(و) يحصُل القبض (فيما ينقل) كالثياب والحيوان (بنقله) كالصُّبْرة؛ قال في "الشرح" و"المبدع": فإن كان حيوانًا فقَبْضه تمشيته من مكانه.
(و) يحصُل القبض (فيما يُتناول) كالأثمان والجواهر (بتناوله) إذ العرف فيه ذلك.
(و) يحصُل القبض (فيما عدا ذلك) المتقدم ذكره (من عقار) وهو الضيعة، والأرض، والبناء، والغراس (ونحوه) كالثمر على الشجر (بتخليته مع عدم مانع) أي: حائل، بأن يفتح له باب الدار، أو يسلمه مفتاحها ونحوه، وإن كان فيها متاع للبائع؛ قاله الزركشي، ويأتي عملًا بالعرف.
(لكن يُعتبر في) جواز (قبض مشاع يُنقل) كنصف فرس، أو بعير (إذنُ شريكه) في قبضه؛ لأن قبضه نقله، ونقله لا يتأتى إلا بنقل حصة شريكه، والتصرف في مال الغير بغير إذنه حرام.
وعُلم منه: أن قبض مشاع لا ينقل، كنصف عقار، لا يعتبر له إذن شريك؛ لأن قبضه تخليته؛ وليس فيها تصرف.
(فيُسلِّم) البائع (الكلَّ) المبيع بعضه بإذن شريكه (إليه) أي: إلى المشتري (ويكون سهمه) أي: الشريك (في يد القابض أمانة) ذكره القاضي في "المجرد"، وفي "الفنون": بل عارية (ويأتي في الهبة) مفصلًا محررًا.
(فإن أبى الشريك الإذن) للبائع في تسليم الكل للمشتري (قيل للمشتري: وَكِّل الشريكَ في القبض) ليصل إلى مقصوده من قبض المبيع (فإن أَبى) أن يوكِّل، أو أَبى الشريك أن يتوكل (نصبَ الحاكمُ من يقبض)
стр. 3327
الكلَّ جمعًا بين الحقين (فيكون في يده لهما) أمانة أو بأجرة، والأجرة عليهما.
(ولو سلَّمه) بائع (بلا إذن) شريكه (فالبائع غاصب) لحصة شريكه، لتعديه بتسليمها بلا إذنه.
(فإن علم المشتري ذلك) أي: أن للبائع شريكًا لم يأذن في تسليم حصته، وتلفت العين بيده (فقرار الضمان عليه) لحصول التلف بيده (وإلا) بأن لم يعلم أنه لم يأذن (فـ) ــقرار الضمان (على البائع) لتغريره للمشتري.
(وكذا إن جهل) المشتري (الشركة أو) علمها وجهل (وجوب الإذن، ومثله يجهله) فقرار الضمان على البائع لما تقدم.
(وفي "المغني" و"الشرح" في الرهن: لا يكفي هذا التسليم) أي: تسليم المشترك بغير أذن الشريك (إن قلنا: استدامة القبض شرط) للزوم الرهن، كما هو المذهب؛ لتحريم الاستدامة.
فصل
(والإقالة للنادم مشروعة) أي: مستحبة؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أقالَ مسلمًا، أَقالَ (١) الله عثرتَهُ يومَ القيامة" رواه ابن ماجه (٢)،
стр. 3328
ورواه أبو داود (١)، وليس فيه ذكر يوم القيامة.
(وهي) أي: الإقالة (فَسْخٌ) للعقد لا بيع؛ لأنها عبارة عن الرفع والإزالة. يقال: أقالك الله عثرتك، أي: أزالها. وبدليل جوازها في السَّلَم مع إجماعهم (٢) على المنع من بيعه قبل قبضه.
فـ (ــتصح) الإقالة (في المبيع ولو قبل قبضه من سلم وغيره) كمبيع في ذمة، أو بصفة، أو رؤية متقدمة؛ لأنها فسخ، والفسخ لا يعتبر فيه القبض.
(و) تصح (في مكيل، وموزون) ومعدود، ومذروع (بغير كيل ووزن) وعدٍّ وذرع؛ لأنها فسخ.
(و) تصح الإقالة (بعد نداء الجمعة) الثاني ممن تلزمه الجمعة؛ لما تقدم.
(و) تصح الإقالة (من مضارب، وشريكِ تجارةٍ) سواء كانت شركة
стр. 3329
عنان أو وجوه (بغير إذن) شريكه (فيما اشتراه) شريكه (لظهور المصلحة) فيها (كما يملك) المضارب ونحوه (الفسخَ بالخيار) لعيب أو نحوه.
(ومن وُكِّل في بيع، فباع) لم يملك الإقالة بغير إذن موكله (أو وكل في شراء فاشترى، لم يملك الإقالة بغير إذن المُوكِّل) لأنه لم يوكل في الفسخ.
(وتصح) الإقالة (في الإجارة) كما تصح في البيع.
(و) تصح الإقالة (من مؤجرِ وقْفٍ، إن كان الاستحقاق كله له) لأنه كالمالك له.
وظاهره: إن كان الاستحقاق مشتركًا، أو لمعين غيره، أو كان الوقف على جهة، لم تصح الإقالة، وعمل الناس على خلافه.
وفي "الفروع" في الحج: من استؤجر عن ميت يعني ليحج عنه، إن قلنا: تصح الإجارة، فهل تصح الإقالة؛ لأن الحق للميت؟ يتوجه احتمالان: قال في "تصحيح الفروع": الصواب: الجواز؛ لأنه قائم مقامه، فهو كالشريك والمضارب. اهـ. وقياسه: جوازها في الناظر وولي اليتيم لمصلحة.
(و) تصح الإقالة (من مفلِس بعد حَجْرِ) الحاكم عليه (لمصلحة) كفسخ البيع لخيار.
وتصح الإقالة (بلا شروط بيع من معرفة المقال فيه و) من (القدرة على تسليمه، وتمييزه عن غيره) كما يصح الفسخ لخيار مع عدم ذلك.
(ولو وهب والد ولده شيئًا، ثم باعه الولد) أي: باع ما وهبه له أبوه (ثم رجع إليه) أي: إلى الولد (بإقالة لم يمنع) ذلك (رجوع الأب) فيه، كما لو رجع إلى الابن بفسخ الخيار، بخلاف ما لو رجع إلى الابن ببيع أو
стр. 3330
هبة، فإنه يمنع رجوع الأب، ويأتي.
(ولو باع أَمَةً، ثم أقال فيها قبل القبض، أو بعده، ولم يتفرَّقا، لم يجب) على البائع (استبراء) لعدم احتمال إصابة المشتري لها.
والصحيح من المذهب: أنه يجب استبراؤها حيث انتقل الملك، ولو قبل القبض، قاله في "تصحيح الفروع".
(ولو تقايلا في بيع فاسد، ثم حكم حاكم بصحة) ذلك (العقد) الفاسد (لم ينفذ حكمه) لأن العقد ارتفع، فلم يبقَ ما يحكم به.
(ومؤنة رد المبيع بعد الإقالة لا تلزم المشتري) بخلاف الفسخ لعيب، فتلزمه مؤنة الرَّدِّ؛ لأنه فسخ بالعيب قهرًا على البائع، بخلاف الإقالة؛ فالفسخ منهما بتراضيهما (ويبقى) المبيع بعد الإقالة (في يده) أي: يد المشتري (أمانة كوديعة) لحصوله في يده بغير تعديه.
(وتصح) الإقالة (بلفظها) بأن يقول: أقلتك (و) تصح (بلفظ مصالحة.
وظاهر كلام كثير من الأصحاب: و) تصح (بلفظ بَيْعٍ، وما يدل على معاطاة) لأن المقصود المعنى، فكل ما يتوصل به إليه أجزأ (خلافًا للقاضي) في أن ما يصلح للعقد لا يصلح للحَل، وما يصلح للحَل لا يصلح للعقد.
(ولا خيار فيها) أي: في الإقالة للمجلس، ولا لغيره؛ لأنها فسخ والفسخ لا يفسخ.
(ولا شُفعة) بالإقالة؛ لأن المقتضي لها هو البيع ولم يوجد.
(ولا ترد) الإقالة (بعيب) في المقال فيه (لأن الفسخ لا يفسخ.
و لا تصح) الإقالة من أحد العاقدين (مع غيبة الآخر.
стр. 3331
ولو قال: أَقِلني، ثم غاب، فأقاله) في غيبته (لم تصح) مطلقًا (١) (لاعتبار رضاه) وحال الغائب مجهول.
وذكر القاضي وأبو الخطاب في "تعليقهما": لو قال: أَقِلني، ثم دخل الدار، فأقاله على الفور؛ صح إن قيل: هي فسخ لا بيع؛ لأن البيع يشترط له حضور العاقدين في المجلس.
(ولا يحنث بها) أي: بالإقالة (من حَلَف) لا يبيع (أو علَّق طلاقًا أو عتقًا لا يبيع) فأقال، لم يحنث، لأنها فسخ لا بيع (ولا يَبَرُّ بها) أي: بالإقالة (من حَلَف بذلك) أي: بالله أو بعتق أو طلاق (ليبيعن) لما تقدم.
(وتصح) الإقالة (مع تلف ثمن، لا مع تلف مبيع) لتعذُّر الرد فيه.
(ولا) تصح أيضًا (مع موت متعاقدين، أو أحدهما) كخيار المجلس والشرط.
(ولا) تصح أيضًا (بزيادة على الثمن) المعقود به (أو) بـ (ــنقص منه أو بغير جنسه) لأن مقتضى الإقالة رد الأمر إلى ما كان عليه (والملك باق للمشتري) لأنه شرط التفاضل فيما يعتبر فيه التماثل، فبطل كبيع درهم بدرهمين.
(وإن طلب أحدُهما الإقالَة وأبى الآخرُ، فاستأنفا بيعًا؛ جاز بزيادة) عن الثمن الأول (ونقص عن الثمن الأول) وبغير جنسه.
(وإذا وقع الفسخ بإقالة، أو خيار شرط، أو عيب) أو تدليس، أو نحوه (فهو رفع للعقد من حين الفسخ) لا من أصله، كالخلع والطلاق.
(فما حصل) في المبيع (من كسب أو نماء منفصل، فهو للمشتري)
стр. 3332
لحديث: "الخراجُ بالضمانِ" (١).
(وكذا طَلْعٌ تشقق، ولو لم يؤَبَّر، وثمرة ظهرت) فتكون للمشتري، ولا تتبع في الفسخ؛ لأنها في حكم المنفصلة. ويأتي توضيحه في بيع الأصول والثمار.
(و) الفسخُ (في إجارةٍ غُبِنَ فيها) رفع للعقد من أصله (كما تقدم) (٢) في خيار الغبن، وتقدم ما فيه.
стр. 3333
باب الربا والصرف، وتحريم الحيل
(الرِّبا) مقصور، يُكتب بالألف والواو والياء. وهو لغةً: الزيادة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (١) أي: علت وارتفعت. وقال تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (٢) أي: أكثر عددًا.
وهو (مُحرَّم) إجماعًا (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤).
(وهو من الكبائر) لعدِّه ﷺ له في السبع الموبقات، في الحديث المتفق عليه (٥).
وحُكي عن ابن عباس وغيره إباحةُ رِبا الفضل؛ لحديث: "لا ربا إلا في النَّسيئَة" رواه البخاري (٦)، ثم رجع ابن عباس عنه، رواه
стр. 3334
الأثرم (١). وقال الترمذي (٢) وابن المنذر (٣)، والحديث محمول على الجنسين.
(وهو) شرعًا (تفاضُلٌ في أشياءَ) كمكيل بجنسه، أو موزون بجنسه (ونساءٌ في أشياءَ) كمكيل بمكيل، وموزون بموزون، ولو من غير جنسه (مُختصٌّ بأشياء) وهي المكيلات، والموزونات (وَرَدَ الشرع بتحريمها) أي: بتحريم الربا فيها.
(وهو) أي: الربا (نوعان):
أحدهما: (ربا الفَضْل، و) الثاني (ربا النسيئة).
(فأما ربا الفَضْل) أي: الزيادة (فيَحرُمُ في كلِّ مكيل) بيع بجنسه (و) في كلِّ (موزون بيع بجنسه) لعدم التماثل؛ لما روى عُبادة بن الصامت، أن النبي ﷺ قال: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضَّة، والبُر بالبُر، والشَّعيرُ بالشَّعير، والتَّمر بالتَّمر، والملح بالملح، مِثْلاً بمِثْل، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصنافُ، فبِيعُوا كيف شئتم، يدًا بيدٍ" رواه أحمد ومسلم (٤). وعن أبي سعيد مرفوعًا نحوه، متفق عليه (٥).
واختُلِف في العِلَّة التي لأجلها حُرِّم الربا في هذه الأصناف الستة،
стр. 3335
والأشهر عن إمامنا (١) ومختار عامة الأصحاب: أنَّ علَّة الربا في النقدين؛ كونهما موزوني جنس. وفي الأعيان الباقية كونها مكيلات جنس، فيجري الربا في كل مكيل، أو موزون بجنسه.
(ولو) كان (يسيرًا لا يتأتَّى كيْلُه، كتمرةٍ بتمرةٍ، أو تمرةٍ بتمرتين) لعدم العِلم بتساويهما في الكيل (ولا) يتأتَّى (وَزْنُه، كما دون الاُرْزَة من الذَّهب والفضة) ونحوهما لما تقدم.
(مطعومًا كان) المكيل أو الموزون (أو غير مطعوم كالحبوب) من بُرٍّ، وشعير، وذرة، ودُخْن (٢)، وأرز، وعدس، وباقلاء (٣)، وغيرها، كحب الفجل والقطن والكتَّان (و) كـ (ــالأشْنانِ، والنُّورَة، والقطن، و) كـ (ــالحرير، والصوف، والحِنَّاء، والكَتَّان، والحديد، والنحاس، والرصاص، والذهب، والفضة ونحو ذلك) ممَّا يُكال أو يوزن (فتكون العِلَّة في النقدين كونهما موزوني جنس) فتتعدَّى إلى كل موزوني جنس مما تقدم.
(ويجوز إسلامهما) أي: الذهب والفضة (في الموزون من غيرهما) كالحرير، والصوف، والحناء، والكتَّان، ونحوها؛ للحاجة. قال القاضي: القياس المنع، وإنما جاز للمشقَّة.
(سوى ماءٍ، فإنه لا ربا فيه بحال. ولو قيل: هو مكيل لعدم تموُّله
стр. 3336
عادة) لإباحته في الأصل. قال في "المبدع": وفيه نظر؛ إذ العِلَّة عندنا ليست هي المالية.
(ولا يجري) الربا (في مطعوم لا يُكال ولا يوزن، كالمعدودات من التُّفاح، والرمان، والبطيخ، والجوز، والبيض ونحوها) فيجوز بيع بيضة وخيارة وبطيخة بمثلها. نص عليه (١)؛ لأنه ليس مكيلًا ولا موزونًا، لكن نقل مُهنا (٢): أنه كره بيع بيضة ببيضتين. وقال: لا يصلح إلا وزنًا بوزن؛ لأنه مطعوم.
(ولا) يجري الربا أيضًا (فيما لا يوزن) عُرفًا (لصناعته) ولو كان أصله الوزن، غير المعمول من النقدين (كالمعمول من الصُّفْر (٣)، والحديد، والرصاص ونحوه، كالخواتم) من غير النقدين (و) كـ (ــاللُّجُم، والأسْطال، والإبر، والسكاكين، والثياب، والأكسية، من حرير وقطن، وغيرهما) كصوف، وشعر، ووَبَرٍ (فيجوز بيع سكين بسكينتين و) بيع (إبرة بإبرتين ونحوه.
وكذا) يجوز بيع (فَلْس بفَلْسين عددًا، ولو نافقة) لأنها ليست بمكيل ولا موزون. أخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤) عن مجاهد قال: "لا بأس بالفَلْس بالفَلْسين يدًا بيد". وأخرج عن حماد مثله (٥). ونص أحمد (٦): لا يباع فَلْس بفَلْسين، ولا سكين بسكينتين.
стр. 3337
(وجيد الرِّبوي ورديئه) سواء (وتِبْره (١) ومضروبُه) سواء (وصحيحه ومكسوره، في جواز البيع متماثلًا) يدًا بيد (وتحريمه متفاضلًا) أو مع تأخير (٢) القبض (سواءٌ) فلا تُعتبر المساواة في القيمة، بل في معياره الشرعي من كيل أو وزن.
(فلا يجوز بيع مصنوع من الموزونات) لم تخرجه الصناعة عن الوزن بجنسه (إلا بمثله وزنًا) سواء ماثَلَه في الصناعة أوْ لا؛ لعموم الحديث السابق (٣).
(وجوَّز الشيخ (٤) بيعَ مصنوعٍ مباح) الاستعمال (كخاتم ونحوه بِيعَ بجنسه بقيمته حالًا، جعلًا للزائد) عن وزن الخاتم (في مقابلة الصنعة) فهو كالأجرة (وكذا جَوَّزه) أي: بيع خاتم بجنسه بقيمته (نَساءً ما لم يقصد كونها ثمنًا) فإن قصد ذلك لم يجز للنَّساء.
(وقال) الشيخ (٤): (وما خرج من القُوت بالصنعة كَنَشَأ (٥)) ككلأ (فليس بربوي، وإلا) أي: وإن لم يخرج عن القوت (فجنسٌ بنفسه، فيُباع (٦) خبز بهريسة) على اختيار الشيخ. والمذهب: ما يأتي من أنه لا يصح.
(وفي "المغني" و"الشرح": وإن قال للصائغ: صُغْ لي خاتمًا وَزْنُه
стр. 3338
درهمٌ، وأعطيك مِثْلَ زنته وأجرتَك درهمًا، فليس ذلك بيع درهم بدرهمين. قال أصحابنا: للصائغ أخذُ الدرهمين، أحدُهما في مُقابَلة) فضة (الخاتم، والآخر أُجرة له) في نظير عمله، وجزم بمعناه في "المنتهى".
(وجَهْلُ التساوي حالةَ العقد) على مكيل بجنسه، أو على موزون بجنسه (كعِلْمِ التفاضل) في منع الصحة إذا اتحد جنس المكيل، أو الموزون.
(فلو باع بعضَه) أي: بعض الربوي (ببعضٍ) من جنسه (جزافًا) لم يصح (أو كان) الجزاف (من أحد الطرفين) كمُدِّ بُرٍّ بِبُرٍّ جزافًا (حَرُمَ) البيع (ولم يصح) لعدم العلم بالتساوي (كقوله: بعتُك هذه الصُّبْرة بهذه الصُّبْرة، وهما) أي: الصُّبْرتان (من جنس واحد، وهما) أي المتعاقدان (يجهلان كَيْلهما) أي: كيل الصُّبْرتين، وهذا مثال للأولى (أو) يجهلان (كَيْل إحداهما) أي: إحدى الصُّبْرتين، ويعلمان كَيْل الأخرى، وهذا مثال الثانية.
(وإن علما) أي: المتعاقدان (كَيْلهما) أي: كَيْل الصُّبرتين (و) علما (تساويهما) في الكيل (صَحَّ) البيع؛ للعلم بالتساوي.
(وإن قال) البائع: (بعتُك هذه الصُّبرة بهذه الصُّبرة مكايلة صاعًا بصاع، أو) قال: (مثلًا بمثل، فكِيْلَتا، فبان تساويهما في الكيل، صَحَّ) البيع (وإلا، فلا) أي: وإن لم يتساويا بأن زادت إحداهما على الأخرى، بطل البيع؛ للتفاضل.
(وإن كانتا) أي: الصُّبْرتان (من جنسين) كما لو كانت إحداهما شعيرًا، والأخرى باقِلاء، فقال: بعتُك هذه الصُّبْرة بهذه الصُّبْرة (مِثلًا بمثل، فكِيْلَتا، فكانتا سواء، صَحَّ البيع) لعدم المانع.
(وإن تفاضلتا) أي: زادت إحداهما على الأخرى (فرضي صاحب الزيادة بدفعها إلى الآخر مجانًا، أو رضي صاحب الناقصة بها مع نقصها،
стр. 3339
أُقِرَّ العقد) لأن الحق لهما، فجاز ما تراضيا عليه، والجنس مختلف، فلم يضرَّ التفاضل (وإن تشاحَّا؛ فُسِخَ) العقد بينهما، قطعًا للنزاع.
(ولا يُباع ما أصلُه الكيلُ) كالحبوب والمائعات (بشيء من جنسه وزنًا، ولا) يُباع (ما أصله الوزن) بشيء من جنسه (كَيْلًا، إلا إذا علم تساويهما في معياره) أي: الأصل (الشرعي) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "الذهبُ بالذهبِ، والفضَّة بالفضة، وزنًا بوزنٍ، مثلًا بمِثْلٍ، فمن زاد أو اسْتَزادَ فهو ربًا" رواه مسلم (١).
وروى أبو داود من حديث عبادة مرفوعًا: "البُر بالبُر مدين بمدين (٢)، والمِلح بالملح مدين بمدين (٢)، والشعير بالشعير مدين بمدين (٢)، والتمر بالتمر مدين بمدين (٢)، فمن زاد أو ازْداد فقد أرْبَى" (٣). ف اعتبر الشارع المساواة في الموزونات بالوزن، وفي المكيلات بالكيل، فمن خالف ذلك خرج عن المشروع المأمور به، إذ المساواة المعتبرة فيما يحرم فيه التفاضل، هي المساواة في معياره الشرعي.
(فإن اختلف الجنسُ جاز بيعُ بعضِه ببعضٍ كيلًا أو وزنًا، وجزافًا ومتفاضلًا) لقوله ﷺ : "فإذا اختلفتْ هذه الأصنافُ فَبيعُوا كيف شِئْتُم يدًا
стр. 3340
بيدٍ" (١) (كذهب بفضة، و) كـ (ــتمر بزبيب، و) كـ (ــحنطةٍ بشعير، و) كـ (ــأُشْنانٍ (٢) بملح، و) كـ (ــجِصٍّ بنُورةٍ، ونحوه) كحديد بنحاس، وخزٍّ بكَتَّان.
(والجنس: ما له اسم خاص يشمل أنواعًا) أي: الجنس هو الشامل لأشياء مختلفة بأنواعها.
(والنوع: هو الشامل لأشياء مختلفة بأشخاصها). وقد يكون جنسًا بالنسبة إلى ما تحته، والجنس نوعًا بالنسبة إلى ما فوقه. والمراد هنا: الجنس الأخص والنوع الأخص، فكل نوعين اجتمعا في اسم خاص فهو جنس.
ثم مَثَّله فقال: (كذهب) وأنواعه: المغربي، والدكروري (وفضةٍ) وأنواعها: الريال والبنادقة ونحوها (وبُرٍّ) وأنواعه: البحيري، والصعيدي (وشعيرٍ) كذلك (وتمر) وأنواعه البرني، والمعقلي، والصيحاني وغيرها (وملح) وأنواعه المنزلاوي، والدمياطي.
(فكلُّ شيئين فأكثر أصلهما واحد، فهما جنس واحد، وإن اختلفت مقاصدُهما، كدُهن وَرْدٍ، و) دُهن (بنفسج و) دُهن (زَنْبق (٣)، و) دُهن (ياسمين ونحوها) كدُهن بَانٍ (إذا كانت كلُّها من دهنٍ واحد) كالشيرج (٤) (فهي جنس واحد) لاتحاد أصلها، وإنما طيبت بهذه الرياحين فنُسبت إليها، فلم تَصِرْ أجناسًا.
стр. 3341
(وقد يكون الجنس الواحد مشتملًا على جنسين، كالتمر يشتمل على النوى) وغيره (وهما) أي: النوى وما عليه (جنسان) بعد النزع؛ لأن كلًّا منهما له اسم خاص يشمل أنواعًا (و) كـ (ــاللَّبن يشتمل على المخيض (١) و) على (الزُّبْدِ، وهما) أي: المخيض والزُّبْد (جنسان) لما تقدم (فما داما) أي: التمر والنوى، أو المخيض والزُّبْد (متَّصلين) اتصال خِلْقة (فهما جنس واحد) لاتحاد الاسم (وإذا مُيِّز أحدهما عن الآخر، صارا جنسين) ولو خلطا يجوز التفاضل بينهما كما تقدم.
(وفروع الأجناس أجناس، كأدِقَّةٍ، وأخبازٍ، وأدهانٍ، وخُلولٍ) لأن الفرع يتبع أصله، فلما كانت أصول هذه أجناسًا، وجب أن تكون (٢) هذه أجناسًا؛ إلحاقًا للفروع بأصولها، فعلى هذا: دقيق الحنطة جنس، وخبزها جنس، ودقيق الشعير جنس، وخبزه جنس، ودُهن السمسم جنس، ودُهن الزيتون جنس، وخَلُّ التمر جنس، وخَلُّ العنب جنس، وهكذا، فعسل النحل وعسل القصب جنسان.
(واللحم أجناسٌ باختلاف أصوله) لأنها فروعُ أصولٍ هي أجناس، فكانت أجناسًا كالأخباز (وكذلك اللَّبن) أجناس باختلاف أصوله (فَضَأْنٌ ومَعْزٌ نوعا جنسٍ) لا يُباع أحدهما بالآخر إلا مِثلًا بمِثل يدًا بيد، وكذا البقر والجواميس، والبَخَاتي والعِراب.
(وسمين ظهرٍ، و) سمين (جَنْبٍ، ولحمٌ أحمرُ، جنس واحد) يتناوله اسم اللحم.
(والشحم، والألية، والكبد، والطِّحال) بكسر الطاء، يقال: هو
стр. 3342
لكل ذي كرش إلا الفرس، فلا طِحَال له، قاله في "الحاشية". (والرئة، والرؤوس، والأكارع، والدماغ، والكرش، والمعي، والقلب، والجلود، والأصواف، والعظام ونحوها أجناس) لأنها مختلفة في الاسم والخِلْقة، فكانت أجناسًا، كبهيمة الأنعام (فلا يَحرُم التفاضلُ بين أجناسها) ولو شحمًا بلحم؛ لأنهما جنسان كالنقدين.
(و يَحرم بيع جنس منها بعضُه ببعض متفاضلًا) لما تقدم، لكن لكل واحد منها أجناس باختلاف أصوله، فيجوز بيع رطل من رأس الضأن برطلين من رأس البقر، كاللحم.
(و) يَحرم (بيع خَلِّ عنب بخلِّ زبيب، ولو متماثلًا) لانفراد خَلِّ الزبيب بالماء.
(ويجوز بيع دِبْسٍ بـ) ــدِبْسٍ (مثله متساويًا) لا متفاضلًا؛ لاتحاد الجنس.
(ويصح بيع لحم بمثله من جنسه، إذا نُزع عظمه) وتساويا وزنًا، يدًا بيد، وإن اختلفا في الجنس، جاز التفاضل؛ لما تقدم.
(ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه) لما روى مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب أن النبي ﷺ : "نَهى عن بيع اللحم بالحيوان" (١).
стр. 3343
قال ابن عبد البر: هذا أحسن أسانيده (١)؛ ولأنه مال ربوي بِيعَ بما فيه من جنسه مع جهالة المِقدار؛ كالسمسم بالشيرج.
(ويصح) بيع لحم (بـ) ــحيوان (غير جنسه) لأنه مال ربوي بِيعَ بغير أصله وبغير جنسه، فجاز كما لو باعه بنقدٍ، لكن يحرم بيعه نسيئة عند جمهور الفقهاء، ذكره الشيخ تقي الدين (٢) (كَبِغَير مأكول) أي: كما يجوز بيع لحم بحيوان غير مأكول، كحمار وبغل.
(ولا يصح بيع حَبّ بدقيقه، ولا) بيع حَبٍّ (بسَويقه) لأن كل واحد منهما مكيل، ويُشترط في بيع المكيل بجنسه التساوي، وهو متعذِّرٌ هنا؛ لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن، والنار أخذت من السويق (ولا) يصح بيع (دقيق حب) كبُرٍّ (بسويقه) لأن النار قد أخذت من السويق، فهو كبيع
стр. 3344
الحنطة المقلية بالنيئة.
(ولا) يصح بيع (خبز، وزَلابية (١)، وهَريسة (٢)، وفالوذج (٣)، ونشأ ونحوها) كسنبوسك (٤) وحريرة (٥) (بحبِّه) لأن فيها ماء؛ فلا يتأتَّى العلم بالمماثلة.
(ولا) يصح بيع خبز وما عطف عليه (بدقيقه) أو سويقه (كيلًا، ولا وزنًا) لعدم العلم بالتماثل.
(ولا يصح بيع نِيئهِ بمطبوخه كخبز بعجين، وحنطة مقلية بنيئة) لأخذ النار من أحدهما فتفوت المماثلة.
(ولا) يصح بيع (أصله) أي: أصل ربوي (بعصيره، كزيتون بزيته ونحوه) كسمسم بشَيْرجه، وحب كتان بزيته.
(ولا) بيع (خالصه) بمَشُوبه (أو مَشُوبه بمَشُوبه، كحنطة) خالصة
стр. 3345
أو فيها شعير (بحنطة فيها شعير يقصد تحصيله، أو فيها زوان (١) أو تُراب يَظهر أثره) لانتفاء التساوي (إلا اليسير) أي: إذا كان الشعير ونحوه يسيرًا لا يُقصد تحصيله، ولا يَظهر أثره، فلا يمنع الصحة؛ لأنه لا يُخِلُّ بالتماثل.
(ولا يَصح بيع عَسَلٍ) خالص من شمعه، أو فيه شمعه (بعسلٍ فيه شمعه) لعدم العلم بالتماثل.
(ولا) بيع (لَبَنٍ بِكَشْكٍ (٢)) لأن اللبن فيه مقصود، فهو بيع لبن بلبن، ومع أحدهما غيره (ولا) بيع (حَبٍّ جيد بمُسوِّس) لعدم العلم بالتماثل.
(بل) يصح بيع الحَب الجيد (بخفيف وعتيق) من جنسه إذا تساويا كيلًا؛ لأنهما تساويا في معيارهما الشرعي، فلا يؤثّر اختلافهما في القيمة.
(ولا) يصح بيع (رطبه) أي: رطب جنس ربوي (بيابسه، كـ) ــبيع (الرُّطب بالتمر، والعنب بالزبيب، والحنطة المبلولة أو الرَّطْبة باليابسة) لحديث سعد بن أبي وقاص: "أن النبيَّ ﷺ سُئل عن بيع الرُّطب بالتَّمرِ؟ فقال: أيَنْقُصُ الرُّطب إذا يَبِسَ؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك". رواه مالك وأبو داود (٣). فعلل بالنقصان إذا يبس، وهذا موجود في كل
رُطب بِيع بيابسه (إلا) في (العرايا. ويأتي) قريبًا؛ فيصح بيع الرُّطب بالتمر فيها بشروطه.
(ويصح بيع دقيقهِ بدقيقهِ كَيْلًا إذا استويا في النعومة) فإن اختلفا في النعومة، لم يصح البيع، لعدم التساوي، وإن اختلف جنس الدقيقين، صحَّ كيف تراضيا عليه يدًا بيد.
(و) يصح بيع (مطبوخِه) أي: مطبوخ جنس ربوي (بمطبوخه) كخبز بخبز، إذا استويا، وكسَمْن بسمن (ولا تَمنعُ زيادةُ أخْذِ النار من أحدِهما أكثرَ من الآخر إذا لم يكثُرْ) أخذ النار من أحدهما؛ لأنه لا يمنع من التساوي، فإن كَثُرَ مَنَعَ الصحة؛ لعدم التساوي (وما فيه) أي: في المطبوخ (من الملح والماء غير مقصود، لا يَضُرُّ) أي: لا يمنع الصحة (كالملح في الشَّيْرج) فلا يصير كبيع مُدِّ عجوة ودرهم (١)؛ لعدم قَصْدِ الماء والملح.
(فإن يَبِسَ الخبزُ ودُقَّ وصار فَتيتًا، بِيعَ بمثله) في اليبوسة والدِّقة
стр. 3348
(كيلًا) لأنه بالدَّق انتقل من الوزن إلى الكيل.
(فإن كان فيه) أي: في المطبوخ (من غيره من فروع الحِنطة مما هو مقصودٌ كالهريسة والحَريرة والفالوذج وخُبز الأبازِير (١)) فلا يجوز، أي: الخبز المضاف إليه الأبازير المقصودة؛ لا اليسيرة التي لا تُقصد؛ كما تقدم. (والخُشْكَنانك (٢)، والسنبوسك (٣) ونحوه) كالكعك (فلا يجوز بيعُ بعضِه ببعض) كبيع هَريسة بهريسة؛ لأنه من مسألة مُدِّ عَجوة ودرهم، وتأتي.
(ولا) يصح أيضًا (بيعُ نوعٍ منه بنوعٍ آخر) كبيع خبز بهَريسة، أو هَريسة بحَريرة، أو سنبوسكة بخُشْكَنانكة لما تقدم.
(ويجوز بيع الرُّطَب) بمثله متساويًا (و) بيع (العنب) بمثله متساويًا (و) بيع (اللِّبَأ) بمثله متساويًا. واللِّبأ بوزن عنب مهموزًا: أول اللبن في النتاج، ذكره في "الحاشية". (و) بيع (الأقِط) بمثله متساويًا (و) بيع (الجُبن) بمثله متساويًا (و) بيع (السمن ونحوه بمثله متساويًا) لما تقدم
(والتساوي بين الأقِطِ والأقِط) بالكيل (وبين الرُّطب والرُّطب بالكيل) لأنه معيارهما الشرعي.
(و) التساوي (بين الجُبن والجُبن بالوزن؛ لأنه لا يمكن كَيْله، وكذلك) العِنب و (الزُّبْدُ والسمن) فهي موزونة؛ لأنه لا يمكن كيلها
стр. 3349
(قلت: ومثله العَجوة إذا تجَبَّلت فتصير من الموزون) لأنه لا يمكن كيلها.
(ويصح بيع خُبز) حبٍّ كبُرٍّ (بخُبزه) إذا تساويا (و) بيع (نشائه بنشائه إذا استويا في النَّشاف، أو الرُّطوبة، وزنًا متساويًا) فإن اختلفا لم يصح؛ للتفاضل.
(وفي "المُبْهج": لا يجوز بيع فَطير بخمير) ولعلَّ مراده إذا لم يتساويا في النَّشاف أو الرُّطوبة، فيوافق كلام الأصحاب.
(ويصح بيعُ عصيرِ جنسٍ بعصيرِه) كعصير عنب بعصير عنب (ولو مطبوخين) إذا استويا كما تقدم، فإن كان أحدُهما مطبوخًا دون الآخر، لم يصح البيع، كما تقدم.
(و) يصح بيع (رَطْبه برَطْبه) بسكون الطاء، أي: رَطْب جنس ربوي برَطْبه (من عنبٍ، ورُطَبٍ ونحوهما) كمشمش، وتوت بيع بمثله من جنسه متساويًا.
(ولا يصح بيع زُبْدٍ بسمن) لأنه كبيع مشوب بخالص؛ لفوات التساوي (ويجوزان) أي: يجوز بيع الزُّبْد والسمن (بمَخِيض (١)) يدًا بيد؛ لاختلاف الجنس، و (لا) يجوز بيع سمن أو زُبْد (بلَبَنٍ) لأنه أصلهما، ولا يُباع فرع بأصله كما تقدم.
(و) لا يبيع السمن، أو الزُّبْد بـ (ــفروعه) أي: فروع اللبن (كاللِّبأ ونحوه) من جُبْن، أو أقِطٍ ونحوه.
(ولا) يصح (بيعُ لبنٍ بمخيض) لأن المخيض فرع اللبن.
ولا يصح بيع أصلٍ بفرعه (أو جامد) أي: لا يصح بيع لَبَنٍ بلَبَن جامد؛ لعدم طريق العلم بالتساوي (أو) أي: لا يصح بيع لبن
стр. 3350
بـ (ــمصْلٍ (١)، أو جُبن، أو أقِط) لأنه بيع أصل بفرعه.
(ولا يصح بيع المُحَاقلة) لقول أنس: "نهى النبيُّ ﷺ عن المحاقَلَة" رواه البخاري (٢)، والنهي يقتضي التحريم والفساد.
(وهو) أي: بيع المُحاقلة (بيعُ الحبّ المشتدّ في سنبله بحبٍّ من جنسه) لأن الحب إذا بِيع بجنسه لا يُعلم مقداره بالكيل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
والمُحاقلة: من الحقل، وهو الزرع إذا تشعَّب قبل أن تغلظ سوقه.
(ويصح) بيع الحَبِّ المشتدِّ في سنبله (بغير جنسه مكيلًا كان، أو غيره) لأنه إذا اختلف الجنس جاز البيع كيف شاء المتبايعان يدًا بيد.
(ولا) تصح (المُزابنة) لقول ابن عمر: "نهى النبيُّ ﷺ عن المُزابنة" متفق عليه (٣).
(وهي) أي المُزابنة: (بيع الرُّطَب في رؤوس النخل بالتمر).
والزبْنُ لغةً: الدفع الشديد، ومنه وُصِفت الحرب بالزبون؛ لشدة الدفع فيها. وسُمِّي الشرطيُّ زبينًا؛ لأنه يدفع الناس بشدة وعنف.
(إلا في العَرايا التي رخَّص فيها) أي: رخَّص فيها ﷺ . رواه أبو هريرة (٤)، وزيد بن ثابت (٥)، وسهل بن أبي
стр. 3351
حثمة (١)، متفق عليه.
(وهي) أي: العرايا: جمع عَريَّة. قال الجوهري (٢): العَريَّة: النخلة يعريها رجلًا محتاجًا، فيجعل ثمرها له عامًا، فَعِيلة بمعنى مفعولة. وقال أبو عبيد (٣): هي اسم لكل ما أفرد عن جملة سواء كان للهبة، أو للبيع، أو الأكل. وقيل: سُمِّيت به؛ لأنها مُعرَّاة من البيع المحرَّم، أي: مُخْرَجة منه (بيع الرُّطب في رؤوس النخل) لأن الرُّخصة وردت في بيعه على أصوله للأخذ شيئًا فشيئًا لحاجة التفكُّه. رُوي عن محمود بن لبيد قال: قلت لزيد: ما عراياكم هذه؟ فسمَّى رجالًا محتاجين من الأنصار شكَوْا إلى النبي ﷺ "أنَّ الرطب يأتي، ولا نَقْدَ بأيْديهم يتبايعون به رُطَبًا، وعندهم فضولٌ من التَّمْر، فرخَّص لهم أن يتبايعوا العَرايَا بِخَرْصِها من التّمْر الذي في أيْديهم يأكلونه رُطَبًا" متفق عليه (٤).
стр. 3352
(خَرْصًا بمآله): أي: بما يؤول إليه الرّطب (يابسًا) لا أقل ولا أكثر؛ لأن الشارع أقام الخَرْصَ مقامَ الكيل؛ فلا يُعدل عنه، كما لا يُعدل عن الكيل فيما يُشترط فيه الكيل.
(بمثله عن التَّمْر) فلا يجوز بيعها بخَرْصها رُطبًا، ولا بزيادة عن خَرْصها أو نقص منه (كَيْلًا) أي: يكون التمر المُشترى يه كيلًا (معلومًا لا جزافًا) لقوله في الحديث: "رخَّص في العرايا أن تُباع بخَرْصها كَيْلًا" (١).
ولأن الأصل اعتبارُ الكيل من الجانبين، سقط في أحدهما، وأُقيم الخَرْصُ مقامه للحاجة، فيبقى الآخر على مقتضى الأصل.
(فيما دونَ خمسةِ أوسُق) لقول أبي هريرة: "إن النبي ﷺ رخَّص في العرايا أن تُباع بخَرْصِها فيما دون خمسة أوْسُق، أو خمسةِ أوْسُقٍ" متفق عليه (٢)، شك داود بن الحصين؛ أحدُ رواته، فلا يجوز في الخمسة؛ لوقوع الشك فيها.
(لمن به حاجة إلى أكل الرُّطَب) لما تقدم من الحديث، وما جاز
стр. 3353
للحاجة لا يجوز عند عدمها؛ كالزكاة للمساكين.
(ولا نَقْدَ معه) أي: مع المشتري؛ لما تقدَّم في حديث زيد (١) (فيصحُّ) بيع العرايا بهذه الشروط.
(ولو كان ثمر النَّخْل) أي: الرُّطب الذي على رؤوس النخل (غير موهوب لبائعه) أي: لا يُشترط في العرية أن تكون موهوبة لبائعها، خلافًا للخرقي وصاحب "التلخيص".
(فإن كان) الرُّطب في العَريَّة، وفي نسخ: "فإن كانت"، أي: العَريَّة (خمسة أوسق فأكثر، بطل) اليع (في الجميع) لما تقدم من حديث أبي هريرة.
(ويُشترط فيها) أي: في العرايا (٢) (حُلولٌ وقَبْضٌ من الطرفين في مجلس بيعها، فـ) ــالقبض (في نخلٍ بتخليته) أي: تخلية البائع بين المشتري وبينه (و) القبض (في تمرٍ بكيله) لما تقدم.
(ولو سَلَّم أحدُهما) ما عليه (ثم مَشَيا معًا إلى الآخر، فتسلَّمه، صحَّ) البيع؛ لعدم التفرق قبل القبض.
(ولو باع رجلٌ عاريَّةً من رَجُلين فأكثر فيها) أي: في العريَّة (أكثر من خمسة أوسُق، جاز) البيع، حيث كان ما أخذه كلُّ واحد دون خمسة أوسق (فلا يتقيَّد) البيع (في حقِّ البائع بخمسة أوسُق) بل يتقيد في حقِّ المشتري.
(وإن اشترى) إنسان (عَريتين فأكثر من رجلين فأكثر، وفيهما أقل من خمسة أوسُق، جاز) البيع؛ لوجود شَرْطه، وإن كان فيهما خمسة
стр. 3354
أوسق فأكثر لم يجز.
(ولا يجوز بيع العرِيَّة لغنيٍّ) معه نَقْدٌ يشتري به؛ لمفهوم ما تقدم.
(ولو باعها) أي: العرية (لواهبها تحرُّزًا من دخول صاحب العَرية، أو) من دخول (غيره لا لحاجة الأكل) لم يجز لما سبق.
(أو اشتراها) أي: العرية (بـ) ـــمثل (خَرْصها رُطَبًا، لم يجز) لما سبق.
(ولو احتاج) إنسان (إلى أكل التمر، ولا ثمن معه إلا الرُّطب، لم يبعه به) أي: بالتمر (فلا تُعتبر حاجة البائع) لأن الرُّخصة لا يُقاس عليها، وقال أبو بكر والمجد بجوازه، وهو بطريق التنبيه؛ لأنه إذا جاز مخالفة الأصل لحاجة التفكُّهِ، فلِحاجة الاقتياتِ أَولى، والقياس على الرُّخصة جائزٌ إذا فُهمت العلة.
(ولا يُباع الرُّطب الذي على الأرض بتمر) للنهي عنه كما سبق (١).
(ولا تصح في سائر الثمار) اقتصارًا على مورد النص، وغيرها لا يساويها في الحاجة، وفي الترمذي من حديث رافع، وسهل مرفوعًا: "أنه نهى عن المُزابَنَة: الثَّمر بالتمر، إلا أصحاب العَرايا، فإنه قد أذن لهم. وعن بيع العنب بالزبيب" (٢).
(ولا يصح بيعُ ربوي بجنسه، ومع أحدهما أو معهما) أي: الثمن والمثمن (من غير جنسهما كمُدِّ عجوة ودرهمٍ بمثلهما) أي: بمُدِّ عَجوة
стр. 3355
ودرهم، ولو كان الدرهمان والمُدَّان من نوع واحد (أو بمُدَّين) من عَجوة (أو بدرهمين) نص عليه (١)، وتُسمَّى مسألة مُدّ عَجوة ودرهم، ولو كان الدرهمان والمُدَّان من نوع؛ لما روى فضالة بن عبيد قال: "أُتي النبيُّ ﷺ بقلادة فيها خَرَزٌ وذهبٌ ابتاعها رجُلٌ بتسعة دنانير أو سبعة، فقال له النبيُّ ﷺ : لا، حتى تميِّز ما بينهما، قال: فرَدَّهُ" رواه أبو داود (٢). وفي لفظ لمسلم: "أن النبيَّ ﷺ أمر بالذهب الذي في القلادة فنُزعَ وحده، ثم قال لهم: الذهبُ بالذهب وزْنًا بوزْنٍ" (٣).
وللأصحاب في توجيه البطلان مأخذان:
أحدهما، وهو مأخذ القاضي وأصحابه: أن الصفقة إذا جَمعت شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن على قَدْر قيمتهما، كما لو اشترى شِقْصًا وسيفًا، فإن الشفيع يأخذ الشِّقْص بقِسطه منه. وهذا يؤدِّي هنا: إما إلى العلم بالتفاضل، أو إلى الجهل بالتساوي، وكلاهما يُبطِل العقد؛ فإنه إذا باع درهمًا ومُدًّا يساوي درهمين بمُدَّين يساويان ثلاثة دراهم، كان الدرهم في مقابلة ثُلثي مُدّ، ويبقى مُدٌّ في مقابلة مُدٍّ وثُلث؛ وذلك ربًا. فلو فُرض التساوي كمُدٍّ يساوي درهمًا ودرهم بمُدٍّ يساوي درهمًا ودرهم، لم يجز؛ لأن التقويم ظنٌّ وتخمين، فلا يتحقَّق معه المساواة،
стр. 3356
والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. وضعَّف هذه الطريقة ابن رجب (١)، قال: لأن التقسيم هو قسمة الثمن على قيمة المثمن، لا أجزاء أحدهما على قيمة الآخر.
والمأخذ الثاني: سَدُّ ذريعة الربا؛ لئلا يُتخذ ذلك حيلة على الربا الصريح، كبيع مائة درهم في كيس بمائتين، جعلًا للمائة في مقابلة الكيس، وقد لا يساوي درهمًا. وفي كلام الإمام إيماء إلى هذا المأخذ (٢).
(ولو دفع إليه) أي: إلى آخَرَ: (درهمًا، وقال: أعطني بنصف هذا، الدرهم نصف درهم، وبنصفه الآخر فلوسًا، أو حاجة)، كخبز ونحوه، جاز.
(أو) دفع إليه درهمًا، وقال: (أعطني بالدرهم نصفًا وفلوسًا ونحوه) كما لو دفع درهمين وقال: أعطني بأحدهما لحمًا، وبالآخر نصفين، ففعل (جاز) وصَحَّ.
(كما لو دفع إليه درهمين وقال: أعطني بهذا الدرهم فلوسًا، وبالآخر نصفين (٣)) وفعل، فإنه يجوز؛ لوجود التساوي، ولأن ذلك بمنزلة عقدين، أحدهما: صرف نصف الدرهم بنصف الدرهم، أو صرف الدرهم بنصفين. والآخر: بيع الفلوس أو الحاجة بالنصف أو الدرهم الآخر، فليس من مسألة مُدِّ عجوة.
(وإن باع نوعي جنسٍ) بنوع منه، أو نوعين، جاز، كتمرٍ مَعْقِلي
стр. 3357
وإبراهيمي بِبَرْني، أو بِبَرْني وصَيْحاني، مِثْلًا بمِثْل، يدًا بيد.
(أو) باع (نوعًا بنوع منه) أي: من جنس واحد (أو) باع نوعًا بـ (ــنوعين) من جنس (كدينار قُراضَةً. وهي قطع ذهب أو فضة. بـ) ــدينار (صحيح.
أو) باع (قُراضةً وصحيحًا بصحيحين، أو بقُراضَتين، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء، أو تمرًا بَرْنيًّا ومَعْقِليًّا بإبراهيمي ونحوه، صحَّ) البيع في هذه الصور وما أشبهها؛ لأن الشارع اعتبر المِثْلية في ذلك، فدلَّ على الإباحة عندها؛ وهي في الموزون وزنًا، وفي المكيل كيلًا، والجودة ساقطة هنا؛ أشبه ما لو اتفق النوع.
(وما لا يُقصدُ عادةً، ولا يُباع مُفرَدًا، كذهبٍ مُموَّهٍ به سقفُ دار) كالمعدوم (فيجوز بيع الدار) المُموَّه سقفها بذهبٍ (بذهبٍ وبدارٍ مِثْلها) سقفها مُموَّه بذهب؛ لأن الذهب في السقف غير مقصود، ولا مقابل بشيء من الثمن.
(وكذا ما لا يؤثِّر في كيل، أو وزن فيما بيع بجنسه لكونه يسيرًا، كالملح فيما يُعمل فيه) كخبز، وجُبن (وحبات الشعير في الحنطة، ولو) كان (في أحدِهما دون الآخر) لأنه غير مقصود؛ فيجوز بيع رغيف برغيف مثله، ورطل من جُبن برطل من جُبن.
(وكذا إن كان غيرُ المقصود كثيرًا؛ إلا أنه لمصلحة المقصود، كالماء في خَلِّ التمر، و) خَلِّ (الزّبيب، ودِبْس التمر، فلا يُمنع بيعُه) أي: ما ذكر من الخل والدبس (بمثلِه) فيجوز بيع خَلِّ التمر بخلِّ التمر، وخلِّ الزبيب بخَلِّ الزبيب، ودبس التمر بدبس التمر، مثلًا بمِثْل، يدًا بيد. ولا أثر لما فيه من الماء؛ لأنه غير مقصود.
стр. 3358
و (لا) يجوز (بيعه) أي: خَلّ الزبيب (بخَلِّ العنب، لأنه كبيع التمر بالرُّطب) وهو غير جائز كما تقدم (١).
(وإن كان غيرُ المقصود كثيرًا، وليس من مصلحته) أي: مصلحة ما أُضيف إليه (كاللَّبن المَشوب بالماء) إذا بيع (بمثله، والأثمان المغشوشة) إذا بيعت (بغيرها) أي: بأثمان خالصة من جنسها (لم يجز) للعلم بالتفاضل.
(وإن باع دينارًا) أو درهمًا (مغشوشًا بمثله) أي: بدينار، أو درهم مغشوش (والغِشُّ فيهما) أي: في الثمن والمثمن (متفاوتٌ، أو غير معلومِ المقدار لم يجز) لأن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.
(وإن علم التساوي في الذهب) الذي في الدنانير (٢) (و) علم تساوي (الغش الذي فيهما، جاز) بيع أحدهما بالآخر (لتماثلهما في المقصود) وهو الذهب (أو) لتماثلهما (في غيره) أي: الغش. وليست من مسألة مُدِّ عَجوة (لكون الغش غيرَ مقصود؛ فكأنه لا قيمة له) كالملح في الخبز على ما تقدم.
(قال في "الرعاية": وكذا - يعني: ما لا يُقصد عادةً - ثوبٌ طِرازه ذهبٌ، لا يُمنع من البيع بجنسه) أي: بثوب طرازه ذهب (ولا) يُمنع (بيع نخلةٍ عليها رُطبٌ) أو تمر (بمثلها) أي: بنخلة عليها رُطبٌ أو تمر (أو) بيع نخلة عليها رُطب أو تمر (برُطب) أو تمر. (ويأتي بيع العبد ذي المال آخر باب بيع الأصول) والثمار.
(ولا يصح بيع تمر منزوعِ النَّوى بما) أي: بتمر (نواه فيه؛ لاشتمال أحدِهما على ما ليس من جنسه، وكذا إن نَزَع النوى) من التمر
стр. 3359
(ثم باع النوى والتمرَ المنزوعَ نواه، بنوىً وتمرٍ، لم يصح) البيع؛ لأن التبعية قد زالت، فصار كمسألة مُدِّ عجوة.
(وإن باع) تمرًا (منزوعَ النَّوى بـ) ــتمر (منزوعِ النَّوى، جاز) البيع للتساوي، كما لو كان في كل واحد منهما نواه.
(ويصح بيع نوىً بتمر فيه نوىً متساويًا ومتفاضلًا) لأن النوى في التمر غير مقصود، أشبه ما لو باع دارًا - مُوِّهَ سقفها بذهب - بذهب.
(و) يصح بيع (لبنٍ بشاةٍ ذات لبن. و) بيع (صوف بنعجة عليها صوف، حية كانت) النعجة (أو مُذكَّاة) لأن اللبن في الشاة والصوف عليها غير مقصود، كالنَّوى في التمر.
(و) يصح بيع (درهم فيه نُحاسٌ بنُحاسٍ) لأن النُّحاس في الدرهم غير مقصود (أو) أي: ويصح بيع درهم فيه نُحاس (بمثله) أي: بدرهم فيه نُحاس (متساويًا) أي: إذا تساوى ما فيهما من الفضة والنُّحاس؛ لكون النحاس فيهما غير مقصود.
(و) يصح بيع (ذات لَبَنٍ) بذات لَبَنٍ (أو) ذات (صوف بمثلِها) لأن الصوف واللبن فيها غير مقصود، أشبه الملح في الخبز أو الشَّيْرج (١).
ويصح بيع تراب معدن وصاغة بغير جنسه.
(ومرجع الكيل: عُرْفُ المدينة) على عهد النبي ﷺ (و) مرجع (الوزن: عُرْف مكة، على عهد النبي ﷺ ) لما روى عبد الملك بن عمير (٢) أن النبي ﷺ قال: "المكيالُ مكيالُ المدينة، والميزانُ ميزانُ
стр. 3360
مكة" (١). وكلامه ﷺ إنما يُحمل على تبيين الأحكام، فما كان مكيلًا
стр. 3361
بالمدينة في زمنه ﷺ انصرف التحريم بتفاضل الكيل إليه، فلا يجوز أن يتغير بعد ذلك، وهكذا الموزون.
(وما لا عُرْف له بهما) أي: بمكة والمدينة (اعتُبر عُرفُه في موضعه) لأن ما لا حدَّ له في الشرع يُرجع فيه إلى العُرف، كالحرز والقبض.
(فإن اختلفت البلادُ) التي هي مواضعه (اعتُبر الغالبُ) منها (فإن لم يكن) غالب (رُدَّ إلى أقرب الأشياء به شبَهًا بالحجاز) لأن الحوادث تُردُّ إلى أشبه المنصوص عليه بها.
وقوله: (فإن تعذَّر) ردُّه إلى أقرب الأشياء به شَبَهًا بالحجاز (رُجع إلى عُرْف بلده) مبنيٌّ على الوجه الثاني في أن ما لا عُرْف له بمكة والمدينة، يُردُّ إلى أقرب الأشياء به شَبَهًا بالحجاز، كما نقله في "الإنصاف" عن "الحاوي" وغيره، وليس مبنيًا على المذهب؛ لأن ردّه إلى ذلك على المذهب إنما هو إذا لم يكن له عُرْف بلده.
(والبُرُّ والشعير مكيلان) وكذا الأقِط (وكذا الدقيق، والسويق، وسائر الحبوب، والأبازير (١)، والأشنان، و) كذا (الجِصُّ والنُّورة) ويأتي
стр. 3362
في السَّلَم أنه يُسلَم فيهما وزنًا (ونحوها) أي: نحو الجص والنُّورة.
(وكذا التمر والرطب والبُسر) وباقي ثمر النخل (وسائر ما يجب فيه الزكاة من الثمار، مثل: الزبيب، والفستق، والبندق، واللوز، والبُطْمُ (١)، والعُنَّاب (٢)، والمِشْمِش، والزيتون، والملح، والمائع كله): من لبن، وخَلٍّ، وزيت، وشَيْرج، وسائر الأدهان. وجعل في "الروضة" العسل موزونًا.
(و يجوز التعامل بكيل لم يُعهد) أي: لم يتعارف.
(ومن الموزون: الذهب، والفضة، والنُّحاس، والحديد، والرصاص، والزئبق، والكَتَّان، والقُطن، والحرير، والقَزُّ، والشَّعْر، والوبر والصوف والغَزْل، واللؤلؤ، والزُّجاج، والطين الأرمني الذي يؤكل دواءً، واللَّحْم، والشحم، والشَّمْع، والزعفران، والعُصْفر، والوَرْس، والخُبْز) إلا إذا يبس ودُق وصار فتيتًا، فهو مكيل وتقدم (٣) (والجُبن، والعِنَب، والزُّبد، ونحوه) أي: نحو ما ذكر. قال الموفق والشارح: يُباع السمن بالوزن، ويتخرَّج أن يُباع بالكيل.
(وغير المَكيل والموزون كالثياب، والحيوان، والجَوْز، والبيض، والرُّمان، والقثاء، والخيار، وسائر الخضر، والبقول، والسفرجل، والتفاح، والكُمَّثْرى، والخوخ ونحوها) كالإجَّاص، وكل فاكهة رطبة، ذكره القاضي.
стр. 3363
فصل
(وأما ربا النسيئة) من النَّساء بالمد، وهو: التأخير، يُقال: نسأت الشيء وأنسأته: أخَّرته.
وقد أشار إلى معناه الخاص هنا، فقال: (فكلُّ شيئين) من جنس، أو جنسين (ليس أحدُهما نقدًا) ذهبًا أو فضة، و (عِلَّة ربا الفضل) وهو الكيل والوزن كما تقدم (١) (فيهما واحدة، كمكيل بمكيل) من جنسه أو غيره (بأن باع مُدَّ بُرٍّ بجنسه) أي: ببرٍّ (أو) باع مدَّ بُرٍّ (بشعير ونحوه) كباقلا، وعدس، وأرز، (وموزون بموزون، بأن باع رطل حديد بجنسه) أي: حديد (أو) باع رطل حديد (بنُحاس ونحوه) كرصاص، وقطن، وكتان (لا يجوز النَّساء فيهما) بغير خلاف نعلمه (٢). قاله في "الشرح".
لقوله ﷺ في حديث أبي سعيد: "ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز" (٣).
ولقوله ﷺ : "الذَّهب بالورِق ربًا، إلا هاءَ وهاءَ" (٤).
ومعناها على اختلاف لغاتها: خُذْ وهَات في الحال، يدًا بيد.
(فيُشترط) لصحة البيع في ذلك (الحلولُ والقبضُ في المجلس) لما ذكر.
ثم إن اتّحد الجنس اعتُبر التماثل، وإلا جاز التفاضل كما تقدم (٥).
стр. 3364
(فإن تفرَّقا) أي: المتعاقدان (قبلَه) أي: قبل القبض من الجانبين (بطل العقد) لما تقدم من قوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، يدًا بيدٍ" (١). والمراد به القبض.
(وإن كان أحدُهما) أي: أحد المبيعين (نقدًا فلا) يحرم النَّساء، ولا يبطل العقد بتأخير القبض، ولو كان الثاني موزونًا، كبيع حديد، أو نحاس أو نحوه، بذهب أو فضة. قال في "المبدع": بغير خلاف (٢)؛ لأن الشارع أرخص في السَّلم، والأصل في رأس ماله النقدان، فلو حرم النَّساء فيه لانسدَّ باب السَّلم في الموزونات غالبًا.
(ولو في صَرْفِ فلوسٍ نافقةٍ به) أي: بنَقْدٍ، فيجوز النَّسَاء، و (اختاره الشيخ (٣) وغيره) كابن عقيل، وذكره الشيخ رواية. قال في "الرعاية": قلت: إن قلنا: هي عَرْض، جاز وإلا؛ فلا (خلافًا لما في "التنقيح") من أنه يُشترط الحلول والتقابض في صرْفِ نَقْدٍ بفلوس نافقة. والذي قاله في "التنقيح" قدَّمه في "المبدع"، وذكر في "الإنصاف" أنه الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، ونص عليه، وقدَّمه في "المحرر"، و"الفروع"، و"الرعايتين"، و"الحاويين"، و"الفائق" اهـ. وجزم به في "المُنتهى".
(وإن اختلفتِ العلَّة فيهما) أي: في المبيعين (كما لو باع مكيلًا بموزون، جاز التفرُّق قبل القبض، و) جاز (النَّساء) أي: التأجيل؛ لأنهما لم يجتمعا في أحد وَصْفَي عِلة ربا الفضل، أشبه الثياب بالحيوان.
стр. 3365
(وما كان مما ليس بمكيل ولا موزون، كثياب وحيوان وغيرهما، يجوز النَّساء فيه، سواء بيع بجنسه، أو بغير جنسه، متساويًا أو متفاضلًا) لأمر النبي ﷺ عبد الله بن عمرو "أن يأخُذَ على قَلائِصِ الصَّدقة، فكان يأخذ البعيرَ بالبَعيرَين، أي: إلى إبل الصدقة" رواه أحمد، والدارقطني وصححه (١). وإذا جاز في الجنس الواحد ففي الجنسين أَولى.