الدرب (فتنازعا) أي: الرجلان (في الدَّرب، حُكِمَ بالدَّرب من أوله إلى الباب الذي يليه) أي: أول الدرب (بينهما) لأن لهما الاستطراق فيه جميعًا (و) حكم (بما بعدَه) أي: بعد الباب الأول (إلى صَدْر الدَّرب للآخر، يختصُّ به ملكًا له) لأن الاستطراق في ذلك له وحده، فله اليد والتصرُّف فيما جاوز بابه (وله) أي: لصاحب الباب الآخر (أن يجعله) أي: ما بعد باب الأول (دِهْليزًا لنفسه، و) له (أن يدخله في داره على وجهٍ لا يضرُّ بجاره) لأنه ملكه، فجاز له التصرُّف فيه كيف شاء بلا ضرر.
(ولا يضع) أحد من أهل الدَّرْب المشترك (على حائطه) أي: الدَّرْب (شيئًا) لأنه تصرُّف في مشترك بغير إذن باقي الشركاء (وليس له أن يفتح في حائط جاره) رَوْزَنةً، ونحوها (ولا) أن يفتح في (الحائط المشترك رَوْزَنة ولا طاقًا، ولا غيرهما من التصرُّفات، حتى بضَرْب وَتَدٍ) أو مسمار أو نحوه؛ إذ لا فَرْق؛ لأنه انتفاع بملك غيره بما له قيمة بغير إذنه؛ فمنع منه، كالبناء عليه.
والرَّوْزَنة: الكوة، بفتح الكاف وضمها: الخرق في الحائط، والطاق: ما عطف من البنيان. ومنه طاقة القبلة.
(ولا أن يُعْليه) أي: يُعْلي حائط جاره أو المشترك (ولا) أن (يُحْدِث عليه سُتْرةً، ولا) أن يُحدِث عليه (حائطًا، ولا خُصًّا (١) يَحجز به بين السطحين إلا بإذن صاحبه) أو شريكه، لما تقدم.
(وإن صالحه عن ذلك) أي: عن البناء عليه، أو وضع السترة أو الخصِّ ونحوه (بعوض، جاز) الصلح، سواء كان إجارة في مدة معلومة،
стр. 3642
أو صُلحًا على وضعه على التأبيد، ومتى زال فله إعادتُه، ويحتاج لوصف البناء، كما تقدم (١).
(وله الاستناد إليه) إلى جدار جاره أو المشترك (وإسناد شيء لا يضرُّه، والجلوس في ظله، ونظره في ضوء سراجه بلا إذن) لأن هذا لا مضرة فيه، والتحرُّز منه يشق.
(قال الشيخ (٢): العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة، لا يصح أن يرد عليها عقد بيع، و) لا عقد (إجارة اتفاقًا، كمسألتنا) أي: كالاستناد إلى الحائط ونحوه، ومثلها في العين نحو حبة بُرٍّ.
(ولو كان له حق ماء يجري على سطح جاره، لم يجز له) أي: لجاره (تعلية سطحه ليمنع) جريان (الماء) على سطحه؛ لأنه إبطال لحق جاره، وكذا ليس له تعليته ليكثر ضرر جاره (ولو كثر ضرره) بجريان الماء على سطحه؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر.
(وليس له وضع خشبه على حائط جاره، أو) الحائط (المشترك) بلا إذنه (إلا عند الضرورة بأن لا يمكنه التسقيف إلا به) أي: بوضع الخشب على حائط الجار، أو المشترك (فيجوز) وضعه، سواء كان له حائط واحد أو حائطان؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يمنعنَّ جارٌ جاره أن يضع خشبه على جداره"، ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضينَ، والله لأرمينَّ بها بينَ أكتافكم. متفق عليه (٣). ومعناه: لأضعن
стр. 3643
هذه السُّنة بين أكتافكم، ولأحملنَّكم على العمل بها. وقيل معناه: لأضعنَّ جذوع الجيران على أكتافكم مبالغة؛ ولأنه انتفاع بحائط جاره على وجه لا يضر به، أشبه الاستناد إليه.
وإن أمكن وضعه على غيره لم يجز وضعه عليه إلا بإذن ربه، وإذا لم يمكن إلا به جاز (ولو) كان الحائط (ليتيم ومجنون) أو مكاتَب أو وقف ونحوه؛ لعموم ما سبق (ما لم يتضرر الحائط) بوضع الخشب عليه، فلا يوضع بغير إذن ربه مطلقًا؛ لحديث: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (١).
(وليس له) أي: لجارِ ربِّ الحائط (منعه) أي: منع جاره (منه) أي: وضع خشبه (إذًا) أي: إذا لم يمكن تسقيف إلا به بلا ضرر على الحائط، لما تقدم (٢).
(فإن أبى) ربٌّ الحائط تمكينه منه (أجبره، حاكمٌ) عليه؛ لأنه حق عليه.
(وإن صالحه عنه بشيء، جاز) قاله في "الإنصاف". وظاهره حتى في الحالة التي يجب فيها التمكين.
وقال في "المبدع": إذا أذن له المالك في وضع خشبه، أو البناء على جداره بعوض، جاز، قال: وإن كان في الموضع الذي يجوز له، لم يجز أن يأخذ عوضًا؛ لأنه يأخذ عوض ما يجب عليه بَذْله، (وكذا حكم جدار مسجد) إذا لم يمكن جاره تسقيف إلا بوضع خشبه عليه، جاز بلا ضرر، كالطِّلْق (٣).
стр. 3644
(ومن ملك وضع خشبه على حائط، فزال) الخشب عن الحائط (بسقوطه) أي: الخشب (أو قَلْعِهِ، أو سقوط الحائط، فله) أي: ربُّ الخشب (إعادته بشرطه) بأن لا يمكن تسقيف إلا به بلا ضرر؛ لأن السبب المجوز لوضعه مستمر، فاستمر استحقاق ذلك.
وإن خيف سقوط الحائط بعد وضعه، لزم إزالته؛ لأنه يضرُّ بالمالك، وإن لم يخف عليه، لكن استغنى عن إبقائه عليه، لم تلزم إزالته، قاله في "المغني".
(ومتى وَجَده) أي: خشبه (أو) وجد (بناءه، أو مسيل مائه ونحوه) كجناحه أو ساباطه (في حق غيره، أو) وجد (مجرى ماء سطحه على سطح غيره، ولم يعلم سببه، فهو) أي: ما وجده حق (له؛ لأن الظاهر وضعه بحق) من صلح أو غيره، خصوصًا مع تطاول الأزمنة.
(فإن اختلفا) في أنه وضع بحق أَوْ لا (فقول صاحب الخشب والبناء والمسيل) ونحوه: إنه وضع بحق (مع يمينه) عملًا بالظاهر.
(فإن زال) الخشب ونحوه (فله) أي: لربِّه (إعادته) لأن الظاهر استمرار حقه فيه، فلا يزول حتى يوجد ما يخالفُه.
(وله) أي: لمن وجد خشبه أو بناءه ونحوه على جدار غيره (أخذ عِوضٍ عنه) بأن يصالحه بعِوض على إزالته، أو عدم إعادته.
(ولو كان له وضع خشبه على جدار غيره) لكونه لا يمكن تسقيف إلا به بلا ضرر (لم يملك) من قلنا له وضع خشبه (إجارته) أي: الحائط
стр. 3645
(ولا إعارته، ولا بيعه، ولا المصالحة عنه للمالك) أي: مالك الحائط (ولا لغيره؛ لأنه) أي وضع الخشب (أُبيح له مِن حق غيره لحاجته) كطعام غيره إذا أُبيح له من أجل الضرورة (١).
(ولو أراد صاحبُ الحائط) الَّذي استحق الجار وضع خشبه عليه (إعارته أو إجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبه، لم يملك ذلك) لأنه يسقط به حقًّا وجب عليه، وإن باعه صح البيع، ولا يملك المشتري منعه.
(ولو أراد هَدْمَ الحائط لغير حاجة، لم يملك ذلك) أي: هدمها؛ لأنه يسقط به ما وجب عليه من تمكين جاره من وضع خشبه عليه.
(وإن احتاج) ربُّ الحائط (إلى ذلك) أي: إلى هَدْمِهِ (للخوف من انهدامه، أو لتحويله) أي: الحائط (إلى مكان آخر، أو لغرض صحيح) غير ذلك (مَلَكَ ذلك) أي: هَدْمه؛ لأنه ملكه، فله التصرُّف فيه بما شاء غير مضار لجاره.
(ولو أذن صاحب الحائط لجاره في البناء على حائطه، أو وضع سترة، أو خشبه عليه) ونحو ذلك (في الموضع الَّذي لا يستحق وضعه) عليه (جاز) لأن الحق له (وصارت عارية لازمة، ويأتي.
وإن أذن له في ذلك) أي: في وضع خشبه أو بنائه (بأجرة جاز، سواء كانت إجارة، أو صلحًا على وضعه على التأبيد، ومتى زال فله إعادته، ويُشترط معرفة البناء) أو الخشب (و) معرفة (العرض، والطول، والسُّمْك، والآلات من الطين واللبِن، أو الطين والآجر، وما أشبه ذلك) قطعًا للنزاع والمخاصمة.
стр. 3646
(وإذا سقط الحائط الَّذي عليه البناء، أو الخشب في أثناء مدة الإجارة سقوطًا لا يعود، انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة) لتعذُّر استيفاء المعقود عيه (ورجع) المستأجر على ربِّ الحائط، فيأخذ (من الأجرة) إن كان عَجَّلها له (بقسط ما بقي من المُدَّة) وإن لم يكن عجَّلها سقط عنه بقسط الباقي.
(وإن أُعيد) الحائط (رجع) ربُّ البناء، أو الخشب (من الأجرة بقَدْرِ مدة السقوط) لانفساخ الإجارة فيه.
(وإن صالحه مالك الحائط على رفع خشبه، أو بنائه بشيء معلوم) لهما (جاز، سواء كان ما صالحه به مثل العوض الَّذي صولح به على وضعه، أو) كان (أقل، أو أكثر) لأنه ملك المنفعة، فجاز له أخذ العوض عنها كالمستأجر يؤجر.
(وكذلك لو كان له مسيل ماء في أرض غيره، أو) كان له (ميزاب أو غيره) من جناح، أو ساباط ونحوه (فصالح صاحب الأرض مستحقَّ ذلك بعوض ليزيله عنه، جاز) الصلح.
(وإن كان الخشب، أو الحائط) الَّذي بناه على ملك غيره (قد سقط فصالحه) صاحب الحائط (بشيء على أن لا يعيده) أي: الخشب، أو البناء على الحائط (١) (جاز) لأنه ملك المنفعة، فجاز له الاعتياض عنها.
فصل
(ويلزم أعلى الجارين بناء سترة تمنع مشارفة الأسفل) لأن الإشراف على الجار إضرار به، لأنه يكشفه، ويطلع على حرمه، فمنع
стр. 3647
منه؛ لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" رواه أحمد وابن ماجه عن ابن عباس مرفوعًا (١) و (كما لو كانت السُّترة قديمة فانهدمت، فإنه يجب إعادتها، فإن استويا) بحيث لم يكن أحدهما أعلى من الآخر (اشتركا) لأنه ليس أحدهما أولى من الآخر بالسُّترة، فلزمتهما.
(وأيهما) أي: أيُّ المستويين (أبي) بناء السترة مع جاره (أجبر) عليه (مع الحاجة إلى السترة) لأنه حق عليه، لتضرر جاره بمجاورته له من غير سترة، فأجبر عليه مع الامتناع، كسائر الحقوق.
(فإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر، فليس لصاحب) السطح (الأعلى الصعودُ على سطحه، على وجه يشرف على سطح جاره، إلا أن يبني) الأعلى (سُترة تستره) عن رؤية الأسفل (كما تقدم.
ولا يلزم الأعلى سد طاقته، إذا لم ينظر منها ما يحرم نظره من جهة جاره) إذ لا ضرر فيها على الجار حينئذ، فإن رأى ذلك منها لزمه سدها.
(ويجبر الشريك على العمارة مع شريكه في الأملاك، والأوقاف المشتركة) لقوله ﷺ : "لا ضررَ ولا ضرارَ" وكنقضه عند خوف سقوطه، وكالقسمة والبناء، وإن كان لا حرمة له في نفسه، لكن حرمة الشريك الَّذي يتضرَّر بترك البناء توجب ذلك.
(فإن انهدم حائطهما) المشترك (أو) انهدم (سقفها) المشترك (فطالب أحدُهما صاحبه ببنائه معه، أُجبر) الممتنع منهما، لما تقدم (فإن امتنع، أَخذ الحاكم من ماله) النفقة (٢) (وأنفق عليه) مع شريكه بالمحاصَّة
стр. 3648
(فإن لم يكن له) أي: للممتنع (عين مال) أي: نقْد (وكان له مَتَاع، باعه) أي: باع الحاكم مَتَاعه (وأنفق منه) على حصته مع الشريك، كوفاء دَين الممتنع منه (فإن لم يكن له) أي: للممتنع نَقْد ولا عَرْض (اقترض) الحاكم (عليه وأنفق) على حصته، كنفقة حيوانه.
(وإن أنفق الشريك) على بناء حِصَّة شريكه (بإذنه) أي: إذن شريكه (أو إذن حاكم، أو) أنفق (بنيَّة رجوع) بغير إذنهما (رجع) على شريكه (بما أنفق) بالمعروف (على حصة الشريك) لأنه قام عنه بواجب (وكان) البناء (بينهما) أي: بين الشريكين (كما كان قبل انهدامه) لا يختصُّ به الباني؛ لرجوعه على شريكه بما يقابل حصته منه.
وإن بناه الشريك لنفسه بآلته، فشركةٌ بينهما كما كان، وليس له مَنْعُ شريكه من الانتفاع به قبل أخذ نصف نفقة تأليفه، كما أنَّه ليس له نقضه، وإن بناه بغير آلته فهو له، وله نقضه، لا إن دفع له شريكه نصف قيمته. وإن أراد غير الباني نقضه، أو إجبار بانيه على نقضه، لم يكن له ذلك.
(وإن استُهدم) أي: آل إلى الانهدام (جدارهما، أو سقفهما وخيف ضرره، نقضاه وجوبًا) دفعًا لضرره (فإن أبى أحدهما) هَدْمه (أجبره الحاكم) عليه؛ إزالةً للضرر (ويأتي في الغصب ضمان ما تَلِفَ به) مفصَّلًا.
(وأيهما) أي: أيُّ شريكين (هَدَمه) أي: هَدَم ما خيف سقوطه (إذَنْ بغير إذْنِ صاحبه، فلا شيء) أي: فلا ضمان (عليه) لأنه مُحسِن، بل قياس ما سبق يرجع بما يقابل حصته من أجرة الهدم، إن نوى الرُّجوع (كما لو انهدم) المشترك (بنفسه) من غير فِعْل أحدهما.
(وإن اتفقا على بناء الحائط المشترك بينهما نصفين، وملكه بينهما)
стр. 3649
نصفين (والنفقة كذلك) أي: نصفان (على أن ثلثه لأحدهما، وللآخر الثلثان، لم يصح) الصلح (لأنه يصالح، على (١) بعض ملكه ببعض) وذلك غير صحيح.
(وإن اتفقا على أن يحمِّله) أي: الحائط المشترك بعد بنائهما له (كل واحد منهما) أي: من الشريكين (ما شاء) من بناء أو خشب (لم يجز) الصُّلح (لجهالة الحمل.
و لا يُجبر) الشريك (على بناء حاجز بين ملكيهما) لأن انتفاعهما لا يتوقف على ذلك، فلا ضرر في تركه، بخلاف الحائط المشترك والسقف، فإن أراد أحدهما البناء، فله ذلك في ملكه خاصة.
(ولو انهدم سُفْلٌ) لإنسان، و (عُلْوُه لغيره، انفرد صاحب السُّفْل ببنائه) لانفرداه بملكه (وأُجبر) صاحب السُّفْل (عليه) ليتمكن صاحب العلو من انتفاعه به.
(وإن كان على العلو طبقةٌ ثالثة) لآخر (فصاحب الوسط مع من فوقه، كمن) أي: كالذي (تحته) وهو صاحب السُّفل (معه) أي: مع صاحب العلو، فيجبر ربُّ الوسطى (٢) على بنائها، وينفرد به، كما تقدم (٣).
(وإذا كان نهر، أو بئر، أو دولاب، أو ناعورة، أو قناة) شركة (بين جماعة، واحتاج) ذلك (إلى عمارة، أو كَرْي) أي: تنظيف (أو) إلى (سَدّ
стр. 3650
شقٍّ (١) فيه، أو إصلاح حائط، أو) إصلاح (شيء منه، كان غُرم ذلك) الَّذي يحتاج إليه (بينهم، على حسب ملكهم فيه) أي: في ذلك المشترك، كما تقدم (٢) في الحائط والسقف، (ويُجبر الممتنع) منهم من العمارة لحق شركائه (وليس لأحدهم مَنْعُ صاحبه من عمارته) إذا أرادها كالحائط.
(فإن عمره) أحدهم (فالماء بينهم على الشركة) ولا يختص به المعمر؛ لأن الماء ينبع من ملكيهما، وإنما آثر أحدهما في نقل الطين منه، وليس له فيه عين مال، والحكم في الرجوع بالنفقة كما تقدم (٣) في الحائط.
(فإن كان بعضهم) أي: بعض الشركاء في النهر ونحوه (أدنى) أي: أقرب (إلى أوله من بعض، اشترك الكل في كريه) أي: تنظيف النهر ونحوه (و) في (إصلاحه، حتَّى يصلوا إلى الأول، ثم) إذا وصلوا إلى الأول فـ (ـلا شيء على الأول) لانتهاء استحقاقه؛ لأنه لا حق له فيما وراء ذلك.
(ويَشترك الباقون حتَّى يصلوا إلى الثاني، ثم لا شيء عليه) أي: الثاني، لما تقدم (ويشترك من بعده) أي: بعد الثاني إلى أن ينتهوا إلى الثالث، ثم لا شيء عليه، وهكذا (كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم، لم يكن عليه فيما بعده شيء) لأنه لا ملك له فيما وراء موضعه.
(ومتى هَدَم) أحد الشركاء (مشتركًا من حائط، أو سقف قد خشي
стр. 3651
سقوطه، ووجب هَدْمه) لذلك (فلا شيء عليه) لأنه مُحسن (كما لو انهدم بنفسه) وتقدم (١).
(وإن كان) هَدْمُ أحد الشريكين الحائط، أو السقف المشترك (لغير ذلك) أي: خوف سقوطه (لحاجة أو غيرها، التزم إعادته أو لا، فعليه إعادته) كما كان؛ لتعديه على حصة شريكه، ولا يمكن الخروج من عهدة ذلك إلا بإعادته جميعه، هذا كلامهم. ومقتضى القواعد؛ أنَّه يضمن أرش نقص حصة شريكه.
(ولو اتفقا) أي: الشريكان (على بناء حائطِ بستان، فبنى أحدُهما) ما عليه، وأهمل الآخر (فما تَلِفَ من الثمرة بسبب إهمال الآخر، ضَمِنه) أي: ضمن نصيب شريكه منه (الَّذي أهمل، قاله الشيخ (٢)) لتلفه بسببه.
(ولو كان السُّفْل لواحد والعلو لآخر) وتنازعا في السقف، ولا بيِّنة (فالسقف بينهما) لانتفاع كلٍّ منهما به (لا لصاحب العلو) وحده. ويأتي في الدعاوى بأوضح من هذا.
стр. 3652
باب الحَجْر
هو لغة: المنع والتضييق، ومنه: سمي الحرام حِجْرًا، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١) أي: حَرَامًا محرَّمًا. وسُمِّي العقل حِجْرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح، وتضرُّ عاقبته.
(وهو) أي: الحَجْر شرعًا: (منع الإنسان من التصرُّف في ماله) والأصل في مشروعيته قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ (٢). أي: أموالهم، لكن أُضيفت إلى الأولياء؛ لأنهم قائمون عليها، مدبِّرون لها، وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية (٣). وإذا ثبت الحَجْر على هذين، ثبت على المجنون من باب أولى.
(وهو) أي: الحَجْر (على ضربين):
أحدهما: (حَجْر لِحَقٍّ) أي: حَظِّ (الغير) أي: غير المحجور عليه (كحَجْرٍ على مُفلِس) لحق الغرماء (و) على (مريض) مرضَ الموت المخوف وما في معناه (على ما زاد على الثلث) لحق الورثة (و) على (عَبْدٍ ومُكاتَب) لحق السيد (و) على (مُشترٍ) في جميع ماله (إذا كان الثمن في البلد أو قريبًا منه بعد تسليمه المبيع) لحق البائع.
(و) على (راهن) بعد لزوم رهن لحق مُرْتَهِن (و) على (مشتر) في الشقْص المشفوع (بعد طلب شفيع) إن قلنا: لا يملكه بالطلب، لحق
стр. 3653
الشفيع (و) على (مرتد) لحق المسلمين (وغير ذلك) كالمقتِّر على نفسه وعياله، والزوجة بما زاد على الثلث على قول فيهما (على ما يأتي) توضيحه (فنذكر منه) أي: من هذا الضرب (هاهنا الحَجْر على المفلس) وما عداه في أبوابه. وتقدم بعضه.
(وهو) أي: المُفلِس (مَن لا مال) أي: نَقْد (له، ولا ما يدفع به حاجته) من العروض، فهو المعدم، ومنه أفلس بالحجة، أي: عدمها، ومنه الخبر المشهور: "من تعدُّون المفلس فيكم؟ قالوا: من لا دِرهم له ولا متاعَ، قال: ليس ذلك المُفلِس، ولكنَّ المفلس من يأتي يوم القيامة بحسناتٍ أمثال الجبال، ويأتي وقد ظلم هذا، وأخذَ من عرض هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي عليه شيء، أُخذَ من سيئاتهم فرد عليه، ثم طرحَ في النار" رواه مسلم بمعناه (١).
فقولهم ذلك إخبارٌ عن حقيقة المفلس؛ لأنه عُرْفُهم ولُغتهم، وقوله: "ليس ذلك المفلس" تجوزٌ لم يردْ به نفي الحقيقة، بل (٢) أراد فَلَسَ الآخرة؛ لأنه أشدُّ وأعظم، حتَّى إن فَلَسَ الدنيا عنده بمنزلة الغنى.
(و) المُفلِس (شرعًا: من لزمه) من الدَّين (أكثر من ماله) الموجود. وسموه (٣) مفلِسًا، وإن كان ذا مال؛ لأن ماله مستحق الصَّرْف في جهة دَيْنه؛ فكأنه معدوم، أو باعتبار ما يؤول من عدم ماله بعد وفاء دينه؛ أو لأنه يُمنع من التصرُّف في ماله إلا الشيء التافه الَّذي لا يعيش إلا به، كالفلوس ونحوها.
стр. 3654
(و) الضرب الثاني: (حَجْرٌ لحظِّ نفسه) أي: نفس المحجور عليه (كحَجْرٍ على صغير، ومجنون، وسفيه) إذ فائدة الحَجْر عليهم لا تتعداهم.
(فحَجْر المفلس: منع حاكم مَنْ) أي: شخصًا (عليه دَين حالٌّ يعجز عنه ماله الموجود) حال الحَجْر (مدة الحَجْر من التصرُّف فيه) أي: في ماله. ويأتي محترز قيوده.
(ومن لزمه دين مؤجَّل) من ثمن مبيع، أو صداق، أو غيره (حرمت مطالبته به قبل) حلول (أجله) لأنه لا يلزمه أداؤه قبل الأجل، ومن شروط المطالبة: لزوم الأداء (ولم يُحجر عليه من أجله) لأن المطالبة لا تستحق، فكذا الحجر.
(وإن أراد سفرًا طويلًا) فوق مسافة القصر عند الموفق، وابن أخيه، وجماعة. قال في "الإنصاف": ولعله أولى، ولم يقيده به في "التنقيح" و"المنتهى" وغيرهما، فمقتضاه العموم، ولعله أظهر (يحل الدين) المؤجَّل (قبل فراغه) أي: السفر (أو) يحل (بعده، مخوفًا كان) السفر (أو غيره) أي: غير مخوف (وليس به) أي: الدَّين (رهن يفي به، ولا كفيل مليء) بالدَّين (فلغريمه منعه) من السفر؛ لأن عليه ضررًا في تأخير حقه عن محله، وقدومه عند المحل غير متيقن، ولا ظاهر، فَمَلَك منعه. (في غير جهاد متعيّن) فلا يمنع منه، بل يمكَّن؛ لتعينه عليه (حتَّى) أي: لغريم من أراد سفرًا مَنعه إلا أن (يوثِّقه بأحدهما) أي: برهن يحرز الدَّين، أو كفيل مليء، فإذا وثَّقه بأحدهما لم يمنعه لانتفاء الضرر.
(فلو أراد المَدِين وضامنه معًا السفر، فله) أي: الغريم (منعهما، و) له (منع أحدهما أيهما شاء) فإن شاء منع المدين، أو ضامنه (حتَّى
стр. 3655
يوثق بما ذكر) من رهن محرز، أو كفيل مليء (وكذلك لو كان الضامن غير مليء) بالدَّين، وأراد المدين السفر (فله) أي: للغريم (أن يطلب منه) أي: المدين (ضامنًا مليئًا، أو رهنًا) مليئًا، أو رهنًا محرزًا.
(ولو كان بالدَّين رهن لا تفي قيمته به) أي: بالدَّين (فله) أي: الغريم (أن يطلب) من المدين (زيادة الرهن حتى تبلغ قيمة الجميع قَدْر الدَّين، أو يطلب منه) أي: المدين (ضامنًا بما يبقى من الدَّين بعد قيمة الرهن) ليزول عنه الضرر.
(وإن أراد) المَدين (سفرًا وهو عاجز عن وفاء دينه، فلغريمه منعه حتى يقيم كفيلًا ببدنه، قاله الشيخ (١)) لأنه قد يوسر في البلد الذي سافر إليه، فلا يتمكن الغريم من طلبه، فإذا كان ثمَّ كفيل طلبه بإحضاره.
(ولا يملك) ربُّ دَين (تحليل) مدين (محرِم) بالحج، أو العمرة فرضًا أو نفلًا؛ لوجوب إتمامها بالشروع.
(وإن كان دينه) أي: المدين (حالًا، وهو قادر على وفائه) أي: الدَّين الحال (وطُلب) الدَّين (منه) أي: من المدين (فسافر) المدين (قبل وفائه؛ لم يجز له أن يترخَّص بقصر ولا غيره) كفطر، وأكل ميتة؛ لأنه عاصٍ بسفره.
(فإن كان) المدين (عاجزًا عن وفاء شيء منه) أي: الدَّين (حرمت مطالبته، والحَجْر عليه، وملازمته) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ (٢) وقوله ﷺ لغرماء الذي كَثُرَ دينه: "خذوا ما
стр. 3656
وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (١).
(وإن كان له) أي: المدين (مالٌ يفي بدينه الحال، لم يُحْجَر عليه) لعدم الحاجة إلى ذلك؛ لأن الغرماء يمكنهم المطالبة بحقوقهم في الحال (ولو كان عليه دَينٌ مؤجَّل غيره) أي: غير الحال؛ لأن المؤجَّل لا يطالب به قبل أجله.
(و) يجب (على الحاكم أن يأمره) أي: المدين (بوفائه إن طلبه) أي: الأمر (الغرماء منه) أي: من الحاكم؛ لما فيه من فصل القضاء المنتصب له.
(ويجب على) مدين (قادر وفاؤه) أي: الدَّين الحال (على الفور بطلَب رَبِّه) له؛ لقوله ﷺ : "مَطْلُ الغني ظلمٌ" (٢)، وبالطلب يتحقق المَطْل (أو عند) حلول (أجله، إن كان) الدَّين (مؤجلًا) ابتداء، ثم حلَّ؛ قاله ابن رجب (٣)، وتقدم (وإلا) بأن لم يطالب به ربه (فلا) يجب عليه على الفور، لمفهوم ما سبق.
(فإن كان له) أي: المدين (سِلعة فطلب) من ربِّ الحق (أن يمهله حتى يبيعها ويوفيه) الدَّين (من ثمنها، أُمهل بقَدْرِ ذلك) أي: بقدْرِ ما يتمكَّن من بيعها والوفاء.
وكذا إن طُولب بمسجد أو سوق، وماله بداره، أو مُودَع، أو ببلد آخر، فيمهل بقَدْرِ ما يحضره فيه.
(وكذلك إن أمكنه) أي: المدين (أن يحتال لوفاء دَينه؛ باقتراض
стр. 3657
ونحوه) فيمهل بقَدْر ذلك، ولا يحبس لعدم امتناعه من الأداء، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وإن خاف ربُّ الحق هَرَبَه، احتاط بملازمته، أو كفيل.
(و) إن (طَلَبَ) المدين (أن يُرسِّم عليه حتى يفعل ذلك) أي: ما يتمكَّن به من الوفاء (وجبت إجابته إلى ذلك) دفعًا لضرره (ولم يجز مَنْعُه منه) أي: الوفاء (بحبسه) لأنه عقوبة لا محوج إليها.
(وكذا إن طلب تمكينه منه) أي: من الوفاء (محبوس) فيُمكَّن (أو توكَّل) إنسان (فيه) أي: في وفاء الدَّين؛ فيمهل بقَدْرِ ما يتمكَّن فيه من الوفاء (قاله الشيخ) (١) كما يمهل الموكِّل.
(ولو مطل) المدينُ ربَّ الحق (حتى شكا عليه، فما غرمه) ربُّ الحق (فعلى) المدين (المماطل) إذا كان غرمه على الوجه المعتاد، ذكره في "الاختيارات" (٢) لأنه تسبب في غرمه بغير حق (وفي "الرعاية": لو أحضر مدَّعى به ولم يثبت للمدَّعي، لزمه) أي: المدَّعي (مؤنة إحضاره، و) مؤنة (ردَّه) إلى موضعه؛ لأنه ألجأه إلى ذلك بغير حق (وإلا) بأن أثبته (لزما المنكر) لحديث: "على اليد ما أخذتْ حتى تؤديه" (٣).
(وقال الشيخ (٤): لو تغيَّب مضمونٌ عنه، فَغَرِم الضامنُ بسببه) رجع بما غرمه، أو أنفقه في الحبس، كما تقدم. أطلقه في موضع، وقيَّده في آخر بقادر على الوفاء. وتقدم. قال في "شرح المنتهى": ولعل المراد: إن ضَمِنه بإذنه، وإلا؛ فلا فِعْل له ولا تسبُّب.
стр. 3658
(أو غَرِم) شخص (بسببِ كَذِبٍ عليه عند وليِّ الأمر) أو بإغراء، أو دلالة عليه (رَجَع) الغارم (على المتسبب) بما غَرِمه لتسببه، وقرار الضمان على الآخذ إن كان الأخذ ظلمًا.
(فإن أبى مَن) أي: مدين (له مالٌ يفي بدَينه) الحال (الوفاءَ، حَبَسه الحاكم) لما روى عَمرو بن الشريد، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "لَيُّ الواجدِ ظلمٌ، يُحِلُّ عرْضَه وعقوبَتَه" رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (١).
قال أحمد (٢): قال وكيع "عرضه": شكواه، و"عقوبته": حبسه.
وظاهر كلامه: أنه متى توجَّه حبسُه، حُبس، ولو كان أجيرًا في مدة الإجارة، أو امرأة مزوَّجة؛ لأن الإجارة والزوجة لا تمنع من الحبس، ذكره في "المبدع".
"تتمة": قال الشيخ تقي الدين (٣): ولا يجب حبسه في مكان
стр. 3659
معيَّن، بل المقصود منْعُه من التصرُّف حتى يؤدِّي الحق، فَيُحبس ولو في دار نفسه بحيث لا يمكَّن من الخروج.
(وليس له) أي: للحاكم (إخراجه) أي: المدين من الحبس (حتى يتبيَّن له أمره) أي: أنه مُعسِر؛ فيجب إطلاقه (أو يبرأ) المدين (من غريمه بوفاء أو إبراء) أو حوالة؛ فيجب إطلاقه لسقوط الحق عنه (أو يرضى) غريمه (بإخراجه) من الحبس بأن سأل الحاكم إخراجه، وجب إطلاقه؛ لأن حبسه حق لربِّ الدَّين، وقد أسقطه.
"فائدة": روى البخاري عن أبي موسى: الحبس على الدَّين من الأمور المحدثة، وأول من حَبَسَ عليه شُريح، وكذا الخصمان يتلازمان (١).
(فإن أصرَّ) المدين المليء على الحبس ولم يقضِ الدَّين (باع) الحاكم (ماله، وقضى دينه) لما روى كعب بن مالك: أن النبي ﷺ "حَجَر على معاذٍ ماله، وباعهُ في دَين كان عليه" رواه الخلال والدارقطني،
(وقال جماعة) منهم صاحب "الفصول": (إذا أصرَّ) المدين (على الحبس، وصَبَر عليه، ضَرَبه الحاكم. قال في "الفصول" وغيره: يَحبسُه، فإن أبى) الوفاء (عزَّره، قال: ويُكرِّرُ حَبْسَه وتعزيرَه حتى يقضيه) أَي: الدَّين.
(قال الشيخ (١): نص عليه الأئمة من أصحاب أحمد وغيرهم. ولا أعلم فيه نزاعًا، لكن لا يزاد في كلِّ يوم على أكثر التعزير إن قبل بتقديره) وجزم بمعنى ذلك في "المنتهى".
(وقال) الشيخ (٢): (ومن طُولب بأداء حق عليه) من دَينٍ أو غيره (فطلب إمهالًا) بقَدْر ما يتمكَّن فيه من أدائه (أُمهل بقَدْر ذلك، -كما تقدم (٣)، في الباب (في كلامه-؛ لكن إن خاف غريمُه منه) هربًا (احتاط عليه بملازمته أو كفيل، أو ترسيم عليه) وتقدم.
(وإن ادَّعى من عليه الدَّين الإعسار، وأنه لا شيء معه) يؤديه في الدَّين (فقال المدَّعي للحاكم: المال معه، وسأل) المُدَّعي (تفتيشه، وجب على الحاكم إجابته إلى ذلك) أي: إلى تفتيشه؛ لاحتمال صدق المدَّعي، وعدم المفسدة فيه.
(وإن صدَّقه) أي: المدين (غريمُه) في دعوى الإعسار (لم يُحبس، ووجب إنظارُه) إلى ميسرة (ولم تَجُزْ ملازمته) ولا الحَجْر عليه، كما
стр. 3662
تقدم (١)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ (٢).
(وإن أكذبه) أي: أكذب المدَّعي المدين في دعواه الإعسار (وكان دَينه) أي: مُدَّعي الإعسار (عن عِوض) مالي (كالبيع والقَرْض، أو عُرِف له) أي: للمدين (مالٌ سابق، والغالبُ بقاء ذلك) المال الذي عرف (أو) كان دينه (عن غير عوض، كأَرْشْ جناية، وقيمة مُتلَفٍ، ومهر، أو ضمان، أو كفالة، أو عوض خلع، و) كان (أقرَّ أنه مليء، حُبس) لأن الأصل بقاء ماله، وحبسُه وسيلةٌ إلى قضاء دينه (إلا أن يدعي) المدين (تلفًا ونحوه) كنفاد ماله، ويصدقه ربُّ الدَّين، فلا يحبس (أو يسأل) المدين (سؤاله) أي: رب الدَّين (ويصدِّقه) على أنه معسر (فلا) يُحبس، لما تقدم.
(فإن أنكره) أي: أنكر ربُّ الدَّين إعسار المدين (وأقام) ربُّ الدَّين (بينة بقدرته) على وفاء الدين، حبس؛ لثبوت ملاءته (أو حلف) ربُّ الدَّين (أنه لا يعلم عسرته) أي: المدين، حبس (أو) حلف ربُّ الدين (أنه) أي: المدين (موسر، أو ذو مال ونحوه) أي: نحو ما ذكر، بأن حلف مثلًا أنه قادر على الوفاء، ويكون حلفه بحسب جوابه كسائر الدعاوى (حبس) أي: المدين؛ لعدم ثبوت عسرته.
(فإن لم يحلِفْ) ربُّ الدَّين بعد سؤال المدين حلفه: أنه لا يعلم عُسرته (حَلَف المَدينُ) أنه معسر (وخُلِّي) سبيله لأن الأصل عدم المال (إلا أن يقيم) ربُّ الدين (بينة تشهد له) بما ادِّعاه من يساره، فيحبس المدين. ويحتمل أن يكون المعنى: إلا أن يقيم المدين بينة بإعساره فلا
стр. 3663
يحبس.
(وإن كان الحق عليه) أي: المدين (ثبت في غير مقابلةِ مالٍ أخذَه) المدين (كأرش جناية، وقيمةِ متلَفٍ، ومهر، أو ضمانٍ، أو كفالة، أو عوض خُلْع، ولم يعرف له) أي: المدين (مال) الغالب بقاؤه (ولم يقر) المدين (أنه مليء، حلف) المدين (أنه لا مال له، وخلِّي) سبيله؛ لأن الأصل عدم المال. قال ابن المنذر (١): الحبس عقوبة، لا نعلم له ذنبًا يعاقب به؛ فإن نكل حُبس.
(فإن شهدت) بينة (بنفاد ماله، أو) شهدت (بتلفِهِ، ولم تشهد) البينة (بعسرته حَلَفَ) المدين (معها) أي: مع البينة (أنه لا مال له في الباطن) لأن اليمين على أمر محتمل، خلاف ما شهدت به البينة، ولا يُعتبر في البينة إذا شهدت بتلَفِ ماله، أو نفاده أن تكون ممن تخبر باطن حاله.
(وإن شهدت) البينة للمدين (بإعساره اعتُبر فيها) أي: البينة (أن تكون ممن تخبر باطن حاله؛ لأنها) أي: الشهادة بإعساره (شهادة على نفي قُبِلت للحاجة) لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يطلع عليها في الغالب إلا المخالطُ له.
لا يقال: هذه شهادة على نفي، فلا تُسمع، كالشهادة على أنه لا دَيْن له؛ لأن الشهادة على النفي لا ترَدُّ مطلقًا، إذ لو شهدت بينة أن هذا وارثه لا وارث له غيره، قُبلت؛ ولأن هذه الشهادة وإن تضمنت النفي، فهي تثبت حالة تظهر وتقف عليها بالمشاهدة، بخلاف ما إذا شهدت أنه لا حق له، فإن هذا مما لا يوقف عليه، ولا يشهد به حالة يتوصل بها إلى
стр. 3664
معرفته.
(ويُكتفى فيها) أي: في الشهادة بعُسرته (باثنين) كالنكاح والرجعة (ولا يحلف) مُدَّعي الإعسار (معها) أي: مع بينته الشاهدة بعُسرته (لأنه تكذيب للبينة، ويكفي في الحالين) أي: في حال شهادتها بالتلف، وحال شهادتها بالإعسار (أن تشهد بالتلف، أو) أن تشهد بـ (ـالإعسار).
وفي "التلخيص": لا يكتفى بالشهادة بالإعسار، بل لابدَّ من الشهادة بالتلف والإعسار معًا. وفي "الرعايتين" و"الحاويين" و"الفائق": تشهد بذهابه وإعساره، لا أنه لا يملك شيئًا.
(وتُسمع) البينة بذلك (قبل حَبْسه وبعدَه ولو بيوم) لأن كل بينة جاز سماعها بعد مدة، جاز سماعها في الحال، كسائر البينات، لكن قال في "الاختيارات" (١): ليس له إثبات إعساره عند غير من حبسه بلا إذنه.
وإذا حبست الزوجةُ زوجَها، لم يسقط من حقوقه عليها شيء؛ فله إلزامها ملازمة بيته، وأن لا تُدْخِله أحدًا إلا بإذنه، وليس على محبوس قَبول ما يبذله غريمه مما عليه مِنَّة فيه، ولو طلب من زوجته الاستمتاع في الحبس؛ فعليها أن توفيه ذلك، قاله الشيخ تقي الدين (٢).
(ولو قامت بينةٌ للمفلِسِ بمال معيَّن، فأنكر) المُفلِسُ (ولم يُقرَّ به) أي: بالمال (لأحد، أو قال) المفلس: (هو لزيد، فكذَّبه زيد، قضى منه دينه) ولا يثبت الملك للمدين لأنه لا يدَّعيه. قال في "الفروع": وظاهر هذا: أن البينة هنا لا يُعتبر لها تقدُّم دعوى، قال ابن نصر الله: أي: من المالك، بل قد تحتاج إلى دعوى الغريم، وإن كانت له بينة
стр. 3665
قُدمت لإقرار ربِّ اليد.
وفي "المنتخب": تُقدَّم بينة المدعي؛ لأنها خارجة. ولابن نصر الله هنا كلام حسن، ذكرته في "حاشية المنتهى".
(وإن صدَّقه) أي: المفلس (زيدٌ، لم يقض منه) أي: من المال (الدَّين، ويكون) المال (لزيد) عملًا بإقرار ربِّ اليد (مع يمينه) أي: يمين زيد؛ لاحتمال المواطأة معه.
(ويحرم على المعسر أن) ينكر أن لا حق عليه، وأن (يحلفَ: أنه لا حق له) أي: للمدَّعي (ويتأول) لأنه ظالم للمدَّعي بذلك؛ فلم ينفعه التأويل.
وفي "الإنصاف": لو قيل بجوازه إذا تحقق ظُلم ربِّ الحق له وحبسه، ومنعه من القيام على عياله، لكان له وجه. انتهى.
ومن سُئل عن غريب وظن إعساره، شهد، قاله في "الفروع". وفي "الرعاية": والغريب العاجز عن بينة إعساره، يأمر الحاكم من يسأل عنه، فإذا ظن السائل إعساره، شهد به عنده.
(وإن كان له) أي: المدين (مال لا يفي بدينه، فسأل غرماؤُه كلُّهم) الحاكمَ الحَجْرَ عليه (أو) سأل (بعضُهم الحاكمَ الحَجْرَ عليه، لزمه) أي: الحاكم (إجابتهم) إلى الحَجْر عليه؛ لما روى كعب بن مالك: أن رسول الله ﷺ "حَجَر على معاذٍ، وباعَ ماله" رواه الخلال (١).
فإن لم يسأل أحدٌ من غرمائه الحاكم الحجرَ عليه، لم يَحْجر عليه (٢)؛ لأنه لا يحكم بغير طلب ربِّ الحق.
стр. 3666
و (لا) يَلزم الحاكمَ (إجابةُ المعسِر) إلى الحَجْر عليه (إذا طلب) المُعسِرُ (من الحاكم الحَجْر على نفسه) لأن الحجر عليه حقٌّ لغرمائه لا له.
(ويستحبُّ) للحاكم (إظهار الحَجْر عليه، لتُجتنب معاملته.
و) يُستحب (الإشهاد عليه لينتشر ذلك، وربما عُزِل الحاكم أو مات فيثبت الحَجْر عليه عند) الحاكم (الآخر، فلا يحتاج إلى ابتداء حَجْر ثانٍ) بخلاف ما إذا لم يشهد.
(وكل ما فعله المُفلِس في ماله قبل الحَجْر عليه: من البيع، والهبة، والإقرار، وقضاء بعض الغرماء، وغير ذلك، فهو نافذ) لأنه من مالكٍ جائز التصرف (ولو استغرق) التصرُّف (جميع ماله مع أنه يحرم) على المدين التصرُّف (إن أضرَّ) تصرُّفه (بغريمه) وتقدم (١).
فصل
(ويتعلَّق بالحَجْر عليه) أي: المُفلِس (أربعة أحكام:
أحدها: تعلُّق حق الغرماء بماله) لأنه لو لم يكن كذلك لم يكن في الحَجْر عليه فائدة، ولأنه يُباع في ديونهم، فكانت حقوقهم متعلِّقة به، كالرهن (فلا يُقبل إقراره) أي: المُفلِس (عليه) أي: على ماله؛ لأن حقوق الغرماء متعلِّقة بأعيان ماله، فلم يُقبل الإقرار عليه، كالعين المرهونة، حتى ولو أقرَّ بعتق عبده، لم يُقبل منه؛ لأنه لا يصح منه، فلم يُقبل إقراره به، بخلاف الراهن.
стр. 3667
(ولا يصح تصرُّفه فيه) أي: في ماله، ببيع ولا غيره (حتى ما يتجدَّد له) أي: للمفلس (من مال) بعد الحَجْر، فحكمُه كالموجود حال الحَجْر (من أرْش جناية) عليه، أو على قِنِّه (١) (وإرث، ونحوهما) كوصية، وصدقة، وهبة.
(ولو) كان تصرُّفه (عتقًا، أو صدقة بشيء كثير أو يسير) فلا ينفذ؛ لأنه ممنوع من التبرُّع لحق الغرماء، فلم ينفذ عتقه، كالمريض الذي يستغرق دينه ماله (إلا بتدبير) ووصية؛ لأن تأثيرهما بعد زوال الحجْرِ بالموت، وإنما يظهر أثر ذلك إذا مات عن مال، يخرج المُدبَّر أو الموصى به من ثلثه بعد وفاء دينه.
(وله) أي: للمفلس (رَدُّ ما اشتراه قبل الحَجْر) عليه (بعيب أو خيار) شرط، أو غبن (٢)، أو تدليس ونحوه (غير متقيد بالأحظِّ) لأن ذلك إتمام لتصرف سابق حجره، فلم يمنع منه، كاسترداد وديعة له أودعها قبل الحَجْر.
(ويكفِّر هو) أي: المفلس (و) يكفِّر (سفيه بصوم) لأن إخراج الكفارة من مال المفلس يضرُّ بغرمائه، ومن مال السفيه يضرُّ به، وللمال المكفَّر به بدل، وهو الصوم، فرجع إليه، كما لو وجبت الكفارة على من لا مال له (فإن فكَّ حَجْره قبل تكفيره، وقدر) على المال (كفَّر بغيره) أي: غير الصوم، وهو العتق في كفارة الترتيب، كموسر لم يُحجر عليه قبل ذلك. ولعل المراد: أنه يجوز له التكفير بغير الصوم، لا أنه يجب؛ لأن المعتبر في الكفارات وَقْتُ الوجوب على المذهب، كما يأتي في الظِّهار.
стр. 3668
(فإن كان المفلس صانعًا، كالقصَّار والحائك، في يده متاع، فأقر) المفلس (به لأربابه، لم يقبل) إقراره؛ لأنه متهم (وتُباع العين التي في يده، وتقسم بين الغرماء) كسائر ماله (وتكون قيمتها) أي: العين المقر بها (واجبة على المفلس، إذا قدر عليها) بعد فَكِّ الحَجْر عنه، مؤاخذة له بإقراره. وإن باع ماله لغرمائه أو بعضهم، ولو بكل الدَّين، لم يصح.
(فإن توجهت على المفلس يمين) بأن ادعي عليه بشيء فأنكر، فطلب الخصم يمينه (فَنكَل عنها، فقُضي عليه) بالنكول (فكإقراره، يلزم في حقه) فيتبع به بعد فَكِّ الحَجْر عنه (دون الغرماء) فلا يشاركهم للتهمة.
(وإن تصرَّف) المُفلِس (في ذمته بشراء، أو ضمان، أو إقرار، صح) تصرُّفه (ويتبع به) أي: بما لزمه من ثمن مبيع، أو ضمان، أو إقرار (بعد فَكِّ الحَجْر عنه؛ لأن الحَجْر متعلِّق بماله) لحقِّ الغرماء (لا بذمته) بخلاف السفيه ونحوه (ولا يشاركون) أي: غرماء الدَّيْن الذي تعلَّق بذمته، من ثمن مبيع أو قرض، أو ضمان ونحوه، أو إقرار (غرمائه في الحَجْر) عليه (سواء نَسَب ما أقرَّ به إلى ما قبل الحَجْر، أو بعده) بأن قال: أخذت منه كذا قبل الحَجْر، أو بعده، أو أطلق (وسواء علم مَن عامله بعد الحَجْر أنه محجور عليه، أم لا) لأن من علم فلَسه، ثم عامله فقد رضي بالتأخير، ومن لم يعلم فقد فرط.
(وإن ثبت عليه) أي: المفلس (حق) لزمه قبل الحَجْر (ببينة، شارك صاحبه الغرماء) كما لو شهدت به قبل الحَجْر.
(وإن جنى) المفلس (جناية موجبة للمال، شارك المجني عليه الغرماء) بأرْش الجناية؛ لأنه حق ثبت على الجاني بغير اختيار من له الحق، ولم يرض بتأخيره كما قبل الحَجْر (وإن كانت) الجناية (موجبة
стр. 3669
للقصاص) كالعمد (فعفا صاحبها إلى مال، أو صالحه المُفلِس على مال، شارك) المجني عليه (الغرماءَ) أيضًا، لما سبق.
(وإن جَنى عبدُه) أي: عبد المُفلِس جناية موجبة للمال أو القصاص، وعفا وليُّها إلى مال (قُدِّم المجني عليه بثمنه) أي: العبد (على الغرماء) لتعلق حقه بعينه، كما يقدم المجني عليه على المُرتَهِن.
فصل
(الحكم الثاني) من الأحكام المتعلقة بالحَجْر: (أنَّ من وجد عنده) أي: المفلس (عينًا باعها إياه، ولو) كان بيعها إياه (بعد الحَجْر عليه، غير عالم به) أي: بالحَجْر عليه؛ لعدم تقصيره؛ لأنه مما يخفى كثيرًا (أو) وجد عنده (عينَ قرضه (١)، أو رأس مال سلم أو غير ذلك) كشقص أخذه منه المفلِس بشفعة (حتى عينًا مؤجرة، ولو) كانت (نفسه) بأن أجر حرٌّ نفسه، فحُجِر على المستأجر لفلس (أو غيرها) بأن أجر عبده، أو دابته، فحُجِر على المستأجر لفلس، و (لم يمض من المدة) أي: مدة الإجارة (شيء) له أجرة عادة (فهو) أي: واجد عين ماله عند المفلس (أحق بها، إن شاء) الرجوع فيها، رُوي عن علي (٢)،
стр. 3670
وعمار (١)، وأبي هريرة (٢)؛ لحديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "من أدرك متاعه عند إنسان أفلَس فهو أحق به" متفق عليه (٣)، وحينئذ فالبائع ونحوه بالخيار بين الرجوع فيها، وبين أن يكون أسوة الغرماء، وسواء كانت السلعة مساوية لثمنها، أو لا (ولو بعد خروجها عن ملكه) أي: المفلس (وعودها إليه بفسخ، أو شراء، أو نحو ذلك) كإرث، وهبة، ووصية (فلو اشتراها) المفلس (ثم باعها، ثم اشتراها، فهي لأحد البائعين بقرْعة) فأيهما قرع الآخر كان أحق بها؛ لأنه يصدق على كل منهما أنه أدرك متاعه عند من أفلس، فتقديم أحدهما ترجيح بلا مرجِّح، فاحتجنا إلى تمييزه بالقرعة، فإن ترك أحدهما، فللثاني الأخذ بلا قُرعة.
(فإن بذل الغرماء لصاحب السلعة) التي أدركها ربُّها بيد المفلس (الثمن من أموالهم، أو خصوه به) أي: بثمنها (من مال المفلس ليتركها،
стр. 3671
أو قال المفلس: أنا أبيعها وأعطيك ثمنها؛ لم يلزمه) أي: ربُّ السلعة (قَبوله) وله أخذها؛ لعموم ما سبق.
(وإن دفعوا) أي: الغرماء (إلى المفلس الثمن فَبدّله) المُفلِس (له) أي: لربِّ السلعة (لم يكن له الفسخ) واستقر البيع؛ لزوال العجز عن تسليم الثمن، فزال ملك الفسخ، كما لو أسقط الغرماء حقهم عنه، أو وهب له (١) فأمكنه الأداء عنه، أو غلت أعيان ماله، فصارت قيمتها وافية بحقوق الغرماء، بحيث يمكنه أداء الثمن كله.
(ومن استأجر أرضًا) مثلًا (للزرع) أو غيره (فأفلس) المستأجر (قبل مضي شيء من المدة) له أجرة (فللمؤجر فسخ الإجارة) لأنه أدرك عين ماله عند من أفلس.
(وإن كان) الحَجْر عليه (بعد انقضائها) أي: المدة (أو) بعد (مضي بعضها، لم يملك الفسخ) لأنه لم يجد عين ماله (تنزيلًا للمدة منزلة المبيع، ومضيُّ بعضها) أي: المدة (بمنزلة تلف بعضها) أي: بعض العين المبيعة، وهو مسقِط للرجوع، كما يأتي.
(ولو اكترى من يَحمِل له متاعًا إلى بلدٍ) أو مكان معين (ثم أفلس المكتري قبل حمل شيء) من المتاع (فللمكري) أي: الأجير (الفسخ) لما تقدم.
(وإن أصدق امرأة عينًا، ثم انفسخ نكاحها بسبب يُسقِطُ صداقَها) كفسخها لعيبه (أو فَارَقَها) الزوجُ (قبل الدخول فرقة تُنصِّف الصَّداق) بأن طلقها ونحوه (وقد أفلستْ، ووجد) الزوجُ (عينَ ماله، فهو أحقُّ به) أي: بما وجب له، وهو جميع الصَّداق في الأولى، ونصفه في الثانية،
стр. 3672
وظاهره: ولو كانت باعتها ثم رجعت إليها ونحوه مما يُسقط الرجوع، وإلا فترجع إليه قهرًا كما يأتي.
و يُشترط لملك الرجوع سبعة شروط: ذكرها بقوله:
(بشرط أن يكون المُفلِس حيًّا إلى حين أخذه) أي: المبيع ونحوه؛ لما روى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن النبي ﷺ قال: "أيُّما رجل باع متاعًا فأفلسَ الذي ابتاعه، ولم يقبض الذي باعهُ من ثمنه شيئًا، فوجدَ متاعه بعينه فهو أحقُّ به، وإن ماتَ المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء" رواه مالك وأبو داود مرسلًا (١)، ورواه أبو داود مسندًا من حديث إسماعيل بن عياش، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي بكر، عن أبي هريرة (٢) قال أبو داود: وحديث مالك أصح.
стр. 3673
فعلى هذا: إذا مات المشتري، فالبائعُ أُسوة الغرماء، وسواء علم بفَلَسه قبل الموت، فحُجِر عليه ثم مات، أو مات فتبيَّن فلسه؛ لأن الملك
стр. 3674
انتقل عن المفلس إلى الورثة، أشبه ما لو باعه.
(و) الشرط الثاني: ذكره بقوله: (ولم ينقد) المفلس (من ثمن المبيع) ونحوه (١) (شيئًا، ولا أبرأه) البائعُ (من بعضه) فإن أدَّى بعض الثمن أو الأجرة، أو القرض، أو السَّلَم ونحوه، أو أبرئ منه، فهو أُسوة الغرماء في الباقي، لما تقدم من الحديث؛ ولأن في الرجوع في قسط ما بقي تبعيضًا للصفقة على المشتري وإضرارًا له.
(و) الشرط الثالث: كون (السلعة بحالها).
(و) الشرط الرابع: كونها (لم يزل ملكه عن بعضها بتلفٍ ولا غيره) من بيع أو هبة ونحوهما (فإن تلف جزء منها) أي: السلعة (كـ) ــقطع (بعض أطراف العبد) أو الأَمَة (أو ذهبت عينه، أو جُرح) جرحًا تنقص به قيمته (أو وُطئت البكر، أو تلف بعض الثوب، أو انهدم بعض الدار ونحوه، لم يكن للبائع الرجوع) في العين، ويكون أُسوة الغرماء؛ لما تقدم.
(وإن باع) المشتري (بعض المبيع، أو وهبه، أو وقفه، فكتلفه) فيمنع الرجوع (هذا إن كانت) السلعة (عينًا واحدة في مبيع، وإن كانت عينين، كعبدين ونحوهما) كثوبين (وبقي واحدة) وتلفت الأخرى (رجع فيها) أي: الباقية؛ لأنه وجدها بعينها، فيدخل في العموم، فيأخذها بقسطها من الثمن.
ويفرق بين هذه وبين ما إذا قبض بعض الثمن؛ لأن المقبوض من
стр. 3675
الثمن يقسط على المبيع، فيقع القبض من ثمن كل واحدة من العينين، وقبض شيء من ثمن ما يريد الرجوع فيه مبطل له، بخلاف التلف؛ فإنه لا يلزم من تلف إحدى العينين تلف شيء من العين الأخرى.
(و) معنى كون السلعة بحالها بأن (لم تتغير صفتها بما يزيل اسمها، كنسج غزلٍ، وخبز دقيقٍ، وعمل زيتٍ صابونًا، وقطع ثوب قميصًا، ونَجْرِ خشب أبوابًا) أو رفوفًا (وعمل شريط إبرًا) وعمل حديد مسامير ونحوها، ونحاس صحونًا ونحوها (وطحن حبٍّ) من بُرٍّ أو نحوه (أو) كان (حبًّا فصار زرعًا، أو عكسه) بأن اشترى زرعًا فحصده وصار حبًّا (أو) كان (نوىً) فغرسه (فنبت شجرًا، أو) كان (بيضًا فصار فراخًا) ونحو ذلك، فيمنع الرجوع، ويكون ربُّها أُسوة الغرماء؛ لأنه لم يجد متاعه بعينه (و) بأن (لم يخلطها بما لا تتميز) منه؛ فلو كانت زيتًا فخلطه بنحو زيت، أو قمحًا فخلطه بقمح، فلا رجوع، وقوله ﷺ : "من أدرك متاعه بعينه" (١) أي: قَدر عليه وتمكن من أخذه.
(و) الشرط الخامس: كون السلعة (لم يتعلَّق بها حقٌّ، من شُفعةٍ، أو جنايةٍ، بأن يشتري) شقصًا مشفوعًا، ثم يفلِس، أو يشتري (عبدًا، ثم يفلس بعد تعلُّق أرش الجناية برقبته) فلا رجوع للبائع، ويكون أسوة الغرماء؛ لسبق حق الشفيع؛ لكونه ثبت بالبيع، والبائع ثبت حقه بالحَجْر؛ ولأن حقَّ المجني عليه مقدَّم على الرهن المقدَّم على حق البائع؛ فمنع بالأولى.
(ف إن أبرأ الغريم) المشتري (من) أَرْش (الجناية، فللبائع الرجوع) لأنه وجد متاعه بعينه، لم يتعلَّق به حق لغيره.
стр. 3676
(وكذا لو أسقط الشفيع) حقه من الشفعة (أو) أسقط (المُرتَهِن حقه) من الرهن، فللبائع ونحوه الرجوع، لما تقدم.
(أو رهنٍ) بالجر عطف على "شفعة" فإن رهنه المشتري ثم أفلس، فلا رجوع للبائع، لسبق حق المُرتَهِن (ونحوه) أي: نحو الرهن كالعتق، قاله في "المبدع" فلو اشترى عبدًا وأعتقه، ثم حُجِر عليه، فالبائع أسوة الغرماء.
والحكم صحيح، لكن منع الرجوع؛ لزوال ملكه عن العتيق، لا لتعلُّق حق الغير به، ويمكن تمثيله بالإجارة، بأن اشترى عبدًا، ثم أجره، ثم أفلس.
(لكن إن كان الرهن أكثر من الدَّيْن) وأخذ الدائن دَيْنه منه (فما فضل عنه رُدَّ على المال) ليقسم معه بين سائر الغرماء كما يأتي (وليس لبائعه الرجوع في الفاضل) منه، لما تقدم.
(وإن كان المبيع عينين، فرَهَن) المشتري (إحداهما) أو تعلَّق بها حق شفعة، أو جناية (ملك البائع الرجوع في) العين (الأخرى، كما إذا تلفت إحدى العينين) وبقيت الأخرى؛ لأنه وجدها بعينها يتعلَّق بها حق لأحد.
(ولو مات الراهن وضاقت تَرِكته عن الديون، قُدِّمَ المُرتَهِن برهنه) فيأخذ دَيْنه منه مقدَّمًا على سائر الغرماء؛ لتعلُّق حقه به، فإن بقي من ثمنه شيء رُدَّ عليهم، وإن بقي له شيء حاصصهم به، وتقدم.
(ولو رهن) المشتري (بعضَ العبد) ونحوه (لم يكن للبائع الرجوع في باقيه) كما لو تلف؛ لأن تبعيض الصفقة ضررٌ بالمشتري (ولم يكن) المبيع (صيدًا، والبائع مُحْرِمٌ) إذ لا يدخل الصيد في ملك المُحْرِم ابتداء
стр. 3677
بغير إرث (فلا يأخذه) البائع المُحْرِم (حال إحرامه) ولا يباع مع باقي ماله، بل يؤخَّر له إلى أن يحل من إحرامه فيأخذه.
(و) الشرط السادس: كون السلعة (لم تزد زيادة متصلة، كسِمَنٍ، وكِبَرٍ، وتعلُّم صنعة، و) تعلُّم (كتابة، و) تعلُّم (قرآن، وتجدُّد حَمْلٍ، لا إن ولدت) فهو زيادة منفصلة.
(فإن وُجد شيء من ذلك) أي: مما ذكر من السمن، وما عطف عليه ونحوه (مُنعَ الرجوعُ) لأنه فُسخ بسبب حادث؛ فلم يملك الرجوع في عين المال الزائد زيادة متصلة، كفسخ النكاح بالإعسار أو الرضاع، إذا زاد الصداق. كذلك لا رجوع للزوج بعينه، بل ببدله، ولأنها زيادة في ملك المفلِس، فلم يستحق أخذها.
وفارق الردَّ بالعيب؛ لأن الفسخ من المشتري، وهو راضٍ بإسقاط حقه من الزيادة، ولأن الفسخ للعيب لمعنىً قارن العقد، وهو العيب، والفسخ هنا لسبب حادث، والخبر محمولٌ على من وجد متاعه على صفته، ليس بزائد.
(و وطء الثيب ما لم تحمل، وتزويج الأَمَة، لا يمنع الرجوع) لأن ذلك لا يخرجه عن كونه عين ماله (وهي) أي: الأَمَة التي زوَّجها المفلس (على نكاحها) فلا ينفسخ برجوع البائع؛ لأنه عقد لازم.
(ويُشترط - أيضًا - أن يكون البائع حيًّا) إلى حين الرجوع، وهو الشرط السابع. قال في "الترغيب" و"الرعاية الكبرى": ولربه دون ورثته على الأصح أخذه، وقدَّمه في "الرعاية الصغرى"، و"الفائق"، و"الزركشي"، و"التلخيص". وظاهر كلامه في "المقنع" و"المنتهى": لا يُشترط، ولورثته أخذ السلعة، كما لو كان صاحبها حيًّا. قال في
стр. 3678
"الإنصاف": وهو صحيح. وهو ظاهر ما قدَّمه في "الفروع". وظاهر كلام أكثر الأصحاب؛ لعدم اشتراطهم ذلك، قال في "المبدع": والأصح أنه يثبت لهم.
(وإن كان الثمن مؤجَّلًا رجع) البائع (فيها) أي: في السلعة المبيعة، (فأخذها عند حلول الأجل، فتُوقَفُ إليه) أي: إلى أن يحل الدَّين، فيختار البائع الفسخ أو الترك، ولا تُباع؛ لأن حق البائع تعلَّق بها، فقدم على غيره، وإن كان مؤجلًا كالمُرتَهِن.
(ويصح الرجوع فيها) أي: في العين المبيعة (و) يصح الرجوع أيضًا (في غيرها) أي: في غير المبيعة، كالقرض ورأس مال السَّلَم ونحوه، مما تقدم (١) أول الفصل (بالقول) كرجعت في متاعي، أو أخذته، أو استرجعته، أو فسخت البيع أو نحوه، ولو (على التراخي) كرجوع الأب في الهبة، ويكون رجوعه (فسخًا) حقيقة أو حكمًا؛ لأنه قد لا يكون هناك عقد يفسخ، كاسترجاع الزوج الصَّداق الذي انفسخ النكاحُ فيه بما يسقطه قبل فَلَسِ المرأة إذا باعته ثم عاد إليها ونحوه، وإلا فيرجع إلى ملكه قهرًا، حيث استمرَّ في ملكها بصفته (بلا حُكم حاكم) لثبوته بالنص، كفسخ المعتقة (إذا كملت الشروط) السابقة.
(ولو حكم حاكمٌ بكونه) أي: الذي وَجَدَ متاعه عند المفلس (أُسوة الغرماء نقض حكمه نصًّا (٢)) قال أحمد: لو أن حاكمًا حكم أنه أُسوة الغرماء، ثم رفع إلى رجل يرى العمل بالحديث، جاز له نقض حكمه، ذكره في "المغني" و"الشرح".
стр. 3679
(ولا يفتقر الرجرع إلى شروط البيع، من المعرفة، والقدرة على تسليمه) ونحو ذلك؛ لأنه فسخ لا بيع (فلو رجع) البائع أو نحوه (في) عبد (آبق، صحَّ) الرجوع (وصار) العبد ملكًا (له، فإن قدر) البائع أو نحوه (أخذه، وإن تلف) الآبق (فمن ماله) أي: البائع ونحوه، كسائر أمواله.
(وإن بان تلفها) أي: السلعة (حين استرجاعه) لها (بطل رجوعه) أي: تَبَيَّنا أن رجوعه كان باطلًا، إذ لا يمكن الرجوع في المعدوم.
ومنه لو رجع في أَمَة وَطِئها المُفلِس، ثم تبيَّن أنها كانت حملت قبل الرجوع، إذ الاستيلاد إتلاف.
(فأما الزيادةُ المنفصلة - كالولدِ، والثمرةِ، والكسبِ - والنقصُ) بالرفع، عطف على الزيادة (بهزالٍ، أو نسيان صنعةٍ، أو) نسيان (كتابة، أو كبر، أو تغير عقله، أو كان) المتاع (ثوبًا فَخَلَقَ، فلا يمنع الرجوع) لأن العين قائمة مشاهدة لم يتغير اسمها، ولا صفتها (فيأخذه) أي: المتاع (ولو ناقصًا بجميع حقه) إن شاء، أو يضرب مع الغرماء بثمنه؛ لأن الثمن لا يقسط على صفة السلعة، من سِمَن وهزال، وعلم ونحوه، فيصير كنقصه لتغير الأسعار.
(والزيادة) المنفصلة (لبائع) نصًّا، كالمتصلة، قال الإمام في رواية حنبل (١)، في ولد الجارية ونتاج الدابة: هو للبائع. وعنه: لمفلس (٢).
قال في "التنقيح": وهو أظهر. وقال الشارح: هذا أصح إن شاء الله.
стр. 3680
وجزم به في "الوجيز". قال في "المغني": وقياسهم على المتصلة غير صحيح؛ لأنها تتبع في الفسوخ والرد بالعيب، بخلاف المنفصلة. قال: ولا ينبغي أن يقع في هذا خلاف، لظهوره، وحمل النص على أنه باعهما في حال حملهما؛ فيكونان مبيعين، ولهذا خصَّ هذين بالذِّكْر، دون بقية النماء.
(وإن صبغ) المشتري (الثوب، أو قصره، أو لَتَّ (١) السَّويق بزيت، لم يمنع الرجوع) لأن العين قائمة مشاهدة، لم يتغير اسمها ولا صفتها (ما لم ينقص بها) أي: الثوب بالصبغ، أو القصر، أو السويق باللَّتِّ، فإن نقص بذلك سقط الرجوع؛ لأنه نقص بفعله، فأشبه إتلاف البعض. ورَدَّ هذا التعليل في "المغني" بأن هذا النقص نقصُ صفة، فلا يمنع الرجوع، كنسيان صنعة وهُزال عبد. وقال المجد: إنه - أي: الرجوع - الأصحُّ. وجزم به في "المبدع"، والأول صحَّحه في "الفروع"، وقطع به في "التنقيح" و"المنتهى".
(و) إن زادت قيمةُ الثوب أو السَّويق فـ (ـــالزيادة عن قيمة الثوب) بالصبغ أو القصارة (و) الزيادة عن قيمة (السويق) باللَّتِّ (للمفلس) لأنها حصلت بفعله في ملكه، فيكون شريكًا للبائع بما زاد عن قيمة الثوب والسويق.
فإن كانت القصارة بفعل المُفلِس، أو بأجرة وفَّاها، فهما شريكان في الثوب، فإن اختار البائعُ دفع قيمة الزيادة إلى المُفلِس، لزمه قَبولها؛ لأنه يتخلَّص بذلك من ضرر الشركة، وإن لم يختر بيع الثوب، وأخذ كل واحد بقَدْرِ حَقِّه، فلو كانت قيمة الثوب خمسة، فصار يساوي ستة؛