← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

كتاب البيع

стр. 3117

هذا كتاب البيع قدَّمه على الأنكِحة وما بعدها، لشدة الحاجة إليه؛ لأنه لا غِنى للإنسان عن مأكولٍ ومشروب ولباس، وهو مما ينبغي أن يُهتم به؛ لعموم البلوى، إذ لا يخلو مكلَّفٌ غالبًا من بيع وشراء، فيجب معرفة الحكم في ذلك قبل التلبُّس به. وقد حكى بعضُهم الإجماع (١) على أنه لا يجوز لمكلَّفٍ أن يُقدِم على فعلٍ حتى يعلمَ حكمَ الله فيه. وبعث عمرُ ﵁ مَن يقيم مِن الأسواق من ليس بفقيه (٢). و البيعُ جائز بالإجماع (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيعَ﴾ (٤)؛ ولفعله ﷺ ، وإقراره أصحابه عليه، والحكمةُ تقتضيه؛ لأن حاجة الإنسان تتعلَّق بما في يد صاحبه، ولا يبذله بغير عِوض غالبًا، ففي تجويز البيع وصولٌ لغرضه، ودفع حاجته. (وهو) أي: البيع مصدر باع يبيع، إذا ملك، ويُطلق بمعنى

стр. 3118

"شرى"، وكذلك "شرى" يكون للمَعنيين. وقال الزجَّاج (١) وغيره: باع وأباع بمعنىً. واشتقاقه من "الباع" في قول الأكثر، منهم صاحبُ "المغني" و"الشرح" لأن كل واحد يمدُّ باعه للأخذ والإعطاء (٢). وذكرتُ في الحاشية ما رُدَّ به ذلك، والجوابَ عنه. ومعناه لغةً: دفعُ عِوَض، وأخذ مُعَوَّض (٣) عنه. وشرعًا: (مبادلة مال) من نَقْدٍ أو غيره، معيَّن أو موصوف (ولو) كان المال (في الذِّمة) كعبد وثوب، صفتُه كذا (أو) مبادلةُ (منفعة مباحة) على الإطلاق، بأن لا تختص إباحتها بحال دون حال (كـ) ـنفع (ممر الدار) وبقعةٍ تُحفر بئرًا (بمثل أحدهما) أي: بمال أو منفعة مباحة، والجارُّ متعلِّق بـ"مبادلة"، وشمل صورًا: بيع نحو عبدٍ بثوب، أو دينار في الذمة، أو ممر في دار. وبيعُ نحو دينارٍ في ذِمة لمن هو عليه بدراهمَ معينة، أو في الذمة إذا قُبضت قبل التفرُّق، أو بممر دار. وبيعُ نحو ممرِّ دار بعبد أو دينار في ذِمة، أو ممر آخر. ومعنى المبادلة: جَعْلُ شيء في مقابلة آخر. وأتى بصيغة المفاعلة؛ لأن البيع لا يكون إلا بين اثنين حقيقة أو حكمًا، كتولِّي طرفي العقد. وعَدَل عن التعبير بعين مالية، لأن ما ذكره أخصر، ولأن المبيع يجوز أن يكون معينًا، وأن يكون في الذمة.

стр. 3119

وقوله: (على التأبيد) متعلِّق بـ"مبادلة" -أيضًا-، وخرج به الإجارة، والإعارةُ في نظير الإعارة، وإن لم تُقيَّد بزمن؛ لأن العواري مردودة، فلذلك لم يقل: للملك. وقوله: (غير رِبًا وقرض) إخراج لهما، فإن الربا محرَّم، والقرض وإن قُصد فيه المبادلة؛ لكنَّ المقصودَ الأعظم فيه الإرفاقُ. ثم للبيع ثلاثة أركان: عاقد، ومعقود عليه، وصيغة. والكلام على العاقد والمعقود عليه يأتي في الشروط. وأما الصيغة فذكرها بقوله: (وله) أي: للبيع (صورتان ينعقد) أي: يوجد عقده (بهما) أي: بكل واحدة منهما: (إحداهما: الصيغة القولية، وهي) أي: الصيغة القولية (غير منحصرة في لفظ بعينه) كَبِعْت واشتريت (بل) هي (كلُّ ما أدَّى معنى البيع) لأن الشارع لم يخصَّه بصيغة معينة، فتناول كلَّ ما أدَّى معناه. (فمنها) أي: من الصيغة القولية (الإيجاب) وهو ما يصدر (من بائع، فيقول) البائع: (بعتُك) كذا (أو ملَّكتُك) هذا (ونحوهما، كولَّيتُكه (١)، أو أشركتُك فيه، أو وهبتُكه) بكذا (ونحوه) كأعطيتكه. (و) منها (القَبول) بفتح القاف، وحكى في "اللُّباب" (٢) الضم (بعدَه)، أي: بعد الإيجاب، ويأتي حكم ما لو تقدم عليه. والقَبول ما يصدر (من مُشترٍ بـ) أيِّ (لفظ دالٍّ على الرضا) بالبيع (فيقول) المشتري: (ابتعتُ، أو قَبِلتُ، أو رضيتُ، وما في معناه) أي: معنى ما ذكر (كتملَّكتُه، أو اشتريتُه، أو أخذته ونحوه) كاستبدلته.

стр. 3120

(ويُشترط) لانعقاد البيع: (أن يكون القَبول على وَفْق الإيجاب في القَدْر) فلو خالف، كأن يقول: بعتكه بعشرة، فقال: اشتريته بثمانية، لم ينعقد. (و) أن يكون على وَفْقه -أيضًا- في (النَّقْدِ وصفتِه، والحُلولِ والأجل، فلو قال: بعتُك بألف) درهم، فقال: اشتريته بمائة دينار، أو قال: بعتُك بألف (صحيحة، فقال: اشتريتُ بألفٍ مكسَّرة. ونحوه) كاشتريته بألفٍ نصفُها صحيح، ونصفُها مكسَّر. أو قال: بعتك بألف حالَّة، فقال: اشتريتُه بألف مؤجَّلة. أو قال البائع: بألف مؤجَّلة إلى رجب، فقال المشتري: إلى شعبان (لم يصحَّ) البيع في ذلك كله؛ لأنه ردٌّ للإيجاب لا قَبولٌ له. (ولو قال) البائع: (بعتُك) كذا (بكذا، فقال) المشتري: (أنا آخُذُه بذلك (١) لم يصحَّ) أي: لم ينعقد البيع؛ لأن ذلك وعدٌ بأخذه. (فإن قال) المشتري لمن قال له: بعتك كذا بكذا: (أخذتُه منك، أو) أخذته (بذلك، صحَّ) البيع؛ لوجود الإيجاب والقَبول. (ولا ينعقد) البيع (بلفظ السَّلَمِ والسَّلَفِ، قاله في "التلخيص") في باب السَّلَم، وهو ظاهر كلام أحمدَ في رواية المَرُّوذي: لا يصح البيع بلفظ السَّلَم (٢). ذكره في القاعدة الثامنة والثلاثين (٣). وقيل: يصح بلفظ السَّلَم، قاله القاضي، قاله في "الإنصاف". (فإن تقدم القَبول على الإيجاب، صحَّ) البيع إن كان القَبول (بلفظ

стр. 3121

أمر، أو) كان بلفظ (ماض مجرَّد عن استفهام ونحوه) كتَمَنٍّ وتَرَجِّ، ويأتي مثاله في كلامه. (ومعه) أي: مع الاستفهام ونحوه (لا يصح) البيع (ماضيًا كان) القَبول (مثل: أبعتني؟) أو: ليتك، أو: لعلك بعتني (أو مضارعًا مثل: أتبيعني؟) وكذا لو تجرَّد عن الاستفهام؛ لأنه ليس بقَبول ولا استدعاء. (فإن قال) المشتري: (بِعْنِي) كذا (بكذا) فقال: بِعْتْكَهُ، صحَّ، وهذا مثال الأمر. (أو) قال: (اشتريتُ منك) هذا (بكذا، فقال) البائع: (بعتُك، ونحوه) مما تقدم، صحَّ البيع. (أو قال) المشتري: بِعْني بكذا، أو: اشتريته منك بكذا. فقال البائع: (بارك اللهُ لك فيه، أَو هو مباركٌ عليك، أو) قال: (إن الله قد باعَكَ) صحَّ البيع؛ لدلالة ذلك على المقصود. (أو قال) المشتري: (أعطِنِيه بكذا، فقال) البائع: (أعطيتُك أو أعطيتُ، صحَّ) لما تقدم. (وإن قال البائع للمشتري: اشْتَرِه بكذا، أو ابْتَعْهُ بكذا، فقال: اشتريتُه، أو: ابتعتُه، لم يصحَّ) البيع (حتى يقول البائع بعدَه) أي: بعد قول المشتري ذلك: (بعتُك، أو: ملَّكتُك، قاله في "الرعاية") قال في "النكت": وفيه نظر ظاهر، والأولى أن يكون كتقدُّم الطلب من المشتري، وأنه دالٌّ على الإيجاب (١) والبذل. (ولو قال) البائع: (بعتُك) إن شاء الله (أو) قال المشتري: (قبلتُـ) ـه (إن شاء الله، صح) البيع (ويأتي) في الشروط في البيع.

стр. 3122

(وإن تراخى أحدُهما عن الآخر) أي: القَبول عن الإيجاب، أو عكسه (صحَّ) المتقدم منهما ولم يلغ (ماداما) أي: المتبايعان (في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه عُرفًا) لأن حالة المجلس كحالة العقد، بدليل أنه يُكتفى بالقبض فيه لما يُعتبر قبضه (وإلا) بأن تفرَّقا قبل الإتيان بما بقي منهما، أو تشاغلا بما يقطعه عُرفًا (فلا) ينعقد البيع؛ لأن ذلك إعراض عن العقد، أشبه ما لو صرَّحا بالردِّ. (وإن كان) المشتري (غائبًا عن المجلس؛ فَكَاتَبَهُ) البائع (أو راسله: إني بعتُك) داري بكذا (أو) إني (بعتُ فلانًا) -ونَسبه بما يُميزه- (داري بكذا، فلمَّا بَلَغه) أي: المشتري (الخبرُ، قَبِلَ) البيعَ (صحَّ) العقد؛ لأن التراخي مع غيبة المشتري لا يدل على إعراضه عن الإيجاب، بخلاف ما لو كان حاضرًا، ففرَّق المصنفُ في تراخي القَبول عن الإيجاب بين ما إذا كان المشتري حاضرًا، وما إذا كان غائبًا. وهذا يوافق روايةَ أبي طالب في النكاح؛ قال في رجل يمشي إليه قوم، فقالوا: زَوِّجْ فلانًا، فقال: قد زوَّجتُه على ألف، فرجعوا إلى الزوج فأخبروه، فقال: قد قَبِلتُ، هل يكون هذا نِكاحًا؟ قال: نعم (١). قال الشيخ التقي (٢): ويجوز أن يقال: إن كان العاقد الآخر حاضرًا اعتُبر قَبولُه، وإن كان غائبًا جاز تراخي القَبول عن المجلس، كما قلنا في ولاية القضاء. انتهى. وظاهر كلام أكثر الأصحاب خلافُه، فإنهم اعتبروا في القَبول أن يكون عقب الإيجاب، ثم ذكروا حكم التَّراخي على ما ذكره في التفصيل

стр. 3123

في المجلس فقط، وحكموا (١) رواية أبي طالب في النكاح مقابلة لما قدَّموه. (و) الصورة (الثانية) لعقد البيع: (الدلالة الحالِيَّة، وهي المعاطاة، تصح) فينعقد البيع بها (في القليل والكثير) نص عليه (٢). وجَزَم به أكثر الأصحاب؛ لعموم الأدلة، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه استعمالُ إيجاب وقَبول في بيعهم، ولو استُعمل لَنُقل نقلًا شائعًا، ولبيَّنه ﷺ ، ولم يَخْفَ حُكمه، ولم يزل المسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على البيع بالمعاطاة. وقال القاضي: يصحُّ بها في اليسير خاصة، وهو رواية (٣)، واختارها ابن الجوزي. و من صور بيع المعاطاة (نحو) قول المشتري: (اعطني بهذا الدرهم خبزًا، فيعطيه) البائع (ما يرضيه) وهو ساكت (أو يقول البائع) للمشتري: (خُذْ هذا بدرهم فيأخذه) وهو ساكت. (ومنها) أي: المعاطاة (لو ساوَمَه سلعةً بثمن، فيقول) البائع: (خُذْها) فأخذها المشتري وهو ساكت (أو) يقول البائع: (هي لك، أو) يقول: (أعطيتُكها) فيأخذها (أو يقول) المشتري للبائع: (كيف تبيعُ الخبزَ؟ فيقول) البائع: (كذا يدرهم، فيقول) المشتري: (خُذْ درهمًا، أو زِنْه). ومن المعاطاة -أيضًا- ما أشار إليه بقوله: (أو وضع ثمنَه) أي: القَدْر المعلوم أنه ثمنه (عادة) كقِطَع الحلوى، وحُزَم البقل (وأخذَه)، قال

стр. 3124

في "المبدع" و"شرح المنتهى": وظاهره: ولو لم يكن المالك حاضرًا. (و) ينعقد البيع بـ (ـنحو ذلك مما يدلُّ على بيع وشراء) في العادة. (و يُعتبر في) صحة بيع (المعاطاة معاقَبةُ القبض) للطلب، في نحو: خُذْ هذا بدرهم (أو) معاقبة (الإقباض للطلب) في نحو: أعطني بهذا خبزًا (لأنه إذا اعتُبِر عدم التأخير في الإيجاب والقَبول اللَّفظي) أي: إذا اعتُبر أن لا يتأخر أحدُهما عن الآخر حتى يتفرَّقا من المجلس، أو يتشاغلا بما يقطعه عُرفًا (فـ) اعتبار عدم التأخير (في المعاطاة أولى) نبَّه عليه ابن قُندس، والعطف بالفاء في نحو "فيعطيه" (١) وما بعده يدل عليه، وظاهره أن التأخير في المعاطاة مبطل، ولو كانا بالمجلس لم يتشاغلا بما يقطعه؛ لضعفها عن الصيغة القولية. (وكذا هِبةٌ، وهديةٌ وصدقةٌ) فتنعقد بالمعاطاة؛ لاستواء الجميع في المعنى، ولم يُنقل عنه ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه استعمال إيجاب وقَبول في شيء من ذلك (فتجهيز بِنْتِهِ) أو غيرها، قال الشيخ تقي الدين (٢): تجهيز المرأة (بجهاز إلى بيت زوج تمليكٌ) لها. (و لا بأس بذوق المبيع عند الشراء) نص عليه (٣)؛ لقول ابن عباس (٤)،

стр. 3125

ولجريان العادة به، ونقل حرب (١): لا أدري، إلا أن يستأذنه. فلذا قال: (مع الإذن) وكأنه جمع بين الروايتين، لكن قدَّم الأُولى، في "الفروع"، و"المبدع"، و"الإنصاف"، وغيرها. (وشروط البيع سبعة: أحدها: التراضي به منهما) أي: من المتبايعين (وهو أن يأتي (٢) به اختيارًا) لقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)؛ ولقوله ﷺ : "إنَّما البيعُ عن تراضٍ" رواه ابن حبان (٤)، (ما لم يكن بيع تَلْجِئةٍ وأمانة، بأن يُظهِرا بيعًا لم يريداه باطنًا، بل) أظهراه (خوفًا من ظالم ونحوه) كخوف ضياعه أو نهبه، ودفعًا له (فـ) ـالبيع إذن (باطل) حيث تواطآ عليه (وإن لم يقولا في العقد: تبايعنا هذا تَلْجِئةً) لدلالة الحال عليه.

стр. 3126

(قال الشيخ (١): بيع الأمانة) هو (الذي مضمونُه اتفاقُهما) أي: اتفاق البائع والمشتري (على أن البائع إذا جاءه بالثمن، أعاد عليه) المشتري (ملكه ذلك، ينتفع به) أي: بالملك المبيع (المشتري بالإجارة والسكن، ونحو ذلك) كركوب ما يركبه، أو حَلْبه (وهو) أي: البيع إذَنْ (عقدٌ باطل بكلِّ حال. ومقصودهما إنما هو الربا بإعطاء دراهم بدراهم إلى أجل، ومنفعةُ الدار) أو نحوها (هي الربح) فهو في المعنى قَرْض بعِوض (والواجبُ ردُّ المبيع إلى البائع، وأن يردَّ) البائع إلى (المشتري ما قبضه منه لكي (٢) يُحسب له) أي: للبائع (منه ما قبضه المشتري من المال الذي سمَّوه أجرةً). وإن كان المشتري هو الذي سَكَنَ، حُسب عليه أجرة المِثْل، فتحصُل المقاصَّة بقدره، ويردُّ الفضل. وكذا) أي: كبيع التَّلجِئة (بيعُ الهازل) فهو باطل، لأنه لم تُرَد حقيقته (ويُقبل منه) أي: من البائع أنَّ البيع وقع تَلْجِئةً أو هزلًا (بقرينة) دالة على ذلك (مع يمينه) لاحتمال كذبه، فإن لم توجد قرينةٌ، لم تقبل دعواه إلا ببيِّنة. (فإن باعه) أي: باع إنسان ماله (خوفًا من ظالم، أو خاف) إنسان (ضيعته، أو نَهْبه، أو سرقته، أو غصبه) فباعه (من غير تواطؤ) مع المشتري على أنَّ البيع تَلْجِئة وأمانة (صحَّ بيعُه) لأنه صَدَر من أهله في محلّه من غير إكراه.

стр. 3127

(قال الشيخ (١): ومَن استولى على ملك رجلٍ بلا حق، فطَلَبَه، فَجَحَده) إيَّاه حتى يبيعه له (أو منعه إيَّاه حتى يبيعه) له فباعه (على هذا الوجه، فهذا مُكرَه بغير حق) فلا يصحُّ بيعه؛ لأنه مُلجأ إليه. (فإن كانا) أي: المتبايعان (أو) كان (أحدُهما مُكرَهًا، لم يصحَّ) البيع، لما تقدم (إلا أن يُكرَه بحقٍّ، كالذي يُكرِهه الحاكمُ على بيع مَالِه لوفاء دينه) أو على شراء ما يوفي منه ما عليه من دين (فيصح) العقد؛ لأنه قول حُمِل عيه بحق، فصحَّ، كإسلام المرتد. (وإن أُكره) إنسان (على وزن مالـ) ـه (فباع ملكه) في ذلك (صحَّ) البيع؛ لأنه غير مُكرَه عليه، (وكُرِه الشراء) منه (وهو بيع المضطرين) قال في "المنتخب": لبيعه بدون ثمنه، أي: ثمن مثله. (ومن قال لآخرَ: اشْتَرِني من زيد فإني عبدُه، فاشتراه) المقول له، (فبانَ حرًّا، لم تلزمه) أي: القائل (العُهدة) أي: عُهدة الثمن الذي قبضه البائع (حضر البائعُ، أو غاب) لأنه إنما وُجِد منه الإقرار، دون الضمان (كقوله) أي: كقول إنسان لآخر: (اشترِ منه عبدَه هذا) فاشتراه؛ فتبيَّن حرًّا، فلا تلزم القائل العُهدة (ويؤدَّب هو وبائعه) لِمَا صدر منهما من التغرير (ويَردُّ) كل منهما (ما أخذه) لأنه قبضه بغير حق. (وعنه) (٢) أي: عن الإمام رواية (يُؤخذ البائع والمقرُّ بالثمن، فإن مات أحدُهما أو غاب، أُخذ الآخر بالثمن، واختاره الشيخ) (٣) قال في "الإنصاف": وهو الصواب. قال في "الفروع": (ويتوجَّه هذا في كل

стр. 3128

غارٍّ) قال في "الإنصاف": وما هو ببعيد (ولو كان الغارُّ أنثى) فقالت لآخر: اشْترِني من هذا فإني أَمَته، فاشتراها ووطئها (حُدَّت) دونه (ولا مهر) لها؛ لأنها زانية مطاوعة (ويلحقه الولد) للشُّبهة. (ولو أقرَّ) شخص لآخر (أنه عبدُه فرَهَنه، فكبيع) فلا تلزم العُهدة القائلَ، حضر الراهن أو غاب على المختار. فصل الشرط (الثاني) من شروط البيع: (أن يكون العاقد) من بائع ومشتر (جائز التصرُّف، وهو) الحر (البالغُ الرشيد) فلا يصح من صغير ومجنون وسكران ونائم ومُبَرسَم (١) وسفيه؛ لأنه قول يُعتبر له الرضا، فلم يصح من غير رشيد، كالإقرار (إلا الصغير المميز والسفيه، فيصحّ تصرُّفُهما بإذن وليهما ولو في الكثير) لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٢) أي: اختبروهم، وإنما يتحقق بتفويض البيع والشراء إليهم. (ويَحرُم) على الولي (إذنُه لهما) أي: للمميز والسفيه في التصرُّف (لغير مصلحة) لما فيه من الإضاعة. (ولا يصحُّ منهما) أي: من المميز والسفيه (قَبول هِبةٍ) ونحوها (ووصيَّةٍ بلا إذن) وليٍّ لهما، كالبيع (واختار الموفَّق وجَمْعٌ) منهم الشارح والحارثي (صحته) أي: صحة قَبول هِبة ووصيَّة (من مميز) بلا إذن وليِّه (كعبدٍ) أي: كما يصح من العبد قَبول الهِبة والوصية بلا إذن سيده

стр. 3129

نصًّا (١). ويكونان لسيده. (ويصحُّ تصرُّف صغير، ولو دون تمييز) في يسير، لما رُوي "أنَّ أبا الدَّرداءِ اشترى من صبي عصفورًا فأرسلَهُ" ذكره ابن أبي موسى (٢). (و) يصح أيضًا تصرُّف (رقيقٍ وسفيه بغير إذن) وليٍّ وسيد (في) شيء (يسير) كباقة البقل، والكبريت ونحوهما؛ لأن الحكمة في الحَجْر خوف ضياع المال، وهو مفقود في اليسير. (وشراء رقيق) بغير إذن سيده (في ذِمَّته) لا يصح للحَجْر عليه، وكذا شراؤه بعين المال بغير إذن السيد؛ لأنه فضولي (واقتراضه) أي: اقتراض الرقيق مالًا (لا يصح كسفيه) بجامع الحَجْر. (وتُقبلُ من مميِّز) حرٍّ أو رقيقٍ، قال أبو الفرج: ودونه (هديةٌ أُرسل بها، و) يُقبل منه -أيضًا - (إذنه في دخول الدار ونحوها) عملًا بالعُرف (قال القاضي) في "جامعه": (ومِن كافر وفاسق) وذكره القاضي إجماعًا (٣). وقال القاضي في موضع: يقبله منه (إذا ظَنَّ صدقه) بقرينة، وإلا فلا، قال في "الفروع": وهذا متجه. فصل الشرط (الثالث: أن يكون المبيع) والثمن (مالًا) لأنه مقابَل بالمال، إذ هو مبادلة المال بالمال.

стр. 3130

(وهو) أي: المال، شرعًا: (ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة، أو ضرورة) فخرج ما لا نفع فيه أصلًا كالحشرات، وما فيه منفعة محرَّمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تُباح للضرورة كالميتة في حال المَخمَصة، والخمرِ لدفع لقمة غَصَّ بها. "تنبيه": ظاهر كلامه هنا كغيره: أن النفع لا يصحُّ بيعه، مع أنه ذكر في حدِّ البيع صحته، فكان ينبغي أن يُقال هنا: كون المبيع مالًا أو نفعًا مباحًا مطلقًا، أو يُعرَّف المال بما يعمُّ الأعيان والمنافع. (فيجوز بيعُ بغل، وحمار، وعَقَار) بفتح العين، ومأكول، ومشروب، وملبوس، ومركوب، ورقيق؛ لأن الناس يتبايعون ذلك، وينتفعون به في كل عصر من غير نكير، وقياسًا لما لم يَرِد به النصُّ من ذلك على ما ورد. (و) يصح بيع (دود قزٍّ وبَزْرِه (١)) قبل أن يدِبَّ؛ لأنه طاهر يخرج منه الحرير الذي هو أفخر الملابس، بخلاف الحشرات التي لا نفع فيها. (و) يصح بيع (ما يُصاد عليه كبومة) يجعلها (شباشًا) وهو طائر تُخاط عيناه ويربط لينزل عليه الطير فيصاد (٢) (ويُكره فِعْل ذلك) لما فيه من تعذيبها. (و) يصح بيع (ديدان لصيد سمك، و) يصح بيع (عَلَق لمصِّ دم،

стр. 3131

و) يصح بيع (طير لقصد صوته كبلبل وهَزَار (١)) لأن فيه نفعًا مباحًا (و) كذا (ببغاء وهي الدُّرَّة، و) كذا (نحوها) كقُمريٍّ (٢). (و) يصح بيع (نَحْلٍ منفردًا عن كُواراته (٣)) لأنه حيوان طاهر يخرج من بطونه شراب فيه منافع للناس، فهو كبهيمة الأنعام، وكذا يصح بيعه خارجًا عن كُوارته معها (بشرط كونه مقدورًا عليه) وإلا؛ لم يصح بيعه للغرر (وفيها) أي: ويصح بيع نَحْل في كُواراته (معها) إذا شُوهد داخلًا إليها. (و) يصح بيع النَّحْل في كُواراته (بدونها إذا شُوهد داخلًا إليها) أي: إلى كُوارته. هذا قول الأكثر، واقتصر عليه في "المنتهى" وغيره. وقوله: (فيُشترط معرفته بفتح رأسها) أي: الكُوارة (ومشاهدتُه) أي: النحل، يقتضي أنه لا يشترط مشاهدته داخلًا إليها، بل يكفي رؤيته فيها، وهو قول أبي الخطاب، قال: (وخفاء بعضه لا يمنع الصحة) أي: صحة البيع (كالصُّبْرة) لا يمنع صحة بيعها استتار بعضها ببعض، ففي كلامه نظر ظاهر. (ولا يصح بيعها) أي: الكُوارة (بما فيها من عسل ونَحْل) للجهالة (ولا) يصح (بيع ما كان مستورًا) من النَّحْل (بأقراصه) ولم يُعرف؛ للجهالة.

стр. 3132

(ويجوز بيع هرٍّ) لما في الصحيح: "أنَّ امرأةً دخلت النَّار في هِرَّةٍ لها حبستها" (١) والأصل في اللام: الملك، ولأنه حيوان يُباح نفعه واقتناؤه مطلقًا، أشبه البغل (وعنه (٢): لا يجوز) بيعه (اختاره في "الهَدي" (٣) و"الفائق"، وصحَّحه في "القواعد الفقهية (٤) ") لحديث مسلم عن جابر "أنه سُئل عن ثمن السِّنَّور، فقال: زَجَر النبيُّ ﷺ عن ذلك" (٥) وفي لفظ: "أن النبيَّ ﷺ نهى عن ثمنِ السِّنَّور" رواه أبو داود (٦) ويمكن

стр. 3133

حمله على غير المملوك منها، أو ما لا نفع فيه منها. (ويجوز بيع فِيل) لأنه يُباح نفعه، واقتناؤه، أشبه البغل. (و) يجوز بيع (سباع بهائم) كالفهد (و) بيع (جوارح طير) كصقر وباز (يصلحان) أي: السباع والجوارح (لصيدٍ) بأن تكون (مُعَلَّمة، أو تقبله) أي: التعليم؛ لأن فيها نفعًا مباحًا. (و) يصح بيع (ولدِه) أي: ولد ما ذكر من سباع البهائم (و) يصحُّ بيع (فَرْخِه) أي: فرخ طير الصيد (وبيضِه؛ لاستفراخه) لأنه ينتفع به في المآل؛ أشبهت الجحش الصغير. فإن اشترى البيض المذكور لنحو أكل، لم يصح لعدم إباحته. (و) يصحُّ بيع (قِرد لحفظٍ) لأن الحفظ من المنافع المباحة، و (لا) يصحُّ بيع قِرد (للعب، وكره أحمدُ بيعَه وشراءه) قال (١): أكره بيع القرد.

стр. 3134

قال ابن عقيل: هذا محمول على الإطافة به واللعب، فأما بيعه لحفظ المتاع والدكَّان ونحوه، فيجوز؛ لأنه كالصقر. (و) يصحُّ بيع قِنٍّ (مرتد) ولو لم تُقبل توبته؛ لأنه مملوك يُنتفع به، وخشية هلاكه لا تمنع بيعه كالمريض (و) يصح بيع قِنٍّ (جانٍ -عمدًا أو خطأ- على نفس أو ما دونها) سواء (أوجبت) الجنايةُ (القصاصَ أَوْ لا) لأن الجناية حق ثبت بغير رضا سيده، فلم يمنع بيعه كالدَّين. (ولجاهلٍ) بالردة أو الجناية حال الشراء (الخيارُ) بين الرَّدِّ والأرْش كالعيب (ويأتي آخر خيار العيب. و) يصح بيع (مريض ولو مأيوسًا منه) لأن خشية هلاكه لا تمنع بيعه (ولجاهل) بمرضه حال الشراء (الخيار) بين الرد والإمساك مع الأرْش؛ لأن المرض عيب. (و) يصح بيع قِنٍّ (قاتلٍ في مُحارَبة متحتِّمٍ قتلُه بعد القُدْرة) عليه؛ لأنه ينتفع به إلى قتله، ويعتقه فيجر ولاء وَلَده (و) يصح بيع (١) (متحتِّمٍ قتله بكفر) لما تقدم، وهو داخل تحت قوله: "ومرتد" كما تقدم. (و) يصح بيع (أَمَة لمن به عيب يُفسخُ به النكاح كجُذام وبَرَص) لأن البيع يُراد للوطء وغيره؛ بخلاف النكاح (وهل لها) أي: للأَمَة المبيعة لمن به جُذام أو بَرَص (مَنْعُه من وطئها؟ يحتمل وجهين، أَوْلاهما: ليس لها مَنْعه) لملكه لها ولمنافعها (وبه قال الشافعية، حكاه عنهم ابن العماد (٢) في كتاب "التبيان فيما يحل ويحرم من

стр. 3135

الحيوان" (١). (و) يصح بيع (لبن آدميَّة، ولو) كانت (حُرَّة) أي: المنفصل منها؛ لأنه طاهر مُنتفَع به كلبن الشاة؛ ولأنه يجوز أخذ العِوض عنه في إجارة الظِّئْر (٢) فيضمنه مُتْلفه (ويُكره) للمرأة بيع لبنها، نص عليه (٣). (ولا) يصح (بيع لَبَنِ رَجُل) فلا يضمن بإتلاف (ولا) بيع (خمر ولو كانا) أي: المتبايعان (ذِميين) لحديث جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله ورسولهُ حرَّمَ بيعَ الخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ" متفق عليه (٤). (ولا) بيع (كلب، ولو مباح الاقتناء) ككلب صيد، لحديث أبي سعيد الأنصاري "أن رسول الله ﷺ نَهى عن ثمن الكلب" متفق عليه (٥). (ومن قَتَله) أي: الكلب (وهو معلَّم) الصيد، والمراد: من قتل كلبًا يُباح اقتناؤه، كما في "الكافي" وغيره (أساء؛ لأنه فعل مُحرَّمًا، ولا غُرْمَ عليه؛ لأن الكلب لا يُملك) ولا قيمة له. ويأتي في الصيد أنه يَحرم قتل

стр. 3136

غير أَسودَ بهيمٍ وعقورٍ، ولو غير معلَّم. (ويَحرم اقتناؤه) أي: الكلب (كـ) ــما يَحرم اقتناء (خنزير، ولو لحفظ البيوت، ونحوها إلا كلب ماشية، أو صَيدٍ، وحَرْث) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من اتَّخذَ كلبًا إلا كلبَ ماشِيةٍ، أو صيد، أو زرعٍ نقصَ من أجرِه كلَّ يومٍ قِيراطٌ" متفق عليه (١)، وإنما يجوز اقتناء الكلب للماشية والصيد والحَرْث (إن لم يكن أسودَ بهيمًا، أو عقورًا، ويأتي في الصيد) بيان ذلك وتعليله. (ويجوز تربية الجرو الصغير لأجل الثلاثة) أي: لواحد من: الماشية، والصيد، والحَرْث؛ لأنه قَصَد به ما يُباح. (ومن اقتنى كلب صيدٍ ثم ترك الصيد مدَّةً، وهو يريد العودَ إليه، لم يَحرم اقتناؤه في مدَّةِ تَرْكه) الصيد (وكذا) من اقتنى كلب زرع (لو حصد الزرع، أُبيح اقتناؤه حتى يزرع زرعًا آخر، وكذا لو هلكت ماشية) اقتنى لها كلبًا (أو باعها، وهو يريد شراء غيرها، فله إمساكُ كَلْبها لِينتفعَ به في التي يشتريها) لأن ذلك لا يمكن التحرُّز منه. (ومن مات وفي يده كلب) يُباح اقتناؤه (فورثته أحقُّ به) كسائر الاختصاصات. (ويجوز إهداء الكلب المباح والإثابة عليه) لا على وجه البيع. (ولا يصح بيع) قِنٍّ (منذور عِتقه. قال ابن نصر الله: نَذْرَ تَبَرُّر) لأن عتقه وجب بالنذر، فلا يجوز إبطاله ببيعه، كالهَدي المعيَّن. واحترز ابن نصر الله عن نَذْر اللَّجَاج، فيصح البيع؛ لإجزاء الكفارة عنه.

стр. 3137

(ولا) بيع (تِرياق (١) يقع فيه لحوم الحيَّات) لأن نفعه إنما يحصُل بالأكل، وهو محرَّم، فخلا من نفع مباح، ولا يجوز التداوي به، ولا بسم الأفاعي. ويصح بيع التِّرياق الخالي من لحوم الحيَّات ومن الخمر؛ لأنه مباح كسائر المعاجين الخالية من محرَّم. (ولا) بيع (سموم قاتلة، كسم الأفاعى) لخلوها من نفع مباح (فأما السم من الحشائش والنبات، فإن كان لا ينتفع به، أو كان يقتل قليله، لم يجز بيعه) لما تقدم (وإن انتفع به، وأمكن التداوي بيسيره، كالسَّقَمونيا (٢) ونحوها، جاز بيعه) لما فيه من النفع المباح. (ويَحرم بيع مصحف، ولو في دَينٍ) قال أحمد (٣): لا نعلم في بيع المصحف رخصة. قال ابن عمر: "وَدِدتُ أنَّ الأيدي تُقطعُ في بَيعها" (٤) ولأن تعظيمه واجب، وفي بيعه ابتذالٌ له، وتركٌ لتعظيمه. (ولا يصحُّ) بيع المصحف، مقتضى كلامه في "الإنصاف": أنه

стр. 3138

المذهب، قال في "التنقيح": ولا يصح لكافر. وتبعه في "المنتهى"، ومقتضاه: صحته للمسلم مع الحُرْمة (كـ) ما لا يصح (بيعه لكافر) لأنه يُمنع من استدامة ملكه، فمُنِع من ابتدائه (فإن مَلَكه) الكافر (بإرثٍ أو غيره) كاستيلاء عليه من مسلم (أُلزم بإزالة يده عنه) خشية امتهانه. (وكذا) أي: كبيع المصحف (إجارتُه ورهنُه) فَيَحْرُمان، ولا يصحان (ويَلزم بذلُه) أي: المصحف (لمن احتاج إلى القراءة فيه، ولم يجد مصحفًا غيره) للضرورة. (ولا تجوز القراءةُ فيه بلا إذن) مالكه (ولو مع عدم الضَّرر) لأن فيه افتياتًا على ربه (ولا يُكره شراؤه) أي: شراء المصحف (لأنه استنقاذٌ) له كشراء الأسير. (ولا) يُكره (إبداله) أي: إبدال المصحف (لمسلم بمصحف آخر) لأنه لا يدل على الرغبة عنه، ولا على الاستبدال به بعِوض دنيوي، بخلاف أخذ ثمنه (ولو وصَّى ببيعه) أي: المصحف، ولو في دَينٍ (لم يُبَعْ) لما تقدم. (ويجوز نَسْخه) أي: المصحف (بأُجرة) لقول ابن عباس (١)، احتج به الإمام (٢). (ولا يُقطع) سارقٌ (بسرقته) أي: المصحف؛ لأنه لا يُباع. (ويجوز وَقْفُه) أي: المصحف (وهِبتُه، والوصية به) لأنه لا اعتياض في ذلك عنه (وتقدَّم بعضُ أحكامِه في نواقض الوضوء (٣)) فلم

стр. 3139

يُطِلْ (١) بإعادتها. ويجوز بيع كتب العلم. ونقل أبو طالب: لا تُباع (٢). (ويصحُّ شراءُ كتب زندقة ليتلفها، لا) شراء (خمر ليريقها؛ لأن في الكتب مالية الورق) وتعود ورقًا منتفعًا به بالمعالجة. قال ابن عقيل: يبطل بآلة اللهو، وسقط حكم مالية الخشب. (ولا يصحُّ بيع آلة لهو) كمزمار وطُنبور، ومنها النرد والشِّطْرَنج على ما يأتي في الغصب. (ولا) يصحُّ بيع (حشرات) كخنافس (سوى ما تقدم (٣)) من دود القَزِّ وديدان يُصاد بها، والحشراتُ (كفأر، وحيات، وعقارب، ونحوها) كصراصر. (ولا) يصحُّ بيع (ميتة ولا شيء منها، ولو لمضطر) لما تقدم (إلا سمكًا وجرادًا ونحوهما) كجندب لحِلِّ أكلها. (ولا) يصحُّ بيع (دم، وخنرير، وصنم) لحديث جابر السابق (٤). (ولا) يصحُّ بيع (سباع بهائم) لا تصلح لصيد (و) لا (جوارح طير لا تصلح لصيد، كنمر، وذئب، ودُبٍّ، وسَبُع، وغراب) لا يؤكل (وحِدَأَةٍ، ونَسر، وعَقْعَق (٥) ونحوها) لأنه لا نفع فيها كالحشرات. (ولا) يصح بيع (سرجين) أي: زبل -بكسر السين وفتحها- ويقال: سرقين (نجس) بخلاف الطاهر منه، كروث الحمام وبهيمة الأنعام.

стр. 3140

(و) لا يصح بيع (أدهانٍ نجسة العين من شحوم الميتة وغيرها) لقوله ﷺ : "إنَّ الله إذا حرَّم شيئًا حرَّمَ ثمنَهُ" (١) (ولا يحِلُّ الانتفاع بها) أي: بالأدهان النجسة العين (باستصباح، ولا غيره) لحديث جابر: "قيلَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ شحومَ الميتةِ، فإنهُ يُدهنُ بها الجلودُ، وتُطلى بها السُّفنُ، ويستصبحُ بها الناسُ؟ فقال: لا، هو حرامٌ" متفق عليه (٢). (ولا) يصح (بيع) نحو (نِصْف معيَّنٍ من إناءِ وسيفٍ ونحوهما) من كل ما لا يُنتفع به لو كُسر؛ لأنه لا يمكن تسليمه مفردًا إلا بإتلافه وإخراجه عن المالية، بخلاف بيع جزء منه مشاعًا. (ولا) يصح (بيع أدهان متنجِّسة) كزيت لاقى نجاسة (ولو) بِيع (لكافر) يعلم حاله (لحديث: "إنَّ الله تعالى إذا حرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثمَنَه") رواه الشيخان (٣) مختصرًا. (ويجوز الاستصباحُ بها) أي: بالأدهان المتنجِّسة (في غير مسجد على وَجْهٍ لا تتعدَّى نجاستُه) لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر، واستعمالها على وَجْهٍ لا تتعدَّى بأن تُجعل في إبريق، ويُصبُّ منه في المصباح، ولا يُمس، أو يدع على رأس الجرَّة التي فيها الدُّهن سراجًا مثقوبًا، ويطينه على رأس إناء الدُّهن، وكلما نقص دُهن السراج صب فيه ماء بحيث يَرفع الدهنَ فيملأ السراج، وما أشبه ذلك. وهذا القيد قاله

стр. 3141

جماعة، ونقله طائفة عن الإمام (١)، قال في "الإنصاف": الذي يظهر أن هذا ليس شرطًا في جواز الاستصباح. وعُلم من قوله: "في غير مسجد" أنه لا يجوز الاستصباح بها فيه مطلقًا. (و) يجوز (أن تُدفع) الأدهان المتنجِّسة (إلى كافر في فكاك مسلم، ويُعْلَم الكافر بنجاستها؛ لأنه ليس بيعًا حقيقة) بل افتداء. (وإن اجتمع من دُخانه) أي: الدُّهن المتنجِّس (شيء، فهو نجس) كغبارها وبُخارها، وتقدم (٢). (فإن عَلِق) دخان النجاسة (بشيء) طاهر (عُفي عن يسيره) وهو ما لا تظهر صفته للمشقَّة، وتقدم (٣). (ويصح بيع نَجِسٍ يمكن تطهيره كثوب ونحوه) كإناء؛ لأنه يُنتفع به بعد تطهيره. (ويجوز بيع كِسْوة الكعبة إذا خُلعت) عنها (وتقدم) ذلك (٤). (ولا يصح بيع الحُر) لقوله ﷺ : "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة -ذَكَرَ منهم- رجلًا باع حُرًّا وأكل ثمنه" متفق عليه (٥). (ولا) بيع (ما ليس بمملوك، كالمباحات) من نحو كلأ، وماء، ومعدن (قبل حيازتها، وتملُّكها) لفقد الشرط الرابع (ولو باع أَمَةً حاملًا

стр. 3142

بِحُرٍّ قبل وضْعه، صَحَّ) البيع (فيها) لأنها معلومة، وجهالة الحمل لا تضرُّ. و قد يُستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ ؛ كبيع الأَمَة المزوَّجة، يصحُّ، ومنفعة البُضع مستثناة بالشرع، ولا يصح استثناؤها باللفظ. فصل الشرط (الرابع: أن يكون) المَبيع (مملوكًا لبائعه) وقت العقد، وكذا الثمن (ملكًا تامًّا) لقوله ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تَبع ما ليس عندَك" رواه ابن ماجه والترمذي وصححه (١). وخرج بقوله: "ملكًا تامًّا" الموقوفُ على معيَّن، والمبيعُ زمن

стр. 3143

الخيارين، على ما يأتي بيانه. (حتى أسيرٍ) فيصحُّ بيعُه لمِلْكِه؛ إذ الأسر لا يزيل ملكه (أو) أن يكون (مأذونًا له في بيعه وقت إيجابٍ وقَبول) لفظيين أو فعليين، أو مختلفين؛ لقيام المأذون له مقام المالك؛ لأنه نزَّله منزلة نفسه. (ولو لم يعلم) المالك أن المبيع ملكه (بأن ظنَّه) أي: ظنَّ البائعُ المبيع (لغيره، فبان) أنه (قد ورِثَه، أو) لم يعلم المأذون له الإذن بأن ظنَّ عدم الإذن، فتبيَّن أنه (قد وُكِّل فيه). وقوله: (كموت أبيه، وهو) أي: البائع (وارِثُه) مثالٌ للأول (أو توكيله) والوكيل لا يعلم، مثالٌ للثاني. وإنما صح البيع فيهما؛ لأن الاعتبار في المعاملات بما في نفس الأمر، لا بما في ظَنِّ المكلَّف، إذا تقرَّر أن الملك أو الإذن شرط. (فإن باع ملكَ غيره بغير إذنه، ولو بحضرته وسكوته) لم يصح البيعُ، ولو أجازه المالك بعدُ؛ لفوات شرطه. وحديثُ عروة بن الجَعْد: "أنَّ النبي ﷺ أعطاهُ دينارًا ليشتَرِي به شاةً، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما بدينار، ثم عادَ بالدينار والشَّاةِ، فدعا له بالبركَةِ في بيعِهِ" رواه أحمد والبخاري (١)، محمولٌ على أنه وكيل مطلق؛ بدليل أنه سَلَّم وتسَلَّم، وليس ذلك لغير المالك والوكيل المطلق باتفاق (٢). ذكره في "الشرح" و"المبدع". (أو اشترى له) أي: لغيره (بعين ماله شيئًا بغير إذنه، لم يصحَّ) الشراءُ ولو أُجيز بعدُ؛ لما تقدم.

стр. 3144

(وإن اشترى له) أي: لغيره شيئًا (في ذِمَّته بغير إذنه، صَحَّ إن لم يُسمِّه) أي: يُسمِّ المشتري مَن اشترى له (في العقد) بأن قال: اشتريت هذا ولم يقل: لفلان، فيصح العقد (سواء نَقَدَ) المشتري (الثمنَ من مال الغير) الذي اشترى له (أوْ لا) بأن نقده من مال نفسه، أو لم ينقده بالكلية؛ لأنه متصرِّف في ذِمَّته، وهي قابلة للتصرُّف، والذي نقده إنما هو عِوض عمَّا في الذِّمَّة؛ فإن سمَّاه في العقد، لم يصحَّ إن لم يكن أذن. (فإن أجازه) أي: المشتري (١) (من اشتُري له) ولم يُسمَّ (مَلَكه من حين العقد) فمنافعه ونماؤه له؛ لأنه اشتُري لأجله، ونزَّل المشتري نفسه منزلة الوكيل. (وإلا) بأن لم يجزه من اشتُري له (لزِم مَن اشتراه، فيقع الشراءُ له) لأن الغير لم يأذن فيه، فتعيَّن كونه للمشتري، كما لو لم ينو غيره. (وإن حكم بصحةٍ مُختلَفٍ فيه) ممن يراه (كتصرُّف فضولي بعد إجازته، صحَّ) العقد واعتبُرت آثاره (من الحكم، لا من حين العقد) ذكره القاضي، فالمُختلَف فيه باطل من حين العقد إلى الحكم. قال في "الفروع": ويتوجَّه كالإجازة. وقال في "الفصول" في النكاح الفاسد: إنه يقبل الانبرام والإلزام بالحكم، والحكم لا يُنشئ الملك بل يحققه. (و لا يصحُّ بيعُ) شيء (معيَّنٍ لا يملكه ليشْتَريه ويُسلِّمَه) لحديث حكيم السابق (٢) (بل) يصحُّ بيع (موصوفٍ) بما يكفي في السَّلَم (غير معيَّن) ولو لم يوجد في ملكه مثله (بشرط قَبْضه) أي: الموصوف (أو قَبْض ثمنهِ في مجلس العقد) وإلا؛ لم يصح؛ لأنه بيع دَين بدَينٍ (كسَلَم)

стр. 3145

أي: يصح البيع بالوصف كما يصح السَّلَم (ويأتي) البيع بالوصف (قريبًا) في الشرط السادس. (ولا يصح بيع ما فُتح عَنْوة ولم يُقْسَم، وتصح إجارتُه) وكذا الأرض التي جَلا عنها أهلُها خوفًا مِنَّا، أو صُولِحوا على أنها لهم ولنا الخراج عنها، بخلاف ما لو فُتحت صُلحًا على أنها لهم، أو فُتحت عَنوة وقُسمت بين الغانمين، كنصف خيبر، أو أسلم أهلها عليها كالمدينة، فيصح بيعها. والذي فُتح عَنْوة ولم يُقسم (كأرض الشام، والعراق، ومصر ونحوها) فتصح إجارتها ممن هي بيده دون بيعها (لأن عمر ﵁ وقفها على المسلمين، وأقرَّها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضَرَبه أُجرةً لها في كل عام (١)، ولم يُقدِّر عمر مدَّتها) أي: مدة الإجارة (لعموم المصلحة فيها) قاله في "الكافي" وغيره. قال: وقد اشتهر ذلك في قصص نُقلت عنه. (ويصح بيع المساكن) من أرض العَنْوة (الموجودةِ حال الفتح، أو حدثت بعده، وآلتها) أي: المساكن (منها) أي: من أرض العَنوة (أو من غيرها) لأن الصحابة اقتطعوا الخطط في الكوفة والبصرة في زمن عمر، وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير (٢)، فكان كالإجماع.

стр. 3146

وقدَّم في "الفروع": أنه يجوز بيع بناء ليس منها (كبيع غَرْسِ مُحْدَثٍ) فيها، فإنه يصح؛ لأنه مملوك لغارسه. وكلامه هنا "كالفروع" يقتضي أن الغرس الموجود حال الفتح لا يصح بيعه، وأنه يتبع الأرض في الوقف، لكن تقدَّم (١) في الأرضين المغنومة أنه أوجب الزكاة في ثمرتها على من تُقَرُّ بيده، كالمتجدِّد، فعليه؛ تكون ملكًا له، فيصحُّ بيعها. (وكذا إن رأى الإمام المصلحةَ في بيع شيء منها) مثل أن يكون في الأرص ما يحتاج إلى عمارة ولا يعمرها إلا من يشتريها (فباعه، أو وقفه، أو أقطَعَه إقطاع تمليك) فيصح ذلك كله؛ لأن فِعل الإمام كحُكمه، وحكمه بذلك يصح كبقية المُختلَف فيه، هذا معنى ما علَّلَ به في "المغني" صحةَ البيع منه، وهو يقتضي أن محلَّ ذلك إذا كان الإمام يرى صحةَ بيعه أو وقفه، وإلا؛ فلا ينفذ حُكم حاكم بما يعتقد خلافه. وفي صحة الوقف نظر؛ لأن الأرض إما موقوفة، فلا يصحُّ وقفها

стр. 3147

ثانيًا، أو فيء لبيت المال، والوقفُ شَرْطُه أن يكون من مالك، إلا أن يقال: إن الوقف هنا من قبيل الإرصاد والإفراز لشيء من بيت المال على بعض مستحقيه، ليصلوا إليه بسهولة، كما أوضحته في "الحاشية". (وقال في "الرعاية" في حكم الأراضي المغنومة: وله) أي: للإمام (إقطاع هذه الأرض) أي: التي فُتحت عَنْوة ولم تُقسم (والدُّور والمعادن إرفاقًا لا تمليكًا. ويأتي). وقال في "المغني" في باب زكاة الخارج من الأرض: وحكم إقطاع هذه الأرض حكم بيعها. وقدَّم في البيع أنه لا يجوز. وقال -أيضًا-: ولا يُخص أحد بملك شيء منها، ولو جاز تخصيص قوم بأصلها، لكان الذين فتحوها أحق بها. (ومثله) أي: مثل بيع الإمام لها في صحته (لو بيعت وحَكَمَ بصحته حاكمٌ يراه، قاله الموفق وغيره) كبقية المختَلَف فيه. (إلا أرضًا من العراق فُتحت صُلحًا على أنها لهم) أي: لأهلها، فيصح بيعهم لها؛ لملكهم إياها، وسُمِّي عِراقًا؛ لامتداد أرضه، وخلوها من جبال مرتفعة، وأودية منخفضة، قاله السامري. (وهي، أي: الأرض المذكورة (الحِيرة) بكسر الحاء، مدينة بقرب الكوفة، والنسبة إليها حيري وحاري على غير قياس، قاله الجوهري (١). (وأُلَّيسٌ) بضم الهمزة، وتشديد اللام، بعدها ياء ساكنة، ثم سين مهملة، مدينة بالجزيرة. (وبانِقْيا) بزيادة ألف بين الباء والنون المكسورة، ثم قاف ساكنة، تليها ياء مثناة تحت، ناحية بالنجف دون الكوفة.

стр. 3148

(وأرض بني صَلُوبا) بفتح الصاد المهملة، وضم اللام، بعدها واو ساكنة، تليها باء موحدة. فهذه الأماكن فُتحت صُلحًا لا عَنْوة، فيصح بيعها. ومثلها الأرض التي أسلم أهلها عليها، كأرض المدينة، فإنها ملك أربابها. (ولا يصح بيع وَقْف غيره) أي: غير ما فُتح عَنْوة، ولم يقسم (ونفعُه المراد منه باقٍ) -جملة حالية- أي: في حال بقاء نفعه المقصود، فإن تعطل، جاز بيعه (ويأتي في الوقف) بأتم من هذا. (ولا يصح بيع رِباع مكة) -بكسر الراء- جمع ربع (وهي المنازل ودار الإقامة، ولا الحَرَم كله، وكذا بِقاع المناسك) كالمَسعى والمَرْمى، والموقِف ونحوها. (و) القول بعدم صحة بيع بقاع المناسك (أَولى) من القول بعدم صحة بيع رِباع مكة (إذ هي) أي: بقاع المناسك (كالمساجد) لعموم نفعها، وإنما لم يصح بيع رِباع مكة (لأنها فُتحت عَنْوة) بدليل أنه ﷺ : "أمرَ بقتل أربعةٍ، فقتلَ منهم ابن خَطَلِ، ومَقِيسُ بن صُبَابَةَ" (١) ولو فُتحت صُلحًا، لم يجزْ قَتْل أهلها، ولم تقسم بين الغانمين، فصارت وقفًا على المسلمين.

стр. 3149

(ولا) تصح (إجارة ذلك) أي: رِباع مكة والحرم، وبقاع المناسك؛ لما روى سعيد بن منصور، عن مجاهد مرفوعًا: "مكة حرامٌ بيعُها، حرامٌ إجارتُها" (١). وعن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "مكة لا تُباعُ رِباعُها، ولا تُكرى بيوتُها" رواه الأثرم (٢) (فإن

стр. 3150

سكن بأجرة) في رِباع مكة (لم يأثم بدفعها) صحَّحه في "الإنصاف"، وقال الشيخ تقي الدين (١): هي ساقطة يحرم بذلها. (ولا يُملك ماءٌ عِدٌّ) بكسر العين، وتشديد الدال، قبل حيازته (وهو الذي له مادَّةٌ لا تنقطع، كمياه العيون، و) كـ (ـــنَقْع البئر) لقوله ﷺ : "المسلمون شُركاءُ في ثلاثٍ: في الماء، والكلأ، والنارٍ" رواه أبو داود وابن ماجه (٢).

стр. 3151

(ولا) يملك (ما في معدن جَارٍ) إذا أخذ منه شيء خلفه غيره (كملحٍ، وقارٍ، ونِفْطٍ ونحوها) قبل حيازته؛ لعموم نفعه فهو كالماء. (ولا) يملك (كلأ) قبل حيازته؛ للحديث السابق (و) لا يملك (شَوْك نَبَتَ في أرضه قبل حيازته) لأن الشوك كالكلأ، وقوله: (بملك أرض) متعلق بـ"لا يملك"، أي: لا تُملك هذه الأشياء بملك الأرض، بل بالحيازة (فلا يصح بيعه) أي: بيع شيء من ذلك قبل حيازته (ولا يدخل) ما في الأرض من ذلك (في بَيعِها) لأن البائع لم يملكه، فلم يتناوله البيع (كـ) ـــما لو كان في (أرض مباحة) غير مملوكة (ولكن صاحب الأرض أحقُّ به، لكونه في أرضه، قاله الموفق وغيره. ومن حاز من ذلك) أي: من الماءِ العِدِّ، والكلأ، والشوك، والمعدن الجاري (شيئًا، مَلَكَه) وجاز بيعه؛ لما رُوي أن النبي ﷺ "نهى عن بَيع الماء إلَّا ما حُمِلَ منه" رواه أبو عبيد في "الأموال" (١) وعلى ذلك مضت العادة من غير نكير. (إلا أنَّه يَحْرُم دخول ملك غيره بغير إذنه؛ لأجل أخذ ذلك إِن كان) ربُّ الأرض (محوطًا عليها) لأنه تصرُّف في ملك غيره بغير إذنه (وإلا) بأن لم يحوِّط عليها (جاز) الدخول بلا إذنه (بلا ضرر) لدلالة القرينة على رضاه حيث لم يحوِّط.

стр. 3152

(ولو استأذنه) أحد في الدخول (حَرُم) على ربِّ الأرض (مَنْعه إن لم يحصُل ضرر) بدخوله؛ لما تقدم. (وسواء) فيما تقدم (كان ذلك) أي: الماء العِدُّ، والمعدن الجاري، والكلأ، والشوك (موجودًا في الأرض خفيًّا، أو حَدَث بها بعد ملكها) وسواء ملكها بشراء، أو إحياء، أو إرث أو غيرها. (ولو حصل في أرضه) أي: أرض إنسان (سَمَك) لم يملكه بذلك (أو عشَّش بها طائر، لم يملكه) بذلك، فلا يصح بيعه قبل حيازته (ويأتي) ذلك (في الصيد) موضحًا. (والمصانع المعدَّة لمياه الأمطار) يملك ربُّها ما يحصُل فيها منها (و) المصانع المعدَّة للماء إذا (جرى إليها ماءٌ من نهرٍ غير مملوك) كالنيل (يُملَكُ ماؤها) الحاصل فيها (بحصوله فيها) لأن ذلك حيازة له. (ويجوز) لمالكه (بيعه إذا كان معلومًا) وهبته والتصرُّف فيه بما شاء؛ لعدم المانع. (ولا يحلُّ) لأحد (أخْذ شيء منه بغير إذن مالكه) لجريان ملكه عليه كسائر أملاكه. (والطُّلُول (١) التي تَجتني منها النَّحْلُ) إذا كانت على نبت مملوك (ككلأ) في الإباحة (وأَولى) بالإباحة من الكلأ؛ لما يأتي. (ولا حق) أي: لا عِوض (على أهل النَّحْل لأهل الأرض التي يجني منها. قال الشيخ (٢): لأن ذلك لا ينقص من ملكهم شيئًا) ولا يكاد يجتمع

стр. 3153

منها ما يعد شيئًا إلا بمشقَّة. ذكر ابن عادل في "تفسيره" (١) عن الفخر الرازي (٢): في كتب الطب أن الطِّلال هي التي يتغذى منها النحل إذا تساقطت على أوراق الأشجار والأزهار، فيلتقطها النحل ويتغذَّى منها، ويكوّن منها العسل. انتهى. والطَّلُّ نوع من القطر (٣)، ونحْلُ ربِّ الأرض أحقُّ به، فله منع غيره إن أضر به. ذكره الشيخ التقي (٤). (فأما المعادن الجامدة كمعادن الذهب، والفضة، والصُّفْر، والرصاص، والكحل، وسائر الجواهر، كالياقوت والزمرد والفيرُوزَجِ ونحوها، فتملك بملك الأرض على ما يأتي) في إحياء الموات؛ لأنها من أجزاء الأرض. (ويجوز لربِّها) أي: ربِّ الأرض (بيعه) أي: بيع ما بها من معدن جامد، ولو قبل حيازته؛ لأنه ملكه (ولا تؤخذ) المعادن الجامدة (بغير إذنه) أي: إذن رب الأرض؛ لما تقدم (ويستوي) في ذلك (الموجود) من تلك المعادن (فيها) أي: في الأرض (قبل ملكها خفيًّا وما حدث بعده، كما تقدم) وأما ما كان فيها ظاهرًا وقت إحيائها، فلا يملك بملكها، ولو كان جامدًا، ويأتي في إحياء الموات.

стр. 3154

فصل الشرط (الخامس: أن يكون) المبيع، ومثله الثمن (مقدورًا على تسليمه) حال العقد؛ لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم، والمعدوم لا يصح بيعه، فكذا ما أشبهه. (فلا يصح بيع آبق) ولا جعله ثمنًا، سواء (عَلِمَ) الآخذ له (مكانه أو جهله، ولو) كان ذلك (لقادر على تحصيله) لما روى أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ "نهى عن شراء العبد وهو آبِقٌ" (١). (وكذا جَمَلٌ شارد، وفرس غائر ونحوهما) مما لا يقدر على تسليمه. (ولا) يصح بيع (نَحْلٍ) في الهواء (و) لا بيع (طير في الهواء؛ يألف

стр. 3155

الطيرُ الرجوعَ، أو لا) لأنه غير مقدور على تسليمه. (ولا) يصح بيع (سمك في لُجَّة ماءٍ) لما روى أحمد عن ابن مسعود مرفوعًا: "لا تشتروا السمَك في الماءِ؛ فإنَّه غَررٌ" (١). قال البيهقي (٢): فيه انقطاع. ولما تقدم، واللُّجة بضم اللام: معظم الماء. (فإن كان الطير في مكان) كالبرج (مُغلَقٍ) عليه (ويمكن أخذه منه) صحَّ بيعه؛ لأنه مقدور على تسليمه، وشرط القاضي مع ذلك أخذه بسهولة، فإن لم يمكن إلا بتعب ومشقَّة لم يجز. (أو) كان (السمك في ماء) نحو بركة (صافٍ) ذلك الماء (يُشاهد
следующие страницы →