← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

أحمد، وابن ماجه (١)، وعن ابن عمر نحوه (٢). أجيب عن حديث أسيد: بأن في طريقه الحجاج بن أرطاة، قال أحمد (٣) والدارقطني (٤): لا يحتج به. وعن حديث عبد الله بن عمر: أن ابن ماجه رواه من رواية عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخر عمره. قال أحمد (٥): من سمع منه قديمًا فهو صحيح. ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء. (الثامن) المتمم للنواقض: (موجبات الغسل، كالتقاء الختانين، وانتقال المني، وإسلام الكافر) أصليًا كان أو مرتدًا، ولذلك أسقط الردة؛ لأنه إذا عاد إلى الإسلام وجب الغسل، وإذا وجب الغسل وجب الوضوء (و) كـ (غير ذلك) من موجبات الغسل. فموجبات الغسل كلها (توجب الوضوء، غير الموت) فإنه يوجب الغسل، ولا يوجب الوضوء.

стр. 352

(فهذه النواقض) للوضوء (المشتركة) بين الماسح على الخفين، وغيره. (وأما) النواقض (المخصوصة، كبطلان) طهارة (المسح) على الخفين ونحوهما (بفراغ مدته، وبخلع حائله، و) كـ (غير ذلك) كانتقاض طهارة المستحاضة، ونحوها بخروج الوقت. وطهارة المتيمم بوجود الماء ونحوه (فمذكور في أبوابه). فما يتعلق بالمسح تقدم في الباب قبله، وما يتعلق بالمستحاضة ومن به سلس بول ونحوه يأتي في الاستحاضة، وما يتعلق بالتيمم يأتي في بابه. وإنما حملت قوله: "وغير ذلك"، على هذا لقرينة قوله: "في أبوابه". (ولا نقض بكلام محرم) كالكذب، والغيبة، والقذف، والسب، ونحوها، بل يستحب الوضوء من الكلام المحرم وتقدم. (ولا نقض بإزالة شعر، وظفر (١)، ونحوهما) خلافًا لما حكي عن مجاهد، والحكم، وحماد؛ لأن غسله أو مسحه أصل، لا بدل عما تحته، بخلاف الخف ونحوه. (ولا) نقض (بقهقهة) ولو في صلاة، وهي أن يضحك حتى يحصل من ضحكه حَرْفان. ذكره ابن عقيل. وما روى أسامة عن أبيه قال: "بينا نحن نصلي خلف النَّبيِّ ﷺ إذ أقبل رجل ضرير البصر، فتردى في حفرة، فضحكنا منه، فأمرنا رسول الله ﷺ بإعادة الوضوء كاملًا، وإعادة الصلاة من أولها" فقد رواه الدارقطني (٢) من طرق كثيرة، وضعفها، وقال: إنما روى هذا الحديث عن أبي العالية مرسلًا، وقال نحو

стр. 353

ذلك أحمد (١)، وعبد الرحمن بن مهدي (٢). قال ابن سيرين (٣): لا تأخذوا بمراسيل الحسن، وأبي العالية، فإنهما لا يباليان عمن أخذا. (ولا) نقض (بـ) ــأكل (ما مست النار)؛ لقول جابر: "كان آخر الأمرينِ من النَّبيِّ ﷺ ترك الوضُوءِ مما مستْ النارُ" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه (٤).

стр. 354

(ولا يستحب الوضوء منهما) أي: من القهقهة وأكل ما مست النار. (ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين) وهو الطهارة في الأولى والحدث في الثانية؛ لحديث عبد الله بن زيد قال: "شُكِيَ إلى النَّبيِّ ﷺ الرجلُ يخيلُ إليه أنه يجدُ الشيء في الصلاة؟ فقال: لا ينصَرِف حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا" متفق عليه (١)، ولمسلم معناه مرفوعًا من حديث أبي هريرة (٢). ولم يذكر فيه: "وهو في الصلاة" ولأنه إذا شك تعارض عنده الأمران، فيجب سقوطهما، كالبينتين إذا تعارضتا، ويرجع إلى اليقين. (ولو عارضه ظن)؛ لأن غلبة الظن إذا لم يكن لها ضابط في الشرع، لم يلتفت إليها، كظن صدق أحد المتداعيين، بخلاف القبلة، والوقت، هذا اصطلاح الفقهاء. وعند الأصوليين: إن تساوى الاحتمالان فهو شك. وإلا فالراجح ظن، والمرجوح وهم. والأول موافق للغة، قال في "القاموس" (٣): الشك خلاف اليقين. وهو كما قال الشيخ موفق الدين في مقدمة "الروضة" (٤) في الأصول: ما أذعنت النفس للتصديق به وقطعت به، وقطعت بأن قطعها صحيح. وفيه أقوال أخر (٥).

стр. 355

قال ابن نصر الله: في تسمية ما هنا يقينًا بعد ورود الشك عليه نظر. نعم كان يقينًا ثم صار الآن شكًا. فاعتبرت صفته السابقة، وقدمت على صفته اللاحقة للأحاديث الصحيحة في ذلك، استصحابًا للأصل السابق، لما قارنه من اليقين، وتقديمًا له على الوصف اللاحق، لنزوله عن درجته. (ولو) كان ذلك الشك (في غير صلاة)؛ لما تقدم من حديث مسلم عن أبي هريرة. (فإن تيقنهما) أي: تيقن الطهارة والحدث، أي: تيقن أنه مرة كان متطهرًا ومرة كان محدثًا، وكان ذلك وقت الظهر مثلًا، (وجهل أسبقهما) بأن لم يدر هل اتصافه بالطهارة سابق على اتصافه بالحدث، أو بالعكس، (فهو على ضد حاله قبلهما) إن علم حاله قبلهما، فإن كان قبل الزوال في المثال محدثًا فهو الآن متطهر؛ لأنه تيقن أنه انتقل عن هذا الحدث إلى الطهارة، ولم يتيقن زوالها، والحدث المتيقن قبل الزوال يحتمل أن يكون قبل الطهارة ويحتمل أنه بعدها، فوجوده بعد هذا مشكوك فيه، فلا يزول عن طهارة متيقنة بشك. وإن كان قبل الزوال متطهرًا فهو الآن محدث، لما ذكرنا في الطرف الآخر. (فإن جهل حاله قبلهما) بأن لم يدر: هل كان قبل الزوال متطهرًا أو محدثًا (تطهر) وجوبًا، إذا أراد الصلاة ونحوها، لوجود يقين الحدث في أحد (١) مرتين، والأصل بقاؤه؛ لأن وجود يقين الطهارة في المرة الأخرى مشكوك فيه، هل كان قبل الحدث أو بعده، فلا يرتفع يقين الحدث بالشك في رافعه. ولأنه لا بد من طهارة متيقنة أو مستصحبة. وليس هنا شيء من ذلك، فوجب الوضوء. (وإن تيقن فعلهما، رفعًا لحدث، ونقضًا لطهارة)، بأن تيقن أنه تطهر

стр. 356

عن حدث، وأنه أحدث عن طهارة، (وجهل أسبقهما، فعلى مثل حاله قبلهما): فإن كان قبلهما متطهرًا فهو الآن متطهر؛ لأنه قد تيقن أنه نقض الطهارة الأولى ثم توضأ، إذ لا يمكن أن يكون ذلك الوضوء مع بقاء الطهارة الأولى، لتيقن كون طهارته عن حدث، ونقض هذا الوضوء مشكوك فيه، فلا يزول به اليقين. وإن تيقن حدثه قبلهما، فهو الآن محدث؛ لأنه انتقل عنه إلى طهارة، ثم أحدث عنها ولم يتيقن بعد الحدث الثاني طهارة. (وكذا لو تيقنهما) أي: فعل الطهارة، وفعل الحدث، (وعين وقتًا لا يسعهما سقط اليقين لتعارضه)، وكان على مثل حاله قبل ذلك من حدث، أو طهارة. (فإن جهل حالهما) أي: حال الحدث، والطهارة، بأن لم يدر الطهارة رافعة لحدث أو لا كالتجديد، ولم يدر الحدث عن حدث آخر، أو عن طهارة، (و) جهل (أسبقهما)، فعلى ضد حاله قبلهما. (أو تيقن حدثًا) أي: اتصافه بالحدث، (وفعل طهارة فقط)، ولم يدر الطهارة عن حدث أو لا؛ (فعلى ضد حاله قبلهما) أي: قبل التيقنين. وكذا لو تيقن حالة طهارة وفعل حدث فقط؛ لأن الأصل أن ما تيقنه من حالتي الحدث، أو الطهارة، هو ما كان عليه قبل ذلك، وأن ضد ذلك هو الطارئ، فوجب أن يكون على ضد حاله قبل التيقنين. (وإن تيقن حدثًا ناقضًا) لطهارة، (و) تيقن (فعل طهارة جهل حالها) من كونها رافعة لحدث أو لا؛ (فمحدث، على أي حال كان): سواء كان متطهرًا قبلهما، أو محدثًا، أو جهل حاله (قبلهما)؛ لتيقنه نقض الطهارة بالحدث وشكه في وجودها بعده. (وعكس هذه الصورة) في التصوير: وهو ما إذا تيقن أن الطهارة عن

стр. 357

حدث ولم يدر الحدث، عن طهارة أو لا؛ (بعكسها) في الحكم. فيكون متطهرًا مطلقًا، لتيقنه رفع الحدث بالطهارة، وشكه في وجوده بعدها. (ويأتي: إذا سُمع صوت أو شُم ريح) ببناء الفعلين (١) للمفعول (من أحدهما) لا بعينه، في أوائل باب الغسل.

стр. 358

فصل (ومن أحدث) حدثًا أكبر، أو أصغر (حرم عليه الصلاة)؛ لما روى ابن عمر أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يقبلُ الله صلاةً بغيْرِ طُهورٍ" رواه مسلم (١). وهو يعم الفرض والنفل، والسجود المجرد كسجود التلاوة، والقيام المجرد كصلاة الجنازة. وحكى ابن حزم (٢) والنووي (٣) عن بعض العلماء: جواز الصلاة على الجنازة بغير وضوء ولا تيمم، (فلو صلى معه) أي: مع الحدث، ولو عالمًا (لم يكفر) كسائر المعاصي، خلافًا لأبي حنيفة (٤). (و) حرم عليه (الطواف، ولو نفلًا) لما روى الترمذي بإسناده عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الطواف حولَ البيتِ مثلُ الصلاةِ إلا أنكم تتكلمون فيه، فمنْ تكلم فلا يتكلمْ إلا بخير" (٥)

стр. 359

إسناده جيد إلى عطاء. وهو مختلف فيه. واختلط في آخر عمره. وتقدم كلام أحمد فيه. وقال أحمد (١): عطاء رجل صالح. قال الترمذي (٢): وقد روي عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا. ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاه بن السائب (ولم يصح) أي: ما تقدم من الصلاة والطواف مع الحدث لما تقدم. (ويحرم عليه) أي: المحدث (مس المصحف وبعضه) لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٣) أي: لا يمس القرآن، وهو خبر بمعنى النهي. ورُدّ بأن المراد اللوح المحفوظ. والمطهرون: الملائكة؛ لأن المطهر من طهره

стр. 360

غيره. ولو أريد بنو آدم لقيل: المتطهرون. وجوابه: أن المراد هم بنو آدم قياسًا عليهم، بدليل ما روى عبد الله بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن النَّبيَّ ﷺ كتب إلى أهلِ اليمن كتابًا، وكان فيه: "لا يمسُّ القرآنَ إلا طاهرٌ" رواه الأثرم، والنسائي، والدارقطني متصلًا (١). قال الأثرم: واحتج به أحمد، ورواه مالك مرسلًا (٢).

стр. 361

(من غير حائل)؛ لأن النهي إنما ورد عن مسه، ومع الحائل إنما يكون المس له دون المصحف. (ولو) كان المس (بغير يده)؛ لعموم ما سبق. ولا يختص المس باليد، بل كل شيء لاقى شيئًا فقد مسه (حتى جلده) أي: المصحف (وحواشيه) والورق الأبيض المتصل به؛ لأنه داخل في مسماه، بدليل شمول البيع له. (ولو كان الماس) للمصحف (صغيرًا) فلا يجوز لوليه تمكينه من مسه (إلا بطهارة كاملة) كالمكلف. (ولو) كانت الطهارة (تيممًا) مطلقًا. وقال الموفق: إن احتاجه، فإن عدم الماء لتكميل الوضوء تيمم للباقي، ثم مسه. (سوى مس صغير لوحًا فيه قرآن) فلا يحرم مسه للوح من المحل الخالي من الكتابة للمشقة. و (لا) يجوز تمكين الصغير من مس المحل (المكتوب فيه) القرآن من اللوح بلا طهارة، لعدم الحاجة إليه، لاستغنائه عنه بمس الخالي. (وما حرم) مما تقدم (بلا وضوء، حرم بلا غسل) بطريق الأولى، لا العكس. فإن قراءة القرآن تحرم بلا غسل فقط. (وللمحدث حمله) أي: المصحف (بعلاقته، وفي غلافه) أي: كيسه (وفي خُرْج فيه متاع، وفي كمه) من غير مس له؛ لأن النهي ورد عن المس، والحمل ليس بمس. (و) له (تصفحه) أي: تصفح المصحف (بكمه أو) بـ (ــعود ونحوه) كخرقة وخشبة؛ لأنه غير ماس له. (و) له (مسه) أي: المصحف (من وراء حائل) لما تقدم (كحمل رقى وتعاويذ فيها قرآن) (١). قال في "الفروع": وفاقًا.

стр. 362

وهل يجوز مس ثوب رقم بالقرآن، أو فضة نقشت به؟ قال في "الإنصاف": فيه وجهان أو روايتان. ثم قال: قال الزركشي: ظاهر كلامه الجواز، قال في النظم عن الدرهم المنقوش: هذا المنصور. (و) له (مس تفسير ورسائل فيها قرآن)، وكذا كتب حديث، وفقه، ونحوها، فيها قرآن؛ لأن اسم المصحف لا يتناولها، وظاهره: قلّ التفسير، أو كثر. (و) له مس (منسوخ تلاوة (١)) وإن بقي حكمه كـ: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" (٢). (و) له مس (المأثور عن الله) تعالى، كالأحاديث القدسية. (و) له مس (التوراة، والإنجيل) والزبور، وصحف إبراهيم، وموسى، وشيث، إن وجدت؛ لأنها ليست قرآنًا.

стр. 363

(فإن رفع الحدث من عضو من أعضاء الوضوء، لم يجز مس المصحف به قبل كمال الطهارة) لأنه لا يسمى متطهرًا قبل كمالها. (ولو قلنا: يرتفع الحدث عنه) أي: عن العضو المغسول قبل كمال الطهارة، وفيه وجهان. قال في "الإنصاف": الذي يظهر أن يكون ذلك مراعى. فإن أكمله ارتفع، وإلا فلا. (ويحرم مسه) أي: المصحف (بعضو متنجس)؛ لأنه أولى من الحدث. قال في "الفروع": وكذا مس ذِكْرِ الله بنجس. و (لا) يحرم مسه (بعضو طاهر إذا كان على غيره نجاسة)؛ لأن النجاسة لا يتعدى وجوب غسلها غير محلها. والحدث يحل جميع البدن، كما تقدم. (وتجوز كتابته لمحدث من غير مس، ولو لذمي)؛ لأن النهي كما تقدم ورد عن مسه، وهي ليست مسًا. (ويمنع) الذمي (من قراءته)؛ لأنه أولى بالمنع من الجنب. (و) يمنع الذمي من (تملكه) أي: المصحف. (ويمنع المسلم من تمليكه) أي: المصحف (له) أي: للذمي، لأنه متدين بانتهاكه وإزالة حرمته، والكافر غير الذمي أولى. (فإن ملكه) أي: المصحف كافر (بإرث، أو غيره، ألزم بإزالة ملكه عنه) لما تقدم، ويأتي في البيع ما يملك به الكافر المصحف. (ويجوز للمسلم والذمي أخذ الأجرة على نسخه)؛ لأنه عمل لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة. (ويحرم بيعه) ولو لمسلم. (ويأتي في كتاب البيع) موضحًا. ويأتي أيضًا أنه لا يكره شراؤه استنقاذًا. (و) يحرم (توسده) أي: المصحف، (والوزن به، والاتكاء عليه)؛ لأن ذلك ابتذال له.

стр. 364

(وكذا كتب العلم التي فيها قرآن، وإلا) بأن لم يكن في كتب العلم قرآن (كره) توسدها، والوزن بها، والاتكاء عليها. (وإن خاف عليها) سرقة (فلا بأس) أن يتوسدها للحاجة. (ولا يكره نقط المصحف، و) لا (شكله)، بل قال العلماء: يستحب نقطه، وشكله، صيانة من اللحن فيه والتصحيف. وأما كراهة الشعبي، والنخعي (١) النقط؛ فللخوف من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم. ولا يمنع من ذلك كونه محدثًا فإنه من المحدثات الحسنة، كنظائره، مثل تصنيف العلم، وبناء المدارس ونحوها. قاله النووي في "التبيان" (٢). (و) لا (كتابة الأعشار فيه، وأسماء السور، وعدد الآيات، والأحزاب، ونحوها)؛ لعدم النهي عنه. (وتحرم مخالفة خط عثمان) ابن عفان ﵁ (في) رسم (واو، وياء، وألف، وغير ذلك) كمد التاء، وربطها (نصًا) لقوله ﷺ : "عليكُم بسنَّتِي وسنَّةِ الخلفاء بَعْدِي" (٣) الحديث. ولأن قول الصحابي ما يخالف القياس توقيف، كما يأتي.

стр. 365

(ويكره مد الرجلين إلى جهته) أي: المصحف، (وفي معناه: استدباره، وتخطيه، ورميه إلى الأرض بلا وضع، ولا حاجة، بل هو بمسألة التوسد أشبه)، قاله في "الفروع". قلت: وكذا كُتب علم فيها قرآن. (قال الشيخ: وجعله) أي: المصحف (عند القبر منهي عنه، ولو جعل للقراءة هناك) أي: عند القبر. (ورمى رجل بكتاب عند) الإمام (أحمد فغضب، وقال: هكذا يفعل بكلام الأبرار؟) انتهى، فكيف بكتاب الله تعالى، أو ما هو فيه. (ويحرم السفر به) أي: المصحف (إلى دار الحرب) لحديث الصحيحين أن رسول الله ﷺ "نهَى أن يسَافرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ" (١). ولأنه عرضة إلى استيلاء الكفار عليه، واستهانته، وفي "المستوعب": يكره بدون غلبة السلامة. (وتكره تحليته بذهب، أو فضة، نصًا) لتضييق النقدين.

стр. 366

(ويحرم في كتب العلم) أن تحلى. (ويباح تطييبه) أي: المصحف، (وجعله على كرسي، و) يباح (كسيه الحرير) نقله الجماعة؛ لأن قدر ذلك يسير. (وقال) أبو الحسن علي (ابن) محمد (الزاغوني: يحرم كتبه بذهب) لأنه من زخرفة المصاحف، (ويؤمر بحكه، فإن كان يجتمع منه ما يتمول زكّاه). وقال أبو الخطاب: يزكيه إن بلغ نصابًا، وله حكه وأخذه. (واستفتاح الفأل فيه) أي: المصحف (فعله) أبو عبد الله عبيد الله (ابن بطة) بفتح الباء، (ولم يره الشيخ (١)، وغيره). ونقل عن ابن العربي أنه يحرم، وحكاه القرافي (٢)، عن الطرسوسي (٣) المالكي. وظاهر مذهب الشافعي الكراهة. (ويحرم أن يكتب القرآن، و) أن يكتب (ذكر الله بشيء نجس أو عليه) أي: على شيء نجس، (أو فيه) أي: في شيء نجس. (فإن كتبا) أي: القرآن، وذكر الله (به) أي: بالنجس (أو عليه، أو فيه، أو تنجس؛ وجب غسله) ذكره في "الفنون"، وقال: فقد جاز غسله وتحريقه، لنوع صيانة. (وقال) ابن عقيل (في الفنون: إن قصد بكتبه بنجس إهانته، فالواجب قتله انتهى. وتكره كتابته) أي: القرآن (في الستور، وفيما هو مظنة بِذْلَةٍ، ولا تكره كتابة غيره من الذكر فيما لم يدرس، وإلا) بأن كان يداس (كره شديدًا، ويحرم دوسه) أي: الذكر، فالقرآن أولى.

стр. 367

قال في "الفصول" وغيره: ويكره أن يكتب على حيطان المسجد ذكر أو غيره؛ لأن ذلك يلهي المصلي. (وكره) الإمام (أحمد شراء ثوب فيه ذكر الله، يجلس عليه ويداس. ولو بلي المصحف أو اندرس دفن نصًا). ذكر أحمد أن أبا الجوزاء بلي له مصحف، فحفر له في مسجده فدفنه. وفي البخاري (١): أن الصحابة حرقته - بالحاء المهملة - لما جمعوه. وقال ابن الجوزي: ذلك لتعظيمه وصيانته. وذكر القاضي أن أبا بكر بن أبي داود روى بإسناده عن طلحة بن مصرف قال: "دفن عثمان المصاحف بين القبر والمنبر" (٢). وبإسناده عن طاوس: أنه لم يكن يرى بأسًا أن تحرق الكتب. وقال: إن الماء والنار خلق من خلق الله (٣). (ويباح تقبيله). قال النووي في "التبيان" (٤): روينا في مسند الدارمي بإسناد صحيح عن ابن أبي مليكة، أن عكرمة بن أبي جهل كان يضع المصحف على وجهه، ويقول: "كتابُ ربِّي، كتابُ ربي" (٥). (ونقل جماعة الوقف) فيه، و (في جعله على عينيه)؛ لعدم التوقيف. وإن كان فيه رفعة وإكرام (٦). لأن ما طريقه القرب، إذا لم يكن للقياس فيه مدخل لا يستحب فعله، وإن كان فيه تعظيم، إلا بتوقيف، ولهذا قال عمر عن الحجر: "لولا أنِّي رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقبلُكَ ما قبلتُكَ" (٧). ولما قبّل معاوية

стр. 368

الأركان كلها أنكر عليه ابن عباس فقال: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال: "إنما هي السنَّةُ" (١). فأنكر عليه الزيادة على فعل النَّبيِّ ﷺ وإن كان فيه تعظيم، ذكر ذلك القاضي، قاله في "الفروع". (وظاهر الخبر) المذكور عن عمر، وابن عباس (لا يقام له) لعدم التوقيف. (وقال الشيخ (٢): إذا اعتاد الناس قيام بعضهم لبعض فقيامهم لكتاب الله أحق) إجلالًا وتعظيمًا، قال ابن الجوزي: إن ترك القيام كان في أول الأمر، ثم لما كان ترك القيام كالإهوان بالشخص استحب لمن يصلح له القيام، ويأتي له تتمة في آخر الجنائز. (ويباح كتابة آيتين فأقل إلى الكفار) لحاجة التبليغ، نقل الأثرم: يجوز أن يكتب إلى أهل الذمة كتابًا فيه ذكر الله، قد كتب النَّبيُّ ﷺ إلى المشركين. (وقال) أبو الوفاء علي (بن عقيل: تضمين القرآن لمقاصد تضاهي مقصود القرآن لا بأس به) تحسينًا للكلام، (كما يضمن في الرسائل آيات إلى الكفار) مقتضية الدعاية، ولا يجوز في كتب المبتدعة، (و) كـ (ــتضمين (٣) الشعر لصحة القصد وسلامة الوضع وأما تضمينه لغير ذلك، فظاهر كلام ابن القيم التحريم)، كما يحرم جعل القرآن بدلًا من الكلام.

стр. 369

(ولا بأس أن يقول: سورة كذا) كسورة البقرة، أو النساء؛ لأنه قد ثبت في الصحيحين قوله ﷺ : "سُورةُ البقرة، وسورةُ الكهفِ" (١) وغيرهما مما لا يحصى (٢)، وكذلك عن الصحابة. قاله النووي في "التبيان" (٣). وفي "السورة" لغتان: الهمز وتركه. والترك أفصح. (و) أن يقول: (السورة الذي يذكر فيها كذا)؛ لوروده في الأخبار، ومنها قوله ﷺ : "من قرأ السورةَ التي يذكرُ فيها آل عمرانَ" الحديث. رواه الطبراني (٤) من حديث ابن عباس. (وآداب القراءة تأتي) في فصل (في صلاة التطوع) مفصلة.

стр. 370

باب ما يوجب الغسل وما يسن له الغسل (و) باب (صفته) أي: الغسل، وما يمنع منه من لزمه الغسل، ومسائل من أحكام المسجد والحمام. قال الجوهري (١): غسلت الشيء غسلًا - بالفتح - والاسم الغسل - بالضم - وبالكسر - ما يغسل به الرأس من خطمي، وغيره. وقال عياض (٢): - بالفتح - الماء، - وبالضم - الفعل. وقال ابن مالك (٣): - بالضم - الاغتسال، والماء الذي يغسل به. وذكر ابن برى أن غسل الجنابة بفتح الغين. (وهو) أي: الغسل شرعًا: (استعمال ماء) - خرج التيمم - (طهور) لا طاهر (في جميع بدنه) - خرج الوضوء - (على وجه مخصوص) يأتي كيفيته، بأن يكون بنية وتسمية. والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٤) يقال: رجل جنب، ورجلان جنب، ورجال جنب، قال الجوهري (٥): وقد يقال: جنبان وجنبون، وفي "صحيح مسلم" (٦): "ونحنُ جُنُبَانِ".

стр. 371

سمي به لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة. وقيل: لمجانبته الناس حتى يتطهر. وقيل: لأن الماء جانب محله. والأحاديث مشهورة بذلك. ويأتي بعضها في محاله. (وموجبه) أي: الحدث الذي هو سبب وجوب الغسل باعتبار أنواعه (ستة) أشياء، أيها وجد كان سببًا لوجوبه. (أحدها: خروج المني (١)) - وهو الماء الغليظ الدافق يخرج عند اشتداد الشهوة، ومني المرأة أصفر رقيق - (من مخرجه)، فإن خرج من غيره بأن انكسر صلبه، فخرج منه لم يجب غسل، وحكمه كالنجاسة المعتادة. (ولو) كان المني (دمًا) أي: أحمر كالدم، لقصور الشهوة عن قصره (دفقًا بلذة)؛ لقول علي: إن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا فَضَخْتَ الماءَ فاغتسلْ، وإن لم تكن فَاضِخًا فلا تغتَسِلْ" رواه أحمد (٢)، والفضخ: هو خروجه بالغلبة، قاله إبراهيم الحربي. (فإن خرج) الماء (لغير ذلك) كمرض، أو برد، أو كسر ظهر (من غير

стр. 372

نائم ونحوه) كمجنون ومغمى عليه، وسكران (لم يوجب) غسلًا. لما تقدم، فعلى هذا يكون نجسًا وليس مَذيًا، قاله في "الرعاية". (وإن انتبه بالغ، أو من يمكن بلوغه كابن عشر) وبنت تسع من نوم، ونحوه (ووجد بللًا) ببدنه، أو ثوبه (جهل كونه منيًا، بلا سبب تقدم نومه، من برد، أو نظر، أو فكر، أو ملاعبة، أو انتشار، وجب الغسل، كتيقنه منيًا، وغسل ما أصابه من بدن، وثوب) احتياطًا. قال في "المبدع": ولا يجب، انتهى، ولعله غير ظاهر كلامهم، وليس هذا من باب الإيجاب بالشك، وإنما هو من باب الاحتياط في الخروج من عهدة الواجب، كمن نسي صلاة من يوم وجهلها؛ لأنه في المثال لا يخرج عن كونه منيًا أو مذيًا، ولا سبب لأحد الأمرين يرجح به، فلم يخرج من عهدة الوجوب إلا بما ذكر. (وإن تقدم نومه سبب: من برد، أو نظر، أو فكر، أو ملاعبة، أو انتشار) لم يجب غسل؛ لعدم يقين الحدث، والأصل بقاء الطهارة. قلت: والظاهر وجوب غسل ما أصابه من ثوب، وبدن، لرجحان كونه مذيًا، بقيام سببه، إقامة للظن مقام اليقين، كما لو وجد في نومه حلمًا، فإنا نوجب الغسل لرجحان كونه منيًا، بقيام سببه. وقال الشريف أبو جعفر: لا يجب غسل الثوب، ولا البدن جميعًا، لتردد الأمر فيهما، نقله عنه ابن رجب في ترجمته في "الطبقات" (١)، وقال: وهذه المسألة تشبه مسألة الرجلين إذا وجدا على فراشهما منيًا، ولم يعلما من خرج منه، ثم قال: لكن ليس له أن يصلي بحاله في الثوب؛ لأنا نتيقن بذلك حصول المفسد لصلاته، وهو إما الجنابة، وإما النجاسة. (أو تيقنه) أي: البلل (مذيًا لم يجب غسل)، بل يغسل ما أصابه وجوبًا.

стр. 373

(ولا يجب) الغسل (بحلم بلا بلل) لحديث عائشة (١) (فإن انتبه) من احتلم (ثم خرج) المني (إذن وجب) الغسل من حين الاحتلام؛ لأنا تبينا أنه كان قد انتقل حينه. "تتمة" قال في "الهدي" (٢): نقلًا عن ابن ماسويه (٣): من احتلم فلم يغتسل حتى وطئ أهله، فولدت مجنونًا أو مختلًا فلا يلومن إلا نفسه (٤).

стр. 374

(وإن وجد منيًا في ثوب لا ينام فيه غيره) قال أبو المعالي، والأزجي: لا بظاهره، لجوازه من غيره، قال في "الإنصاف": وهو صحيح، وهو مراد الأصحاب فيما يظهر؛ (فعليه الغسل) لوجود موجبه، (وإعادة المتيقن من الصلاة، وهو) أي: المني (فيه) أي: الثوب. قال ابن قندس: الظاهر أنه يعيد ما تيقن أنه صلّاه بعد وجود المني، وما شك فيه لا يعيده، قال في "الرعاية": وإعادة الصلاة من آخر نومة نامها، وفي بعض ألفاظ الموفق: من أحدث نومة زاد في "الرعاية": والأولى إعادة صلوات تلك المدة، وما يحصل به اليقين في براءة الذمة، وتقدم في كتاب الطهارة إذا توضأ من ماء ثم علم نجاسته يعيد. ونصه: حتى يتيقن براءته. وقال القاضي وأصحابه: بعد ظنه نجاسته، قال ابن قندس: ويمكن أن يقال: الفرق أن المني الأصل عدمه، فيكون في وقت الشك كالمعدوم، بخلاف ما إذا توضأ من ماء ثم علم نجاسته، فإنه في وقت الشك قد شك في رفع الحدث، والأصل عدم رفعه، فيكون الحدث في وقت الشك كالموجود، لأنه الأصل. (وإن كان ينام هو) أي: من وجد المني في الثوب (وغيره فيه) أي: في ذلك الثوب الذي وجد به المني، (وكانا من أهل الاحتلام، فلا غسل عليهما) لأن كلا منهما متيقن الطهارة شاك في الحدث. (ومثله) في عدم وجوب الوضوء عليهما: (إن سُمع صوت أو شُم ريح من أحدهما، لا يعلم عينه، لم تجب الطهاوة على واحد منهما) بعينه، لعدم تيقنه الحدث. (ولا يأتم أحدهما) وحده، ولا مع غيره (بالآخر) لتحقق المفسد. وهو إما حدثه، وإما حدث إمامه. (ولا يصافه) أي: لا يصاف أحدهما الآخر (وحده) لتحقق المفسد، إذ

стр. 375

صلاة الفذ غير صحيحة كما يأتي. فإن صافه مع غيره صحت صلاتهما لزوال الفذّيّة (فيهما) أي: في مسألة وجدان المني في الثوب، ومسألة سماع الصوت، أو شم الريح من أحدهما. (وكذا كل اثنين تيقن موجب الطهارة من أحدهما لا بعينه، كرجلين) أو امرأتين، أو رجل وامرأة (لمس كل واحد منهما أحد فرجي خنثى مشكل لغير شهوة)؛ لأن أحد الفرجين أصلي، فانتقض وضوء لامسه، فإن مس لشهوة مثل ما للامس منه انتقض وضوؤه يقينًا وتقدم. قال في "المنتهى" وشرحه: وإن أرادا ذلك، أي: أن يصليا جماعة، أو أن يكونا صفًا وحدهما توضئا ثم فعلا ذلك؛ ليزول الاعتقاد الذي أبطلنا صلاتهما من أجله. ولا يكفي في ذلك وضوء أحدهما لاحتمال أن يكون الذي أحدث منهما هو الذي لم يتوضأ. (والاحتياط أن يتطهرا) مما تقدم مطلقًا ليخرجا من العهدة بيقين. (وإن أحس) رجل، أو امرأة (بانتقال المني فحبسه فلم يخرج، وجب الغسل، كخروجه)، لأن الجنابة أصلها البعد لقوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ (١) أي: البعيد، ومع الانتقال قد باعد الماء محله، فصدق عليه اسم الجنب. وإناطة للحكم بالشهوة، وتعليقًا له على المظنة، إذ بعد انتقاله يبعد عدم خروجه، وأنكر أحمد أن يكون الماء يرجع (٢). (ويثبت به) أي: بانتقال المني (حكم بلوغ) كما يثبت بخروجه. (و) يثبت به حكم (فطر) من صوم ممن قبّل، أو كرر النظر لشهوة ونحوه، لا ممن احتلم، كخروجه. (وغيرهما) كوجوب بدنة في الحج حيث وجبت لخروج المني.

стр. 376

وفي "شرح المنتهى": كفساد نسك. وقاله القاضي في "تعليقه" التزامًا، وهو مبني على القول بفساد النسك بخروجه بالمباشرة. (وكذا انتقال حيض، قاله الشيخ) تقي الدين (١)؛ فيثبت به ما يثبت بخروجه. (فإن خرج المني بعد الغسل من انتقاله) لم يجب الغسل. (أو) خرج المني (بعد غسله من جماع لم ينزل فيه) بغير شهوة، لم يجب الغسل. (أو خرجت بقية مني اغتسل له بغير شهوة، لم يجب الغسل) لما روى سعيد عن ابن عباس: أنه سئل عن الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل؟ قال: "يتوضأ" (٢). وكذا ذكره الإمام أحمد عن علي (٣). ولأنه مني واحد فأوجب غسلًا واحدًا، كما لو خرج دفعة واحدة. ولأنه خارج لغير شهوة، أشبه الخارج لبرد، وبه علل أحمد، قال: لأن الشهوة ماضية، وإنما هو حدث أرجو أن يجزئه الوضوء. (ولو) انتقل المني ثم (خرج إلى قلفة الأقلف، أو) إلى (فرج المرأة وجب) الغسل، رواية واحدة، وإن لم نقل بوجوب الغسل بالانتقال. (ولو خرج منيه من فرجها بعد غسلها فلا غسل عليها)؛ لأنه ليس منيها (ويكفي الوضوء. وإن دب منيه) أي: الرجل فدخل فرجها ثم خرج فلا غسل عليها، (أو) دب إلى فرجها (مني امرأة أخرى بسحاق، فدخل فرجها)

стр. 377

ثم خرج (فلا غسل عليها بدون إنزال، وتقدم في الباب قبله)؛ لأنه ليس منيًا خارجًا من مخرجه دفقًا بلذة، لأن الغسل إنما وجب جبرًا للبدن لكونه ينقص به جزء منه لخروجه من جميعه، لكون الحيوان يخلق منه، ولكونه ينقص به جزء من البدن؛ ولهذا يضعفه (١) بكثرته. "تنبيه" محل وجوب الغسل بخروج المني: إذا لم يصر سلسًا، قاله القاضي وغيره، فيجب الوضوء فقط، لكن قال في "المغني" و"الشرح": يمكن منع كون هذا منيًا؛ لأن الشارع وصفه بصفة غير موجودة فيه. وتقدم أن الغسل كالوضوء سبب وجوبه الحدث. (الثاني) من موجبات الغسل: (تغييب حشفة أصلية، أو قدرها، - إن فقدت - بلا حائل في فرج أصلي) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا جلسَ بيْن شعبها الأربعِ (٢) ثم جهدَهَا، فقد وجب الغسلُ" متفق عليه (٣) زاد أحمد ومسلم: "وإن لم ينزِلْ" (٤). وفي حديث عائشة قالت: قالَ رسول الله ﷺ : "إذا قعدَ بينَ شعبِها الأربعِ، ومسَّ الختانُ الختانَ، فقد وجبَ الغسلُ" رواه مسلم (٥).

стр. 378

وما رُوي عن عثمان، وعلي، والزبير، وطلحة (١) أنه لا يجب إلا بالإنزال، لقوله ﷺ : "الماءُ من الماءِ" (٢) فمنسوخ بما روى أبيّ بن كعب قال: "إن الفتيا التي كانوا يقولون: الماءُ من الماءِ رخصةٌ رخَّصَ بها النَّبيُّ ﷺ ثم أمرَ بالاغتسالِ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه (٣)، قال الحافظ عبد الغني: إسناده صحيح على شرط الشيخين. ثم المراد من التقائهما، تقابلهما وتحاذيهما؛ فلذلك عدل عنه المصنف كغيره، لما تقدم. (قبلًا كان) الفرج (أو دبرًا من آدمي، ولو مكرهًا، أو) من (بهيمه، حتى سمكة، وطير) لأنه إيلاج في فرج أصلي، أشبه الآدمية. (حيّ أو ميت) لعموم ما سبق، ولو لم يجد بذلك حرارة خلافًا لأبي حنيفة (٤).

стр. 379

(ولو كان) ذو الحشفة الأصلية (مجنونًا، أو نائمًا) أو مغمى عليه (بأن أدخلتها في فرجها، فيجب الغسل على النائم والمجنون) والمغمى عليه (كهي) أي: كما يجب على المجامعة، ولو كانت مجنونة، أو نائمة، أو مغمى عليها؛ لأن موجب الطهارة لا يشترط فيه القصد، كسبق الحدث. (وإن استدخلتها) أي: الحشفة الأصلية (من ميت، أو) من (بهيمة، وجب عليها) الغسل (دون الميت، فلا يعاد غسله) لذلك. ولا فرق فيما تقدم بين العالم، والجاهل، فلو مكث زمانًا يصلي ولم يغتسل احتاط في الصلاة، ويعيد حتى يتيقن، نص عليه؛ لأنه مما اشتهرت به الأخبار، فلم يعذر فيه بالجهل. (ويعاد غسل الميتة الموطوءة) قال في "الحاوي الكبير": ومن وطئ بعد غسله أعيد غسله في أصح الوجهين، واختاره في "الرعاية الكبرى"، ويجب الغسل بالجماع، على ما تقدم، (ولو كان المجامع غير بالغ نصًا، فاعلًا، ومفعولًا) إن كان (يجامع مثله كابنة تسع، وابن عشر) قال الإمام (١): يجب على الصغير إذا وطئ والصغيرة إذا وطئت، مستدلًا بحديث عائشة (٢) (فيلزمه) أي: ابن عشر وبنت تسع (غسل، ووضوء بموجباته، إذا أراد ما يتوقف على غسل) فقط. كقراءة القرآن، (أو) على (وضوء) كصلاة، وطواف، ومس مصحف (لغير لبث بمسجد)؛ فإنه لا يلزمه الغسل إذا أراده. ويكفيه الوضوء كالمكلف، ويأتي. ومثل مسألة الغسل إلزامه باستجمار، ونحوه، ذكره الشيخ تقي الدين. وليس معنى وجوب الغسل، أو الوضوء في حق الصغير: التأثيم بتركه، بل معناه: أنه شرط لصحة الصلاة، أو الطواف، أو لإباحة مس المصحف، أو

стр. 380

قراءة القرآن. (أو مات) الصغير (شهيدًا) بعد الجماع (قبل غسله)، فيغسل؛ لوجوبه قبله، كما لو مات غير شهيد. (ويرتفع حدثه) أي: الصغير (بغسله قبل البلوغ)، فلا يجب إعادته بعد بلوغه، لصحة غسله، فيترتب عليها أثرها، وهو ارتفاع الحدث. ثم أخذ يصرح بمفهوم ما سبق فقال: (ولا يجب غسل بتغييب بعض الحشفة) بلا إنزال. (ولا بإيلاج بحائل، مثل إن لف على ذكره خرقة، أو أدخله في كيس) بلا إنزال. (ولا بوطء دون الفرج، من غير إنزال) ولا انتقال، لعدم التقاء الختانين. (ولا بالتصاق) أي: تماس (ختانيهما من غير إيلاج) لحديث أبي هريرة السابق (١). (ولا بسحاق) وهو إتيان المرأة المرأة (بلا إنزال) لما تقدم. (ولا بإيلاج في غير أصلي) أو بغير أصلي، (كإيلاج رجل في قبل الخنثى) المتضح الذكورية، أو المشكل، بلا إنزال؛ لعدم الفرج الأصلي بيقين. (أو إيلاج الخنثى) الواضح الأنوثية، أو المشكل (ذكره في قبل، أو دبر، بلا إنزال)؛ لعدم تغييب الحشفة الأصلية بيقين. (وكذا لو وطئ كل واحد من الخنثيين) المشكلين (الآخر بالذكر في القبل)، لاحتمال زيادتهما، أو زيادة أحدهما. (أو) وطئ كل واحد من الخنثيين الآخر بالذكر في (الدبر)؛ لاحتمال زيادة الذكرين.

стр. 381

(وإن تواطأ رجل وخنثى في دبريهما فعليهما الغسل)؛ لأن دبر الخنثى أصلي قطعًا. وقد وجد تغييب حشفة الرجل فيه. (وإن وطئ الخنثى بذكره امرأة، وجامعه) أي: ذلك الخنثى (رجل في قبله؛ فعلى الخنثى الغسل)؛ لأنه إن كان ذكرًا فقد غيب ذكره في فرج أنثى، وإن كان أنثى فقد جومعت في قبلها الأصلي. (وأما الرجل والمرأة فيلزم أحدهما الغسل، لا بعينه)؛ لأن الخنثى لا يخلو عن أن يكون رجلًا، فيجب الغسل على المرأة، أو يكون أنثى، فيجب الغسل على الرجل. والاحتياط أن يتطهرا على ما تقدم. وإن أراد أن يأتم أحدهما بالآخر، أو يصافه وحده. اغتسلا على ما تقدم عن صاحب "المنتهى" (١). (ولو قالت امرأة بي جني يجامعني كالرجل، فعليها الغسل). وقال في "المبدع": لا غسل لعدم الإيلاج والاحتلام. ذكره أبو المعالي. وفيه نظر (٢). قال ابن الجوزي (٣) في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤) دليل على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي. وفيه نظر؛ لأنه لا يلزم من الغشيان الإيلاج، لاحتمال أن يكون إيلاجه عن ملابسة ببدنه خاصة. انتهى. قلت: وعلى ما ذكره المصنف: لو قال رجل: بي جنِّية أجامعها كالمرأة، فعليه الغسل.

стр. 382

(والأحكام المتعلقة بتغييب الحشفة كالأحكام المتعلقة بالوطء الكامل) من وجوب الغسل، والبدنة في الحج، وإفساد النسك قبل التحلل الأول، وتقرر الصداق، والخروج من الفيئة في الإيلاء، وغير ذلك، مما يأتي في أبوابه (وجمعها بعضهم، فبلغت أربعمائة) حكم (إلا ثمانية أحكام، ذكره ابن القيم في تحفة المودود في أحكام المولود) (١). ومن تتبع ما يأتي يظفر بأكثرها. (الثالث) من موجبات الغسل: (إسلام الكافر، ولو مرتدًا أو مميزًا) لما روى أبو هريرة "أن ثمامة بن أُثَال أسلمَ فقال النبي ﷺ : اذهبُوا بِهِ إلى حائِطِ بنِي فلانٍ، فمروهُ أن يغتَسِلَ" رواه أحمد، وابن خزيمة (٢)، من رواية العمري. وقد تكلم فيه، وروى له مسلم مقرونًا.

стр. 383

وعن قيس بن عاصم "أنه أسلمَ فأمرهُ النَّبيُّ ﷺ أن يغتسل بماءٍ وسدرٍ" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي (١) وقال: حسن صحيح. ولأنه لا يسلم غالبًا من جنابة، فأقيمت المظنة مقام الحقيقة، كالنوم، والتقاء الختانين. ولأن المرتد مساوٍ للأصلي في المعنى وهو الإسلام. فوجب عليه الغسل. (سواء وجد منه في كفره ما يوجب الغسل) من نحو جماع، أو إنزال (أو لا. وسواء اغتسل قبل إسلامه أو لا)؛ لأنه ﷺ لم يستفصل، ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال. (ولا يلزمه) أي: الذي أسلم (غسل) آخر (بسبب حدث وجد منه في حال كفره، بل يكفيه غسل الإسلام) سواء نوى الكل، أو نوى غسل الإسلام، إلا أن ينوي على أن لا يرتفع غيره - على ما تقدم - فيما إذا اجتمعت أحداث توجب وضوءًا، أو غسلا. (ووقت وجوبه) أي: غسل الإسلام (على المميز) إذا أسلم (كوقت وجوبه على المميز المسلم) إذا جامع، يعني إذا أراد ما يتوقف على غسل، أو وضوء لغير لبث بمسجد، أو مات شهيدًا.

стр. 384

قال في "التنقيح": وقال أبو بكر: لا غسل عليه، أي: الكافر إذا أسلم، إلا إذا وجد منه في حال كفره ما يوجبه، فيجب، (إلا حائضًا، ونفساء كتابيتين إذا اغتسلتا لوطء زوج) مسلم (أو سيد مسلم) انتهى بالمعنى، (ثم أسلمتا فلا يلزمهما إعادة الغسل) لصحته منهما، وعدم اشتراط النية فيه للعذر، بخلاف ما لو اغتسل الكافر لجنابة ثم أسلم، وجب عليه إعادته، لعدم صحته منه. وهذا كما علمت مفرع على قول أبي بكر. ولم يذكره المصنف. فكان الأولى حذفه، لئلا يوهم أنه مفرع على المذهب، كما توهمه عبارة "الإنصاف". وقد تبعه المصنف. (ويحرم تأخير إسلام لغسل، أو غيره) لوجوبه على الفور. (ولو استشار) كافر (مسلمًا) في الإسلام (فأشار بعدم إسلامه) لم يجز، (أو أخر عرض الإسلام عليه بلا عذر لم يجز) له ذلك، (ولم يصر) المسلم (مرتدًا) خلافًا لصاحب التتمة (١) من الشافعية، ورد عليه بعضهم (٢). (الرابع) من موجبات الغسل: (الموت) لقوله ﷺ : "اغسِلنها" (٣) إلى غيره من الأحاديث الآتية في محله: (تعبدًا) لا عن حدث؛ لأنه لو كان عنه، لم يرتفع مع بقاء سببه، كالحائض لا تغتسل مع جريان الدم، ولا عن نجس؛ لأنه لو كان عنه لم يطهر، مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت.

стр. 385

(غير شهيد معركة، ومقتول ظلمًا) فلا يغسلان. (ويأتي) ذلك مفصلًا في محله. (الخامس: خروج حيض) لقوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش: "وإذا ذهبت فاغتسلي وصلي" متفق عليه (١)، وأمر به أم حبيبة (٢)، وسهلة بنت سهيل (٣)

стр. 386

وحمنة (١)، وغيرهن. يؤيده قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٢) أي: إذا اغتسلن، فمنع الزوج من وطئها قبل غسلها، فدل على وجوبه عليها. وإنما وجب بالخروج إناطة للحكم بسببه.

стр. 387

والانقطاع شرط لصحته، وكلام الخرقي يدل على أنه يجب بالانقطاع وهو ظاهر الأحاديث. وتظهر فائدة الخلاف إذا استشهدت الحائض قبل الانقطاع، فإن قلنا: يجب الغسل بخروج الدم وجب غسلها للحيض. وإن قلنا: لا يجب إلا بالانقطاع لم يجب الغسل؛ لأن الشهيد لا يغسل، ولم ينقطع الدم الموجب للغسل. قاله المجد، وابن عبيدان، والزركشي، وصاحب "مجمع البحرين"، و"المبدع"، و"الرعاية" و"الفروع" وغيرهم. قال الطوفي في شرحه: وعلى هذا التفريع إشكال، وهو أن الموت إما أن ينزل منزلة انقطاع الدم، أو لا. فإن نزل منزلته، لزم وجوب الغسل لتحقق سبب وجوبه وشرطه على القولين، وإن لم ينزل منزلة انقطاع الدم فهي في حكم الحائض على القولين. فلا يجب غسلها؛ لأنا إن قلنا: الموجب هو الانقطاع، فلم يوجد. وإن قلنا: الخروج، لم يوجد شرطه، وهو الانقطاع. نعم ينبني عليهما لو علق عتقًا أو طلاقًا على ما يوجب غسلًا. وقع بالخروج على الأول، وبالانقطاع على الثاني. (فإن كان عليها) أي: الحائض (جنابة فليس عليها أن تغتسل) للجنابة (حتى ينقطع حيضها نصًا) لعدم الفائدة. (فإن اغتسلت للجنابة في زمن حيضها صح) غسلها لها؛ (بل يستحب) تخفيفًا للحدث، (ويزول حكم الجنابة)؛ لأن بقاء أحد الحدثين لا يمنع ارتفاع الآخر، كما لو اغتسل المحدث الحدث الأصغر (١). قاله في "الشرح"، (ويأتي أول الحيض).

стр. 388

(السادس) المتمم للموجبات: (خروج نفاس). قال في "المغني": لا خلاف في وجوب الغسل بهما اهـ. وفيه ما تقدم في الحيض. (وهو) أي: النفاس (الدم الخارج بسبب الولادة) - ويأتي مفصلًا في آخر الحيض -. (ولا يجب) الغسل (بولادة عرية عن دم)؛ لأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص (فلا يبطل الصوم) بالولادة العرية عن الدم، (ولا يحرم الوطء بها) قبل الغسل، لما تقدم. (ولا) يجب الغسل (بإلقاء علقة). قال في "المبدع": بلا نزاع. زاد في "الرعاية": بلا دم. (أو) بإلقاء (مضغة) لا تخطيط فيها؛ لأن ذلك ليس ولادة. وإنما يثبت حكمه بإلقاء ما تبين فيه خلق الإنسان ولو خفيًا. (والولد طاهر، ومع الدم يجب غسله) كسائر الأشياء المتنجسة. وفيه وجه: لا، للمشقة.

стр. 389

فصل (ومن لزمه الغسل) لجنابة، أو غيرها (حرم عليه الاعتكاف) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (١). وقوله ﷺ : "لا أحلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جنبٍ" رواه أبو داود (٢) من حديث عائشة. (و) حرم عليه (قراءة آية فصاعدًا). رويت كراهة ذلك عن عمر، وعلي (٣).

стр. 390

وروى أحمد وأبو داود والنسائي من رواية عبد الله بن سلمة - بكسر اللام - عن علي قال: "كان النَّبيُّ ﷺ لا يحْجبُهُ - وربما قال: لا يحْجِزُهُ - من القرآن شيءٌ ليس الجنابةَ" (١) ورواه ابن خزيمة، والحاكم والدارقطني وصححاه، قال
следующие страницы →