ويكون الرَّضْخ للمذكورين (على ما يراه الإمام من التسوية بينهم، والتفضيل على قَدْر غَنائهم ونفعهم) بخلاف السهم؛ لأنه منصوص عليه غير موكول إلى اجتهاده، فلم يختلف كالحدود بخلاف الرَّضْخ.
(ومُدبَّر ومكاتَب كقنٍّ، وخُنثى مشكل كامرأة) لأنه المتيقن (فإن انكشف حاله قبل تقضِّي الحرب والقسمة أو بعدهما، فتبين أنه رجل أتمَّ له سهمَ رجلٍ) كغيره من الرجال.
(ويُسهم لكافر أَذِنَ له الإمام) لما روى سعيد عن الزهري: "أن النبي ﷺ استعانَ بناسٍ منَ اليهود في حربه فأسْهَمَ لهم" (١).
ولأن الكفر نقص في الدِّين، فلم يمنع استحقاق السهم كالفسق، بخلاف الرِّق؛ فإنه نقص في الدنيا والأحكام.
(ولا يبلغ برَضْخ الرَّاجل سهمَ راجل، ولا) برَضْخ (الفارس سهمَ فارس) لأن السهم أكمل من الرَّضخ، فلم يبلغ به إليه، كما لا يبلغ بالتعزير الحدَّ، ولا بالحكومة دِيَة العضو.
(ويكون الرَّضْخ له ولفرسه في ظاهر كلامهم) قال في "شرح المنتهى": إن غزا الصبيُّ على فرس له، أو المرأةُ على فرس لها، رضخ للفرس ولراكبها من غير إسهام للفرس؛ لأنه لو أسهم للفرس كان سهمها لمالكها، فإذا لم يستحق مالكها السهم بحضوره للقتال فَبِفرسه أَولى، بخلاف العبد إذا غزا على فرس سيده، فإن سهمها لغير راكبها، وهو سيده.
стр. 2977
(فإن غزا العبد بغير إذن سيده، لم يُرضخ له، ولا لفرسه) لعصيانه.
(وإن كان) غزو العبد (بإذنه) أي: إذن سيده (على فرس لسيده) رضخ للعبد وأسهم للفرس.
(ف يؤخذ للفرس) العربي (سهمان) كفرس الحر؛ لأنه فرس شهد الوقعة وقوتل عليه، فأسهم له، كما لو كان السيد راكبه، وتقدم الفرق بينه وبين فرس الصبي ونحوه (إن لم يكن مع سيده فرسان غير فرس العبد، فإن كان) مع سيد العبد فرسان غير فرس العبد (لم يُسهم لفرس العبد) لأنه لا يقسم لأكثر من فرسين على ما يأتي.
وإن كان مع العبد فرسان قسم لهما إذا لم يكن مع سيده غيرهما.
و رَضْخُ العبدِ وسهم الفرسِ لمالكهما، ويُعايى بها؛ فيقال: يستحق الرَّضْخ والسهمَ.
(وإن انفرد بالغنيمة من لا سهم له، كعبيد، أو صبيان، أو عبيد وصبيان دخلوا دار الحرب) بالإذن (فغنموا، أخذ) الإمام (خُمسه، وما بقي لهم) لعموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (١).
(وهل يقسم بينهم للفارس ثلاثة أسهم وللرَّاجل سهم؟) لأنهم تساووا كالأحرار البالغين (أو) يقسم (على ما يراه الإمام من المفاضلة) كما لو كان معهم رجال أحرار؟ (احتمالان) أطلقهما في "المغني" وغيره.
(وإن كان فيهم رجل حُرٌّ أُعطي سهمًا، فُضِّل عليهم) لمزيته بالبلوغ والحرية (ويقسم الباقي بين من بقي) وهم العبيد أو الصبيان (على ما يراه الإمام من التفضيل) لأن فيهم مَن له سهم، بخلاف التي قبلها.
стр. 2978
(وإن غزا جماعة من الكفار وحدهم فغنموا، فغنيمتهم لهم) لأنهم الذين شهدوا الوقعة (وهل يؤخذ خُمسها؟ احتمالان).
فصل
(ثم يَقسم باقي الغنيمة) لأنه تعالى لما جعل لنفسه الخُمس، فُهِمَ منه أن أربعة الأخماس للغانمين؛ لأنه أضافها إليهم، كقوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (١) فُهم منه أن الباقي للأب.
(للرجل الحُرِّ المكلَّف) مسلمًا كان أو كافرًا - بإذن الإمام، وتقدم - (٢) (سهمٌ) بغير خلاف؛ ولأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه الفارس من الكلفة.
(وللفرس العربي - ويُسمَّى) العربيُّ (العتيقَ، قاله في "المُطْلع (٣) " وغيره) لخلوصه ونفاسته - (سهمان، فيكمُل للفارس ثلاثة أسهم: سهمٌ له، وسهمان لفرسه) لما روى ابن عمر: "أن النبي ﷺ أسهم يوم خيبر للفارس ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم له" متفق عليه (٤). وقال خالد الحَذَّاء: لا يختلف فيه عن النبي ﷺ أنه أسهم للفرس سهْمَين، ولصاحبهِ سهْمًا، وللرَّاجل سَهمًا (٥).
(و ينبغي أن يُقدّم قَسْم الأربعة أخماس على قَسْمِ الخُمس) لأن
стр. 2979
الغانمين حاضرون، ورجوعهم إلى أوطانهم يقف على القسمة، وأهل الخُمس في أوطانهم.
(وإن كان فرسه هجينًا - وهو ما أبوه عربي وأمه غير عربية - أو) كان فرسه (مُقْرِفًا: عكسُ الهجين) فتكون أمه عربية وأبوه غير عربي (أو) كان فرسه (بِرْذَونًا) بكسر أوله (وهو ما أبواه نَبَطِيَّان، فله سهم، ولفرسه سهمٌ واحد) قال الخلال (١): تواترت الرواية عن أبي عبد الله بذلك؛ لما روى مكحول: "أنَّ النبي ﷺ أعطَى الفرسَ العربيَّ سهمينِ وأعطى الهجينَ سهْمًا" رواه سعيد وأبو داود في مراسيله (٢)، وروي موصولًا (٣). قال عبد الحق: والمرسل أصح (٤).
ولأن نفع العِراب وأثرها في الحرب أفضل، فيكون سهمه أرجح،
стр. 2980
لتفاضل من يرضخ له.
(وإن غزا اثنان على فرس لهما، هذا عُقْبة (١) وهذا عُقبة، والسهم) أي: سهم الفرس (لهما) على حسب ملكيهما (فلا بأس) نص عليه (٢).
(ولا يُسهم لأكثر من فرسين) نص عليه (٣)؛ لما روى الأوزاعي: "أن النبيَّ ﷺ كان يُسهِم للخيل، وكان لا يُسهِم للرَّجُل فوق فرسين، وإن كان معه عشرَةُ أفراسٍ" (٤). ولأن به حاجة إلى الثاني، بخلاف الثالث.
(ولا) يُسهم (لغير الخيل، كفيل وبعير وبغل ونحوها، ولو عظم غَناؤها) بفتح الغين المعجمة، أي: نفعُها (وقامت مقام الخيل) لأنه لم ينقل عنه ﷺ أنه أسهم لغير الخيل، وقد كان معه يوم بدر سبعون بعيرًا، ولم تخل غزاة (٥) من الإبل، بل هي غالب دوابهم. وكذا أصحابه من بعده، لم يعلم أنهم أسهموا لغير الخيل، ولو أُسْهِمَ لها لنُقِلَ؛ ولأن غير الخيل لا يلحق بها في التأثير في الحرب، ولا يصلح للْكَرِّ والفرِّ، فلم يلحق بها في الإسهام.
(ومن استعار فرسًا، أو استأجره، أو كان) الفرس (حبيسًا، وشَهِد به الوقعة، فله سهمه) لأنه يستحق نفعه فاستحق سهمه. ويُعطى راكب الحبيس نفقة الحبيس من سهمه؛ لأنه نماؤه.
стр. 2981
(وإن غصبه) أي: الفرس، فغزا عليه (ولو) كان الغاصب للفرس (من أهل الرَّضْخِ) كالعبد والمرأة؛ لأن الجناية من راكبه، فيختص المنع به (فقاتَل) الغاصبُ (عليه، فسهم الفرس لمالكه) لأن استحقاق نفع الفرس مرتَّب على نفعه، وهو لمالكه، فكذا السهم.
(ومن دخل دارَ الحرب راجلًا، ثم مَلَك فرسًا، أو استعاره، أو استأجره، وشَهِد به الوقعة، فله سهم فارس، ولو صار بعد الوقعة راجلًا) لأن العبرة باستحقاق سهم الفرس أن يشهد به الوقعةَ، لا حال دخول دار الحرب، ولا ما بعد الوقعة (١)؛ ولأن الفرس حيوان يُسهم له، فاعتبر وجوده حالة القتال كالآدمي.
(وإن دخلها) أي: دار الحرب (فارسًا، ثم حضر الوقعةَ راجلًا حتى فرغ الحربُ؛ لموت فرسه، أو شروده، أو غير ذلك) كمرضه (فله سهم راجل، ولو صار فارسًا بعد الوقعة) اعتبارًا بحال شهودها كما تقدم.
(ويَحرم قول الإمام: من أخذ شيئًا فهو له) لأنه ﷺ والخلفاء بعدَه كانوا يقسمون الغنائم، ولأن ذلك يفضي إلى اشتغالهم بالنَّهب عن القتال، وإلى ظَفَرِ العدو بهم؛ ولأن الغُزاة اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية (ولا يستحقُّه) أي: لا يستحق الشيءَ آخذُه (٢)، بل يأتي به المغنمَ؛ ليُقسم.
(وقيل: يجوز لمصلحة) لقوله ﷺ يوم بدر: "من أخذَ شيئًا فهو لهُ" (٣). ورُدَّ: بأن قضية بدر لما اختلف فيها، نسخت بقوله تعالى:
"تتمة": قال في "السياسة الشرعية" (١): فإن ترك الإمام الجمع والقسمة، وأذِنَ في الأخذ إذنًا جائزًا، فمن أخذ شيئًا بلا عدوان، حلَّ له بعد تخميسه. وكل ما دلَّ على الإذن فهو إذن. وأما إذا لم يأذن، أو أذن إذنًا غير جائز، جاز للإنسان أن يأخذ مقدار ما يصيبه بالقسمة، متحرِّيًا للعدل في ذلك.
(ويجوز تفضيل بعض الغانمين على بعض لغَناءٍ) - بفتح الغين المعجمة - أي: نفع كما تقدم (فيه، كشجاعة ونحوها) كالرأي والتدبير؛ لأنه يجوز له أن ينفل ويعطي السَّلَب فجاز له التفضيل لذلك.
(وإلا) أي: وإن لم يكن التفضيل لغَناءٍ فيه (حَرُمَ) عليه؛ لأن الغانمين اشتركوا في الغنيمة على سبيل التسوية، فوجب التعديل بينهم، كسائر الشركاء.
(ولا تصح الإجارة على الجهاد، ولو كان) الأجير (ممن لا يلزمه) الجهاد كالعبد والمرأة؛ لأنه عمل يختصُّ فاعله أن يكون من أهل القُرْبة، أشبه الصلاة، (فيرُدُّ) الأجير (الأُجرة) لبطلان الإجارة (وله سهمه) إن كان من أهل الإسهام (أو رَضْخُه) إن لم يكن من أهل الإسهام.
(ومن أَجَّر نفسه بعد أن غنموا على حفظ الغنيمة، أو حملها وسَوْق الدواب ورعيها ونحوه، أُبيح له أخذ الأجرة على ذلك، ولم يسقط من سهمه شيء) لأن ذلك من مؤنة الغنيمة، فهو كعلف الدواب وطعام السبي، يجوز للإمام بذله، ويُباح للأجير أَخْذ الأجرة عليه؛ لأنه قد أجر نفسه لِفِعْلٍ للمسلمين إليه حاجة، فحلَّت له الأُجرة، كالدليل على الطريق.
стр. 2984
(ولو أَجَّر نفسه) لذلك (بدابة معيَّنة من المغنم، أو جعلت أجرته ركوب دابة منها، صَحَّ) ذلك، كما لو أوجر (١) بنقد منها.
(و من مات بعد انقضاء الحرب، فسهمُه لوارثه ؛ لاستحقاق الميت له بانقضاء الحرب، ولو قبل إحراز الغنيمة) لأنه أدركها في حال لو قُسمت فيه صحَّت قسمتها، وكان له سهمه منها، فيجب أن يستحقَّ سهمه فيها، كما لو مات بعد إحرازها في دار الإسلام، ولقول عمر: "الغنيمةُ لمن شَهِدَ الوَقْعةَ" (٢)، وهذا قد شهدها.
(و يُشارك الجيشُ سراياه فيما غنمت، وتُشاركه فيما غَنِم) أي: أيهما غَنِم شاركه الآخر، نص عليه (٣)؛ لأنه ﷺ "لمَّا غزا هوازن بَعَثَ سَريَّةً من الجيشِ قِبَلَ أوْطَاس، فغَنِمَتْ فشاركَ بينها وبين الجيشِ" (٤)؛ ولأن الجميع جيش واحد، وكل منهما رِدْءٌ لصاحبه، فلم يختصَّ بعضهم بالغنيمة، كأحد جانبي الجيش، وهذه الشركة بعد النَّفْل (وتقدم في الباب قبله.
وإن أقام الأمير ببلاد الإسلام وبعث سرية، فما غنمت فهو لها) بعد
стр. 2985
الخُمْس؛ لانفرادها بالغزو، والمقيم بدار الإسلام ليس بمجاهد.
(وإن نَفَذَ (١)) الإمام (جيشين أو سريتين، فكلُّ واحدة منفردة بما غنمته) لانفرادها بالقتال عليه.
(وإذا (٢) قُسمت الغنيمة في أرض الحرب، فتبايعوها، أو تبايعوا غيرها، ثم غلب عليها العدوُّ، فهي من ضمان مُشترٍ) لأنها مال مقبوض يجوز له التصرُّف فيه، أشبه سائر أمواله (وكذا لو تبايعوا شيئًا في دار الإسلام زمن خوف ونَهْبٍ ونحوه) فاستولى عليه العدو، فإنه من مال المشتري.
(و للإمام البيعُ من الغنيمة قبل القسمة لمصلحةٍ) لأن ولايته ثابتة عليها، أشبه وليَّ اليتيم، وسواء كان البيع للغانمين أو غيرهم.
(ومن وطئ جاريةً من المغنم قبل قَسْمِه ممن له فيها حق أو لولده، أُدِّب) لأنه وطء حرام؛ لكونه في ملك مشترك (ولم يبلغ به الحدّ) لأن له في الغنيمة ملكًا، أو شُبهة ملك، فيُدرأ عنه الحدُّ للشُّبهة (وعليه مهرُها يُطرح في المَقْسم) لأنها ليست مملوكة له، أشبه وطء أَمَة الغير، ولا يسقط عنه من المهر بقَدْر ملكه، كالمشتركة، خلافًا للقاضي؛ لأن مقدار حقه يعسر العلم به، ولا ضرر عليه بوضع المهر في الغنيمة، فيعود إليه حقّه (إلا أن تَلِدَ منه فيكون عليه قيمتُها) لأنه فوَّتها على الغانمين، كما لو أتلفها، وحينئذ تُطرح في الغنيمة، فإن كان معسرًا كانت في ذِمته (فقط) أي: دون مهرها وقيمة الولد؛ لأنه ملكها حين علقت، فلم يكن للغانمين
стр. 2986
سوى قيمتها.
(وتصير أُمَّ ولدٍ له) ولو كان معسِرًا؛ لأنه استيلاد صيَّر بعضها أم ولد، فيجعل جميعها كذلك، كاستيلاد جارية ابنه، وهو أقوى من العتق؛ لكونه فعلًا، وينفذ من المجنون (١) (والولد حُرٌّ ثابت النسب) للشُّبهة.
(و لا يتزوَّج في أرض العدو) لئلا يُسترق ولده (ويأتي في النكاح) مفصَّلًا.
(وإذا أعتق بعضُ الغانمين أسيرًا من الغنيمة، أو كان يعتِقُ عليه) كأبيه وابنه وأخيه (عَتَق عليه إن كان قَدْر حقِّه) لأن ملكه ثبت عليه في شركة الغانمين باستيلائهم عليه، أشبه المملوك بالإرث (وإلا) أي: وإن لم يكن قَدْر حقِّه بأن زاد (فكمُعتِق شِقصًا) من مشترك يعتق قَدْر ما يملكه، وباقيه بالسراية إن كان موسرًا بقيمة الباقي، وإلا؛ فبقدر ما هو موسر به منها.
(وقَطَع في "المغني" وغيره) "كالشرح": (ولا يَعتق رجلٌ) حرٌّ مقاتل أُسر (٢) بالإعتاق (قبل خِيرَةِ الإمام) لأن العباس عمَّ النبي ﷺ وعمّ عليٍّ، وعقيلًا أخا علي، كانا في أسرى بدر، ولم يعتقا عليهما (٣)، ولأنه إنما يصير رقيقًا بالاسترقاق، فيُحمل الكلام على من استرق منهم، أو
стр. 2987
يصير رقيقًا بنفس السبي، كالنساء والصبيان.
(ويحرم الغُلُول، وهو كبيرة) للوعيد عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١).
(والغالُّ من الغنيمة - وهو مَنْ كَتَم ما غَنِمه، أو) كَتَم (بعضه - يجب حَرْقُ رَحْلِه كله) لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر حَرَّقوا متاع الغالِّ" رواه أبو داود (٢). ولحديث عمر بن الخطاب: أن النبي ﷺ أمرَهُ بذلك. رواه سعيد والأثرم (٣).
стр. 2988
واختار جماعة أن ذلك من باب التعزير، لا الحدِّ الواجب، فيجتهد الإمام بحسب المصلحة، قال في "الفروع": وهو أظهر.
(ما لم يكن باعه أو وَهَبه) فلا يُحرق، ولأنه (١) عقوبة لغير الجاني.
(إذا كان) الغالُّ (حيًّا) فإن مات قبل إحراقه، لم يُحرق. نصَّ عليه (٢)؛ لأنه عقوبة، فتسقط بالموت، كالحدود (حرًّا) فإن كان رقيقًا، لم يحرق رَحْله؛ لأنه لسيده، ولا يُعاقب بجناية عبده (مكلَّفًا) لأن الإحراق عقوبة، وغير المكلَّف ليس من أهلها (ولو) كان الغال (أُنثى أو ذِميًّا) لأنهما من أهل العقوبة، ولذلك يقطعان في السرقة، وغير الملتزم لأحكامنا لا يُحرق متاعه.
стр. 2989
(إلا سلاحًا) لأنه يحتاج إليه في القتال (ومصحفًا) وجلده وكيسه وما يتبعه، لحُرمته (وكُتُب عِلم) لأنه ليس القصد الإضرار به في دِينه، بل في بعض دنياه.
(وحيوانًا بآلته من سَرْج، ولجام، وجلٍّ، ورَحْل، ونحوه وعَلَفِه) لأنه يحتاج إليه، ولنهيه ﷺ أن يعذِّب بالنار إلا ربُّها (١).
(وثيابَ الغال التي عليه) فلا تُحرق؛ تبعًا له (ونفقَته) لأنها لا تحرق عادة (وسهمَه) لأنه لم يكن من رحله حال الغلول (وما غلَّه) لأنه للغانمين.
(ولا يُحرَم) الغال (سهمَه) من الغنيمة؛ لأن سبب الاستحقاق موجود فيستحق، كما لو لم يغل، ولم يثبت حرمان سهمه في خبر، ولا يدلّ عليه قياس، فبقي بحاله (وما لم تأكله النار) كالحديد (أو استُثني من التحريق، فهو له) أي: للغال.
(ويعزَّر) الغالُّ (مع ذلك بالضرب ونحوه) لأنه فَعَل محرَّمًا، وهو الغلول (ولا يُنفى) لعدم وروده (ويؤخذ ما غلَّ للمغنم) لأنه حق للغانمين، فتعين ردُّه إليهم.
(فإن تاب قبل القسمة، ردَّ ما أخذه في المغنم) لما سبق (وإن تاب) الغال (بعدها) أي: القسمة (أعطى الإمام خُمسَه، وتصدق ببقيته عن مستحقيه) لأنه مال لا يُعرف مستحقوه، وهذا قول ابن مسعود (٢) ومعاوية (٣)، ولم يُعرف لهما مخالف في عصرهما.
стр. 2990
(ومن سرق من الغنيمة، أو ستر على الغال، أو أخذ منه) أي: من الغال (ما أهْدَى له منها) أي: من الغنيمة، أي: مما غلَّه منها (أو باعه إمامٌ وحاباه، فليس بغالٍّ) لعدم صدق حدِّه عليه (ولا يُحرق رَحْله) لأنه ليس بغال.
(وإن لم يُحرق رَحْل الغالِّ حتى استحدث متاعًا آخر ورجع إلى بلده) أو لم يرجع (أُحرق ما كان معه حال الغلول) دون المستحدث؛ اعتبارًا بوقت الجناية.
(و لو غلَّ عبدٌ أو صبي، لم يُحرَّق رَحْله) لما تقدم.
(وإن استهلك العبد ما غلَّه، فهو في رقبته) كأرش جنايته.
(ومن أنكر الغُلُول، وذكر أنه ابتاع ما بيده، لم يحرق متاعه) لأن الأصل عدم الغُلُول، والحدود تُدرأ بالشُّبهات (حتى يثبت) الغُلُول (ببينة أو إقرار، ولا يقبل في بيِّنة (١) إلا) رجلان (عدلان) لأنه مما يطلع عليه الرجال غالبًا، ويوجب عقوبة، أشبه سائر ما يوجب التعزير.
(وما أُخذ (٢) من الفدية) أي: فدية الأسارى، فغنيمة بغير خلاف نعلمه؛ لأنه ﷺ قسم فداء أسارى بدر بين الغانمين (٣)، ولأنه مال حصل بقوة الجيش، أشبه السلاح (أو أهداه الكفار لأمير الجيش أو لبعض قُوَّاده) جمع قائد، وهو: نائبه (أو) أهداه الكفَّار لـ (بعض الغانمين في دار الحرب، فـ) ـهو (غنيمة) للجيش؛ لأن ذلك فُعِل خوفًا من الجيش، فيكون غنيمة كما لو أخذه بغيرها، فلو كانت الهدية بدارنا، فهي لمن
стр. 2991
أُهديت له (١)؛ لأنه ﷺ قَبِلَ هدية المُقوقس (٢)، واختص بها.
(ولنا قَطْعُ شجرنا المُثمر إن خِفْنا أن يأخذوه، وليس لنا قَتْلُ نسائنا وصغارنا، وإن خِفنا أن يأخذوهم، قاله في "الرعاية") لعصمة النساء والذرية، وأما الشجر فمال، وإتلافه لمصلحة جائز.
стр. 2992
باب حكم الأرضين المغنومة
يعني: المأخوذةَ من الكفار بقتال أو غيره (وهي) الأرضون (على ثلاثة أضرب) للاستقراء:
(أحدها: ما فُتح عَنوة) أي: قهرًا وغلبة، من عَنَا يَعْنُو إذا ذَلَّ وخضع.
(وهي) شرعًا (ما أُجلي عنها أهلُها بالسيف، فيخير الإمام فيها تخييرَ مصلحة) كالتخيير في الأسارى، فيلزمه أن يفعل ما يراه أصلح (لا) تخيير (تَشَهٍّ) لأنه نائب المسلمين، فلا يفعل إلا ما فيه صلاحهم (بين قسمتها) على الغانمين (كمنقول) لأنه ﷺ "قَسَمَ نصفَ خيبرَ، ووقَفَ نصفَها لنوائِبه وحوائِجه" رواه أبو داود من حديث سهل بن أبي حثمة (١).
стр. 2993
(فتُملك) الأرض التي فتحت عَنوة وقُسمت بين الغانمين (به) أي: بقسمها (ولا خراج عليها) لأنها ملك للغانمين.
(ولا) خراج أيضًا (على ما أسلم أهله عليه، كالمدينة، أو صُولح أهله) على (أن الأرض لهم، كأرض اليمن (١) والحِيْرة) بكسر الحاء المهملة، مدينة قرب الكوفة (وبانِقْيَا) (٢) بالباء الموحدة وكسر النون وسكون القاف بعدها ياء مثناة تحت (أو أحياه المسلمون كأرض البصرة) بتثليث الباء.
(وبين وقفِها للمسلمين) كما وقف عمر الشَّام ومصر والعراق، وسائر ما فتحه، وأقرَّه الصحابة على ذلك. وعن عمر قال: "أما والذي نفسي بيده لولا أن أتركَ آخرَ الناسِ بيانًا (٣) - أي: لا شيء لهم - ما فُتحتْ عليَّ قريةٌ إلا قسمتُها كما قسم رسول الله خيبرَ، ولكنِّي أتركُها لهم خزانةً
стр. 2994
يقتَسِمُونها" رواه البخاري (١) (بلفظ يحصُل به الوقف) لأن الوقف لا يثبت بنفسه، فحكمها قبل الوقف حكم المنقول. وقال في "أحكام الذمة" (٢): معنى وقفها: تركها على حالها لم يقسمها بين الغانمين، لا أنه أنشأ تحبيسها وتسبيلها على المسلمين، هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ولا عُمر، ولا أحد من الأئمة بعده.
(فيمتنع (٣) بيعُها ونحوه) كهبتها بعد وقفها، كسائر الوقوف. ويأتي ما فيه في أول البيع.
(ويضرب عليها) الإمام بعد وقفها (خراجًا مستمرًّا، يؤخذ ممن هي في يده من مسلم ومعاهد يكون أجرة لها) لما روى أبو عبيد في كتاب "الأموال" عن الماجشُونِ: قال بلال لعمر بن الخطاب في القُرى التي افتتحوها عَنوة: "اقسِمْها بيننا، وخذ خُمسها، فقال عمر: لا، ولكنِّي أُحَبِّسهُ، فيجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه: اقسمها، فقال عُمر: اللهُمَّ اكفِني بلالًا وذَوِيْهِ، فما حال الحول ومنهم عين تطرف" (٤).
стр. 2995
قال القاضي: ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا أحد من الخلفاء أنه قسم أرضًا أُخذت عَنوة إلا خيبر.
وفي "المحرر" (١): أو يُملِّكُها لأهلها أو غيرهم بخراج، فدلَّ كلامهم أنه لو ملكها بغير خراج كما فعل النبي ﷺ في مكة، لم يجز، وقاله أبو عبيد (٢)؛ لأنها مسجدٌ لجماعة المسلمين، وهي مباح (٣) من سبق، بخلاف بقية البلدان. قاله في "المبدع".
(ويلزمُه) أي: الإمام (فِعلُ الأصلح) للمسلمين من القسمة أو الوقف؛ لما تقدم.
(وليس لأحد نقضُه) لأنه حكم (ولا نقضُ ما فَعَله النبي ﷺ من وقف، أو قسمة، أو فعله الأئمة بعده، ولا تَغْييرُهُ) أي: تغيير ما تقدم ذكره؛ لأنه نقضٌ للحكم اللازم، وإنما التخيير والاختلاف فيما استؤنف فتحه.
الضرب (الثاني) من الأضرب الثلاثة: (ما جلا عنها أهلُها خوفًا) وفزعًا منَّا (وظهرنا عليها، فتصير وقفًا بنفس الظهور عليها) قدَّمه في "المقنع" وغيره.
قال في "الإنصاف": هذا المذهب، وعليه الأصحاب، وجزم به
стр. 2996
في "الوجيز" وغيره، وقدَّمه في "المغني" و"المحرر" و"الشرح" و"الفروع" وغيرهم. انتهى؛ لأنها ليست غنيمة فَتُقسم، فيكون حكمها حكم الفيء، أي: للمسلمين كلهم.
وعنه (١): حكمها حكم العَنْوة قياسًا عليها، فلا تصير وقفًا، حتى يقفها الإمام. وقَطَعَ بها في "التنقيح"، وتبعه في "المنتهى".
قال في "المبدع": لكن لا تصير وقفًا إلا بوقف الإمام لها، صرَّح به الجماعة؛ لأن الوقف لا يثبت بنفسه؛ فعلى هذا: حكمها قبل وقف الإمام كالمنقول؛ يجوز بيعها والمعاوضة بها، وعلى الأُولى: يمتنع.
الضرب (الثالث: ما صُولحوا عليه) من الأرض (وهو ضربان:
أحدهما: أن يصالحهم) الإمام أو نائبه (على أن الأرض لنا، ونُقِرُّها معهم بالخراج، فهذه) الأرض (تصير وقفًا بنفس ملكنا لها، كالتي قبلها) على الخلاف السابق بلا فرق.
(وهما) أي: المُصالَحُ على أنها لنا ونُقِرُّها معهم بالخراج، وما جَلوا عنها خوفًا منا (دار إسلام، سواء سكنها المسلمون أو أُقِرَّ أهلها عليها) كأرض العَنْوة.
(ولا يجوز إقرار كافر بها سَنَةً إلا بجزية، ولا إقرارهم) أي: الكفار (بها على وجه المِلْك لهم) لأنها دار إسلام، كأرض العَنْوة.
(ويكون خراجها أُجْرة) لها (لا يسقط بإسلامهم، ويؤخذ) الخراج (منهم وممن انتقلت إليه من مسلم ومعاهد) كسائر الأجر.
(وما كان فيها) أي: في أرض الخراج (من شجر وقت الوقف، فثمرُه المستقبل لمن تُقَرُّ بيده) الأرض (فيه عُشْرُ الزكاة) قال في
стр. 2997
"الإنصاف": هذا الصحيح من المذهب، قدَّمه في "الفروع" و"المحرر" و"الحاويين"، وقيل: هو للمسلمين بلا عُشر، جزم به في "الترغيب" (كـ) ــالشجرة (١) (المتجدِّد فيها) أي: في الأرض الخراجية، فإن ثمرته لمن جدَّده، وفيها عُشر الزكاة بشرطه.
(الضرب الثاني) مما صُولحوا عليه: (أن يُصالحهم) الإمامُ أو نائبه (على أنها) أي: الأرض (لهم، ولنا الخراجُ عنها) فهو صلح صحيح لا مفسدة فيه (فهذه مِلْكٌ لهم) أي: لأربابها وتصير دارَ عهد (خراجها كالجزية) التي تؤخذ على رؤوسهم ما دامت بأيديهم.
(إن أسلموا سقط عنهم) لأن الخراج الذي ضُرِب عليها إنما كان لأجل كفرهم، فيسقط بإسلامهم كالجزية، وتبقى الأرض ملكًا لهم بغير خراج يتصرَّفون فيها كيف شاؤوا.
(كما لو انتقلت) هذه الأرض (إلى مسلم) فإنه لا خراج عليه؛ لأنه قُصد بوضعه الصَّغار، فوجب سقوطه بالإسلام كالجزية.
و (لا) يسقط خراجها إن انتقلت (إلى ذِمِّي من غير أهل الصلح) لأنه بالشراء رضي بدخوله فيما دخل عليه البائع، فكأنه التزمه.
(ويُقَرُّون فيها) أي: في الأرض التي صُولحوا على أنها لهم (بغير جِزية ما أقاموا على الصلح؛ لأنها دار عهد، بخلاف ما قبلها) من أرض العَنْوة، وما جلوا عنه خوفًا مِنَّا، وما صُولحوا على أنه لنا، فلا يُقَرُّون فيها إلا بجزية؛ لأنها دار إسلام.
стр. 2998
فصل
(والمرجع في الخَراج والجِزية إلى اجتهاد الإمام في زيادة ونقص) قال الخلال: رواه الجماعة (١)، وعليه مشايخنا؛ لأنه مصروف في المصالح، فكان مفوَّضًا إلى اجتهاد الإمام.
(و يُعتبر الخراجُ بقَدْر ما تحتملُه الأرض) التي يضعه عليها؛ لأنه أجرة لها، ويختلف باختلافها، وهذا في ابتداء الوضع.
وأما ما وضعه إمام، فلا يُغيِّره آخر ما لم يتغير السبب، كما يدلُّ عليه كلام القاضي في "الأحكام السلطانية" (٢). وكلام الأصحاب - أيضًا - في نظائره، وقد أوضحته في "حاشية المنتهى".
(وعنه (٣): يُرجع إلى ما ضربه) أمير المؤمنين (عمر) بن الخطاب ﵁ فـ (لا يُزاد) عليه (ولا يُنقص) عنه؛ لأن اجتهاد عمر أَولى من قول غيره، كيف كان، ولم ينكره أحد من الصحابة مع شهرته، فكان كالإجماع.
(وقد رُوي عنه) أي: عن عمر رضي الله تعالى عنه (في الخراج روايات مختلفة (٤).
стр. 2999
قال في "المحرر": والأشهر عنه أنه جعل على جَريب الزرع درهمًا وقفيزًا من طعامه، وعلى جَريب النخل ثمانيةَ دراهم، وعلى جَريب الكَرْم عشرةَ) دراهم (وعلى جَريب الرطبة (١) ستة) دراهم (٢). قال في "المبدع": هذا هو الذي وَظَّفَه (٣) عمر في أصح الروايات عنه.
(وظاهر ذلك: أن جَريب الزرع والحنطة وغيرها سواء في ذلك) لإطلاق قوله: "على جَريبِ الزرعِ درهمًا وقفيزًا من طعامِه" وقال في "المقنع": قال أحمد (٤)، وأبو عبيد، أي: القاسم بن سلام (٥): أعلى وأصحّ حديث في أرض السواد حديث عَمرو بن ميمون (٦) يعني: أن عمر وضَعَ على كلِّ جَريبٍ درهمًا وقفيزًا. انتهى، وجزم بمعناه في
стр. 3000
"المنتهى"، لكن حمله في "المبدع" على ما ذكر المصنف.
(وفي) "الهداية" لأبي خطاب و ("الرعايتين" خراج عمر ﵁ على جَريب الشعير درهمان، والحنطة أربعةُ) دراهم (والرطبة ستةُ) دراهم (والنخل ثمانية) دراهم (والكرم عشرةُ) دراهم (والزيتون اثنا عشر) درهمًا، وهذا رواه أبو عبيد عن عمر "أنه بعثَ عثمان بن حنيف لمساحَةِ أرضِ السواد، فضربَهُ" (١)، والروايات مختلفة في ذلك (٢)، فالأخذ بالأعلى والأصح - وهو حديث عمرو بن ميمون - أَولى (ويأتي ما ضربه) عمر (في الجِزية.
والقفيز ثمانية أرطال، قال القاضي وجمعٌ: بالمكي) لأن الرطل العراقي لم يكن، وإنما كان المكي (و) قال (المجد وجمعٌ: بالعراقي) لأنه هو الذي كان معروفًا بالعراق، وهو المُسمَّى بالقفيز الحجَّاجي.
قال في "المبدع": وينبغي أن يكون من جنس ما تخرجه الأرض حنطة أو شعيرًا، ذكره في "الكافي" و"الشرح".
(فعلى الأول يكون) القفيز (ستة عشر رطلًا بالعراقي، وهو الصحيح) قال في "الإنصاف": هذا الصحيح قدَّمه في "الشرح"، وقال:
стр. 3001
نصَّ عليه (١) انتهى. وقطع به في "المقنع".
(و) القفيز على القول (الثاني، وهو قفيز الحجَّاج، وهو صاعُ عمرَ نصًّا (٢). والقفيز الهاشمي مكُّوكان (٣)، وهو ثلاثون رطلًا عراقية) وحكاه أبو بكر هنا قولًا.
(والجريب عشر قَصَبات في عشر قَصَبات) أي: مائة قصبة مكسَّرة، ومعنى الكسر: ضرب أحد العددين في الآخر، فيصير أحدهما كسرًا للآخر.
(والقصبة) ما تُمْسَح به المزارعُ كالذراع للبزّ، واختير القصب على غيره؛ لأنه لا يطول ولا يقصر، وهو أخف من الخشب، وهي (ستة أذرع بذراع عمر).
قال في "المبدع": والمعروف بالذراع الهاشمية، سمَّاه المنصور به، (وهو ذراعٌ وسط) أي: بيد الرجل المتوسط الطول (وقبضةٌ، وإبهامٌ قائمة) وهو معروف بين الناس.
(فيكون الجَريب ثلاثة آلاف ذراع وستمائة ذراع مكسَّرًا) لأن القصبة ستة أذرع في مثلها، فتكون ستة وثلاثين ذراعًا مكسَّرة تضربها في مكسر الجَريب، وهو مائة ذراع، يخرج ما ذكر، فَعُلِم أن الجَريب ربع فدَّان بِعُرف مصر.
(وما بين الشجر من بياض الأرض) وهو الخالي من الشجر (تَبَعٌ
стр. 3002
لها) أي: للشجر، فلا يؤخذ سوى خراج الشجر.
(والخراج على المزارع دون المساكن) لما تقدم عن عمر (حتى مساكن مكة) فلا خراج عليها (ولا خراج على مزارعها) أي: مكة، ولا على مزارع الحَرَم؛ لأن النبي ﷺ لم يضرب عليها شيئًا، ولأن الخراج جِزية الأرض، ولا يجوز إعطاؤها عن أرض مكة.
(وإنما كان) الإمام (أحمد يمسح دارَه) ببغداد (ويُخْرِجُ عنها) الخراج، فيتصدق به (١) (لأن بغداد كانت حين فُتحت مزارع) ومقتضى ذلك: أن ما كان مزارع حين فَتْحه؛ وجُعل مساكن؛ يجب فيه الخراج. وظاهر كلامهم خلافه، ويُحمل فِعْلُ الإمام على الورع؛ بدليل أنه لم يأمر به أهل بغداد عامة.
(ويجب خراج ما لَهُ ماءٌ (٢) يُسقى به إن زُرع) نبت أو لم ينبت؛ لاستيفاء المنفعة (وإن لم يُزرع؛ فخراجه خراجُ أقلِّ ما يُزرع) على ما تقدم بيانه.
(ولا خراج على ما لا يناله الماءُ إذا لم يمكن زَرْعُه) لأن الخراج أُجرة الأرض، وما لا منفعة فيه لا أُجرة له، وعبارة "المنتهى": لا على ما لا يناله ماء، ولو أمكن زرعه وإحياؤه، ولم يفعل.
(وإن أمكن زَرْعُه عامًا ويُراح عامًا عادةً، وجب نصف خراجه في كلِّ عام) لأن نفع الأرض على النصف، فكذا الخراج؛ لكونه في مقابلة النفع.
стр. 3003
(قال الشيخ (١): ولو يبست الكروم بجراد أو غيره، سقط من الخراج حسبما تعطَّل من النفع) لأن الخراج في نظير النفع، كما تقدم.
(وإذا لم يمكن النفع به ببيع، أو إجارة، أو عمارة، أو غيره، لم يجز المطالبة بالخراج) انتهى. لأن ما لا منفعة فيه لا خراج له.
(و الخراج) يجب (على المالك دون المستأجر والمستعير) لأنه على الرقبة، وهي للمالك، كفطرة العبد، بخلاف العشر (وتقدم في) باب (زكاة الخارج من الأرض (٢).
وهو) أي: الخراج (كالدَّين) قال أحمد (٣): يؤديه ثم يزكِّي ما بقي (يُحبس به المُوسِرُ) لأنه حق عليه، أشبه أجرة المساكن (ويُنْظَر به المُعسِرُ) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٤).
(ومن كان في يده أرض) خراجية (فهو أحقُّ بها بالخراج كالمستأجر) إلا أن مدة الإجارة لم تقدر للحاجة.
(وتنتقل) الأرض الخراجية عمَّن مات (إلى وارثه من بعده على الوجه الذي كانت) عليه (في يد مورثِه) كسائر حقوقه.
(فإن آثر) الذي بيده أرض خراجية (بها أحدًا ببيع أو غيره، صار الثاني أحق بها) من غيره؛ لقيامه مقام الأول.
(ومعنى البيع هنا: بَذْلُها بما عليها من خراج إن منعنا بيعها الحقيقي) كما هو المذهب؛ لما تقدم من أنَّ عمر وقفها، وأقرَّها بأيدي أربابها بالخراج، والوقف لا يُباع إلا إذا تعطَّلت مصالحه على ما يأتي.
стр. 3004
(وإن عجز مَنْ هي) أي: الأرض الخراجية (في يده عن عمارتها، و) عن (أداء خراجها، أُجبر على إيجارها، أو رَفْع يده عنها؛ لتدفع إلى من يعمرها، ويقوم بخراجها) لأن الأرض للمسلمين، فلا يجوز تعطيلها عليهم.
(ويجوز شراء أرض الخراج استنقاذًا، كاستنقاذ الأسير، ومعنى الشراء: أن تنتقل الأرض) إليه (بما عليها من خراجها) لامتناع الشراء الحقيقي لما تقدم.
(ويُكره شراؤها) أي: الخراجية (للمسلم) لما في دفع الخراج من الذُّلِّ والهوان.
"تتمة": إن اختلف العامل وربُّ الأرض في كونها خراجية أو عشرية، وأمكن قولُ كلٍّ منهما، فقول ربِّ الأرض، فإن اتُّهم، استُحلف، ويجوز أن يُعتمد في مثل هذا على الشواهد الديوانية السلطانية إذا عُلم صحتها ووُثِق بكتابتها، ولم يتطرَّق إليها تُهمة.
(ويجوز لصاحب الأرض) الخراجية (أن يرشوَ العاملَ) القابض لخراجه (ويُهدِي له؛ لدفع ظُلمِه في خَراجه) لأنه يتوصَّل بذلك إلى كف اليد العادِيَة عنه.
و (لا) يجوز له أن يرشوَ ما يهديه (١) (ليدعَ له منه) أي: الخراج (شيئًا) لأنه يتوصَّل به إلى إبطال حق، فهو كرشوة الحاكم ليحكم له بغير الحق.
(فالرّشوةُ) بتثليث الراء (ما يُعطى) للمرتشي (بعد طلبه، والهدية الدفع إليه ابتداءً) أي: بغير طلب (ويَحرم على العامل الأخذُ فيهما)
стр. 3005
لحديث: "هدايا العمَّالِ غُلُول" (١) (ويأتي في) باب (أدب القاضي) بأوسع من هذا.
(ومن ظُلِم في خراجه لم يحتسِبْه من عُشْره) الواجب عليه في زرعه أو ثمره. قال أحمد (٢): لأنه غصب. وعنه (٣): بلى، اختاره أبو بكر.
(وإن رأى الإمامُ المصلحةَ في إسقاط الخراج عن إنسان) أو في (٤) (تخفيفه، جاز) لأنه لو أخذ الخراج وصار في يده، جاز له أن يخص به شخصًا إذا رأى المصلحة فيه؛ فجاز له تَرْكه بطريق الأَولى.
(و يجوز للإمام إقطاعُ (٥) الأراضي والمعادن والدُّور) التي لبيت المال (ويأتي بعضُه في) باب (إحياء الموات) موضحًا.
(والكُلَف التي تُطلب من البلد بحقٍّ أو غيره، يَحرم توفيرُ بعضِهم، وجَعْلُ قِسطه على غيره، ومن قام فيها بنية العدل وتقليل الظلم مهما أمكن لله) تعالى (فكالمجاهد في سبيل الله) تعالى (ذَكَره الشيخ (٦)) لقيامه بالقسط والإنصاف (ويأتي في) باب (المساقاة بعضه).
و ليس لأحد تفرقة خراج عليه بنفسه، ومصرف الخراج كفيء؛ لأنه منه كما يأتي.
стр. 3006
باب الفيء
أصله من الرجوع، يقال: فاءَ الظِّلُّ إذا رجع نحو المشرق. وسُمِّي المالُ الحاصل على ما يذكره فيئًا؛ لأنه رجع من المشركين إليهم (١)، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الآيتين (٢).
(وهو ما أُخذ من مال كافر بحقِّ الكفر) احترازًا عما أُخذ من ذِمِّي غصبًا ونحوه، أو ببيع ونحوه (بلا قتال) خرج الغنيمة (كجِزية، وخَراج، وزكاة تغلبي، وعُشر مال تجارة حربي) اتَّجر به إلينا (ونصفه) أي: نصف عشر مال تجارة (من ذِمي) اتَّجر إلى غير بلده (وما تركوه) فزعًا (وهربوا، أو بذلوه فزعًا مِنَّا في الهدنة وغيرها، وخُمُس خمسِ الغنيمة، ومال مَنْ مات منهم ولا وارث له) يستغرق (ومال المرتد إذا مات على رِدته) بقتلٍ أو غيره.
(فَيُصرف في مصالح) أهل (الإسلام) للآيتين، ولهذا لما قرأ عمر: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ﴾ حتى بلغ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٣) قال: "هذه استوعبت المسلمين". وقال أيضًا: "ما من أحد من المسلمين إلا لهُ في هذا المال نصيبٌ إلا العَبيدَ" (٤).
стр. 3007
وذكر أحمد (١) الفيء فقال: فيه حقٌّ لكل المسلمين، وهو بين الغني والفقير؛ ولأن المصالح نفعها عام، والحاجة داعية إلى فِعلها تحصيلًا لها.
(و يبدأ بالأهم فالأهم) من المصالح العامة لأهل الدار التي بها حِفْظ المسلمين، ف يبدأ (بجند المسلمين) الذين يَذبُّون عنهم.
(ثم بالأهم فالأهم من عمارة الثغور بمن فيه كفاية) وهم أهل القوة من الرجال الذين لهم منعة وأسْلِحتهم (وكفاية أهلها) أي: القيام بكفاية أهل الثغور (وما يحتاج إليه من يدفع عن المسلمين) من غير أهل الثغور (من السلاح والكُراع) أي: الخيل.
(ثم الأهم فالأهم من سد البُثُوق، جمع بَثْق) بتقديم الموحدة (وهو الخَرْق في أحد حافتي النهر) وهو جرف الجسور لحصول النفع بعلو الماء بسبب ذلك (وكَرْي الأنهار - أي: حفرها وتنظيفها - وعمل القناطر - أي: الجسور - و) إصلاح (الطُّرق والمساجد، وأرزاق القضاة، والأئمة، والمؤذِّنين والفقهاء، ومن يَحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه على المسلمين) لأن ذلك من المصالح العامة، أشبه الأول.
стр. 3008
(ولا يُخمَّس) لأن الله تعالى أضافه إلى أهل الخُمس كما أضاف خُمس الغنيمة، فإيجاب الخُمس فيه لأهله دون باقيه مَنْعٌ لما جعله الله تعالى لهم بغير دليل، ولو أُريد الخُمس منه لذكره الله تعالى، كما ذكره في خُمس الغنيمة، فلما لم يذكره ظهر إرادة الاستيعاب.
(وإن فَضَل عن المصالح منه) أي: من الفيء (فضلٌ، قُسم بين المسلمين غنيهم وفقيرهم) للآية، ولأنه مال فضَلَ عن حاجتهم، فقُسم بينهم كذلك، ويستوون فيه كالميراث (إلا عبيدَهم، فلا يُفرد العبدُ بالعطاء) نص عليه (١)؛ لأنه مال، فلا حَظَّ له فيه كالبهائم (بل يُزاد سيدُه) لأجله. وذكر الخطابي أن الصِّدِّيق أعْطى العبيد (٢).
стр. 3009
(وعنه (١): يُقدَّم المُحتاج. قال الشيخ (٢): وهو أصحّ عن أحمد) لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ ولأن المصلحة في حقّه أعظم منها في حقِّ غيره؛ لأنه لا يتمكَّن من حفظ نفسه من العدو بالعدة ولا بالهرب لفقره، بخلاف الغني.
(واختار أبو حكيم (٣) والشيخ (٤): لا حظَّ للرافضة فيه، وذكره في "الهدي" (٥) عن مالك وأحمد) لقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ (٦). وقيل (٧): يختص بالمقاتلة؛ لأنه كان لرسول الله ﷺ في حياته لحصول النُّصرة، فلما مات صارت بالخيل ومَنْ يَحْتَاجُ إليه المسلمون.
(ويكون العطاء كلَّ عامٍ مرةً أو مرتين) ولا يُجعل في أقل من ذلك؛ لئلا يشغلهم عن الغزو (ويُفرض للمقاتلة قَدْرُ كفايتهم وكفاية عيالهم) ليتفرَّغوا للجهاد.
(وتُسنُّ البداءةُ بأولاد المهاجرين) جمع مهاجر، اسم فاعل من هاجر، بمعنى هجر، ثم غُلِّبَ على الخروج من أرض إلى أخرى، وتُطلق الهجرة: بأن يترك الرجل أهله وماله، وينقطع بنفسه إلى مُهَاجَرهِ، ولا يرجع من ذلك بشيء. وهجرة الأعراب، وهي أن يدع البادية، ويغزو مع
стр. 3010
المسلمين، وهي دون الأولى في الأجر، والمراد هنا: أولاد المهاجرين الذين هجروا أوطانهم وخرجوا إلى رسول الله ﷺ ، وهم جماعة مخصوصون.
فيقدَّم منهم (الأقرب فالأقرب من رسول الله ﷺ ) لما روى أبو هريرة قال: قدِمَتْ على عمرَ ثمانيةُ آلاف درهمٍ، فلما أصبح أرسلَ إلى نفَرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقال لهم: قد جاءَ الناسَ مال لم يأتهم مثلهُ مذ كان الإسلامُ، أشيروا عليَّ، بمنْ أبدأ؟ قالوا: بكَ يا أمير المؤمنين، إنك وليُّ ذلك. قال: لا، ولكنْ أبدأُ برسولِ الله ﷺ الأقرب فالأقرب، فوضعَ الديوانَ على ذلك" (١).
(فيبدأ من قريش ببني هاشم) لأنهم أقربهم إلى رسول الله ﷺ .
(ثم بني المطلب) لقوله ﷺ : "إنما بنُو هاشم وبنُو المطلب شيءٌ واحِدٌ، وشبَّكَ بين أصابِعه" (٢).
(ثم بني عبد شمس) لأنه هو وهاشم أخوان لأب وأم.
(ثم بني نوفل) لأنه أخو هاشم لأبيه.
(ثم تُعطى (٣) بنو عبد العُزى) لأن فيهم أصهار رسول الله ﷺ ؛ فإن خديجة منهم.
(ثم بنو عبد الدار).
стр. 3011
ثم الأقرب فالأقرب (حتى تنقضي قريش) لما تقدم عن عمر.
(وقريش بنو النضر بن كنانة، وقيل: بنو فِهْر بن مالك بن النضْرِ) بن كنانَةَ، قاله في "الشرح" واقتصر عليه في "المبدع"، وقال الموفق في "التبيين" (١): هم بنو النضر بن كنانة على ما قال ﷺ : "نحنُ بنُو النَّضْرِ بنِ كنانَةَ (٢) وأطلق القولين في "المنتهى".
(ثم بأولاد الأنصار) وهم الحيَّان الأوس والخزرج، وقُدِّموا على
стр. 3012
غيرهم لسابقتهم وآثارهم الجميلة.
(ثم بسائر العرب) لفضلهم على من سواهم.
(ثم العجم، ثم الموالي) أي: العتقاء؛ ليحصُل التعميم بالدفع.
(وللإمام أن يفاضل بينهم بحسب السابقة) في الإسلام (ونحوها) كالشجاعة وحسن الرأي. وهذا قول عمر (١) وعثمان (٢). قال عمر: "لا أجعل من قاتَلَ على الإسلامِ كمنْ قُوتِلَ عليه" (٣). ولأنه ﷺ قسم النفل
стр. 3013
بين أهله متفاضلًا على قَدْرِ غَنائهم (١)، وهذا في معناه.
وقد فَرَضَ عمرُ لكلِّ واحدٍ من المهاجرين في أهل بدر خمسةَ آلاف خمسة آلاف، ولأهل بدرٍ من الأنصارِ أربعة آلافٍ (٢)، وفرض لأهلِ الحديبية ثلاثة آلافٍ ثلاثة آلافٍ، ولأهلِ الفَتْحِ ألفَيْنِ ألفَيْنِ" (٣) ولم يفضِّل أبو بكر (٤)، وعليّ (٥).
(وإن استوى اثنان من أهل الفيء) فيما تقدم (في درجة، قُدِّم أسبقهما إسلامًا) فإن استويا فيه (فأسنُّ) فإن استويا فيه (فأقدم هجرة وسابقة، ثم) إن استويا في جميع ذلك فـ (وليُّ الأمر مخيَّر إن شاء أقرع بينهما، وإن شاء رَتَّبهما على رأيه) أي: اجتهاده.
(وينبغي للإمام أن يضع ديوانًا يكتب فيه أسماء المقاتلة، و) يكتب فيه (قَدْر أرزاقهم) ضبطًا لهم، ولما قدر لهم.
(ويجعل لكل طائفة عَريفًا يقوم بأمرهم، ويجمعهم وقت العطاء ووقت الغزو) ليسهل الأمر على الإمام.
стр. 3014
(والعطاء الواجب لا يكون إلا لبالغ عاقل حُرٍّ بصيرٍ صحيح يُطيق القتال).
ويتعرَّف قَدْر حاجة أهل العطاء وكفايتهم، ويزيد ذا الولد من أجل ولده، وذا الفرس من أجل فرسه، وإن كان له عبيد في مصالح الحرب حسب مؤنتهم في كفايته، وإن كانوا لتجارة أو زينة، لم يحتسب مؤنتهم، وينظر في أسعار بلادهم؛ لأن الأسعار تختلف، والغرض الكفاية، ولهذا تُعتبر الذُّرية. قال الشارح (١): وهذا - والله أعلم - على قول من رأى التسوية، فأما من يرى التفضيل، فإنه يُفضِّل أهلَ السوابق والغَناء في الإسلام على غيرهم، بحسب ما يراه، كما فعل عمر ﵁ (٢)، ولم يُقدِّر ذلك بالكفاية.
(فإن مرض مرضًا غير مرجوِّ الزوال كزَمَانة ونحوها) كالسلِّ والفالج (خرج من المقاتلة، وسقط سهمُه) لخروجه عن أهلية القتال، بخلاف ما يُرجى زواله كالحُمَّى والصُّداع.
(و من مات بعد حلول وقت العطاء، دفع إلى ورثته حقّه) لأنه مات بعد الاستحقاق، فانتقل حقّه إلى ورثته كسائر الحقوق.
قلت: وقياسه جهات الأوقاف إذا مات بعد مضي زمن استحقاقه، يُعطى لورثته.
(ومن مات من أجناد المسلمين دُفع إلى امرأته وأولاده الصغار قَدْرُ كفايتهم) لتطيب قلوب المجاهدين؛ لأنهم إذا علموا أن عيالهم يُكفَون المؤنة بعد موتهم، توفَّروا على الجهاد بخلاف عكسه.
стр. 3015
(فإذا بلغ ذكورُهم أهلًا للقتال، واختاروا أن يكونوا مقاتِلة، فُرض لهم بطلبهم) لأهليتهم لذلك كآبائهم، وفي "الأحكام السلطانية" (١): مع الحاجة إليهم (وإلا) أي: وإن لم يبلغوا أهلًا للقتال، أو بلغوا كذلك، ولم يختاروا أن يكونوا مقاتلة (قُطع فَرْضهم) لعدم أهليتهم في الأول، وعدم إجبارهم (٢) في الثاني.
(و يَسقط فرض المرأة والبنات بالتزويج) لحصول الغنى به.
(وبيت المال ملكٌ للمسلمين يضمنه مُتلِفُه، ويَحرم الأخذ منه) والتصرف فيه (بلا إذن الإمام) ذكره في "عيون المسائل" و"الانتصار". وذكر القاضي وابنه: أن المالك غير معين (ويأتي) في باب ذوي الأرحام (أنه غير وارث) وإنما هو جهة ومصلحة.