مسافرًا، مادام الشك. لأن المسح رخصة جوزت بشرط، فإذا لم يتحقق بقاء شرطها رجع إلى الأصل. (فلو خالف وفعل) أي: مسح مع الشك في بقاء المدة (فبان بقاؤها صح وضوؤه) ولا يصلي به قبل أن يتبين له بقاؤها، فإن صلى مع الشك أعاد.
(ومن أحدث) في الحضر (ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر)؛ لأنه ابتدأ المسح مسافرًا.
(ولا يصح المسح إلا على ما يستر محل الفرض)، وهو القدم كله، وإلا فحكم ما استتر المسح، وما ظهر الغسل. ولا سبيل إلى الجمع بينهما. فوجب الغسل؛ لأنه الأصل.
(و) من شرط المسح على الخف أيضًا: أن (يثبت بنفسه) إذ الرخصة وردت في الخف المعتاد، وما لا يثبت بنفسه ليس في معناه. فلا يصح المسح على ما يسقط لفوات شرطه.
(أو) أن يثبت (بنعلين فـ) ــلو ثبت الجوربان بالنعلين فإنه (يصح) المسح عليهما ما (١) سبق من المدة (إلى خلعهما).
ويجب أن يمسح على الجوربين، وسيور النعلين قدر الواجب، قاله القاضي، وقدمه في "الرعاية الكبرى". قال في "الصغرى" و"الحاويين": مسحهما، وقيل: يجزئ مسح الجورب وحده. وقيل: أو النعل. قال المجد في شرحه، وابن عبيدان، وصاحب "مجمع البحرين": ظاهر كلام أحمد إجزاء المسح على أحدهما قدر الواجب، قلت: ينبغي أن يكون هذا المذهب. قاله في "الإنصاف".
و (لا) يصح المسح على خف يثبت (بشده) فقط (نصًا) لما تقدم.
стр. 317
(ولو ثبت) الخف ونحوه (بنفسه لكن يبدو بعضه لولا شده أو شرجه) بالشين المعجمة والجيم بأن يكون له عرى (كالزربول الذي له ساق)، فيدخل بعضها في بعض، فيستتر بذلك محل الفرض (ونحوه. صح المسح عليه)؛ لأنه خف ساتر يمكن متابعة المشي فيه. أشبه غير ذي الشرج.
(ومن شرطه) أي: المسح على الخف ونحوه (أيضًا إباحته)؛ لأن المسح رخصة، فلا تستباح بالمعصية. (فلا يصح) المسح (على) خف (مغصوب، و) لا (حرير، ولو في ضرورة، كمن هو في بلد ثلج، وخاف سقوط أصابعه) بخلع الخف المغصوب أو الحرير. فلا يستبيح المسح عليه؛ لأنه منهي عنه في الأصل. وهذا ضرورة نادرة.
(فإن صلى) وقد مسح عليه إذن (أعاد الطهارة والصلاة) لبطلانهما.
(ويصح) المسح (على) خف، ونحوه (حرير لأنثى فقط) دون خنثى وذكر. لإباحته لها دونهما ولو صغيرين.
(ويشترط أيضًا) في مسح الخفين ونحوهما (إمكان المشي فيه) أي: الممسوح من خف ونحوه (عرفًا. ولو لم يكن معتادًا. فدخل في ذلك الجلود واللبود والخشب والزجاج والحديد ونحوها)؛ لأنه خف ساتر يمكن المشي فيه. أشبه الجلود.
(و) يشترط أيضًا (طهارة عينه) لأن نجس العين منهي عنه؛ (فلا يصح) المسح (على نجس ولو في ضرورة) لما تقدم في الحرير (فيتيمم معها) أي: الضرورة (للرجلين) أي: بدلًا عن غسلهما. وكذا لو كان النجس عمامة أو جبيرة وتضرر بنزعها يتيمم لما تحتها. قال في "المنتهى": ويتيمم معها لمستور.
(ولا يمسح) على النجس، (ويعيد) ما صلى به؛ لأنه حامل للنجاسة.
стр. 318
(ولو مسح على خف طاهر العين لكن بباطنه أو قدمه نجاسة لا يمكن إزالتها إلا بنزعه جاز المسح عليه) لوجود شرطه. (ويستبيح بذلك مس المصحف و) يستبيح (الصلاة إذا لم يجد ما يزيل) به (النجاسة (١) وغير ذلك) كالطواف، بخلاف الوضوء قبل الاستنجاء. وفرق المجد بينهما بأن نجاسة المحل هناك لما أوجبت الطهارتين جعلت إحداهما تابعة للأخرى. وهذا معدوم هنا.
(ويشترط) في الخف ونحوه أيضًا (أن لا يصف القدم لصفائه كالزجاج الرقيق) لأنه غير ساتر لمحل الفرض، وكذا ما يصف البشرة لخفته لا يصح المسح عليه. (فإن كان فيه) أي: في الخف ونحوه (خرق أو غيره يبدو منه بعض القدم، ولو من موضع الخرز، لم يمسح عليه)؛ لعدم ستره محل الفرض. (فإن انضم الخرق ونحوه بلبسه جاز المسح) لحصول الشرط وهو ستر محل الفرض.
ويشترط أيضًا أن لا يكون واسعًا يرى منه محل الفرض.
(وإن لبس خفًا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر، وكانا) أي: الخفان (صحيحين مسح أيهما شاء) فـ (ــإن شاء) مسح (الفوقاني) لأنه خف ساتر ثبت بنفسه، أشبه المنفرد، (وإن شاء) مسح (التحتاني، بأن يدخل يده من تحت الفوقاني فيمسح عليه) أي: على التحتاني. لأن كل واحد منهما محل للمسح فجاز المسح عليه. كما يجوز غسل قدميه في الخف، مع جواز المسح عليه.
(ولو لبس أحد الجرموقين في إحدى الرجلين) فوق خفها (دون) الرجل
стр. 319
(الأخرى) فلم يلبس فيها جوربًا، بل الخف فقط (جاز المسح عليه) أي: على الجورب الذي لبسه فوق الخف (وعلى الخف الذي في الرجل الأخرى) لأن الحكم تعلق به وبالخف الذي في الرجل الأخرى، فهو كما لو لم يكن تحته شيء.
(فإن كان أحدهما) أي: الخفين اللذين لبس أحدهما فوق الآخر (صحيحًا) والآخر مفتقًا (جاز المسح على الفوقاني) لأنهما كخف واحد، وكذا إن لبس على صحيح مخرقًا، نص عليه، قاله في "المبدع".
(ولا يجوز) المسح (على) الخف (التحتاني) إذا كان أحد الخفين صحيحًا والآخر مفتقًا (إلا أن يكون) التحتاني (هو الصحيح) فيصح المسح عليه، لأنه ساتر بنفسه. أشبه ما لو انفرد، بخلاف ما إذا كان الفوقاني هو الصحيح فلا يصح المسح إذن على التحتاني لأنه غير ساتر بنفسه. قال في "الإنصاف": وكل من الخف الفوقاني والتحتاني بدل مستقل من الغسل على الصحيح (١).
(وإن كانا) أي: الخفان (مخرقين) ولبس أحدهما فوق الآخر (وسترا) محل الفرض (لم يجز المسح) عليهما ولا على أحدهما؛ لأن كل واحد منهما غير صالح للمسح على انفراده. كما لو لبس مخرقًا فوق لفافة.
(وإن نزع الفوقاني قبل مسحه لم يؤثر) كما لو انفرد.
(وإن) توضأ ولبس خفًا ثم (أحدث ثم لبس) الخف (الآخر) لم يجز المسح عليه؛ لأنه لبسه على غير طهارة، بل على الأسفل.
(أو مسح) الخف (الأول) بعد حدثه (ثم لبس) الخف (الثاني) ولو على طهارة (لم يجز المسح عليه) أي: على الثاني؛ لأن الخف الممسوح بدل عن
стр. 320
غسل ما تحته. والبدل لا يكون له بدل آخر (بل على الأسفل)؛ لأن الرخصة تعلقت به.
(وإن) لبس خفًا على آخر قبل الحدث ومسح الأعلى، ثم (نزع الممسوح الأعلى لزمه نزع التحتاني) وإعادة الوضوء؛ لأنه محل المسح، ونزعه كنزعهما. والرخصة تعلقت بهما، فصار كانكشاف القدم.
(وقشط ظهارة الخف) - بكسر الظاء المشالة: ضد البطانة - (بعد المسح عليه لا يؤثر) في الوضوء؛ لبقاء ستر محل الفرض.
(ويمسح) خفًا (صحيحًا) لبسه على طهارة (على لفافة)؛ لأنه خف ساتر لمحل الفرض. أشبه ما لو انفرد.
و (لا) يمسح خفًا (مخرقًا) لبسه (عليها) أي: على لفافة، لأنه لا يستر محل الفرض، كما لو انفرد.
(ولا) يمسح (لفائف وحدها) وهي خرق تشد على الرجل، تحتها نعل أو لا، ولو مع مشقة في الأصح. قاله في "الفروع".
(ويجب مسح أكثر أعلى خف ونحوه) كجورب وجرموق. قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب. ولا يسن استيعابه (مرة)، فلا يجب تكراره، بل ولا يسن (دون أسفله) أي: الخف (وعقبه، فلا يجزئ مسحهما) عن مسح ظاهره. (بل ولا يسن) مسحهما مع مسح ظاهره لقول علي: "لو كانَ الدينُ بالرأي لكان أسفلُ الخفِّ أولى بالمسحِ من أعلاهُ. وقد رأيتُ النبيَّ ﷺ يمسَحُ على ظاهِرِ خُفّيْهِ" رواه أحمد وأبو داود (١). قال الحافظ
стр. 321
عبد الغني: إسناد صحيح. فبين أن الرأي وإن اقتضى مسح أسفله، إلا أن السنة أحق أن تتبع؛ لأن أسفله مظنة ملاقاة النجاسة وكثرة الوسخ، فمسحه يفضي إلى تلوث اليد من غير فائدة.
وما ورد أنه ﵇ "مسحَ أعلى الخفِّ وأسفله" فرواه أحمد (١)، وقال: من وجه ضعيف، والترمذي وقال: معلول. وقال: سألت أبا زرعة ومحمدًا - أي: البخاري - عن هذا الحديث، فقالا: ليس بصحيح.
(وتكره الزيادة عليها) أي: على المرة في مسح الخف؛ لأنه يفسده.
(فيضع يديه مفرجتي الأصابع على أطراف أصابع رجليه، ثم يمرهما على مشطي قدميه إلى ساقيه) هذا (٢) صفة المسح المسنون، قاله ابن عقيل
стр. 322
وغيره، لما روى البيهقي في "سننه" عن المغيرة بن شعبة أن النَّبيَّ ﷺ "مسحَ عَلى خُفّيهِ، وَضَعَ يدَهُ اليمنَى على خُفِّه الأيمنِ، ويدَهُ اليسرَى على خُفِّه الأيسَرِ، ثم مسح إلى أعلاهُ مَسْحةً واحدةً" (١).
(فإن بدأ) في المسح (من ساقه إلى أصابعه أجزأه). قال أحمد: كيفما فعلت فهو جائز.
(ويسن مسح) الرجل (اليمنى بـ) - اليد (اليمنى و) الرجل (اليسرى بـ) - اليد (اليسرى) لحديث المغيرة السابق.
(وفي التلخيص والترغيب: يسن تقديم اليمنى) وحكاه في "المبدع" عن "البلغة"، وقال: حديث المغيرة السابق ليس فيه: تقدم (٢).
(وحكم مسحه بأصبع، أو إصبعين إذا كرر المسح بها) أي: بما ذكر من الأصبع أو الأصبعين (حتى يصير المسح) بها (مثل المسح بأصابعه) حكم مسح الرأس في الإجزاء.
(أو) أي: وحكم المسح (بحائل كخرقة ونحوها) كخشبة حكم مسح الرأس في الإجزاء (و) حكم (غسله حكم مسح الرأس على ما تقدم) فيجزئ إن مسحه مع ذلك، وإلا فلا.
(ويكره غسله) أي: الخف لأنه يفسده.
(ويصح) أي: يجب (مسح دوائر أكثر عمامة)، أما صحة المسح على العمامة فلما تقدم، وأما كون الواجب مسح أكثرها، فلأنها ممسوحة على وجه البدل، فأجزأ فيها ذلك كالخف، واختص ذلك بأكوارها وهي دوائرها (دون
стр. 323
وسطها) لأنه يشبه أسفل الخف.
وإنما يصح المسح على العمامة (إذا كانت مباحة) بأن لا تكون محرمة، كمغصوبة، أو حرير، لما تقدم في الخف.
وأن تكون (محنكة) وهى التي يدار منها تحت الحنك كور - بفتح الكاف - أو كوران سواء كان لها ذؤابة أو لا، لأنها عمامة العرب، ويشق نزعها، وهي أكثر سترًا.
(أو) تكون (ذات ذؤابة) بضم المعجمة وبعدها همزة مفتوحة - وهي طرف العمامة المرخى، وأصلها الناصية أو منبتها من الرأس، وشعر في أعلى ناصية الفرس، لأن إرخاء الذؤابة من السنة، قال أحمد في رواية الأثرم وإبراهيم بن الحارث: ينبغي أن يرخي خلفه من عمامته، كما جاء عن ابن عمر أنه كان يعتم ويرخيها بين كتفيه (١)، وعن ابن عمر قال: "عمم النَّبيُّ عبدَ الرحمن بعمامة سوداءَ وأرْخَاهَا من خَلْفِهِ قدرَ أربَعِ أصابع" (٢).
стр. 324
ولأنها لا تشبه عمائم أهل الذمة.
(كبيرة كانت العمامة أو صغيرة) وأن تكون (لذكر) كبير أو صغير (لا أنثى) كبيرة أو صغيرة؛ لأنها منهية عن التشبه بالرجال، فلا تمسح أنثى على عمامة (ولو لبستها لضرورة برد وغيره) وكذا خنثى.
ويصح مسح الذكر على العمامة غير الصماء (بشرط سترها لما لم تجر العادة بكشفه) كمقدم الرأس، والأذنين، وجوانب الرأس، فإنه يعفى عنه، بخلاف خرق الخف ونحوه؛ لأن هذا مما جرت العادة به، ويشق التحرز منه.
(ولا يجب أن يمسح معها) أي: العمامة (ما جرت العادة بكشفه)؛ لأن العمامة نابت عن الرأس، فانتقل الفرض إليها وتعلق الحكم بها، وفي نسخ (بل يسن) نص عليه، لأن النبي ﷺ "مسحَ بِناصِيَتِهِ" في حديث المغيرة (١)، وهو صحيح، قاله في الشرح.
وعلم مما سبق أنه لا يجوز المسح على العمامة الصماء، لأنها لم تكن عمة المسلمين ولا يشق نزعها، أشبهت الطاقية. وروي أن النبي ﷺ "أمر بالتّلحِّي ونهَى عن الاقْتِعَاطِ" رواه أبو عبيد (٢)، والاقتعاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء. قال عبد الله: كان أبي يكره أن يعتم الرجل بالعمامة ولا يجعلها تحت حنكه. وقد روي عنه أنه كرهه كراهة شديدة، وقال: إنما يعتم مثل هذا اليهود والنصارى. قال الشيخ تقي الدين (٣): والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم، ومثل هذا لا يمنع الترخص، كسفر النزهة، كذا قال. قاله
стр. 325
في "الفروع"، وقال: ولعل ظاهر مَنْ جوز المسح إباحة لبسها، وهو متجه لأنه فعل أبناء المهاجرين والأنصار، وتحمل كراهة السلف على الحاجة لذلك، لجهاد أو غيره، واختاره شيخنا، أو على ترك الأولى، وحمله صاحب "المحرر" على غير ذات ذؤابة.
(ويجب مسح جميع جبيرة)؛ لأنه لا ضرر في تعميمها به، بخلاف الخف، فإنه يشق تعميم جميعه، ويتلفه المسح. (لم تجاوز) الجبيرة (قدر الحاجة) بشدها، لأنه موضع حاجة، فتقيد بقدرها، وموضع الحاجة هو موضع الكسر ونحوه وما لا بد من وضع الجبيرة عليه من الصحيح، لأنها لا بد أن توضع على طرفي الصحيح، ليرجع الكسر.
(ويجزئ) المسح على الجبيرة (من غير تيمم)؛ لأنه مسح على حائل فأجزأ من غير تيمم، كمسح الخف بل أولى. إذ صاحب الضرورة أحق بالتخفيف، والاستدلال بقصة صاحب الشجة (١) ضعف بأنه يحتمل أن الواو فيه بمعنى أو، ويحتمل أن التيمم فيه لشد العصابة فيه على غير طهارة.
(فإن تجاوزت) الجبيرة محل الحاجة (وجب نزعها) ليغسل ما يمكنه غسله من غير ضرر. (فإن خاف) من نزعها (تلفًا، أو ضررًا، تيمم لزائد) على قدر الحاجة، ومسح ما حاذى محل الحاجة، وغسل ما سوى ذلك، فيجمع إذن بين الغسل، والمسح، والتيمم.
(ويحرم الجبر بجبيرة نجسة، كجلد الميتة، والخرقة النجسة).
(و) يحرم الجبر (بمغصوب).
(والمسح على ذلك باطل، وكذا الصلاة فيه) ذكره ابن عقيل وغيره
стр. 326
(كالخف النجس، وكذلك الحرير لذكر) يحرم الجبر به، ولا يصح المسح عليه.
(ودواء، وعصابة) شد بها رأسه أو غيرها، (ولصوق على جرح أو وجع ولو قارا في شق) وتضرر بقلعه، (أو تألمت إصبعه، فألقمها مرارة كجبيرة) إذا وضعها على طهارة جاز المسح عليها، لأنها في معناها. وروى الأثرم بإسناده عن ابن عمر: أنه خرجت بإبهامه قرحة فألقمها مرارة وكان يتوضأ عليها (١).
قال في "الإنصاف": لو انقلع ظفره، أو كان بأصبعه جرح، أو فصاد وخاف إن أصابه الماء أن يزرق الجرح، أو وضع دواء على جرح، أو وجع ونحوه، جاز المسح عليه، نص عليه.
(ومتى ظهر بعض قدمه بعد الحدث وقبل انقضاء المدة) فحش أو لا (أو) ظهر بعض (رأسه، وفحش) ما ظهر (فيه) أي: في الرأس فقط: استأنف الطهارة لبطلان ما قبلها بذلك، لأن المسح أقيم مقام الغسل أو المسح (٢). فإذا زال المسح (٣) بطلت الطهارة في القدمين أو الرأس، فتبطل في جميعها لكونها لا تتبعض، وسواء فاتت الموالاة أو لم تفت.
وعلم أن انكشاف يسير من الرأس لا يضر، قال أحمد: إذا زالت عن رأسه فلا بأس به، ما لم يفحش، لأنه معتاد.
стр. 327
(أو انتقض بعض عمامته) قال القاضي: لو انتقض منها كور واحد بطلت، لأنه زال المسح (١) عليه. أشبه نزع الخف.
(أو انقطع دم مستحاضة، أو زال ضرر من به سلس البول، ونحوه) كالرعاف، بأن انقطع استأنف الطهارة وخلع؛ لأن الحكم بصحة طهارته إنما كان لوجود العذر. فإذا زال حكم ببطلانها على الأصل.
(أو انقضت مدة مسح) وهي اليوم والليلة، أو الثلاثة (ولو) كان الماسح (متطهرًا، أو في صلاة. أستأنف الطهارة، وبطلت الصلاة)؛ لأن طهارته مؤقتة، فبطلت بانتهاء وقتها، كخروج وقت الصلاة في حق المتيمم، ويعيد الوضوء، لا لوجوب الموالاة، بل لأن المسح يرفع الحدث، والحدث لا يتبعض. فإذا خلع عاد الحدث إلى العضو الذي مسح الحائل عنه، فيسري إلى بقية الأعضاء، فيستأنف الوضوء، وإن قرب الزمن. وقطع بهذه الطريق (٢) القاضي أبو الحسين، وصححه المجد في شرحه، وابن عبد القوي في "مجمع البحرين" وغيرهم. وقال أبو المعالي: إن هذا الصحيح من المذهب عند المحققين.
(وزوال جبيرة) ولو قبل برء الكسر أو الجرح، وبرؤها (كـ) ــخلع (خف) (٣) أن مسحها بدل عن غسل ما تحتها، إلا أنها إذا مسحت في الطهارة الكبرى، وزالت أجزأ غسل ما تحتها، لعدم وجوب الموالاة في الطهارة الكبرى
стр. 328
قاله في "شرح المنتهى" وغيره. وقد تقدم لك أن الصحيح عند المحققين أن المسألة ليست مبنية على وجوب الموالاة، بل على رفع المسح للحدث وعدم تبعضه. وإذن لا فرق بينهما.
(وخروج قدم) الماسح (أو بعضه إلى ساق خفٍّ كخلعه)؛ لأنه لا يمكن متابعة المشي فيه.
(ولا مدخل لحائل في طهارة كبرى) لحديث صفوان قال: "أمرنا رسولُ اللهِ ﷺ أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة" (١) (إلا الجبيرة)
стр. 329
لحديث جابر (١). لأن (٢) الضرر يلحق بنزعها بخلاف الخف.
(وامرأة كرجل في مسح) ما تقدم من الحوائل، لعموم الأدلة (غير العمامة) فيمسح عليها الذكر دون المرأة كما تقدم (٣).
стр. 330
باب نواقض الوضوء
وهي مفسداته
النواقض: جمع ناقضة أو ناقض، وقولهم "فاعل" لا يجمع على فواعل وصفًا، وشذ: فوارس وهوالك ونواكس، في فارس وهالك وناكس. خصه ابن مالك (١)، وطائفة، بما إذا كان وصفًا لعاقل. وما هنا ليس منه. يقال: نقضت الشيء إذا أفسدته. والنقض: حقيقة في البناء، واستعماله في المعاني مجاز كنقض الوضوء، ونقض العلة، وعلاقته الإبطال.
(وهي) أي: نواقض الوضوء (ثمانية) أنواع بالاستقراء.
أحدها: (الخارج من السبيلين إلى ما هو في حكم الظاهر، ويلحقه حكم التطهير) من الحدث والخبث، لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٢).
ولقوله ﷺ : "ولكنْ منْ غائطٍ وبولٍ" (٣) الحديث.
وقوله في المذي: "يغسلُ ذكرَهُ ويتوضَّأ" (٤).
وقوله: "لا ينصرفُ حتى يسمعَ صوتًا أو يجد ريحًا" (٥).
стр. 331
وقوله: "ويلحقه حكم التطهير" مخرج لباطن فرج الأنثى، إن قلنا: هو في حكم الظاهر، كان لا يلزم تطهيره للمشقة. وعطف تفسير، إن قلنا هو في حكم الباطن.
(إلا ممن حدثه دائم) فلا يبطل وضوؤه بالحدث الدائم للحرج والمشقة (قليلًا كان) الخارج (أو كثيرًا) لعموم ما تقدم. (نادرًا) كان (أو معتادًا).
أما المعتاد، كالبول، والغائط، والودي، والمذي، والريح، فلما تقدم.
وأما النادر، كالدم، والدود، والحصى، فلما روى عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش "أنها كانتْ تسْتَحَاضُ، فسألتْ النَّبيَّ ﷺ فقال: إذا كَانَ دم الحيض، فإنه أسودُ يعرفُ، فإذا كانَ كذلِك فأمْسِكِي عَنِ الصَّلاةِ، وإذا كان الآخرُ فتوضئي وصلي فإنَّمَا هوَ دمُ عِرْقٍ" رواه أبو داود والدارقطني (١)، وقال: إسناده كلهم ثقات. فأمرها بالوضوء ودمها غير معتاد، فيقاس عليه ما سواه.
(طاهرًا) كان الخارج، كولد بلا دم، (أو نجسًا) كالبول وغيره، فينقض الخارج من السبيلين (ولو) كان (ريحًا من قُبُلِ أنثى، أو) من (ذكر) لعموم قوله
стр. 332
- ﷺ : "لا وضُوءَ إلا مِنْ حَدثٍ أو ريحٍ" رواه الترمذي (١) وصححه من حديث أبي هريرة. وهو شامل للريح من القبل. وقال ابن عقيل: يحتمل أن يكون الأشبه بمذهبنا أن لا ينقض، لأن المثانة ليس لها منفذ إلى الجوف، ولم يجعلها أصحابنا جوفًا، فلم يبطلوا الصوم بالحقنة فيه.
قال في "المغني": ولا نعلم لهذا أي: خروج الريح من القبل - وجودًا ولا نعلم وجوده في حق أحد، وقد قيل: إنه يعلم وجوده بأن يحس الإنسان في ذكره دبيبًا. وهذا لا يصح، فإن هذا لا يحصل به اليقين، والطهارة لا تنقض بالشك، فإن قدر وجود ذلك يقينًا نقض الطهارة؛ لأنه خارج من السبيلين، فنقض قياسًا على سائر الخوارج.
(فلو احتمل) المتوضئ (في قبل أو دبر قطنًا، أو ميلًا، ثم خرج ولو بلا بلل) نقض، صححه في "مجمع البحرين"، ونصره. قال في "تصحيح الفروع": وهو الصواب. وخروجه بلا بلة نادر جدًا، فعلق الحكم على المظنة.
стр. 333
وقيل: لا ينقض إن خرج بلا بلل. قال في "تصحيح الفروع" و"الإنصاف" وهو ظاهر نقل عبد الله عن الإمام أحمد. ذكره القاضي في "المجرد"، وصححه ابن حمدان، وقدمه ابن رزين في "شرحه". زاد في "الإنصاف": وابن عبيدان انتهى. قال في "شرح المنتهى": وهو المذهب.
(أو قَطَّر في إحليله دهنًا) أو غيره من المائعات (ثم خرج) نقض؛ لأنه لا يخلو من بلة نجسة تصحبه.
(أو خرجت الحقنة من الفرج) نقضت.
(أو ظهر طرف مصران أو رأس دودة) نقض. قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب انتهى، وكلامه في "الفروع": أنه كخروج المقعدة؛ فعليه لا نقض بلا بلل.
(أو وطئ دون الفرج، فدب ماؤه فدخل فرجها) ثم خرج، نقض.
(أو استدخلته) أي: مني الرجل، (أو) استدخلت (مني امرأة أخرى، ثم خرج، نقض) الوضوء؛ لأنه خارج من السبيل، (ولم يجب عليها الغسل)؛ لأنه لم يخرج دفقًا بشهوة.
(فإن لم يخرج من الحقنة) شيء، (أو) لم يخرج من (المني شيء، لم ينقض) الوضوء. (لكن أن كان المحتقن) أو الحاقن (قد أدخل رأس الزراقة (١) ثم أخرجه نقض)؛ لأنه خارج من سبيل.
(ولو ظهرت مقعدته فعلم أن عليها بللًا) لو لم ينفصل (انتقض) وضوؤه بالبلل الذي عليها؛ لأنه خارج من سبيل، و (لا) ينتقض وضوؤه (إن جهل) أن عليها بللًا؛ لأنه لا نقض بالشك.
стр. 334
(أو صب دهنًا) أو غيره (في أذنه، فوصل إلى دماغه ثم خرج منها، أو) خرج (من فيه)؛ لأنه خارج طاهر من غير السبيل، أشبه البصاق.
(ولا ينقض يسير نجس خرج من أحد فرجي خنثى مشكل، غير بول، وغائط)؛ لأن الطهارة متيقنة، فلا تبطل مع الشك في شرط الناقض، وهو كونه من فرج أصلي. وأما إذا كان النجس كثيرًا، أو بولًا، أو غائطًا فإنه ينقض مطلقًا، وكذا اليسير إذا خرج منهما؛ لأن أحدهما أصل (١) ولا بد.
(الثاني) من النواقض: (خروج النجاسات من بقية البدن، فإن كانت) النجاسات (غائطًا، أو بولًا، نقض ولو قليلًا، من تحت المعدة أو فوقها، سواء كان السبيلان مفتوحين أو مسدودين) لما تقدم من عموم قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٢). وقوله ﷺ : "ولكن من غائطٍ وبولٍ" (٣). ولأن ذلك خارج معتاد، أشبه الخارج من المخرج.
(لكن لو انسد المخرج وفتح غيره فأحكام المخرج باقية) مطلقًا (وفي النهاية: إلا أن يكون سد خلقة، فسبيل الحديث المنفتح، والمسدود كعضو زائد من الخنثى انتهى).
(ولا يثبت للمنفتح أحكام المعتاد، فلا ينقض خروج ريح منه، ولا يجزئ الاستجمار فيه، وغير ذلك) كوجوب الغسل بالإيلاج فيه، وخروج المني منه؛ لأنه ليس بفرج.
(وإن كانت) النجاسات الخارجة من غير السبيلين (غير الغائط، والبول، كالقيء، والدم، والقيح) ودود الجرح (لم ينقض إلا كثيرها).
стр. 335
أما كون الكثير ينقض فلقوله ﵇ في حديث فاطمة: "إنه دمُ عرْقٍ فتوضئي لكلِّ صلاة" رواه الترمذي (١). ولأنها نجاسة خارجة من البدن، أشبهت الخارج من السبيل.
وأما كون القليل من ذلك لا ينقض، فلمفهوم قول ابن عباس في الدم: "إذا كان فاحشًا فعليهِ الإعادةُ" (٢).
قال أحمد (٣): عدة من الصحابة تكلموا فيه، ابن عمر عصر بثرة فخرج الدم فصلى ولم يتوضأ (٤)، وابن أبي أوفى عصر دملًا (٥)، وذكر غيرهما، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة. فكان إجماعًا.
(وهو) أي: الكثير (ما فحش في نفس كل أحد بحسبه) نص عليه. واحتج بقول ابن عباس: "الفاحشُ ما فحش في قلْبِكَ". قال الخلال (٦): إنه الذي استقر عليه قوله. قال في "الشرح": لأن اعتبار حال الإنسان بما يستفحشه غيره حرج، فيكون منفيًا. وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس.
стр. 336
(فلو مص علق أو قراد - لا ذباب وبعوض -). قال في حاشيته: صغار البق (دمًا كثيرًا نقض) الوضوء، وكذا لو استخرج كثيره بقطنة؛ لأن الفرق بين ما خرج بنفسه أو بمعالجة لا أثر له في نقض الوضوء وعدمه، بخلاف مص بعوض، وبق، وذباب، وقمل، وبراغيث؛ لقلته ومشقة الاحتراز منه.
(ولو شرب) إنسان (ماء) أو نحوه (وقذفه في الحال، فنجسٌ) ولو لم يتغير؛ لأن نجاسته بوصوله إلى الجوف لا باستحالته.
(وينقض كثيره) أي: كثير المقذوف في الحال، لما روى معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء "أن النَّبيَّ ﷺ قاءَ فتوضَّأ، قال: فلقيتُ ثوبانَ في مسجدِ دمشْق فقال: صَدَقَ، أنا سكبْتُ لهُ وَضُوءَهُ" رواه الترمذي (١). وقال: هذا أصح شيء في هذا الباب، قيل لأحمد: حديث ثوبان ثبت عندك؟ قال: نعم.
стр. 337
(ولا ينقض بلغم معدة، وصدر، ورأس، لطهارته) كالبصاق، والنخامة لأنها تخلق من البدن.
(ولا) ينقض أيضًا (جشاء نصًا) وهو القلس - بالتحريك، وقيل: بسكون اللام - ما خرج من الجوف ملء الفم أو دونه. وليس بقيء، لكنه حكمه في النجاسة، فإن عاد فهو قيء.
(الثالث) من النواقض: (زوال العقل) كحدوث جنون، أو بِرْسام كثيرًا كان أو قليلًا، (أو تغطيته) بإغماء، أو سكر قليل، أو كثير. قال في "المبدع": إجماعًا على كل الأحوال؛ لأن هؤلاء لا يشعرون بحال، بخلاف النائم. (ولو) كانت تغطيته (بنوم، قال أبو الخطاب) محفوظ (وغيره: ولو تلجم فلم يخرج منه شيء) إلحاقًا بالغالب؛ لأن الحس يذهب معه.
ولعموم حديث علي: "العين وكاء السَّه فمنْ نامَ فَلْيَتَوَضَّأ" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (١).
وعن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : "العين وكاءُ السَّه، فإذا نامَتْ
стр. 338
العَينانِ اسْتَطْلَقَ الوكاء" رواه أحمد والدارقطني (١). و"السه" اسم لحلقة الدبر.
ولأن النوم ونحوه مظنة الحديث، فأقيم مقامه.
والنوم رحمة من الله على عبده ليستريح بدنه عند تعبه، وهو غشية ثقيلة تقع على القلب تمنع المعرفة بالأشياء.
(إلا نوم النبيِّ ﷺ ولو كثيرًا على أي حال كان)؛ فإنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، كما يأتي في خصائصه.
(و) إلا النوم (اليسير عرفًا من جالس، وقائم) لقول أنس: "كان أصحابُ النَّبيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَ العِشَاءَ الآخرَةَ حتى تخفقَ رُؤوسُهم، ثم يُصَلُّون ولا يتَوضَّئُونَ" رواه أبو داود بإسناد صحيح (٢).
ولقول ابن عباس في قصة تهجده ﷺ "فجعلتُ إذا غفيتُ يأخذُ بشحمةِ أذني" رواه مسلم (٣).
стр. 339
ولأن الجالس والقائم يشتبهان في الانحفاظ واجتماع المخرج، وربما كان القائم أبعد من الحدث، لكونه لو (١) استثقل في النوم سقط.
(فإن شك في الكثير) أي: نام وشك هل نومه كثير أو يسير، (لم يلتفت إليه) لتيقنه الطهارة، وشكه في نقضها.
(وإن رأى) في نومه (رؤيا فهو كثير) نص عليه. قال الزركشي: لا بد في النوم الناقض من الغلبة على العقل، فمن سمع كلام غيره وفهمه فليس بنائم، فإن سمعه ولم يفهمه فيسير.
قال: وإذا سقط الساجد عن هيئته، أو القائم عن قيامه ونحو ذلك بطلت طهارته؛ لأن أهل العرف يعدون ذلك كثيرًا.
(وإن خطر بباله شيء لا يدري أرؤيا، أو حديث نفس فلا وضوء عليه) لتيقنه الطهارة، وشكه في الحدث.
(وينقض) النوم (اليسير من راكع، وساجد) كمضطجع، وقياسها على الجالس مردود بأن محل الحدث فيهما منفتح، بخلاف الجالس.
(و) ينقض اليسير أيضًا من (مستند، ومتكئ، ومحتب، كمضطجع) بجامع الاعتماد.
(الرابع) من نواقض الوضوء: (مس ذكر آدمي إلى أصول الأنثيين مطلقًا) أي: سواء كان الماس ذكرًا، أو أنثى، بشهوة، أو غيرها، ذكره، أو ذكر غيره، لحديث بسرة بنت صفوان أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من مَسَّ ذكرَهُ فليَتَوضَّأ" رواه مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم (٢)، وصححه
стр. 340
أحمد (١)، وابن معين (٢). قال البخاري (٣): أصح شيء في هذا الباب حديث بسرة.
وعن أم حبيبة معناه. رواه ابن ماجه والأثرم (٤)، وصححه أحمد، وأبو زرعة.
وعن أبي هريرة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا أفْضَى أحدُكُمْ بيدِهِ إلى ذكره فقدْ
стр. 341
وجبَ عليهِ الوضُوءُ" رواه الشافعي، وأحمد (١). وفي رواية له: "وليس دونهُ سترٌ" (٢).
وقد روي ذلك عن بضعة عشر صحابيًا، وهذا لا يدرك بالقياس، فعلم أنهم قالوه عن توقيف.
وما روى قيس بن طلق عن أبيه أن النَّبيَّ ﷺ "سُئِلَ عنِ الرجلِ يمسُ ذكرهُ وهوَ في الصَّلاةِ هلْ عليهِ وضوءٌ؟ قال: لا. إنَّما هو بضعةٌ منك" رواه الخمسة (٣)
стр. 342
ولفظه لأحمد، وصححه الطحاوي (١) وغيره وضعفه الشافعي (٢) وأحمد (٣). قال أبو زرعة وأبو حاتم (٤): قيس لا تقوم بروايته حجة، ولو سلم (٥) فهو منسوخ لأن طلق بن علي قدم على النبي ﷺ وهو يؤسس في المسجد. رواه الدارقطني (٦).
стр. 343
وفي رواية أبي داود (١) قال: "قدمنَا على النبيِّ ﷺ فجاءَهُ رَجلٌ كأنَّه بدويٌّ فسألَهُ - الحديث" ولا شك أن التأسيس كان في السنة الأولى من الهجرة، وإسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة، وبسرة في الثامنة عام الفتح، وهذا وإن لم يكن نصًا في النسخ فهو ظاهر فيه.
قال في "المبدع": وقد روى الطبراني بإسناده وصححه عن قيس عن أبيه عن النَّبيِّ ﷺ قال: "من مَسَّ ذكَرَهُ فليتَوضَّأ" (٢) قال: "ويشبه أن يكون طلق سمع الناسخ والمنسوخ". وفي تصحيحه نظر، فإنه من رواية حماد بن محمد الحنفي، وأيوب بن عتبة وهما ضعيفان.
(بيده) فلا ينقض المس بغيرها، لحديث أبي هريرة السابق.
وسواء كان المس (ببطن كفه، أو بظهره، أو بحرفه) للعموم. فالمراد باليد: من رؤوس الأصابع إلي الكوع، كالسرقة (٣).
(غير ظفر) فلا ينقض المس به؛ لأنه في حكم المنفصل.
(من غير حائل) لما تقدم من قوله ﷺ : "وليسَ دونَه سِترٌ" (٤) فإن مسه من وراء حائل لم ينقض؛ لأنه إنما مس الحائل. (ولو) كان المس (بزائد) أي: لا فرق في نقض الوضوء إذا مس ذكرًا بيده بين أن تكون اليد أصلية أو زائدة للعموم.
(وينقض مسه) أي: الذكر (بفرج غير ذكر) فينقض مس الذكر بقبل
стр. 344
أنثى، أو دبر مطلقًا بلا حائل؛ لأنه أفحش من مسه باليد.
ولا ينقض مس ذكر بذكر، ولا قبل بقبل، أو دبر وعكسه.
(ولا ينتقض وضوء ملموس ذكره أو) ملموس (فرجه) أي: قبله (أو) ملموس (دبره) لأنه ﷺ فيما تقدم أمر الماس بالوضوء ولو انتقض وضوء الملموس لأمره أيضًا به.
(ولا) ينقض (مس) ذكر (بائن) أي: مقطوع لذهاب حرمته.
(و) لا ينقض أيضًا مس (محله) أي: محل الذكر المقطوع من أصول الأنثيين، كسائر البدن، لأنه لم يمس ذكرًا.
(و) لا ينقض أيضًا مس (قلفة) بضم القاف وسكون اللام، وقد تحرك، وهي الجلدة التي تقطع في الختان، بعد قطعها لزوال الاسم والحرمة، وأما قبل قطعها فينقض مسها كالحشفة، لأنها من الذكر.
(و) لا ينقض مس (فرج امرأة بائنين) أي: القلفة، وفرج المرأة لما تقدم.
(ولا) ينقض (مس غير فرج، كالمنفتح فوق المعدة أو تحتها) مسدودًا كان الأصلي، أو منفتحًا بأصل الخلقة أو لا، لأنه عضو زائد لا يثبت له حكم المعتاد.
(ولا) ينقض (مسه) أي: الذكر (بغير يد) كالذراع (غير ما تقدم) من مس الذكر بفرج غيره فإنه ينقض.
(ولا) ينقض (مس) ذكر (زائد) لأنه ليس فرجًا.
(فإن لمس) رجل أو امرأة أو خنثى (قُبل خنثى مشكل وذكره، ولو كان هو) أي: الخنثى (اللامس) لقبل نفسه وذكره (نقض) الوضوء؛ لأن لمس الفرج متيقن، لأن الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمس ذكره، وإن كان أنثى فقد لمس فرجها.
стр. 345
و (لا) ينقض الوضوء إن لمس (أحدهما) أي: ذكر الخنثى، أو قبله، لاحتمال أن يكون غير فرج. فلا ينقض (١) الوضوء مع قيام الاحتمال (إلا أن يمس الرجل ذكره) أي: الخنثى. (بشهوة) فإنه ينتقض وضوء اللامس؛ لأن الخنثى إن كان ذكرًا فقد مس ذكرًا أصليًا، وإن كان أنثى فقد مس الرجل امرأة بشهوة. (أو) تمس (المرأة فرجه) أي: الخنثى (بها) أي: بشهوة فينتقض وضوؤها؛ لأن الخنثى إن كان امرأة فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان ذكرًا فقد لمسته بشهوة.
(وينقض (١) مس حلقة دبر منه) أي: من الماس، بأن مس حلقة دبر نفسه (أو من غيره) بأن مس حلقة دبر غيره؛ ذكرًا كان أو أنثى.
(و) ينقض أيضًا (مس امرأة فرجها الذي بين شفريها) وهما حافتا الفرج (وهو) أي: فرجها (مخرج بول، ومني، وحيض) لقوله ﷺ : "من مسَّ فرجَهُ فليَتَوضَّأ" رواه ابن ماجه، وغيره (٢).
والفرج: اسم جنس مضاف، فيعم، ولقوله ﷺ : "أيما امرأة مسَّتْ فرجَهَا فلتَتَوضَّأ" رواه أحمد (٣) من حديث عمرو بن شعيب، وإسناده جيد إليه. وكالذكر.
стр. 346
و (لا) ينقض مس امرأة (شفريها وهما أَسْكتاها)؛ لأن الفرج هو مخرج الحدث وهو ما بينهما دونهما.
(وينقض مس) امرأة (فرج امرأة أخرى).
(و) ينقض (مس رجل فرجها).
(و) ينقض (مسها ذكره، ولو من غير شهوة)؛ لأنه إذا انتقض وضوء الإنسان بمس فرجه نفسه مع كون الحاجة تدعو إلى مسه، وهو جائز. فلأن ينتقض بمس فرج غيره، مع كونه معصية أولى.
(الخامس) من النواقض (مس بشرته) أي: الذكر (بشرة أنثى) لشهوة، لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١). وأما كون اللمس لا ينقض إلا إذا كان لشهوة، فللجمع بين الآية والأخبار؛ لأنه روي عن عائشة قالت: "فقدتُ النَّبيَّ ﷺ ليلةً منَ الفِراشِ فالتمسْتُهُ، فوقَعَتْ يدِي على بَطْنِ قدَمِهِ وهو في المَسْجِدِ وهُما منْصُوبَتَانِ" رواه مسلم (٢). ونصبهما دليل على أنه كان يصلي.
وروي عنها - أيضًا - قالت: "كنتُ أنامُ بينَ يدي النَّبيِّ ﷺ ورجْلَايَ في قبْلَتِه؛ فإذا سَجَد غَمَزني فقبضْتُ رجْلي" متفق عليه (٣).
والظاهر أن غمزه رجليها كان من غير حائل. ولأن النَّبيَّ ﷺ "صلَّى وهُو حَاملٌ أمامةَ بنتَ أبي العاصِ بنِ الربيعِ، إذا سَجَدَ وضَعَها، وإذا قَامَ حَمَلها" متفق عليه (٤).
стр. 347
والظاهر أنه يسلم من مسها، ولأن المس ليس بحدث في نفسه، وإنما هو داع إلى الحدث، فاعتبرت الحالة التي يدعو فيها إلى الحدث، وهي حالة الشهوة.
(ومس بشرتها بشرته لشهوة)؛ لأنها ملامسة تنقض الوضوء فاستوى فيها الذكر والأنثى، كالجماع.
سئل أحمد عن المرأة إذا مست زوجها؟ قال: ما سمعت فيها شيئًا، ولكن هي شقيقة الرجل، يعجبني أن تتوضَّأ (١).
"تنبيه" قوله: "لشهوة" هي عبارة "المقنع" وغيره. وعبارة "الوجيز": بشهوة. قال في "المبدع": وهي أحسن لتدل على المصاحبة والمقارنة.
(من غير حائل) لأنه مع الحائل لم يلمس بشرتها، أشبه ما لو لمس ثيابها لشهوة، والشهوة لا توجب الوضوء بمجردها، كما لو وجدت من غير لمس شيء.
(غير طفلة وطفل) أي: لا ينقض مس الرجل الطفلة، ولا المرأة الطفل. أي: من دون سبع.
وينقض اللمس بشهوة كما تقدم (ولو) كان اللمس (بزائد، أو لزائد، أو شلل) أي: ينقض المس لأشل، والمس به كغيره، وينقض اللمس أيضًا بشهوة (ولو كان الملموس ميتًا، أو عجوزًا، أو محرمًا، أو صغيرةً تُشتهى) وهي بنت سبع فأكثر لعموم: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٢) لا من دونها كما تقدم.
(ولا ينتقض وضوء ملموس بدنه، ولو وجد منه شهوة)؛ لأنه لا نص فيه، وقياسه على اللامس لا يصح لفرط شهوته.
стр. 348
ولا ينتقض وضوء بانتشار ذكر عن فكر وتكرار نظر؛ لأنه لا نص فيه.
(ولا) ينقض (مس شعر، وظفر، وسن) ولا المس به؛ لأنه في حكم المنفصل.
(و) لا ينقض مس (عضو مقطوع)؛ لزوال حرمته.
(وأمرد مسه رجل) يعني لا ينتقض وضوء رجل مس أمرد ولو بشهوة، لعدم تناول الآية له؛ ولأنه ليس بمحل للشهوة شرعًا.
قال في "القاموس" (١): والأمرد الشاب طرّ شاربه ولم تنبت لحيته.
(ولا) ينقض (مس خنثى مشكل) من رجل، أو امرأة، ولو بشهوة.
(ولا بمسه رجلًا أو امرأة) ولو لشهوة؛ لأنه متيقن الطهارة شاك في الحدث.
(ولا) ينقض (مس الرجل الرجل، ولا المرأة المرأة، ولو بشهوة فيهن) أي: فيما تقدم من الصور، كما أشرت إليه.
"تتمة" إذا لم ينقض مس أنثى، استحب الوضوء، نص عليه، ذكره في "الفروع".
(السادس) من نواقض الوضوء: (غسل الميت، أو بعضه، ولو في قميص) لما روى عطاء، أن ابن عمر، وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء (٢)، وكان شائعًا لم ينقل عنهم الإخلال به. وعن أبي هريرة: "أقلُّ ما
стр. 349
فيهِ الوضوءُ" (١) ولم يعرف لهم مخالف، ولأن الغاسل لا يسلم من مس عورة الميت غالبًا، فأقيم مقامه، كالنوم مع الحدث.
و (لا) ينقض (تيممه) أي: الميت (لتعذر غسل)؛ لعدم النص فيه.
(وغاسل الميت: من يقلبه ويباشره ولو مرة، لا من يصب الماء، ونحوه) ولا فرق في الميت بين المسلم والكافر، والرجل والمرأة، والكبير والصغير، للعموم.
(السابع) من النواقض: (أكل لحم الجزور) لقوله ﷺ : "توضئُوا مِنْ لحومِ الإبلِ ولا تتوضَّئُوا من لُحُوم الغَنَمِ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث البراء بن عازب (٢). وروى مسلم معناه من حديث جابر بن سمرة (٣). والأول صححه أحمد (٤)، وإسحاق (٥). وقال ابن خزيمة (٦): لم نر خلافًا بين
стр. 350
علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح.
قال الخطابي (١): ذهب إلى هذا عامة علماء الحديث. فعلى هذا لا فرق بين قليله وكثيره، وكونه (نيئًا وغير نيء)، ولا بين كون الآكل عالمًا بالحديث أو جاهلًا.
لا يقال: يحتمل أن يراد بالوضوء غسل اليدين؛ لأنه مقرون بالأكل، كما حمل عليه أمر النبي ﷺ بالوضوء قبل الطعام وبعده.
ويحتمل أن يراد به على وجه الاستحباب؛ لأن الوضوء الوارد في الشرع يحمل على موضوعه الشرعي؛ ولأنه جمع بين ما أمر به، وهو الوضوء من لحومها، وبين ما نهى عنه، وهو عدم الوضوء من لحوم الغنم.
والمخالف يقول: بأنه يستحب فيهما. ولأن السؤال وقع عن الوضوء والصلاة، والوضوء المقترن بها لا يفهم منه غير الوضوء الشرعي، ولأن مقتضى الأمر الإيجاب، خصوصًا وقد سئل ﷺ عن حكم هذا اللحم، فأجاب بالأمر بالوضوء؛ فلو حمل على غير الوجوب لكان تلبيسًا لا جوابًا، ودعوى النسخ مردودة بأن من شرطه عدم إمكان الجمع وتأخر الناسخ.
ووجب الوضوء من أكل لحم الجزور (تعبدًا) لا يعقل معناه، فلا يتعدى إلى غيره، فـ (ــلا) يجب الوضوء بـ (ــشرب لبنها، ومرق لحمها، وأكل كبدها، وطحالها، وسنامها) - بفتح السين - (وجلدها، وكرشها، ونحوه) كمصرانها؛ لأن النص لم يتناوله.
(ولا) ينقض (طعام محرم أو نجس) ولو كلحم خنزير؛ لأن الحكم في لحم الإبل غير معقول المعنى، فيقتصر على مورد النص فيه. وما روى أسيد بن حضير أن النبي ﷺ "سُئِلَ عن ألبانِ الإبلِ، فقال: توضَّئُوا من ألبَانِهَا" رواه
стр. 351
أحمد، وابن ماجه (١)، وعن ابن عمر نحوه (٢).
أجيب عن حديث أسيد: بأن في طريقه الحجاج بن أرطاة، قال أحمد (٣) والدارقطني (٤): لا يحتج به.
وعن حديث عبد الله بن عمر: أن ابن ماجه رواه من رواية عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخر عمره. قال أحمد (٥): من سمع منه قديمًا فهو صحيح. ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء.
(الثامن) المتمم للنواقض: (موجبات الغسل، كالتقاء الختانين، وانتقال المني، وإسلام الكافر) أصليًا كان أو مرتدًا، ولذلك أسقط الردة؛ لأنه إذا عاد إلى الإسلام وجب الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء (و) كـ (غير ذلك) من موجبات الغسل. فموجبات الغسل كلها (توجب الوضوء، غير الموت) فإنه يوجب الغسل، ولا يوجب الوضوء.
стр. 352
(فهذه النواقض) للوضوء (المشتركة) بين الماسح على الخفين، وغيره.
(وأما) النواقض (المخصوصة، كبطلان) طهارة (المسح) على الخفين ونحوهما (بفراغ مدته، وبخلع حائله، و) كـ (غير ذلك) كانتقاض طهارة المستحاضة، ونحوها بخروج الوقت. وطهارة المتيمم بوجود الماء ونحوه (فمذكور في أبوابه). فما يتعلق بالمسح تقدم في الباب قبله، وما يتعلق بالمستحاضة ومن به سلس بول ونحوه يأتي في الاستحاضة، وما يتعلق بالتيمم يأتي في بابه. وإنما حملت قوله: "وغير ذلك"، على هذا لقرينة قوله: "في أبوابه".
(ولا نقض بكلام محرم) كالكذب، والغيبة، والقذف، والسب، ونحوها، بل يستحب الوضوء من الكلام المحرم وتقدم.
(ولا نقض بإزالة شعر، وظفر (١)، ونحوهما) خلافًا لما حكي عن مجاهد، والحكم، وحماد؛ لأن غسله أو مسحه أصل، لا بدل عما تحته، بخلاف الخف ونحوه.
(ولا) نقض (بقهقهة) ولو في صلاة، وهي أن يضحك حتى يحصل من ضحكه حَرْفان. ذكره ابن عقيل.
وما روى أسامة عن أبيه قال: "بينا نحن نصلي خلف النَّبيِّ ﷺ إذ أقبل رجل ضرير البصر، فتردى في حفرة، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء كاملًا، وإعادة الصلاة من أولها" فقد رواه الدارقطني (٢) من طرق كثيرة، وضعفها، وقال: إنما روى هذا الحديث عن أبي العالية مرسلًا، وقال نحو
стр. 353
ذلك أحمد (١)، وعبد الرحمن بن مهدي (٢). قال ابن سيرين (٣): لا تأخذوا بمراسيل الحسن، وأبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا.
(ولا) نقض (بـ) ــأكل (ما مست النار)؛ لقول جابر: "كان آخر الأمرينِ من النَّبيِّ ﷺ ترك الوضُوءِ مما مستْ النارُ" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٤).
стр. 354
(ولا يستحب الوضوء منهما) أي: من القهقهة وأكل ما مست النار.
(ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين) وهو الطهارة في الأولى والحدث في الثانية؛ لحديث عبد الله بن زيد قال: "شُكِيَ إلى النَّبيِّ ﷺ الرجلُ يخيلُ إليه أنه يجدُ الشيء في الصلاة؟ فقال: لا ينصَرِف حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا" متفق عليه (١)، ولمسلم معناه مرفوعًا من حديث أبي هريرة (٢). ولم يذكر فيه: "وهو في الصلاة" ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما، كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى اليقين.
(ولو عارضه ظن)؛ لأن غلبة الظن إذا لم يكن لها ضابط في الشرع، لم يلتفت إليها، كظن صدق أحد المتداعيين، بخلاف القبلة، والوقت، هذا اصطلاح الفقهاء. وعند الأصوليين: إن تساوى الاحتمالان فهو شك. وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم. والأول موافق للغة، قال في "القاموس" (٣): الشك خلاف اليقين. وهو كما قال الشيخ موفق الدين في مقدمة "الروضة" (٤) في الأصول: ما أذعنت النفس للتصديق به وقطعت به، وقطعت بأن قطعها صحيح. وفيه أقوال أخر (٥).
стр. 355
قال ابن نصر الله: في تسمية ما هنا يقينًا بعد ورود الشك عليه نظر. نعم كان يقينًا ثم صار الآن شكًا. فاعتبرت صفته السابقة، وقدمت على صفته اللاحقة للأحاديث الصحيحة في ذلك، استصحابًا للأصل السابق، لما قارنه من اليقين، وتقديمًا له على الوصف اللاحق، لنزوله عن درجته.
(ولو) كان ذلك الشك (في غير صلاة)؛ لما تقدم من حديث مسلم عن أبي هريرة.
(فإن تيقنهما) أي: تيقن الطهارة والحدث، أي: تيقن أنه مرة كان متطهرًا ومرة كان محدثًا، وكان ذلك وقت الظهر مثلًا، (وجهل أسبقهما) بأن لم يدر هل اتصافه بالطهارة سابق على اتصافه بالحدث، أو بالعكس، (فهو على ضد حاله قبلهما) إن علم حاله قبلهما، فإن كان قبل الزوال في المثال محدثًا فهو الآن متطهر؛ لأنه تيقن أنه انتقل عن هذا الحدث إلى الطهارة، ولم يتيقن زوالها، والحدث المتيقن قبل الزوال يحتمل أن يكون قبل الطهارة ويحتمل أنه بعدها، فوجوده بعد هذا مشكوك فيه، فلا يزول عن طهارة متيقنة بشك. وإن كان قبل الزوال متطهرًا فهو الآن محدث، لما ذكرنا في الطرف الآخر.
(فإن جهل حاله قبلهما) بأن لم يدر: هل كان قبل الزوال متطهرًا أو محدثًا (تطهر) وجوبًا، إذا أراد الصلاة ونحوها، لوجود يقين الحدث في أحد (١) مرتين، والأصل بقاؤه؛ لأن وجود يقين الطهارة في المرة الأخرى مشكوك فيه، هل كان قبل الحدث أو بعده، فلا يرتفع يقين الحدث بالشك في رافعه. ولأنه لا بد من طهارة متيقنة أو مستصحبة. وليس هنا شيء من ذلك، فوجب الوضوء.
(وإن تيقن فعلهما، رفعًا لحدث، ونقضًا لطهارة)، بأن تيقن أنه تطهر