← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ثم الأقرب فالأقرب (حتى تنقضي قريش) لما تقدم عن عمر. (وقريش بنو النضر بن كنانة، وقيل: بنو فِهْر بن مالك بن النضْرِ) بن كنانَةَ، قاله في "الشرح" واقتصر عليه في "المبدع"، وقال الموفق في "التبيين" (١): هم بنو النضر بن كنانة على ما قال ﷺ : "نحنُ بنُو النَّضْرِ بنِ كنانَةَ (٢) وأطلق القولين في "المنتهى". (ثم بأولاد الأنصار) وهم الحيَّان الأوس والخزرج، وقُدِّموا على

стр. 3012

غيرهم لسابقتهم وآثارهم الجميلة. (ثم بسائر العرب) لفضلهم على من سواهم. (ثم العجم، ثم الموالي) أي: العتقاء؛ ليحصُل التعميم بالدفع. (وللإمام أن يفاضل بينهم بحسب السابقة) في الإسلام (ونحوها) كالشجاعة وحسن الرأي. وهذا قول عمر (١) وعثمان (٢). قال عمر: "لا أجعل من قاتَلَ على الإسلامِ كمنْ قُوتِلَ عليه" (٣). ولأنه ﷺ قسم النفل

стр. 3013

بين أهله متفاضلًا على قَدْرِ غَنائهم (١)، وهذا في معناه. وقد فَرَضَ عمرُ لكلِّ واحدٍ من المهاجرين في أهل بدر خمسةَ آلاف خمسة آلاف، ولأهل بدرٍ من الأنصارِ أربعة آلافٍ (٢)، وفرض لأهلِ الحديبية ثلاثة آلافٍ ثلاثة آلافٍ، ولأهلِ الفَتْحِ ألفَيْنِ ألفَيْنِ" (٣) ولم يفضِّل أبو بكر (٤)، وعليّ (٥). (وإن استوى اثنان من أهل الفيء) فيما تقدم (في درجة، قُدِّم أسبقهما إسلامًا) فإن استويا فيه (فأسنُّ) فإن استويا فيه (فأقدم هجرة وسابقة، ثم) إن استويا في جميع ذلك فـ (وليُّ الأمر مخيَّر إن شاء أقرع بينهما، وإن شاء رَتَّبهما على رأيه) أي: اجتهاده. (وينبغي للإمام أن يضع ديوانًا يكتب فيه أسماء المقاتلة، و) يكتب فيه (قَدْر أرزاقهم) ضبطًا لهم، ولما قدر لهم. (ويجعل لكل طائفة عَريفًا يقوم بأمرهم، ويجمعهم وقت العطاء ووقت الغزو) ليسهل الأمر على الإمام.

стр. 3014

(والعطاء الواجب لا يكون إلا لبالغ عاقل حُرٍّ بصيرٍ صحيح يُطيق القتال). ويتعرَّف قَدْر حاجة أهل العطاء وكفايتهم، ويزيد ذا الولد من أجل ولده، وذا الفرس من أجل فرسه، وإن كان له عبيد في مصالح الحرب حسب مؤنتهم في كفايته، وإن كانوا لتجارة أو زينة، لم يحتسب مؤنتهم، وينظر في أسعار بلادهم؛ لأن الأسعار تختلف، والغرض الكفاية، ولهذا تُعتبر الذُّرية. قال الشارح (١): وهذا - والله أعلم - على قول من رأى التسوية، فأما من يرى التفضيل، فإنه يُفضِّل أهلَ السوابق والغَناء في الإسلام على غيرهم، بحسب ما يراه، كما فعل عمر ﵁ (٢)، ولم يُقدِّر ذلك بالكفاية. (فإن مرض مرضًا غير مرجوِّ الزوال كزَمَانة ونحوها) كالسلِّ والفالج (خرج من المقاتلة، وسقط سهمُه) لخروجه عن أهلية القتال، بخلاف ما يُرجى زواله كالحُمَّى والصُّداع. (و من مات بعد حلول وقت العطاء، دفع إلى ورثته حقّه) لأنه مات بعد الاستحقاق، فانتقل حقّه إلى ورثته كسائر الحقوق. قلت: وقياسه جهات الأوقاف إذا مات بعد مضي زمن استحقاقه، يُعطى لورثته. (ومن مات من أجناد المسلمين دُفع إلى امرأته وأولاده الصغار قَدْرُ كفايتهم) لتطيب قلوب المجاهدين؛ لأنهم إذا علموا أن عيالهم يُكفَون المؤنة بعد موتهم، توفَّروا على الجهاد بخلاف عكسه.

стр. 3015

(فإذا بلغ ذكورُهم أهلًا للقتال، واختاروا أن يكونوا مقاتِلة، فُرض لهم بطلبهم) لأهليتهم لذلك كآبائهم، وفي "الأحكام السلطانية" (١): مع الحاجة إليهم (وإلا) أي: وإن لم يبلغوا أهلًا للقتال، أو بلغوا كذلك، ولم يختاروا أن يكونوا مقاتلة (قُطع فَرْضهم) لعدم أهليتهم في الأول، وعدم إجبارهم (٢) في الثاني. (و يَسقط فرض المرأة والبنات بالتزويج) لحصول الغنى به. (وبيت المال ملكٌ للمسلمين يضمنه مُتلِفُه، ويَحرم الأخذ منه) والتصرف فيه (بلا إذن الإمام) ذكره في "عيون المسائل" و"الانتصار". وذكر القاضي وابنه: أن المالك غير معين (ويأتي) في باب ذوي الأرحام (أنه غير وارث) وإنما هو جهة ومصلحة.

стр. 3016

باب الأمان (وهو ضِدُّ الخوف) مصدر: أمِن أمْنًا وأمانًا. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ الآية (١)، وقوله ﷺ : "ذِمَّةُ المسلمينَ واحدةٌ، يَسعى بها أدناهُمْ" متفق عليه (٢) من حديث عليٍّ. (ويَحرُم به) أي: الأمان (قَتْلٌ، ورِقٌّ، وأسْر، وأَخْذ مال) والتعرُّض لهم؛ لعصمتهم به. (ويُشترط أن يكون) الأمان (من مسلم) فلا يصح من كافر؛ ولو ذميًّا للخبر (٣)، ولأنه متهم على الإسلام وأهله، فلم يصح منه كالحربي. (عاقلٍ) لا طفل ومجنون؛ لأن كلامه غير مُعتبر، فلا يثبت به حكم. (مُختار) فلا يصح من مُكره عليه (ولو) كان العاقل (مميزًا) لعموم الخبر، ولأنه عاقل، فصحَّ منه كالبالغ. (حتى من عبدٍ) لقول عمر: "العبد المسلمُ رَجل من المسلمينَ يجوزُ أمَانهُ" رواه سعيد (٤)؛ ولقوله ﷺ : "يسعى بها

стр. 3017

أدناهُمْ" (١). فإن كان كذلك صحَّ أمانهُ بالحديث، وإن كان غيرهُ أدنى منه صح منه من باب أَولى؛ ولأنه مسلم عاقل أشبه الحرَّ. (و) حتى من (أُنثى) نص عليه (٢)، لقوله ﷺ : "قد أجرنا من أجَرْتِ يا أمَّ هانئ" رواه البخاري (٣)، وأجارت زينبُ بنت رسول الله ﷺ أبا العاص بن الربيع، وأجازه النبي ﷺ (٤).

стр. 3018

(وهَرِمٍ وسَفِيهٍ) لعموم ما سبق. و (لا) يصح الأمان (من كافر، ولو ذميًّا) لما تقدم (ولا من مجنون، وسكران، وطفل ونحوه، ومُغمًى عليه) لأنهم لا يعرفون المصلحة من غيرها. (و) يُشترط للأمان (عدم الضرر علينا) بتأمين الكفار. (و) يُشترط أيضًا (أن لا تزيد مدته) أي: الأمان (على عشر سنين) فإن زادت لم يصح، لكن هل يبطل ما زاد كتفريق الصفقة، أو كُلُّه. (ويصح) الأمان (مُنْجزًا) كقوله: أنت آمن (و) يصح (معلَّقًا) بشرط كقوله: من فعل كذا فهو آمن؛ لقوله ﷺ يوم فتح مكة: "مَن دَخَلَ دارَ أبي سُفيانَ فهو آمِنٌ" (١). (ويصح) الأمان (من إمام وأميرٍ لأسيرٍ كافر بعد الاستيلاء عليه، وليس ذلك لآحاد الرعية؛ إلا أن يجيزه الإمام) لأنَّ أمرَ الأسيرِ مُفَوَّضٌ إلى الإمام، فلم يجز الافتيات عليه فيما يمنعه ذلك، كقتله، جزم به في "المغني" و"الشرح"، واختاره القاضي.

стр. 3019

وقال في "الإنصاف": يصح أمان غير الإمام للأسير الكافر، نصَّ عليه في رواية أبي طالب (١). وقدَّمه في "المحرر" و"الرعايتين" و"النظم" و"الحاويين" انتهى. وقَطَعَ به في "المنتهى"، وقدَّمه في "المبدع" لقصة زينب في أمانها زوجها (٢). وأجاب عنه في "المغني" و"الشرح": بأنه إنما صح بإجازة النبي ﷺ . "تنبيه": قال الجوهري (٣): الرعية: العامة. (ويصح) الأمان (من إمام لجميع المشركين) لأن ولايته عامة (و) يصح (أمانُ أميرٍ لأهل بلدة جُعل بإزائهم) أي: وَلي قتالهم؛ لأن له الولاية عليهم فقط (وأما في حق غيرهم، فهو كآحاد المسلمين؛ لأن ولايته على قتال أولئك دون غيرهم. ويصح أمانُ أحدِ الرعية لواحد، وعشرةٍ، وقافلة وحِصن صغيرين، عُرْفًا) لأن عمر أجاز أمان العبد لأهل الحِصن (٤) (كمائة فأقلَّ) هكذا في "شرح المنتهى" ومتقضى كلام "الفروع" أنهما قولان: أحدهما: أن يكونا صغيرين عُرفًا، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب. قال في "تصحيح الفروع": وهو الصواب، وقدَّمه في "الرعايتين" و"الحاويين". والثاني: أن يكونا مائة فأقلَّ، كما اختاره ابن البنَّاء. ولا يصح أمَانُ أحدِ الرعية لأهل بلدة كبيرة، ولا رُسْتاق، ولا جمع كبير؛ لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد، والافتيات على الإمام.

стр. 3020

(و) يصح (أمانُ أسيرٍ بدار حرب، إذا عَقَده غير مُكره) نص عليه (١)؛ للعموم (وكذا أمَان أجير وتاجر في دار الحرب) لقوله ﷺ : "ذمّةُ المسلمينَ واحدَةٌ يَسعى بها أدْناهُمْ" (٢). (ومن صحَّ أمانُه" ممن تقدم (صحَّ إخبارُه به إذا كان عدلًا، كالمرضعة على فعلها) والقاسم ونحوه. (ولا ينقض الإمامُ أمانَ المسلم) حيث صحَّ لوقوعه لازمًا (إلا أن يخاف خيانة من أُعْطِيَهُ) فينقضه لفوات شرطه، وهو عدم الضرر علينا. (ويصحُّ) الأمانُ (بكل ما يدلُّ عليه من قولٍ) وتأتي أمثلَتُه (وإشارةٍ مفهومة) حتى مع القدرة على النطق؛ لقول عمر: "والله لو أنَّ أحدَكُم أشارَ بإصْبعِهِ إلى السّماء إلى مشْرِك، فنزلَ بأمَانهِ، فقَتَلَهُ، لقتْلتُهُ به" رواه سعيد (٣)، بخلاف البيع والطلاق، تغليبًا لحقن الدم؛ مع أن الحاجة داعية إلى الإشارة؛ لأن الغالب فيهم عدم فهم كلام المسلمين كالعكس (ورسالةٍ) بأن يراسله بالأمان (وكتابٍ) بأن يكتب له بالأمان كالإشارة وأَولى. (فإذا قال لكافر: أنت آمِنٌ) فقد أمَّنه لقوله ﷺ يوم فتح مكة: "من دخلَ دار أبي سفيان فهو آمنٌ" (٤).

стр. 3021

(أو) قال لكافر: (لا بأس عليك) فقد أمَّنه؛ لأن عمر لما قال للمَرْزُبان (١): "تكلّمْ، ولا بأسَ عَليْكَ" ثم أراد قتله، قال له أنسٌ والزبيرُ: "قد أمَّنْتَهُ، لا سبيل لكَ عليه" رواه سعيد (٢). (أو: أجرتُك) لقوله ﷺ : "قد أجَرْنَا منْ أجرْتِ يا أمَّ هانئ" (٣). (أو) قال له: (قفْ، أو: قم، أو: لا تخف، أو: لا تخشَ، أو: لا خوف عليك، أو: لا تذهل، أو: ألقِ سلاحك) فقد أمَّنه؛ لدلالة ذلك عليه. (أو) قال له: (مَتَرْس بالفارسية) ومعناه: لا تخف. وهو بفتح الميم والتاء وسكون الراء وآخره سين مهملة. ويجوز سكون التاء وفتح الراء. قال ابن مسعود: "إنَّ الله يعلمُ بكلِّ لسانٍ، فمن كان منكمْ أعجميًّا فقال: مَتَرْس، فقد أمّنَهُ" (٤).

стр. 3022

(أو سلَّم عليه) فقد أمَّنه؛ لأن السلام معناه الأمان (أو أمَّن يدَه، أو بعضه فقد أمَّنه) لأنه لا يتبعَّض. (وكذا لو باعه الإمام (١)) فقد أمّنه، وقال أحمد (٢): إذا اشتراه ليقتله فلا يقتله؛ لأنه إذا اشتراه فقد أمَّنه. (فإن أشار إليهم بما اعتقدوه أمانًا، وقال: أردت به الأمانَ، فهو أمانٌ) لصحته بالإشارة؛ لما تقدم (وإلا) بأن قال: لم أَرِدْ به الأمانَ (فالقول قوله) لأنه أعلم بمراده. (وإن خرج الكفَّار من حصنهم بناءً على هذه الإشارة لم يجز قتلهم، ويُردُّون إلى أمانهم (٣)) قال أحمد (٤): إذا أشير إليه بشيء غير الأمان فظنَّه أمانًا، فهو أمان، وكلُّ شيء يرى العِلج أنه أمان فهو أمان. (وإن مات المسلم) الذي وقعت منه تلك الإشارة المحتملة (أو غاب رُدُّوا إلى مأمنهم) لأن الأصل عدمُ الأمان. (وإذا قال لكافر: أنت آمنٌ، فرَدَّ) الكافر (الأمانَ، لم ينعقد) أمانه، أي: انتقض؛ لأنه حق له يسقط بإسقاطه كالرِّقِّ. (وإنْ قَبِلَهُ) أي: قبل الكافرُ الأمان (ثم ردَّه ولو بِصَوْله على المسلم، وطلبه نفسَه، أو جَرْحِه، أو عضوًا من أعضائه، انتقض) الأمان؛

стр. 3023

لفوات شرطه، وهو عدم الضَّرر علينا. (وإن سُبيت كافرةٌ، وجاء ابنُها يطلبها، وقال: إن عندي أسيرًا مسلمًا؛ فأطلقوها حتى أُحضِره، فقال له الإمام: أحضره، فأحضره، لزم إطلاقها) لأن المفهوم من هذا إجابته إلى ما سأل. (فإن قال الإمام: لم أرد إجابته، لم يُجبر) الكافر (على تَرْك أسيره، ورُدَّ إلى مأمنه) لأن هذا يُفهم منه الشرط، فوجب الوفاء به كما لو صَرَّح به؛ ولأن الكافر فَهِمَ منه ذلك وبنى عليه، فأشبه ما لو فهم الأمان من الإشارة. (ومن جاء بمشرك فادَّعى أنه أسره أو اشتراه بماله، وادَّعى المشرك عليه أنه أمَّنه، فأنكر، فالقول قول المسلم) لأن الأصل عدم الأمان (ويكون) الأسير (على ملكه) لأن الأصل إباحة دم الحربي. (و من طلب الأمان ليسمع كلامَ الله ويَعرف شرائعَ الإسلام، لزم إجابتُه، ثم يُرَدُّ إلى مأمنه) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (١) قال الأوزاعي: هي إلى يوم القيامة (٢). (وإذا أمَّنه) مَن يصح أمانه (سرى) الأمانُ (إلى ما معه (٣)) أي: المُؤَمَّن (من أهلٍ ومالٍ، إلا أن يقول) مؤمِّنه: (أمَّنتك وحدك) ونحوه مما يقتضي تخصيصه بالأمان، فيختص به. (ومن أُعطي أمانًا ليفتح حِصنًا، ففتحه) واشتبه (أو أسلم واحد

стр. 3024

منهم) قبل الفتح (ثم ادَّعوه) أي: ادَّعى ذلك واحد منهم أنه الذي أُعطي الأمان، أو أنه الذي أسلم قبل (واشتبه علينا) الذي أمَّناه، أو كان أسلم (فيهم، حَرُمَ قتلُهم) نص عليه (١)؛ لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه، واشتبه المباح بالمُحَرَّم فيما لا ضرورة إليه، فوجب تغليب التَّحريم، كما لو اشتبه زانٍ محصن بمعصومين. (و) حرم (استرقاقهم) لأن استرقاق من لا يحل استرقاقه مُحرَّم. قال في "الفروع": ويتوجَّه مثله: لو نسي، أو اشتبه مَن لزمه قَوَدٌ فلا قَوَدَ، وفي الدية بقرعة الخلاف. (وإن قال) كافر: (كُفّ عني حتى أدلُّك على كذا، فبعث معه قومًا ليدلهم فامتنع من الدلالة، فلهم ضَرْب عنقه) لأنه في معنى الأمان المعلَّق بشرط ولم يوجد شرطه. (قال) الإمام (أحمد (٢): إذا لقي عِلْجًا، فطلب منه الأمان، فلا يؤمِّنه؛ لأنه يُخاف شره) وشرط الأمان أمْن شرّه. (وإن كانوا سرية، فلهم أمانُه) لأمْنهم شره (وإن لقيت السرية أعلاجًا، فادعوا أنهم جاؤوا مستأمنين، قُبِلَ منهم إن لم يكن معهم سلاح) لأن ظاهر الحال قرينة تدلُّ على صدقهم. (ويجوز عقده) أي: الأمان (لرسول ومستأمن) أي: طالب الأمان؛ لقول ابن مسعود: "جاء ابنُ النواحَة وابنُ أثَال رسُولا مسيْلِمة إلى النبي ﷺ ، فقال لهما: أتشْهَدان أنِّي رسولُ الله؟ قالا: نشهد أنَّ مسَيْلمةَ رسولُ

стр. 3025

الله. فقال النبيُّ ﷺ : آمنْتُ باللهِ ورسوله، لو كْنتُ قَاتِلًا رسُولًا لقَتَلتُكما. قال عبد اللهِ: فمضَت السُّنَّةُ أن الرسُلَ لا تُقْتلُ" رواه أحمد (١)، ولأبي داود نحوه من حديث نُعيم بن مسعود

стр. 3026

الأشجعي (١). ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ إذ لو قُتِلَ لفاتت مصلحة المراسلة. قال فى "المبدع": فظاهره: جواز عقد الأمان لكل منهما؛ مطلقًا ومقيدًا؛ بمدة قصيرة وطويلة، بخلاف الهُدنة فإنها لا تجوز إلا مقيدة؛ لأن في جوازها مطلقًا تركًا للجهاد. (ويقيمون مدة الهُدنة) أي: الأمان (بغبر جزية) نصَّ عليه (٢)؛ لأنه كافر أبيح له المُقام في دارنا من غير التزام جزية، فلم تلزمه، كالنساء. (ومن دخل مِنَّا) معاشر المسلمين (دارَهم) أي: الكفار (بأمان، حرمت عليه خيانتهم) لأنهم إنما أعطوه الأمان بشرط عدم خيانتهم، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ، فهو معلوم في المعنى، ولا يصلح في ديننا الغدر. (و) حرمت عليه (معاملتهم بالربا) لعموم الأخبار (٣). (فإن خانهم) شيئًا (أو سرق منهم) شيئًا (أو اقترض) منهم (شيئًا،

стр. 3027

وجب ردّه إلى أربابه) فإن جاؤوا إلى دار الإسلام، أعطاه لهم، وإلا بعثه إليهم؛ لأنه مالُ معصومٍ بالنسبة إليه. (ومن جاءنا منهم بأمان فخاننا، كان ناقضًا لأمانه) لمنافاة الخيانة له. (ومن دخل) منهم (دارَ الإسلام بغير إذن، وادَّعى أنه رسول، أو تاجر، ومعه متاع يبيعه، قُبل منه إن صدَّقَتْه عادةٌ، كدخول تُجَّارِهم إلينا، ونحوه) لأن ما ادَّعاه ممكن، فيكون شُبهة في درء القتل؛ ولأنه يتعذَّر إقامة البينة على ذلك، فلا يُتعرَّض إليه، ولجريان العادة مجرى الشرط. (وإلا) بأن انتفت العادة، وجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة، وكذا إن لم يكن معه تجارة، لم يُقبل منه إذا قال: جئت مستأمنًا؛ لأنه غير صادق، وحينئذ (فـ) ـيكون (كأسير) يُخيّر فيه الإمام بين قتل، ورِقّ، ومَنٍّ، وفداء. (وإن كان جاسوسًا) وهو: صاحب سر الشر، وعكسه الناموس (فكأسير) يُخيَّر فيه الإمام، لقصده نكاية المسلمين. (وإن كان ممن ضلَّ الطريق، أو حملته ريح في مركب إِلينا، أو شرد الينا بعض دوابهم، أو أبقَ بعض رقيقهم، فهو لمن أخذه غير مخمس) لأنه مباح ظهر عليه بغير قتال في دار الإسلام، فكان لآخذه كذلك، كالصيد. (ولا يدخل أحدٌ منهم إلينا بلا إذن، ولو رسولًا وتاجرًا) أي: يحرم ذلك، كما في "المبدع". (و ينتقض الأمان بِرَدِّهِ، وبالخيانة) لأنه لا يصلح في ديننا الغدر (وتقدم) في الباب.

стр. 3028

(وإن أودع المستأمنُ مالَه مسلمًا، أو ذميًّا، أو أقرضه) المستأمن (إيَّاه) أي: ماله (١) (ثم عاد) المستأمن (إلى دار الحرب لتجارة، أو حاجة على عَزْم عَوْدِه إلينا، فهو على أمانه) لأنه لم يخرج عن نية الإقامة بدار الإسلام. (وإن دخل إلى دار الحرب مستوطنًا، أو محاربًا، أو نقض ذِمِّيٌّ عهده -لحق بدار الحرب أم لا- انتقض عهده في نفسه، وبقي في ماله) لأنه لما دخل دار الإسلام بأمان ثبت لماله، فإذا بطل في نفسه بدخوله إليها، بقي في ماله الذي لم يدخل؛ لاختصاص المبطل بنفسه. لا يقال: إذا بطل في المتبوع فالتابع كذلك؛ لأنه لم يثبت فيه تبعًا، وإنما ثبت فيهما جميعًا، فإذا بطل في أحدهما، بقي الآخر، ولو سُلِّم، فيجوز بقاء حكم التبع وإن زال في المتبوع، كولد أم الولد بعد موتها حكم الاستيلاد باقٍ له. ويأتي في آخر أحكام الذِّمة: أن مال الذِّمي إذا انتقض عهده فيءٌ. وفي "الإنصاف": أنه المذهب. انتهى. قال في "المبدع": وظاهر كلام أحمد: أنه ينتقض في مال الذِّمي دون الحربي (٢). وصحَّحه في "المحرر"؛ لأن الأمان ثبت في مال الحربي بدخوله معه، فالأمان ثابت فيه على وجه الأصالة، كما لو بعثه مع وكيل أو مضارب، بخلاف مال الذِّمي، فإنه يثبت له تبعًا؛ لأنه مكتسب بعد عقد ذِمّته (فيبعث به) أي: بمال المعاهد، والذِّمِّي على الأول (إليه إن طلبه) لأنه مِلْكُهُ. (وإن تصرَّف) المستأمن، أو الذِّمِّي بعد نقضه العهد (ببيع، أو

стр. 3029

هِبة، أو نحوهما) كشركة وإجارة (صحَّ تصرُّفه) لبقاء ملكه عليه. (وإن مات، فلوارثه) كسائر أملاكه، واختلاف الدارين ليس بمانع، كما يأتي في كتاب الفرائض. (فإن عدم) وارثه (فـ) ـهو (فيْءٌ) لأنه مال كافر لا مستحق له، كما لو مات بدارنا. (وإن كان المال معه) أي: مع من لَحِقَ بدار الحرب مستوطنًا، أو محاربًا (انتقض الأمان فيه) أي: في المال (كـ) ـما ينتقض الأمان في (نفسه) لوجود المبطل فيهما. (وإن أُسر المستأمن، واسترق، وقف ماله، فإن عَتَق، أخذه) لأنه مال لمالك لم يوجد فيه سبب الانتقال، فيوقف حتى يتحقَّق السبب. (وإن مات قِنًّا، فَفَيْءٌ) لأن الرقيق لا يورث. وإن لم يسترق بل مَنَّ عليه الإمامُ أو فُودِيَ بمال، فماله له، وإن قتله، فماله لورثته. (وإن أخد مسلمٌ من حربي في دار الحرب مالًا مضاربة، أو وديعة، ودخل به دار الإسلام، فهو) أي: المال (في أمان) بمقتضى العقد المذكور. (وإن أخذه) أي: أخذ المسلم مال حربي في دار الحرب (ببيع في الذِّمَّة، أو قَرْض، فالثمن في ذِمَّته) بمقتضى العقد (عليه أداؤه إليه) لعموم: "أدِّ الأمانَةَ إلى مَن ائْتَمَنَكَ" (١).

стр. 3030

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3031

و إن اقترض حربيٌّ من حربيٍّ مالًا، ثم دخل إلينا فأسلم، فعليه رد البدل) لاستقراره في ذِمّته (كما لو تزوَّج حربيَّة ثم أسلم، لزمه رَدُّ مهرها) إليها إن كان دخل بها. (وإذا سرق المستأمن في دارنا، أو قَتَل أوْ غَصب) أو لزمه مال بأي وجه كان (ثم عاد إلى دار الحرب، ثم خرج مستأمنًا مرة ثانية، استُوفي منه ما لزمه في أمانه الأول) لاستقراره عليه، وعدم ما يسقطه. (وإن اشترى) المستأمن (عبدًا مسلمًا، فخرج به إلى دار الحرب، ثم قُدِرَ عليه) أي: العبد (لم يُغنم؛ لأنه لم يثبت ملكه عليه؛ لكون الشراء باطلًا) فلا يترتب عليه أثره من انتقال الملك (ويُرد) العبد (إلى بائعه، ويَردُّ بائعه الثمن إلى الحربي) إن كان باقيًا، وبدله إن كان تالفًا؛ لأنه مقبوض بعقد فاسد (فإن كان العبد تالفًا، فعلى الحربي قيمته) فرَّط فيه أو

стр. 3032

لم يُفرِّط؛ لأن فاسد العقود كصحيحها في الضمان وعدمه، كما يأتي. (ويترادَّان) أي: البائع والمشتري (الفضل) أي: الزائد، فيسقط من الأكثر بقدر الأقل، ويرجع ربّ الزائد به إن كان. (وإذا دخلت الحربيَّة) دار الإسلام (بأمان، فتزوَّجت ذميًّا في دارنا، ثم أرادت الرجوع، لم تُمنع إذا رضي زوجها، أو فارقها) قلت: وانقضت عدتها، على ما يأتي في العِدد. (وإن أسر كُفّارٌ مسلمًا فأطلقوه بشرط أن يقيم عندهم مدة أو أبدًا، لزمه الوفاء) لهم، نص عليه (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (٢)، ولقوله ﷺ : "المسلِمُونَ عند (٣) شُروطِهم" (٤). فليس له أن يهرب. (قال الشيخ (٥): ما ينبغي له أن يدخل معهم في التزام الإقامة أبدًا؛ لأن الهجرة واجبة عليه. انتهى). أي: حيث عَجَز عن إظهار دينه، وإلا؛ فهي مستحبّة، وتقدم. (وإن) أطلقوه و (لم يشترطوا شيئًا، أو شرطوا كَوْنَهُ رقيقًا، ولم يؤمِّنوه، فله أن يقتل ويسرق ويهرب) نص عليه (٦)؛ لأنه لم يصدر منه ما يثبت به الأمان؛ لأن الإطلاق من الوثاق لا يكون أمانًا، والرِّق حكم

стр. 3033

شرعي لا يثبت عليه بقول، لكن قال أحمد (١): إذا أطلقوه فقد أمَّنوه. (وإن أحلفوه على ذلك) أي: على كونه رقيقًا (وكان مكرهًا) على الحلف (لم تنعقد يمينه) لفوات شرطها، وهو الاختيار. (وإن أمَّنوه، فله الهرب فقط)، أي: لا الخيانة، ويَرُدُّ ما أخذ منهم؛ لأنهم صاروا بأمانه في أمان منه، فإذا خالف فهو غادر. (ويلزمه المضي إلى دار الإسلام، إن أمكنه) أي: حيث عَجَز عن إظهار دِينه؛ لوجوب الهجرة إذًا، وإلا؛ سُنَّ له ذلك. (وإن تعذَّر عليه) المضيُّ إلى دار الإسلام (أقام) حتى يَقْدِر عليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢) (وكان حكمه حكم من أسلم في دار الحرب) في أداء الفرائض، والاجتهاد لأوقاتها، على ما سبق. (فإن خرج) الأسير بعد أن أطلقوه وأمَّنوه (وتبعوه فأدركوه، قاتلهم، وبطل الأمان) بقتالهم إيَّاه. (وإن أطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالًا باختياره، فإن عَجَز عاد إليهم، لزمه الوفاء) نص عليه (٣)؛ لأن في الوفاء مصلحةً للأسارى، وفي الغدر مفسدةً في حقهم؛ لكونهم لا يؤمِّنون (٤) بعده، والحاجة داعية إليه (إلا أن تكون امرأة، فلا ترجع) إليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى

стр. 3034

الْكُفَّارِ﴾ (١) ولأن في رجوعها تسليطًا لهم على وطئها حرامًا. (و يجوز نبذ الأمان إليهم، إن تُوُقِّع شرّهم) لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٢). (وإذا أُمِّنَ العدوُّ في دار الإسلام إلى مدة) معلومة (صح) أمانه بشرطه السابق (فإذا بلغها واختار البقاء في دارنا أدَّى الجزية) إن كان ممن تعقد له الذِّمة. (وإن لم يختر) البقاء في دار الإسلام، أو كان ممن لا تقبل منه الجزية (فهو على أمانه حتى يخرج إلى مأمنه) أي: حتى يفارق المحلَّ الذي أمَّنَّاه فيه؛ لبقاء أمانه.

стр. 3035

باب الهدنة (وهي) لغةً: السكون. وشرعًا: (العقد على تَرْك القتال مدةً معلومة) بقَدْر الحاجة، فإن زادت، بطلت في الزيادة فقط. والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (١)، ومن السُّنة ما روى مروان بن الحكم والمِسْور بن مخرَمة: أن النبي ﷺ صالح قريشًا على وَضع القتال عشر سنين (٢)، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأنه قد يكون بالمسلمين ضَعْف، فيهادنهم حتى يقووا. (بِعِوَض) منهم أو مِنَّا عند الضرورة، كما يأتي (وبغير عِوض) بحسب المصلحة؛ لفعله ﷺ (٣). (وتُسمَّى مُهادنة وموادعة) من: الدعة، وهي الترك. (ومعاهَدة) من العهد، بمعنى الأمان (ومُسالمَة) من السلم، بمعنى الصلح. (ولا يصح عَقدُها إلا من إمام أو نائبه) لأنه يتعلَّق بنظر واجتهاد، وليس غيرهما محلًّا لذلك؛ لعدم ولايته، ولو جُوِّز ذلك للآحاد، لزم تعطيل الجهاد. (ويكون العقد) أي: عقد الهُدنة (لازمًا) لا يبطل بموت الإمام، أو نائبه، ولا عزله، بل يلزم الثاني إمضاؤه؛ لئلا ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، ويستمرُّ ما لم ينقضه الكفار بقتال أو غيره.

стр. 3036

(ويلزمه) أي: الإمام أو نائبه (الوفاء بها) أي: بالهُدنة؛ للزومها (فإن هادنهم) أي: الكفار (غيرهما) أي: غير الإمام أو نائبه (لم تصح) الهُدنة. (و لا تصح) الهُدنة (إلا حيث جاز تأخير الجهاد) لمصلحة (فمتى رأى) الإمام أو نائبه (المصلحةَ في عَقْدِها؛ لضعف المسلمين عن القتال، أو لمشقَّة الغزو، أو لطمعه في إسلامهم، أو في أدائهم الجزية، أو غير ذلك) من المصالح (جاز) له عقدها؛ لأنه ﷺ "هادن قُرَيشًا" (١). لكن قوله: "لطمعه في إسلامهم" رواية قطع بها في "شرح المنتهى" وغيره. والثانية: لا يجوز عَقْدها لذلك، ومقتضى كلامه في "الإنصاف" أنها الصحيحة؛ لأنه صحَّح أنه لا يجوز عَقْدها إلا حيث يجوز تأخير الجهاد، كما هو صَدْر عبارة المصنف، وقد تقدم (٢) أنه لا يجوز تأخير الجهاد لذلك على الصحيح. ويجوز عَقْد الهُدنة عند المصلحة (ولو بمال منَّا ضرورةً) مثل أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر؛ لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال، فكذا هنا. وجاز تحمُّلُ صَغَارِ دَفْعِهِ؛ لدَفع صَغَارٍ أعظم منه، وهو القتل، أو الأسر وسَبْي الذرية المفضي إلى كفرهم. وقد روى عبد الرزاق في المغازي عن الزُّهري قال: "أرسل رسُولُ الله ﷺ إلى عُيينةَ بن حصنِ وهو مع أبي سُفْيان -يعني يومَ الأحزاب- أرَأيْت إن جعلْتُ لَك ثلثَ ثمرِ الأنصارِ أترجع بمَن معكَ مِن غَطفانَ أو تخذلُ بين الأحزاب؟ فأرسلَ إليهِ عييْنَة: إنْ جعلْتَ

стр. 3037

الشطْرَ (١) فَعَلْتُ" (٢)، ولولا أن ذلك جائز، لما بذله النبي ﷺ . (مدةً معلومةً) لأن ما وجب تقديره، وجب أن يكون معلومًا كخيار الشرط (ولو فوق عشر سنين) لأنها تجوز في أقل من عشر، فجازت في

стр. 3038

أكثر منها كمدة الإجارة؛ ولأنه إنما جاز عقدها للمصلحة، فحيث وُجِدت جازت؛ تحصيلًا للمصلحة. (وإن هادنهم مطلقًا) بأن لم يقيد بمدة، لم يصحَّ؛ لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، وذلك يفضي إلى تَرْك الجهاد بالكلية وهو غير جائز. (أو) هادنهم (مُعلِّقًا بمشيئة، كما: شئنا، أو شِئتم، أو شاء فلان، أو: ما أقركم الله، لم يصح) كالإجارة، ولجهالة المدة. (وإن نقضوا) أي: المهادنون (العهدَ بقتال، أو مظاهرة) أي: معاونة عدوِّنا علينا (أو قَتْل مسلم، أو أخذ مال، انتقض عهدُهم، وحلَّت دماؤهم وأموالهم، وسَبْي ذراريهم) لأنه ﷺ "قَتَلَ رجال بني قرَيظة حين نَقَضُوا عَهْدَهُ، وسَبى ذَراريهم، وأخذَ أموالهم" (١)، ولما هادن قريشًا فنقضوا عهده، حلَّ له منهم ما كان حرم عليه منهم (٢).

стр. 3039

(وإن نقض بعضُهم) العهدَ (دون بعض، فسَكَتَ باقيهم عن الناقض) للعهد (ولم يوجد منهم إنكار) على الناقض (ولا مراسلة الإمام) في شأنه (ولا تبرّؤٌ) منه (فالكُلُّ ناقضون) للعهد، لرضاهم بفعل أولئك، وإقرارهم لهم. (وإن أنكر من لم ينقض على الباقين) أي: الناقضين (بقول أو فعل ظاهر، أو اعتزال) بأن اعتزلوا الناقضين (أو راسل الإمامَ: بأني مُنكِرٌ لما فعله الناقض، مقيمٌ على العهد، لم ينتقض في حقِّه) أي: حق من أنكر وفَعَلَ ما سبق؛ لعدم ما يقتضي نقضه منه (ويأمره الإمام بالتمييز، ليأخذ الناقض وحده) لنقضه عهده. (فإن امتنع من التمييز، لم ينتقض عهده) أي: عهد المُنكِر؛ لما فعله الناقض. وفي "الشرح": فإن امتنع من التمييز (١) أو إسلام الناقض، صار ناقضًا؛ لأنه مَنَعَ من أخذ الناقض، فصار بمنزلته، وإن لم يمكنه التمييز ((١))، لم ينتقض عهده؛ لأنه كالأسير. وفي "الإنصاف" في آخر أحكام الذِّمة: وكذا -أي: في نقض العهد- من لم ينكر عليهم، أو لم يعتزلهم، أو لم يعلم بهم الإمام. وفي "المنتهى" و"شرحه": فإن أَبَوهما أي: التسليمَ والتمييز حال كونهم قادرين على واحد منهما، انتقض عَهْد الكل بذلك. (فإن أسر الإمام منهم) أي: ممن وقع النقض من بعضهم (قومًا،

стр. 3040

فادَّعى الأسير أنه لم ينقض) العهد (وأشكل ذلك عليه) أي: الإمام (قبل قول الأسير) لأنه لا يتوصل إلى ذلك إلا منهم. (وإن شَرط) العاقد للهُدنة (فيها شرطًا فاسدًا كنقضها متى شاء، أو ردِّ النساء المسلمات) إليهم، بطل الشرط فقط؛ لمنافاته لمقتضى العقد، ولقوله تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "إنَّ الله قد منَع الصُّلْحَ في النِّساءِ" (٢)، ولأنه لا يؤمن أن تُفتن في دينها، ولا يمكنها أن تَفِرَّ (أو) ردِّ (صَدَاقهن) بطل الشرط؛ لمنافاته مقتضى العقد. وأما قوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣) فقال قتادة: نُسِخ (٤). وقال عطاء والزهري والثوري (٥): لا يُعمل بها اليوم، إنما نزلت في قضية الحُديبية حين كان النبي ﷺ شَرط ردَّ من جاءه مسلمًا (أو ردِّ صبيٍّ عاقل) لأنه بمنزلة المرأة في ضعف العقل والعجز عن التخلّص والهرب. (أو ردِّ الرجال) المسلمين (مع عدم الحاجة إليه، أو ردِّ سلاحهم، أو إعطائهم شيئًا من سلاحنا، أو من آلات الحرب، أو شرطَ لهم مالًا) مِنَّا (في موضع لا يجوز بذله، أو إدخالهم الحرم، بطل الشَّرْطُ) في الكل؛ لمنافاته

стр. 3041

مقتضى العقد، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (١) (فقط) أي: دون العقد فيصح، وكذا عَقْد الذِّمة؛ كالشروط الفاسدة في البيع. لكن في "المغني" و"الشرح": إذا شرط أن لكلِّ واحد نقضها متى شاء، فإنه ينبغي أن لا تصح وجهًا واحدًا؛ لأن طائفة الكفار يبنون على هذا الشرط، فلا يحصُل الأمن من الجهتين، فيفوت معنى الهُدنة. (فلا يجب الوفاءُ به) أي: بالشرط الفاسد (ولا يجوز) الوفاء به؛ لما تقدم. (وأما الطفل الذي لا يصحُّ إسلامه) وهو من دون التمييز (فيجوز شَرْطُ ردِّه) لأنه ليس بمسلم شرعًا. (ومتى رقع العقد) للهُدنة (باطلًا فدخل ناسٌ من الكفار) العاقدين له (دارَ الإسلام معتقدين الأمان، كانوا آمنين ويُردُّون إلى دار الحرب، ولا يُقرُّون في دار الإسلام) لبطلان الأمان. (وإن شَرَطَ ردَّ من جاء من الرجال مسلمًا، جاز لحاجة) لأنه ﷺ فَعَل ذلك في صلح الحديبية (٢). قال في "المبدع": وظاهره: وإن لم تكن له عشيرة تحميه، فإن لم تكن حاجة كظهور (٣) المسلمين وقوتهم، فلا يصحُّ اشتراطه. (فلا يمنعهم) أي: الكفارَ الإمامُ (أخْذَه) أي: أخْذ الرجل الذي جاء منهم مسلمًا (ولا يجبره (٤) على ذلك) أي: على العود معهم؛ لأن أبا

стр. 3042

بَصير جاءَ إلى النبي ﷺ بعد صُلْحِ الحُديبية؛ فجاؤوا في طلبه، فقال له النبي ﷺ : "إنا لا يصْلُحُ في ديننا الغَدْرُ، وقد علمْتَ ما عاهدناهم عليه، ولعلَّ الله أن يَجْعَلَ لكَ فرَجًا ومَخْرجًا" فرجع مع الرجُلين فَقَتَل أحَدهُما، ورَجَعَ فلمْ يَلُمْهُ النبيُّ ﷺ (١). (وله) أي: للإمام (أن يأمره سرًّا بقتالهم وبالهَرَب منهم) لأنه رجوع إلى باطل، فكان له الأمرُ بعدمه، كالمرأة إذا سمعت طلاقَها وفي "الترغيب": يُعرِّض له أن لا يرجع. (وله) أي: لمن جاءنا مسلمًا منهم (ولمن أسلم معه أن يتحيَّزوا ناحية، ويقتلوا مَن قدروا عليه من الكفار، ويأخذوا أموالهم ولا يدخلون في الصُّلح. فإن ضمَّهم الإمامُ إليه بإذن الكفار، دخلوا في الصُّلْح) وحَرُمَ عليهم قتال الكفار، وأخذ أموالهم؛ لأن أبا بَصير لما رجع إلى النبيِّ ﷺ ، فقال له: يا رسول الله، قد أوفى الله ذِمَّتك، قد رددتني إليهم وأنجاني الله منهم، فلم يُنكِرْ عليه النبيُّ ﷺ ولم يَلُمْهُ، بل قال: "ويلُ أُمِّهِ؛ مِسْعَرَ حَرْبٍ، لو كان معهُ رجالٌ"، فلما سَمِعَ بذلك أبو بَصير لَحِقَ بساحلِ البحرِ، وانحاز إليه أبو جَندل بن سُهَيلٍ ومن معه من المستضعفين بمكةَ، فجعلُوا لا تمرُّ عليهم عيرٌ لقرَيش إلا عَرَضوا لها، وأخَذُوها وقَتلُوا من معها، فأرسَلَتْ قرَيشٌ إلى النبيِّ ﷺ تُناشِدُهُ الله والرَّحِمَ أن يضمَّهُم إليهِ،

стр. 3043

ولا يردَّ إليهم أحدًا جاءه، ففَعلَ" رواه البخاري مختصرًا (١). (وإذا عقدها) أي: عقد الإمامُ الهُدنة (من غير شَرْط، لم يَجز لنا ردُّ من جاءنا مسلمًا أو بأمان، حرًّا كان أو عبدًا، رجلًا أو امرأة) لأنه ردٌّ لهم إلى باطل. (و لا يجب رَدُّ مهرِ المرأة) إليهم؛ لأنها استحقته بما نِيل منها، فلا يُرَدُّ لغيرها. (وإذا طلبت امرأةٌ) مسلمة (أو صبية مسلمة الخروجَ من عند الكفار، جاز لكلِّ مسلم إخراجُها) لما رُوي "أن النبي ﷺ لما خرَجَ من مَكَّةَ، وقفَت ابنَةُ حمزةَ على الطريقِ، فلمَّا مرَّ بها عَليٌّ، قالت: يا ابن عمي (٢) إلى مَنْ تدَعُني؟ فتناولها فدَفَعها إلى فاطمة حتى قَدِموا بها المدينة" (٣). (وإن هرب منهم) أي: المهادنين (عبدٌ أسلمَ، لم يُردَّ إليهم، وهو حُر) لأنه ملك نفسه بإسلامه ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٤). (ويَضمنون) أي: أهل الهُدنة (ما أتلفوه لمسلمٍ) من مال (ويُحَدُّون لقذفه، ويُقادون لقتله، ويُقطعون بسرقة ماله) لأن الهُدنة تقتضي أمان المسلمين منهم، وأمانهم من المسلمين في النفس والمال والعِرض، فلزمهم ما يجب في ذلك (ولا يُحدُّون لحقّ الله تعالى) لأنهم ليسوا بملتزمين أحكامنا.

стр. 3044

فصل (و) يجب (على الإمام حماية من هادنه من المسلمين وأهل الذِّمة) لأنه أمَّنهم ممن هو في يده وتحت قبضته، فلو أتلف أحد من المسلمين أو أهل الذِّمة عليهم شيئًا، فعليه ضمانه (دون غيرهم، كأهل حربٍ) فلا يلزم الإمام حمايتهم منهم، ولا حماية بعضهم من بعض؛ لأن الهُدنة التزام الكفِّ عنهم فقط (فلو أخذهم) أي: المهادنين غير المسلمين، وأهل الذِّمة (أو) أخذ (مالهم غيرهما حَرُم أخذنا ذلك) بشراء أو غيره؛ لأنهم في عهدنا. (و إن سباهم كفارٌ آخرون، أو سَبَى بعضُهم بعضًا، لم يجز لنا شراؤهم) لأن الأمان يقتضي رفع الأذى عنهم، وفي استرقاقهم أذًى لهم بالإذلال بالرِّق، فلم يجز؛ كسبيهم، والواحد كالكل، ولا يلزم الإمام استنقاذهم. (وإن سَبَى بعضُهم ولد بعض وباعه، صَحَّ) كبيع حربي ولده (ولنا شراء ولدهم وأهليهم) منهم، أو ممن سباهم (كحربي باع أهله وأولاده) بخلاف الذِّمي، وقد ذكرت كلام ابن نصر الله -وأن ذلك ليس ببيع حقيقة؛ لأنهم ليسوا أرقاء قبلُ، وإنما يصيرون أرقاء بالاستيلاء عليهم كالسَّبي - في "حاشية المنتهى". (وإن خاف) الإمام (نَقْضَ العهدِ منهم بأمارة تدلُّ عليه، جاز نبذُه إليهم بخلاف ذِمَّةٍ) فيقول لهم: قد نبذتُ عهدكم (١) وصرتم حربًا؛ لقوله تعالى ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى

стр. 3045

سَوَاءٍ﴾ (١) أي: أعلمهم بنقض العهد، حتى تصير أنت وهم سواء في العلم (فَيُعْلِمهم بنقض عهدهم وجوبًا قبل الإغارة) عليهم (والقتال) للآية. (ومتى نقضها) أي: نقض الإمام الهُدنة (وفي دارنا منهم أحدٌ، وَجَبَ ردُّهم إلى مأمنهم) لأنهم دخلوا بأمان، فوجب أن يردوا آمنين. (و إن كان عليهم حق استُوفيَ منهم) كغيرهم للعمومات، (و ينتقض عهد نسائـ) ـهم (وذريتـ) ـهم (بنقض عهد رجالهم تبعًا) لما تقدم من أنه ﷺ قتلَ رجال بني قريظَةَ، حين نقَضُوا عهدَهُ، وسَبَى ذراريهم، وأخَذَ أموالهم (٢). ولما هادن قريشًا فنقضوا عهده، حلَّ له منهم ما كان حَرُم عليه منهم (٣). (و يجوز قَتْلُ رهائنهم إذا قتلوا رهائننا، ومتى مات إمام، أو عُزل، لزم مَن بَعده الوفاءُ) بعقد الهُدنة للزومه كما تقدم.

стр. 3046

باب عقد الذمة (١) قال أبو عبيد (٢): الذمة الأمان؛ لقوله ﷺ : "يَسْعَى بذمَّتِهمْ أدناهم" (٣). والذِّمة: الضمان والعهد، وهي فِعلة من أَذمَّ يذمُّ، إذا جعل له عهدًا. ومعى عقدِ الذِّمة: إقرارُ بعض الكفار على كفره، بشرط بَذْلِ الجِزية، والتزامِ أحكام المِلَّة. (لا يصح عقدُها إلا من إمام أو نائبه) لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام، وما يراه من المصلحة، ولأنه عقد مؤبَّد، فلا يجوز أن يُفتات به على الإمام. (ويحرم) عقد الذِّمة (من غيرهما) أي: غير الإمام ونائبه؛ لأنه افتيات على الإمام. (ويجب عقدُها إذا اجتمعتِ الشروطُ) السابق ذكرها، وتأتي أيضًا (ما لم يخف غائلةً منهم) أي: غدرًا بتمكنهم (٤) من الإقامة بدار الإسلام،

стр. 3047

فلا يجوز عقدُها؛ لما فيه من الضرر علينا. (وصفةُ عقدِها: أقررتكم بجزيةٍ واستسلام) أي: انقياد والتزام لأحكامِ الإسلامِ (أو يبذلون ذلك فيقول: أقررتكم على ذلك، ونحوهما) أي: نحو هاتين الصيغتين؛ كقوله: عاهدتكم على أن تقيموا بدارنا بجزية والتزامِ حكمنا، ولا يُعتبر ذِكرُ قَدْرِ الجِزيةِ في العقد. (فالجِزية) مأخوذة من الجزاء (مال يؤخذ منهم على وجه الصَّغار) بفتح الصاد المهملة، أي: الذِّلة والامتهان (كلَّ عامٍ، بدلًا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا) فإنهم لو لم يبذلوها، لم يكفَّ عنهم. (ولا يجوز عَقدُ الذِّمة المؤبَّدة إلا بشرطين؛ أحدهما: التزام إعطاء الجِزية كلَّ حولٍ، والثاني: التزام أحكام الإسلام؛ وهو قَبول ما يحكم به عليهم من أداء حقٍّ، أو ترك محرَّم) فإن عقد على غير هذين الشرطين، لم يصح؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). قيل: الصَّغار جريان أحكام المسلمين عليهم (٢). (ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتابين) التوراة والإنجيل، وهم اليهود والنصارى، (ولمن وافقهم) (٣) أي: اليهود والنصارى (في التدين بالتوراة والإنجيل، كالسَّامرة) قبيلة من بني إسرائيل نُسب إليهم السَّامري، ويُقال لهم في زمننا: سَمَرَة، بوزن شجرة، وهم طائفة من اليهود يتشدَّدون في دينهم، ويخالفونهم في بعض الفروع (والفرنج) وهم الروم، ويقال لهم: بنو الأصفر، والأشبه أنها مولَّدة نسبةٌ إلى فَرَنْجة بفتح

стр. 3048

أوله وثانيه، وسكون ثالثه، وهي جزيرة من جزائر البحر، والنسبة إليها فرنجي، ثم حذفت الياء. والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). وقول المغيرة بن شعبة لعامل كسرى: "أَمَرَنا نبيُّنَا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللهَ وحدَه، أو تؤدُّوا الجِزية" رواه أحمد والبخاري (٢). والإجماع (٣) على قَبوله الجِزية ممن بذلها من أهل الكتاب، ومن يلحق بهم، وإقرارهم بذلك في دار الإسلام. (ولمن له شُبهة كتابٍ، كالمجوس) لأن عمر لم يأخذها منهم حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أنَّ النبي ﷺ أخذها من مجوس هَجَر؛ رواه البخاري (٤). وفي رواية: أنه ﷺ قال: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" رواه الشافعي (٥).

стр. 3049

وإنما قيل: لهم شُبهة كتاب؛ لأنه رُوي أنه كان لهم كتاب فَرُفِعَ (١)، فصار لهم بذلك شُبهة أوجبت حَقْنَ دمائهم، وأخْذَ الجِزية

стр. 3050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →