التمثيل السائغ دعاء لهم إلى الإيمان، أو زجر لهم عن العدوان؛ فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع، ولم تكن القصة في أُحد كذلك، فلهذا كان الصبر أفضل.
(ويحرم أخذه) أي: الأمير (مالًا ليدفعه) أي: الرأس (إليهم) أي: إلى الكفار؛ لحديث ابن عباس: "إن المشركينَ أرادُوا أن يشْتَرُوا جسَدَ رجلٍ من المشرِكِينَ، فأبى النبيُّ ﷺ أنْ يَبيعهُمْ" (١) وضعَّفه عبد الحق (٢) وابن القطان (٣). ورواه أحمد (٤) وفيه: "ادْفَعُوا إليْهِم جِيفته، فإنّهُ خبيثُ الدِّيَةِ (٥). فلم يقبل منهم شيئًا". وله في رواية: "فخَلَّى بينهم وبينهُ" (٦).
стр. 2907
باب ما يلزم الإمام والجيش
يلزم كُلَّ أحد إخلاصُ النية لله تعالى في الطاعات، ويجتهد في ذلك، ويُستحبُّ أن يدعو سرًّا بحضور قلب؛ بما في حديث أنس قال: "كان النبيُّ ﷺ إذا غزا قال: اللهُمَّ أنتَ عَضُدِي ونصيري، بك أحُولُ، وبكَ أصُولُ، وبكَ أقاتِلُ" رواه أبو داود (١) بإسناد جيد.
وكان جماعة منهم الشيخ تقي الدين، يقوله عند قَصْدِ مجلس علم (٢).
و (يلزم الإمامَ أو الأميرَ إذا أراد الغزو أن يعرض جيشَه، ويتعاهد الخيل والرِّجال) لأن ذلك من مصالح الجيش، فلزمه فِعْله، كبقية المصالح، فيختار من الرجال ما فيه غنًى ومنفعة للحرب، ومناصحة، ومن الخيل ما فيه قوة وصبر على الحرب، ويمكن الانتفاع به في الركوب وحمل الأثقال.
стр. 2908
و (يَمنع ما لا يصلُح للحرب؛ كفرس حَطيم: وهو الكسير، و) كفرس (قَحْم: وهو الشيخ الهرم، والفرس المهزول الهرم، وضَرعَ: وهو الرجل الضعيف والنحيف، ونحو ذلك) كالفرس الصغير، وكل ما لا يصلح للحرب (من دخوله أرضَ العدو) لئلا ينقطع فيها؛ ولأنه يكون كَلًّا على الجيش، ومُضيقًا عليهم، وربما كان سببًا للهزيمة.
(ويَمنع مُخذِّلًا فلا يصحبهم ولو لضرورة، وهو الذي يُفَنِّد غيره عن الغزو) ويزهِّدهم في الخروج إليه.
(و) يمنع (مُرْجِفًا: وهو من يحدِّث بقوة الكفار، وبضعفنا) لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ الآية (١).
(و) يمنع (صبيًّا لم يشتد، ومجنونًا) لأنه لا منفعة فيهما.
(و) يمنع (مكاتبًا بأخبارنا، وراميًا بيننا العداوة، وساعيًا بالفساد، ومعروفًا بنفاق وزندقة) لأن هؤلاء مضرَّة على المسلمين، فلزم الإمام منعهم إزالة للضرر.
(و) يمنع (نساء) للافتتان بهن، مع أنهن لسن من أهل القتال؛ لاستيلاء الخَوَر والجُبْن عليهنَّ؛ ولأنه لا يُؤمن ظفر العدوِّ بهن، فيستحلون منهن ما حرم اللهُ تعالى، قال بعضُهم: (إلا امرأة الأمير لحاجته) لفعله ﷺ (٢)، (و) إلا امرأةً (طاعنة في السِّنِّ لمصلحة فقط،
стр. 2909
كسقي الماء ومعالجة الجرحى) لقول الرُّبَيّع بنت مُعَوِّذ: "كنَّا نَغْزوا مع النبي ﷺ ؛ نسقي الماءَ، ونخْدِمهُم، ونَرُدُّ الجرحى والقَتْلَى إلى المدينة" رواه البخاري (١)، وعن أنس معناه، رواه مسلم (٢)؛ ولأن الرجال يشتغلون بالحرب عن ذلك، فيكون معونة للمسلمين، وتوفيرًا في المقاتلة.
(ويَحرم أن يستعينَ بكُفّار) لحديث عائشة: "أن النبي ﷺ خرجَ إلى بدرٍ فَتَبعه رجلٌ من المشركينَ، فقال له: مؤمِنٌ باللهِ ورسُولِهِ؟ قال: لا، قال: فارْجِعْ، فلن أستعينَ بِمُشرِكٍ" متفق عليه (٣)؛ ولأن الكافر لا يؤمن مكره وغائلته؛ لخبث طويته، والحرب تقتضي المناصحة، والكافر ليس من أهلها، (إلا لضرورة) لحديث الزهري: "أن النبي ﷺ استَعانَ بنَاسٍ منَ المشركين في حَرْبِه" رواه سعيد (٤). وروي أيضًا: "أن صفْوانَ بنَ أميةَ
стр. 2910
شهدَ حُنينًا مع النَّبي ﷺ " (١) وبهذا حصل التوفيقُ بين الأدلة.
والضرورةُ مثلُ: كونِ الكفارِ أكثرَ عددًا، أو يخاف منهم، وحيث جاز اشتُرط أن يكون من يُستعان به حسنَ الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم، لم يَجُزْ كالمرجف، وأَولى.
(و) يَحرم (أن يُعينهم) المسلم (على عدوهم، إلا خوفًا) من شرهم؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٢).
(قال الشيخ (٣): ومن تولَّى منهم) أي: من الكفار (ديوانًا للمسلمين، انتقض عهده) إن كان.
(ويحرم أن يستعين) مسلم (بأهل الأهواء) كالرافضة (في شيء من أمور المسلمين: من غزو، وعَمَالة، وكتابة وغير ذلك) لأنهم أعظم ضررًا؛ لكونهم دعاة، بخلاف اليهود والنصارى.
(ويُسنُّ أن يخرج) الإمام (بهم) أي: بالجيش (يوم الخميس) لحديث كعب بن مالك قال: "قلّمَا كان رسولُ الله ﷺ يخْرُجُ في سفرٍ إلا يومَ الخميسِ" رواه البخاري (٤). وعن صخر الغامدي عن النبي ﷺ قال:
стр. 2911
"اللهُمَّ بَارِكْ لأمّتِي في بُكُورِها، وكانَ إِذا بَعثَ سرِيّةً أو جيشًا بَعَثَهم أولَ النَّهارِ". رواه الترمذي، وحسنه (١).
стр. 2912
(ويَرفق بهم في السير بحيث يقدر عليه الضعيف، ولا يشق على القوي) لقوله ﷺ : "أميرُ القَوْمِ أقْطَعُهم (١) " (٢) أي: أقلهم سيرًا، ولئلا
стр. 2913
ينقطع منهم أحد، أو يشق عليهم.
(فإن دعتِ الحاجة إلى الجِدِّ في السير، جاز) "لأن النبي ﷺ جَدَّ حين بلَغَهُ قولُ عبد اللهِ بنِ أُبيٍّ: ليخرجَنَّ الأعزُّ منها الأذَلَّ، ليشتغل النّاسُ عن الخوض فيه" (١).
стр. 2914
و (يُعد) الإمام، أو الأمير (لهم) أي: لجيشه (الزاد) لأنه لا بُدَّ منه، وبه قوامهم، وربما طال سفرهم، فيهلكون حيث لا زاد لهم.
(ويُقوِّي نفوسَهم بما يخيل إليهم من أسباب النصر) فيقول مثلًا: أنتم أكثر عَدَدًا وعُددًا، وأشد أبدانًا، وأقوى قلوبًا، ونحو ذلك؛ لأنه مما تستعين به النفوس على المصابرة، ويبعثها على القتال؛ لطمعها في العدو.
(ويعرِّف عليهم العُرفاء) جميع عريف (وهو القائم بأمر القبيلة، أو الجماعة من الناس، كالمقدم عليهم؛ ينظر في حالهم، ويتفقدهم، ويتعرَّف الأمير منه أحوالهم) لأنه ﷺ "عرَّف عامَ خيبر على كُلِّ عشرةٍ عَريفًا" (١). ولأنه أقرب - أيضًا - لجمعهم.
وقد ورد: "العَرَافَةُ حَقٌّ" (٢) لأن فيها مصلحة الناس. وأما قوله
стр. 2915
"العُرَفاءُ في النَّارِ" فتحذير للتعرض للرئاسة؛ لما في ذلك من الفتنة، ولأنه إذا لم يقم بأمرها، استحق العقوبة.
(ويُستحبُّ له) أي: الإمام أو الأمير (عقدُ الألوية البيض، وهي: العصائب تُعقد على قناة ونحوها) قال صاحب "المطالع" (١): اللواء راية لا يحملها إلا صاحبُ جيش الحرب، أو صاحبُ دعوة الجيش. انتهى.
قال ابن عباس: "كانت رايةُ رسول الله ﷺ سودَاءَ، ولواؤه أبيض" رواه الترمذي (٢). وعن جابر: "أن النبي ﷺ دخلَ مكةَ، ولواؤه
стр. 2916
أبيضُ" رواه أبو داود (١)، وظاهر "المقنع"، وصرَّح به في "المحرر" أنها تكون بأي لون شاء، لاختلاف
стр. 2917
الروايات (١).
(و) يعقد لهم (الرايات، وهي أعلام مربعة، ويغاير ألوانَها؛ ليعرف كل قوم رايتهم) لقوله ﷺ للعباس حين أسلم أبو سفيان: "احْبِسهُ على الوادي حتّى تَمُرَّ به جنودُ الله تعالى فيَراها، قال: فحبَستُهُ حيثُ أمَرَني رسولُ الله ﷺ ، ومرَّتْ بهِ القبائلُ على راياتها" (٢).
ولأن الملائكة إذا نزلت بالنصر، نزلت مسوّمة بها، نقله حنبل (٣).
(ويجعل لكل طائفة شعارًا يتداعون به عند الحرب) لما روى سلمة بن الأكوع قال: "غزونا مع أبي بكرٍ زمنَ النبيِّ ﷺ وكان شِعارُنا: أمِت أمِتْ" رواه أبو داود (٤).
стр. 2918
وقد ورد أيضًا: "حم هم (١) لا ينصرون" (٢)؛ ولأن الإنسان ربما احتاج إلى نُصْرة صاحبه، وربما يهتدي بها إذا ضَلَّ. قال في "الشرح": ولئلا يقع بعضهم على بعض.
стр. 2919
(ويتخيَّر) الإمام أو الأمير (لهم من المنازل) أي (أصلحها لهم) كالخصبة (وأكثرها ماء ومرعى) لأنها أرفق بهم، وهو من مصلحتهم (ويتبع مكامِنَها) جمع مكمن، وهو المكان الذي يختفي فيه العدو (فيحفظها؛ ليأمنوا) هجوم العدو عليهم.
(ولا يُغفِل الحرسَ والطلائعَ) لئلا يأخذهم العدو بغتة، والطلائع: جمع طليعة، وهي: من يُبعث ليطَّلع طِلْعَ العدو. قاله الجوهري (١) قال: والطّلع - بالكسر - الاسم من الاطلاع؛ تقول منه: اطَّلِعْ طِلْعَ العدو.
(ويبعث العيون على العدو ممن له خبرة بالفِجاج) أي: الطرق (حتى لا يخفى عليه أمرُهم) أي: أمر أعدائه؛ لأنه ﷺ بعَثَ الزبيرَ يومَ الأحزاب (٢)، وحذيْفةَ بن اليَمانِ في غزاة الخندق (٣)، ودِحْيةَ الكَلْبيَّ في أخرى (٤).
(ويَمنع جيشَه من الفساد والمعاصي) لأنها سببُ الخذلان، وتركُها داعٍ للنصر، وسبب للظفر.
(و) يمنع جيشه - أيضًا - من (التشاغل بالتجارة المانعة لهم من القتال) لأنه المقصود.
(ويَعِدُ) الأميرُ (ذا الصبر بالأجر والنَّفَل) بفتح الفاء، وهو الزيادة
стр. 2920
على سهمه؛ لأنه وسيلة إلى بذل جهده، وزيادة صبره.
(ويشاور في أمر الجهاد والمسلمين ذا الرأي والدِّين) لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ (١). وعن أبي هريرة قال: "ما رأيْتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشُورةً لأصحابِهِ مِنْ رسول الله ﷺ " رواه أحمد (٢). ولأن فيه تطييبًا لقلوبهم.
(ويخفي عن أمره ما أمكن إخفاؤه، وإذا أراد غزوةً، وَرَّى بغيرها) متفق عليه (٣) من حديث كعب ين مالك مرفوعًا (لأن الحرب خُدْعَة) متفق عليه (٤) من حديث جابر.
стр. 2921
(ويصفُّ جيشه) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ الآية (١). قال الواقدي (٢): "كان النبي ﷺ يسوِّي الصفُوفَ يومَ بدرٍ".
ولأن فيه ربط الجيش بعضه ببعض، وسدًّا لثغورهم، فيصيرون كالشيء الواحد.
(ويجعل في كل جنبة كفؤًا) لحديث أبي هريرة قال: "كنْتُ مع النبيِّ ﷺ ، فجعلَ خالدًا على إحدى الجَنَبَتَيْنِ (٣)، والزبيرَ على الأخرى، وأبا عُبيدة على السّاقَةِ" (٤)؛ ولأنه أحوط للحرب، وأبلغ في إرهاب العدو.
(ولا يميل) الأمير (مع قرابته وذي مذهبه على غيره؛ لئلا تنكسر قلوبهم) أي: قلوب الذين مال مع غيرهم (فيخذلوه) عند الحاجة؛ ولأنه يفسد القلوب، ويشتت الكلمة.
(ويراعي أصحابه، ويرزق كلَّ واحد بقَدْرِ حاجته) وحاجة من معه.
стр. 2922
فصل
(ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يُسلموا، أو يُعطوا الجِزية، و لا يقبل من غيرهم إلا الإسلام) وتقدم (١) موضحًا.
(و يجوز أن يبذل) الإمام أو الأمير (جُعْلًا لمن يعمل ما فيه غنَاء) بفتح الغين والمد - أي: كفاية أو نفعٌ (كمن يدلُّه على ما فيه مصلحة للمسلمين، كطريق سهل، أو ماء في مفازة، أو قَلْعةٍ يفتحها، أو مال يأخذه، أو عَدوٍّ يُغير عليه، أو ثغرة يدخل منها، أو) يجعله (لمن ينقب نقبًا، أو يصعد هذا المكان، أو) يجعله (لمن جاء بكذا من الغنيمة، أو يجعل لمن جاء بكذا من الغنيمة) شيئًا (من الذي جاء به ونحوه) لأنه ﷺ وأبا بكر استأجَرَا في الهجْرَة من دلَّهم على الطّريق (٢)؛ ولأنه من المصالح أشبه أجرة الوكيل.
(ويَستحق الجُعْل بفعل ما جُعل له) الجُعْل (فيه) كسائر الجعالات (مسلمًا كان) المجاعل (أو كافرًا، من الجيش أو غيره، بشرط أن لا يجاوز) الجُعْل (ثلث الغنيمة بعد الخمس، في هذا وفي النفل كلّه) لأنه أكثر ما جعله ﷺ للسرية (٣) (ويأتي في الباب بعده.
وله) أي: الإمام أو الأمير (إعطاء ذلك) العطاء لمن عمل ما فيه غناء (ولو بغير شرط) تقوية لقلوبهم على فعل ما فيه المصلحة.
(وبجب أن يكون الجُعْلُ معلومًا، إن كان من بيت المال) كالجُعْل
стр. 2923
في المسابقة والضالة، وغيرهما.
(وإن كان) الجُعْل (من مال الكفار، جاز) أن يكون (مجهولًا) لأنه ﷺ جعَلَ للسَّريَّةِ الثلثَ والربعَ ممَّا غنِمُوا (١)، وللقَاتِلِ سلبَ المقْتُولِ (٢)
стр. 2924
وهو مجهول؛ لأن الغنيمة كلها مجهولة؛ ولأنه مما تدعو الحاجة إليه.
(وهو) أي: الجُعْل من مال الكفار (له) أي: للمجاعل (إذا فتح) الحصن المجعول له ذلك من غنيمته.
(فإن احتيج إلى جُعْلٍ) جعل (أكثر من الثلث لمصلحة، مثل أن لا تنهض السريَّة ولا ترضى بدون النصف، وهو محتاج إليها، جعله من مال المصالح) أي: من مال الفيء المعد للمصالح؛ ليحصُل الغرض مع عدم مخالفة النص.
(وإن جعل له امرأةً منهم) معينة (أو) جعل له (رجلًا) منهم معينًا، (مثل أن يقول: بنت فلان من أهل الحصن، أو القلعة) لم يَستحق شيئًا حتى تُفتح القلعة؛ فإن فُتحت عنوة، سُلِّمت إليه.
(فـ) إن (ماتت قبل الفتح، أو بعده، أو لم يفتح) ما ذكر من الحصن، أو القلعة (أو فتح ولم توجد) الجارية (فلا شيء له، حرَّة كانت أو أَمَة) لأن حقه متعلِّق بعينٍ، فيسقط بفواتها من غير تفريط، كالوديعة.
(وإن أسلمت قبل الفتح عَنوة، وهي حُرةٌ، فله قيمتها) لأنها عصمت نفسها بإسلامها، فتعذَّر دفعها إليه، فاستحق القيمة، كما لو أتلف مال غيره الذي لا مِثْل له.
(وإن أسلمت بعده) أي: بعد الفتح عَنوة، سُلِّمت إليه، حرة كانت أو أَمَة، إذا كان مسلمًا؛ لأنه أمكن الوفاء بشرطه، فكان واجبًا؛ ولأن الإسلام بعد الأسر، فكانت رقيقة.
(أو) أسلمت (قبله) أي: قبل الفتح (وهي أَمَة، سُلِّمت إليه) وفاء
стр. 2925
بشرطه (إلا أن يكون كافرًا، فله قيمتها) لتعذّر تسليمها إليه؛ لكفره، ثم إن أسلم، ففي أخذها احتمالان.
(فإن فُتحت صلحًا، ولم يشترطوا الجارية، فله قيمتها) إن رضي بها؛ لأن تسليمها متعذِّر لدخولها تحت الصلح، وحينئذ تتعين قيمتها؛ لأنها بدلها، فإن شرط في الصلح تسليم عينها، لزم؛ لما فيه من الوفاء بالشرط.
(فإن أبى إلا الجارية وامتنعوا من بذلها، فسخ الصلح) لتعذر إمضائه؛ لأن حق صاحب الجعل سابق، ولم يمكن الجمع بينهما؛ فعلى هذا: لصاحب القلعة أن يحصنها كما كانت من غير زيادة. وظاهر ما نقله ابن هانئ: أنها له؛ لسبق حقِّه، ولربِّ الحصن القيمة (١).
(وإن بذلوها) أي: الجارية (مجانًا، لزم أخذها، ودفعها إليه) وكذا لو بذلوها بالقيمة، كما في "المبدع" نقلًا عن الأصحاب؛ لأنه أمكن إيصال حقه إليه من غير ضرر.
(قال في "الفروع": والمراد غير حرة الأصل، وإلا) وجبت (قيمتها) لأن حرة الأصل غير مملوكة؛ لأن الصلح جرى عليها، فلا تملك، كالذِّميَّة، ولم يجز تسليمها، كالمسلمة، بخلاف الأَمَة، فيأخذها؛ لأنها مال، كما لو شرط دابة أو متاعًا. هذا معنى كلام المجد، كما حكاه عنه في "المبدع" قال (٢): وفيه نظر؛ لأن الجارية لولا عقد الصلح، لكانت أَمَة، وجاز تسليمها إليه، فإذا رضي أهل الحصن بإخراجها من الصلح بتسليمها إليه، فتكون غنيمة للمسلمين وتصير رقيقة.
стр. 2926
(وكل موضع أوجبنا القيمة ولم يغنم) الجيش (شيئًا فـ) إنها تعطى (من بيت المال) لأنه مال المصالح.
(وله) أي: للإمام أو الأمير (أن ينفِّل) من النفل - وهو الزيادة على السهم المستحق. ومنه: نفل الصلاة (في البداءة الربع، فأقل بعد الخُمْس، وفي الرجعة الثلث فأقل بعده) لحديث حبيب بن مسلمة الفهري، قال: "شهدْتُ النبيَّ ﷺ نَفَّلَ الربْعَ في البَدْأةِ، والثلثَ في الرَّجْعَةِ" رواه أبو داود (١). وعن عبادة بن الصامت مرفوعًا نحوه. رواه الترمذي وقال: حسن غريب (٢).
وإنما زِيدَ في الرجعة على البَدْأة لمشقة الرجعة؛ لأن الجيش في البَدْأة رِدْءٌ للسريَّة بخلاف الرجعة.
وقال أحمد: لأنهم يشتاقون إلى أهليهم (٣). فهذا أكثر مشقَّة (٤). ولا يعدل شيء - عند أحمد - الخروجَ في السريَّة مع غلبة السلامة؛ لأنه أنكى للعدو (٥) (وذلك أنه ينبغي للإمام إذا غزا غزاة أن يبعث سريَّة أمَامَه تُغِير، وإذا رجع بعث) سريَّة (أخرى خلفه) تُغِير (فما أتت به) السريَّة (أخرج خُمُسه) لقوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (٦)، ولحديث معن بن يزيد مرفوعًا: "لا نَفَل إلَّا بعد الخُمُسِ" رواه
стр. 2927
أبو داود (١) (وأعطى السريَّة ما جعل لها) من ربع فأقل، أو ثلث فأقل. ولا تجوز الزيادة على الثلث. نص عليه (٢) (وقسم الباقي في الجيش والسريَّة معًا) لأنها وصلت إلى ذلك بقوة الجيش.
(ولا تستحقه السريَّة إلا بشرط) فإن لم يشترط لها شيئًا لم تستحقَّ سوى المقاسمة، كآحاد الجيش، لكن للأمير إعطاؤها ذلك بلا شرط.
(فإن شرط الإمام لهم أكثر من ذلك) أي: من الثلث في الرجعة، أو الربع في البدأة (رُدُّوا إليه) أي: إلى الثلث أو الربع، ولم يستحقوا الزائد؛ لمخالفة النص.
стр. 2928
فصل
(ويلزم الجيشَ طاعةُ الأمير) لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "منْ أطاعَنِي فقد أطاع اللهَ، ومنْ أطاعَ أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومنْ عصى أميري فقد عصَاني" رواه النسائي (٢).
(و) يلزمهم (النصح له) لحديث: "الدِّينُ النّصيحَةُ" (٣) ولأن نصحَه نصحُ المسلمين (٤)، ولأنه يدفع عنهم، فإذا نصحوه أكثر دفعه. وفي الأثر: "إنَّ الله ينزعُ (٥) بالسُّلْطَان ما لا ينزعُ (٥) بالقرآن" (٦). ومعناه: يكفُّ.
(و) يلزمهم (الصبر معه في اللقاء وأرض العدو) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ (٧). ولأنه من أقوى أسباب النصر والظَّفَر.
стр. 2929
(و) يلزمهم (اتباعُ رأيه، والرضا بقسمته للغنيمة، وبتعديله لها) لأن ذلك من جملة طاعته (وإن خفي عنه صوابٌ عرَّفوه ونصحوه) لوجوب نصحه.
(فلو أمرهم بالصلاة جماعة وقتَ لقاء العدو فأبوا، عصوا) قال الآجري: لا نعلم فيه خلافًا. ولو قال: سيروا وقت كذا، دفعوا معه. نص عليه (١). قال ابن مسعود: "الخلافُ شَرٌّ"، ذكره ابن عبد البر (٢)، وقال: كان يقال: "لا خيرَ مع الخلاف ولا شرَّ مع الائتلاف". ونقل المَرُّوذي (٣): لا يخالفوه؛ يتشعَّث أمرهم.
(ولا يجوز لأحد أن يتعلَّف) وهو: تحصيل العلف للدواب (ولا يتحطَّب) وهو: تحصيل الحطب (ولا يبارز) عِلْجًا (٤) (ولا يخرج من العسكر، ولا يحدث حَدَثًا إلا بإذنه) أي: الأمير؛ لأنه أعرف بحال الناس، وحال العدو، ومكامنهم (٥) وقوتهم.
فإذا خرج إنسان أو بارز بغير إذنه، لم يأمن أن يصادف كمينًا للعدو فيأخذوه، أو يرحل بالمسلمين ويتركه فيهلك، أو يكون ضعيفًا لا يقوى
стр. 2930
على المبارزة، فيظفر به العدو، فتنكسر قلوب المسلمين، بخلاف ما إذا أذن، فإنه لا يكون إلا مع انتفاء المفاسد. ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (١).
(ولا ينبغي أن يأذن في موضع إذا علم أنه مَخُوف) نص عليه (٢)؛ لأنه تغرير بهم.
(وإن دعا كافرٌ إلى البِراز) بكسر الباء: عبارة عن مبارزة العدو، وبفتحها: اسم للفضاء الواسع (استُحبَّ لمن يعلم من نفسه القوة والشجاعة مبارزته بإذن الأمير) لمبارزة الصحابة في زمن النبي ﷺ ومَن بعده. قال قيس بن عُبَادٍ: "سمعت أبا ذر يُقْسِمُ قسمًا في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (٣) أنها نزلت في الذين بارزوا يومَ بدْر: حمزة، وعليٍّ، وعبيدة بن الحارِثِ، وعتْبَة وشيْبَة ابنَيْ رَبيعةَ، والوليد بنِ عُتْبَةَ" متفق عليه (٤). قال علي: "نَزَلَتْ في مُبارزَتِنا يومَ بَدْر" رواه البخاري (٥). وكان ذلك بإذنه ﷺ ، وبارز البراء بن مالك مرزُبان الدارة (٦)، فقتله وأخذ سلَبَه، فبلغ ثلاثين
стр. 2931
ألفًا (١)؛ ولأن في الإجابة إليها إظهارًا لقوة المسلمين وجَلَدهم على الحرب.
(فإن لم يثق من نفسه) القوة والشجاعة (كُره) له أن يُجيب؛ لما فيه من كسر قلب (٢) المسلمين بقتله ظاهرًا.
(فإن كان الأميرُ لا رأي له، فُعلت المبارزة بغير إذنه، ذكره) محمد (بن تميم) الحراني (في صلاة الخوف) لنكاية العدو.
(والمبارزة التي يُعتبر فيها إذن الإمام: أن يبرز رَجُل بين الصفين قبل التحام الحرب، يدعو إلى المبارزة) بخلاف الانغماس في الكفار، فلا يتوقف على إذن؛ لأنه يطلب الشهادة ولا يترقب منه ظفر ولا مقاومة، بخلاف المبارز، فإن قلوب الجيش تتعلَّق به، وترتقب ظفره.
(ويُباح للرجل المسلم الشجاع طلبُها ابتداء) لأنه غالب بحكم الظاهر (ولا يُستحب) له ذلك؛ لأنه لا يأمن أن يقتل، فتنكسر قلوب المسلمين.
(فإن شَرَط الكافر) المبارز (أن لا يقاتله غير الخارج إليه، أو كان هو العادة، لزمه) الشرط؛ لقوله ﷺ "المُسلِمُونَ على شُروطِهِمْ" (٣).
стр. 2932
والعادة بمنزلة الشرط.
стр. 2933
(ويجوز رميه وقتله قبل المبارزة) لأنه كافر لا عَهْد له ولا أمان، فأُبيح قتلُه كغيره (إلا أن تكون العادة جارية بينهم) أي: بين المسلمين وأهل الحرب (أن مَنْ خرج (١) يطلب المبارزة لا يُعْرَض له، فيجري ذلك مجرى الشرط) ويُعمل بالعادة.
(وإن انهزم المسلم) تاركًا للقتال (أو أُثخن) المسلم (بالجراح، جاز لكل مسلم الدفع عنه والرمي) أي: رمي الكافر وقتله؛ لأن المسلم
стр. 2934
إذا صار إلى هذا الحال، فقد انقضى قتاله، وزال الأمان وزوال (١) القتال؛ لأن حمزة وعليًّا أعانا عبيدة بن الحارث على قتل شيبة حين أثخن عبيدة (٢).
وإن أعان الكفار صاحبهم، فعلى المسلمين أن يُعينوا صاحبهم ويقاتلوا من أعان عليه، لا المبارز (٣)؛ لأنه ليس بسبب من جهته.
(وتجوز الخَدَعة) بفتح الخاء والدال (٤)، وهي الاسم من الخداع، أي: إرادة المكروه به من حيث لا يعلم، كالخديعة (في الحرب للمبارز وغيره) لحديث: "الحرْبُ خُدْعَةٌ" (٥)، وروي: "أن عَمرو بنَ عبدِ وُدٍّ لما بارزَ عليًّا، قال له عليٌّ: ما بَرَزْتُ لأقاتِلَ اثنينِ، فالتَفَتَ عَمرٌو فوثبَ عليه
стр. 2935
عَليٌّ فضربهُ، فقال عمْرٌو: خَدَعتني، فقال: الحربُ خُدْعَةٌ" (١).
(وإن قتله) أي: الكافرَ المبارزَ (المسلمُ أو أثخنه، فله سلبه) لحديث أنس وسَمُرة أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قتلَ قَتيلًا، فلهُ سَلَبه" (٢).
стр. 2936
وفي حديث أبي قتادة: "وله عليه بيِّنَةٌ" متفق عليه (١). وعن أنس مرفوعًا قال يوم حنين: "من قَتَلَ قَتيلًا فله سَلبُهُ. فَقَتَلَ أبو طلحةَ يومئذٍ عشرينَ رجُلًا، وأخذَ أسْلابَهُم" رواه أبو داود (٢).
وظاهره: ولو كانت المبارزة بغير إذن، وقطع به في "المغني"؛ لعموم الأدلة. وفي "الإرشاد": وإن بارز بغير إذن الإمام، فلا يستحق السلب، وجزم به ناظم "المفردات".
(غير مخموس) لما روى عوف بن مالك، وخالد بن الوليد "أن النبي ﷺ قَضَى بالسَّلب للقاتِل، ولم يخمِّس السَّلبَ" رواه أبو داود (٣).
(وهو) أي: السلب (من أصل الغنيمة، لا من خُمس الخمس) لأنه
стр. 2937
لم ينقل عنه ﷺ أنه احتسبه من خُمْس الخُمْس، ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد، فلم يكن من خُمْس الخُمْس، كسهم الفارس.
(ولو) كان القاتل للكافر (عبدًا، بإذن سيده، أو) كان (امرأة، أو كافرًا بإذن) الإمام (أو صبيًّا) لعموم ما سبق.
و (لا) يستحقه القاتل إن كان (مخذِّلًا ومُرْجِفًا ومعينًا على المسلمين، وكل عاصٍ) بسفره (كمن دخل بغير إذن) الأمير (أو مُنع منه) لأنه ليس من أهل الجهاد.
ويستحق السلبَ القاتلُ بشرطه (ولو كان المقتول صبيًّا أو امرأة ونحوهما) كالخنثى والشيخ الكبير (إذا قاتلوا) للعمومات.
(وكذا كل من قتل قتيلًا أو أثخنه، فصار في حكم المقتول، فله سَلَبه إذا كان القاتل ممن يَستحق السَّهم) كالرجل الحرِّ (أو الرَّضْخَ (١)) كالعبد بإذن سيده، والمرأة والكافر بإذن الأمير، كالصبي (كما تقدم، قال ذلك الإمام) أي: سواء قال الإمام: من قتل قتيلًا فله سَلَبه (أو لم يقله) الإمام؛ لعموم الأدلة.
(إذا قتله حالَ الحرب، لا قبلها ولا بعدها) لأن عبد الله بن مسعود "ذَفَّف (٢) على أبي جَهْلٍ، وقضى النبيُّ ﷺ بسَلبِهِ لمعاذِ بنِ عمرو بن الجَمُوح؛ لأنَّهُ أثْبَتَه" (٣) (منهمكًا على القتال، أي: مجدًّا فيه مقبلًا عليه)
стр. 2938
فإن كان منهزمًا، فلا سَلَب له. نص عليه (١)؛ لأنه لم يغرر بنفسه في قتله، (وغَرَّر بنفسه في قتله، كأن بارزه) أو كانت الحرب قائمة فـ (لا) سلب له (إن رماه بسهم من صف المسلمين، أو قتله مشتغلًا بأكل ونحوه) لعدم التغرير، وكذا إن أغرى عليه كلبًا عقورًا فقتله.
وإن عانق رجل رجلًا فقتله آخر، أو كان الكافر مقبلًا على رجل يقاتله، فجاء آخر من ورائه فضربه فقتله، فسلبه لقاتله. قطع به في "المغني"، واستدل له (٢).
стр. 2939
(أو) قتله (منهزمًا، مثل أن ينهزم الكفار كلهم، فيدرك إنسانًا منهزمًا فيقتله) فلا سَلَب له؛ لأنه لم يغرِّر بنفسه.
(وإن كانت الحرب قائمة، فانهزم أحدهم متحيزًا) إلى فئة، أو متحرفًا لقتال (فقتله إنسان، فله سَلَبه) ذكره في "البلغة" و"الترغيب".
(ويُشترط في استحقاق سَلَبه) أي: المقتول (أن يكون غير مُثخَن، أي: مُوْهَنٍ بالجراح) لما تقدم في قضية عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن عمرو بن الجموح.
(وإن قطع أربَعَتَه إنسان ثم قتله آخر، أو ضربه اثنان، وكانت ضربة أحدهما أبلغ، فسلبه للقاطع) لأرْبَعَتِهِ (وللذي ضربته أبلغ) لأنه كفى المسلمين شرَّه.
(و إن قتله اثنان فأكثر، فسلبه غنيمة) لأنه ﷺ لم يشرك بين اثنين في سَلَبٍ، ولأنه إنما يستحق بالتغرير في قتله، ولا يحصُل بالاشتراك.
(وإن أسره فقتله الإمام، أو اسْتَحياه) أي: أبقاه حيًّا رقيقًا، أو بفداء أو مَنٍّ (فسَلَبه ورقبتُه ان رَقَّ، وفداؤه إن فُدي، غنيمةٌ) لأن الذي أسره لم يقتله، ولأنه قد أسر المسلمون يوم بدر أسرى، فقتل النبي ﷺ منهم واستبقى منهم (١)، ولم يُنقل أنه أعطى أحدًا ممن أسرهم سلبًا ولا فداءً.
(و إن قَطَع يده أو رِجله، وقَتَله آخر، فسَلَبه للقاتل) لأن الأول لم يثخنه.
стр. 2940
(وإن قَطَع) واحد (يده ورِجْله، أو قَطَع يديه أو رِجليه، ثم قَتَله آخر، فسَلَبه غنيمة) لأنه لم ينفرد أحدهما بقتله، ولم يستحقه القاتل؛ لأنه مثخن بالجراح.
(ولا تُقبل دعوى القتل) لأخذ السَّلَب (إلا بشهادة رَجُلين. نصًّا (١)) لأن الشارع اعتبر البينة، وإطلاقها ينصرف إلى شاهدين، وكالقتل العمد، ويأتي في أقسام المشهود به: يُقبل رجل وامرأتان، ورجل ويمين، كسائر الأموال.
(والسَّلَب: ما كان عليه) أي: الكافر (من ثياب، وحَلْي، وعِمامة، وقَلَنْسُوة، ومِنْطقَة - ولو مذهَّبة - ودِرع، ومِغْفَر، وبَيضة، وتاج، وأَسورة، ورانٍ (٢)، وخُفٍّ، بما في ذلك من حِلْية، و) ما كان عليه من (سلاح، من سيف، ورمح، ولُتٍّ (٣)، وقوس، ونُشَّاب، ونحوه) لأنه يستعين به في حربه، فهو أَولى بالأخذ من الثياب.
وسواء (قلَّ) السَّلَب (أو كَثُر) لما تقدم من أخذ البراء بن مالك سَلَب مرزبان الدارة (٤)، وأنه بلغ ثلاثين ألفًا (٥).
(ودابته التي قاتل عليها بآلتها من السَّلَب، إذا قُتل وهو عليها) لحديث عوف بن مالك، رواه الأثرم (٦)، ولأن الدابة يُستعان بها في
стр. 2941
الحرب كالسلاح، وآلتها كالسَّرْج، واللجام تبع لها.
(ونفقته، ورَحْله، وخيمته، وجنيه (١) غنيمة) لأن ذلك ليس من الملبوس، ولا مما يستعان به في الحرب، أشبه بقية الأموال.
(ويجوز سَلْب القتلى وتركهم عراة غير مستوري العورة) لأنهم غير معصومين، وكرهه الثوري (٢) وغيره؛ لما فيه من كشف عوراتهم.
(و يَحرم السَّفر بالمصحف إلى أرض العدو) لنهيه ﷺ عنه (٣)، وخوفًا من أن يستولوا عليه، فَيُهان (وتقدم في نواقض الطهارة.
ولا يجوز الغزو إلا بإذن الأمير) لأنه أعرف بالحرب، وأمره موكول إليه، ولأنه إذا لم تجز المبارزة إلا بإذنه، فالغزو أَولى.
(إلا أن يفجأهم) أي: يطلع عليهم بغتة (عدوٌّ ويخافون (٤) كَلَبه) - بفتح الكاف واللام - أي: شره وأذاه (بالتوقف على الإذن) لأن الحاجة تدعو إليه؛ لما في التأخير من الضرر، وحينئذ لا يجوز لأحد التخلُّف، إلا من يحتاج إلى تخلفه؛ لحفظ المكان والأهل والمال، ومن لا قوة له على الخروج ومن يمنعه الإمام.
(أو) يجدوا (فرصة يخافون فوتها) إن تركوها حتى يستأذنوا الأمير، فإن لهم الخروج بغير إذنه؛ لئلا تفوتهم؛ ولأنه إذا حضر العدو، صار الجهاد فرض عين، فلا يجوز التخلُّف عنه، ولذلك لمَّا أغار الكفار
стр. 2942
على لقاح النبي ﷺ وصادفهم سلمة بن الأكوع خارج المدينة تبعهم، وقاتلهم من غير إذن، فمَدَحه النبي ﷺ وقال: "خير رجالنا سَلمةُ بنُ الأكْوَعِ" وأعطاهُ سهْمَ فارسٍ وراجل" (١).
(وإذا قال الإمام لرجل: أُحرِّجُ عليك أن لا تصحبني، فنادى) الإمام (بالنفير، لم يكن) النفير (إذنًا له) في الخروج؛ لتقديم (٢) الخاص على العام.
(ولا بأس بالنِّهد (٣)) بكسر النون، وهو: المناهدة (٤) (في السفر) فعله الصالحون، كان الحسن إذا سافر ألقى معهم (٥)، ويزيد - أيضًا - بعد ما يكفي (٦). وفيه - أيضًا - رفق.
(ومعناه) أي: النِّهد (أن يُخرج كل واحد من الرفقة شيئًا من النفقة يدفعونه إلى رَجُل (٧) ينفق عليهم، ويأكون منه جميعًا، ولو أكل بعضهم أكثر من بعض) لجريان العادة بالمسامحة في مثل ذلك.
(ولو دخل قوم لا مَنَعَة) بفتح الأحرف الثلاث، وقد تُسَكَّن النون، أي: القوة والدفع (لهم، أو لهم مَنَعَة، أو) دخل (واحد - ولو عبدًا،
стр. 2943
ظاهرًا) كان الدخول (أو خفية - دار حرب (١) بغير إذن الأمير، فغنيمتهم فيء؛ لعصيانهم) بافتياتهم على الإمام لطلب الغنيمة (٢)، فناسب حرمانهم، كقتل الموروث.
(ومن أَخذ من دار الحرب، لو بلا حاجة) إلى المأخوذ (ولا إذن) الأمير (طعامًا مما يقتات، أو يصلح به القوت من الأدم أو غيره، ولو سُكَّرًا ومعاجين وعقاقير ونحوه، أو علفًا، فله أكله وإطعام سبي اشتراه، وعلف دابته، ولو كانا) أي: السبي والدابة (لتجارة) لقول ابن عمر: "كنَّا نصيبُ في مغازينا العَسَلَ والعِنَبَ، فنأكلهُ ولا نَرْفَعهُ" رواه البخاري (٣). وعنه: "أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله ﷺ طعامًا وعسلًا، فلم يؤخذ منهم الخُمسُ" رواه أبو داود (٤)، ولأن الحاجةَ تدعو إليه؛ إذ الحمل فيه مشقة، فأُبيح؛ توسعةً على الناس (ما لم يُحرز) ما تقدم من الطعام والعلف (أو يُوكِّل الإمامُ من يحفظه، فلا يجوز إذن) أن يأكله أو يعلفه دابته (إلا لضرورة) نص عليه (٥)؛ لأنه صار غنيمة للمسلمين، وتمَّ ملكهم عليه.
стр. 2944
(ولا يطعم منه) أي: من الطعام، وإن لم يُحرز (فهدًا، و) لا (كلبًا، و) لا (جارحًا، فإن فعل) أي: أطعم ذلك (غرم قيمته) لأن هذا يُراد للتفرج، ولا حاجة إليه في الغزو.
(ولا يبيعه) أي: الطعام والعلف؛ لأنه لم ينقل، لعدم الحاجة إليه، بخلاف الأكل.
(فإن باعه، ردَّ ثمنه في المغنم) لما روى سعيد "أنَّ صاحِبَ جَيْشِ الشَّامِ كتبَ إلى عمرَ: إنَّا أصبْنا أرضًا كثيرةَ الطَّعَامِ والغلَّة، وكرهْتُ أنْ أتقدَّمَ في شَيءٍ من ذلك، فكتَبَ إليه: دعِ الناسَ يعلِفُونَ ويأكُلونَ، فمَنْ باعَ منهُم شيئًا بذَهبٍ أو فضةٍ، ففيهِ خمسُ اللهِ وسِهامُ المسلمين (١).
قال في "المبدع": وظاهره: أن البيع صحيح؛ لأن المنع منه إنما كان لأجل حق الغانمين، وفي ردّ الثمن تحصيلٌ لذلك؛ ولأن له فيه حقًّا، فصحَّ بيعه، كما لو تحجَّر مواتًا.
وفرَّق القاضي والمؤلِّف، أي: الموفَّق في "الكافي" - إن باعه لغير غازٍ؛ فهو باطل، كبيعه الغنيمة بغير إذن، فيردّ المبيع إن كان باقيًا، أو قيمته، أو ثمنه، إن كان تالفًا.
وإن باعه لغازٍ، فلا يخلو إما أن بيعه (٢) بما يُباح له الانتفاع به؛ أو بغيره، فإن كان الأول؛ فليس بيعًا في الحقيقة، إنما دفع إليه مباحًا، وأخذ مثله، ويبقى أحق به؛ لثبوت يده عليه.
стр. 2945
فعلى هذا: لو باع صاعًا بصاعين، وافترقا قبل القبض، جاز؛ إذ لا بيع. وإن أقرضه إيَّاه فهو أحقّ به، فإن وفَّاه أو ردَّه إليه، عادت يده كما كانت.
وإن كان الثاني؛ فليس بصحيح، ويصير المشتري أحقّ به؛ لثبوت يده عليه، ولا ثمن عليه، ويتعيَّن ردّه إليه.
(والدهنُ المأكول كسائر الطعام) لأنه طعام، أشبه البُرَّ.
(وله دَهْن بَدَنِهِ ودابتهِ منه) لحاجة، ونقل أبو داود (١): دهنه بزيت للتزين لا يعجبني.
(و) له دَهْن بَدَنِه ودابته (من دُهْنٍ غير مأكول) ظاهره: ولو نجسًا، ولعله غير مراد، وتقدم ما فيه في أول الجنائز (٢).
(و) له (أكْلُ ما يتداوى به، وشُرْبُ جُلَّاب (٣)، وسَكَنْجَبين (٤) ونحوها (٥) لحاجة) لأنه في (٦) معنى الطعام.
(ولا يغسل ثوبه بالصابون) لأنه ليس بطعام، فإن فعل، رَدَّ قيمته في المَغنم.