للتفريق (فللبائع الفسخ) أي: فسخ البيع واسترجاعهم لبيعهم (١) بثمنهم متفرقين إن كانوا باقين، فإن فاتوا (٢)، ردَّ المشتري الفضل الذي فيهم بالتفريق، ويرد إلى المقسم إن كانوا غنيمة.
(وإذا حصر الإمام حصنًا) للكفار (لزمه عمل الأصلح) للمسلمين
стр. 2899
(من مصابرته، وهي ملازمته) مهما أمكن (أو انصرافه) لانصرافه ﷺ عن حصن الطائف قبل فتحه (١).
(فإن أسلموا) قبل القدرة عليهم أحرزوا مالهم ودماءهم (أو من أسلم منهم قبل القدرة عليه) أحرز ماله ودمه.
(أو أسلم حربي في دار الحرب، أحرز دمه وماله، ولو منفعة إجارة) لقوله ﷺ : "أُمِرتُ أنْ أقاتلَ النّاسَ حتى يقولوا لا إله إلا اللهُ، فإذا قالوها عصموا منِّي دماءَهُم وأموالهم" (٢).
(و) أحرز (أولاده الصغار والمجانين - ولو حملًا - في السَّبي كانوا أو في دار الحرب) للحكم بإسلامهم؛ تبعًا له، ولا يعصم أولاده الكبار؛ لأنهم لا يتبعونه.
(ولا يحرز امرأته إذا لم تسلم) لعدم تبعيتها له (فإن سُبيت صارت رقيقة) كغيرها من النساء.
(ولا ينفسخ نكاحه برقِّها) لأن منفعة النكاح لا تجري مجرى الأموال، بدليل أنها لا تضمن باليد ولا يجوز أخذ العِوض عنها.
(ويتوقف) بقاء النكاح (على إسلامها في العِدَّة) إن كان دخل بها، ولو كتابية؛ لأن الأَمَة الكتابية لا تحل للمسلم، كما يأتي.
(وإن دخل) كافر (دار الإسلام، فأسلم، وله أولاد صغار في دار الحرب) أو حَمْلٌ (صاروا مسلمين) تبعًا له (ولم يجز سَبْيهم) لعصمتهم بالإسلام.
стр. 2900
(وإن سألوا الموادَعة) أي: المهادنة (بمال أو غيره، وجب) أن يجيبهم (إن كان فيه مصلحة، سواء أعطوه) أي: المال (جملة، أو جعلوه خراجًا مستمرًّا يؤخذ منهم كل عام) لأن الغرض إعلاء كلمة الإسلام، وصَغَار الكَفَرة، وهو حاصل بالموادعة، فتجب، كالمنِّ عليهم، وشَرَط بعض الأصحاب في عقدها بغير مال: عَجْز المسلمين أو استضرارهم بالمقام، ليكون ذلك عذرًا في الانصراف.
(فإن بذلوا الجزية، وكانوا ممن تقبل منهم) الجزية (لزم) الإمام أو نائبه (قَبولها، وحرم قتالهم) كغير المحاصرين.
(وإن بذلوا) أي: أهل الحصن (مالًا على غير وجه الجزية، فرأى) الإمام أو نائبه (المصلحة في قَبوله، قَبِله) منهم؛ لما فيه من المصلحة.
(وإذا استأجر مسلم أرضًا من حربي، ثم استولى عليها المسلمون، فهي غنيمة) كسائر أراضي أهل الحرب (ومنافعها للمستأجر) إلى انقضاء مدة الإجارة؛ لأنها مالُ مسلمٍ معصومٍ.
(وإذا أسلم رقيقُ الحربي وخرج إلينا) أي: إلى جيش المسلمين (فهو حُرٌّ) لحديث ابن عباس قال: "كان رسولُ الله ﷺ يعتق العبيدَ إذا جاؤوا قبل مواليهِم" (١) رواه سعيد (٢). ولا ولاء عليه لأحد، كما يُعلم
стр. 2901
من كلامه في "الاختيارات" (١) في العتق.
(وإن أَسَرَ) عبدٌ خرج إلينا مسلمًا (سَيِّدَهُ) الكافرَ (أو غيرَه) من الكفار (وأولادَه) أي: أولاد سيِّدِه (وخرج إلينا، فهو حُرٌّ، ولهذا لا نردُّه في هُدنة) قاله في "الترغيب" وغيره؛ لما رَوى الشعبي عن رجل من ثقيف قال: "سألْنا رسولَ الله ﷺ أن يردَّ علينا أبا بَكْرةَ، وكان عبدًا لنا أتى رسولَ الله ﷺ وهو محاصِرٌ ثقِيفًا، فأسلَمَ، فأبى أنْ يردَّهُ علينا، وقال: هو طليق اللهِ، ثم طليق رسولِهِ، فلم يردَّه علينا" (٢)، (والمال له، والمَسْبي) من سيده وأولاده وغيرهم (رقيقه) لاستيلائه عليه. فانظر - رحمك الله - إلى عِزِّ الطاعة وذُلِّ المعصية.
(وإن أسلم) عبد (وأقام بدار الحرب) مسلمًا (فهو على رِقِّه، ولو) لحق العبد بنا، ثم (جاء مولاه بعده لم يرد إليه) لأنه صار حرًّا، بلحوقه (٣) بنا.
(ولو جاء) السيد (قبله مسلمًا، ثم جاء العبد مسلمًا، فهو لسيده) لحديث أبي سعيد الأعسم قال: "قضى رسولُ اللهِ ﷺ في العبدِ وسيدِهِ قضيتيْنِ، قضى أن العبد إذا خرجَ من دار الحربِ قبلَ سيدهِ أنه حرٌّ، فإن خَرَجَ سيدُهُ بعدُ لم يردَّ عليه، وقضى أن السّيدَ إذا خرجَ قبلَ العبدِ، ثم
стр. 2902
خرجَ العبدُ رُدَّ على سيدِهِ" رواه سعيد (١).
ولأنه بإسلامه عصم ماله، والعبدُ من جملته.
(وإن خرج إلينا عبد بأمان) فهو حُرٌّ (أو نزل) إلينا عبد (من حصن فهو حُرٌّ) نص عليه (٢).
(وإن نزلوا) أي: أهل الحصن (على حكم حاكم عيَّنوه، ورضيه الإمام، جاز) لأنه ﷺ لما حاصَرَ بني قريظَة نَزَلُوا على حكم سعدِ بن معاذٍ فأجابهم إلى ذلك" متفق عليه من حديث أبي سعيد (٣)، (إذا كان) الذي نزلوا على حكمه (مسلمًا حرًّا بالغًا عاقلًا ذكرًا عدلًا من أهل الاجتهاد في الجهاد) لأنه حاكم أشبه ولاية القضاء، ولا يُشترط أن يكون مجتهدًا في جميع الأحكام التي لا تَعَلُّقَ لها في الجهاد؛ لعدم الحاجة إليه إذن.
(ولو أعمى) فلا يُعتبر أن يكون بصيرًا؛ لأنه إنما اعتُبر في القاضي ليعرف المدَّعي من المُدَّعَى عليه، والشاهِد من المشهود عليه، وهنا ليس كذلك (ويُعتبر له من الفقه ما يتعلق بهذا الحكم) لدعاء الحاجة إليه.
(وإن كانا) أي: اللذان نزلوا على حكمهما (اثنين، جاز) ذلك (ويكون الحكم ما اجتمعا عليه) دون ما انفرد به أحدهما.
стр. 2903
(وإن جعلوا الحكم إلى رجل يعينه الإمام، جاز) لأنه إنما يختار الأصلح.
(وإن نزلوا على حكم رجل منهم) لم يجز؛ لعدم نفوذ حكمه (أو جعلوا التعيين إليهم، لم يجز) لأنهم ربما اختاروا غيرَ الأصلح.
(وإن مات مَن اتَّفقوا عليه، ثم اتَّفقوا على غيره ممن يصلح، قام مَقامه) كما لو عيَّنوه ابتداءً.
(وإن لم يتفقوا) مع الإمام (وطلبوا حَكَمًا لا يصلح، رُدُّوا إلى مأمِنهم، وكانوا على الحصار حتى يتفقوا) مع الإمام على مَن يصلح لذلك.
(وكذلك إن رضوا باثنين) ينزلون على حكمهما (فمات أحدهما، فاتفقوا على من يقوم مقامه، جاز) حيث كان أهلًا (وإلا رُدُّوا إلى مأمنِهم) حتى يتفقوا على غيره ممن يصلح.
(وكذلك إن رضوا بتحكيم من لا تجتمع الشرائط فيه، ووافقهم الإمام عليه) لعدم علمه بأنه لا يصلح (ثم بان بأنه لا يصلح) لفقد شيء من الشروط السابقة (لم يُحَكَّم، ويُرَدُّون إلى مأمنهم كما كانوا) حتى يتفقوا على من يصلح.
(ولا يحكُمُ) مَن نزلوا على حكمه (إلا بما فيه حظ للمسلمين) لأنه نائبُ الإمام، فقام مقامه في اختيار الأحَظِّ، كَهُوَ في الأسرى، وحينئذ يلزمه ذلك، وحكمه لازم (من القتل والسبي) لأن سعدًا حَكَمَ في بني قريظة بقتلهم وسَبْي ذراريهم، فقال النبي ﷺ : "لقدْ حكَمْتَ بحكم الله من فوق سبعةِ أرْقِعَةٍ" (١) (والفداء) لما سبق.
стр. 2904
(فإن حكم بالمنِّ على غير الذُّرية، لزم قَبوله) لأنه نائب الإمام، فكان له المنّ كَهُوَ، وظاهره: ولو أباه الإمام.
(وإن حَكَمَ بقتلٍ أو سبي، لزم قَبوله) لما تقدم في قضاء سعدٍ على بني قريظة (١).
(فإن أسلموا قبل الحكم عليهم) بشيء مما سبق (عصموا دماءهم وأموالهم كما تقدم) لخبر: "أمِرْتُ أنْ أقاتِلَ الناس" (٢).
(وإن كان) إسلامهم (بعد الحكم بالقتل، عصموا دماءهم فقط) لأن قَتْل المسلم حرام، ولا يعصمون مالهم ولا ذريتهم؛ لأنها صارت للمسلمين قبل إسلامهم (ولا يُسْتَرَقُّون) لأنهم أسلموا قبل استرقاقهم. (ويكون المال على ما حكَمَ فيه) كالأنفس. (وإن حكم بأنهم للمسلمين، كان) المال (غنيمة) للمسلمين.
(وإن حكم عليهم بإعطاء الجِزْية لم يلزم حكمه) لأن عَقْد الجِزية عَقْد معاوضة يتوقف على التراضي.
(وإن سألوه) أي: أهل الحصن (أن ينزلهم على حكم الله) تعالى (لزمه أن يُنزلهم، ويُخيَّر فيهم كالأسرى) لأن ذلك هو الحكم بحسب اجتهاده، لكن في حديث بريدة الذي أخرجه أحمد ومسلم مرفوعًا
стр. 2905
وغيرهما: "وإذا حاصَرْتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حُكمِكَ، فإنَّكَ لا تدرِي أتُصيبُ فيهم أمْ لا" (١) وأجاب عنه النووي في "شرح مسلم" (٢) بأن المراد: أنه لا يأمن أن يَنزل وحي عليه ﷺ بخلاف ما حكم به، وهذا المعنى مُنْتَفٍ بعد النبي ﷺ (٣) (بين القتل والرِّق، والمَنِّ والفِداء) لما تقدم في الإمام.
(ويُكره نَقْل رأس) كافر من بلد إلى بلد (ورَمْيه بمَنْجَنيق بلا مصلحة) لما روى عقبة بن عامر: "أنه قدِمَ على أبي بكر الصديق برأس بنَان (٤) البطريق، فأنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول الله، فإنهم يفعلُونَ ذلك بنا، قال: فأذِّنْ بفارسَ والرومِ: لا يُحملُ إليَّ رأسٌ، إنما يكفي الكتاب والخبر" (٥).
قال الشيخ تقي الدين (٦): وهذا حيث لا يكون في التمثيل بهم زيادة في الجهاد، ولا يكون نكالًا لهم عن نظيرها، فأما إن كان في
стр. 2906
التمثيل السائغ دعاء لهم إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان؛ فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع، ولم تكن القصة في أُحد كذلك، فلهذا كان الصبر أفضل.
(ويحرم أخذه) أي: الأمير (مالًا ليدفعه) أي: الرأس (إليهم) أي: إلى الكفار؛ لحديث ابن عباس: "إن المشركينَ أرادُوا أن يشْتَرُوا جسَدَ رجلٍ من المشرِكِينَ، فأبى النبيُّ ﷺ أنْ يَبيعهُمْ" (١) وضعَّفه عبد الحق (٢) وابن القطان (٣). ورواه أحمد (٤) وفيه: "ادْفَعُوا إليْهِم جِيفته، فإنّهُ خبيثُ الدِّيَةِ (٥). فلم يقبل منهم شيئًا". وله في رواية: "فخَلَّى بينهم وبينهُ" (٦).
стр. 2907
باب ما يلزم الإمام والجيش
يلزم كُلَّ أحد إخلاصُ النية لله تعالى في الطاعات، ويجتهد في ذلك، ويُستحبُّ أن يدعو سرًّا بحضور قلب؛ بما في حديث أنس قال: "كان النبيُّ ﷺ إذا غزا قال: اللهُمَّ أنتَ عَضُدِي ونصيري، بك أحُولُ، وبكَ أصُولُ، وبكَ أقاتِلُ" رواه أبو داود (١) بإسناد جيد.
وكان جماعة منهم الشيخ تقي الدين، يقوله عند قَصْدِ مجلس علم (٢).
و (يلزم الإمامَ أو الأميرَ إذا أراد الغزو أن يعرض جيشَه، ويتعاهد الخيل والرِّجال) لأن ذلك من مصالح الجيش، فلزمه فِعْله، كبقية المصالح، فيختار من الرجال ما فيه غنًى ومنفعة للحرب، ومناصحة، ومن الخيل ما فيه قوة وصبر على الحرب، ويمكن الانتفاع به في الركوب وحمل الأثقال.
стр. 2908
و (يَمنع ما لا يصلُح للحرب؛ كفرس حَطيم: وهو الكسير، و) كفرس (قَحْم: وهو الشيخ الهرم، والفرس المهزول الهرم، وضَرعَ: وهو الرجل الضعيف والنحيف، ونحو ذلك) كالفرس الصغير، وكل ما لا يصلح للحرب (من دخوله أرضَ العدو) لئلا ينقطع فيها؛ ولأنه يكون كَلًّا على الجيش، ومُضيقًا عليهم، وربما كان سببًا للهزيمة.
(ويَمنع مُخذِّلًا فلا يصحبهم ولو لضرورة، وهو الذي يُفَنِّد غيره عن الغزو) ويزهِّدهم في الخروج إليه.
(و) يمنع (مُرْجِفًا: وهو من يحدِّث بقوة الكفار، وبضعفنا) لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية (١).
(و) يمنع (صبيًّا لم يشتد، ومجنونًا) لأنه لا منفعة فيهما.
(و) يمنع (مكاتبًا بأخبارنا، وراميًا بيننا العداوة، وساعيًا بالفساد، ومعروفًا بنفاق وزندقة) لأن هؤلاء مضرَّة على المسلمين، فلزم الإمام منعهم إزالة للضرر.
(و) يمنع (نساء) للافتتان بهن، مع أنهن لسن من أهل القتال؛ لاستيلاء الخَوَر والجُبْن عليهنَّ؛ ولأنه لا يُؤمن ظفر العدوِّ بهن، فيستحلون منهن ما حرم اللهُ تعالى، قال بعضُهم: (إلا امرأة الأمير لحاجته) لفعله ﷺ (٢)، (و) إلا امرأةً (طاعنة في السِّنِّ لمصلحة فقط،
стр. 2909
كسقي الماء ومعالجة الجرحى) لقول الرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ: "كنَّا نَغْزوا مع النبي ﷺ ؛ نسقي الماءَ، ونخْدِمهُم، ونَرُدُّ الجرحى والقَتْلَى إلى المدينة" رواه البخاري (١)، وعن أنس معناه، رواه مسلم (٢)؛ ولأن الرجال يشتغلون بالحرب عن ذلك، فيكون معونة للمسلمين، وتوفيرًا في المقاتلة.
(ويَحرم أن يستعينَ بكُفّار) لحديث عائشة: "أن النبي ﷺ خرجَ إلى بدرٍ فَتَبعه رجلٌ من المشركينَ، فقال له: مؤمِنٌ باللهِ ورسُولِهِ؟ قال: لا، قال: فارْجِعْ، فلن أستعينَ بِمُشرِكٍ" متفق عليه (٣)؛ ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته؛ لخبث طويته، والحرب تقتضي المناصحة، والكافر ليس من أهلها، (إلا لضرورة) لحديث الزهري: "أن النبي ﷺ استَعانَ بنَاسٍ منَ المشركين في حَرْبِه" رواه سعيد (٤). وروي أيضًا: "أن صفْوانَ بنَ أميةَ
стр. 2910
شهدَ حُنينًا مع النَّبي ﷺ " (١) وبهذا حصل التوفيقُ بين الأدلة.
والضرورةُ مثلُ: كونِ الكفارِ أكثرَ عددًا، أو يخاف منهم، وحيث جاز اشتُرط أن يكون من يُستعان به حسنَ الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم، لم يَجُزْ كالمرجف، وأَولى.
(و) يَحرم (أن يُعينهم) المسلم (على عدوهم، إلا خوفًا) من شرهم؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢).
(قال الشيخ (٣): ومن تولَّى منهم) أي: من الكفار (ديوانًا للمسلمين، انتقض عهده) إن كان.
(ويحرم أن يستعين) مسلم (بأهل الأهواء) كالرافضة (في شيء من أمور المسلمين: من غزو، وعَمَالة، وكتابة وغير ذلك) لأنهم أعظم ضررًا؛ لكونهم دعاة، بخلاف اليهود والنصارى.
(ويُسنُّ أن يخرج) الإمام (بهم) أي: بالجيش (يوم الخميس) لحديث كعب بن مالك قال: "قلّمَا كان رسولُ الله ﷺ يخْرُجُ في سفرٍ إلا يومَ الخميسِ" رواه البخاري (٤). وعن صخر الغامدي عن النبي ﷺ قال: