فإن انسدت البالوعة، فأراد المستأجر الرَّدَّ، قال المؤجر: أنا أفتحها، وكان زمنا يسيرًا لا تتلف فيه منفعة تضر بالمستأجر، لم يكن له الخيار.
(و) إذا فسخ المستأجر الإجارة للعيب، فـ (ـعليه أجرة ما مضى) قبل الفسخ؛ لاستقراره عليه (و) للمستأجر -أيضًا- (الإمضاء بلا أرش) للعيب؛ لأنه رضي به ناقصًا، وفيه وَجْه: له الأرْش كالبيع. قال ابن نصر الله: وقد تعبنا (١) فلم نجد بينهما فرقًا (فلو لم يعلم) المستأجر بالعيب (حتى انقضت المدة، لزمته الأجرة كاملة، ولا أَرْش له) للعيب، كما لو علم واختار الإمضاء.
(ويصح بيع العين المؤجرَة) سواء أجرها مدة لا تلي العقد، ثم باعها قبل دخولها، أو باعها في أثناء المدة؛ لأن الإجارة عقد على المنافع، فلا تمنع صحة البيع، كلما لو زَوَّج أَمَتَهُ، ثم باعها (و) يصح -أيضًا- (رهنها) لأنه يصح بيعها.
(ولمشتريها) أي: المؤجرة الخيار بين (الفسخ، والإمضاء مجانًا، إذا لم يعلم) أنها مؤجرة، وفي "الرعاية": الفسخ أو الأرش. قال أحمد (٢). هو عيب. وهو ظاهر ما تقدم.
(ولا تنفسخ) الإجارة (بشراء مستأجرها) أي: العين المؤجرة؛ لأنه كان مالكًا للمنفعة، ثم ملك الرقبة، ولا تنافي بينهما (ولا) تنفسخ الإجارة -أيضًا- (بانتقالها) أي: العين المؤجرة (إليه) أي: إلى المستأجر (بإرث، أو هبة، أو وصية، أو صداق، أو عوض في خلع، أو
стр. 3992
صلح، ونحوه) كجعالة، وطلاق، وعتق؛ لعدم التنافي بين ملك الرقبة والمنفعة (فيجتمع لبائع على مشتر) للعين المؤجرة عليه (الثمن والأجرة) لأن عقد البيع لم يشمل المنافع الجارية في ملكه بعقد التآجر؛ لأن شراء الإنسان ملك نفسه محال.
(وإن اشترى المستأجر العين) المؤجرة (فوجدها معيبة، فردَّها) أي: رَدَّ شراءها للعيب (فالإجارة بحالها) لأنهما عقدان، فإذا فسخ أحدهما بقي الآخر.
(وإن كان المشتري) للعين المؤجرة (أجنبيًّا) فالأجرة من حين البيع له، نص عليه (١) في رواية جعفر بن محمد، واستُشكل بكون المنافع مدة الإجارة غيرَ مملوكة للبائع، فلا تدخل في عقد البيع حتى إن المشتري يكون له عوضُها، وهو الأجرة.
وأُجيب عن ذلك: بأن المالك يملك عوضها وهو الأجرة، ولم تستقر بعد: ولو انفسخ العقد لرجعت المنافع إلى البائع، فيقوم المشتري مقام البائع فيما كان يستحقه منها، وهو استحقاق عوض المنافع مع بقاء الإجارة؛ قاله في "شرح المنتهى". وفي "المغني" ما يقتضي أن الأجرة للبائع، وهو واضح لأنه ملكها بالعقد (فـ) ـإن (رَدَّ المستأجر) الأجنبي (الإجارة) لعيبٍ ونحوه (عادت المنفعة) في باقي المدة (إلى البائع) دون المشتري؛ لأن عقده لم يتناولها لعدم ملك البائع لها إذ ذاك.
(ولو وهب) المعير (العينَ المستعارة) أو باعها ونحوه (للمستعير، بطلت العارية) لأنها عقد جائز بخلاف الإجارة.
(ولو باع) الوارثُ (الدارَ التي تَستحقُّ المُعتدةُ للوفاة سُكناها، وهي
стр. 3993
حامل، فقال الموفَّق: لا يصح بيعها. وقال المجد: قياس المذهب الصحة. قال في "الإنصاف": وهو) أي: قول المجد (الصواب) كبيع المؤجرة.
فصل
(والأجير) قسمان: خاص، ومشترك.
فـ (ـالخاص: من قُدِّر نفعُه بالزمن) بأن استؤجر لخدمة، أو عمل في بناء، أو خياطةٍ، يومًا، أو أسبوعًا ونحوه (كما تقدم (١)) في الباب (يستحقُّ المستأجرُ نفعه في جميع المدة المقدَّر نفعُهُ بها) لا يشركه فيها أحد، فإن لم يستحق نفعه في جميع الزمن، فمُشْتَرَك -كما يأتي- (سوى) زمن (فعل الصلوات الخمس في أوقاتها بسُننَها) أي: المؤكدات؛ قاله في "المستوعب" (و) سوى (صلاة جمعة وعيد) فإن أزمنة ذلك لا تدخل في العقد، بل هي مستثناة شرعًا. قال المجد في "شرحه": ظاهر النص (٢): يمنع من شهود الجماعة إلا بشرط أو إذن (سواء سَلَّم نفسَه للمستأجر) بأن كان يعمل عند المستأجر (أوْ لا) بأن كان يعمل في بيت نفسه.
(ويَستحق) الأجيرُ الخاص (الأجرةَ بتسليم نفسه، عمل، أو لم يعمل) لأنه بذل ما عليه، كما لو بذل البائع العينَ المبيعة.
(وتتعلق الإجارة بعينه) كالمبيع المعين (فلا يستنيب) الأجير الخاص (وتقدم قريبًا (٣).
стр. 3994
ولا ضمان عليه فيما يتلف في يده) نص عليه (١)؛ لأنه نائب المالك في صَرْف منافعه إلى ما أمر به، فلم يضمن، كالوكيل؛ ولأن عمله غير مضمون عليه، فلم يضمن ما تلف به، كالقصاص (إلا أن يتعمَّد) الإتلاف (أو يُفرِّط) فيضمن؛ لأنه إذًا كالغاصب.
(وليس له) أي: الأجير الخاص (أن يعمل لغيره) أي: غير مستأجره؛ لأنه يفوِّت عليه ما استحقه بالعقد.
(فإن عَمِل) الأجير الخاص لغير مستأجره (وأضرَّ بالمستأجر، فله) أي: المستأجر (قيمةُ ما فوَّته) من منفعه (عليه) بعمله لغيره. قال أحمد (٢) في رجل استأجر أجيرًا على أن يحتطب له على حمارين كل يوم، فكان الرجل ينقل عليهما، وعلى حمير لرجل آخر ويأخذ منه الأجرة: فإن كان يدخل عليه ضرر يرجع عليه بالقيمة.
قال في "المغني": فظاهر هذا أن المستأجر يرجع على الأجير بقيمة ما استضر باشتغاله عن عمله. قال: ويحتمل أنه أراد أنه يرجع عليه بقيمة ما عمله لغيره.
وقال القاضي: معناه يرجع بالأجر الذي أخذه من الآخر؛ لأن منافعه في هذه المدة مملوكة لغيره، فما حصل في مقابلتها يكون للذي استأجره. انتهى. وعُلم منه: أنه إذا لم يستضر لا يرجع بشيء؛ لأنه اكتراه لعمل، فوفَّاه على التمام.
(والأجير المُشَتَرَك من قُدِّر نفعُهُ بالعمل) كخياطة ثوب، وبناء حائط، وحمل شيء إلى مكان معين، أو على عمل في مدة لا يستحق
стр. 3995
نفعه في جميعها، كالطبيب، والكحَّال (ويتقبل الأعمال) لجماعة في وقت واحد، يعمل لهم، فيشتركون في نفعه، فلذلك سُمِّي مُشتَرَكًا (فتتعلَّق الإجارة بذمته) لا بعينه (ولا يستحق الأجرة إلا بتسليم عمله) دون تسليم نفسه، بخلاف الخاص.
(ويضمن) الأجير المُشترَك (ما تلف بفعله، ولو بخطئه، كتخريق القصَّار الثوبَ) من دَقِّه، أو مَدِّه، أو عصره، أو بسطه (وغلطه) أي: الخيَّاط (في تفصيله، ودفعه إلى غير ربه) روي عن عمر (١)، وعلي (٢)
стр. 3996
رضي الله عنهما؛ لأن عمله مضمون عليه لكونه لا يستحق العوض إلا بالعمل، فإن الثوب لو تلف في حرزه بعد عمله لم يكن له أجرة فيما عمل فيه -بخلاف الخاص- وما تولد منه يجب أن يكون مضمونًا، كالعدوان بقطع عضو.
(ولا يحل لقابضه) أي: الثوب (لُبْسُه، ولا الانتفاع به) إذا علم أنه ليس ثوبه، وعليه رده إلى القصَّار.
(وإن قطعه) قابض (قبل علمه) أنه ثوب غيره (غَرِم أرش نقصه و) أجرة (لُبْسِه) لتعديه على ملك غيره (ويرجع) القابض (به) أي: بما غَرِمه (على القصَّار) لأنه غَرَّه، ولرَبِّ الثوب الطلب بثوبه إن كان موجودًا، وإن هلك ضَمِنَهُ القابض، ولربِّه تضمين القصَّار لأنه حال بينه وبين ماله، هذا قياس كلامهم. والله أعلم.
(وكزلق حمَّال وسقوط) الحمل (عن دابته) أو رأسه (أو تلف) الحمل (من عثرته) أي: الحامل، من آدمي، أو بهيمة، فيضمن ذلك، كما تقدم.
(و) يضمن -أيضًا- (ما تلف بقَوْدِه، وسَوْقه، وانقطاع حبله الذي يشد به حِمْلَه، وكذا طبَّاخ، وخبَّاز، وحائك، وملَّاح سفينة، ونحوهم) من الأجراء المشترَكين، فيضمنون ما تلف بفعلهم؛ لما تقدم، سواء (حضر ربُّ المال، أو غاب) وسواء كان يعمل في بيت المستأجر، أو في بيته؛ لأن ضمانه لجنايته. واختار القاضي في "المجرد" وأصحابُه أنه يضمن إن عمل في بيت نفسه، لا في بيت المستأجر.
ولو كان القصَّار، ونحوه متبرِّعًا بعمله، لم يضمن جناية يده؛ نص عليه (١)؛ لأنه أمين محض، فإن اختلفا في أنه أجير، أو متبرِّعٌ فقوله: إنه متبرِّعٌ؛ ذكره المجد في "شرحه".
стр. 3997
(ولا ضمان عليه) أي: الأجير المشترك (فيما تلف من حِرْزِهِ) بنحو سرقة (أو) تلف (بغير فعله) لأن العين في يده أمانة، أشبه المودَع (ولا أجرة له) أي: الأجير المشترك (فيما عمله) وتلف قبل تسليمه لربه (سواء عمله في بيت المستأجر، أو) في (بيته) لأنه لم يُسلِّم عمله للمستأجر، فلم يستحق عوضه، كالمبيع من الطعام، إذا تلف في يد بائعه. لكن كلام "المنتهى" الآتي في الفصل بعده يخالفه.
(وإذا استأجر) إنسان (قصَّابًا) أي: جزَّارًا (يذبح له شاة، فذبحها ولم يُسَمِّ) عليها عمدًا (ضَمِنها) لتحريم أكلها، فإن تركها سهوًا حَلَّت ولا ضمان.
(وإن استأجر مُشترَك خاصًّا) كالخياط في دكان يستأجر أجيرًا فأكثر مدة معلومة يستعمله فيها (فلكلٍّ) من الخاص والمشترك (حكم نفسه) فإذا تقبل صاحب الدكان خياطة ثوب، ودفعه إلى أجيره؛ فَخَرَقه أو أفسده بلا تعدٍّ ولا تفريط، لم يضمنه؛ لأنه أجير خاص، ويضمنه صاحب الدكان لمالكه؛ لأنه أجير مُشترَك.
(وإن استعان) المشترك (به) أي: بالخاص (ولم يعمل) المشترك (فله) أي: المشترك (الأجرة لأجل ضمانه، لا لتسليم العمل) وتقدم في الشركة (١) أن التقبل يوجب الضمان على المتقبل، ويستحق به الربح.
(ولا ضمان على حجَّام، ولا بزَّاغ، -وهو البَيْطار- ولا خَتَّان، ولا طبيب ونحوهم) ككحَّال (خاصًّا كان أو مشترَكًا، إذا عُرف عنهم حِذْق) الصنعة (ولم تجن أيديهم) لأنه فعل فعلًا مباحًا، فلم يضمن سرايته،
стр. 3998
كحده؛ لأنه لا يمكن أن يقال: اقطع قطعًا لا يسري، بخلاف: دق دقًّا لا يخرقه، فإن لم يكن لهم حِذْق في الصنعة ضَمِنوا؛ لأنهم لا يحل لهم مباشرة القطع إذًا، فإذا قطع فقد فعل مُحرَّمًا، فضمن سرايته؛ لقوله ﷺ : "منْ تطبَّبَ بغيرِ علمٍ فهو ضامنٌ" رواه أبو داود (١).
ومحل عدم الضمان -أيضًا- (إذا أذِنَ فيه مكلَّف، أو وليّ غيره، حتى في قطع سِلْعة (٢) ونحوها، ويأتي) في الجنايات، فإن لم يأذن،
стр. 3999
فَسَرَتْ، ضمن؛ لأنه فِعْل غير مأذون فيه، فضمن. واختار في "الهدي" (١): لا يضمن، لأنه محسن.
(فإن) أذن فيه، وكان حاذقًا، لكن (جنت يده ولو خطأ، مثل أن جاوز قطع الختان إلى الحشفة، أو إلى بعضها) أي: الحشفة (أو قطع في غير مَحلِّ القطع، أو قطع سِلْعة، فتجاوز موضع القطع، أو قطع بآلة كالَّةٍ يكثر ألمها؛ أو في وقت لا يصلح القطع فيه، وأشباه ذلك، ضمن) لأن الإتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ.
قال ابن القيم في "تحفة المودود" (٢): فإن أذن له أن يختنه في زمن حَرٍّ مفرط، أو برد مفرط، أو حال ضعف يخاف عليه منه، فإن كان بالغًا عاقلًا، لم يضمنه؛ لأنه أسقط حقه بالإذن فيه، وإن كان صغيرًا ضَمنه؛ لأنه لا يُعتبر إذنه شرعًا، وإن أذن فيه وليه، فهذا موضع نظر، هل يجب الضمان على الولي، أو الخاتن؟ ولا ريب أن الولي متسبِّب، والخاتن مباشر، فالقاعدة تقتضي تضمين المباشر؛ لأنه يمكن الإحالة عليه، بخلاف ما إذا تعذَّر تضمينه.
(وإن ختن صبيًّا) ذكرًا أو أنثى (بغير إذن وليه) ضمن سرايته (أو قَطَعَ سِلْعة من مكلَّف بغير إذنه) ضمن السراية (أو) قطع سِلْعة (من صبي بغير إذن وليه، فسَرت جنايته، ضمن) لأنه غير مأذون فيه (وإن فعل ذلك الحاكم) بالصبي (أو) فعله (وليُّه، أو فعله مَن أذِنا) أي: الحاكم أو الولي (له فيه، لم يضمن) لأنه مأذون فيه من ذي الولاية.
(ولا ضمان على راع فيما تلف من الماشية، إذا لم يتعد، أو يفرِّط
стр. 4000
في حفظها) لأنه مؤتمن على الحفظ، أشبه المودع؛ ولأنها عين قبضت بحكم الإجارة، أشبهت العين المستأجرة.
(فإن فعل) أي: فرَّط الراعي في حفظها (بنوم أو غفلة، أو تركها تتباعد عنه، أو تغيب عن نظره وحفظه، أو) تعدَّى بأن (أسرف في ضَربها، أو ضَرَبَها في غير موضع الضرب، أو) ضَرَبها (من غير حاجة إليه) أي: الضرب (أو سلك بها موضعًا تتعرَّض فيه للتلف) لنحو خوف (وما أشبه ذلك، ضمن) الراعي التالف. قال في "المبدع": بغير خلاف.
(وفي "الفصول": يلزم الراعي توخي) أي: تحرِّي (أمكنة المرعى النافع، وتوقي النبات المُضر، و) يلزمه (رَدُّها عن زرع الناس، و) يلزمه (إيرادها الماء، إذا احتاجت إليه على الوجه الذي لا يضرها شربه، ودفع السباع عنها، ومنع بعضها عن بعض قتالًا ونطحًا، فيرد الصائلة عن المصول عليها، والقرناء عن الجمَّاء، والقوية عن الضعيفة، فإذا جاء المساء وجب عليه إعادتها إلى أربابها. انتهى) وهو واضح.
(وإن اختلفا) أي: ربُّ الماشية والراعي (في التعدي) أو التفريط (وعدمه) بأن ادَّعى ربُّها أن الراعي تعدى، أو فرَّط، فتلفت، وأنكر الراعي (فـ) ـالقول (قول الراعي) بيمينه؛ لأنه أمين، والأصل براءته (فإن) فعل الراعي فعلًا و (اختلفا في كونه تعديًا، رُجع) فيه (إلى أهل الخبرة) لأنهم أدرى به.
(وإن ادَّعى) الراعي (موتَ شاة ونحوها، قُبِل قوله) بيمينه (ولو لم يأتِ بجلدها، أو شيء منه) لأنّه مؤتمن.
(ومثله) أي: الراعي في قَبول قوله في التلف، وعدم التعدي، أو التفريط، وفي عدم الضمان ونحوه مما تقدم (مستأجر الدابة) إذا ادَّعى
стр. 4001
تلفها، أو أنه لم يفرِّط، قُبِل قوله، ولا ضمان عليه؛ لأنه مؤتمن.
(ويجوز عقد الإجارة على رعي ماشية معينة) بأن يقول: استأجرتُك لترعى هذه الماشية (وعلى) رعي (جنس) موصوف (في الذمة) بأن يقول: استأجرتك لرعي إبل، أو بقر، أو غنم، ويصفُها (يرعاها) مدة معلومة (فإن كانت) الإجارة (على) ماشية (معينة تعيَّنت، فلا يُبدِلها) المستأجر بغيرها، كالمبيع المعين (ويبطل العقد فيما تلف منها) لهلاك محل المنفعة، ويسقط من الأجرة قسط ما تلف (وله أجر ما بقي بالحصة، ونماؤها في يده أمانة) لا يضمنه إذا تلف، إن لم يتعدَّ أو يفرط.
(وإن عقد على) رعي شيء (موصوف في الذِّمة، ذكر جنسه ونوعه) فيقول: (إبلًا، أو بقرًا، أو غنمًا) ويقول في الإبل: بخاتي أو عِراب، وفي البقر: بقرًا أو جواميس، وفي الغنم: (ضأنًا، أو معزًا. و) يذكر (كبره، وصغره، وعدده وجوبًا) لأن الغرض يختلف باختلاف ذلك، فاعتُبر العِلم به إزالة للجهالة.
(ولا يلزمه) أي: الراعي (رعي سخالها) سواء كانت على معيَّنة، أو موصوفة؛ لأن العقد لم يتناولها (فإن أطلق ذِكر البقر، و) ذِكْر (الإبل، لم يتناول) العقد (الجواميس والبخاتِيَّ) حملًا على العُرْف.
(وإن حبس الصانع الثوب على أجرته بعد عمله) أي: قَصره، أو خياطته، أو صبغه، ونحوه (فتلف) ضمنه؛ لأنه لم يَرهنه عنده، ولا أذن له في إمساكه؛ فلزمه الضمان كالغاصب (أو أتلفه) أي: أتلف الصانع الثوبَ بعد عمله، ضمنه (أو عمل) الصانع (على غير صفة شرطه) أي: ربّ الثوب (ضَمِنه) الصانع لجنايته (وخير مالك) لأن الجناية على ماله، فكانت الخِيرَة إليه دون غيره (بين تضمينه) أي: الصانع (إيَّاه) أي: الثوب
стр. 4002
(غير معمول، ولا أجرةَ له) لأن الأجرة إنما تجب بالتسليم، ولم يوجد (وبين تضمينه) الثوب (معمولًا، ويدفع إليه الأجرة) لأنه لو لم يدفع إليه الأجرة، لاجتمع على الأجير فوات الأجرة وضمان ما يقابلها، ولأن المالك إذا ضمَّنه ذلك معمولًا يكون في معنى تسليم ذلك معمولًا، فيجب أن يدفع إليه الأجرة لحصول التسليم الحكمي.
(ويُقدَّم قولُ رَبِّه) أي: الثوب (في صفة عمله) أي: إذا اختلفا في صفة العمل بعد تلف الثوب ليغرمه للعامل، فالقول قول ربِّه؛ لأنه غارم (ذكره ابن رزين) واقتصر عليه في "المبدع".
(ومثله) أي: ما ذكر (تلف) ما بيد (أجير مشترك) بعد عمله، إذا تلف على وجه مضمون عليه، خُيِّر المالك بين تضمينه معمولًا ويدفع الأجرة، وتضمينه غير معمول ولا أجرة.
(و) كذا (ضمان المتاع المحمول) إذا تلف على وجه يضمنه الحامل (يُخيَّر رَبُّه بين تضمينه) أي: الحامل (قيمته في الموضع الذي سلَّمه إليه) فيه (ولا أجرة له)، لأنه لم يسلِّم عمله (وبين تضمينه في الموضع الذي أفسده) الحامل، أو فسد بنحو تعديه فيه (وله) أي: الحامل حينئذ (الأجرة إلى ذلك المكان) الذي تلف فيه؛ لأن تضمينه قيمته فيه في معنى تَسلُّمه به.
(وإن أفلس مستأجر) أي: لو اشترى ثوبًا -مثلًا- ودفعه لصانع عمله (ثم جاء بائعه يطلبه) بعد فسخه البيع لوجود متاعه عند من أفلس (فللصانع حَبْسُهُ) على أجرته؛ لأن الحمل الذي هو عِوضها موجود في عين الثوب، فملك حَبْسه مع ظهور عسرة المستأجر، كمن أجَّر دابته، أو نحوها لإنسان بأجرة حالة، ثم ظهرت عسرة المستأجر، فإن للمؤجر
стр. 4003
حَبْسها عنده وفسخ الإجارة، ثم إن كانت أجرته أكثر مما زادت به قيمته أخذ الزيادة وحاصص الغرماء بما بقي له من الأجرة.
(والعينُ المستأجرة أمانةٌ في يد المستأجر، إن تلفت بغير تَعَدٍّ ولا تفريط، لم يضمنها) لأنه قبض العين لاستفاء منفعة يستحقها منها، فهو مؤتمن، كالموصى له بنفعِ عينٍ (والقول قوله) بيمينه (في عدم التعدي) لأنه الأصل.
(وإن شرط المؤجر على المستأجر ضمان العين، فالشرط فاسدٌ) لمنافاته مقتضى العقد.
(فإن شرط) المؤجر (ألَّا يسير بها) المستأجر (في الليل، أو) ألّا يسير بها (وقتَ القائلة، أو) أن (لا يتأخَّر بها عن القافلة، أو) أن (لا يجعل سيره في آخرها؛ وأشباه هذا مما فيه غرض، فخالف) المستأجرُ (ضَمِن) لمخالفته الشرط الصحيح، كما لو شرط عليه ألا يحمِّلها إلا قفيزًا، فحمَّلها قفيزين.
(وإذا ضرب المستأجرُ الدابةَ، أو) ضربها (الرائضُ -وهو الذي يعلمها السير- بقَدْرِ العادة، أو كبحَها) المستأجر أو الرائض (باللِّجام، أي جذبها لتقِفَ، أو ركضها برجله، لم يضمن) إذا تلفت (لأن له ذلك بما جرت به العادة) فإن زاد على العادة ضَمِنَ؛ لأنه غير مأذون فيه نُطقًا وعُرفا.
(ويجوز له) أي: المستأجر (إيداعها في الخان، إذا قَدِمَ بلدًا وأراد المضي في حاجته، وإن لم يستأذن المالك في ذلك) نُطقًا؛ لأنه مأذون فيه عُرفًا. قلت: وكذلك إذا ذهب بها من حارة إلى حارة.
(وإذا اشترى طعامًا في دار رجل، أو) اشترى (خشبًا، أو ثمرة) أو زرعًا (في بستان، فله أن يُدخل ذلك -من الرجال والدواب- من يحوِّل)
стр. 4004
له (ذلك، و) من (يقطف) له (الثمرة، وإن لم يأذن المالك) لأنه العُرف والعادة.
(وكذا) يجوز للمستأجر (غسل الثوب المستأجَر إذا اتَّسخ) قلت: أو تنجَّس؛ لأنه العُرف (ويأتي إذا أدَّبَ ولده، ونحوه) كزوجته وصبيه (في آخر الديات) مفصَّلًا.
(وإن قال) الخياطُ لربِّ الثوب: (أذِنت لي في تفصيله قباء، فقال) رب الثوب: (بل قميصًا) فقول خيَّاطِ (أو) قال الخياط: أذنتَ في تفصيله (قميص امرأة، فقال) ربِّ الثوب: (بل قميص رجل، فقول خياط) بيمينه؛ لأن الأجير والمستأجر اتفقا على الإذن، واختلفا في صفته، فكان القول قول المأذون، كالمضارب إذا قال: أذنتَ لي في البيع نسَاءً، ولأنهما اتفقا على ملك الخيَّاط القَطعَ، والظاهر أنه فعل ما مَلَكه، واختلفا في لزوم الغرم له، والأصل عدمه.
(بخلاف وكيل) إذا ادعى أنه أذن له في البيع ونحوه، لم يُقبل؛ لأن الأصل عدم الإذن. وإن ثبتت وكالته، واختلفا في صفة الإذن؛ فقوله، كما تقدّم في الوكالة (١)، كالمضارب؛ لأن الأصل براءته. وعبارته موهمة. والله أعلم.
(وله) أي: الخيَّاط (أجرة مِثله) لأنه ثبت وجود فِعْله المأذون فيه، ولا يستحق المُسمَّى؛ لأنه لا يثبت بمجرد دعواه.
(ومثله) أي: الخيَّاط (صَبَّاغ ونحوه) كصائغ وغيره من الأجراء (اختلف هو) أي: الصَّبَّاغ (وصاحب الثوب في لون الصبغ) بأن قال: أذِنتَ لي في صبغه أسود، قال ربُّ الثوب: بل أحمر، ونحوه، فيُقبل
стр. 4005
قول الصبَّاغ، وله أجرة مِثْله.
(ولو قال) ربُّ ثوبٍ لخياط: (إن كان الثوب يكفيني) قميصًا، أو قباء (فاقطَعْه وفصِّله، فقال) الخيَّاط: (يكفيك، ففصَّله) الخياط (ولم يكفه، ضَمِنه) أي: ضمن أرش تقطيعه؛ لأنه إنما أذنه في قطعه بشرط كفايته؛ فقطعه بدون شرطه.
(ولو قال: انظر هل يكفيني قميصًا) أو قباء؟ (فقال: نعم، فقال: اقطَعه، فقطعه، فلم يكفه، لم يضمنـ) ـه؛ لأنه أذنه من غير اشتراط، بخلاف التي قبلها.
(ولو أمره) أي: أمر ربُّ ثوبٍ الخيَّاطَ (أن يقطع الثوب قميص رجل، فقطعه قميص امرأة، فعليه غُرم ما بين قيمته صحيحًا ومقطوعًا) لتعديه بقطعه كذلك.
(وإذا دفع إلى حائك غزلًا، فقال) ربُّ الغزل: (انسجهُ لي عشرة أذرع في عرض ذراع، فنسجه زائدًا على ما قدره له في الطول والعرض، فلا أجر له) أي: الحائك (في الزيادة) لأنه غير مأمور بها (وعليه ضمان ما نقص الغزلَ المنسوج فيها) لتعديه (فأما ما عدا الزائد، فإن كان جاءه زائدًا في الطول وحده ولم ينقص الأصل بالزيادة، فله المسمَّى) من الأجر.
وإن جاء به زائدًا في العَرض وحده، أو فيهما ففيه وجهان:
أحدهما: لا أجْرَ له؛ لأنه مخالفٌ لأمرِ المستأجر.
والثاني: له المُسمَّى؛ لأنه زاد على ما أمر به، فأشبه زيادة الطول.
ومن قال بالأول فَرَّقَ بين الطول والعرض: بأنه يمكن قطع الزائد في الطول، ولا يمكن ذلك في العرض.
وإن جاء به ناقصًا في الطول والعرض، أو في أحدهما، ففيه
стр. 4006
وجهان أيضًا:
أحدهما: لا أجر له، وعليه ضمان نقص الغزل لمخالفته.
والثاني: له بحصته من المُسمَّى.
وإن جاء به زائدًا في أحدهما ناقصًا في الآخر، فلا أجر له في الزائد، وهو في الناقص على ما ذكرنا من التفصيل؛ قاله الموفَّق.
(ولو ادَّعى) المستأجر (مرض العبد) المؤجر (أو إباقه، أو شرود الدَّابة) المؤجرة (أو موتها بعد فراغ المُدَّة، أو فيها) أي: المدة (أو) ادَّعى (تلف المحمول، قُبِل قوله) لأنه مؤتمن (ولا أُجرة عليه إذا حَلَف أنه ما انتفع) بالعين المؤجرة.
(فإن اختلفا) أي: المؤجر والمستأجر (في قَدْر الأجرة) المُسمَّاة (فكاختلافهما في قَدرِ الثمن في البيع) فيتحالفان، وتقدم (١) في البيع.
(وإن اختلفا في قَدر مدة الإجارة كقوله: آجرتُك سنة بدينار، قال) المستأجر: (بل سنتين بدينارين، فقول المالك) لأنه منكر للزائد. وكما تقدم (٢) إذا اختلفا في قدرِ المبيع.
(وإن قال) المستأجر: (آجرتنيها سنة بدينار، قال) المؤجر: (بل بدينارين، تحالفا) لأنهما اختلفا في قدرِ الأجرة (ويُبدأ بيمين الآجر) ويجمع في يمينه إثباتًا ونفيًا، فيقول: ما أجرتكها بدينار، بل بدينارين، ثم يعكس المستأجر، لأن الإجارة نوع من البيع.
(فإن كان) التحالف (قبل مضي شيء من المدة، فسخا) أو أحدُهما (العقد، ورجع كل واحد منهما في ماله) لأن العقد ارتفع.
стр. 4007
(وإن رضي أحدُهما بما حلف عليه الآخر، أُقر العقد) لأنه لا ينفسخ بالتحالف، بل بالفسخ بعده.
(وإن فسخا) أو أحدهما (العقد بعد) مضي (المدة، أو) مضي (شيء منها، سقط المُسمَّى، ووجب أجر المِثْل) لتعذُّر رَدِّ المنفعة، كما لو اختلفا في المبيع بعد تلفه.
(وإن قال) المؤجر: (آجرتُكها سنة بدينار، قال) المستأجر: (بل سنتين بدينار، تحالفا، وصارا كما لو اختلفا في العوض مع اتفاق المدَّة) لأنه لم يوجد الاتفاق منهما على مدة بعوض.
(وإن قال) ربُّ الدار: (آجرتُك الدَّار سنة بدينار. فقال الساكن: بل استأجرتني على حفظها بدينار، فقول ربِّ الدار) بيمينه، إلا أن يكون للساكن بينة؛ لأن الأصل براءته، والأصل في القابض لماله غيره الضمان، فيحلف كلٌّ منهما على نفي ما ادعاه الآخرُ، ويغرم الساكنُ أجرة المِثل لمدة سُكناه فقط، هذا مقتضى القواعد.
فصل
(وتجب الأجرة بنفس العقد، فتثبتُ في الذمة، وإن تأخرت المطالبة بها) لأنها عوض أطلق في عقد معاوضة، فملك بمطلق العقد كالثمن والصداق (وله الوطء إذا كانت الأجْرة أمَة) لأنه ملكها بالعقد، (سواء كانت) الإجارة (إجارة عين) كعبد ودار معينة (أو في الذِّمة) سواء اشترط الحلول أو أطلق، وسواء كانت المدة تلي العقد، أو لا.
وأما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١)، وقوله
стр. 4008
- ﷺ : "ورجلٌ استأجرَ أجيرًا، فاستوفى منهُ ولم يُوفِّهِ أجرهُ" (١)، فيحتمل أنه أراد الإيتاء عند الشروع في الرضاع، أو تسليم نفسها، وكذلك الحديث، ويحققه: أن الإيتاء في وقت لا يمنع وجوبه قبله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢)، والصداق يجب قبل الاستمتاع؛ وهذا هو الجواب عن الحديث. ويدلُّ له: أنه إنما توعد على ترك الإيفاء بعد الفراغ من العمل، وقد قلتم: تجب الأجرة شيئًا فشيئًا. قال في "المغني": ويحتمل أنه توعده على ترك الإيفاء في الوقت الذي تتوجَّه المطالبة فيه عادة.
(وتُستحق) الأجرةُ (كاملةً) أي: يملك المؤجِر المطالبة بهما.
(ويجب) على المستأجر (تسليمُها بتسليم العين) معيَّنة كانت في العقد، أو موصوفة في الذِّمة (لمستأجر) لأن تسليم العين يجري مجرى تسليم نفعها، (أو بذلِها له) -بأن يأتي المؤجر بالعين للمستأجر؛ ليستوفي ما وقع عليه عقد الإجارة من منفعتها، فيمتنع من تسلُّمِها- لأنه فعل ما عليه، كما لو بذل البائع العينَ المبيعة (أو بفراغ عمل بيد مستأجِر ويدفعه إليه) أي: إلى المستأجِر (بعد عمله) هكذا في "التنقيح".
قال في "المغني": وإنما توقف استحقاق تسليمه على العمل؛ لأنه عوض، فلا يُستَحَق تسليمه إلا مع تسليم المعوَّض، كالصداق، والثمن في البيع.
وعبارة "المنتهى" و"شرحه": وتستقر بعمل ما بيد مستأجِر،
стр. 4009
كطبَّاخ استؤجر لطبخ شيء في بيت المستأجِر، فطبخه وفرغ منه، وبدفع غيره أي: غير ما بيد مستأجِر، كما لو اتفقا على أن الطباخ يطبخ ما استؤجِر على طبخه في داره، فيستحق الأجرة عند إتيانه إلى المستأجِر معمولًا؛ لأنه في الحالتين قد سَلَّم ما عليه، فاستحَق تسليم عوضه، وهو الأجرة. انتهى. وهو معنى كلامه في "المبدع".
ومحل وجوب تسليم الأجرة (إن لم تؤجَّل) فإن أُجِّلت لم يجب بذلها حتى تحل، كالثمن والصداق.
(ولا يجب تسليم أجرة العمل في الذمة حتى يتسلَّمه) المستأجر، وإن وجبت بالعقد، وعلى هذا وردت النصوص ولأن الأجير إنما يوفَّى أجرَه إذا قضى عمله؛ لأنه عوض، فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوَّض، كالصَّداق والثمن، وفارق الإجارة على الأعيان؛ لأن تسليمها أجري مجرى تسليم نفعها، ومتى كانت على عمل في الذمة لم يحصُل تسليم المنفعة، ولا ما يقوم مقامها.
(وتستقر) الأجرة (بمضي المدَّة) حيث سلِّمت إليه العين التي وقعت الإجارة عليها، ولا حاجز له عن الانتفاع، ولو لم ينتفع؛ لأن المعقود عليه تلف تحت يده وهو حقه، فاستقر عليه بدله، كثمن المبيع إذا تلف في يد المشتري.
(أو) أي: وتستقر الأجرة -أيضًا- (بفراغ العمل) هكذا في "التنقيح"، والمراد أن كان الأجير يعمل ببيت المستأجر، وإلا؛ فبتسليمه معمولًا، كما تقدم.
وتستقر الأجرة -أيضًا- ببذل تسليم عين لعمل في الذِّمة، إذا مضت مدة يمكن الاستيفاء فيها؛ كما لو قال: اكتريتُ منك هذه الدابة
стр. 4010
لأركبها إلى بلدِ كذا بكذا، ذهابًا وإيابًا، وسلَّمها إليه المؤجر، ومضت مدة يمكن فيها ذهابه إلى ذلك البلد، ورجوعه على العادة، ولم يفعل؛ نقل ذلك في "المغني" عن الأصحاب؛ لأن المنافع تلفت تحت يده باختياره، فاستقرَّ الضمان عليه.
(وإذا انقضت الإجارة، وفي الأرض) التي كانت مؤجرة (غراس، أو بناء شُرِط قلعه عند انقضائها) أي: الإجارة، لزم قلعُه مجَّانًا (أو) كان شرط قلعه (في وقت) معيَّن (لزم) المستأجر (قلعُه) أي: الغراس، أو البناء في محل الشرط، وفاء بموجب شرطه.
فإن قلت: إذا كان إطلاق العقد فيهما يقتضي التأبيد، فشرط القلع ينافي مقتضى العقد، فيفسد.
أُجيب: بأن اقتضاءه التأييد إنما هو من حيث إن العادة تبقيتهما، فإذا أطلقا حُمِل على العادة، فإذا شرط خلافه جاز -كما لو باع بغير نقد البلد- وحينئذ يقلع (مجانًا، فلا تجب على ربِّ الأرض غرامة نقص) الغراس أو البناء.
(ولا) يجب (على مستأجر تسوية حفر) أرض (ولا إصلاح أرض) لأنهما دخلا على ذلك لرضاهما بالقلع (إلا بشرط) لما تقدم، فإن اتفقا على إبقائه بأجرة أو غيرها، جاز إذا شرطا مدة معلومة.
(وإن لم يُشتَرط قلعه) بأن أطلقا الإجارة (أو شُرِط بقاؤه) أي: الغراس أو البناء (فلمالك الأرض؛ أخذه بالقيمة إن كان ملكه) للأرض (تامًّا) ويأتي مفهومه، فيدفع قيمة الغراس أو البناء، فيملكه مع أرضه؛ لأن الضرر يزول بذلك (ويأتي في الشفعة كيف يُقَوَّم الغراسُ والبناءُ) وذلك بأن تقوَّم الأرض مغروسة أو مبنية، ثم تقوَّم خالية، فما بينهما قيمة الغراس والبناء.
стр. 4011
(وإن كان المستأجر شريكًا في الأرض شركةً شائعة، فبنى أو غرس) بعد أن استأجر حصة شريكه (ثم انقضت المدةُ، فللمؤجر أخذُ حصةِ نصيبهِ من الأرض والبناء والغراس) يعني: إن كان يملك نصف الأرض، أخذ نصف الغراس، أو البناء بنصف قيمته، أو: الربعَ، أخذ ربعهما بربع القيمة، وهكذا. ولو قال: "من البناء" لكان صوابًا، كما هي عبارة ابن نصر الله التي هي أصله.
(وليس له) أي: الشريك المؤجر (إلزامُه) أي: الشريك المستأجر (بالقلع) ولو ضمن له نقص ما في نصيبه (لاستلزامه قَلْعَ ما لا يجوز قَلْعُه) لعدم تمييز ما يخص نصيبه من الأرض من الغراس والبناء، والضرر لا يُزال بالضرر؛ قاله ابن نصر الله.
(ولا يتملَّكُه) أي: الغراس أو البناء، بعد انقضاء مدة الإجارة (غيرُ تام الملك، كالموقوف عليه والمستأجر) والموصى له بالمنفعة؛ لقصور ملكه، ولذلك لا يأخذ بالشُّفعة؛ هذا تخريج لابن رجب (١).
وفي "الفائق": لو كانت الأرض وقفًا لم يتملك إلا بشرط واقف، أو رضا مستحق. وقال في "التنقيح": بل إذا حصل به نفع كان له ذلك. انتهى.
ويأتي في الوقف أن الموقوف عليه له تملك زرع الغاصب بالنفقة. ومقتضى كلامه: أنه لا فَرْق.
وكذلك جوَّز ابن رجب -أيضًا- أن يقال للمستأجر: تملك الزرع بنفقته، إذ هو مالك المنفعة.
وخرَّج -أيضًا- على ذلك: ما إذا غُصبت الأرض الموصى بمنافعها، أو المستأجرة، وزُرع فيها؛ فهل يتملَّك الزرع مالك الرقبة، أو
стр. 4012
مالك المنفعة؟ ذكره في القاعدة التاسعة والسبعين (١).
وقال في كتابه المُسمَّى بـ"أحكام الخراج" (٢)، فيما إذا خرج من بيده الأرض الخراجية منها؛ وله غراس أو بناء فيها: فهل يقال: للإمام أن يتملكه للمسلمين من مال الفيء، إذا رآه أصلح، كما يتملك ناظر الوقف ما غُرِس فيها، أو بُني بالقيمة بعد انقضاء المدة؟ ولا يبعد جوازه، بل أَولى من ناظر الوقف؛ للاختلاف في ملك الموقوف عليهم لرقبة الوقف، وأما المسلمون فإنهم يملكون رقبة أرض العنوة، فظاهره جوازه للناظر مطلقًا، إذا رآه مصلحة. انتهى.
(ولا) يتملكه (مُرْتَهِنٌ) لأنه لا ملك له، وإنما له حق الاستيثاق.
وقوله: (أو تَرْكه بالأجرة، أو قلعه) أي: الغراس أو البناء (وضمان نَقْصِه) عطف على أخذه بقيمته؛ لما فيه من الجمع بين الحقين.
(ولصاحب الشجر) أو البناء (بيعه لمالك الأرض ولغيره) لأن ملكه عليه تام، فله التصرُّف فيه بما شاء (فيكون) المشتري غيرُ مالك الأرض (بمنزلته) أي: المستأجر.
(وفي "التلخيص" وغيره: إذا اختار المالك القلع وضمانَ النقص فـ) ـمؤنة (القلع على المستأجر) وجزم به في "المنتهى"؛ لأن عليه تفريغ العين المؤجرة مما أشغلها به من ملكه، ولو كان ذلك بأمر المالك (وليس عليه) أي: المستأجر (تسوية حفر؛ لأن المؤجر دخل على ذلك. انتهى.
ومحل) كون (الخيرَة في ذلك لربِّ الأرض، ما لم يختر مالكُه قَلْعَه، فإن اختاره) مالكُه (فله ذلك) وليس لمالك الأرض منعه ليتملكه
стр. 4013
بقيمته، أو ليجب عليه أجر مثله بتبقيته؛ لأنه ملك مالكه، فكان له أخذه من العين المؤجرة كغيره من المملوكات.
(وعليه) أي: المستأجر إن اختار القلع دون ربِّ الأرض (تسوية الحفر) لأنه أدخل نقصًا على ملك غيره بغير إذنه، فكان عليه مؤنة إزالته.
(وظاهر كلامهم، كما قاله صاحب "الفروع": لا يَمنَع الخِيرَةَ -من أخذ ربِّ الأرض له، أو قلعه وضمان نقصه، أو تركه بالأجرة- كونُ المستأجر) فاعلُ "لا يمنع" (وقَفَ ما غرسه، أو بناه) ولو على مسجد (فإذا لم يتركه) ربُّ الأرض (في الأرض، لم يبطل الوقف بالكلية، بل ما يؤخذ بسبب قلعه وضمان نقصه، أو) أخذ بسبب (تملكه بالقيمة، يكون بمثابة ما لو أتلف الوقف، وأُخِذت منه) أي: المتلَف (قيمته، يشتري بها ما يقوم مقامَه، فكذا هنا) يشتري بالقيمة، أو بما أخذ من أرش القلع ما يقوم مقامَه.
والظاهر: أن الآلات والغراس المقلوع باق على الوقف، فإن أمكن وضعه في محل آخر، وإلا بِيعَ واشتري بثمنه ما يقومُ مقامَه (وهو) أي: الحكم (كما قال) صاحب "الفروع" (وهو ظاهر.
وظاهر كلامهم: لا يقلع الغراس) والبناء (إذا كانت الأرض وقفًا) وتقدم أنه لا يتملك إلا تام الملك، وحينئذ فيبقى بأجرة المِثْل (بل قال الشيخ (١): ليس لأحد أن يقلع غراس المستأجر وزرعه، صحيحةً كانت الإجارة أو فاسدة) لتضمُّنها الإذن في وضعه (بل إذا بقي، فعليه) أي: مالكه (أجرة المِثْل.
وإن أبقاه) أي: الغراس أو البناء الموقوف (بالأجرة، فمتى باد بطل
стр. 4014
الوقف، وأخذ الأرضَ صاحبهُا، فانتفع بها).
وقال الشيخ تقي الدين في من احتكر أرضًا بنى فيها مسجدًا، أو بناءً وَقَفَه عليه: متى فرغت المدة وانهدم البناء، زال حكم الوقف، وأخذوا أرضهم، فانتفعوا بها، ومادام البناء قائمًا فيها، فعليه أجرة المِثْل (١). قال في "الإنصاف": وهو الصواب، ولا يسع الناس إلا ذلك.
(ومحل الخيرة) بين ما تقدم (أيضًا، ما لم يكن البناء مسجدًا ونحوه) كسقاية وقنطرة (فلا يهدَم ولا يُتَملَّك، وتلزم الأجرة إلى زواله) لأنه العُرف؛ إذ وَضْع هذه للدوام.
(ولا يعاد) المسجد ونحوه لو انهدم (بغير رضا ربِّ الأرض) لزوال حكم الإذن بزوال العقد.
(ولو غرسَ، أو بنى مشترٍ) فيما اشتراه (ثم فُسِخ البيع بعيب) أو غبن، أو إقالة، أو خيار شرط، ونحوه (كان لربِّ الأرض الأخذ) أي: أخذ غراس المشتري أو بنائه (بالقيمة، أو القلع وضمان النقص) لأنه وُضِع بحق، وفي ذلك جمع بين حق البائع والمشتري.
(و) له (تركه) أي: الغراس أو البناء بالأرض (بالأجرة) إن تراضيا عليها؛ لأن الحق لا يعدوهما.
(وأما المبيع بعقد فاسد، إذا غَرَس فيه المشتري أو بنى، فحكمه حكم المستعير، إذا غرس أو بنى، على ما يأتي في بابه) أي: فلا يقلع غراسه ولا بناؤه مجانًا، بل لربِّ الأرض تملكه بقيمته، أو قلعه وضمان نقصه؛ لأن تعاطَيه العقد معه -وإن كان فاسدًا- يتضمن الإذن في الانتفاع، وكذا مستأجر بعقد فاسد.
стр. 4015
(وإن كان فيها) أي: الأرض التي انقضت إجارتها (زَرْعٌ بقاؤه بتفريط مستأجر، مثل أن يزرع) المستأجر (زرعًا لم تجر العادةُ بكماله قبل انقضاء المدة، فحكمه حكم زرع الغاصب) لأن بقاءه فيها بعدوانه (للمالك) للأرض (أخذه) أي: الزرع (بالقيمة) هكذا في "المقنع" و"المغني" و"التنقيح" و"المنتهى". وقال الموضِّحُ: هو كزرع غاصبٍ -قاله الأصحاب- فيؤخذ بنفقته؛ قاله في "الكافي" وغيره. انتهى. وهي مثل البذر (١) وعوض لواحقه؛ لأنهم جعلوه حكم الغاصب، وهذا حكمه (ما لم يختر مستأجرٌ قَلْعَ زَرْعه في الحال، وتفريغَ الأرض، فإن اختاره، فله ذلك) أي: قلعه؛ لأنه يُزيل الضررَ، ويُسلِّم الأرض فارغة.
(ولا يلزمه) أي: المستأجر قَلْع زرعه، ولو طلبه المالك في هذه الحالة؛ لأن له حدًّا ينتهي إليه بخلاف الغرس.
(وللمالك تركه) أي: الزرع (بالأجرة) كزرع غاصب.
(وإن كان بقاؤه) أي: الزرع بعد انقضاء المدة (بغير تفريط) المستأجر (مثل أن يزرع زرعًا ينتهي في المدة) الباقية من مدة الإجارة (عادة، فأبطأ) أي: تأخَّر انتهاؤه (لبرد أو غيره لزمه) أي: رب الأرض (تركه بأجرة مثله إلى أن ينتهي) لحصوله في أرض بإذنه من غير تفريط، أشبه ما لو أعاره أرضًا فَزَرَعها، ثم رجع قبل كماله (وله المُسمَّى) لمدة الإجارة (وأجرة المِثْل لما زاد) عن مدة الإجارة، وتقدم بعضه.
(ومتى أراد المستأجر زَرْعَ شيء لا يدرَك مثله) عادة (في مدة الإجارة، فللمالك منعه) لأنه سبب لوجود زرعه في أرضه بغير حق (فإن زرع) ما لا يكمل عادة في المدة (لم يملك) رَبُّ الأرض (مطالبته بقلعه
стр. 4016
قبل انقضاء المدة) لأنه في أرض يملك نفعها، ولأنه لا يملك ذلك بعد المدة، فقبلها أَولى.
وإن زرع مؤجر في أرض أجرها، قبل انقضاء مدة الإجارة، زرعًا يضرُّ بالمستأجر، أو غرس أو بنى، فذكر القاضي في "خلافه" أن الجميع يُقلع، وإنما قلع الزرع هنا؛ لأن مالك الأرض هو الزارع، والمتعلق حقه بها لا يمكن تملكه لعدم ملكه، فتعين القلع.
قال ابن رجب (١): وفيه نظر، إذ يجوز أن يقال: للمستأجر تملك الزرع بنفقته، كالموقوف عليه يتملك زرع الغاصب، ويحتمل تخريج ذلك على الوجهين في ملك الموقوف عليه للشفعة في شركة الوقف. هذا حاصل كلامه. لكن يفرق بين الموقوف عليه والمستأجر، إذ الموقوف عليه يملك العين لكن ملكًا قاصرًا؛ بخلاف المستأجر، فإنه لا ملك له في العين.
(ولو اكترى أرضًا لزرعٍ، مدةً لا يكمل) ذلك الزرع (فيها) عادة (وشرط) المستأجر (قلعه بعدها) أي: مدة الإجارة (صح) العقد؛ لأنه لا يفضي إلى الزيادة على مدته، وقد يكون له غرض في ذلك لأخذه قصيلًا (٢) أو غيره، ويلزمه ما التزم.
(وإن شرط بقاءه) أي: الزرع (ليدرك) بعد مدة الإجارة، فسدت (أو سكت) فلم يشترط قطعًا ولا بقاء (فسدت) أما في الأولى؛ فلأنه جمع بين متضادين؛ لأن تقديره المدة يقتضي التفريغ بعدها، وشرط التبقية يخالفه؛ ولأن مدة التبقية مجهولة. وأما في الثانية؛ فلأنه اكتراها
стр. 4017
لزرع شيء لا ينتفع بزرعه في مدة الإجارة، أشبه إجارة أرض السَّبخة للزرع.
(وإذا تسلَّم العينَ) المعقود عليها (في الإجارة الفاسدة حتى انقضت المدة) أو بعضها، أو مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها أوْ لا (فعليه أجرة المِثْل) لمدة بقائها في يده (سكن، أو لم يسكن) لأن المنافع تلفت تحت يده بعوض لم يُسلَّم للمؤجر، فرجع إلى قيمتها كما لو استوفاه.
(وإن لم يتسلَّم) العين في الإجارة الفاسدة (لم يلزمه أجرة، ولو بذلها) أي: العين (المالك) لأن المنافع لم تتلف تحت يده، والعقد الفاسد لا أثر له، بخلاف الإجارة الصحيحة.
(وإن اكترى) المستأجر (بدراهم، وأعطاه) أي: المؤجر (عنها دنانير) أو ثيابًا، أو حيوانًا، أو عقارًا، أو نحوه (ثم انفسخ العقدُ) لعيب أو نحوه (رجع المستأجر بالدراهم) لأن العقد إذا انفسخ، رجع كلٌّ من المتعاقدين في العوض الذي بَذَله، وعوض العقد هو الدراهم، والمؤجر أخذ الدنانير ونحوها بعقد آخر، ولم ينفسخ، أشبه ما إذا قبض الدراهم، ثم صَرَفها بدنانير، أو اشترى بها شيئًا. وكذلك البيع ونحوه، وتقدم (١).
(وإذا انقضت المدة) أي: مدة الإجارة، أو استوفى العمل من العين المؤجرة (رفع المستأجر يده) عن العين المؤجرة (ولم يلزمه) أي: المستأجر (الرد، ولا مؤنته، كمودَع) لأنه عقد لا يقتضي الضمان، فلا يقتضي الرد ولا مؤنته، بخلاف العارية. وفي "التبصرة": يلزم المستأجر ردُّ العين المؤجرة إذا شرط عليه.
(وتكون) العين المؤجرة بعد انقضاء مدة الإجارة (في يده) أي:
стр. 4018
المستأجر (أمانة) كما كانت له في المدة (١)، فـ (ـإن تلفت) المؤجرة قبل ردها (من غير تفريط) ولا تعدٍّ (فلا ضمان عليه) كالوديعة، لكن متى طلبها ربُّها، وجب تمكينه منها، فإن منَعَه لغير عُذر، صارت مضمونة كالمغصوبة، ونماؤها كالأصل، فلو استأجر دابة، فولدت عنده، كان ولدها أمانة كأُمِّه، وليس له الانتفاع به، لأنه غير داخل في العقد، وهل له إمساكه بغير إذن مالكه تبعًا لأصله، أم لا؟ كمن أطارت الريح إلى داره ثوب غيره؛ خَرَّجه القاضي وابنُ عقيل على وجهين.
(ولا تُقبل دعواه) أي: المستأجر (الرد) أي: رد العين المؤجرة إلى مالكها، إذا أنكره (إلا ببينة لأنه قبضه) أي: المؤجَّر (لمنفعة نفسه) فهو (كالمرتهن والمستعير) والمضارب.
"تتمة": قال القاضي في من استأجر عبدًا للخدمة: إن له المسافرة به في العقد المطلق، قال: فإن شُرط ترك المسافرة به لزم الشرط، وقال: ليس للسيد أن يسافر برقيقه إذا أجره.
стр. 4019
باب السبق والمناضلة
السَّبْق، بسكون الباء: بلوغ الغاية قبل غيره، والسباق فعال منه.
و (السَّبقَ بفتح الباء) والسبقة: (الجُعْل الذي يُسَابق عليه.
و) السَّبْق (بسكونها) أي: الباء، مصدر سبق، وهو (المجاراة بين حيوان ونحوه) كسفن.
(والمُنَاضلة) من النضل يقال: ناضله مناضلة ونضالًا، ونيضالًا وهي (المسابقة بالسهام) وهي النُّشَّاب والنَّبْل.
(تجوز المسابقة بلا عوض على الأقدام، وبين سائر الحيوانات من إبل، وخيل، وبغال، وحمير، وفيلة) جمع فيل (وطيور حتى بحَمَام) خلافًا للآمدي (وبين سفن، ومزاريق) جمع مِزراق، بكسر الميم: رمح قصير أخف من العنزة؛ قاله في "حاشيته" (ونحوها) كالرمح والعنزة (ومجانيق، ورمي أحجار بيَدٍ، ومقاليع) لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ … ﴾ الآية (١).
وصَحَّ من حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ "سابقَ بين الخيلِ المضمرة من الحَفْيَاءِ إلى ثنيةِ الوداعِ، وبين التي لم تُضمر من ثنيةِ الوداعِ إلى مسجد بني زُرَيقٍ" (٢).
قال موسى بن عقبة (٣): من الحَفْياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة.
стр. 4020
وقال سفيان (١): من الثنية إلى مسجد بني زُريق ميل أو نحوه.
والخيل المُضْمَرة: هي المعلوفة القوت بعد السمن؛ قاله في "القاموس" (٢).
(ويُكره الرَّقص ومجالس الشعر، وكل ما يُسمَّى لعبًا) ذكره في "الوسيلة" لحديث عقبة: الآتي (إلا ما كان مُعِينًا على قتال العدو) لما تقدم (فيُكره لعبه بأُرْجُوحة) ونحوها؛ ذكره ابن عقيل وغيره (وكذا مراماة الأحجار ونحوها، وهو أن يرمي كل واحد الحجر إلى صاحبه).
قال الآجري في "النصيحة": من وَثَب وثبةً مَرَحًا ولعبًا بلا نفع، فانقلب، فذهب عقلُهُ، عصى، وقضى الصلاة.
(وظاهر) كلام (الشيخ (٣): لا يجوز اللَّعب المعروف بالطَّاب (٤) والنقيلة (٥)) قال: ويجوز اللعب بما قد يكون فيه مصلحة بلا مضرة.
(وقال (٦): كلُّ فعل أفضى إلى مُحرَّمٍ كثيرًا، حرَّمه الشارع، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة؛ لأنه يكون سببًا للشر والفساد.
стр. 4021
وقال أيضًا (١): ما ألهى وشغل عما أمر الله به، فهو منهيٌّ عنه، وإن لم يحرم جنسه، كبيع وتجارة ونحوهما. انتهى).
وما روي "أنَّ عائشةَ وجوارِيَ معها كُنَّ يلعبنَ باللُّعبِ، والنبيُّ ﷺ يراهُنَّ" رواه أحمد (٢) وغيره، و"كانت لها أرجوحةٌ قل أن تتزوجَ" رواه أبو داود (٣) بإسناد جيد، فيُرخَّص فيه للصغار ما لا يُرخَّص للكبار؛ قاله الشيخ تقي الدين (٤) في خبر ابن عمر في زمارة الراعي (٥).
стр. 4022
قلت: ولعب الجواري باللُّعب غير المصوَّرة فيه مصلحة للتمرُّن على ما هو المطلوب منهن عادة، ويتوجه كذا في العيد ونحوه؛ لقصة أبي بكر وقوله ﷺ : "دعهما فإنَّها أيامُ عيدٍ" (١).
(ويُستحبُّ اللَّعب بآلة الحرب، قال جماعة: والثِّقاف (٢)) لأنه يُعين على قتال العدو.
(ويَتعلَّم بسيفٍ خشب لا حديد نصًّا) نقله أبو داود (٣)؛ لقوله ﷺ : "لا يُشيرُ أحدكم بحديدٍ" (٤).
(وليس من اللهو المُحرَّم ولا) اللهو (المكروه تأديبُ فرسه، وملاعبتُه أهلَه، ورميه عن (٥) قوسه) لحديث عقبة مرفوعًا: "كلُّ شيءٍ يلهو به ابنُ آدم، فهو باطل" ثم استثنى هذه الثلاثة؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي (٦) وحسَّنه، والمُراد ما فيه مصلحة شرعية،
стр. 4023
ويدخل فيه تعليم الكلب للصيد والحراسة، وتعليم السباحة.
ومنه ما في "الصحيحين" من "لَعِبِ الحبشةِ بِدَرَقِهمْ وحِرَابهم، وتوثبهم بذلك على هيئة الرقص، في يوم عيدٍ، في مسجد النبيِّ ﷺ ، وستر النبيِّ ﷺ عائشة وهي تنظر إليهم" (١). ودخل عمرُ فأهوى إلى
стр. 4024
الحصباءِ يحصبهم، فقال النبيُّ ﷺ : "دعهم يا عمر" (١).
(ويُكره لمن علم الرمي أن يتركه كراهة شديدة) لقوله ﷺ : "ومن علم الرميَ، ثمَّ تركه فهي نعمةٌ كفَرها" (٢) قال العلقمي (٣): وردت من طرق صحيحة بألفاظ مختلفة، والمعنى واحد، وسبب هذه الكراهة: أن من تعلَّم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دين الله ونكالة العدو، وتأهَّل لوظيفة الجهاد، فإذا تركه، فقد فرَّط في القيام بما قد يتعين عليه.
(وتجوز المصارعة) لأنه ﷺ "صارعَ رُكانة فصرعهُ" رواه أبو داود (٤).
стр. 4025
(و) يجوز (رفع الأحجار لمعرفة الأشد) لأنه في معنى المصارعة.
(وأما اللَّعِب بالنَّرد والشِّطرنج، ونِطاح الكِباش. ونِقار الديوك، فلا يُباح بحال) أي: لا بعوض ولا بغيره، ويأتي في الشهادات موضحًا (وهي) أي: هذه الأشياء (بالعوض أحرم) أي: أشد حُرمة. ويأتي في الشهادات.
(و لا تجوز) المسابقة (بعوض إلا في الخيل، والإبل، والسِّهام للرجال) لقوله ﷺ : "لا سبقَ إلا في نَصْلٍ أو خفٍّ أو حافرٍ" رواه الخمسة (١)، ولم يذكر ابن ماجه "أو نصل" وإسناده حسن. واختصت
стр. 4026
هذه الثلاثة بأخذ العوض فيها؛ لأنها من آلات الحرب المأمور بتعليمها وإحكامها. وذكر ابن عبد البر (١) تحريم الرهان في غير الثلاثة إجماعًا. وقوله: "للرجال" أخرج النساء؛ لأنهن لسن مأمورات بالجهاد (بشروط خمسة) متعلق بـ"تجوز":
(أحدها: تعيين المركوبين بالرؤية) سواء كانا اثنين، أو جماعتين (وتساويهما في ابتداء العَدْو وانتهائه، وتعيين الرماة، سواء كانا اثنين أو جماعتين) لأن المقصود في المسابقة معرفة سرعة عَدْوِ المركوبين اللذين يسابق عليهما. وفي المناضلة معرفة حذق الرماة. ولا يحصُل ذلك إلا بالتعيين بالرؤية، لأن المقصود معرفة عَدْو مركوب بعينه، ومعرفة حذق
стр. 4027
رام بعينه، لا معرفة عَدْو مركوب في الجملة، أو حذق رام في الجملة، فلو عقد اثنان مسابقة على خيل غير معينة أو مناضلةً ومع كل منهما نفر غير معيَّن لم يجز.
(و لا يُشترط تعيين الراكبين، ولا القوسين ولا السِّهام) لأن الغرض معرفة عَدْو الفرس، وحذق الرامي، دون الراكب والقوس والسهام؛ لأنها آلة المقصود، فلا يشترط تعيينها كالسرج (ولو عيَّنها لم تتعيَّن) لما تقدم.
(وكلُّ ما تعيَّن (١) لا يجوز إبداله، كالمتعين في البيع، وما لا يتعيَّن يجوز إبداله لعُذر وغيره) فإن شرط ألَّا يرمي بغير هذا القوس، أو بغير هذا السهم، أو لا يركب غير هذا الراكب، فهو فاسد؛ لأنه ينافي مقتضى العقد.
الشرط (الثاني: أن يكون المركوبان، والقوسان من نوع واحد) لأن التفاوت بين النوعين معلوم بحكم العادة، أشبها الجنسين (فلا تصح) المسابقة (بين فرس عربي، وهجين) وهو ما أبوه فقط عربي (ولا) المناضلة (بين قوس عربية، وفارسية) والعربية قوس النبل، والفارسية قوس النُّشَّاب؛ قاله الأزهري (٢).
(ولا يُكره الرمي بالقوس الفارسية) ولا المسابقة بها، وقال أبو بكر: يُكره الرمي بها؛ لما روى ابن ماجه أن النبي ﷺ "رأى مع رجلٍ قوسًا فارسيةً، فقال: ألْقِها فإنها ملعونةٌ، ولكن عليكم بالقسيِّ العربية، وبرماح القنا، فبها يُؤيِّدُ الله هذا الدِّين، وبها يمكِّن الله لكم في
стр. 4028
الأرض" (١) ورواه الأثرم (٢). والجواب: أنَّه يحتمل أنَّه لعنها لحمل العجم لها في ذلك العصر قبل أن يُسْلِموا، ومنع العرب من حملها لعدم معرفتهم بها.
الشرط (الثالث: تحديد المسافة والغاية) بأن يكون لابتداء عَدْوِهما وآخره غاية لا يختلفان فيها؛ لأن الغرض معرفة الأسبق، ولا يحصُل إلا بتساويهما في الغاية؛ لأن أحدهما قد يكون مقصرًا في ابتداء عدوه؛ سريعًا في آخره، وبالعكس.
(و) تحديد (مدى الرمي بما جرت به العادة) لأن الإصابة تختلف بالقرب والبعد (ويُعرف ذلك) أي: مدى الرمي (بالمشاهدة) نحو: من هنا إلى هناك (أو بالذراع نحو مائة ذراع، أو مائتي ذراع. وما لم تجر به عادة) وهو ما تعذَّر الإصابة فيه غالبًا (وهو ما زاد في الرمي على ثلاثمائة
стр. 4029
ذراع، فلا يصح) لأنه يفوت به الغرض المقصود بالرمي. وقيل: إنه ما رمى في أربعمائة ذراع إلا عقبة بن عامر الجهني (١).
(ولا يصح تناضلهما على أن السبق لأبعدهما رميًا) لعدم تحديد الغاية.
الشرط (الرابع: كون العوض معلومًا، إما بالمشاهدة، أو بالقَدْر، أو بالصفة) لأنه مال في عقد، فاشتُرِط العلم به كسائر العقود، والمراد بمعرفته بالقدر، إذا كان بالبلد نقد واحد، أو أغلب، وإلا؛ لم يَكْفِ ذِكْر القَدْر، بل لابُدَّ من وصفه.
(ويجوز أن يكون) العوض (حالًّا ومؤجَّلًا، و) أن يكون (بعضه حالًّا وبعضه مؤجَّلًا) كالثمن والصداق.
(ويُشترط أن يكون) العِوض (مباحًا) كالصَّداق والبيع، فلا تصح على خمر ونحوه.
(وهو) أي: بذل العوض المذكور (تمليك) للسابق (بشرط سبقه) فلهذا قال في "الانتصار" في شركة العنان: القياس لا يصح. انتهى. قلت: في كلامهم أنَّه جعالة، فليس من قبيل التمليك المعلَّق على شرط محض.
الشرط (الخامس: الخروج عن شِبْهِ القمار) لأن القمار مُحرَّمٌ فشِبْهه مثله. والقِمار -بكسر القاف- مصدر قامَرَه فقَمَرَه، إذا راهنه فغلبه (بألَّا يُخرِجَ جميعُهم) لأنه إذا أخرج كل واحد منهم، فهو قِمار، لأنه
стр. 4030
لا يخلو، إما أن يغنم أو يغرم، ومن لم يخرج، بقي سالمًا من الغرم.
(فإن كان الجعل من الإمام من ماله، أو من بيت المال) جاز؛ لأن في ذلك مصلحة وحثًّا على تعليم الجهاد، ونفعًا للمسلمين.
(أو) كان الجعل (من غيرهما، أو من أحدهما) وحده؛ لأنه إذا جاز بَذْلُهُ من غيرهما، فمن أحدهما أَولى، وكذا لو كانوا ثلاثة فأخرج اثنان منهم، أو أربعة فأخرج ثلاثة منهم، ونحوه (على أنَّ من سبق أخذه؛ جاز، فإن جاءا معًا فلا شيء لهما) لأنه لا سابق فيهما.
(وإن سَبَق المُخرِجُ) للجعل (أحرز سَبقَه) بفتح الباء، أي: ما أخرجه (ولم يأخذ) السابقُ (من الآخر) المسبوق (شيئًا) لأنه إن أخذ منه شيئًا كان قمارًا.
(وإن سبق من لم يُخرِج، أحرز سَبَق صاحبه) فملكه؛ وكان كسائر ماله؛ لأنه عوض في الجعالة، فملك فيها، كالعوض المجعول في رَدِّ الضالة، فإن كان العوض في الذِّمة، فهو دين يقضى به عليه، ويجبر عليه إن كان موسرًا، وإن أفلس، ضرب به مع الغرماء.
(وإن أخرجا) أي: المتسابقان (معًا، لم يجز، وكان قمارًا؛ لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم، وسواء كان ما أخرجاه متساويًا، أو متفاوتًا، مثل أن أخرج أحدهما عشرة، و) أخرج (الآخر خمسة، إلا بمحلل، لا يُخرج شيئًا) لما روى أبو هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: "من أدخلَ فرسًا بين فرسين، وهو لا يأمن أن يسبقَ فليسَ قمارًا، ومن أدخل فرسًا بينَ فرسينِ وهو آمنٌ أن يسبق فليس قمارٌ"، رواه أبو داود (١)، فجعله قمارًا إذا أمن السبق؛ لأنه لا يخلو كل واحد منهما أن يغنم أو