وعند الشيخ تقي الدين (١): يرد مثل تحيته، فيقول: وعليك مثل تحيتك.
(وإذا لقيه المُسلِم في طريق، فلا يوسع له، يضطره (٢) إلى أضيقه) لحديث أبي هريرة. وتقدم (٣).
(وتُكره مصافحته) نص عليه (٤).
(و) يُكره (تشميته) قاله القاضي، وهو كلام أحمد (٥)، وابن عقيل. وعن أبي موسى: "أن اليهود كانوا يتعاطسون عند النبي ﷺ رجاءَ أن يقولَ لهم: يرحَمُكُم الله، فكان يقولُ لهم: يهْديكُم اللهُ ويُصْلِحُ بالكُمْ". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي وصححه (٦).
стр. 3082
(و) يُكره (التعرُّض لما يوجب المودة بينهما) لعموم قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (١).
(وإن شمَّته كافرٌ أجابه) لأن طلب الهداية لهم جائز؛ للخبر السابق.
(وتحرم تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم) لأنه تعظيم لهم، أشبه السلام.
(وعنه (٢): تجوز العيادة) أي: عيادة الذِّمي (إن رُجي إسلامه، فيعرضه عليه، واختاره الشيخ (٣) وغيره)، لما روى أنس: "أنَّ النبيَّ ﷺ عادَ يهوديًّا، وعرَضَ عليهِ الإسلامَ، فأسلمَ، فخرجَ وهو يقولُ: الحمد للهِ الذي أنقذَهُ بي مِنَ النَّارِ" رواه البخاري (٤)؛ ولأنه من مكارم الأخلاق.
(وقال) الشيخ (٥): (ويحرم شُهودُ عيد اليهود والنصارى) وغيرهم من الكفار (وبيعُهُ لهم فيه) وفي "المنتهى": لا بيعنا لهم فيه (ومهاداتُهم لعيدهم) لما في ذلك من تعظيمهم، فيشبه بداءتهم بالسلام.
стр. 3083
(ويحرم بيعُهم) وإجارتُهم (ما يعملونه كنيسة أو تمثالًا) أي: صنمًا، (ونحوه) كالذي يعملونه صليبًا؛ لأنه إعانةٌ لهم على كفرهم. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
(و) يَحرم (كلُّ ما فيه تخصيص لعيدهم وتمييز لهم، وهو من التشبُّه بهم، والتشبُّه بهم منهيٌّ عنه إجماعًا (٢)) للخبر (٣) (وتجب عقوبة فاعله.
وقال (٤): والكنائسُ ليست مِلكًا لأحد، وأهلُ الذِّمة ليس لهم مَنْعُ من يعبد الله فيها؛ لأنا صالحناهم عليه، والعابد بينهم وبينَ الغافلين أعظم أجرًا. انتهى).
قلت: وفي معناه الأماكن التي تكثر فيها المعاصي؛ لما فيه من إحيائها، ولهذا قيل:
إني اطَّلعت على البقاع وَجَدتها … تشقى كما تشقى الرجالُ وتسعد (٥)
"تتمة": قال ابن هبيرة في الحديث الرابع من حديث أبي موسى: وروي عن أحمد بن حنبل (٦) أنه كان إذا رأى يهوديًّا أو نصرانيًّا غمض عينيه، ويقول: لا تأخذوا عني هذا، فإني لم أجده عن أحد ممن تقدم، ولكني لا أستطيع أن أرى من كَذَبَ على الله.
(وتُكره التجارة والسفر إلى أرض العدوّ، وبلاد الكفر مطلقًا) مع
стр. 3084
الأمن والخوف (وإلى بلاد الخوارج، والبغاة، والروافض، والبدع المضلة، ونحو ذلك) لأن الهجرة منها -أنْ لَوْ كان فيها- مستحبة إن قدر على إظهار دينه (وإن عَجَزَ عن إظهار دينه فيها، حَرم (١) سفره إليها) لأنه تعريضٌ بنفسه إلى المعصية.
(ويمنعون من تعلية بنيان -لا) من (مساواته- علي بنيان جار مسلم، ولو كان بنيان المسلم في غاية القِصَرِ، أو رضي) المسلم؛ لأنه حق لله تعالى. زاد ابن الزاغوني: يدوم على دوام (٢) الأوقات، ورضاه يُسقط حق من يأتي بعده (وإن لم يلاصق) ببنيانه بنيان المسلم (بحيث يطلق عليه اسم الجار، قَرُب أو بَعُد) لأن الإسلام يعلو ولا يُعلى؛ ولأن فيه ترفُّعًا على المسلمين، فمنعوا منه؛ كالتصدير في المجلس (٣) (حتى ولو كان البناء مشتركًا بين مسلم وذِمي) لأن ما لا يتم اجتناب المُحرَّم إلا باجتنابه، مُحرَّم، قاله الشيخ تقي الدين (٤).
(ويجب هدمه -أي: العالي- إن أمكن هدمه بمفرده، واقتصر عليه) أي: على هدم العالي؛ لزوال المفسدة به.
وأما المساواة فلا يمنعون منها، كما تقدم؛ لأنها لا تُفضي إلى علوِّ الكفر، ولا إلى اطلاعهم على عوراتنا.
(ويَضمنُ ما تَلِفَ به) أي: العالي (قبلَه) أي: قبل هدمه لتعديه بالتعلية؛ لعدم إذن الشارع فيها.
стр. 3085
(وإن ملكوه (١) من مسلم) لم ينقض، سواء كان بشراء أو غيره؛ لأنهم ملكوها بهذه الصفة، ولم يعملوا شيئًا. فإن ملكت (٢) من كافر وجب نقضها.
(أو بنى المسلم) إلى جانب جار الذِّمي (أو مَلَكَ) المسلم (دارًا إلى جانب دار الذِّمي دونها، لم تُنْقَض) لأنه لم يُعلها، بل ملكها كذلك.
(لكن لا تُعاد عالية لو انهدمت، أو هدمت) ظلمًا أو بحق؛ لأنه بعد انهدامه كأنه لم يوجد (٣).
(فإن تشعَّث العالي) الذي لا يجب هدمه (ولم ينهدم، فله رَمُّه وإصلاحه) لأنه استدامة له، لا إنشاء تعليةٍ.
(وإن كانوا في محلَّة منفردة عن المسلمين؛ لا يجاورهم فيها مسلم، تُرِكوا وما يبنونه، كيف أرادوا) وكذا لو كانت داره في طرف البلد حيث لا جار؛ لأنه لا معنى للمطاولة، فلا يمنع من التعلية، ذكره في "البلغة".
(ولو وجدنا دارَ ذِميٍّ عالية ودارَ مسلم أنزل منها، وشككنا في السابقة، فقال) بعض الأصحاب: لم يعرض له فيها. وقال أبو عبد الله محمد شمس الدين (ابن) أبي بكر (القيم) بالمدرسة الجوزية (في كتاب "أحكام الذمة" (٤) له: لا تقر) دار الذِّمي عالية (لأن التعلية مفسدة، وقد شككنا في شرط الجواز. انتهى) والأصل عدمه.
стр. 3086
(ولو أُمِر الذمي بهدم بنائه) العالي (فبادر) الذِّمي (وباعه من مسلم) أو وهبه له، أو وقفه عليه، ونحوه، مما يخرجه عن ملكه (صح) البيع ونحوه (وسقط الهدم كما لو بادر وأسلم) لزوال المفسدة.
(ويمنعون من إحداث كنائس وبِيَع في دار الإسلام، و) من (بناء صومعة راهب، ومجمع لصلواتهم، قاله في "المستوعب") لقول ابن عباس: "أيُّما مِصْرٍ مَصَّرتْه العربُ، فليسَ للعجم أنْ يَبْنُوا فيه بِيعَةً" رواه أحمد (١) واحتج به (٢).
والكنائس: واحدها كنيسة، وهي معبد النصارى. والبِيَع: جمع بيعة، قال الجوهري (٣): هي للنصارى، فهما حينئذ مترادفان، وقيل: الكنائس لليهود، والبِيَع للنصارى، فهما متباينان، وهو الأصل.
(وما فُتح) من الأراضي (صُلحًا على أن الأرض لهم، ولنا الخراج عنها، فلهم إحداث ما يختارون) ولا يمنعون شيئًا مما تقدم؛ لأنهم في بلادهم أشبهوا أهل الحرب زمن الهُدنة.
(وإن صُولحوا على أنَّ الدار للمسلمين، فلهم الإحداث بشرطٍ
стр. 3087
فقط) لأنه فعلٌ استحقوه بالشرط، فجاز لهم فعله كسائر الشروط، فإن لم يشرطوها (١) مُنِعوا من إحداثها.
(ولا يجب هدم ما كان موجودًا منها) أي: من البِيَع والكنائس ونحوها (وقت فتح) الأرض التي هي بها (ولو كان) فتحها (عنوةً) لمفهوم خبر ابن عباس السابق، وغيره.
(ولهم) أي: أهل الذِّمة (رَمُّ ما تشعَّثَ منها) أي: الكنائس، والبِيَع، ونحوها؛ لأنهم لما ملكوا استدامتها ملكوا رَمَّ شعثها (لا الزيادة) أي: ليس لهم الزيادة بتوسعة أو تعلية للكنائس (٢) ونحوها؛ لأن الزيادة في معنى إحداثها، إذ المَزِيدُ منها مُحدَثٌ، فكان كإحداث الكنائس، ونحوها المنهي عنه.
(ويُمنعون من بناء ما استُهدِم منها) أي: الكنائس ونحوها (ولو) كان المنهدم منها (كلها، أو هُدم) منها (ظلمًا) لأنه بناء كنيسة في دار الإسلام، فمُنعوا منه، كابتداء بنائها. قال في "المبدع": والمذهب أن الإمام إذا فتح بلدًا فيه (٣) بِيعة خراب لم يجز بناؤها؛ لأنه إحداث لها في حكم الإسلام.
(و) يُمنعون (من إظهار منكَرٍ) كنكاح المحارم (و) من (إظهار ضَرْب ناقوس، ورفع صوتهم بكتابهم، أو) رفع صوتهم (على ميت، وإظهار عيد وصليب) لأن في شروطهم لابن غَنْم: "وأنْ لا نَضْربَ ناقوسًا إلا ضَرْبًا خفيًّا (٤) في جَوْفِ كنائسِنا، ولا نَظْهَرَ عليها، ولا نَرْفَعَ أصواتنا
стр. 3088
في الصَّلاةِ، ولا القراءَة في كنائسنا فيما يحضره المسلمون، وأن لا نُظهر صليبًا ولا كتابًا في سُوق المسلمينَ، وأنْ لا نخرج باعوثًا (١) ولا شعانين (٢)، ولا نَرفَعَ أصواتنا مع موتانا، وأن لا نُجاورَهُم بالجنائزِ، ولا نُظْهِر شِرْكًا" (٣).
(و) يُمنعون -أيضًا- من إظهار (أكل وشُرْب في نهار رمضان، ومن إظهار بيع مأكول فيه كشواء، ذكره القاضي) لما فيه من المفاسد. قال في "المبدع": فظهر أنه ليس لهم إظهار شيء من شعار دينهم في دار الإسلام، لا وقت الاستسقاء ولا لقاء الملوك، ولا غير ذلك. وقاله الشيخ تقي الدين (٤).
(و) يُمنعون (من شراء مصحف، وكتاب فقه، وحديثِ رسول الله ﷺ ) قال في "المستوعب": أو أخبار صحابته.
(و) يُمنعون (من ارتهان ذلك، ولا يصحان) أي: بيع ورهن المصحف وما عطف عليه لهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥) ولما يؤدَّي إليه ذلك من امتهان كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ .
стр. 3089
(ولا يُمنعون من شراء كتب اللُّغة، والأدب، والنحو، والتصريف التي لا قرآن فيها) ولا أحاديث (دون كتب الأصول) أي: أصول الدين والفقه، فيمنعون من شرائها، ككتب الفقه، وأَولى.
(ويُكره بيعهم ثيابًا مكتوبًا عليها -بطراز وغيره (١) - ذِكْر الله تعالى، أو كلامه) حذارًا (٢) من أن يُمتهن.
(ويُمنعون من قراءة قرآن، و) من (إظهار خمر وخنزير، فإن فعلوا أتلفناهما، وإلا) أي: وإن لم يظهروهما (فلا) نتعرَّض لهما.
(وإن باعوا الخمر للمسلمين، استحقُّوا العقوبة، وللسلطان أن يأخذ منهم الأثمان التي قبضوها من مال المسلمين بغير حق) لبطلان بيع الخمر، وتحريم الاعتياض عنه (ولا ترد إلى من اشترى بها منهم الخمر، فلا يجمع له بين العِوض والمُعوَّض.
ومن باع خمرًا للمسلمين، لم يملك ثمنه) لحديث: "إنَّ اللهَ إذا حرَّم شيئًا، حرَّمَ ثمنَهُ" (٣). (ويُصرف) ما أُخذ منه (في مصالح
стр. 3090
المسلمين، كما قيل في مهر البغي وحلوان الكاهن، وأمثال ذلك، مما هو عِوض عن عين أو منفعة محرَّمة، إذا كان العاصي قد استوفى المعوض، قاله الشيخ (١)) لئلا يُجمع له بين العِوض والمعوَّض. قلت: مقتضى قواعد المذهب بقاء العِوض على ملك باذله؛ لبطلان العقد، فلا يترتَّب عليه أثره من انتقال الملك.
(وإن صُولحوا) أي: الكفار (في بلادهم على إعطاء جِزية، أو خراج، لم يُمنعوا شيئًا من ذلك) لأن بلدهم ليس ببلد إسلام لعدم ملك المسلمين إيَّاه، فلا يُمنعون من إظهار دينهم فيه كمنازلهم، بخلاف أهل الذِّمة، فإنهم في دار الإسلام، فمُنِعوا منه.
(ويُمنعون دخول حَرَمِ مكة) نص عليه (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٣) والمراد: حرم مكة ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً﴾ (٣) أي: ضررًا بتأخير الجلب عن الحرم، ويؤيده: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤) أي: الحرم؛ لأنه أُسْري به من بيت أم
стр. 3091
هانئ (١)(٢).
وإنما مُنع منه دون الحجاز؛ لأنه أفضل أماكن العبادات للمسلمين وأعظمها؛ لأنه محلُّ النسك، فوجب أن يُمنع منه من لا يؤمن به، وظاهره: مطلقًا، أي: سواء أذن له أو لا لإقامة أو غيرها (ولو) كان
стр. 3092
الكافر (غير مكلَّف) لعموم الآية.
فـ (لا (١)) يمنعون دخول (حَرَم المدينة) لأنَّ الآية نزلت واليهود بالمدينة، ولم يُمنعوا من الإقامة بها.
(فإن قدم رسول) من الكفار (لابُدَّ له من لقاء الإمام وهو) أي: الإمام (به) أي: بالحَرَم المكي (خرج) الإمام (إليه، ولم يأذن له) في الدخول؛ لعموم الآية.
وإن كان معه تجارة أو مِيرة خرج إليه من يشتري منه، ولم يُمكَّن من الدخول، للآية.
(فإن دخل) الكافرُ الحَرَمَ؛ رسولًا كان أو غيره (عالمًا عُزِّر) لإتيانه محرَّمًا (وأُخرج) من الحرم.
(ويُنهى الجاهل) عن العود لمثل ذلك (ويُهدَّد ويُخرج، قاله الموفق والشارح وابن حمدان وغيرهم) ولا يعزَّر؛ لأنه معذور بالجهل.
(فإن مرض) بالحرم (أو مات) به (أُخرج) منه؛ لأنه إذا وجب إخراجه حيًّا، فإخراج جيفته أَولى. وإنما جاز دفنه بالحجاز سوى حَرَم مكة؛ لأن خروجه من حَرَم مكة سهل ممكن، لقرب الحِلَّ منه، وخروجه من أرض الحجاز، وهو مريض أو ميت، صعب مشق؛ لبعد المسافة.
(وإن دُفن) بالحرم (نُبِش) وأُخرج (إلا أن يكون قد بَلِيَ) فيترك، وكذا لو تصعب إخراجه لنتنه وتقَطُّعهِ؛ للمشقة في إخراجه، ذكره في "الشرح".
(وإن صالحهم الإمام على دخول الحرم بعِوض، فالصلح باطل) لأنه صلحٌ يحِلُّ حرامًا.
стр. 3093
(فإن دخلوا إلى الموضع الذي صالحهم عليه، لم يردَّ عليهم العِوض) لئلا يجمعوا بين العِوض والمعوّض. قال في "الشرح": ويحتمل أن يرد عليهم العِوض بكل حال؛ لأن ما استوفوه لا قيمة له، والعقد لم يوجب العِوض؛ لبطلانه.
(وإن دخلوا إلى بعضه) أي: بعض الموضع الذي صالحهم عليه (أخذ من العِوض بقدره) لما تقدم، وفيه ما سبق.
(ويُمنعون من الإقامة بالحجاز، وهو الحاجز بين تِهامة) بكسر التاء، وهي اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز، ومكة من تِهامة، سُميت تِهامة من التَّهَمِ -بفتح التاء والهاء- وهي شدة الحر، وركود الريح، ذكره في "حاشيته" (ونجد) وهو ما ارتفع من الأرض وعبارة "المبدع": قيل: هو -يعني الحجاز- ما بين اليمامة والعروض، وبين اليمن ونجد (كالمدينة واليمامة وخيبر واليَنْبُع وَفَدَك) بفتح الفاء والدال المهملة، قرية بينها وبين المدينة يومان (وما والاها من قراها.
قال الشيخ (١): منه تبوك ونحوها، وما دون المنحنى؛ وهو عقبة الصَّوَّان من الشام، كمَعان) والأصل في ذلك ما روى أبو عبيدة بن الجرَّاح: أن آخِرَ ما تَكلَّمَ به النبيُّ ﷺ قال: "أخْرِجُوا اليهودَ من أرضِ الحجازِ" رواه أحمد (٢).
стр. 3094
وقال عمر: "سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لأخْرجن اليهود والنصارى مِنْ جزيرة العربِ، فلا أتْرك فيها إلَّا مسلمًا" رواه الترمذي (١). وقال: حسن صحيح. والمراد الحجاز؛ بدليل أنه ليس أحد من الخلفاء أخرج أحدًا من اليمن وتيماء.
قال أحمد (٢): جزيرة العرب: المدينة وما والاها، يعني: أن الممنوع من سُكنى الكفار به: المدينة وما والاها، وهو مكة والمدينة وخيبر والينبع وفَدَك ومخاليفها.
(وليس لهم دخوله) أي: الحجاز (إلا بإذن الإمام) كما أن أهل الحرب لا يدخلون دار الإسلام إلا بإذن الإمام (٣).
стр. 3095
(وفي "المستوعب": وقد وردت السُّنة بمنعهم من جزيرة العرب) كما تقدم في الخبر.
(وحَدُّ الجزيرة على ما ذكره) الأصمعي (١)، و (أبو عبيد) القاسم بن سلام (٢) (من عدن إلى ريف العراق) والريف: أرض فيها زرع وخصب، والجمع أرياف. قاله في "الحاشية" (طولًا، ومن تِهامة إلى ما وراءها إلى أطراف الشام) عرضًا. قال الخليل (٣): إنما قيل لها جزيرة؛ لأن بحر الحبشة وبحر فارس والفرات أحاطت بها، نُسبت إلى العرب؛ لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها.
(فإن دخلوا الحجازَ لتجارة) أو غيرها (لم يقيموا في موضع واحد أكثر من ثلاثة أيام) لأن عمر "أذِنَ لمنْ دخَلَ تاجرًا في إقامة ثلاثة أيَّامٍ" (٤) فدلَّ على المنع في الزائد.
(وله أن يقيم مثل ذلك) أي: ثلاثة أيام فما دون (في موضع آخر) من أرض الحجاز (وكذا) له أن يقيم ثلاثة فما دون (في) موضع (ثالث،
стр. 3096
و) موضع (رابع) وهكذا.
(فإن أقام أكثر منها في موضع واحد) من الحجاز (عُزِّر، إن لم يكن) له (عُذر.
فإن كان فيهم) أي: في أهل الذِّمة الداخلين أرض الحجاز لتجارة (مَنْ له دَينٌ) حالٌّ (أُجبرَ غريمه على وفائه) ليخرج (فإن تعذَّر، جازت الإقامة لاستيفائه) لأن العُذر من غيرهم، وفي إخراجهم قبل استيفائه ذهاب أموالهم، وسواء كان التعذُّر لمطل، أو تغيُّب، أو غيرهما.
(وإن كان) الدَّيْن (مؤجَّلًا لم يمكَّن) من الإقامة حتى يحلَّ؛ لئلا يتخذ ذريعة للإقامة (ويوكِّلُ) من يستوفيه له إذا حل.
(وإن مرض) مَنْ دخل الحجاز منهم (جازت إقامته) به (حتى يبرأ) من مرضه؛ لأن الانتقال يشق على المريض (وتجوز الإقامة -أيضًا- لمن يمرضه) لضرورة إقامته (وإن مات دُفن به) لأنه موضع حاجة.
(ولا يمنعون) أي: أهل الذِّمة (من تيماء وفَيد) بفتح الفاء وياء مثناه بعدها، وهي من بلاد طيئ (ونحوهما) من باقي الجزيرة غير الحجاز؛ لما مرَّ أن أحدًا من الخلفاء لم يخرج واحدًا منهم من ذلك.
(وليس لهم دخول مساجد الحِلِّ، ولو بإذن مسلم) لأن عليًّا بَصُرَ بمجوسي، وهو على المنبر، فنزل وضربه وأخرجه (١). وهو قول عمر (٢)، ولأن حَدَثَ الجنابة والحيض يمنع، فالشرك أولى.
стр. 3097
وصحَّح في "الشرح" وغيره: أنه يجوز بإذن مسلم؛ لأنه ﷺ قَدِمَ عليهِ وفْدُ أهْلِ الطَائفِ، فأنزلَهُم في المسجدِ قَبْلَ إسلامهم (١). وأُجيب عنه وعن نظائره: بأنه كان بالمسلمين حاجة إليه، وبأنهم كانوا يخاطبونه ﷺ ويحملون إليه الرسائل والأجوبة، ويسمعون منه الدعوة، ولم يكن النبي ﷺ ليَخْرُجَ لِكُلِّ مَن قصده من الكفار.
(ويجوز دخولها) أي: مساجد الحل (للذِّمي إذا اسْتُؤجِرَ لعمارتها) لأنه نوع مصلحة، قال في "المبدع": تجوز عمارة كل مسجد وكسوته، وإشعاله بمال كل (٢) كافر، وأن يبنيه بيده. ذكره في "الرعاية" وغيرها.
стр. 3098
وهو ظاهر كلامهم في وقفه عليه ووصيته له، فيكون على هذه (١) العمارة في الآية، دخوله وجلوسه فيه، يدلُّ عليه خبر أبي سعيد مرفوعًا: "إذا رأيتُمْ الرَّجلَ يعتادُ المسجد فاشْهَدوا له بالإيمان؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية (٢) " رواه أحمد وغيره (٣). وفي "الفنون": واردة على سبب، وهي عمارة المسجد الحرام، فظاهره: المنع فيه فقط؛ لشرفه. وذكر ابن الجوزي في "تفسيره" (٤): أنه يُمنع من بنائه وإصلاحه، ولم يخصَّ مسجدًا، بل أطلق، وقاله طائفةٌ من العلماء.
стр. 3099
فصل
(وإن اتَّجر ذِميٌّ ولو صغيرًا، أو أنثى، أو تغلبيًّا إلى غير بلده، ثم عاد) إلى بلده (ولم يؤخذ منه الواجب في الموضع الذي سافر إليه من بلادنا، فعليه نصف العشر مما معه من مال التجارة) لما روى أنس قال: "أمَرَني عمرُ أنْ آخُذَ منَ المسلمينَ رُبعَ العُشر، ومن أهل الذِّمةِ نصفَ العُشرِ" رواه أحمد (١). وروى أبو عبيد: "أنَّ عمر بَعَثَ عثمانَ بن حُنيفٍ إلى الكوفة، فجعلَ على أهل الذِّمَّة في أموالِهم التي يختلفونَ فيها، في كل عشرينَ درهمًا درهمًا" (٢). وهذا كان بالعراق واشتهر، وعُمل به، ولم يُنكرْ، فكان كالإجماع.
وهو حقٌّ واجب، فاستوى فيه الكبير والصغير، والرجل والمرأة، كالزكاة.
(ويمنعه) أي: نصف العشر (دينٌ ثبت على الذِّمي ببينة، كزكاة) أي: كما أن الدَّين يمنع وجوب الزكاة. وعُلم منه أنه لا يقبل قوله في الدَّين بمجرده؛ إذ الأصل عدمه.
стр. 3100
(ولو كان معه جارية، فادَّعى أنها زوجته، أو ابنته، صُدِّق) لتعذُّر إقامة البينة على ذلك؛ ولأن الأصل عدم ملكه إياها، فلا يؤخذ منه نصف عشر قيمتها.
(ولا يعشّر ثمن خمر وخنزير تبايعوه) نص عليه (١).
قال أبو عبيد (٢): ومعنى قول عمر: "وَلُّوهم بيعها، وخُذوا أنتم مِن الثَّمَنِ" أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذِّمة الخمر والخنازير من جزيتهم، وخرج أرضهم بقيمتها، ثم يتولَّى المسلمون بيعها، فأنكره عمر، ثم رخَّص لهم أن يأخذوا من أثمانها، إذا كان أهل الذِّمة المتولِّين لبيعها. وروى بإسناده عن سويد بن غفلة: "أنَّ بلالًا قال لعُمرَ: إنَّ عُمَّالك يأخُذون الخمرَ والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخُذُوها، ولكن ولُّوهم بيعها وخُذوا من الثمن" (٣).
(وإن اتَّجر حربي إلينا -ولو صغيرًا أو أنثى- أُخذ من تجارته العُشر، دَفعةً واحدة، سواء عَشروا أموال المسلمين إذا دخلت إليهم أم لا) لأن عمر أخذ من أهل الحرب العُشر (٤). واشتهر ولم يُنكر، وعمل به
стр. 3101
الخلفاء بعده.
وكذا حكم المستأمن إذا اتَّجر إلى بلد الإسلام.
(ولا يؤخذ) العُشر ولا نصفه (من أقل من عشرة دنانير فيهما) أي: فيما إذا اتَّجر الحربي أو الذِّمي، نصَّ عليه (١)؛ لأنه مال يجب فيه حقٌّ بالشرع، فاعتبر له النصاب، كالزكاة، وخص بالعشرة؛ لأن ذلك المأخوذ مال يبلغ واجبه نصف دينار، فوجب اعتباره كالعشرين في حق المسلم.
(ويؤخذ) نصف العُشر من الذِّمي، والعُشر من الحربي (كل عام مرة) نص عليه (٢)؛ لما روي: "أنَّ نصرانيًّا جاء إلى عمرَ فقال: إنَّ عَاملَك عَشرَني في السَّنَة مرتين، قال: ومن أنتَ؟ قال: أنا الشيخُ النصرانيُّ، فقال عمر: وأنا الشيخُ الحَنيفُ، ثم كَتَبَ إلى عامِله ألا يُعَشِّرَ في السنةِ إلَّا مَرَّةً" رواه أحمد (٣).
ولأن الجِزية والزكاة إنما يؤخذان في السنة مرة، فكذا هنا.
стр. 3102
وذكر الموفق: للإمام تركه، إذا رأى المصلحة فيه.
ومتى أخذ ذلك كتب لهم به حُجَّة، لتكون وثيقة لهم، وحُجَّة على من يمرون عليه.
ولا يُعشِّرهم ثانية إلا من معه أكثر من المال الأول، فيأخذ من الزيادة؛ لأنها لم تُعشَّر.
(ويحرم تعشير أموال المسلمين، والكُلَف التي ضربها الملوك على الناس بغير طريق شرعي إجماعًا (١). قال القاضي: لا يسوغ فيها اجتهاد.
قال الشيخ (٢): لِوَليٍّ) أي: في النكاح (يعتقد تحريمه مَنْعُ موليته من التزويج ممن لا ينفق عليها إلا منه) لأنه منعٌ بحقٍّ.
(وعلى الإمام حفظهم) أي: أهل الذمة (والمنع من أذاهم) لأنهم بذلوا الجِزية على ذلك (واستنقاذ أَسْرَاهُم) لأنه جرت عليهم أحكام الإسلام، وتأبَّدَ عهدهم، فيلزمه (٣) ذلك، كما يلزمه للمسلمين (بعد فكِّ أسرانا) فيبدأ بفداء المسلمين قبلهم؛ لأن حرمة المسلم أعظم (ولو لم يكونوا في معونتنا) خلافًا للقاضي، قال: إنما يجب فداؤهم، إذا استعان بهم الإمام في قتال، فسُبوا.
(ويُكره أن يستعين مسلمٌ بذِمِّي في شيء من أمور المسلمين، مثل كتابة، وعمالة، وجباية خراج، وقسمة فيء، و) قسمة (غنيمة، وحفظ ذلك في بيت المال وغيره، ونَقلِهِ) أي: نقل ما ذكر من موضع إلى آخر، (إلا لضرورة) لأن أبا موسى دخل على عمر، ومعه كتاب قد كتب فيه
стр. 3103
حساب عمله، فقال له عمر: "ادْعُ الذي كتبه؛ ليقرأهُ، قال: إنه لا يدخُل المسجدَ، قال: وَلِمَ لا يَدْخُله؟ قال: إنَّه نصرانيٌّ. فانْتَهَرَهُ عمرُ" (١).
(ولا يكون) الذِّمي (بوَّابًا، ولا جلادًا، ولا جِهْبذًا، وهو النقَّاد الخبير، ونحو ذلك) لخيانتهم، فلا يُؤتمنون.
(وتحرم تَوليَتُهم الولايات من ديوان المسلمين، أو غيره) لما فيه من إضرار المسلمين؛ للعداوة الدينية.
(وتقدم تحريم الاستعانة بهم في القتال في باب: ما يلزم الإمام والجيش (٢).
ويُكره أن يُسْتَشاروا، أو يؤخذ برأيهم) لأنهم غير مأمونين (فإن أشار الذِّمي بالفطر في الصيام، أو) أشار (بالصلاة جالسًا، لم يقبل) خبره (لتعلّقه بالدين.
وكذا لا يُستعان بأهل الأهواء) كالرافضة، أي: تحرم الاستعانة بهم في شيء من أمور الدين؛ لأنهم يَدْعُون إلى بدعتهم، كما سبق (٣).
(ويُكره للمسلم أن يستطبَّ ذِميًّا لغير ضرورة، وأن يأخذ منه دواء لم يقف على مفرداته المباحة، وكذا) ما (وصفه من الأدوية، أو عمله؛ لأنه لا يؤمن أن يخلطه بشيء من السمومات (٤) أو النجاسات) قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (٥).
(و) يُكره (أن تَطِبَّ ذميةٌ مسلمةً) ولو بينت لها المفردات،
стр. 3104
للاختلاف في إباحة النظر، لكن ينبغي جوازه للضرورة، كالرجل. (والأولى أن لا تَقْبَلَها) أي: تكون قابلة لها (في ولادتها مع وجود مسلمة) لما سبق.
(وإن تحاكموا إلى حاكمنا مع مسلم، لزم الحُكمُ بينهم) لما فيه من إنصاف المسلم من غيره، أو ردِّه عن ظلمه، وذلك واجب؛ ولأن في تَرْكِ الإجابة إليه تضييعًا للحق.
(وإن تحاكم بعضُهم) أي: أهل الذِّمة (مع بعض) ولو زوجة مع زوجها (أو) تحاكم إلينا (مستأمنان، أو استعدى بعضهم على بعض، خُيِّر) الحاكم (بين الحكم وتَرْكِهِ) قال تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (١) (فيحكُمُ) لأحدهما على الآخر إن شاء، (ويَعِدُ (٢) بطلب أحدهما) إحضار الآخر إن شاء؛ لما تقدم.
(وفي المُسْتأمِنَينِ باتفاقهما) فإن أبى أحدهما، لم يحكم؛ لعدم التزامهما حكمنا، بخلاف الذِّميين.
(ولا يحكم إلا بحكم الإسلام) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَينَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٣).
(ويلزمهم حُكمُنا) إن حُكم به عليهم؛ لالتزامهم بالعقد ذلك (لا شريعتنا) لإقرارنا لهم بالجِزية، فلا يلزمهم قضاء الصلوات ولا الزكاة ولا الحج، ولا غير ذلك من شرائع الإسلام، وإن كانوا يعاقبون على سائر الفروع كالتوحيد.
стр. 3105
(وإن لم يتحاكموا إلينا، فليس للحاكم أن يَتْبَعَ شيئًا من أمورهم، ولا يدعو) هم (إلى حكمنا، نصًّا (١)) لظاهر الآية.
(ولا يُحضِر) الحاكم (يهوديًّا يوم سبت، ذكره ابن عقيل) لبقاء تحريمه عليه، أو لضرره بإفساد سبته؛ ولهذا لا يكره امرأته على إفساده مع تأكُد حقِّه؛ وذلك لقوله ﷺ في أثناء حديث صححه الترمذي: "وأنتم يَهُود، عليكم خاصَّةً أنْ لا تَعْدُوا في السَّبْتِ" (٢) فيستثنى من عمل في إجارة.
(وإن تبايعوا بيوعًا فاسدة) كبيع الخمر ونحوه (وتقابضوا من الطرفين، ثم أتونا، أو أسلموا، لم ينقض فعلهم) لأنه قد تمَّ بالتقابض؛ ولأن فيه مشقة وتنفيرًا عن الإسلام بتقدير إرادته. وكذا سائر عقودهم
стр. 3106
ومقاسماتهم، إذا تقابضوها.
(وإن لم يتقابضوا) من الطرفين أو أحدهما (فَسَخه) حاكمنا؛ لأنه لم يتمَّ، فنقض لعدم صحته (سواء كان قد حكم بينهم حاكمهم أوْ لا؛ لعدم لزومهم حكمه؛ لأنه لغو) لفقد شرطه، وهو الإسلام.
(وإن تبايعوا بربا في سوقنا، مُنعوا) منه؛ لأنه عائد بفساد نقودنا.
(وإن عامل الذمي بالربا، وباع الخمر والخنزير، ثم أسلم، وذلك المال في يده، لم يلزمه أن يخرج منه شيئًا) لأنه مضى في حال كفره، فأشبه نِكاحه في الكفر، إذا أسلم.
(وأطفال المسلمين في الجنة) لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ (١) (وأولاد الزنى من المؤمنين في الجنة) إذ ليس عليهم من الوزْرِ شيء؛ ولأنهم من ذرية المؤمنين.
(وأطفال المشركين في النار) للخبر (٢) (قال القاضي) أبو
стр. 3107
يعلى (١): (هو منصوص أحمد. قال الشيخ (٢): غلط القاضي على أحمد، بل يقال: الله أعلم بما كانوا عاملين) وهذا مصادمة في النقل، ومن حفظ حُجَّة على مَن لم يحفظ، ولهذا جزم في "المنتهى" وغيره بقول القاضي. والمسألة ذات أقوال، والأخبار فيها ظاهرها التعارض.
وقال أحمد (٣): أذهب إلى قول النبي ﷺ : "اللهُ أعْلَمُ بما كانوا عاملينَ" (٤). قال (٥): وكان ابن عباس يقول: وأبواهُ يُهَوِّدَانه أو يُنَصِّرانه، حتى سَمِعَ "اللهُ أعلمُ بما كانوا عاملينَ" فترَكَ قولَهُ. وقال أحمد (٦) أيضًا: ونحن نُمرُّ هذه الأحاديث على ما جاءت به، ولا نقول شيئًا.
وسُئل (٧) عن المجوسيين يجعلان ولدهما مسلمًا، فيموت وهو ابن خمس سنين؟ فقال: يدفن في مقابر المسلمين؛ لقول النبي ﷺ : "وأبوَاهُ يُهَوِّدانهِ أوْ يُنصِّرانه أوْ يُمجِّسانه" (٨) يعني أن هذين لم يمجساه فيبقى على الفطرة، ذكَرَه في "الشرح". وقال في "أحكام
стр. 3108
الذمة" (١): لأن أبويه يهوِّدانه وينصِّرانه فإذا جعلاه مسلمًا صار مسلمًا.
(ويأتي: إذا مات أبوا الطفل أو أحدهما في) باب حكم (المرتد) وتقدم (٢) -أيضًا- في السبي.
(وإن أسلم بشرط أن لا يصلِّي إلا صلاتين، أو يركع ولا يسجد، ونحوه) كلا يسجد إلا سجدة واحدة (صحَّ إسلامه، ويؤخذ بالصلاة كاملة) للعمومات.
(وينبغي أن يكتب لهم كتابًا بما أخذ منهم) ليكون لهم حُجَّة إذا احتاجوا إليه.
(و) ينبغي أن يكتب (وَقْتَ الأخذ وقَدْرَ المال؛ لئلا يؤخذ منهم شيء قبل انقضاء الحول، وأن يكتب ما استقرَّ من عَقْد الصلح معهم في دواوين الأمصار؛ ليؤخذوا به إذا تركوه) أو أنكروه، أو شيئًا منه.
(وإن تهوَّد نصراني، أو تنصَّر يهودي، لم يُقرَّ، ولم يُقبل منه إلا الإسلام، أو الدِّين الذي كان عليه) لأن الإسلام دين الحق، والدين الذي كان عليه دين صُولِحَ عليه، فلم يُقبل منه غيرهما؛ لاعترافه بأن ما انتقل إليه دين باطل، فلم يُقرَّ عليه، أشبه ما لو انتقل إلى المجوسية.
(فإن أبى) الإسلام وما كان عليه (هُدِّد وضُرب وحُبس، ولم يقتل) لأنه لم يخرج عن دِين أهل الكتاب، فلم يُقتل كالباقي على دينه.
(وإن اشترى اليهود نصرانيًّا فجعلوه يهوديًّا، عُزِّروا) لفعلهم محرَّمًا (ولا يكون) العبد (مسلمًا) لعدم إتيانه بالشهادتين لفظًا وحكمًا.
стр. 3109
(وإن انتقلا) أي: اليهودي والنصراني (١) (إلى دِين المجوس، أو انتقلا) إلى غير دِين أهل الكتاب (أو) انتقل (مجوسي إلى غير دِين أهل الكتاب، لم يُقرَّ) لأنه انتقل إلى ما اعترف ببطلانه (ولم يقبل منه إلا الإسلام) لأن غيره أديان باطلة، فلم يُقرَّ عليها؛ لإقراره ببطلانه (٢)، كالمرتد (أو السيف، فيُقتل إن أبى الإسلام بعد استتابته) لأنه انتقل إلى أدنى من دِينه، كالمرتد.
(وإن انتقل غير الكتابي) كالوثني (إلى دِين أهل الكتاب) بأن تهوَّد أو تنصَّر (أُقِرَّ) على ذلك؛ لأنه أعلى وأكمل من دينه؛ لكونه يُقَرُّ عليه أهله، وتؤكل ذبائحهم، وتحل مناكحتهم (ولو) كان المنتقل إلى ذلك (مجوسيًّا) لما سبق.
(وكذا إن تمجَّس وثني) لأنه انتقل إلى دِين أفضل من دِينه، أشبه ما لو تهوَّد.
(ومن أقررناه على تهوُّد أو تنصُّر متجدِّد أُبيحت ذبيحته ومناكحته) قطع به في "المبدع". ويأتي ما يخالفه في النكاح والذكاة.
(وإن تزندق ذِمي لم يقتل؛ لأجل الجِزية، نصًّا) نقله ابن هانئ (٣).
(وإن كذَّب نصراني بموسى) بن عمران على نبينا وعليه الصلاة والسلام (٤) (خرج من النصرانية) لتكذيبه لنبيِّه عيسى في قوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ (٥) (كتكذيبه)
стр. 3110
نبيه (١) (عيسى) تصريحًا (ولم يُقرَّ) على غير الإسلام، فيُستتاب، فإن أسلم، وإلا؛ قُتل.
و (لا) يَخْرُجُ (يهودي) من دينه إن كذَّب (بعيسى) ويبقى عليه؛ لأنه ليس فيه تكذيب لنبيه موسى.
فصل في نقض العهد وما يتعلق به
(مَنْ نَقَضَه) أي: العهد (بمخالفته شيئًا مما صُولحوا عليه) مما ينتقض العهد به، على ما يأتي تفصيله (حلَّ مالُه ودَمُه) لما في كتاب أهل الجزيرة إلى عبد الرحمن بن غَنْم: "وإنْ نحنُ غيَّرْنا أو خالفنا عمَّا (٢) شَرَطْنا على أنفسنا، وقَبِلنا الأمانَ عليه، فلا ذِمَّةَ لنا، وقد حَلَّ لك منا ما يَحِلُّ لأهلِ المعاندةِ والشِّقاق" وأمره عمر أن يُقرَّهم على ذلك (٣).
(ولا يقفُ نقضُه) أي: العهد (على حكم) حاكم (٤) (الإمام) بنقضه، حيث أتى ما ينقضه؛ لمفهوم ما سبق.
(فإذا امتنع) أحدهم (من بذل الجِزية أو) من (التزام أحكام مِلَّة الإسلام، بأن يمتنع من جري أحكامنا عليه، ولو لم يحكم بها عليه حاكمنا) خلافًا لما في "المغني" و"الشرح"، انتقض عهده؛ لأن الله تعالى
стр. 3111
أمر (١) بقتالهم حتى يعطوا الجِزية، ويلتزموا أحكام المِلَّة الإسلامية؛ لأنها نَسخت كل حكم يخالفها، فلا يجوز بقاء العهد مع الامتناع من ذلك.
(أو أبى الصَّغار، أو قاتل المسلمين منفردًا، أو مع أهل الحرب، أو لحق بدار حرب مقيمًا بها، انتقض عهده) لأنه صار حربًا لنا بدخوله في جملة أهل الحرب (ولو لم يشرط (٢) عليهم) أنهم إذا فعلوا شيئًا من ذلك انتقض عهدهم؛ لأن ذلك هو مقتضى العقد.
(وكذا لو تعدَّى) الذِّمي (على مسلم -ولو عبدًا- بقتلٍ عمدًا) قيده أبو الخطاب في "خلافه الصغير".
(أو فَتَنَه عن دِينِه، أو تعاونَ على المسلمين بدلالة، مثل مكاتبة المشركين، ومراسلتهم بأخبارهم) أي: المسلمين.
(أو زنى بمسلمة، ولا يُعتبر فيه) أي: الزِّنى من حيث نقض العهد (أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضة ذلك واشتهاره، قاله الشيخ (٣)) قال في "المبدع": وفيه شيء. (أو أصابها) أي: المسلمة (باسم نكاح) وقياس الزِّنى اللواطُ بالمسلم، على ما ذكره السراج البُلقيني الشافعي (٤).
(أو) تعدَّى على مسلم (بقطع طريق، أو تجسيس للكفار، أو إيواء جاسوسهم) وهو: عين الكفار (أو ذكر الله تعالى، أو كتابه، أو دِينه، أو رسوله بسوء ونحوه) لما رُوي عن عمر "أنه رُفِعَ إليه ذمِّيٌّ أرادَ استكراه
стр. 3112
امرأةٍ على الزِّنى، فقال: ما على هذا صالحناكم، وأمَرَ به فَصُلِبَ في بيتِ المقدسِ" (١). وقيل لابن عمر: "إنَّ راهبًا يشْتُمُ رسول الله ﷺ فقال: لو سَمِعْتُه لقَتَلتُه، إنَّا لم نُعْطِ الأمانَ على هذا" (٢) ولأن في ذلك ضررًا على المسلمين، أشبه الامتناع من الصَّغار.
(فإن سمع المؤذن يؤذن فقال له: كذبت، قال) الإمام (أحمد (٣): يقتل).
و (لا) ينتقض عهده (بقذف المسلم وإيذائه (٤) بسحر في تصرُّفه) كإبطال بعض أعضائه؛ لأن ضرره لا يعمُّ المسلمين، أشبه ما لو لطمه، بخلاف ما سبق، فإن فيه غضاضة على المسلمين، خصوصًا بسبِّ الله تعالى ورسوله ودينه.
(و لا ينتقض بنقض عهدِه، عهدُ نسائه وأولاده الصِّغار الموجودين، لحقوا بدار الحرب أو لا) لأن النقض وُجِدَ منه دونهم، فاختصَّ حكمه به (ولو لم ينكروا) عليه (النقض).
وأما مَن حملت به أُمُّهُ، وولدته بعد النقض، فإنه يُسترقُ ويُسبى؛
стр. 3113
لعدم ثبوت الأمان له.
وإن نقض بعضُهم دون بعض، اختصَّ حكم النقض بالناقض، ولو سكت غيره.
وإن لم ينقضوا؛ لكن خاف منهم النقض، لم يجز أن ينبذ إليهم عهدهم؛ لأن عقد الذِّمة لحقهم بدليل أن الإمام يلزمه إجابتهم إليه، بخلاف عقد الأمان والهُدنة، فإنه لمصلحة المسلمين.
(وإن أظهر) الذِّمي (منكرًا، أو رفع صوته بكتابه، أو ركب الخيل ونحوه) مما تقدم أنهم يُمنعون منه (لم ينتقض عهده) بذلك لأن العقد لا يقتضيه، ولا ضرر على المسلمين فيه (ويؤدَّب) لارتكابه المحرَّم.
(وحيث انتقض) عهده (خُيِّر الإمام فيه كالأسير الحربي على ما تقدم) لفعل عمر (١)، ولأنه كافر لا أمان له، أشبه الأسير، وكما لو دخل متلصصًا.
(وماله فيء) لأن المال لا حرمة له في نفسه، إنما هو تابع لمالكه حقيقة، وقد انتقض عهد (٢) المالك في نفسه، فكذا في ماله. وقال أبو بكر: يكون لورثته. وهو مقتضى ما تقدم في الأمان، وسبق ما فيه.
(ويحرم قتله لأجل نقضه العهد إذا أسلم، ولو بسبِّ (٣) النبي ﷺ ) لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤)، وقوله ﷺ : "الإسلام يَجُبُّ ما قبله" (٥).
стр. 3114
ويحرم -أيضًا- رقه بعد إسلامه، لا إن كان رق قبل (و يُستوفى منه ما يقتضيه القتلُ) إذا أسلم وقد قتل، من قصاص أو دِية ؛ لأنه حق آدمي، ولا يسقط بإسلامه كسائر حقوقه.
(وقيل: يقتل سابُّه) ﷺ (بكل حال) وإن أسلم (اختاره جَمْعٌ) منهم ابن أبي موسى وابن البناء والسامري (قال الشيخ (١): وهو الصحيح من المذهب) قال في "المبدع": ونص عليه أحمد (٢)، لأنه قذفٌ لميت فلا يسقط بالتوبة.
(وقال: إن سبَّه) ﷺ (حربيٌّ، ثم تاب بإسلامه، قُبلت توبته إجماعًا) للآية، والحديث السابقين.
(وقال: من تولَّى منهم) أي: من أهل الذِّمة (ديوان المسلمين انتقض عهده، وتقدم (٣) في باب ما يلزم الإمام والجيش.
وقال: إن جَهَر بين المسلمين بأن المسيح هو الله) تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا (عُوقب على ذلك إما بالقتل أو بما دونه) أي: لإتيانه بُهتانًا عظيمًا، و (لا) يعاقب بذلك (إن قاله سرًّا في نفسه.
وإن قال) ذِميٌّ: (هؤلاء المسلمون الكلاب أبناء الكلاب، إن أراد طائفة معينة من المسلمين عوقب عقوبة تزجره وأمثاله) عن أن يعود لذلك القول الشنيع (وإن ظهر منه قَصْد العموم، انتقض عهده ووجب قتله) لما فيه من الغضاضة على المسلمين.
стр. 3115
و من جاءنا بأمان ثم نقض العهد، وقد حصل له ذرية، فَكَذِمِّي وتقدم.
وتخرج نصرانية لشراء الزُّنار، ولا يشتريه مسلمٌ لها؛ لأنه من علامات الكفر، ويأتي في عشرة النساء.
ولا يأذن المسلم لزوجته النصرانية أو أَمَته كذلك أن تخرج إلى عيد، أو تذهب إلى بِيعة، وله أن يمنعها ذلك.
والله أعلم.
стр. 3116
كتاب البيع
стр. 3117
هذا كتاب البيع
قدَّمه على الأنكِحة وما بعدها، لشدة الحاجة إليه؛ لأنه لا غِنى للإنسان عن مأكولٍ ومشروب ولباس، وهو مما ينبغي أن يُهتم به؛ لعموم البلوى، إذ لا يخلو مكلَّفٌ غالبًا من بيع وشراء، فيجب معرفة الحكم في ذلك قبل التلبُّس به.
وقد حكى بعضُهم الإجماع (١) على أنه لا يجوز لمكلَّفٍ أن يُقدِم على فعلٍ حتى يعلمَ حكمَ الله فيه. وبعث عمرُ ﵁ مَن يقيم مِن الأسواق من ليس بفقيه (٢).
و البيعُ جائز بالإجماع (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ (٤)؛ ولفعله ﷺ ، وإقراره أصحابه عليه، والحكمةُ تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه، ولا يبذله بغير عِوض غالبًا، ففي تجويز البيع وصولٌ لغرضه، ودفع حاجته.
(وهو) أي: البيع مصدر باع يبيع، إذا ملك، ويُطلق بمعنى
стр. 3118
"شرى"، وكذلك "شرى" يكون للمَعنيين. وقال الزجَّاج (١) وغيره: باع وأباع بمعنىً.
واشتقاقه من "الباع" في قول الأكثر، منهم صاحبُ "المغني" و"الشرح" لأن كل واحد يمدُّ باعه للأخذ والإعطاء (٢). وذكرتُ في الحاشية ما رُدَّ به ذلك، والجوابَ عنه.
ومعناه لغةً: دفعُ عِوَض، وأخذ مُعَوَّض (٣) عنه.
وشرعًا: (مبادلة مال) من نَقْدٍ أو غيره، معيَّن أو موصوف (ولو) كان المال (في الذِّمة) كعبد وثوب، صفتُه كذا (أو) مبادلةُ (منفعة مباحة) على الإطلاق، بأن لا تختص إباحتها بحال دون حال (كـ) ـنفع (ممر الدار) وبقعةٍ تُحفر بئرًا (بمثل أحدهما) أي: بمال أو منفعة مباحة، والجارُّ متعلِّق بـ"مبادلة"، وشمل صورًا:
بيع نحو عبدٍ بثوب، أو دينار في الذمة، أو ممر في دار. وبيعُ نحو دينارٍ في ذِمة لمن هو عليه بدراهمَ معينة، أو في الذمة إذا قُبضت قبل التفرُّق، أو بممر دار. وبيعُ نحو ممرِّ دار بعبد أو دينار في ذِمة، أو ممر آخر.
ومعنى المبادلة: جَعْلُ شيء في مقابلة آخر. وأتى بصيغة المفاعلة؛ لأن البيع لا يكون إلا بين اثنين حقيقة أو حكمًا، كتولِّي طرفي العقد. وعَدَل عن التعبير بعين مالية، لأن ما ذكره أخصر، ولأن المبيع يجوز أن يكون معينًا، وأن يكون في الذمة.
стр. 3119
وقوله: (على التأبيد) متعلِّق بـ"مبادلة" -أيضًا-، وخرج به الإجارة، والإعارةُ في نظير الإعارة، وإن لم تُقيَّد بزمن؛ لأن العواري مردودة، فلذلك لم يقل: للملك.
وقوله: (غير رِبًا وقرض) إخراج لهما، فإن الربا محرَّم، والقرض وإن قُصد فيه المبادلة؛ لكنَّ المقصودَ الأعظم فيه الإرفاقُ.
ثم للبيع ثلاثة أركان: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة.
والكلام على العاقد والمعقود عليه يأتي في الشروط.
وأما الصيغة فذكرها بقوله: (وله) أي: للبيع (صورتان ينعقد) أي: يوجد عقده (بهما) أي: بكل واحدة منهما:
(إحداهما: الصيغة القولية، وهي) أي: الصيغة القولية (غير منحصرة في لفظ بعينه) كَبِعْت واشتريت (بل) هي (كلُّ ما أدَّى معنى البيع) لأن الشارع لم يخصَّه بصيغة معينة، فتناول كلَّ ما أدَّى معناه.
(فمنها) أي: من الصيغة القولية (الإيجاب) وهو ما يصدر (من بائع، فيقول) البائع: (بعتُك) كذا (أو ملَّكتُك) هذا (ونحوهما، كولَّيتُكه (١)، أو أشركتُك فيه، أو وهبتُكه) بكذا (ونحوه) كأعطيتكه.
(و) منها (القَبول) بفتح القاف، وحكى في "اللُّباب" (٢) الضم (بعدَه)، أي: بعد الإيجاب، ويأتي حكم ما لو تقدم عليه.
والقَبول ما يصدر (من مُشترٍ بـ) أيِّ (لفظ دالٍّ على الرضا) بالبيع (فيقول) المشتري: (ابتعتُ، أو قَبِلتُ، أو رضيتُ، وما في معناه) أي: معنى ما ذكر (كتملَّكتُه، أو اشتريتُه، أو أخذته ونحوه) كاستبدلته.
стр. 3120
(ويُشترط) لانعقاد البيع:
(أن يكون القَبول على وَفْق الإيجاب في القَدْر) فلو خالف، كأن يقول: بعتكه بعشرة، فقال: اشتريته بثمانية، لم ينعقد.
(و) أن يكون على وَفْقه -أيضًا- في (النَّقْدِ وصفتِه، والحُلولِ والأجل، فلو قال: بعتُك بألف) درهم، فقال: اشتريته بمائة دينار، أو قال: بعتُك بألف (صحيحة، فقال: اشتريتُ بألفٍ مكسَّرة. ونحوه) كاشتريته بألفٍ نصفُها صحيح، ونصفُها مكسَّر. أو قال: بعتك بألف حالَّة، فقال: اشتريتُه بألف مؤجَّلة. أو قال البائع: بألف مؤجَّلة إلى رجب، فقال المشتري: إلى شعبان (لم يصحَّ) البيع في ذلك كله؛ لأنه ردٌّ للإيجاب لا قَبولٌ له.
(ولو قال) البائع: (بعتُك) كذا (بكذا، فقال) المشتري: (أنا آخُذُه بذلك (١) لم يصحَّ) أي: لم ينعقد البيع؛ لأن ذلك وعدٌ بأخذه.
(فإن قال) المشتري لمن قال له: بعتك كذا بكذا: (أخذتُه منك، أو) أخذته (بذلك، صحَّ) البيع؛ لوجود الإيجاب والقَبول.
(ولا ينعقد) البيع (بلفظ السَّلَمِ والسَّلَفِ، قاله في "التلخيص") في باب السَّلَم، وهو ظاهر كلام أحمدَ في رواية المَرُّوذي: لا يصح البيع بلفظ السَّلَم (٢). ذكره في القاعدة الثامنة والثلاثين (٣). وقيل: يصح بلفظ السَّلَم، قاله القاضي، قاله في "الإنصاف".
(فإن تقدم القَبول على الإيجاب، صحَّ) البيع إن كان القَبول (بلفظ