باب عقد الذمة (١)
قال أبو عبيد (٢): الذمة الأمان؛ لقوله ﷺ : "يَسْعَى بذمَّتِهمْ أدناهم" (٣).
والذِّمة: الضمان والعهد، وهي فِعلة من أَذمَّ يذمُّ، إذا جعل له عهدًا.
ومعى عقدِ الذِّمة: إقرارُ بعض الكفار على كفره، بشرط بَذْلِ الجِزية، والتزامِ أحكام المِلَّة.
(لا يصح عقدُها إلا من إمام أو نائبه) لأن ذلك يتعلق بنظر الإمام، وما يراه من المصلحة، ولأنه عقد مؤبَّد، فلا يجوز أن يُفتات به على الإمام.
(ويحرم) عقد الذِّمة (من غيرهما) أي: غير الإمام ونائبه؛ لأنه افتيات على الإمام.
(ويجب عقدُها إذا اجتمعتِ الشروطُ) السابق ذكرها، وتأتي أيضًا (ما لم يخف غائلةً منهم) أي: غدرًا بتمكنهم (٤) من الإقامة بدار الإسلام،
стр. 3047
فلا يجوز عقدُها؛ لما فيه من الضرر علينا.
(وصفةُ عقدِها: أقررتكم بجزيةٍ واستسلام) أي: انقياد والتزام لأحكامِ الإسلامِ (أو يبذلون ذلك فيقول: أقررتكم على ذلك، ونحوهما) أي: نحو هاتين الصيغتين؛ كقوله: عاهدتكم على أن تقيموا بدارنا بجزية والتزامِ حكمنا، ولا يُعتبر ذِكرُ قَدْرِ الجِزيةِ في العقد.
(فالجِزية) مأخوذة من الجزاء (مال يؤخذ منهم على وجه الصَّغار) بفتح الصاد المهملة، أي: الذِّلة والامتهان (كلَّ عامٍ، بدلًا عن قتلهم وإقامتهم بدارنا) فإنهم لو لم يبذلوها، لم يكفَّ عنهم.
(ولا يجوز عَقدُ الذِّمة المؤبَّدة إلا بشرطين؛ أحدهما: التزام إعطاء الجِزية كلَّ حولٍ، والثاني: التزام أحكام الإسلام؛ وهو قَبول ما يحكم به عليهم من أداء حقٍّ، أو ترك محرَّم) فإن عقد على غير هذين الشرطين، لم يصح؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١).
قيل: الصَّغار جريان أحكام المسلمين عليهم (٢).
(ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتابين) التوراة والإنجيل، وهم اليهود والنصارى، (ولمن وافقهم) (٣) أي: اليهود والنصارى (في التدين بالتوراة والإنجيل، كالسَّامرة) قبيلة من بني إسرائيل نُسب إليهم السَّامري، ويُقال لهم في زمننا: سَمَرَة، بوزن شجرة، وهم طائفة من اليهود يتشدَّدون في دينهم، ويخالفونهم في بعض الفروع (والفرنج) وهم الروم، ويقال لهم: بنو الأصفر، والأشبه أنها مولَّدة نسبةٌ إلى فَرَنْجة بفتح
стр. 3048
أوله وثانيه، وسكون ثالثه، وهي جزيرة من جزائر البحر، والنسبة إليها فرنجي، ثم حذفت الياء.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). وقول المغيرة بن شعبة لعامل كسرى: "أَمَرَنا نبيُّنَا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللهَ وحدَه، أو تؤدُّوا الجِزية" رواه أحمد والبخاري (٢). والإجماع (٣) على قَبوله الجِزية ممن بذلها من أهل الكتاب، ومن يلحق بهم، وإقرارهم بذلك في دار الإسلام.
(ولمن له شُبهة كتابٍ، كالمجوس) لأن عمر لم يأخذها منهم حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أنَّ النبي ﷺ أخذها من مجوس هَجَر؛ رواه البخاري (٤). وفي رواية: أنه ﷺ قال: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أهل الكتاب" رواه الشافعي (٥).
стр. 3049
وإنما قيل: لهم شُبهة كتاب؛ لأنه رُوي أنه كان لهم كتاب فَرُفِعَ (١)، فصار لهم بذلك شُبهة أوجبت حَقْنَ دمائهم، وأخْذَ الجِزية
منهم، ولم تنهض في إباحة نسائهم وحِلِّ ذبائحهم.
(و) كـ (الصابئين وهم: جنس من النصارى نصًّا) (١) وعنه: (٢) أنهم يسبتون. وروي عن عمر (٣)، فهم (٤) بمنزلة اليهود.
وقال مجاهدٌ: هم بين اليهود والنصارى (٥).
стр. 3052
ورُوي أنهم يقولون: إن الفَلَكَ حيٌّ ناطق، وإن الكواكب السبعة آلهة (١). وحينئذٍ فهم كَعَبَدَةِ الأوثان.
(ومن عداهم) أي: عدا أهل الكتاب ومن وافقهم في التديُّن بالكتابين، ومن له شُبهة كتاب كالمجوس (فلا يُقبل منهم إلا الإسلام أو القتل) لحديث: (أُمِرْتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يشهَدُوا أن لا إلهَ إلَّا الله" (٢)، خُصَّ منه أهلُ الكتاب ومن أُلحق بهم؛ لما تقدم، وبقي من عداهم على الأصل، فأما أهل صُحُف إبراهيم وشيث، وزبور داود، فلا تُقبل منهم الجِزية؛ لأنهم غير أولئك، ولأن هذه لم يكن فيها شرائع، إنما هي مواعظ وأمثال، كذلك وصف النبيُّ ﷺ صُحُف إبراهيم وزبور داود في حديث أبي ذر (٣).
стр. 3053
(وإذا عقد الإمام) أو نائبه (الذِّمَةَ لكفارٍ زعموا أنهم أهلُ كتاب، ثم تبين يقينًا أنهم عبدة أوثان) أو نحوهم (فالعقدُ باطل) لفوات شرطه.
(ومن انتقل إلى أحد الأديان الثلاثة من غير أهلها، بأن تهوَّد، أو تنصَّر، أو تمجَّس قبل بعث (١) نبيِّنا محمدٍ، ولو بعد التَّبديل، فله حكمُ الدِّين الذي انتقل إليه من إقراره بالجِزية وغيرِه) كحِلِّ ذبيحته ومناكحته إذا (٢) تهوَّد، أو تنصَّر.
(وكذا) من تهوَّد، أو تنصَّر، أو تمجَّس (بعد بعثه (٣)) ﷺ ؛ لأنه ﷺ كان يقبلُها منهم من غير سؤال، ولو اختلف الحكم بذلك، لسأل عنه، ولو وقع لَنُقِلَ.
(وكذا من وُلِدَ بين أبوين لا تُقبل الجِزية من أحدهما) كمن وُلِدَ بين مجوسي ووثنية (إذا اختار دِين من يُقبل (٤) منه الجِزية) فتُقبل منه؛ لعموم النص فيهم؛ ولأنه اختار أفضل الدينين، وأقلهما كفرًا.
(ويأتي: إذا انتقل أحدُ أهل الأديان الثلاثة إلى غير دينه) في الباب مفصَّلًا.
"تتمة": في تسمية اليهود بذلك أقوال: إما لأنهم هادوا عن عبادة العجل، أي: تابوا، أو لأنهم مالوا عن دين الإسلام؛ أو لأنهم يتهوَّدون عند قراءة التوراة، أي: يتحركون؛ أو لنسبتهم إلى
стр. 3054
يهوذ (١) بن يعقوب بالمعجمة ثم عُرِّب بالمهملة.
والنصارى: واحدهم نصراني، والأنثى نصرانية، نسبة إلى قرية بالشام يقال لها: نصران وناصرة.
فصل
(ولا تؤخذ الجِزية من نصارى بني تغلب) بن وائل من العرب من ولد ربيعة بن نزار، فإنهم انتقلوا في الجاهية إلى النصرانية، فدعاهم عُمر إلى بَذْل الجزية، فأبوا وأنفوا، وقالوا: نحن عرب، خُذْ مِنَّا كما يأخذ بعضُكم من بعض باسم الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة، فلحق بعضهم بالروم، فقال النعمان بن زرعة: يا أمير المؤمنين، إن القوم لهم بأس وشدة، وهم عرب يأنفون من الجِزية، فلا تُعِنْ عليك عدوك بهم، وخُذْ منهم الجِزية باسم الصدقة، فبعث عمر في طلبهم وردَّهم، وضعَّف عليهم الزكاة (٢).
стр. 3055
(ولو بذلوها) أي: الجِزية، فلا تؤخذ منهم؛ لأن عقد الذِّمة مؤبَّد، وقد عقده معهم عمر هكذا، فليس لأحد نقضه (بل) تؤخذ الجِزية (من حربي منهم) أي: من بني تغلب (لم يدخل في الصُّلح إذا بذلها) قطع به في "الفروع"؛ لأنه ليس فيه نقض لفعل عمر؛ لعدم دخوله فيه.
(وليس للإمام نَقْض عهدهم) أي: بني تغلب (وتجديد الجِزية
стр. 3056
عليهم؛ لأن عَقْد الذِّمة مؤبَّد، وعَقَده (١) عمر ﵁ هكذا، فلا يغيره إلى الجزية) أحدٌ (وإن سألوه) لأن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد.
(وتؤخذ الزكاةُ منهم) أي: من بني تغلب (عوضها) أي: الجِزية (من ماشيةٍ وغيرِها مما تجب فيه زكاةٌ مِثْلَي ما يؤخذ من المسلمين) لأن تمام حديث عمر: أنه ضعَّف عليهم من الإبل في كل خمس شاتان، وفي كل ثلاثين بقرة تبيعان، وفي كل عشرين دينارًا دينار، وفي كل مائتي درهم عشرة، وفيما سقت السماء الخمس، وفيما سقي بنضح أو دولاب العُشْرُ (٢). واستقر ذلك من قوله ولم يُنكر، فكان كالإجماع.
وفي عبارته تسامح، والأولى أن يقال: و يؤخذ عِوض الجِزية منهم مِثْلَي (٣) زكاة المسلمين.
(حتى ممن لا تلزمه جزية، فيؤخذ من نسائهم وصِغارهم ومجانينهم وزَمْناهم ومكافيفهم) أي: العُمي منهم (وشيوخهم ونحوهم) لأن اعتبارها بالأنفس سقط، وانتقل إلى الأموال بتقديرهم (٤)، فتؤخذ من كل مال زكوي، سواء كان صاحبه من أهل الجِزية أو لم يكن؛ ولأن نساءهم وصبيانهم صِينوا عن السَّبي بهذا الصلح، ودخلوا في حكمه، فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء.
(و) لهذا (لا تؤخذ من فقير) ولو مُعتملًا (ولا ممن له مال دون
стр. 3057
نصاب، أو) له مال (غير زكوي) كالخيل والرقيق ونحوه الذي لم يكن للتجارة، ويكتفى بما يؤخذ منهم باسم الزكاة (ولو كان المأخوذ من أحدهم أقل من جِزية ذِمِّي) لعموم ما سبق.
(ويلحق بهم) أي: ببني تغلب (كلُّ مَن أباها) أي: الجِزية (إلا باسم الصدقة من العرب، وخيف منهم الضَّرر، كمَنْ تنصَّرَ من تنوخ) قبيلة سُمُّوا بذلك؛ لأنهم اجتمعوا، فأقاموا في مواضعهم، يقال: تَنَخَ بالمكان أقام به (وبَهْراء) بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وفتح الراء بعدها ألف -وِزَان: حمراء- قبيلة من قُضاعة، قاله في "حاشيته"، (أو تهوَّد من كِنانة) بكسر الكاف (وحِمْير) بكسر الحاء المهملة (أو تمجَّس من بني تميم) ومضر؛ لأنهم من العرب، أشبهوا بني تغلب.
(ومَصْرِف ما يؤخذ منهم كجِزية) لأنه مأخوذ من مشرك، فكان جِزية، وغايته أنه جِزية مسمَّاة بالصدقة، ولهذا قال عمر (١): هؤلاء حمقى؛ رضوا بالمعنى وأبوا الاسم.
(و لا جِزية على من لا يجوز قتله، إذا أُسِر) لأن قتلهم ممتنع، وتقدم أن الجِزية بدل عن قتلهم. وكتب عمر إلى أمراء الأجناد: "أن اضْرِبوا الجِزية، ولا تضربوها على النساء والصبيان" رواه سعيد (٢).
стр. 3058
(فلا تجب) الجزية (على صغير، ولا امرأة) لما مرَّ.
(ولا) على (خُنثى) مُشْكِلٍ؛ لأنه لا يُعلم كونه رجلًا (فإن بان) الخُنثى (رجلًا، أخذ منه للمستقبل فقط) أي: دون الماضي.
(ولا) جزية (على مجنون ولا زَمِنٍ ولا أعمى، ولا شيخ فان.
ولا راهب بصومعة: وهو الذي حَبَس نفسه وتخلَّى عن الناس في دينهم ودنياهم) لأنهم لا يقتلون، فلم تجب عليهم الجِزية، كالنساء والصبيان.
(ولا يبقى بيده) أي: الراهب بصومعة (مالٌ إلا بُلْغته فقط، ويؤخذ ما بيده) زائدًا على ذلك.
(وأما الرُّهبان الذين يخالطون الناس، ويتخذون المتاجر والمزارع، فحكمهم كسائر النصارى، تؤخذ منهم الجِزية باتفاق المسلمين، قاله الشيخ (١).
وتؤخذ) الجِزية (عن الشمَّاس (٢) كغيره) لعدم الفرق.
(ولا) جِزية (على عبد، ولو لكافر) نصَّ عليه (٣)؛ لقوله ﷺ : "لا جِزية على عبد" (٤)، وعن ابن عمر
стр. 3059
مثله (١)؛ ولأنه مال فلم تجب عليه، كسائر الحيوانات.
(بل) تجب الجِزية (على مُعْتَقٍ ذمِّي) لما يستقبل (ولو أعتقه مسلم) لأنه حر مكلَّف موسر من أهل القتل، فلم يُقرَّ في دارنا بغير جِزية؛ كحر الأصل.
(و) تجب الجزية على (مُعتق بعضُه بقَدْر حريته) لأنه حكم يتجزأ، يختلف بالرق والحرية، فيقسم على قَدْر ما فيه منهما، كالإرث.
(ولا) تجب الجِزية (على فقير يعجز عنها غير مُعتمِل) لأن عمر جعل الجِزية على ثلاث طبقات، جعل أدناها على الفقير المُعتمِل (٢)،
стр. 3060
فدلَّ على أن غير المعتمل لا شيء عليه، ولقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ (١).
(فإن كان) الفقير (مُعتمِلًا، وجبت عليه) الجزية؛ لما سبق.
(و من بلغ، أو أفاق، أو استغنى ممن تعقد له الجزية، فهو من أهلها بالعقد الأول، ولا يحتاج إلى استئناف عقد) له؛ لأنه لم ينقل تجديده لمن ذكر؛ ولأن العقد يقع مع سادتهم، فيدخل فيه سائرهم. (وتُؤخذ) منه الجِزية (في آخر الحول، بقَدْر ما أدرك) منه، فإن كان في نصفه، فنصفها، ولا يترك حتى يتمَّ حَول من حين وُجِدَ سببه؛ لأنه يحتاج إلى إفراده بحول، وضبط كل إنسان بحول يشق ويتعذَّر. ومثلهم من عتق في أثناء الحَول.
(ومن كان) من أهل الجزية (يُجَنُّ) تارة (ويُفيق) أخرى (لُفِّقت إفاقته، فإذا بلغت) إفاقته (حولًا، أُخذت منه) الجِزية؛ لأن حوله لا يكمل إلا حينئذ.
(وإن كان في الحِصن نساء، أو من لا جزية عليه) كالعُمْي والشيوخ (فطلبوا عقد الذِّمة بغير جزية، أجيبوا إليها) فيعقد لهم الأمان.
(وإن طلبوا عقدها) أي: الذِّمة (بجزية، أُخبروا أنه لا جزية عليهم) لينكشف لهم الأمر.
(فإن تبرَّعوا بها، كانت هِبةً) لا جزية، فلا تلزم قبل القبض، فـ (متى امتنعوا منها، لم يجبروا) عليها؛ لعدم اللزوم.
(وإن بذلتها) أي: الجزية (امرأةٌ؛ لدخول دارنا، مُكِّنت مجانًا) أي: بلا شيء، وإن كانت أعطت شيئًا، رُدَّ عليها؛ لأن من أدَّى شيئًا يظن
стр. 3061
أنه عليه، فتبيَّن أن لا شيء عليه، وجب ردُّه على آخذه؛ لفساد القبض (إلا أن تتبرَّع به) أي: بما تدفعه (بعد معرفتها أن لا شيء عليها) فتكون هِبة لا تلزم إلا بالقبض، فإن شرطت ذلك على نفسها ثم رجعت، فلها ذلك.
و (لكن يشترط) الإمام أو نائبه (عليها) أي: على المرأة إذا أرادت دخول دارنا (التزامَ أحكام الإسلام) كما يشترطه على المقاتلة (ويعقد لها الذَّمة) بعد إجابتها لذلك.
(ومَرْجعُ جزيةٍ وخراجٍ إلى اجتهاد الإمام، وتقدم) في الأرضين المغنومة (١).
(وعنه) (٢): يرجع فيهما (إِلى ما ضَرَبه عمر) بن الخطاب ﵁.
(فيجب أن يقسمه) أي: مال الجزية (الإمامُ عليهم، فيجعل على الموسر ثمانية وأربعين درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرين) درهمًا (وعلى الأدون اثني عشر) درهمًا؛ لفعل عمر (٣) ذلك بمحضر من الصحابة ولم يُنكرْ، فكان كالإجماع.
ويُجاب عن قوله ﷺ لمعاذ: "خُذْ من كلِّ حَالمٍ دينارًا" (٤): بأن الفقر كان في أهل اليمن أغلب، ولذلك قيل لمجاهد: "ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من
стр. 3062
أجل اليسار" (١). وبأن الجزية يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، وليس التقدير واجبًا؛ لأنها وجبت صَغارًا وعقوبة، فاختلفت باختلافهم.
(ويجوز أن يأخذ) في الجزية (عن كل اثني عشر دِرهمًا دينارًا) لأنه يعدلها قيمةً بحسب الزمن الأول.
(ولا يتعيَّن أخذُها) أي: الجزية (من ذهب ولا فضَّة، بل مِن كل الأمتعة بالقيمة) لحديث معاذ: "أن النبي ﷺ لما وجَّهه إلى اليمن أَمَرَه أن يأخذ من كلِّ حالمٍ -يعني محتلمًا- دينارًا، أو عَدْله من المعافر -ثياب تكون باليمن-" رواه الترمذي وحسَّنه (٢).
(ويجوز أخْذُ ثمن الخمر والخنزير عن الجزية والخراج؛ إذا تولَّوا بيعهما وقبضوه) أي: الثمن؛ لأنه من أموالهم التي نُقِرُّهم على اقتنائها، كثيابهم. قال في "أحكام الذِّمة" (٣): قلت: ولو بذلوها في ثمن مبيع، أو إجارة، أو قَرْض، أو ضمان، أو بدل متلف، جاز للمسلم أخذُها وطابت له.
(و الغنيُّ فيهم من عدَّه الناس غنيًّا عُرفًا) لأن المقادير توقيفية، ولا توقيف هنا، فوجب ردّه إلى العُرف، كالقبض والحرز.
(ومتى بذلوا الواجب) عليهم من الجزية (لزم قَبولُه) لقوله ﷺ لمعاذ: "ادْعُهم إلى أداء الجِزية، فإن أجابوك، فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم" (٤). (ودَفْعُ من قصدهم بأذًى في دارنا) ولو كانوا منفردين ببلد.
стр. 3063
قال في "الترغيب": والمنفردون ببلد متصل ببلدنا يجب ذبُّ أهل الحرب عنهم على الأشبه، ولو شرطنا أن لا نَذُبَّ عنهم، لم يصح. واقتصر عليه في "الفروع"، فإن كانوا بدار حرب لم يلزمنا الذَّبُّ عنهم.
(وحَرُمَ قتالهم وأخْذُ مالهم) بعد إعطاء الجزية؛ لأن الله تعالى جعل إعطاء الجزية غايةً لقتالهم.
(ومن أسلم) منهم (بعد الحول، سقطت عنه الجِزية) لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١) وقوله ﷺ : "الإسلام يجبُّ ما قبله" (٢)، وعن ابن عباس مرفوعًا: "ليس على المسلمِ جِزية" رواه أبو داود والترمذي (٣).
стр. 3064
ولأنها عقوبة سببها الكفر، فسقطت بالإسلام، فإن كان إسلامه قبل تمام الحول، لم تؤخذ بطريق الأولى.
و (لا) تسقط الجزية (إِن مات) الذِّميُّ بعد الحول (أو طرأ عليه مانعٌ من جنون ونحوه) كعمىً (فتُؤخذ من تَرِكَة ميتٍ، ومن مال حي) لأنها دين، فلم تسقط بذلك، كدين الآدمي.
(وإن طرأ المانعُ في أثناء الحول، كموت، سقطت) لأن الجزية لا تجب ولا تؤخذ قبل كمال حولها.
(و من اجتمعت عليه جزية سنين (١)، استوفيت كلها، ولم تتداخل) كدين الآدمي، ولأنها حق مالي يجب في آخر كل حول، فلم تتداخل، كالدية.
(وتؤخذ) الجزية (كُلَّ سنةٍ هلالية مرة) واحدة (بعد انقضائها) أي: السنة؛ لأنها مال يتكرر بتكرر (٢) الحول، فلم يؤخذ قبله، كالزكاة.
(ولا تجوز مطالبته بها عقب عقد الذِّمة) لأنه لا يصح شرط تعجيلها، ولا يقتضيه الإطلاق. قال الأصحاب: لأنا لا نأمن نقض أمانه، فيسقط حقه من العِوض.
(ويُمْتَهنون عند أخذها) أي: الجِزية منهم (وتُجَرُّ أيديهم عند
стр. 3065
أخذها، ويُطال قيامهم حتى يألموا ويتعبوا، وتؤخذ منهم وهم قيامٌ، والآخذُ) للجزية (جالس) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١) قال في "المبدع": وظاهره: أن هذه الصفة مستحقَّة.
(ولا يُقبل منهم إرسالُها) أي: الجزية (مع غيرهم، لزوال الصَّغَار، كما لا يجوز تفريقُها بنفسه، بل يحضرُ الذِّميُّ بنفسه، ليؤدِّيهَا وهو قائمٌ) صاغر.
(وليس للمسلم أن يتوكَّل لهم في أدائها، ولا أن يضمَنَها، ولا أن يُحيل الذِّمي عليه بها) لفوات الصغار.
(ولا يُعذَّبون) أي: أهل الذِّمة (في أخْذِها) أي: الجزية (ولا يُشتطُّ) وفي نسخة: لا يشطط (عليهم) لما روى أبو عبيد "أن عمر أُتي بمال كثير -قال أبو عبيد: أحسبه الجزية- فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس؟ قالوا: لا واللهِ، ما أخذنا إلا عفوًا صفوًا، قال: بلا سوطِ ولا نوط (٢)؟ قالوا: نعم، قال: الحمد للهِ الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني" (٣).
فصل
(ويجوز أن يَشْرط عليهم) في عَقْد الذِّمة (مع الجزية ضيافة من يَمرُّ بهم من المسلمين، المجاهدين وغيرهم، حتى الراعي، وعلف دوابهم) لما رُوي أنه ﷺ "ضرب على نصارى أيلة ثلاثمائة دينار -وكانوا ثلاثمائة
стр. 3066
نفسٍ- وأن يُضَيِّفوا من مرَّ بهم من المسلمين" (١). وعن عمر: "أنه قضى عليهم ضيافة ثلاثة أيام، وعلف دوابهم، وما يصلحهم" (٢). وروى أحمد عن الأحنف بن قيس: "أن عمر شرط على أهل الذِّمة ضيافة يوم وليلةٍ، وأن يصلحوا القناطر، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم دِيته" (٣).
(ويُبين) الإمام، أو نائبه لهم (أيام الضيافة، والإدام، والعلف، وعدد من يُضاف من الرجَّالة والفرسان، والمنزل، فيقول: تُضِيفون في كلِّ سنة مائة يوم، في كل يوم عشرةً من المسلمين، من خبز كذا وكذا) ومن الأدم كذا (وللفرس من الشعير كذا، ومن التبن كذا) لأن ذلك من الجزية، فاعتبر العلم به، كالنقود، قاله القاضي.
(ويُبيِّنُ لهم ما على الغني والفقير) من الضيافة، كما في الجزية، (فيكون ذلك بينهم على قَدْرِ جزيتهم) قطع به في "المبدع"، وحكاه في "الإنصاف" قولًا عن "الرعاية"، مقابلًا لما قدَّمه من أنه يبين ما على الغني والفقير.
(فإن شَرَطَ الضيافة مطلقًا، قال في "الشرح" و"الفروع": صح) وقدَّمه في "الكافي"؛ لأن عمر لم يقدر ذلك، وقال: "أطعموهم
стр. 3067
مما تأكلون" (١).
"تنبيه": في عزوه ذلك لـ"الفروع" نظر؛ فإنه أطلق فيه الخلاف، وقال في "الإنصاف": قدَّمه في "الفروع"، فيحتمل أن النُّسخ مختلفة.
(وتكون مدَّتها) أي: الضيافة (يومًا وليلة) قال أبو بكر: الواجب يوم وليلة كالمسلمين، ولا يكلفون إلا من طعامهم وإدامهم.
(و لا تجب) الضيافة (من غير شرط) ؛ لأنها مال، فلا يلزمهم بغير رضاهم كالجزية (فلا يُكَلَّفون الضيافة) مع عدم الشرط (ولا) يُكَلَّفون (الذبيحة) وإن شرطت عليهم الضيافة (ولا) يُكَلَّفون (أن يضيفونا بأرفع من طعامهم) لما تقدم من قول عمر: "أطعموهم مما تأكلون" (٢).
(وللمسلمين النزول في الكنائس والبيعَ) فإنَّ عمر صالح أهل الشام على أن يوسِّعوا أبواب بِيَعهم وكنائسهم لمن يجتاز بهم من المسلمين، ليدخلوها ركبانًا (٣) (فإن لم يجدوا) أي: المسلمون (مكانًا، فلهم النزول في الأفنية وفُضُول المنازل، وليس لهم تحويلُ صاحبِ المنزل منه) لأنه
стр. 3068
إضرار به؛ وقد قال ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار" (١)، وإن شرط عليهم الضيافة؛ فامتنعوا من قَبولها، لم يعقد لهم الذِّمة.
(فإن) قبلوا و (امتنع بعضُهم من القيام بما يجب عليه، أُجبر عليه) كسائر الحقوق الواجبة.
(فإن امتنع الجميعُ) مما وجب عليهم (أُجبروا) على القيام به؛ لوجوبه.
(فإن لم يمكن) إجبارُهم (إلا بالقتال، قُوتلوا) عليه (فإن قاتلوا، انتقض عهدُهم) بالقتال.
(فإن جعل الضيافةَ مكان الجزية، صَحَّ) لما رُوي أن عمر كتب لراهب من أهل الشام: "إنني إنْ وَليت هذه الأرض، أسقطتُ عنك خراجك، فلما قدم عمر الجابية، وهو أمير المؤمنين، جاءه بكتابه فعرفه وقال: إنني جعلت لك ما ليس لي، ولكن اخترْ، إن شئت أدِّ الخراج، وإن شئت أن تضيف المسلمين، فاختار الضيافة" (٢). لكن يشترط أن تكون الضيافة يبلغ قَدْرها ما يقابل ما يجب عليهم من الدراهم أو الدنانير، قاله في "شرح المنتهى". قال في "المبدع": ويشترط أن يبلغ قَدْرها أقل الجزية، إذا قلنا هي مقدَّرة؛ لئلا ينقص خَرَاجه عن أقلها، انتهى. ومعناه في "الشرح"، ومقتضاه: أنه لا يُشترط؛ إذ الأصح أنها إلى اجتهاد الإمام.
(وإذا شرط في) عقد (الذِّمة شرطًا فاسدًا، مثل أن يَشرُطَ أن لا جزية عليهم، أو) يشرط (إظهارَهم المنكر، أو إسكانَهم الحجازَ ونحوه، فسد العقدُ) لفساد الشرط، وصحح في "تصحيح الفروع": أنه يفسد الشرط
стр. 3069
دون العقد، ذكره في الهُدنة، وجزم به في "المنتهى" هناك.
(وإذا تولى إمام فعرف قَدْر جزيتهم، أو قامت به بينة، أو كان) قَدْر جزيتهم (ظاهرًا، أقرَّهم عليه) لأن الخلفاء أقرُّوهم على ذلك، ولم يجددوا لمن كان في زمنهم عقدًا؛ ولأنه عقد لازم، كالإجارة، أو عقد بالاجتهاد، فلا ينقض.
(وإن لم يعرِفْه) أي: ما عليهم (رَجَعَ إلى قولهم فيما يسوغ أن يكون جزية) لإنكارهم ما زاد.
(وله) أي: الإمام (تحليفُهم مع التُّهمة) أي: اتهامه إياهم فيما يذكرونه (فإن بان له) أي: الإمام (كذبهم) وأنهم أخبروه بنقص عما كانوا يؤدونه لمن قبله (رجع عليهم) بما بقي؛ لبقائه عليهم.
وإن قالوا: كنا نؤدِّي كذا جزية، وكذا هدية، استحلفهم يمينًا واحدة؛ لأن الظاهر فيما يدفعونه أنه كله جزية.
وإن قال بعضهم: كنا نؤدِّي دينارًا، وبعضهم: كنا نؤدِّي دينارين، أخذ كل واحد منهم بما أقرَّ به، ولا يقبل قول بعضهم على بعض؛ لأن أقوالهم غير مقبولة.
(وإذا عقد الإمام الذِّمة كتب أسماءهم وأسماء آبائهم) فيكتب: فلان بن فلان.
(و) كتب (حِلاهم) جمع: حلية، بكسر الحاء، ويجوز ضمها، فيكتب: طويل، أو قصير، أو ربعة، أسمر، أو أخضر، أو أبيض، مقرون الحاجبين، أو مفروقهما، أدعج العين، أقنى الأنف أو ضدهما، ونحو ذلك من الصفات اللازمة التي يتميز بها كل واحد منهم عن غيره. (و) كتب (دينهم) فيقول: يهودي، أو نصراني، أو مجوسي.
стр. 3070
(وجعل لكل طائفة عريفًا) وهو: القيِّم بأمور القبيلة أو الجماعة، وتقدم حديث: "العرافة حق" (١) (مسلمًا) ليقبل خبره بجميعهم عند أداء الجزية، و (يكشف حال من بَلغ، أو استغنى، أو أسلم، أو سافر ونحوه) كمن عتق من أرقائهم، أو أفاق من مجانينهم؛ ليتعرَّف أمر الجزية (أو نقض العهد، أو خرق شيئًا من أحكام الذِّمة) ليرتب عليه مقتضاه.
(وما يذكره بعض أهل الذِّمة أن معهم كتاب النبي ﷺ بإسقاط الجزية عنهم، لا يصح) وسُئل ابن سريج عن ذلك؟ فقال: لم ينقل ذلك أحد من المسلمين، وروى: أنهم طولبوا بذلك فأخرجوا كتابًا ذكروا أنه بخط علي بن أبي طالب كتبه عن النبي ﷺ ، وأنَّ فيه شهادة سعد بن معاذ، ومعاوية، فوجد تاريخه بعد موت سعد، وقبل إسلام معاوية، فاستدلَّ بذلك على بطلانه (٢).
(ومن أُخِذت عنه الجزية، كُتب له براءة لتكون له حُجَّة إذا احتاج إليها) كما تقدم في الزكاة (٣)، بل هنا أَولى؛ لأنه لا يُقبل قوله في أداء الجزية بلا بينة (ويأتي) ذلك في (الباب بعده).
стр. 3071
باب أحكام الذِّمة (١)
أي: ما يجب عليهم أوْ لهم بعد عقد الذِّمة مما يقتضيه عقدها لهم (يلزم الإمامَ أن يأخذهم) أي: أهل الذِّمة (بأحكام الإسلام في ضمان النفس) فمن قتل أو قطع طرفًا أُخذ بموجب ذلك، كالمسلم؛ لما رُوي: "أنَّ يهوديًّا قَتَلَ جاريةً على أوضاحٍ لها، فقَتَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ " متفق عليه (٢) (والمال) فلو أتلف مالًا لغيره، ضَمِنه (والعِرْضِ) فمن قذف إنسانًا، أو سبَّه ونحوه، أُقيم عليه ما يُقام على المسلم بذلك؛ لأن الإسلام نقض حكم ما يخالفه.
(و) يلزمه (إقامة الحدِّ عليهم فيما يعتقدون تحريمه؛ كزنًى وسرقةٍ) لما في الصحيحين عن ابن عمر: "أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ برجُلٍ وامرأةٍ من اليهودِ زَنَيَا، فرَجَمَهُما" (٣) ولأنه يَحرم في دينهم، وقد التزموا حكمَ الإسلام، فثبت في حقهم كالمسلم.
و (لا) يقيم الحدَّ عليهم (فيما يعتقدون حِلَّه، كشرب خمرٍ، ونكاح
стр. 3072
محْرمٍ) وأكل لحم خنزير؛ لأنهم يعتقدون حِلَّه، ولأنهم يقرُّون على كفرهم، وهو أعظم جُرمًا، إلا أنهم يمنعون من إظهار ذلك بين المسلمين؛ لتأذيهم به (أو يرون صحته من العقود، ولو رضوا بحكمنا) فلا نتعرض لهم فيه، ما لم يرتفعوا إلينا.
(قال الشيخ (١): واليهودي إذا تزوَّج بنت أخيه، أو) بنت (أخته، كان ولدُه منها يلحقه، ويرثه باتفاق المسلمين، وإن كان هذا النكاح باطلًا باتفاق المسلمين) أي: لأنه وطء شُبهة؛ لاعتقادهم حِلَّه.
(ويلزمهم التمييز عن المسلمين، فيشترطه الإمام عليهم) لاشتراط أهل الجزيرة على أنفسهم ذلك، حيث قالوا: "وأن نَلْزَمَ زيّنَا حيثُمَا كُنَّا، وأن لا نَتَشَبَّه بالمسلمين في لبسِ قَلَنْسُوةٍ، ولا عِمامةٍ، ولا نعلينِ، ولا فَرقِ شعْرٍ … إلخ. وكتبوا به إلى عبد الرحمن بن غَنْم، فكتب به (٢) إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: أن أمضِ لهم ما سألوا (٣) " الخبر مطولًا، رواه الخلال (٤).
ويكون التمييز في أمور، منها: (في شعورهم بحَذْف) أي: حلق (مقادم (٥) رؤوسهم، بأن يجزُّوا نواصيهم) وهي مقدار ربع الرأس (ولا يتحذفوا شوابين (٦) لأنه من عادة الأشراف) فيمنعون منه.
стр. 3073
(و) يلزمهم التميز (١) -أيضًا- في شعورهم (بترك الفرق) وهي (٢) قسم شعر الرأس نصفين بالسوية، وجعله ذؤابتين (فلا يفرق) الذِّمي (شعر جُمَّته) أي: رأسه (فرقتين، كما تفرق (٣) النساء) لأن الفرق من سُنة المسلمين، بل تكون شعور رؤوسهم جُمَّة؛ لما تقدم.
(وَكُنَاهُم، فلا يَتَكَنَّوا (٤) بكُنى المسلمين، كأبي القاسم، وأبي عبد الله، وأبي محمد، وأبي الحسن، وأبي بكر ونحوها) مما هو في الغالب في المسلمين؛ لقولهم في الخبر السابق: "ولا نتكنَّى بكناهم".
(وكذا لقب) أي: يمنعون من ألقاب المسلمين (كعزِّ الدين ونحوه) كزين الدين.
(ولا يمنعون الكُنَى بالكلية) قال أحمد (٥) لطبيب نصراني: يا أبا إسحاق. واحتج (٦) بفعل النبي ﷺ وفعل عمر. ونقل أبو طالب (٧): لا بأس به، النبي (٨) ﷺ قال لأسقف نجران: "يا أبا الحارث، أسْلِمْ
стр. 3074
تَسْلم" (١) وعمر قال لنصراني: "يا أبا حسان" (٢). وفي "الفروع": يتوجَّه احتمال: يجوز للمصلحة، وقاله بعض العلماء، ويُحمل ما روي عليه.
(ويلزمهم الانقياد لحكمنا إذا جرى عليهم) ولو اعتقدوا خلافه؛ لنسخ الإسلام سائرَ الشرائع، والتزامهم ذلك بالعقد، إذ شرطه التزام حكمنا كما سبق.
(ولهم ركوب غير خيل) يدخل فيه البغال، وصرَّح به القاضي في "الأحكام السلطانية" (٣). قلت: ولعل المراد: إذا لم تُرَدْ للْعِزَّ؛ لأنها إذن كالخيل، والمقصود إذْلالُهم (بلا سرجٍ عرضًا، بأن تكون رجلاه إلى جانب، وظهره إلى) الجانب (الآخر على الأُكُف، جمع إكاف) بوزن كُتُب وكتاب (وهو البرذعة) لما روى الخلال: "أن عمرَ أمَرَهُم بذلكَ" (٤)، وظاهره: قربت المسافة أو بعدت. قاله في "المبدع".
(و) يلزمهم التمييز أيضًا (في لباسهم بالغيار، فيلبسون ثوبًا يخالف لونه بقية ثيابهم؛ كعسلي ليهود وهو ضرب من اللباس معروف، وأَدْكَن لنصارى) وهو لون (يضرب إلى السواد، وهو الفاختي، ويكون هذا في ثوب واحد لا في جميعها) أي: الثياب؛ لحصول المقصود بواحد منها.
(ولامرأةٍ غيار بخفين مختلفي اللون، كأبيضَ وأحمرَ، ونحوهما إن
стр. 3075
خرجت بخف) قال في "المبدع": فإن أبوا الغيار، لم يجبروا، ونغيره نحن.
(و) مما يتميزون به (شد الخِرَق الصُّفْر ونحوها) كالزرق (في قلانسهم وعمائمهم، مخالفةً للونها) أي: تكون الخِرْقة مخالف لونها لون القلانس والعمائم؛ ليحصُل التمييز.
(ولما صارت العمامة الصفراء والزرقاء والحمراء من شعارهم، حرم على المسلم لبسها) قاله الشيخ تقي الدين (١). لكن في الزرقاء والصفراء واضح، لا في الحمراء (والظاهر: أنه يجتزئ (٢) بها) أي: بالعمامة الزرقاء ونحوها، كالذي اعتاده اليهود ببلدنا (في حق الرجال عن الغيار ونحوه) كشد الزنار (لحصول التمييز الظاهر بها، وهو في هذه الأزمنة وقبلها كالإجماع؛ لأنها صارت مألوفة لهم، فإن أرادوا العدول عنها، مُنِعوا.
وإن تَزَيَّا بها مسلم، أو علَّق صليبًا بصدره حَرُم) لحديث: "من تَشَبَّهَ بقوْمٍ فهو منهم" (٣). ويكون قولهم فيما تقدم: يُكره التشبه بزي أهل الكتاب ونحوهم، مخصوصًا بغير ما هنا. والفرق ما في هذه من شدة المشابهة (ولم يكفر) بذلك كسائر المعاصي، والخبر للتنفير.
(ولا يتقلَّدوا السيوفَ، ولا يحملوا السلاحَ، ولا يُعلموا أولادهم القرآن، ولا بأس أن يُعلِّموا الصلاة على النبي ﷺ ) قال مهنا (٤): سألت أبا عبد الله: هل يُكره للمسلم أن يُعلِّم غلامًا مجوسيًّا شيئًا من القرآن؟ قال:
стр. 3076
إن أسلم فنعم، وإلا؛ فأكره أن يضع القرآن في غير موضعه. قلت: فيعلمه أن يُصلِّي على النبي ﷺ ؟ قال: نعم.
(ولا يتعلَّموا العربية) لاشتراطهم على أنفسهم في كتابهم لعبد الرحمن بن غَنْم، وأمر عمر أن يكتب لهم ما قالوا فيه: "ولا نتكلَّمُ بكَلامِهِمْ" (١).
(ويُمنعون من العمل بالسلاح، وتَعلُّم المقاتَلَة بالثِّقاف (٢)، والرمي وغيره) كلعب برمح ودبوس؛ لأن في ذلك معونة لهم علينا.
(ويؤمر النصارى بشدِّ الزُّنَّار فوق ثيابهم) لأنهم إذا شدُّوه من داخل لم يُرَ، فلم تكن له فائدة.
(وهو) أي: الزُّنار (خيط غليظ على أوساطهم خارج الثياب) لما تقدَّم.
(وليس لهم إبداله بمنطقة ومنديل ونحوهما) لعدم حصول المقصود من التمييز.
(و) يكون الزُّنار (للمرأة تحت ثيابها) قاله القاضي، وعلل بأنها إن شدته فوق كل الثياب انكشفت رأسها، وقال في "المبدع": لكن المرأة تشده فوق ثيابها تحت الإزار؛ لأنه لو شد فوقه لم يثبت.
(ويكفي أحدهما، أي: الغيار أو الزُّنار) لأن المقصود التمييز وهو حاصل. وقال (٣) في "المستوعب": فالتمييز في الملبوس بالغيار، إلى أن قال: ويؤمرون مع ذلك بشد الزنار فوق ثيابهم، فمقتضاه الجمع
стр. 3077
بينهما، وهو ظاهر كلام غيره.
(ولا يمنعون فاخر الثياب ولا العمائم، والطيلسان؛ لحصول التمييز بالغيار والزُّنار.
ويُجعل في رقابهم خواتيمُ من رصاص أو حديد؛ لا من ذهب وفضة) لتحريمهما على الذكور.
(و) كذلك (لو جعل في عنقه صليبًا لم يجز) لما فيه من إظهار الصليب (أو) يُجعل في رقابهم (جُلْجُلٌ -جرس صغير- لدخولهم حمامنا) ليحصُل الفرق، وظاهره: جواز دخولها الحمام مع المسلمات.
(ويلزم تمييز قبورهم عن قبورنا تمييزًا ظاهرًا كالحياة، وأولى) وذلك بأن لا يدفنوا أحدًا منهم في مقابرنا.
(وينبغي مباعدةُ مقابرهم عن مقابر المسلمين، وظاهره: وجوبًا؛ لئلا تصير المقبرتان واحدة؛ لأنه لا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين، وكلَّما بَعُدت) مقابرهم (عنها كان أصلح) للتباعد عن المفسدة.
(ويُكره الجلوس في مقابرهم) لأنه ربما أصابهم عذاب، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١).
(ولا يجوز تصديرُهم في المجالس) لأن فيه تعظيمًا لهم.
(ولا) يجوز (القيامُ لهم) لأنه في معناه (ولا لمبتدع يجب هجره) كرافضي، قلت: ويُكره ذلك لمن يُسنُّ هجره، كمتجاهر بمعصية، كعيادته.
(ولا يُوقَّرون كما يُوقَّر المسلم) لانحطاط رتبتهم.
стр. 3078
(ولا تجوز بداءتهم بسلام (١)) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تبدؤوا اليهودَ والنصارى بالسلام، فإذا (٢) لقيتُم أحدهم في الطريق، فاضطَرُّوهم إلى أضْيَقِهَا" رواه الترمذي (٣)، وقال: حسن صحيح، وقال في "المنتقى" (٤) و"المبدع": متفق عليه (٥)، وعزاه في "الشرحين" (٦) إلى الترمذي.
(فإن كان معهم مسلمٌ نواه) أي: المسلم (بالسلام) لأهليته له.
(ولا) يجوز (قوله) أي: المسلم (لهم) أي: لواحد من أهل الذِّمة (كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ وكيف أنت؟ وكيف حالك؟) نص عليه (٧). قال في رواية أبي داود (٨): هذا عندي أكبر من السلام.
(وقال الشيخ (٩): يجوز أن يقال له: أهلًا وسهلًا، وكيف أصبحت؟ ونحوه) مثل كيف حالك؟
(ويجوز قوله) أي: المسلم (له) أي:
стр. 3079
الذِّمي (١) (أكرمك الله، وهداك الله، يعني بالإسلام). قال إبراهيم الحربي لأحمد: يقول له: أكرمك الله؟ قال: نعم، يعني بالإسلام (٢).
(ويجوز) قول المسلم للذِّمي (أطال الله بقاءك، وأكثر مالك وولدك، قاصدًا بذلك كثرة الجزية) لكن كَرِه أحمد (٣) الدُّعاء لكل أحد بالبقاء ونحوه؛ لأنه شيء فُرغ منه. واختاره الشيخ تقي الدين (٤). واستعمله (٥) ابن عقيل وغيره، وصح أنه ﷺ دَعَا لأنس بطُولِ العُمر (٦). وقد روى أحمد وغيره من حديث ثوبان: "لا يَردُّ القدرَ إلا الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العمر إلا البرُّ" (٧) إسناده ثقات. قاله في "المبدع". وفي "شرح
стр. 3080
المهذب" للنووي (١): نقل أبو جعفر النحاس اتفاق العلماء على كراهة قول: أطال الله بقاءك، وقال بعضهم: هي تحية الزنادقة.
(ولو كتب كتابًا إلى كافر، وكتب) أي: أراد أن يكتب (فيه سلامًا، كتب: سلام على من اتبع الهدى) لأن ذلك معنًى جامع.
(وإن سلَّم على من ظنه مسلمًا، ثم عَلِم أنه ذِمي استُحب قوله) أي: المُسْلِم (له) أي: للذِّمي (رُدَّ عليَّ سلامي) لما روي عن ابن عمر: "أنهُ مرَّ على رجلٍ فسلَّم عليه. فقيلَ: إنه كافرٌ، فقال: رُدَّ عليَّ ما سَلَّمتُ عليكَ، فردَّ عليه، فقال: أكثرَ الله مالكَ وولدَك، ثم التَفَتَ إلى أصحابه فقال: أكثر للجزيةِ" (٢).
(وإن سَلَّم أحدهم) أي: أهل الذِّمة (لزم ردّه، فيقال له: وعليك، أو: عليكم) بلا واو (وبالواو أولى) لكثرة الأخبار. وروى أحمد بإسناده عن أنس أنه قال: نُهينا أو أُمرنا أنْ لا نزيدَ أهلَ الذِّمةِ على وعليكُم (٣).
стр. 3081
وعند الشيخ تقي الدين (١): يرد مثل تحيته، فيقول: وعليك مثل تحيتك.
(وإذا لقيه المُسلِم في طريق، فلا يوسع له، يضطره (٢) إلى أضيقه) لحديث أبي هريرة. وتقدم (٣).
(وتُكره مصافحته) نص عليه (٤).
(و) يُكره (تشميته) قاله القاضي، وهو كلام أحمد (٥)، وابن عقيل. وعن أبي موسى: "أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاءَ أن يقولَ لهم: يرحَمُكُم الله، فكان يقولُ لهم: يهْديكُم اللهُ ويُصْلِحُ بالكُمْ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه (٦).
стр. 3082
(و) يُكره (التعرُّض لما يوجب المودة بينهما) لعموم قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (١).
(وإن شمَّته كافرٌ أجابه) لأن طلب الهداية لهم جائز؛ للخبر السابق.
(وتحرم تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم) لأنه تعظيم لهم، أشبه السلام.
(وعنه (٢): تجوز العيادة) أي: عيادة الذِّمي (إن رُجي إسلامه، فيعرضه عليه، واختاره الشيخ (٣) وغيره)، لما روى أنس: "أنَّ النبيَّ ﷺ عادَ يهوديًّا، وعرَضَ عليهِ الإسلامَ، فأسلمَ، فخرجَ وهو يقولُ: الحمد للهِ الذي أنقذَهُ بي مِنَ النَّارِ" رواه البخاري (٤)؛ ولأنه من مكارم الأخلاق.
(وقال) الشيخ (٥): (ويحرم شُهودُ عيد اليهود والنصارى) وغيرهم من الكفار (وبيعُهُ لهم فيه) وفي "المنتهى": لا بيعنا لهم فيه (ومهاداتُهم لعيدهم) لما في ذلك من تعظيمهم، فيشبه بداءتهم بالسلام.
стр. 3083
(ويحرم بيعُهم) وإجارتُهم (ما يعملونه كنيسة أو تمثالًا) أي: صنمًا، (ونحوه) كالذي يعملونه صليبًا؛ لأنه إعانةٌ لهم على كفرهم. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
(و) يَحرم (كلُّ ما فيه تخصيص لعيدهم وتمييز لهم، وهو من التشبُّه بهم، والتشبُّه بهم منهيٌّ عنه إجماعًا (٢)) للخبر (٣) (وتجب عقوبة فاعله.
وقال (٤): والكنائسُ ليست مِلكًا لأحد، وأهلُ الذِّمة ليس لهم مَنْعُ من يعبد الله فيها؛ لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم وبينَ الغافلين أعظم أجرًا. انتهى).
قلت: وفي معناه الأماكن التي تكثر فيها المعاصي؛ لما فيه من إحيائها، ولهذا قيل:
إني اطَّلعت على البقاع وَجَدتها … تشقى كما تشقى الرجالُ وتسعد (٥)
"تتمة": قال ابن هبيرة في الحديث الرابع من حديث أبي موسى: وروي عن أحمد بن حنبل (٦) أنه كان إذا رأى يهوديًّا أو نصرانيًّا غمض عينيه، ويقول: لا تأخذوا عني هذا، فإني لم أجده عن أحد ممن تقدم، ولكني لا أستطيع أن أرى من كَذَبَ على الله.
(وتُكره التجارة والسفر إلى أرض العدوّ، وبلاد الكفر مطلقًا) مع
стр. 3084
الأمن والخوف (وإلى بلاد الخوارج، والبغاة، والروافض، والبدع المضلة، ونحو ذلك) لأن الهجرة منها -أنْ لَوْ كان فيها- مستحبة إن قدر على إظهار دينه (وإن عَجَزَ عن إظهار دينه فيها، حَرم (١) سفره إليها) لأنه تعريضٌ بنفسه إلى المعصية.
(ويمنعون من تعلية بنيان -لا) من (مساواته- علي بنيان جار مسلم، ولو كان بنيان المسلم في غاية القِصَرِ، أو رضي) المسلم؛ لأنه حق لله تعالى. زاد ابن الزاغوني: يدوم على دوام (٢) الأوقات، ورضاه يُسقط حق من يأتي بعده (وإن لم يلاصق) ببنيانه بنيان المسلم (بحيث يطلق عليه اسم الجار، قَرُب أو بَعُد) لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى؛ ولأن فيه ترفُّعًا على المسلمين، فمنعوا منه؛ كالتصدير في المجلس (٣) (حتى ولو كان البناء مشتركًا بين مسلم وذِمي) لأن ما لا يتم اجتناب المُحرَّم إلا باجتنابه، مُحرَّم، قاله الشيخ تقي الدين (٤).
(ويجب هدمه -أي: العالي- إن أمكن هدمه بمفرده، واقتصر عليه) أي: على هدم العالي؛ لزوال المفسدة به.
وأما المساواة فلا يمنعون منها، كما تقدم؛ لأنها لا تُفضي إلى علوِّ الكفر، ولا إلى اطلاعهم على عوراتنا.
(ويَضمنُ ما تَلِفَ به) أي: العالي (قبلَه) أي: قبل هدمه لتعديه بالتعلية؛ لعدم إذن الشارع فيها.
стр. 3085
(وإن ملكوه (١) من مسلم) لم ينقض، سواء كان بشراء أو غيره؛ لأنهم ملكوها بهذه الصفة، ولم يعملوا شيئًا. فإن ملكت (٢) من كافر وجب نقضها.
(أو بنى المسلم) إلى جانب جار الذِّمي (أو مَلَكَ) المسلم (دارًا إلى جانب دار الذِّمي دونها، لم تُنْقَض) لأنه لم يُعلها، بل ملكها كذلك.
(لكن لا تُعاد عالية لو انهدمت، أو هدمت) ظلمًا أو بحق؛ لأنه بعد انهدامه كأنه لم يوجد (٣).
(فإن تشعَّث العالي) الذي لا يجب هدمه (ولم ينهدم، فله رَمُّه وإصلاحه) لأنه استدامة له، لا إنشاء تعليةٍ.
(وإن كانوا في محلَّة منفردة عن المسلمين؛ لا يجاورهم فيها مسلم، تُرِكوا وما يبنونه، كيف أرادوا) وكذا لو كانت داره في طرف البلد حيث لا جار؛ لأنه لا معنى للمطاولة، فلا يمنع من التعلية، ذكره في "البلغة".
(ولو وجدنا دارَ ذِميٍّ عالية ودارَ مسلم أنزل منها، وشككنا في السابقة، فقال) بعض الأصحاب: لم يعرض له فيها. وقال أبو عبد الله محمد شمس الدين (ابن) أبي بكر (القيم) بالمدرسة الجوزية (في كتاب "أحكام الذمة" (٤) له: لا تقر) دار الذِّمي عالية (لأن التعلية مفسدة، وقد شككنا في شرط الجواز. انتهى) والأصل عدمه.