← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

(ويصحُّ بيع دهن) كسمن، وزيت، وشيرج (وعسل، وخَلٍّ، ونحوه) كلبن (في ظَرفه معه) أي: مع ظَرفه (موازنةً، كلَّ رطل بكذا، سواءٌ عَلِما) أي: المتعاقدان (مبلغَ كلٍّ منهما) أي: من الظرف والمظروف (أو لا) لأن المشتري رضي أن يشتري كلَّ رطل بكذا من الظرف ومما فيه، وكل منهما يصح إفراده بالبيع، فصح الجمع بينهما، كالأرض المختلفة الأجزاء. (وإن) باعه ما ذكر في ظرفه دونه، و (احتسبَ) بائع (بزِنَةِ الظَّرف على مُشترٍ، وليس) الظرف (مبيعًا، وعَلِما) أي: البائع والمشتري (مبلغَ كلٍّ منهما) أي: الظرف والمظروف، بأن عَلِما أن السمن مثلًا عشرة أرطال، وأن ظرفه رطلان، وباعه السمن كل رطل بدرهم على أن يحتسب عليه بزِنة الظرف (صح) البيع، وكأنه قال: بِعتُك العشرة أرطال التي في الظرف باثني عشر درهمًا (وإلا) بأن لم يعلما مبلغَ كل منهما (فلا) يصح البيع (لجهالة الثمن) في الحال. (وإن باعه) ذلك (جزافًا بظَرفِهِ) صح (أو) باعه إيَّاه جزافًا (دونه) أي: دون ظرفه، صح (أو باعه إيَّاه في ظرفهِ) موازنة (كلَّ رطلٍ بكذا؛ على أن يَطرح منه) أي: من مبلغ وزنهما (وزن الظرف، صح) كأنه قال: بِعتُك ما في هذا الظرف كلَّ رطل بكذا. (وإن اشترى) إنسان (زيتًا، أو سمنًا في ظَرفٍ، فوجد فيه رُبًّا (١)) أو نحوه (صح البيع في الباقي) من الزيت أو السمن (بقسطه) من الثمن، كما لو اشترى صُبرة على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة. (وله) أي: للمشتري (الخِيار) لتبعض الصفقة في حقه (ولم يلزمه)

стр. 3187

أي: البائع (بدل الرُّبِّ) للمشتري، سواء كان عنده من جنس المبيع، أو لم يكن، وإن تراضيا على البدل جاز. فصل في تفريق الصفقة وهي المرة، من صفق له بالبيعة والبيع: ضَرَب بيده على يده. وهي: عقد البيع؛ لأن المتبايعين يفعلان ذلك، ومعنى تفريقها، أي: تفريق ما اشتراه في عقد واحد (وهو أن يَجمعَ بين ما يَصحُّ بيعه وما لا يصح) بيعه (صفقةً واحدة بثمن واحد. وله) أي: للجمع المذكور (ثلاث صور: أحدها: باع معلومًا ومجهولًا تُجْهَل قيمتُه، أي: يتعذَّر عِلمه، فلا مَطمع في معرفتِه، ولم يقل: كلٌّ منهما) أي: من المعلوم والمجهول (بكذا) وذلك (كقوله: بِعتُك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا، فلا يصحُّ) البيع فيهما؛ لأن المجهول لا يصحُّ بيعه؛ لجهالته. والمعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته؛ لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما، والحمل لا يمكن تقويمه، فيتعذَّر التقسيط. (فإن لم يتعذَّر عِلمه) أي: علم المجهول، بل أمكن (أو قال: كلٌّ منهما) أي: من المعلوم والمجهول، تعذَّرت معرفته أو لا (بكذا، صح) البيع (في المعلوم بقسطه) من الثمن بعد تقويمه وتقويم المجهول الذي لا يتعذَّر عِلمه؛ ليعلم قسط المعلوم (و) صح البيع (في قوله: كلٌّ منهما بكذا، بما سمَّاه) للمعلوم من الثمن؛ للعلم به. وهذا بخلاف: بِعتُك الفرس وحَملَها بكذا؛ فلا يصح، ولو بيَّن

стр. 3188

ثمن كل منهما كما تقدم، لأن دخوله بالتبعية لا يتأتَّى بعد مقابلته بثمن. وإبطال البيع فيه دون أُمِّه بمنزلة استثنائه، وهو مبطِل للبيع كما تقدم. هذا ما ظهر لي. والله أعلم. الصورة (الثانية) من صور تفريق الصفقة: (باع مُشاعًا) أي: جميع ما يملك منه جزءًا مُشاعًا من شيء مشترَكٍ (بينه) أي: بين البائع (وبين غيره، بغير إذن شريكه، كعبدٍ مشترك بينهما، أو) باع (ما ينقسم عليه الثمن بالأجزاء، كقَفِيزَين متساويين لهما) أي: للبائع وشريكه (فيصح) البيع (في نصيبه بقسطِه) لأنه لا يلزم منه جهالة في الثمن؛ لانقسامه هنا على الأجزاء. (وللمشتري الخِيار) بين الرَّدِّ والإمساك (إذا لم يكن عالمًا) بأن المبيع مشتركٌ بينه وبين غيره؛ لأن الشركة عيب، فإن كان عالمًا، فلا خِيار له؛ لإقدامه على الشراء مع العِلم بالشركة، ولا خيار للبائع؛ لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بيعه بقسطه. (وله) أي: للمشتري (الأرْش إن أمسك) ولم يفسخ (فيما يُنقِصُه التفريق) كزوجَي خُفٍّ -إحداهما له والأخرى للآخر- باعهما؛ وكانت قيمتهما مجتمعتين ثمانية دراهم، وقيمة كل واحدة منفردة درهمين، فإذا اختار المشتري الإمساك أخذها بنصف الثمن واسترجع من البائع ربعه، فتستقر معه بربع الثمن المعقود به (ذكره في "المغني" وغيره في الضَّمان) وجزم به هنا في "المنتهى" وغيره. (ولو وقع العقدُ على شيئين يفتقر) البيعُ (إلى القبض فيهما) أي: تتوقف صحة البيع على قبضهما صفقة، كمُدِّ بُرٍّ ومُد شعير بحمِّص (فتلف أحدُهما قبل قَبْضه) كما لو تلف البُرُّ في المثال المذكور (فقال القاضي:

стр. 3189

للمشتري الخيار بين إمساك الباقي بحصته) أي: قسطه من الثمن (وبين الفَسخ) لأن حكم ما قبل القبض في كون المبيع من ضمان البائع حكم ما قبل العقد، بدليل أنه لو تعيَّب قبل قبضه لَمَلَكَ المشتري الفسخَ به. الصورة (الثالثة) من صور تفريق الصفقة: (باع) نحو (عبده وعبد غيره بغير إذنه) صفقةً واحدة (أو) باع (عبدًا وحرًّا) صفقةً واحدة (أو) باع (خلًّا وخمرًا صفقةً واحدة، فيصحُّ) البيع (في عبده) بقسطه دون عبد غيره، ودون الحر (و) يصحُّ (في الخَلِّ بقسطِه) من الثمن، فيوزَّع (على قَدْر قيمة المبيعين) ليعلم ما يخص كُلًّا منهما، فيؤخذ ما يصح التصرُّف فيه بقسطه؛ لأنه الذي يقابله. ولا يبطل البيع في عبده ولا في الخلِّ؛ لأنه يصح بيعه مفردًا، فلم يبطل بانضمام غيره إليه. وظاهره: سواء كان عالمًا بالخمر ونحوه أو جاهلًا. (ويُقدَّر الخمر) إذا بِيع مع الخل (خلًّا) ليُقسَّط الثمن عليهما (و) يقدَّر (الحُرُّ) إذا بِيع معه القِنُّ (عبدًا) كذلك. (ولمشتَرٍ الخِيار) بين الفسخ والإمساك (إن جهل الحال وقتَ العقد) لتفرُّق الصفقة (وإلا) بأن لم يجهل، بل علم الحال (فلا خِيار له) لدخوله على بصيرة (ولا خيار للبائع) مطلقًا لما تقدم. (وإن وقع العقدُ على مَكيل، أو موزون) بِيعَ بالكيل، أو الوزن (فتلِفَ بعضه قبل قَبْضه) انفسخ العقد في التالف، و (لم ينفسخ العقدُ في الباقي) منه (سواء كانا) أي: التالف والباقي (من جنس واحد أو من جنسين، ويأتي) ذلك (في الخِيار في البيع) وأنه له الخيار. (وإن باع) نحو (عبده، وعبد غيره بإذنه بثمن واحد، صح) البيع لأن جملة الثمن معلومة؛ كما لو كانا لواحد (ويُقسَّط) الثمن (على قَدر

стр. 3190

القيمة) أي: قيمة العبدين، فيأخذ كلٌّ ما يقابل عبده. (ومثلُه) أي: مثل بيع عبده، وعبد غيره بإذنه بثمن واحد (بيعُ عبديه لاثنين بثمن واحد، لكلِّ واحد منهما عبدٌ) فيصح البيع، ويُقَسَّط الثمن على قيمة العبدين، ويؤدي كل مشترٍ ما يقابل عبده. (أو اشتراهما) أي: العبدين (منهما) أي: من اثنين (أو من وكيلِهما) شخصٌ واحد بثمن واحد، فيصح ويقسِّطان الثمن على قيمة العبدَين، ويأخذ كلٌّ ما يقابل عبده (أو كان لاثنين عبدان، لكلِّ واحدٍ منهما عبدٌ، فباعاهما لرجلين بثمن واحد) فيصح البيع، ويقسَّط الثمن كما تقدم. (ومثلُه) أي: مثل البيع (الإجارة) فيما تقدم، فلو آجَرَ داره، ودار غيره، بإذنه، بأجرة واحدة صحَّت، وقُسِّطت الأجرة على الدارين، وكذا باقي الصور. قال الموفق، والشارح، وغيرهما: الحكم في الرهن والهِبة، وسائر العقود إذا جَمَعت ما يجوز وما لا يجوز، كالحكم في البيع، إلا أن الظاهر فيها الصحة، أي: ولو لم تصحح البيع؛ لأنها ليست عقود معاوضة؛ فلا توجد جهالة العِوض فيها. (ولو اشتبه عبدُه بعبدِ غيره، لم يصحَّ بيع أحدِهما قبل القُرْعة) قدَّمه في "الرعاية الكبرى" وقيل: يصح إن أَذِن شريكه، وقيل: بل يبيعه وكيلهما أو أحدهما بإذن الآخر له، ويقسم الثمن بينهما بقيمة العبدين. قال القاضي في "خلافه": هذا أجود ما يقال فيه، كما قلنا في زيت اختلط بزيت لآخر وأحدهما أجود من الآخر. (وإن جَمَع مع بيعٍ إجارةً) بأن باعه عبدًا، وآجره آخر بعِوض

стр. 3191

واحد، قال القاضي: فإن قال: بعتُك داري هذه وآجرتُكها شهرًا بألف، فالكلُّ باطل؛ لأن مَن مَلَك الرقبة ملك المنافع، فلا يصح أن يؤاجر منفعة ملكها عليه. قلت: وللصحة وجهٌ؛ بأن تكون مُستثناة من البيع، قاله الشيخ التقي في "شرح المحرر". (أو) جَمَع مع بيعٍ (صَرْفًا) بعِوض واحد، بأن باعه عبدًا وصارفه مائة درهم بمائة دينار. قال الشيخ التقي في "شرح المحرر": ولابُدَّ أن يكون الثمن من غير جنس ما مع المبيع؛ مثل أن يبيعه ثوبًا ودراهم بذهب، فإن كان من جنسه فهي مسألة "مُدِّ عجوةٍ". (أو) جَمَعَ مع بيعٍ (خُلْعًا) بعِوض واحد، بأن قالت: ابتعت منك عبدك؛ واختلعتُ نفسي بمائة درهم، صح. (أو) جَمَعَ مع بيعٍ (نكاحًا بعِوض واحد) كبعتك عبدي، وزوَّجتُكَ بنتي بألف (صَحَّ) البيع وما معه (فِيهن) أي: في المسائل المذكورة؛ لأن اختلاف العقدين لا يمنع الصحة (ويُقَسَّط الثمن على قيمتهما) أي: قيمة المَبيع وقيمة المنفعة؛ وهي أُجرة المِثل في الإجارة أو قيمة المَبيع والمصروف في الصرف. (ومَهرُ مِثلٍ في خُلعٍ ونكاح كقيمة) فيوزع العِوض فيهما على قيمة المَبيع ومهر المثل. ومتى اعتبر قَبضٌ لأحدهما لم يبطل الآخر بتأخره. "تتمة" قال في "الاختيارات" (١): وإذا جَمَع البائع بين عقدين مختلفي الحكم بعِوضين متميزين، لم يكن للمشتري أن يَقبَل أحدهما بعِوضه. (وإن جَمَع بين كتابةٍ وبيعٍ، فكاتب عبدَه، وباعه شيئًا صفقةً

стр. 3192

واحدة، مثل أن يقول) لعبده: (بِعتُك عبدي هذا، وكاتبتكَ بمائة، كلَّ شهر عشرة، بطل البيع) لأنه باع ماله لعبده القِن، كما لو باعه من غير كتابة (وصحَّت الكتابة بقسطِها) لأنَّ البطلان وُجِدَ في البيع فاختصَّ به؛ فيُقسَّط العِوض على قيمتي العبدين (كما تقدم). وإن باع عبدَه لزيدٍ، وكاتب عبدًا آخر بعِوضٍ واحد؛ صحَّ، وقُسِّط العِوض على قيمتي العبدين. فصل (ويَحرم) البيع والشراء (ولا يصحُّ البيع ولا الشراء، قليلُه وكثيرُه) قال في "المبدع": حتى شرب الماء إلا لحاجة، كمضطر (ممن تلزَمُه الجُمعة، ولو كان) الذي تلزمه الجمعة (أحد العاقدَين) والآخر لا تلزمه (وكُره) البيع والشراء (للآخَر) الذي لا تلزمه، لما فيه من الإعانة على الإثم (أو) كان (وُجِد أحدُ شِقَّي البيع) من إيجاب أو قَبول ممن تلزمه (بعد الشروع في ندائها) أي: أذان الجمعة (الثاني الذي عند أول الخطبة) لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيعَ﴾ (١) فنهى عن البيع بعد النداء؛ وهو ظاهر في التحريم؛ لأنه يشغل عن الصلاة، ويكون ذريعةً إلى فَواتها، أو فَوات بعضها؛ فلم ينعقد، وخُصَّ النداء بالثاني الذي بين يدي المنبر؛ لأنه الذي كان على عهده ﷺ ، فتعلَّق الحكم به، وأما الأول فحَدَثَ في زمن عثمان (٢).

стр. 3193

وقوله: "ممن تلزمه" (١): يُحترز به عن المسافر، والمقيم في قرية لا جمعة (٢) عليهم، والعبد والمرأة ونحوهم؛ لأن غير المُخاطب بالسَّعي لا يتناوله النهي. (قال المُنقِّح: أو قبلَه) أي: لا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه الجمعة قبل ندائها (لمن منزلُه بعيدٌ) إذا كان في وقت (بحيث إنه يدركُها) أي: يدرك الجمعة بعد النداء الثاني إذا سعى في ذلك الوقت، وما ذكره المنقِّحُ معنى كلام "المستوعب" قال: ولا يصح البيع في وقت لزوم السعي إلى الجُمعة. (فإن كان في البلد جامعان) فأكثر (تصحُّ الجمعةُ فيهما) لسعة البلد ونحوها (فسبقَ نداءُ أحدِهما) أي: أحد الجامعين (لم يَجُزِ البيع قبل نداء) الجامع (الآخر، صحَّحه في "الفصول") لعموم الآية (٣). (وتَحرم الصناعاتُ كلُّها) ممن تلزمه الجمعة بعد الشروع في النداء الثاني للجمعة؛ لأنها تشغل عن الصلاة، وتكون ذريعةً لفواتها. (ويستمرُّ التحريمُ) أي: تحريم البيع والصناعات من الشروع في الأذان الثاني، أو من الوقت الذي إذا سعى فيه أدركها مَن منزلُهُ بعيد (إلى انقضاء الصلاة) أي: صلاة الجمعة ممن وجبت عليه. (ومحلُّه) أي: محلُّ تحريم البيع والشراء إذن (إن لم تكن ضرورةٌ، أو حاجة) فإن كانت؛ لم يحرم (كمضطر إلى طعام أو شراب، إذا وجده

стр. 3194

يُباع) فاشتراه (أو) كـ (ـعُريان وَجَد سُترةً تُباعُ، أو) كعادم الماء وَجَد (ماءٌ للطهارة. وكذا) شراء (كفَن ميت ومؤنة تجهيزه، إذا خِيف عليه الفساد بالتأخير، و) كذا (وجود أبيه ونحوه) كأمه وأخيه (يُباع مع من لو تركه معه ذهب) به (و) كذا (شراء مركوب لعاجزٍ، و) كذا (ضرير لا يجد قائدًا ونحوه) أي: نحو ما ذكر من كل ما دعت إليه ضرورة أو حاجة (ووجد ذلك يُباع) بعد النداء، فله شراؤه دفعًا لضرورته أو حاجته. (وكذا) يَحرم البيع والشراء على من تجب عليه الخمس المكتوبات (لو تضايق وقْتُ مكتوبةٍ غيرها) أي: غير الجمعة قبل فعلها؛ لأن ذلك الوقت تعيَّن للمكتوبة، فإن كان الوقت متسعًا لم يحرم البيع. قال في "الإنصاف": قلت: ويحتمل أن يحرم إذا فاتته الجماعة بذلك، وتعذَّر عليه جماعة أخرى حيث قلنا بوجوبها. انتهي. فإن لم يؤذَّن للجمعة حَرُمَ البيع إذا تضايق وقتها. (ولو أمضى) من وجبت عليه الجمعة بعد ندائها (بيعَ خِيار، أو فَسَخه صَحَّ) الإمضاء أو الفسخ (كـ) ـصحة (سائر العقود من النكاح، والإجارة، والصُّلح، وغيرها) من القرض، والرهن، والضمان ونحوها؛ لأن النهي وَرَدَ في البيع وحده، وغيره لا يساويه لقلة وقوعه، فلا تكون إباحته ذريعةً لفوات الجُمعة. (و تحرم مساومة، ومناداة، ونحوهما مما يشغلُ) عن الجمعة بعد ندائها الثاني (كالبيع) بعده. (و يُكره) بعد النداء (شُرْب الماء بثمنٍ حاضرٍ، أو في الذِّمة) مقتضى ما سبق تحريمه، كما تقدم عن "المبدع"، وخصوصًا إذا كان في المسجد، إلا أن يقال: ليس هذا بيعًا حقيقة، بل إباحة، ثم تقع الإثابة عليها.

стр. 3195

(ولا يصح بَيْعُ ما قُصِدَ به الحرام، كعِنَبٍ و) كـ (ـعصير لمتَّخذِهما خمرًا) وكذا زبيب، ونحوه (ولو) كان بيع ذلك (لذمِّي) يتخذه خمرًا؛ لأنهم مخاطَبون بفروع الشريعة (ولا) بيعُ (سلاح، ونحوه في فتنة، أو لأهل حَربٍ، أو لِقُطَّاع طريق، إذا علم) البائع (ذلك) من مشتريه (ولو بقرائن) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١). (ويصحُّ بيع السلاح لأهل العدل لقتال البُغاة، و) قتال (قُطَّاع الطريق) لأن ذلك معونة على البِرِّ والتقوى. (ولا يصحُّ بيعُ مأكولٍ، ومشروبٍ، ومشموم لمن يشرب عليه مسكرًا، ولا) بيع (أقداح، ونحوها لمن يشربه) أي: المُسكر (بها، و) لا بيع (بيض، وجوز، ونحوهما لِقمار، ولا بيعُ غلام، وأَمَةٍ لمن عُرِفَ بوطء دُبرٍ، أو للغناء، وكذا إجارتهما) لأن ذلك كله إثم وعدوان. (ومن اتُّهمَ بغلامه، فدبَّره، وهو) أي: المُتَّهم (فاجرٌ مُعلِنٌ) لفجوره (أُحيل بينهما) أي: بين الرجل وغلامه، خوفًا من إتيانه له، كما لو لم يدبره. و (كمجوسي تُسلِم أختُه) أو نحوها (ويُخاف أن يأتيها) فيُحال بينهما دفعًا لذلك. (ولا يجوز شراءُ البيض والجوز الذي اكتسبوه من القِمار، ولا أكلُه) لأنه لم ينتقل إلى ملك المكتسِب. (ويصحُّ البيعُ ممن قصد أن لا يُسَلِّمَ المبيع) لصدوره من أهله في محله، ويلزمه تسليمه (أو ثمنَه) أي: ويصح الشراء ممن قصد أن لا يُسلِّمَ الثمن، ويلزمه تسليمه. (ولا يَصحُّ بَيْعُ عبدٍ مسلمٍ لكافر) لأنه يُمنع من استدامة الملك

стр. 3196

عليه؛ فمُنع من ابتدائه كالنكاح (ولو كان) الكافر (وكيلًا لمسلم) في شراء العبد المسلم، لم يصحَّ؛ لأنه لا يصح أن يشتريه لنفسه، فلم يصحَّ أن يتوكَّل فيه (إلا أن يَعتِقَ) العبد المسلم (عليه) أي: على الكافر المشتري له (بملكه) إيَّاه، لقرابة أو تعليق، فيصحُّ الشراء؛ لأن ملكه لا يستقر عليه؛ ولأنه وسيلة إلى تحصيل حرية المسلم. (وإن أسلم عبدُ الذمي) أو عبد المستأمن بيده، أو بيد مشتريه، ثم رده عليه، لنحو عيب (أُجبر) الذِّمي (على إزالة ملكه عنه) أي: عن العبد المسلم، بنحو بيعٍ، أو هبةٍ، أو عتقٍ، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) (ولا تكفي كتابته) لأن الكتابة لا تزيل ملك السيد عنه، بل يبقى إلى الأداء. وكذا بيعه بشرط خيار لا يكفي، لعدم انقطاع علته (٢) عنه. (ويدخل العبد) أي: الرقيق، ذكرًا كان أو أنثى (المسلم في ملك الكافر ابتداءً: بالإرث) من قريب، أو مولى، أو زوج. (و) بـ (ـاسترجاعِه بإفلاس المشتري) بأن اشترى كافرٌ عبدًا كافرًا من كافر، ثم أسلم العبد، وأفلس المشتري، وحُجر عليه، ففسخ البائع البيع. (وإذا رجع في هِبته لولده) بأن وهب الكافرُ عبدَه الكافرَ لولده، ثم أسلم العبد، ورجع الأب في هبته. (وإذا رُدَّ عليه بعيب) أي: باعه كافرًا، ثم أسلم، وظهر به عيب

стр. 3197

فردَّه. وكذا لو رُدَّ بغبن، أو تدليس، أو خيار مجلس. (وإذا اشترى من يَعْتِقُ عليه، كما تقدم) قريبًا. (وإذا باعه بشرط الخيار مدة) معلومة (وأسلم العبد فيها) وفسخ البائع البيع. (وإذا وجد) البائعُ (الثمنَ المعيَّن معيبًا، فردَّه) أي: الثمن، واسترجع العبدَ (وكان قد أسلم العبدُ. وفيما إذا ملكه الحربي) بأن استولى عليه من مسلمٍ قهرًا. (وفيما إذا قال الكافر لشخص: أعتِقْ عبدَك المسلمَ عنِّي وعليَّ ثمنه؛ ففعل) المسلم؛ بأن أعتقه عنه (كما يأتي في باب الولاء). فهذه تسع مسائل يدخل فيها العبدُ المسلم في ملك الكافر ابتداء. ويُزاد عليها عاشرة، وهي إذا استولد الكافر أَمَةً مسلمة لولده (١). ويدخل المصحف في ملك الكافر ابتداءً بالإرث والرد عليه بنحو عيب، وبالقهر، ذكره ابن رجب (٢). (ويَحرم سَوْمُه على سَوْمِ أخيه) أي: على سَوْمِ المسلم (مع رضا البائع صريحًا) لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لا يَسُمِ الرجلُ على سومِ أخْيهِ" رواه مسلم (٣). (وهو) أي: السَّوْمُ الذي يحرم معه السَّوْمُ من الثاني (أن يتساوما في غير) حال (المناداة) حتى يحصُل الرضا من البائع (فأما المزايدة في

стр. 3198

المناداة) قبل الرضى (فجائزة) إجماعًا (١)، فإنَّ المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة. (ويصح البيع) مع سَوْمه على سَوْم أخيه؛ لأن النهي إنَّما وردَ عن السَّوْم إذن، وهو خارج عن البيع. (وكذا سَوْمُ إجارة) يحرم بعد سَوْم أخيه، والرضا له صريحًا، وتصح الإجارة. (وكذا استئجارُه على إجارة أخيه في مدة خيار) مجلس أو شرط، إذا كانت المدة لا تلي العقد، كما يأتي، فيحرم ولا يصحُّ. ولو أخَّر هذه عن الشراء على شراء أخيه كان أنسب؛ لأنها ملحقة بها. (ويَحرم ولا يصحُّ بيعه على بيع أخيه زمن الخيارين) أي: خيار المجلس وخيار الشرط. (وهو) أي: بيعه على بيع أخيه (أن يقول) شخص (لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أُعطيك خيرًا منها بثَمَنِها، أو: أُعطيك مثلها بتسعة، أو يعرِضَ عليه سلعةً يرغب فيها المشتري لينفسخ (٢) البيعُ، ويَعقِد معه) فلا يصح البيع؛ لحديث ابن عمر يرفعه: "لا يَبع الرجلُ على بيعِ أخيهِ" متفق عليه (٣)، والنهي يقتضي الفساد.

стр. 3199

وعُلم من قوله: "زمن الخيارين"، أنه لو قال له ذلك بعد مضي الخيار، ولزوم البيع لا يحرم، لعدم تمكُّن المشتري من الفسخ إذن. (و) يحرم و (لا) يصح (شراؤه على شرائه، وهو أن يقول) زمن الخيارين (لمن باع سلعة بتسعةٍ: عندي فيها عشرةٌ، ليفسخ) البيع (ويَعقِد معه) قياسًا على البيع؛ ولأن الشراء يُسمَّى بيعًا، فيدخل في عموم النهي. (وكذا اقتراضُه على اقتراضِه) بأن يعقِد القرضَ معه، فيقول له آخر: أقرضني ذلك قبل تقبيضه للأول، فيفسخه ويدفعه للثاني (و) كذا (اتهابُه على اتهابه؛ وكذا افتراضه -بالفاء- في الديوان) على افتراضه. (و) كذا (طلب العمل من الولايات) بعد طلب غيره (ونحو ذلك، وكذا المساقاة والمزارعة، والجعالة، ونحو ذلك) كلها كالبيع، فتحرم، ولا تصح إذا سبقت للغير، قياسًا على البيع، لما في ذلك من الإيذاء. (وكذا بيع حاضرٍ لبادٍ) بأن يكون سِمسارًا له، ولو رضي الناس، فيحرم ولا يصح (لبقاء النهي عنه) لقول أنس: "نُهينا أن يبيعَ حاضرٌ لبادٍ، وإن كانَ أخاهُ لأمه وأبيه" متفق عليه (١). والمعنى فيه: أن لو تُرِك القادمُ

стр. 3200

يبيع سلعته اشتراها الناس منه برخص، فإذا تولى الحاضرُ بيعها لم يبعها إلا بغلاء، فيحصل الضرر للناس (بخمسة شروط): أحدها: (أن يحضُر البادي، وهو) المقيم في البادية، والمراد هنا (من يدخل البلد من غير أهلها، ولو غير بدوي) لأنه متى لم يقدم إلى بلد آخر لم يكن باديًا (لبيع سلعته) متعلق بـ"يحضر"، لأنه إذا حضر لخزنها، أو أكلها، فقصده الحاضرُ وحضَّه على بيعها، كان توسعةً لا تضييقًا. الثاني: أن يريد بيعها (بسعر يومها) لأنه إذا قصد أن لا يبيعها رخيصة، كان المَنْع من جهته؛ لا من جهة الحاضر. الثالث: أن يكون (جاهلًا بالسِّعْر) لأنه إذا علمه، لم يزده الحاضر على ما عنده. (و) الرابع: أن (يقصده حاضرٌ عارفٌ بالسعر) فإن قصده البادي لم يكن للحاضر أثر في عدم التوسعة. (و) الخامس: أن يكون (بالناس إليها حاجة) لأنهم إذا لم يكونوا محتاجين لم يوجد المعنى الذي نهى الشرع لأجله. (فإن اختلَّ شرطٌ منها) أي: من هذه الشروط الخمسة (صحَّ البيع) من الحاضر للبادي ولم يحرم؛ لما تقدم. (ويصحُّ شراؤه) أي: شراء الحاضر (له) أي: للبادي؛ لأن النهي إنما وَرَدَ عن البيع لمعنىً يختصُّ به، وهو الرفق بأهل الحضر، وهذا غير موجود في الشراء للبادي. (وإن أشار حاضرٌ على بادٍ، ولم يباشر) الحاضر (له) أي: للبادي

стр. 3201

(بيعًا لم يكره) ذلك؛ لأن النهي -كما تقدم- إنما ورد في بيعه له، وهنا لم يبع له. (وإن استشاره) أي: استشار (البادي) الحاضر (وهو) أي: البادي (جاهل بالسعر، لزمه) أي: الحاضر (بيانه له) أي: للبادي (لوجوب النصح) لحديث: "الدِّينُ النصِيحَةُ" (١). وإن لم يستشره، ففي وجوب إعلامه -إن اعتقد جهله به- نظر، بناء على أنه: هل يتوقَّف وجوب النُّصح على استنصاحه؟ ويتوجَّه وجوبه، وكلام الأصحاب لا يخالفه، ذكره في "الفروع". فصل (ومن باع سلعةً بنسيئةٍ) أي: بثمن مؤجَّلٍ (أو بثمن) حالٍّ (لم يقبضه، صحَّ) الشراء، حيث لا مانع (وحَرُم عليه) أي: على بائعها (شراؤها، ولم يصح) منه شراؤها (نصًّا (٢)، بنفسه أو بوكيله بـ) ـنقد من جنس الأول (أقل مما باعها) به (بنقد) أي: حالٍّ (أو نسيئة، ولو بعد حِلِّ أجلِهِ) أي: أجل الثمن الأول (نصًّا) (٣) نقله ابن القاسم وسِندي؛ لما روى غُندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته العالية، قالت: "دخلتُ أنا وأمُّ ولَدِ زيدِ بن أرقَمَ على عائشة، فقالت أمُّ ولدِ زيدِ بن أرقمَ: إنِّي بعْتُ غلامًا من زَيدٍ بثمانمائةِ درهمٍ إلى العَطَاءِ، ثم اشْتَرَيتهُ منه بستمائَةِ درهمٍ نقدًا، فقالت لها: بئسَ ما اشتريتِ، وبئسَ ما

стр. 3202

شرَيْتِ، أبلغي زَيدًا: أن جهَادَهُ مع رسُولِ الله ﷺ بَطَلَ، إلا أن يتوبَ" رواه أحمد وسعيد (١)، ولا تقول مثل ذلك إلا توقيفًا؛ ولأنه ذريعة إلى الربا؛ ليستبيح بيع ألف بنحو خمسمائة إلى أَجَلٍ، والذرائع معتبرة في الشرع؛ بدليل مَنْع القاتل من الإرث. (إلا أن تتغير صفتُها بما يُنقِصُها) كعبدٍ قُطعت يده (أو يَقبِض ثمنَها) بأن باع السلعة وقبض ثمنها، ثم اشتراها، فيصحُّ؛ لأنه لا توسّل به إلى الربا. (وإن اشتراها أبوه، أو ابنُه، ونحوهما) كغلامه، أو مكاتَبِه، أو زوجته (ولا حِيلة) جاز وصحَّ؛ لأن كل واحد منهما كالأجنبي بالنسبة إلى الشراء.

стр. 3203

(أو اشْتَراها) بائعها (من غير مشتَرِيها) كما لو اشتراها من وارثه، أو ممن انتقلت إليه منه ببيع أو نحوه جاز؛ لعدم المانع. (أو) اشتراها بائعها (بمثل الثَّمن) الأول (أو بنقد آخرَ غيرِ الذي باعها به، أو اشتراها بعَرْض، أو باعها بعَرْض، ثم اشتراها بنقد صحَّ) الشراء (ولم يَحرم) لانتفاء الربا المتوسل إليه به. (وإن قصد بالعقد الأول) العقد (الثاني، بَطَلا) أي: العقدان (قاله الشيخ (١). وقال: هو قول أحمد، وأبي حنيفة، ومالك. قال في "الفروع": ويتوجَّه أنه مُراد من أطلق) لأن العلة التي لأجلها بطل الثاني، وهو كونه ذريعةً للربا، موجودة إذن في الأول (وهذه المسألة تُسمَّى) مسألة (العِينَة) سُمِّيت بذلك (لأن مشتري السلعة إلى أجَلٍ يأخذ بَدَلَها عينًا، أي: نقدًا حاضرًا) قال الشاعر (٢): أنَدَّانُ أمْ نَعْتَانُ أمْ يَنْبَرِي لنا … فتًى مثلُ نَصْلِ السيف مِيزتْ مضارِبُه ومعنى "نَعْتَانُ"، نشتري عينة، كما وصفنا. وروى أبو داود عن ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا تبايعتُم بالعِينةِ، وأخَذتم أذنابَ البقرِ، ورضِيتم بالزَّرع، وتركتمُ الجهادَ، سلَّطَ اللهُ عليكم ذُلًّا لا ينزِعُهُ حتى ترجعُوا إلى دينكُم" (٣).

стр. 3204

(وعكسُها) أي: عكس مسألة العِينة، وهو أن يبيع السلعة أولًا بنقد يقبضه، ثم يشتريها من مشتريها بأكثر من الأول من جنسه نسيئة، أو لم يقبض (مِثلَها) في الحكم. نقله حرب (١)، لأنه يُتخذ وسيلةً إلى الربا. (قال الشيخ (٢): ويَحرم على صاحب الدَّين أن يَمتنع من إنظار المُعسِر، حتى يقلب عليه الدَّين، ومتى قال) ربُّ الدَّين: (إما أن تقلِبَ) الدَّين (وإما أن تقوم معي إلى عند الحاكم، وخاف أن يحبِسَه الحاكمُ لعدم ثبوت إعساره عنده، وهو مُعسِرٌ؛ فقَلَب على هذا الوجه، كانت هذه المُعاملة حرامًا غير لازمة باتفاق المسلمين؛ فإن الغريم مُكرَهٌ عليها بغير حق، ومن نَسَب جواز القَلْب على المُعسِر بحيلةٍ من الحِيل إلى مذهب بعض الأئمة، فقد أخطأ في ذلك، وغلِط، وإنما تنازع الناس في

стр. 3205

المعاملات الاختيارية مثل التَّورُّق والعِينة. انتهى) كلام الشيخ رحمه الله تعالى. وهو ظاهر. (ولو احتاج) إنسان (إلى نَقْدٍ، فاشترى ما يساوي مائةً بمائةٍ وخمسين، فلا بأس) بذلك. نص عليه (١). (وهي) أي: هذه المسألة تُسمَّى (مسألة التَّورُّق) من الوَرِق، وهو الفضة؛ لأن مشتري السلعة يبيع بها. (وإن باع) إنسان (ما يجري فيه الربا) كالمَكيل، والمَوزون بثمنٍ (نسيئةً، ثم اشترى منه) أي: من المشتري (بثمنه الذي في ذِمته قبل قَبْضه من جنسه) أي: من جنس ما كان باعه، كما لو باعه بُرًّا بعشرة دراهم، ثم اشترى منه بالدراهم بُرًّا (أو) اشترى بالثمن قبل قَبْضه من غير جنس المبيع (ما لا يجوز بيعُه به) أي: بالمبيع (نسيئةً) بأن اشترى بثمن المكيل مكيلًا، أو بثمن المَوزون موزونًا، (لم يَجُزْ) ذلك، ولم يصح، حسمًا لمادة رِبا النَّسيئة، رُوي عن: ابن عمر (٢)، وسعيد بن المسيب (٣)، وطاوس (٢)؛ لأن بيع ذلك ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة، ويكون الثمن المعوّض عنه بينهما كالمعدوم؛ لأنه لا أثر له، بخلاف ما لو كان المبيع الأول حيوانًا أو ثيابًا. (فإن اشتراه) أي: اشترى الربوي (بثمنٍ آخر وسلَّمه) أي: الثمن (إليه) أي: إلى البائع (ثم أخذه منه وفاءً) عن ثمن الربوي الأول، جاز. (أو لم يسلّمه) أي: الثمن (إليه، بل اشْتَرى في ذمته وقاصَّه، جاز)

стр. 3206

صرَّح به في "المغني" و"الشرح". ومعنى "قاصَّه" أنه لما ثبت لأحدهما في ذِمة الآخر مثل ما له عليه سقط عنه، ولا يحتاج ذلك لرضاهما ولا لقولهما، كما يأتي في محله. (ويَحرم التَّسعير) على الناس، بل يبيعون أموالهم على ما يختارون؛ لحديث أنس قال: "غَلا السِّعْرُ على عهدِ رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، غَلا السِّعْرُ، فَسعِّرْ لنا، فقال: إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القَابِضُ، البَاسط، الرَّزاقُ (١)، إنِّي لأرجو أن ألقى الله وليسَ أحَدٌ يطْلبُني بمظلِمَةٍ في دمٍ ولا مالٍ" رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي (٢) وقال: حسن صحيح. (وهو) أي: التَّسعير (أن يُسعِّر الإمام) أو نائبه (على الناس سِعرًا ويُجبِرُهم على التبايع به) أي: بما سعَّره (ويُكره الشراءُ منه) عبارتهم: به، أي: بما سعّره (وإن هدَّدَ) المشتري (من خالف) التَّسعير (حَرُم) البيع

стр. 3207

(وبَطَل) لأن الوعيد إكراه. (ويَحرم قوله) لبائع غير محتكر: (بِعْ كالنَّاس) لأنه إلزامٌ له بما لم (١) يلزمه. (وأوجب الشيخ (٢) إلزامهم) أي: الباعة (المُعاوضة بثمن المِثل، وأنه لا نِزاع فيه؛ لأنه مصلحةٌ عامةٌ لحقِّ الله تعالى، ولا تتمُّ مصلحة الناس إلا بها كالجهاد. وكَره) الإمام (أحمد (٣) البيعَ والشراءَ من مكان أُلزم الناس بهما) أي: بالبيع والشراء (فيه، لا الشراء ممن اشترى منه) أي: ممن أُلزم بالبيع في ذلك المكان. (و يَحرم الاحتكار في قُوت الآدميِّ فقط) لحديث أبي أمامة: "أن النبي ﷺ نهى أن يُحتكرَ الطعامُ" رواه الأثرم (٤). وعنه ﷺ : "الجالِبُ مرزوقٌ، والمحتكرُ ملعونٌ" (٥).

стр. 3208

(وهو) أي: الاحتكار في القُوت (أنْ يَشتريه للتجارة، ويحبِسَه ليقلَّ، فيَغْلُو) وهو بالحرمين أشدُّ تحريمًا (ويصحُّ الشراء) من المُحتكِر؛ لأن النهي عنه هو الاحتكار. ولا تُكره التجارة في الطعام إذا لم يرد الاحتكار. (ولا يحرم) الاحتكار (في الإدام كالعسل، والزيت، ونحوهما، ولا) احتكار (عَلَف البهائم) لأن هذه الأشياء لا تعمُّ الحاجة إليها، أشبهت الثياب والحيوان. (وفي "الرعاية الكبرى" وغيرها: أن من جلب شيئًا، أو استغلَّه من ملكه، أو) استغله (مما استأجره، أو اشترى زمن الرُّخْص، ولم يُضيِّق على الناس إذن، أو اشتراه من بلد كبير، كبغداد والبصرة ونحوهما، فله حَبْسُهُ حتى يَغلوَ، وليس بمُحتكِرٍ، نصًّا (١). وتَرْك ادِّخاره لذلك أَولى. انتهى).

стр. 3209

قال في "تصحيح الفروع" بعد حكايته ذلك: قلت: إذا (١) أراد بفعل ذلك وتأخيره مجرد الكسب فقط كُره، وإن أراده للتكسُّب ونفع الناس عند الحاجة إليه لم يُكره، والله أعلم. (ويُجبر المُحتكِرُ على بيعه كما يَبيعُ الناس) دفعًا للضرر (فإن أبى) أن يبيع ما احتكره من الطعام (وخِيف التَّلف) بحبسه عن الناس (فرَّقه الإمام) على المحتاجين إليه (ويَردُّون مِثلَه) عند زوال الحاجة (وكذا سلاح) احتاجوا إليه. (ولا يُكره) لأحد (ادِّخار قُوتٍ لأهله ودوابِّه سنةً وسنتين نصًّا (٢)) ولا ينوي التجارة. ورُوي أنه ﷺ : "ادَّخَر قوتَ أهله سنَةً" (٣). (وإذا اشتدت المَخْمَصة في سنة المَجاعة، وأصابت الضرورة خَلْقًا كثيرًا، وكان عند بعض الناس قَدر كفايته، وكفاية عياله، لم يلزمه بذْله للمضطرين) لأن الضرر لا يُزال بالضرر (وليس لهم أخذُه منه) لذلك (ويأتي آخر الأطعمة. ومن ضمن مكانًا ليبيع فيه، ويشتري وحدَه، كُرِه الشراءُ منه بلا حاجة) إلى الشراء، كجالس على طريق (ويَحرم عليه) أي: على من ضمن مكانًا ليبيع ويشتري فيه وحدَه (أخذُ زيادةٍ) على ثمن أو مثمن (بلا

стр. 3210

حق) قاله الشيخ تقي الدين (١). (ويُستحبُّ الإشهاد في البيع) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٢) والأمر فيه للندب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٣) (إلا في قليل الخطر، كحوائج البقال، والعطار، وشِبهها) فلا يستحب؛ للمشقة. (ويحرم البيع والشراء في المسجد) للمعتكف، وغيره في القليل والكثير (فإن فعل) بأن باع، أو اشترى في المسجد (فباطل، وتقدم) ذلك (في الاعتكاف) موضَّحًا (٤). "تتمة": قال أحمد (٥): لا ينبغي أن يتمنَّى الغلا، وفي "الرعاية": يُكره، واختاره الشيخ تقي الدين (٦). ويُكره أن ينفق سلعته بالحلف.

стр. 3211

باب الشروط في البيع (وهي) أي: الشروط (جَمع شَرْط، ومعناه) لغةً: العلامة (١). واصطلاحًا: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجودٌ ولا عدم لذاته. والمراد به (هنا: إلزامُ أحدِ المتبايعين) البائع (٢) (الآخرَ بسببِ العقد) متعلّق بإلزام (ما) أي: شيئًا (له) أي: للملزِم (فيه منفعةٌ) أي: غرض صحيح. (ويُعتبر لترتُّب الحكم عليه) أي: على الشرط مقارنتُه للعقدِ، قاله في "الانتصار". وقال في "الفروع": يتوجَّه كنكاح. ويأتي: أن زمن الخيارين كحال العقد. (وهي) أي: الشروط في البيع (ضربان: الأول: صحيح لازم) ليس لمن اشتُرط عليه فَكّه (وهو ثلاثة أنواع: أحدها: شرطُ مُقتضى عَقْد البيع) بأن يشترطا شيئًا يطلبه البائعُ بحكم الشرع (كالتقابض، وحلول الثمن، وتصرُّفِ كلِّ واحد منهما) أي: من المتبايعين (فيما يَصيرُ إليه) من ثمن أو مثمن (ونحوه) كردّ المَبيع بعيبٍ قديم (فلا يُؤثِّر ذِكْرُه) أي: ذِكْر هذا النوع، وهو ما يقتضيه العقد

стр. 3212

(فيه) أي: في العقد، فوجوده كعدمه؛ لأنه بيانٌ وتأكيد لمُقتضى العقد. النوع (الثاني) من الشروط الصحيحة (شَرْطٌ من مصلحة العقد) أي: مصلحة تعود على المشترط. (كاشتراط صفة في الثمن، كتأجيله، أو) تأجيل (بعضه) إلى وقت معلوم (أو) اشتراط (رَهْنٍ معيَّن) بالثمن، أو ببعضه (ولو) كان الرهن (المَبيع) فيصحُّ اشتراط رهن المبيع على ثمنه، فلو قال: بعتُك هذا على أن ترهننيه على ثمنه، فقال: اشتريتُ ورهنتك، صَحَّ الشراء والرَّهن (أو) اشتراط (ضمينٍ معيَّن به) أي: بالثمن أو ببعضه (وليس له) أي: البائع (طلبهما) أي: طلب الرهن والضَّمين (بعد العقد) إن لم يكن اشترطهما فيه، ولو (لمصلحةٍ) لأنه إلزامٌ للمشتري بما لم يلتزمه. (أو اشتراط) المشتري (صفةً في المَبيع، ككون العبد كاتبًا) أو فحلًا (أو خَصيًّا، أو ذا صَنعة بعينها، أو مسلمًا، أو الأَمَة بكرًا، أو) الأَمَة (تحيض. أو) اشتراط (الدَّابة هِملاجة) بكسر الهاء. والهَمْلَجة: مشية سهلة في سرعة. (أو) اشتراط الدابة (لَبونًا) أي: ذات لبن (أو غزيرة اللَّبن، أو الفهد صَيُودًا، أو الطير مُصوِّتًا، أو يبيض، أو يجيء من مسافة معلومة، أو الأرض خراجها كذا؛ فيصحُّ) الشرط في كل ما ذكر (لازمًا) لأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك، فلو لم يصح اشتراط ذلك، لفاتت الحكمة التي لأجلها شُرع البيع. يؤيده: قول النبي ﷺ : "المسلمون عند شُرُوطِهمْ" (١). (فإن وَفَى به) بأن حصل لمن اشترط شَرْطه؛ لزم البيع (وإلا) بأن لم يحصُل له شَرْطه (فله الفسخ) لفوات الشرط، لما تقدم. لكن إذا شرط

стр. 3213

الأَمَة تحيض، فلم تحض؛ قال ابن شهاب: فإن كانت صغيرة، فليس بعيب؛ لأنه يُرجى زواله، بخلاف الكبيرة. (أو أَرْشُ فَقْدِ الصفة) يعني: أن من فات شرطه يُخيَّر بين الفسخ، وبين الإمساك مع أرْشِ فَقْدِ الصِّفة التي شرطها، إلحاقًا له بالعيب. قلت: فيؤخذ منه أن الأَرْش قسط ما بين قيمته بالصفة، وقيمته مع عدمها من الثمن. (فإن تعذَّر) على المشتري (رَدُّ) ما وجده فاقد الصفة (تعيَّن) له (أرْش) فَقدِ الصفة، كالمَعيب إذا تلف عند المشتري، ولم يرضَ بِعيبه. (وإن شَرَط) المشتري (أن الطير يوقظُه للصلاة، أو) شرط (أن الدَّابة تحلب كل يوم كذا) أي: قَدْرًا معينًا (أو) شرط (الكبش مناطِحًا، أو) شرط (الديك مناقِرًا، أو اشترط) المشتري (الغِناء أو الزِّنا في الرقيق؛ لم يصح الشرط) لأنه إما لا يمكن الوفاء به، أو محرَّم، فهو ممنوع الوفاء شرعًا. (وإن شَرَط العبدَ كافرًا) فبان مسلمًا، فلا فَسْخ له. (أو) شرط (الأَمَة ثيِّبًا كافرة، أو) شرط (أحدهما) أي: أنها ثيب، أو كافرة (فبانت أعلى) مما شرط (فلا فَسخ له) لأنه زاده خيرًا، كما لو شرط العبد كاتبًا، فبان -أيضًا- عالمًا. (كما لو شَرَطها سَبْطَةً فبانت جَعْدة، أو) شرطها (جاهلة، فبانت عالمة) فلا فَسْخ له، لما ذكر. (وإن شرطها) أي: المبيعة (حاملًا -ولو) كانتَ المبيعة (أمَةً- صَحَّ) الشرط، لما تقدم (لكن إن ظهرت الأَمَة) التي شرطها حاملًا (حائلًا) لا حمل بها (فلا شيء) أي: لا خيار (له) لأن الحمل عيب في الإماء.

стр. 3214

(وإن شَرَط أنها لا تحمل، أو) أنها (تضع الولد في وقتٍ بعينه، لم يصح) الشرط؛ لأنه لا يمكن الوفاء به. (وإن شرطها) أي: المبيعة (حائلًا، فبانت حاملًا، فله الفَسْخ في الأَمَة فقط، لأنه) أي: الحمل (عَيب في الآدميات لا في غيرها) أي: ليس عيبًا في غير الآدميات (زاد في "الرعاية" و"الحاوي": إن لم يضرَّ باللَّحم) وجزم به في "المنتهى" في الصداق (ويأتي في خيار العيب. ولو أخبره) أي: المشتري (بائعٌ بصفة) في المبيع يرغب فيها (فصدَّقه بلا شرط، فلا خيار له، ذكره أبو الخطَّاب) قال في "الفروع": ويتوجَّه عكسه. النوع (الثالث: شرط بائع نفعًا) مباحًا (معلومًا) غير وطء ودواعيه (في المبيع، كسُكنى الدار) المبيعة (شهرًا) أو أقل منه، أو أكثر (و) كـ (ـحُملان البعير) أو نحوه (إلى موضع معلوم، فيصح) لما روى جابر: "أنه كان يسيرُ على جملٍ قد أعْيَى، فضربَهُ النبيُّ ﷺ فسارَ سيرًا لم يَسِرْ مثله، فقال: بعْنِيه، فبِعْتُهُ، واستَثنيتُ حمْلانَهُ إلى أهْلي" متفق عليه (١)، يؤيده: أنه ﷺ "نهى عن الثُّنيا إلَّا أنْ تُعْلَم" (٢) وهذه معلومة، وأكثر ما فيه: تأخير تسليمه مدة معلومة؛ فصحَّ كما لو باعه أَمَةً مزوَّجة، أو دارًا مؤجَّرة ونحوهما. و (كحبسه على ثمنه).

стр. 3215

وخبر: "أنه ﷺ نهى عن بَيعٍ وشرطٍ" (١) أنكره

стр. 3216

أحمد (١)، وقال: لا نعرفه مرويًّا في مسند. ونفقةُ المَبيع المُستثنى نَفْعه مدة الاستثناء: الذي يظهر أنها على البائع؛ لأنه مالك المنفعة، لا من جهة المشتري، كالعين الموصى بنفعها، لا كالمؤجرة والمُعارة. (لا وَطْء الأمَة) المبيعة (ودواعيه) أي: دواعي الوَطء، من قُبْلة ونحوها؛ فلا يصح استثناؤه؛ لأن ذلك لا يُباح إلا بملك، أو نكاح وقد انتفيا. (وله) أي: للبائع (إجارة ما استثناه) من النفع (وإعارتُه لمَن يقوم مقامه) كالعين المؤجَّرة، لمستأجرها إجارتها وإعارتها. و (لا) يملك إجارتها أو إعارتها (لمن هو أكثر منه ضررًا) كالمستأجر. (وإن تَلِفَت العينُ) المُستثنى نفعها (قبل استيفاء بائع له) أي: للنفع (بفعل مشترٍ، أو تفريطه، لزمه) أي: المشتري (أُجرة مثله) أي: مثل النفع المُستثنى فيما بقي من المدَّة؛ لتفويته المنفعة المستحقة على مستحقيها (لا إن تَلِفَ) المبيع (بغير ذلك) أي: بغير فعل المشتري وتفريطه؛ لأن البائع لم يملكها من جهته، فلم يلزمه عِوضها له. قال في "الاختيارات" (٢): وإذا شرط البائع نفع المبيع لغيره مدةً معلومة، فمقتضى كلام أصحابنا: جوازه، فإنهم احتجوا بحديث أم سلمة: "أنهَا أعتَقَتْ سَفينةَ، وشَرَطَتْ عليه أن يخدمَ النبي ﷺ ما عَاشَ" (٣) واستثناء خدمة عبده في العتق كاستثنائها في المبيع.

стр. 3217

(أو شَرَط مُشترٍ نَفعَ بائعٍ في مبيع كـ) اشتراطه عليه (حمل الحطب) المَبيع (أو تكسيره، أو خياطة ثوب) مبيع (أو تفصيله، أو حصاد زرع) مبيع (أو جَزّ رطبة) مبيعة (ونحوه) كضرب قطعة حديد اشتراها منه سيفًا أو نحوه (صحَّ) الشرط؛ لأن غايته أنه جَمَع بيعًا وإجارة؛ وهو صحيح (إن كان) النفع (معلومًا، ولزم البائع فِعْله) وفاءً بالشرط. (فلو شَرَط) المشتري (الحَمْل إلى منزله، وهو) أي: البائع (لا يعرفه) أي: المنزل (لم يصحَّ) الشرط، كما لو استأجره لذلك ابتداءً، قاله في "شرح المنتهى". وظاهره: صحة البيع. وعليه، فيثبت له الخيار على ما يأتي في الشرط الفاسد غير المُفسد. (وإن باع المشتري العين المُستثنى نفعُها) مدةً معلومة (صحَّ البيعُ، وتكون في يد المشتري الثاني مُستثناةً أيضًا) كالدار المؤجَّرة، إذا بيعت.

стр. 3218

(وإن كان) المشتري الثاني (عالمًا بذلك) أي: بأنها مبيعة مستثنى نفعها (فلا خيار له، كمن اشترى أمَةً مزوَّجة، أو) اشترى (دارًا مؤجَّرة) عالمًا بذلك (وإلا) بأن لم يكن عالمًا بذلك (فله الخيار) كمن اشترى أَمَةً مزوَّجة لا يعلم ذلك. (وإن جَمَع) في بيع (بين شرطين -ولو صحيحين-) كحمل حطب وتكسيره، أو خياطة ثوب وتفصيله (لم يصح البيع) لحديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل سَلَفٌ وبيعٌ، ولا شرطَانِ في بيع، ولا بَيع ما ليس عندك" رواه أبو داود والترمذي (١)، وقال: حديث حسن

стр. 3219

صحيح. (إلَّا أن يكونا) أي: الشرطان المجموعان (من مقتضاه) أي: مقتضى البيع، كاشتراط حلول الثمن مع تصرُّف كل منهما فيما يصير إليه؛ فإنَّه يصح بلا خلاف (أو) إلَّا أن يكونا (من مصلحته) أي: مصلحة العقد، كاشتراط رهن وضَمين معيَّنين بالثَّمن، فيصحّ كما لو كانا من مُقتضاه. (ويصح تعليق فَسْخٍ بشرطٍ) كالطلاق والعتق (ويأتي تعليق خُلْعٍ بشرطٍ) وأنه لا يصح؛ لأنه لما كان العِوض شرطًا لصحته، ألحق بعقود المعاوضات. (وإن أراد المشتري أن يعطي البائعَ ما يقوم مقام المبيع) المُستثناة منفعتُه (في المنفعة) المستثناة (أو يعوّضه عنها، لم يلزمه قَبوله) وله استيفاء المنفعة من عين المبيع؛ لتعلّق حقِّه به. (وإن تراضيا على ذلك) أي: على ما يقوم مقام المبيع في المنفعة، أو على العِوض عنها (جاز) لأن الحق لهما لا يعدوهما. (وإن) أقام البائع مقامَه من يعمل العملَ) المشترط عليه (فله ذلك؛ لأنه بمنزلة الأجير المشترك. وإن أراد) البائع (بَذْلَ العِوض عن ذلك) العمل (لم يلزم المشتري قَبوله) وله طلبه بالعمل (١)؛ لأنه ألزم نفسه له به. (وإن أراد المشتري أخذ العِوض عنه) أي: عن ذلك العمل، وأبى البائع (لم يلزم البائع بذلُه) لأنها معاوضة، فلا يُجبر عليها من أباها منهما (وإن تراضيا على ذلك جاز) لأن الحق لا يعدوهما.

стр. 3220

(وإن تعذَّر العمل) المشروط (بتلَفِ المبيع) المشروط عمله، كتلف حطب اشترط تكسيره (قبله) رجع المشتري بأجرة ذلك (أو استُحقَّ) نفع بائع بأن أجَّر نفسه إجارة خاصة، رجع المشتري بأجرة العمل. (أو) تعذَّر العمل (بموت البائع، رجع المشتري بعِوض ذلك) النفع المشروط عليه في البيع؛ لأن عقد البيع مع الشرط المذكور قد جمع بيعًا وإجارة، وقد فات ما ورد عليه عقد الإجارة، فانفسخت، كما لو استأجر أجيرًا خاصًّا، فمات. وإذا انفسخت الإجارة بعد قبض عِوضها، رجع المستأجر بعِوض المنفعة. (وإن تعذَّر) العمل على البائع (بمرض، أُقيم مقامه من يعمل، والأجرة عليه) أي: على البائع (كالإجارة) لما تقدم. فصل (الضرب الثاني) من الشروط في البيع (فاسد يَحرم اشتراطُه. وهو ثلاثة أنواع: أحدها: أن يشترط أحدُهما على صاحبه عقدًا آخر، كسَلَف) أي: سَلَم (أو قَرْض، أو بيع، أو إجارة، أو شركة، أو صَرْف الثمن، أو) صرف (غيره) أي: غير الثمن (فـ) ـاشتراط (هذا) الشرط (يُبطِل البيعَ، وهو بيعتان في بيعة المنهيُّ عنه) والنهي يقتضي الفساد (قاله) الإمام (أحمد (١)) هكذا في "المبدع" و"الإنصاف" وغيرهما.

стр. 3221

فقوله: (وكذلك كل ما كان في معنى ذلك، مثل أن يقول): بعتُك داري بكذا (على أن تزوِّجَني ابنتك، أو على أن أزوِّجَك ابنتي. وكذا على أن تنفق على عبدي أو دابتي، أو على حصتي من ذلك (١)، قرضًا أو مجانًا) مقيسٌ على كلام أحمد، وليس هو بقوله. قال ابن مسعود: "صفقتان في صفقةٍ رِبًا" (٢). ولأنه شَرَطَ عقدًا في آخر؛ فلم يصح كنكاح الشغار. النوع (الثاني) من الشروط الفاسدة: (شَرَط في العقد ما ينافي مُقتضاه، نحو أن يَشترط أن لا خسارةَ عليه، أو) شَرَط أنه (متى نَفَق المبيع، وإلا ردَّه، أو) يشترط البائع على المشتري (أن لا يبيعَ) المبيع (ولا يَهَبه، ولا يَعتِقَه) أي: لا يفعل واحدًا من هذه؛ فالواو بمعنى "أو". (أو) شَرَط البائع (إن أعتق) المشتري المبيع (فالولاءُ له) أي: للبائع (أو يَشترط) البائع على المشتري (أن يفعل ذلك، أو وقف المبيع، فهذا) الشرط (لا يُبطلُ البيع) لحديث عائشة قالت: "جاءتنِي بَريرة فقالت: كاتبتُ أهلي على تسع أواقٍ، في كلِّ عام أوقية، فأعينيني، فقلتُ: إن أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم، ويكون ولاؤكِ لي، فعلتُ،

стр. 3222

فذهبت بريرةُ إلى أهلها، فقالت لهم، فأبوا (١) عليها، فجاءت من عندهم، ورسول الله ﷺ جالسٌ، فقالت: إني عرضتُ ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون لهمُ الولاء، فسمع النبيُّ ﷺ ، فأخبرت عائشةُ النبيَّ ﷺ فقال: خُذِيها واشترطي لهمُ الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشةُ، ثم قام النبيُّ ﷺ في الناسِ، فحَمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعدُ، ما بالُ رجال يشترطونَ شروطًا ليست في كتاب اللهِ؟ ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله، فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرطٍ، قضاءُ الله أحقُّ، ودينُ الله (٢) أوثقُ، وإنما الولاءُ لمن أعتقَ" متفق عليه (٣). فأبطل الشرط ولم يبطل العقد. وقوله ﷺ : "واشترطي لهم الولاءَ" لا يصح حمله على: "واشترطي عليهم الولاء" (٤)، بدليل أمرها به، ولا يأمرها بفاسد؛ لأن

стр. 3223

الولاء لها بإعتاقها، فلا حاجة إلى اشتراطه؛ ولأنهم أبوا البيع إلا أن تشترط لهم الولاء، فكيف يأمرها بما علم أنهم لا يقبلونه؟ وأما أمرها بذلك، فليس بأمر على الحقيقة، وإنما هو صيغة أمر بمعنى التسوية؛ كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (١) التقدير: اشترطي لهم الولاء أو لا تشترطي، ولهذا قال عَقِبه: "فإنما الولاءُ لمن أعتق". (والشرطُ باطل في نفسه) لما تقدم (إلا العتقَ؛ فيصحُّ) أن يشترطه البائع على المشتري؛ لحديث بَريرة. (ويُجبر) المشتري (عليه) أي: على العتق (إن أباه؛ لأنه حقٌّ لله تعالى كالنَّذر، فإن امتنع) المشتري من عِتقه (أعتقه حاكمٌ عليه) لأنه عِتق مستحقٌّ عليه، لكونه قُربة التزمها كالنذر، وكما يُطَلِّقُ على المُولي. وإن باعه المشتري بشرط العِتق لم يصحَّ، صحَّحهْ الأزجيُّ في "نهايته"؛ لأنه يتسلسل؛ ولأن تعلُّق حق العتق الواجب عليه يمنع الصحة، كما لو نذر عِتق عبد؛ فإنه لا يصح بيعه، ووافقه ابن رجب في "قواعده" (٢) إن قلنا: الحق في العتق لله كالمنذور عتقه، وهذا هو الذي جزم به المصنف. (وإن شَرَط رهنًا فاسدًا، كخمر، ونحوه) كخنزير، لم يصحَّ الشرط (أو) شَرَط (خيارًا، أو أجلًا مجهولين) بأن باعه بشرط الخيار، وأطلق، أو إلى الحصاد ونحوه، أو بثمن مؤجَّلٍ إلى الحصاد ونحوه، لم يصحَّ الشرط. (أو) شَرَط (تأخير تسليم مبيع بلا انتفاع) به (لَغَا الشرط) -لما

стр. 3224

تقدم - (وصحَّ البيع) كما تقدم. (ويأتي الرهن في بابه. وللذي فات غرضُه) بفساد الشرط من بائع ومشترٍ (في الكلِّ) أي: كل ما تقدم من الشروط الفاسدة، سواء (عَلِم بفساد الشرط أو لا الفسخُ) أي: فسخ البيع؛ لأنه لم يسلم له ما دخل عليه من الشرط (أو أرْشُ ما نَقَصَ من الثمن بإلغائه) أي: بإلغاء الشرط (إن كان) المشترطُ (بائعًا). فإذا باعه بأنقص من ثمنه، وشرط شرطًا فاسدًا، فله الخيار بين الفسخ وبين أخْذِ أرْشِ النقص؛ لأنه إنما باع بنقص لما يحصُل له من الغرض الذي اشترطه، فإذا لم يحصُل غرضه رجع بالنقص. (أو ما زاد إن كان مُشتريًا) يعني: إذا اشترى بزيادة على الثمن، وشرط شرطًا فاسدًا؛ فله الخيار بين الفسخ وأخْذِ ما زاد لما تقدم. النوع (الثالث) من الشروط الفاسدة: (أن يَشترط) البائع (شرطًا يُعلِّق البيعَ عليه؛ كقوله: بعتُك إن جئتني بكذا، أو) بعتك (إن رضي فلانٌ) وكذا تعليق الشراء، كقبلت إن جاء زيد ونحوه، فلا يصح البيع؛ لأن مقتضى البيع نَقل الملك حال التبايع، والشرط هنا يمنعه. (أو يقول) الراهن (للمرتَهِنْ إن جئتُك بحقِّك في مَحِله) بكسر الحاء، أي: أجله (وإلا فالرَّهنُ لك مبيعًا بما لَكَ) من الدَّين (فلا يصحُّ البيع) لقوله ﷺ : "لا يَغلق الرهنُ من صاحبهِ" رواه الأثرم (١)، وفسَّره

стр. 3225

أحمد بذلك (١). (إلا: بِعْتُ) إن شاء الله (أو قبلتُ إن شاء الله فيصح) كما تقدم. (وإلا بيع العُربون وإجارتَه، فيصح) لما روى نافع بن عبد الحارث، أنهُ اشترى لعمرَ دارَ السجنِ من صفوانَ، فإن رضي عمرُ، وإلا، له كذا وكذا (٢). ذكره في "المبدع".
следующие страницы →