(فإن قال ربُّه) أي: المغصوب المُبَعَّد (دعه) مكانه (وأعطني أجرة رَدِّه) إلى مكانه (وإلا، ألزمتُك بردِّه) لم يلزمه؛ لأنها معاوضة، فلا يُجبر عليها (أو طلب) رَبُّ المغصوب (منه) أي: الغاصب (حمله إلى مكان آخر في غير طريق الرَّدِّ، لم يلزمه) أي: الغاصب، ولو كان أقرب؛ لأنها معاوضة.
(وإن قال المالك: دَعْه) أي: المغصوب (لي في المكان الذي نقلتَه إليه، لم يملك الغاصب رَدّه) إلى المكان الذي غصبه منه؛ لأنه تصرُّفٌ لم يؤذن له فيه.
(وإن قال) المالك (ردّه) أي: المغصوب (إلى بعض الطريق) إلى الموضع الذي غصبه منه (لزمه) ردّه إليه؛ لأنه يلزمه إلى جميع المسافة، فلزمه إلى بعضها، كما لو أسقط ربُّ الدَّين عن المدين بعض الدَّين، وطلب منه باقيه (ومهما اتفقا عليه من ذلك) المذكور (جاز) لأن الحق لهما.
(وإن خلطه) أي: المغصوب (بما يمكن تمييزه منه، أو) يمكن (تمييز بعضه، كحِنطة) خلطها (بشعير، أو بسمسم، أو) خلط (صغار الحَبِّ بكباره) ولو اتَّحد الجنس (أو) اختلط (زبيب أحمر بأسود) وما أشبه (لزمه) أي: الغاصب (تخليصه، وردّه) إلى مالكه (وأجرة المميِّز عليه) أي: الغاصب؛ لأنه بسبب تعدّيه، فكان أَولى بغرمه من مالكه، لكون الشارع لم ينظر إلى مصلحة المتعدي.
(وإن) اختلط المغصوب بغيره، و (لم يمكن تمييزه، فسيأتي في الباب، وإن شغل المغصوب بملكه، كحَجَرٍ بَنَى) الغاصب (عليه، أو خَيْطٍ خاط به ثوبه، أو نحوه، فإن بلي الخيط، وانكسر الحَجَر) بحيث
стр. 4097
لا ينتفع به، وإلا؛ رَدّه مع أرشه (أو كان مكانه خشبة، فتلفت) الخشبة (لم يجب رَدّه) لأنه صار مُستهلَكًا (ووجبت قيمته) كما لو أتلفه.
(وإن كان) الحَجَر، أو الخشبة، أو الخيط (باقيًا بحاله) أو متغيرًا (لزمه رَدّه) مع أرش نقصه إن نقص (وإن انتقض البناء) برَدِّ الحَجَر، أو الخشبة (وتَفَصَّل الثوب) برد الخيط؛ لأنه مغصوب أمكن رده، فوجب، كما لو لم يبن عليه أو يخيط به، و"إن" وصليّة.
(وإن سمَّر) الغاصب (بالمسامير) المغصوبة (بابًا، لزمه) أي: الغاصب (قلعها وردّها) للخبر (١)، ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعديه (وإن كانت المسامير من الخشبة المغصوبة، أو) كانت من (مال المغصوب منه، فلا شيء للغاصب) في نظير عمله، لتعديه به (وليس له) أي: الغاصب (قلعها) لأنه تصرُّف لم يؤذن له فيه (إلا أن يأمره المالك) بقلعها (فيلزمه) القلع، ولا أثر لضرره؛ لأنه حصل بتعديه.
(وإن كانت المسامير للغاصب، فوهبها للمالك، لم يُجبر المالك على قبولها) من الغاصب؛ لما عليه من المنة.
(وإن استأجر الغاصب على عمل شيء من هذا الذي ذكرناه؛ فالأجر عليه) لأنه غرَّ العامل، ولا شيء على المالك؛ لأنه لم يأذن فيه.
(وإن زرع) الغاصب (الأرضَ، فردَّها بعد أخذ الزرع، فهو للغاصب) قال في "المبدع" بغير خلاف نعلمه؛ لأنه نماء ماله (وعليه) أي: الغاصب (أجرتها) أي: الأرض (إلى وقت تسليمها) لأنه استوفى نفعها، فوجب عليه عوضه، كما لو استوفاه بالإجارة؛ ولأن المنفعة مال، فوجب أن
стр. 4098
تضمن كالعين (و) عليه (ضمان النقص) إن نقصت كسائر الغصوب.
(ولو لم يزرعها) أي: المغصوبة الغاصب (فنقصت لترك الزراعة، كأراضي البصرة، أو نقصت) المغصوبة (لغير ذلك، ضمن) الغاصب (نقصها) لأنه نقص حصل بيده العادية.
(وإن أدركها) أي: الأرض (ربُّها، والزرع قائم) لم يُحصد (فليس له إجبار الغاصب على قَلْعه) لما روى رافع بن خديج أن النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ زرعَ في أرض قومٍ بغير إذنهم، فليسَ له من الزرعِ شيءٌ، ولهُ نفقتهُ" رواه أحمد وأبو داود والترمذي (١) وحسَّنه. ولأنه أمكن رَدُّ المغصوب
إلى مالكه من غير إتلاف مال الغاصب على قُربٍ من الزمان، فلم يجز إتلافه، كما لو غصب سفينة، فحمل فيها متاعه، وأدخلها لُجَّة البحر، لا يُجبر على إلقائه، فكذا هنا، صيانة للمال عن التلف، وفارق الشجر لطول مدته.
وحديث: "ليسَ لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ" (١) محمولٌ عليه؛ لأن حديثنا في الزرع، فيحصُل الجمع بينهما.
و (يُخيَّر) مالكُ الأرض (بين تَرْكه) أي: الزرع (إلى الحصاد بأجرته) أي: أجرة مِثْله، وأرش نقصها إن نفصت (وبين أخذه بنفقته) لأن كل واحد منهما يحصُل به غرضه، فملك الخيرة بينهما تحصيلًا لغرضه (فيرد) المالك -إن اختار أخذ الزرع- للغاصب (مثل البَذْر، وعوض لواحقه، من حرث وسقي، وغيرهما) لقوله ﷺ في الحديث السابق: "ولهُ نفقتُهُ" قال الإمام (٢): إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانًا على خلاف القياس. وظاهره: ولو كان عمل الحرث ونحوه بنفسه؛ لأن
стр. 4101
العمل متقوّم استهلك لمصلحة الزرع، فوجب رد عوضه، كما لو استأجر مَن عَمِله. وهذا أحد احتمالين ذكرهما الحارثي.
(ولا أُجرة) على الغاصب في الأرض المغصوبة، إذا اختار المالك أخذ الزرع بنفقته (لمدة مكثه) أي: الزرع (في الأرض) المغصوبة؛ لأن منافع الأرض في هذه المدة عادت إلى المالك، فلم يستحقَّ عوضها على غيره.
(ويُزكِّيه) أي: الزرع (ربُّ الأرض، إن أخذه قبل وجوب الزكاة) بأن تملكه قبل اشتداده؛ لوجوبها وهو في ملكه (و) إن تملَّكه (بعده) أي: بعد الوجوب، بأن تملَّكه بعد الاشتداد، فزكاته (على الغاصب) لأنه المالك وقت وجوبها، صحَّحه في "الإنصاف". قال في "تصحيح الفروع": وهذا الصحيح، وقواعد المذهب تقتضيه. والوجه الثاني: يُزكِّيه آخذه، وهو مقتضى النصوص، وهو اختيار الخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى، والحارثي وغيرهم؛ لأنهم اختاروا أن الزرع من أصله لربِّ الأرض، ولكن المذهب الأول. انتهى. ومقتضى كلامه في "التنقيح" و"المنتهى" في الزكاة: أن المذهب الثاني، وإن قلنا: الملك للغاصب إلى أخذه، ويفرق بين ربِّ الأرض والمشتري بأن ربَّ الأرض يتملَّكه بنفقته، فملكه استند إلى أول وجوده، بخلاف المشتري.
(وإن غَرَسَها) أي: الأرض المغصوبة (الغاصب، أو بنى فيها ولو) كان الغاصب (شريكًا) في الأرض المغصوبة (أو فعله) أي: غرس، أو بنى في الأرض أجنبي أو شريك (من غير غصب، بلا أذن) ربِّ الأرض (أُخِذ) أي: ألزم (بقلع غراسه، و) قلع (بنائه) إذا طالبه ربُّ الأرض بذلك؛ لقوله ﷺ : "ليس لعِرْقٍ ظالمٍ (١) حقٌّ" رواه
стр. 4102
الترمذي (١) وحسَّنه. وفي رواية أبي داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير قال: "ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديثَ: أنَّ رجلين اختصما إلى النبيِّ ﷺ ، غرسَ أحدهما نخلًا في أرضِ الآخرِ، فقضى لصاحب الأرض بأرضهِ، وأمرَ صاحبَ النخل أن يُخرجَ نخلهُ منها، فلقد رأيتها وإنها لتضربُ أصولها بالفؤوسِ، وإنها لنخلٌ عُمٌّ" (٢).
قال أحمد (٣): العُم الطوال.
(و) أُخذ الغاصب -أيضًا- بـ (ـتسوية الأرض، وأرش نقصها) لأنه ضرر حصل بفعله، فلزمه إزالته كغيره.
(و) عليه (أجرتها) أي: أجرة مثل الأرض مدة احتباسها؛ لأن منافعها ذهبت تحت يده العادية، فكان عليه عوضها كالأعيان.
(ثم إن كانت آلات البناء من المغصوب) بأن كان فيه لَبِنٌ أو آجرٌّ، أو ضرب منه لَبِنًا أو آجرًّا، وبنى به فيه (فـ) ـعليه (أجرتُها مبنية) لأن البناء والأرض ملك للمغصوبة منه الأرض، ولا أُجرة للغاصب لبنائه (وإلا) تكن آلات البناء من المغصوب، بل كانت الآلات للغاصب، فعليه (أجرتها غير مبنية) لأنه إنما غصب الأرض وحدها، وأما بناؤه بآلاته فله.
(فلو أجرها) أي: أجر الغاصب الأرض المغصوبة المبنية بآلاته مع ما بها من بناء (فالأجرة) المستقرة على المستأجر (لهما) أي: مشتركة بين ربِّ الأرض وربِّ البناء (بقَدْر قيمتيهما) أي: قيمتي منفعتيهما، فينظر: كم أجرة الأرض مبنية، ثم أجرتها خالية؟ فما بينهما فهو أجرة البناء،
стр. 4103
فيوزع ما يؤخذ من المستأجر على أجرة الأرض، وأجرة البناء، فيختص كل واحد بأجرة ما له.
(ولو جصَّصَ الغاصبُ الدارَ) ونحوها (أو زوَّقها، فحكمها كالبناء) لأنه شغل ملك غيره بما لا حُرمة له.
(ولو غصب) إنسان (أرضًا وغراسًا من شخص واحد، فَغَرَسه فيها، فالكل لمالك الأرض) ولا شيء للغاصب في نظير فعله، لتعدِّيه به (فإن طالبه) أي: الغاصبَ (ربُّها بقلعه) أي: الغراس (وله في قلعه غرضٌ صحيح، أُجبر) الغاصب (عليه) لأنه فَوَّت على المالك غرضًا مقصودًا بالأرض، فأوخذ (١) بإعادتها إلى ما كانت عليه (وعليه) أي: الغاصب -وفي نسخة: "وعلى"- (تسوية الأرض، و) أرش (نقصها، و) أرش (نقص الغراس) لحصوله بتعديه.
(وإن لم يكن) للمالك (في قَلْعِهِ غرضٌ صحيحٌ، لم يُجبر) الغاصب على القلع؛ لأنه سَفَهٌ.
(وإن أراد الغاصبُ قَلْعه) أي: قلع الغراس، أو البناء (ابتداء) من غير طلب من المالك (فله مَنْعُهُ) من القلع؛ لأنهما ملكه، فليس لغيره التصرُّف عليه بغير إذنه.
(ويلزمه) أي: الغاصب (أُجرته) أي: المغصوب، إذا بناه الغاصب بآلات من المغصوب (مبنيًا) لأن البناء والأرض ملك لربهما. وتقدم (٢).
وإن غصب أرضًا لرجل، وغرسًا من آخر، وغرسه في الأرض، ثم وقع النزاع في مؤنة القلع، فكما لو حمل السيل غرسًا إلى أرض آخر
стр. 4104
فنبت فيها، على ما تقدم في العارية (١). وهذا معنى كلام المجد: فإذا قلنا: ليس له قَلْعُه مجانًا، وغرم أرش النقص، رجع رَبُّ الأرض به على الغاصب؛ لأنه تسبَّب في غرمه، وكذا إذا زرع الأرض المغصوبة ببذر الغير، هل له تبقيته بأجرة أو مجانًا؟ على وجهين، فإذا قلنا: لا أجرة، فهي على الغاصب. وعلى الوجه الآخر: تكون على صاحبه. هذا حاصل كلام المجد.
(ورَطْبة ونحوها) كنعناع وبُقولٍ مما يُجَزُّ مرَّة بعد أخرى، أو يتكرَّر حمله، كقثاء وباذنجان (كزرع فيما تقدَّم) في أن ربَّ الأرض إذا أدركه قائمًا، له أن يتملَّكه بنفقته؛ لأنه ليس له أصلٌ قويٌّ، أشبه الحنطة والشعير (لا كغرس) أي: ليس حكمه حكم الغرس.
وإذا غصب الأرضَ فغرسها وأثمرت، فأدركها ربُّها بعد أخذ الغاصب، فهي له. وكذا لو أدركها والثمرة عليها؛ لأنها ثمرة شجره، فكانت له كأغصانها؛ قدَّمه في "المغني"، و"الشرح"، و"الفائق"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، و"ابن رزين"، و"المبدع"، وصحَّحه الحارثي. قال: والقياس على الزرع ضعيف. وعنه (٢): كالزرع، إن أدركها قبل الجذاذ أخذها، وعليه النفقة. واختاره القاضي.
(ولو أراد مالك الأرض) المغصوبةِ (أخذَ البناءِ والغراسِ) من الغاصب (مجانًا، أو) أراد أخذهما (بالقيمة، وأبى مالكُه) أي: الغراس أو البناء، الإعطاء (لم يكن له) أي: مالك الأرض (ذلك) لأنه عين مال
стр. 4105
الغاصب، فلم يملك ربُّ الأرض أخْذَه، كما لو وضع فيها أثاثًا أو نحوه. وقال المجد في "شرحه": لصاحب الأرض تملك البناء والغراس بقيمته مقلوعًا، إذا كانت الأرض تنقص بقلعه.
(وإن اتفقا) أي: مالك الأرض ومالك الغراس، أو البناء (على تعويضه) أي: على أن يعوض رَبُّ الأرض رَبَّ الغراس، أو البناء (عنه، جاز) لأن الحق لا يعدوهما.
(وإن وهب الغاصبُ الغراسَ والبناء لمالك الأرض، ليتخلَّص) الغاصب (من قلعه، فقبله المالكُ، جاز) لتراضيهما (وإن أبى) مالك الأرض (قَبوله) أي: الغراس أو البناء، من الغاصب (وكان) لربِّ الأرض (في قَلْعه غرضٌ صحيحٌ، لم يُجبر) ربُّ الأرض (على قَبوله) من الغاصب؛ لأنه يُفوِّت غرضه الصحيح، فإن لم يكن في قَلْعه غرضٌ صحيح، ففيه احتمالان، أحدهما: أنه يسقط الطلب عن الغاصب بقلعه؛ لأنه سَفَهٌ، وقد زاد زيادة تنفعه ولا تضره. والثاني: لا؛ لأنه عقد يُعتبر له الرضا، فلم يُجبر عليه كالبيع. قال في "الإنصاف": الأولى ألّا يُجبر.
(وإن أخذ) الغاصبُ، أو غيرُه (ترابَ أرض) بغير إذن ربها (فضربه لَبِنًا، ردَّه) لأنه عين مال ربِّ الأرض (ولا شيء له) في نظير عمله لتعديه به (إلا أن يجعل) الغاصب (فيه، تِبْنًا له) أي: للغاصب (فله أن يحُلَّه) أى: اللبِن (ويأخذ تبْنه) قال الحارثى: لكن عليه ضمان اللبِن؛ لأنه قد تمحض للمالك ملكًا (إن كان يحصُل منه شيء) لأنه عين ماله، وإن لم يكن يحصُل منه، فليس له حله بغير إذن ربه، لأنه تصرّف في مال الغير لغير حاجة (وإن طالبه المالك بحَلِّه) أي: اللبِن (لزمه) أي: الغاصب حله (إن كان فيه) أي: الحل (غرضٌ صحيح) وإلا؛ فلا؛ لأنه سَفَهٌ.
стр. 4106
(وإن جعله) أي: التراب بعد ضَرْبه (آجرًا) وهو اللبِن المشوي (أو فَخارًا) بفتح الفاء (لزمه) أي الغاصب (ردّه) للمالك (ولا أَجْر له لعمله) لأنه عدوان (وليس له) أي: الغاصب (كَسْره) أي: الآجر، أو الفَخَّار (ولا للمالك إجباره عليه) أي: الكسر؛ لأنه إضاعة مال بلا فائدة.
(وإن غصب) إنسان (فَصيلًا (١)) أو مهرًا، ونحوه (فأدخله داره، فكَبرُ، وتعذَّر خروجه بدون نقض الباب، أو) غصب (خشبة، وأدخلها داره، ثم بنى الباب ضيقًا) بحيث (لا تخرج) الخشبة (إلا بنقضه، وجب نقضه) أي: الباب، لضرورة وجوب الرَّدِّ (ورد الفَصيل والخشبة) لربهما، ولا شيء على ربهما؛ لأن المتعدي أَولى بالضرر.
(وإن كان حصوله) أي: الفصيل (في الدَّار من غير تفريط من صاحبها) بأن دخل الفصيل بنفسه، أو أدخله ربه (نُقضَ الباب، وضمانه على صاحب الفَصيل) لأنه لتحصيل مالِه، فيغرم مالكه أرش نقض البناء وإصلاحه.
(وأما الخشبة) إذا حصلت في الدار من غير تفريط صاحبها (فإن كان كسرها أكثر ضررًا من نقض الباب) بأن تنقص قيمتها بالكسر أكثر من أَرْش نقضه وإصلاحه (فكالفَصيل) فينقض الباب، ويغرم صاحبها أرش نقضه وإصلاحه (وإن كان) كسرها (أقل) ضررًا (كُسرت) ولا شيء على صاحب الدار؛ لعدم عدوانه.
(وإن كان حصوله) أي: ما ذكر من الفَصيل أو الخشبة (في الدار بعدوان من صاحبه، كمن غصب دارًا، وأدخلها فَصيلًا أو خشبة، أو
стр. 4107
تعدَّى على إنسان، فأدخل داره فرسًا ونحوها) بغير إذنه (كُسرت الخشبة، وذُبح الحيوان) المأكول (وإن زاد ضرره على نقض البناء) لأن ربه هو الذي أدخل الضرر على نفسه بعدوانه.
وإن كان الحاصل من ذوات التركيب، كالتوابيت والأسِرَّة، فكذلك؛ إن فَرَّط مالك الدار، نقض الباب من غير أرش، وإن فَرَّط مالكه، فكك التركيب.
(وإن باع) إنسان (دارًا وفيها ما يعسر إخراجه، كخوابى) غير مدفونة (وخزائن) غير مسمورة؛ لما تقدم في البيع (١): أنه يتناول المتصل بها (أو حيوان، وكان نقض الباب أقل ضررًا من بقاء ذلك في الدار، أو) من (تفصيله) أي: ما يتأتى تفصيله، كخزائن (و) من (ذبح الحيوان) المأكول (نُقِضَ) الباب (وكان) أرش نقضه و (إصلاحه على البائع) لأنه لتخليص ماله. وكذا لو باع داره وله فيها أسرَّة، وتعذَّر الإخراج والتفكيك.
(وإن كان) نقض الباب (أكثر ضررًا) من بقاء ذلك في الدار، ومن تفصيله، وذبح الحيوان (لم يُنْقَض) الباب؛ لعدم فائدته (ويصطلحان على ذلك، بأن يشتريه مشتري الدار، وغير ذلك) بأن يهبه له البائع ونحوه، هذا اختيار الموفَّق. وقال القاضي وابن عقيل، وصاحب "التلخيص" وغيرهم: ينقض الباب، وعلى البائع ضمان النقض.
(وإن غصب لوحًا، فرقع به سفينة، لم يُقلَع، وهي) أي: السفينة (في اللُّجة، حتى تخرج) السفينة (منها) أي: اللُّجَّة (وتَرسى، إن خيف عليها) الغرق (بقلعه) لأن في قلعه إفسادًا لمال الغير، مع إمكان رَدِّ الحق
стр. 4108
إلى مستحقه بعد زمن يسير بدونه (ولو لم يكن فيها إلا مال الغاصب، أو لم يكن فيها ذو روح مُحترَم) خلافًا لأبي الخطاب؛ لأنه أمكن رَدّ المغصوب من غير إتلاف، كما لو كان فيها مال غيره.
(وعليه) أي: الغاصب (أجرته) أي: اللوح (إليه) أي: إلى رَدّه، لذهاب منافعه بيده، وأرش نقصه إن نقص.
(وإن كان) اللوح (في أعلاها) أي: السفينة، بحيث (لا تغرق بقلعه، لزمه قَلْعه) ورَدُّه لربه، كما لو كانت بالساحل (ولصاحب اللوح طلب قيمته، حيث تأخَّر القلع) لكونها في اللُّجَّة وخيف غرقها، للحيلولة (فإذا أمكن رَدٌ اللوح) إلى رَبِّه (استرجعه، ورد القيمة) لزوال الحيلولة، وعلى الغاصب الأجرة إلى حين بَذله القيمة فقط، ولا يملكه ببذلها، بل يملكها ربه.
(وإن غصب خيطًا، فخاط به جرح حيوان مُحترَم) من آدمي، أو غيره (وخيف من قَلعه) أي: الخيط (ضرر آدمي) لم يقلع، وعليه قيمته (أو) خيف من قلعه (تَلَف غيره) أي: الآدمي (فعليه) أي: الغاصب (قيمته) أي: الخيط؛ لأنه تَعذَّر رَدُّ الحق إلى مستحقه، فوجب رَدّ بدله، وهو القيمة، ولا يلزمه القلع؛ لأن الحيوان آكد حرمة من بقية المال. وكذا لو شدَّ بالمغصوب جُرحًا يثغب (١) دمه، أو جبر به نحو ساق مكسور.
(وغير المحترم) مبتدأ خبره (كالمرتد، والحربي، والكلب العقور، والخنزير) فإذا خاط جرح ذلك بالخيط المغصوب وجب ردّه؛
стр. 4109
لأنه لا يتضمن تفويت ذي حرمة، أشبه ما لو خاط به ثوبًا.
(وإن كان) الحيوان (مأكولًا) وخاط جرحه بالخيط المغصوب، وهو ملك (للغاصب، ذبح) الحيوان، ولو نقصت به قيمته أكثر من ثمن الخيط، أو لم يكن معدًّا لأكل، كالخيل (ولزمه) أي: الغاصب (ردّه) أي: الخيط، لربه؛ لأنه متمكِّن من رَدِّه بذبح الحيوان والانتفاع بلحمه، ولا أثر لتضرُّرِهِ بذلك؛ لتعدّيه.
(وإن كان) الحيوان الذي خِيط جرحه مُحترَمًا (غير مأكول، ردَّ) الغاصب (قيمة الخيط) لأن حُرمة الحيوان آكد، كما سبق.
(وإن مات الحيوان) الذي خِيط جرحه بالخيط المغصوب (لزمه) أي: الغاصب (رده) أي: الخيط، لربه؛ لزوال حرمة الحيوان بموته (إلا أن يكون آدميًّا معصومًا، فيرد القيمة) أي: قيمة الخيط؛ لأن حرمة الآدمي ميتًا كحرمته حيًّا.
(وإن غصب جوهرة فابتلعتها بهيمة، فحكمها حكم الخيط) الذي خاط به جرحها، على ما سبق تفصيله.
(ولو ابتلعت شاتُهُ) أي: شاة إنسان (ونحوها) أى: الشاة من كل ما يؤكل (جوهرةَ آخر غيرَ مغصوبة، وتوقَّف إخراجُها) أي: الجوهرة (على ذَبْحِها) أي: الشاة ونحوها (ذُبحت، بقيد كون الذبح أقل ضررًا) من الضرر الحاصل بتركها (قاله الموفق وغيره. وقال الحارثي: واختار الأصحابُ عَدَمُ القيد) لكون الذبح أقل ضررًا على ما مَرَّ في مثله.
(وعلى مالك الجوهرة ضمان نقص الذبح) لأنه لتخليص ماله (إلا أن يُفرِّط مالك الشاة بكون يده عليها، فلا شيء له) مما نقصه الذبح (لتفريطه.
стр. 4110
ولو أدخلت البهيمة رأسها في قِدْرٍ ونحوه، ولم يمكن إخراجه) أي: الرأس (إلا بذبحها، وهي) أي: البهيمة (مأكولة، فقال الأكثرون) منهم القاضي وابن عقيل (إن كان) دخولُ رأسِها (لا بتفريط من أحد، كُسِر القِدْر) لردِّ ما حصل فيه بغير عدوان لربه (ووجب الأرش على مالك البهيمة) لأنه لتخليص ماله.
(وإن كان) دخول رأسها (بتفريطِ مالكها، بأن أدخل رأسها بيده) في نحو القِدر (أو كانت يده عليها) حال الدخول (ونحوه، ذُبحت من غير ضمان) على ربِّ الإناء؛ لأن التفريط من جهته، فهو أَولى بالضرر ممن لم يُفرِّط.
(وإن كانت) الفعلة (بتفريط مالك القِدْر، بأن أدخله بيده، أو ألقاها) أي: القِدْر (في الطريق، كُسرت) القدر أو نحوها (ولا أرش) لها على ربِّ الشاة ونحوها؛ لأن المفرِّط أولى بالضرر. وقال الموفَّق والشارح: يُعتبر أقل الضررين، فإن كان الكسر هو الأقل، تعيَّن، وإلا؛ ذبح، والعكس كذلك. ثم قال: من أيهما كان التفريط فالضمان عليه. وإن لم يحصُل تفريط من واحد منهما، فالضمان على صاحب البهيمة إن كُسِر القدر، وإن ذبحت البهيمة، فالضمان على صاحب القدر.
(ولو قال من عليه الضمان: أنا أُتلف مالي، ولا أغرم شيئًا للآخر، كان له ذلك) لأنه رضي بإضرار نفسه.
(وإن كانت) البهيمة التي أدخلت رأسها في نحو القدر (غير مأكولة، كُسرت القدر، ولا تُقتل البهيمة بحال) ويحرُم تَرْك الحال على ما هو عليه، لما فيه من تعذيب الحيوان.
стр. 4111
(ولو اتفقا على القتل لم يمكَّنا) منه؛ لأنه ﷺ : "نهى عن ذبح الحيوانِ لغيرِ مأكلَة" (١).
(ومن وقع في) نحو (مَحْبرته دينارٌ ونحوه) كجوهرة (لغيره، بتفريط صاحِبها) أي: المَحْبرة (فلم يخرج) الدينار منها (كُسِرت مجَّانًا) أي: ولا شيء على رَبِّ الدينار لرَبِّ المَحْبرة؛ لأنه المفرِّط.
(وإن لم يفرِّط) ربُّ المَحْبرة (خُيِّر ربُّ الدينار) فرَّط، أو لم يفرِّط (بين تركه فيها) إلى أن تنكسر (وبين كَسْرها، وعليه قيمتُها) لأنه لتخليص ماله (فإن بذل ربُّها بدله، وجب قَبوله) ولم يجز له كسرها؛ لأنه بذل له ما لا يتفاوت به حقه، دفعًا للضرر عنه، فلزمه قَبوله، لما فيه من الجمع بين الحقين (فإن بادر) رَبُّ الدينار (فكسر) المَحْبرة (عدوانًا، لم يلزمه أكثرُ
стр. 4112
من قيمتها) كسائر المتلفات.
(وإن كان السقوط لا بفعل أحدٍ، بأن سقط مِن مكانٍ، أو ألقاه طائر أو هِرٌّ، وجب الكسر، وعلى رَبِّ الدينار الأرش) أي: أرش ما نقص بالكسر؛ لأنه لتخليص ماله.
(فإن كانت المَحْبرة ثمينةً) أي: غالية الثمن (وامتنع رَبُّ الدينار من ضمانها في مقابلة الدينار، فيُقال له: إنْ شئتَ أن تأخذ) دينارك (فاغرم) أرش كسرها (وإلا) تشاء أن تأخذه (فاترك) الدينار حتى تنكسر (ولا شيء لك) بدله.
(ولو غصب) إنسان (الدينارَ) أو نحوه (فألقاه (١) في مَحْبرة آخر) أو نحوها، من كل إناء ضيق الرأس (أو سقط) الدينار (فيها) أي: المحبرة (بغير فعله) أي: الغاصب (تعيَّن الكسر) لرَدِّ عين المال المغصوب، من غير إضاعة مال (وعلى الغصب ضمانها، إلا أن يزيد ضرر الكسر على التبقية، فيسقط) الكسر (ويجب على الغاصب ضمان الدينار) فيعطي رَبَّ الدينار بدله، ولا تكسر؛ لأن في كسرها إذًا إضاعة للمال، وهي منهي عنها، ولو بادر رَبُّ الدينار وكسرها، لم يلزمه إلا قيمتها، وجهًا واحدًا؛ قاله في "الإنصاف" وغيره.
فصل
(وإن زاد المغصوب) بيد الغاصب، أو غيره (لزمه رَدّه يزيادته، متصلة كانت؛ كالسِّمن؛ وتعلُّم صنعة، أو منفصلة؛ كالولد) من بهيمة، وكذا من أَمَةٍ، إلا أن يكون جاهلًا، فهو حُرٌّ، ويفديه بقيمته يوم الولادة،
стр. 4113
ويأتي (والكسب) لأنه من نماء المغصوب، وهو لمالكه، فلزمه رَدّه، كالأصل.
(ولو غصب جارحًا) فصاد به (أو قوسًا)، أو سهمًا؛ قاله في "المغني" (فصاد) الغاصب، أو غيره (به، أو) غصب (شبكة (١)، أو شَرَكًا، فأمسك) الشَّرَكُ، أو الشبكةُ (شيئًا، أو) غصب (فرسًا، فصاد عليه، أو غَنِمَ، فهو لمالكه) أي: فالصيد في الكُلِّ، وغُنْم الفرس، لمالكَ الجارح والقوس والشبكة والشرك والفرس؛ لأن ذلك كله بسبب ملكه، فكان له، كما لو غصب عبدًا فصاد.
(ولا أجرة له) أي: لا يلزم الغاصب أجرة للجارح، أو القوس، أو الشبكة، أو الشرك، أو الفرس (مدة اصطياده) وغزو الفرس؛ لأن منافع المغصوب في هذه المدة عادت إلى المالك، فلم يستحق عوضها على غيره، كما لو زرع الغاصب الأرض المغصوبة، فأخذ المالك الزرع بنفقته، وكذا لو غصب عبدًا، فصاد أو كسب، فهو لسيده، ولا أجرة للعبد على الغاصب في مدة كَسْبِهِ وصيده؛ لما تقدم.
وإذا غصب كلبًا وصاد به ففي "التلخيص": هو للغاصب.
(وإن غصب مِنجلًا، فقطع) الغاصب أو غيره (به خشبًا، أو حشيشًا، فهو) أي: الخشب أو الحشيش (للغاصب) لحصول الفعل منه (كالحبل) المغصوب (يربط به) الغاصب ما يجمعه من حطب ونحوه، وكما لو غصب سيفًا، فقاتل به، وغَنِم.
(وإن غصب ثوبًا، فقَصَره) الغاصب بنفسه، أو بأجرة (أو) غصب (غزلًا فنسجه، أو) غصب (فضةً، أو حديدًا، فضربه إبرًا، أو أوانى، أو
стр. 4114
غيرها (١)، أو) غصب (خشًا، فنجره بابًا، أو نحوه) كرفوف (أو) غصب (شاةً فذبحها، وشواها) لزمه رَدُّ ذلك وأرش نقصه، ولا شيء له في نظير عمله؛ لتعديه.
(وذَبْحه) أي: الغاصب (إياها) أي: الشاة (لا يحرِّمها، بمعنى أنها ليس) هو، أي: الشأن، أن الشاة (صارت كالميتة) لأنها مذكَّاة ممن فيه أهلية الذكاة (لكن لا يجوز) للغاصب ولا غيره (أكلها، ولا التصرُّف فيها، إلا بإذن مالكها) كسائر الأموال (ويأتي في القطع في السرقة.
أو) غصب (طينًا، فضربه لبنًا) أو آجُرًا (أو فخارًا، أو) غصب (حبًّا فطحنه) أو دقيقًا، فعجنه وخبزه، ونحوه (ردَّ ذلك) إلى مالكه؛ لأنه عين ماله؛ ولأنه لو فعله بملكه لم يزل عنه، فكذا بملك غيره (بزيادته) إن زاد (وأرش نقصه) إن نقص؛ لكونه حصل بفعله، ولا فرق بين نقص العين، أو القيمة، أو هما.
(ولا شيء له) أي: للغاصب، بعمله المؤدِّي إلى الزيادة؛ لأنه تبرُّعٌ في ملك غيره، فلم يستحقَّ لذلك عوضًا، كما لو غَلَى زيتًا فزادت قيمته.
(لكن إن أمكن الردُّ إلى الحالة الأولى، كحلي ودراهم، ونحوهما) من أواني من حديد ونحوه، وسكاكين ونعال (فللمالك إجباره) أي: الغاصب (على الإعادة) إلى الحالة الأولى؛ لأن عمل الغاصب في المغصوب مُحَرَّم، فمَلَك المالكُ إزالته مع الإمكان، وظاهر كلامهم هنا: وإن لم يكن فيه غرض صحيح، لكن مقتضى ما تقدم: إنما يملك إجباره إذا كان فيه غرض صحيح، وجزم به الحارثي.
стр. 4115
(وما لا يمكن) ردُّه إلى حالته الأولى (كالأبواب، والفخار ونحوهما) كالآجُر، والشاة إذا ذبحها وشواها، والحب إذا طحنه (فليس للغاصب إفساده، ولا للمالك إجباره عليه) لأنه إضاعةُ مالٍ بغير منفعة (وتقدم (١) بعضه.
وإن غصب أرضًا، فحفر فيها بئرًا، أو شَقَّ) فيها (نهرًا، أو نحوه) كقناة ودولاب (فلربِّها إلزامه بطمِّها) أي: البئر ونحوها (إن كان) الطمُّ (لغرض صحيح) لعدوانه بالحفر؛ ولأنه يضر بالأرض.
(وإن أراد الغاصب طَمَّها، فإن كان) الطَّمُّ (لغرضٍ صحيحٍ، كإسقاط ضمان ما يقع فيها) أي: البئر (أو يكون) الغاصب (قد نقل تُرابها إلى ملكه، أو) إلى (ملك غيره، أو إلى طريق يحتاج إلى تفريغه، فله) أي: الغاصب (طَمّها) بترابها حيث بقي، فلو فات بسيل أو ريح ونحوه، فله الطَّمُّ بغيره من جنسه، لا برمل، أو كناسة ونحوها؛ ذكره الحارثي (من غير إذن ربها) تخلصًا من ذلك الضرر.
(وإن لم يكن له) أي: الغاصب (غرضٌ) صحيحٌ في الطَّمِّ (مثل أن يكون) الغاصب (قد وضع التراب في أرض مالكها، أو) وضعه (في موات، وأبرأه) المالك (من ضمان ما يتلف بها) أي: بالبئر، ونحوها (وتصح البراءة منه) قال في "المغني" و"الشرح": لأن الضمان إنما يلزمه لوجود التعدي، فإذا رضي صاحب الأرض زال التعدي، فيزول الضمان. وليس هذا إبراء عمَّا (٢) لم يجب، وإنما هو إسقاط للتعدي، برضاه به (أو مَنعَه) المالك (منه) أي: الطَّمّ (لم يملك) الغاصب (طَمَّها)
стр. 4116
في هذه الصور؛ لأنه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه لغير غرض صحيح، ومَنْعُه من الطَّمِّ رضًا بالحفر، فيكون بمنزلة إبرائه من ضمان ما يتلف بها.
(ولو كشط) الغاصب (تراب الأرض) المغصوبة (فطالبه المالك بردِّه وفَرْشِهِ، لزمه) أي: الغاصب (ذلك) أي: الرد والفرش. وظاهره: وإن لم يكن فيه غرض صحيح، وهو أحد وجهين أطلقهما في "المبدع" وغيره.
(وإن أراده) أي: فرش التراب كما كان (الغاصبُ، وأباه المالك، فله) أي: الغاصب (فعله لغرض صحيح، مثل أن كان) الغاصب (نقله إلى ملك نفسه، فيردُّه لينتفع بالمكان، أو) كان الغاصب (طرحه في ملك غيره، أو في طريق يحتاج إلى تفريغه) أي: ملك غيره، أو الطريق (وإن كان) الغاصب أراد فرش التراب الذي كشطه (لا لغرض صحيح، فلا) يُمكَّن منه بلا إذن المالك؛ لأن فيه تصرُّفًا في ملك الغير بغير إذنه، لغير حاجة.
(وإن غصب حبًّا فزرعه، أو) غصب (بيضًا، فصار) البيض (فراخًا، أو) غصب (نوىً) فغرسه (فصار غرسًا، أو) غصب (غصنًا) فغرسه (فصار شجرة، رَدَّه) الغاصب لمالكه؛ لأنه عين مال مالكه (ولا شيء له) أي: للغاصب في عمله؛ لأنه تبرَّع به.
(وإن نقص) المغصوب (ولو) كان نقصه (بنبات لِحية عبدٍ أمردَ، أو) كان نقصه بـ (ـــذهاب رائحة مسك، أو قطع ذنب حمار ونحوه) كبغل وفرس (ضمن) الغاصب (نقصه) الحاصل قبل رده؛ لأنه ضمان مال من غير جناية، فكان الواجب ما نقص، إذ القصد بالضمان جَبْر حق المالك بإيجاب قَدْر ما فُوِّت عليه؛ ولأنه لو فات الجميع، لوجبت قيمته، فإذا
стр. 4117
فات منه شيء، وجب قدره من القيمة، كغير الحيوان.
ولا يضمن الغاصب ربحًا فات بحبس مال تجارة عن مالكه مدة يمكن أن يربح فيها؛ لأنه لا وجود له.
(ونص) الإمام (أحمد (١) في طَيْرَةٍ جاءت إلى قوم، فازدوجت عندهم وفرَّخت: أن الفراخ تَبَعٌ للأم، ويُردُّ على أصحاب الطَيْرة فراخها) كولد الأَمَة والبهيمة. قال في "المبدع": ويرجع على ربِّها بما أنفقه إن نوى الرجوع به، وإلا؛ فلا. انتهى. وهو واضح إن تعذَّر استئذانه، كما تقدم (٢).
(وإن غصب شاةً) أو بقرةً، أو بدنةً ونحوها (وأنزى عليها فَحْلَه، فالولد لمالك الأم) كولد الأَمَة (ولا أُجرة للفحل) لعدم إذن رَبِّها؛ ولأنه لا تصح إجارته لذلك.
قلت: وكذا لو غصب نخلة، وحصل منها ودِيٌّ (٣)، فإنه لمالكها؛ لأنه من نمائها، ككسب العبد وولد الأَمَة.
(وإن غصب فحلَ غيره، فأنزاه على شاته، فالولد له) أي: للغاصب (تبعًا للأم، ولا يلزمه أجرة الفحل) لأنه لا تصح إجارته لذلك (لكن إن نقص) الفحل بالإنزاء، أو غيره (لزمه) أي: الغاصب (أرش نقصه) لتعديه.
فصل
(وإن نقص) المغصوب بيد الغاصب، أو غيره (لزمه) أي: الغاصب (ضمانه) أي: النقص (بقيمته) أي: النقص، فيقوَّم صحيحًا
стр. 4118
وناقصًا، ويغرم الغاصب ما بينهما؛ لأنه ضمان مال من غير جناية، فكان الواجب ما نقص، إذ القصدُ بالضمان جَبْرُ حق المالك بإيجاب قَدْر ما فُوِّت عليه؛ ولأنه لو فات الجميع، لوجبت قيمته، فإذا فات منه شيء وجب قَدْره عن القيمة (ولو) كان ما نقص (رقيقًا، أو بعضه) بأن عَمِي، أو خرس ونحوه، أو ذهبت يده، أو رجله ونحوهما، بنحو أكلة.
(لا) يضمن ما ذهب من الرقيق (بمُقَدَّر من الحُرِّ، كَيَدِه) فلا يجب فيها نصف القيمة، ولا تجب القيمة في ذهاب نحو بصره - أيضًا - (إذا لم يُجْنَ) بالبناء للمفعول (عليه) أي: الرقيق (وإن جُنيَ عليه) أي: الرقيق المغصوب، من الغاصب، أو غيره (ضمنه) أي: ضمن الغاصب الذاهب بالجناية (بأكثر الأمرين) من أرش نقص قيمة المجني عليه، أو دية المقطوع؛ لأن سبب كل واحد منهما وُجِدَ، فوجب أكثرهما، ودخل الآخر فيه، فإن الجناية واليد وُجِدا فيه جميعًا، فلو غصب عبدًا قيمته ألف، فزادت قيمته عنده إلى ألفين، ثم قطع يده، فصار يساوي ألفًا وخمسمائة، كان عليه - مع رَدِّه - ألف، وإن كان القاطع ليده غير الغاصب، وقد نقصت قيمته مائتين قَبْلُ، وصار بعد القطع يساوي أربعمائة، كان على الجاني أربعمائة؛ لأن جنايته مضمونة بنصف القيمة، وهي حين القطع ثمانمائة، وعلى الغاصب مائتان؛ لأنها نقصت من قيمة العبد في يده، وللمالك تضمين الغاصب ما عليه وعلى الجاني؛ لأن ما وُجِد في يده في حكم الموجود منه.
(ويرجع غاصبٌ غَرِم) الجميع لمالك (على جانٍ بأرش جناية فقط) لاستقرار ضمانه عليه؛ لأنه أرش جنايته، فلا يجب عليه أكثر منه،
стр. 4119
وللمالك تضمين الجاني أرش الجناية، ولا يرجع به على أحد؛ لأنه لم يضمِّنه أكثر مما وجب عليه، ويضمن الغاصب ما بقي من النقص، ولا يرجع به على أحد.
(فإن خصاه) أي: خصى الغاصب - أو غيره - العبدَ المغصوبَ (ولو زادت قيمته) بالخصاء (أو قطع) الغاصب، أو غيره (منه) أي: المغصوب (ما تجب فيه دية كاملة من الحُرِّ) كأنفه، أو ذَكَره، أو يديه (لزمه ردُّه، ورَدُّ قيمته، ولا يملكُه الجاني) لأن المتلَف البعض، فلا يقف ضمانه على زوال الملك، كقطع خصيتي ذَكَر مُدَبَّر؛ ولأن المضمون هو المفوّت، فلا يزول الملك عن غيره بضمانه، كما لو قطع تسع أصابع.
(وإن كان) المغصوب (دابة) ونقصت بجناية، أو غيرها (ضمن) الغاصب (ما نقص من قيمتها، ولو) كان النقص (بتلف إحدى عينيها) أي: الدابة، فيغرم أرش نقصها فقط؛ لأنه الذي فوَّته على المالك، وما روى زيد بن ثابت أن النبي ﷺ : "قَضى في عينِ الدابةِ بربعِ قيمتِها" (١)، ورُوي عن عمر (٢)؛ قال في "المبدع": لا نعرف صحته، بدليل احتجاج
стр. 4120
أحمد (١) بقول عمر دونه، مع أن قول عمر محمول على أن ذلك كان قَدْر نقصها، ولو كان تقديرًا؛ لوجب في العين نصف الدية، كعين الآدمي.
(وإن نقصت قيمة العين) المغصوبة (بتغيُّرِ السِّعر) بأن نزل السعر؛ لذهاب نحو موسم (لم يضمن) الغاصب ما نزل السعر (سواء رُدَّت العين، أو تلفت) لأن المغصوب لم تنقص عينه، ولا صفته، فلم يلزمه شيء سوى رَدِّ المغصوب أو بدله، والفائت إنما هو رغبات الناس، ولا تُقَابَل بشيء.
(وإن نقصت) قيمة المغصوب (لمرضٍ، ثم عادت) القيمة (ببرئه) ردَّه، ولا شيء عليه (أو ابيضَّت عينه) أي: المغصوب من عبد، أو أَمَةٍ (ثم زال بياضُها ونحوه) بأن نسي صنعة، فنقصت قيمته، ثم تعلّمها (ردَّه) الغاصب (ولم يلزمه شيء) لأن القيمة لم تنقص، فلم يلزمه شيء.
(وإن استردّه المالك مَعيبًا مع الأرش، ثم زال العيب في يد مالكه) أي: المغصوب (لم يجب) على مالكه (ردُّ الأرش؛ لاستقراره) أي: الأرش (بأخذ العين ناقصة) عن حال غصبها، نقصًا أثَّر في قيمته.
(وكذا لو أخذ) المالك (المغصوب) بعد تعيّبه (بغير أرش، ثم زال) العيب (في يده) أي: المالك (لم يسقط الأرش) لاستقراره بالرد،
стр. 4121
بخلاف ما لو برئ قبل ردّه.
(وإن زادت) قيمة المغصوب (لمعنىً في المغصوب، من كِبَر وسِمن، وهزال) عن سمن مفرط (وتعلُّم صنعة، ونحو ذلك) كزوال عُجمة، وتعلُّم علم (ثم نقصت) القيمة بزوال ذلك (ضمن) الغاصب (الزيادة) لأنها زادت على ملك مالكها، فلزم الغاصب ضمانهما، كما لو كانت موجودة حال الغصب، وفارق زيادة السعر؛ لأنها لو كانت موجودة حال الغصب لم يضمنها، والصناعة إن لم تكن من عين المغصوب فهي صفة فيه، ولذلك يضمنها إذا طُولب برَدِّ العين.
(وإن عاد مثلُ الزيادة الأولى من جنسها، مثل أن) غصب عبدًا فـ (ـــسَمِن، فزادت قيمته، ثم نقصت) قيمته (بزوال ذلك) السمن (ثم سَمِن فعادت) قيمته كما كانت (لم يضمن) الغاصب (ما نقص) أولًا ثم عاد؛ لأن ما ذهب من الزيادة؛ عاد وهو بيده، أشبه ما لو مرضت؛ فنقصت قيمتها؛ ثم برئت؛ فعادت القيمة.
وكذا لو نسي صنعة، ثم تعلمها، أو بدلها (١)، فعادت قيمته كما كانت، لم يضمن شيئًا.
(وإن كانت) الزيادة الحاصلة (من غير جنسها) أي: الزيادة الذاهبة، مثل إن غصب عبدًا قيمته مائة، فتعلَّم صنعة، فصار يساوي مائتين، ثم نسيها، فصار يساوي مائة، ثم سَمِن فصار يساوي مائتين (لم يسقط ضمانها) لأنه لم يعد ما ذهب، بخلاف التي قبلها.
(وإن غصب عبدًا) أو أَمَة (مُفْرِطًا في السِّمَن، فهزل، فزادت قيمته)
стр. 4122
بذلك (أو لم تنقص) ولم تزد (ردَّه) الغاصب (ولا شيء عليه) لأن الشرع إنما أوجب في مثل هذا ما نقص من قيمته، ولم يقدر بدله، ولم تنقص قيمته، فلم يجب عليه شيء غير رده.
(وإن نقص المغصوب) قبل رَدِّه (نقصًا غير مستقر) بأن يكون ساريًا غير واقف (كحنطة ابتلَّت وعَفِنَت) وطلبها مالكها قبل بلوغها إلى حالة يعلم فيها قَدْر أرش نقصها (خُيِّر) مالكها (بين أخذ مثلها (١)) من مال غاصب (وبين تَرْكها) بيد غاصب (حتى يستقر فسادها، فيأخذَها، و) يأخذ (أرش نقصها) لأنه لا يجب له المثل ابتداءً؛ لوجود عين ماله، ولا أرش العيب؛ لأنه لا يمكن معرفته ولا ضبطه إذًا، وحيث كان كذلك، صارت الخيرة إلى المالك؛ لأنه إذا رضي بالتأخير، سقط حقه من التعجيل، فيأخذ العين عند استقرار فسادها؛ لأنها ملكه، ويأخذ من الغاصب أرش نقصها؛ لأنه حصل تحت يده العادية، أشبه تلف جزء من المغصوب.
وقوله: (فإن استقر) النقص قبل ردِّ المغصوب (أخذها) أي: الحنطة مالكها (و) أخذ (الأرش) لما سبق: ينبغي حمله على ما إذا استقر قبل الطلب؛ لئلا يتكرَّر مع الذي قبله.
(وإن جنى) القِنُّ (المغصوب) قبل رَدِّه (فعلى الغاصب أرش جنايته) لأن جنايته نقص فيه؛ لتعلقها برقبته، فكان مضمونًا على الغاصب، كسائر نقصه، سواء في ذلك ما يوجب القصاص، أو المال، و (سواء جنى) القِنُّ المغصوب (على سيده، أو) على (أجنبي) لأن جنايته على سيده من جملة جناياته، فكانت مضمونة على الغاصب، كالجناية
стр. 4123
على الأجنبي، وكذا حكم ما أتلفه القِنُّ المغصوب من مال أجنبي، أو سيده؛ لما سبق. ولا يسقط ذلك بردِّ الغاصب له؛ لأن السبب وُجِد في يده، فلو بيع في الجناية بعد الرَّدِّ، رجع ربُّه على الغاصب بالقَدْرِ المأخوذِ منه؛ لاستقراره عليه.
(وجنايته) أي: المغصوب (على غاصبه، وعلى مالِه هَدْرٌ) لأنها جناية لو كانت على أجنبي، لوجب أرْشها على الغاصب، فلو وجب له شيء؛ لوجب على نفسه (إلا في قَوَدٍ) لأنه حق تعلَّق بنفسه، لا يمكن تضمينه لغيره، فاستوفي منه (فلو قتل) المغصوب (عبدًا لأحدهما) أي: للغاصب، أو غيره من أجنبي، أو (١) سيده (عمدًا، فله) أي: سيد المقتول (قتله به، ثم يرجع السيد بقيمته على الغاصب فيهنَّ) لأنه تلف في يده، أشبه ما لو مات بيده.
(وفي "المستوعب": من استعان بِعَبْدِ غيره بلا إذن سيده، فحكمه) أي: المستعين (حكم الغاصب حَالَ استخدامه) فيضمن جنايته ونقصه، وجزم به في "المبدع"، وكذا في "المنتهى" في الديات.
(ويضمن) الغاصب (زوائد الغصب، كالثمرة) إذا تلفت، أو نقصت (و) كـ (ــالولد إذا ولدته أُمُّه حيًّا، ثم مات، سواء حملت) به أُمُّه (عنده) أي: الغاصب (أو غصبها حاملًا) لأنه مال مغصوب حصل في يده، فيضمنه بالتلف، كالأصل.
(وإن ولدته ميتًا عن غير جناية، لم يضمنه) إن كان غصبها حاملًا؛ لأنه لم تُعْلَم حياته، وإن كانت قد حَمَلت به عنده، وولدته ميتًا، فكذلك عند القاضي، وابن عقيل، وصاحب "التلخيص"، وقدَّمه في "المغني"
стр. 4124
و"الشرح" و"الفروع" و"الفائق"، وصحَّحه في "الإنصاف"، وعند أبي الحسين ابن القاضي: يضمنه بقيمته لو كان حيًّا. وقال الموفَّق ومن تبعه: والأولى أنه يضمنه بعُشْر قيمة أُمِّه. قال في "تصحيح الفروع" عن اختيار الموفق: وهو الصواب. ويحتمل الضمان بأكثر الأمرين، قال الحارثي: وهو أقيس.
(و) إن ولدته ميتًا (بها) أي: بجناية (يضمنه الجاني بعشر قيمة أُمِّه) لما يأتي في الجنايات.
(وكذا ولد بهيمة) مغصوبة، حكمه حكم أُمِّه فيما سبق من التفصيل، لكن إذا ولدته ميتًا بجناية، يضمن بما نقص أُمّه، لا بعُشْر قيمتها، كما يأتي في الجنايات.
فصل
(وإن خلط) الغاصب (المغصوب بماله) على وجه يتميز، فقد سبق الكلام عليه (١).
وإن كان (على وجه لا يتميز) المغصوب عن غيره (مثل: إن خلط حِنطة) بمثلها (أو) خلط (دقيقًا) بمثله (أو زيتًا) بمثله (أو نَقْدًا بمثله، لزمه) أي: الغاصب (مثلُه) أي: المغصوب (منه) أي: المختلط من المغصوب وغيره؛ لأنه قدر على دفع بعض ماله إليه، مع رَدِّ المِثل في الباقي، فلم ينتقل إلى بدله في الجميع، كما لو غصب صاعًا، فتلف بعضه.
(ولا يجوز للغاصب أن يصرَّف في قَدْر ماله منه) بدون إذن
стр. 4125
المغصوب منه؛ لأنها قسمة، فلا تجوز بغير رضا الشريكين.
(ولا) يجوز - أيضًا - للغاصب (إخراج قَدْر الحَرَامِ منه) أي: المختلط (بدون إذن المغصوب منه؛ لأنه اشتراك) فلا يقاسم نفسه (لا استهلاك) وأنكر الإمام قول من قال: يخرج منه قَدْر ما خالطه (١)، هذا إن عرف ربَّه، وإلا تَصدَّق به عن ربِّه، وما بقي حلال، وإن عبر الحرام الثلث.
قال أحمد في الذي يعامل بالربا: يأخذ رأس ماله، ويرد الفضل إن عرف رَبَّه، وإلا تَصدَّق به، ولا يؤكل عنده شيء، وإن شَكَّ في قَدْرِ الحرام، تَصدَّق بما يعلم أنه أكثر منه؛ نص عليه (٢).
(وإن خلطه) أي: المغصوبَ (بدونه) من جنس (أو) خلطه (بخير منه) من جنسه (أو) خلطه (بغير جنسه) مما له قيمة (ولو بمغصوب مثلِه، لآخر) وكان الخلط (على وَجْهٍ لا يتميَّز) كزيت بشَيْرج (فهما) أي: مالكا المخلوطين (شريكان بقَدْرِ قيمتيهما، فيباع الجميع، ويدفع إِلى كلِّ واحدٍ قَدْرَ حَقّه، كاختلاطهما من غير غصب) لأنه إذا فعل ذلك وصل كل منهما إلى حقه، فإن نقص المغصوب عن قيمته منفردًا، فعلى الغاصب ضمان النقص؛ لأنه حصل بفعله، وإن خلطه بما لا قيمة له؛ كزيت بماء، فإن أمكن تخليصه، خلَّصه وردَّه ونقصه، وإلَّا، أو كان يفسده، فعليه مثله.
(وإن اختلط درهم) لإنسان (بدرهمين لآخر من غير غصب، فتلف) درهمان (اثنان، فما بقي) - وهو درهم - فهو (بينهما نصفين) لأنه
стр. 4126
يحتمل أن يكون التالف الدرهمين، فيختصُّ صاحب الدرهم به، ويحتمل أن يكون التالف درهمًا لهذا، ودرهمًا لهذا، فيختصُّ صاحب الدرهمين بالباقي، فتساويا، لا يحتمل غير ذلك، ومالُ كل واحد منهما متميّز قطعًا، بخلاف المسائل المتقدِّمة، غايته: أنه أبهم علينا؛ ذكره في "الإنصاف".
وقال في "تصحيح الفروع": قلت: ويحتمل القُرعة، وهو أَولى؛ لأنَّا متحقِّقون أن الدرهم لواحد منهما، لا يشركه فيه غيره، وقد اشتبه علينا، فأخرجناه بالقرعة، كما في نظائره، وهو كثير، ولم أره لأحدٍ من الأصحاب، فمنَّ الله به، فله الحمد.
(وإن خلطه) أي: المغصوب (بغير جنسه، فتراضيا على أن يأخذ) المغصوب منه (أكثر من حَقِّه، أو أقلَّ) منه (جاز) لأنَّ بدله من غير جنسه، فلا تحرم الزيادة بينهما؛ بخلاف ما لو خلطه بجيد أو رديءٍ، واتفقا على أن يأخذ أكثرَ من حَقِّه من الرديء، أو دون حَقِّه من الجيد، لم يجز؛ لأنه رِبًا.
وإن كان بالعكس، فرضي بأخذ دون حقّه من الرديء، أو سمح الغاصب بدفع أكثر من حقه من الجيد، جاز؛ لأنه لا مقابل للزيادة.
(وإن غصب ثوبًا، فصبغَه) الغاصب (بصبْغِه، أو) غصب (سويقًا، فلتَّه) الغاصب (بزيته، فنقصت قيمتهما) أي: قيمة الثوب والصبغ، أو قيمة الزيت والسويق (أو) نقصت (قيمة أحدهما، ضَمِن الغاصب النقص) لأنه حصل بتعديه، فضمنه، كما لو أتلف بعضه، وإن كان النقص بسبب تغير الأسعار، لم يضمنه.
(وإن لم تنقص) قيمتهما (ولم تَزِد، أو زادت قيمتهما، فهما) أي:
стр. 4127
ربّ الثوب والصبغ، أو ربّ السويق والزيت (شريكان) في الثوب وصبغه، أو السويق وزيته (بقَدْرِ ملكيهما) فيُباع ذلك ويوزع الثمن على قَدْر القيمتين. وكذا لو غصب زيتًا، فجعله صابونًا.
(وإن زادت قيمة أحدهما) من ثوب، أو صبغ، أو سويق، أو زيت (فالزيادة لصاحبه) يختصُّ بها؛ لأن الزيادة تبعٌ للأصل. هذا إذا كانت الزيادة لغُلوّ سعرٍ، فإن حصلت الزيادة بالعمل، فهي بينهما؛ لأن ما عمله الغاصب في العين المغصوبة لمالكها حيث كان أثرًا، وزيادة مال الغاصب له؛ قاله في "شرح المنتهى".
(وإن أراد أحدُهما) أي: مالك الثوب، أو الغاصب (قَلْعَ الصبغ) من الثوب (لم يُجبر الآخر عليه) لأن فيه إتلافًا لملكه.
(وإن أراد المالك) للثوب (بيع الثوب، فله ذلك) لأنه ملكه، وهو عين، وصبغه باقٍ للغاصب (ولو أبي الغاصب) بيع الثوب، فلا يمنع منه مالكه؛ لأنه لا حجر له عليه في ملكه.
(وإن أراد الغاصبُ بيعَه) أي. الثوب المصبوغ (لم يُجبر المالك) لحديث "إنَّما البيعُ عن تراضٍ" (١).
وإن بذل الغاصبُ لربِّ الثوب قيمته، ليملكه، أو بذل ربُّ الثوب قيمة الصبغ للغاصب ليملكه، لم يُجبر الآخر؛ لأنها معاوضة لا تجوز إلا بتراضيهما. وصحَّح الحارثي أن لمالك الثوب تملك الصبغ بقيمته، ليتخلَّص من الضرر.
(وإن وهب) الغاصبُ (الصبغَ للمالك) للثوب (أو) غصب دارًا وزوَّقها، ثم وهب (تزويق الدار ونحوهما) للمالك (لزمه) أي: المالك
стр. 4128
(قَبوله) لأنه صار من صفات العين، فهو كزيادة الصفة في المُسْلَم فيه (كنسج غزلٍ، وقَصْرِ ثوبٍ، وعمل حديد إبرًا، أو سيوفًا ونحوهما) كسكاكين، ونِعالات، وأواني، و (لا) يلزم المالك إذا غصب منه خشبًا، وجعله بابًا، ثم وهبه المسامير، قَبوله (١) (هبة مسامير سمَّر بها بابًا مغصوبًا) لأنها أعيان متميزة أشبهت الغراس.
(وإن غصب صبغًا، فصبغ به) الغاصبُ (ثوبَه، أو) غصب (زيتًا، فلتَّ به) الغاصب (سويقه، فهما شريكان بقدر حقَّيهما (٢)) في ذلك، فيُباعان ويوزَّع الثمن على قَدْر الحقَّين؛ لأنه بذلك يصل كلٌّ منهما لِحقِّه (ويضمن) الغاصب (النقص) إن وُجِد؛ لحصوله بفعله، ولا شيء له إن زاد المغصوب في نظير عمله؛ لتبرُّعه به.
(وإن غصب ثوبًا وصبغًا) من واحد (فصبغه يه، ردَّه) الغاصب (و) ردَّ (أرش نقصه) إن نقص؛ لتعديه به (ولا شيء له في زيادته) بعمله فيه؛ لأنه متبرِّعٌ به.
وإن كانا من اثنين، اشتركا في الأصل والزيادة بالقيمة، وما نقص من أحدهما، غَرِمه الغاصب.
وإن نقص السعر لنقص سعر الثياب، أو الصبغ، أو لنقص سعرهما، لم يضمنه الغاصب، ونقص كل واحد منها من صاحبه.
وإن أراد أحدهما قَلْعَ الصبغ، لم يُجبر الآخر.
وكذا لو غصب سويقًا من واحد وزيتًا من آخر، ولتَّه به، أو نَشًا وعسلًا من اثنين، وعقده حلوى.
стр. 4129
(وإنقاء الثوب الدَّنِسِ بالصابون) من الغاصب (إن أورث نقصًا) في الثوب (ضمنه الغاصبُ) لحصوله بفعله (وإن زاد) الثوب (فـ) ــالزيادة (للمالك) ولا شيء للغاصب في عمله؛ لتبرُّعه به.
(ولو غصبه) أي: الثوب (نجسًا، لم يملك) الغاصب (تطهيره بغير إذن) رَبِّه كسائر التصرُّفات (وليس للمالك) للثوب (تكليفه) أي: الغاصب (به) أي: بتطهيره؛ لأن نجاسته لم تحصُل بيده.
(وإن كان) الثوب حين الغصب (طاهرًا فنَجُسَ عنده) أي: الغاصب (لم يكن له) أي: الغاصب (- أيضًا - تطهيره بغير إذن) ربه؛ لما سبق (وله) أي: المالك (إلزامه) أي: الغاصب (به) أي: بتطهيره؛ لأنه تنجَّس تحت يده العادية.
(وما نقص) من قيمة الثوب بسبب الغسل (فعليه) أي: الغاصب (أرشه) لأنه نقص حصل في يده (ولو ردَّه) أي: ردَّ الغاصب الثوب (نجسًا، فمؤنة تطهيره على الغاصب) لأنه كالنقص الحاصل في يده.
فصل
(وإن وطئ الغاصبُ الجاريةَ) المغصوبة (مع العلم بالتحريم) أي: تحريم الوطء (فعليه) أي: الغاصب (الحدُّ) أي: حد الزنى؛ لأنها ليست زوجة له، ولا ملك يمين، ولا شبهة تدرأ الحَدَّ.
(وكذا هي) أي: الجارية يلزمها الحدُّ (إن طاوعت) على الزنى (وكانت من أهل الحدِّ) بأن كانت مكلَّفة غير جاهلة بالتحريم.
(وعليه) أي: الغاصب بوطئها (مَهْرُ مِثْلها) بكرًا، إن كانت بكرًا، كما صَرَّح به الحارثي، وإلا؛ فثيِّبًا (ولو) كانت (مُطاوعةً) لأنه حقٌّ
стр. 4130
للسيد، فلا يسقط بمطاوعتها، كما لو أذنت في قطع يدها (و) على الغاصب - أيضًا - (أرش البكارة) التي أزالها؛ لأنه جزء منها، ولأن كلًّا من المهر والأرش يضمن منفردًا، بدليل أنه لو وطئها ثيبًا وجب مهرها، ولو (١) افتضها بإصبعه، وجب أرش بكارتها، فكذلك يجب أن يضمنهما إذا اجتمعا. ويأتي في النكاح أن أرش بكارة الحُرَّة يندرج في مهرها.
(و) على الغاصب (ردُّها) أي: الجارية (إلى سيدها) لما تقدم أول الباب (٢).
(وإن ولدت) الجاريةُ من غاصب عالم بالحال (فالولدُ رقيقٌ للسيد) تبعًا لأُمِّه؛ لأنه من نمائها.
(ويضمن الغاصب نقص الولادة) لحصوله بتعديه (ولا ينجبر) نقص الولادة (بزيادة (٣) الولد) كما لا ينجبر به نقص غير الولادة.
(وإن تلفت) الجارية (فعليه) أي: الغاصب (قيمتها.
وإن ردَّها) أي: رَدَّ الغاصب الجارية حاملًا (فماتت في يَدِ المالك بسبب الولادة، وجب ضمانُها) على الغاصب؛ لأنه أثر فعله، كما لو استردَّ الحيوان المغصوب، وقد جرحه الغاصب، فسرى الجرح إلى النفس عند المالك، فمات (وتقدم (٤)) قريبًا (إذا ولدته ميتًا) فلا ضمان إن لم يكن بجناية، ويضمنه سِقطًا بعُشر قيمة أُمِّه.
(وإن كان) الغاصب (جاهلًا بالتحريم، ومثله يجهله) لقرب عهده بالإسلام، أو كونه نشأ ببادية بعيدة يخفى عليه مثل هذا، وكذا جاهل
стр. 4131
الحال، بأن اشتبهت عليه بأمَتِه، أو زوجته في نحو ظُلمة، أو اشتراها من الغاصب يظنها أَمَته، أو تزوَّجها منه على أنها حُرَّة ونحوه (فلا حدَّ عليه) أي: الواطئ؛ للشبهة (وعليه المهر، وأرش البكارة) ونقص الولادة؛ لأن ذلك إتلاف يستوي فيه الجاهل والعالم (والولد حُرٌّ) لاعتقاد الواطئ الإباحة (ونسبُهُ لاحِقٌ للغاصب) للشُّبهة، وكذا لو كان من غير الغاصب جاهلًا.
وقوله: (إن انفصل حيًّا، وعليه فداؤه بقيمته يوم انفصاله) فيه تقديم وتأخير، أي: وعليه فداء الولد بقيمته يوم ولادته إن انفصل حيًّا، فيفديه الواطئ للسيد؛ لأنه حال بينه وبين السيد بتفويت رقِّه باعتقاده، وإنما اعتبرت قيمته يوم الولادة؛ لأنه أوَّلُ حالِ إمكانِ تقويمِه؛ لأنه لا يمكن تقويمه حَمْلًا؛ ولأنه وقت الحيلولة بينه وبين سيده.
(وإن انفصل) المحكوم بحريته (ميتًا من غير جناية، فغير مضمون) لأنه لم تعلم حياته قبل ذلك.
(و) إن انفصل ميتًا (بجناية؛ فعلى الجاني الضمان) لأن الإتلاف وُجِدَ منه.
(فإن كانت) الجناية (من الغاصب، فـ) ــعليه (غُرَّة) عبد أو أَمَة، قيمتها خمس من الإبل (موروثة عنه) أي: عن الجنين؛ لأنه كأنه ولِد حيًّا؛ لأنه أتلف جنينًا حرًّا، و (لا يرث الغاصبُ منها) أي: الغُرَّة (شيئًا) لو كان الولد منه؛ لأنه قاتل له (وعليه) أي: الغاصب (للسيد عُشر قيمة الأم) فيضمنه له ضمان المماليك، ولهذا لو وضعته حيًّا قوَّمناه مملوكًا، وقد فوَّت رقَّه على سيده.
(وإن كانت) الجناية (من غير الغاصب، فعليه) أي: الجاني (الغُرَّة، يرثها الغاصب) لأنه أبو الجنين (دون أُمِّهِ) لأنها رقيقة (وعلى
стр. 4132
الغاصب عُشر قيمة الأُمِّ للمالك) لأنه يضمنه ضمان المماليك؛ لكونه قد فَوَّتَ رِقَّه على السيد.
(وإن قتلها) الغاصب (بوطئه، أو ماتت) الأَمَةُ (بغيره، فعليه) أي: الغاصب (قيمتها) أي: الأَمَة، وتقدم (١) (أكثر ما كانت) هكذا في "المغني" و"المبدع".
قال الحارثي: وهذا محمول على أن الكثرة كانت في مقابلة الأوصاف؛ لا لارتفاع الأسعار، كما صار إليه في مثله، وإلا فهو بعينه مذهب الشافعي (٢)؛ مثاله: كانت القيمة ألفًا، فنقصت بالافتضاض مائة، ثم بالولادة مائة، ثم ماتت وقيمتها ثمانمائة، فالواجب ألف لا ثمانمائة؛ لأن الأوصاف مضمونة كالأعيان، ووقع التضمين على هذا الاعتبار بأكثر ما كانت. ولو نقصت القيمة لانخفاض السعر قبل الافتضاض، أو قبل الولادة، أو قبل الموت، فعلى المذهب: الواجب ما استقرَّ عليه الحال يوم تَلِف الوصف، أو تَلِف العين، وعلى قول القائلين بأقصى القِيَم يكون الواجب ألفًا. انتهى.
والمذهب: أنه يضمن المغصوب بقيمته يوم التَّلَفِ؛ نقله الجماعة عن أحمد (٣).
(و) على ما نذكره (٤) (يدخل في ذلك) أي: في قيمتها أكثر ما كانت (أرْشُ بكارتها، ونقصُ ولادتها) لأنها تقوَّم بكرًا لا نقص بها، وعلى المذهب - من أنها تُقوَّم يوم التَّلَف - لا يدخل ذلك، بل يُضمُّ إلى قيمتها.
стр. 4133
(ولا يدخل في) أي: في قيمتها أكثر ما كانت (ضمان ولدها) لو مات (ولا مهر مِثْلها) بل يُضمُّ ذلك إلى القيمة على كلا القولين.
ومتى انتقلت العين المغصوبة عن يد الغاصب إلى غير المالك لها، فالمنتقلة إليه بمنزلة الغاصب، في كون المالك يملك تضمينه العين والمنفعة؛ لأنه إن كان عالمًا بالحال، كان غاصبًا، وإن كان جاهلًا، فلعموم قوله ﷺ : "على اليدِ ما أخذتْ حتى تؤديه" (١)؛ ولأن العين المغصوبة صارت في يده بغير حق، فمَلَك المالكُ تضمينه، كما يملك تضمين الغاصب، لكن إنما يستقر عليه ما دخل على ضمانه من عين، أو منفعة، وما عداه فعلى الغاصب إن لم يعلم.
إذا تقرَّر ذلك: فالأيدي المترتبة على يد الغاصب عشرة، تأتي مفصَّلة.
فمن غصب أَمَةً بكرًا، فباعها، أو وهبها لإنسان، أو زوَّجها له ونحوه، واستولدها، ثم ماتت عنده، أو غصب دارًا، أو بستانًا، أو عبدًا ذا صناعة، أو بهيمةً، ثم باع ذلك، أو وهبه ونحوه، ممن استغله، إلى أن تلف عنده، ثم حضر المالك، فله تضمين أيهما شاء، وقد أشار إلى ذلك بقوله (وإن باعها) أي: الجارية (أو وَهَبَها ونحوهما) بأن جعلها صداقًا، أو عوضًا في خلع، أو طلاق، أو عن قرض ونحو ذلك (من كل قابضٍ منه) أي: من الغاصب تملكًا بعوض أو غيره (لعالم بالغصب، فوطئها) القابض، وأولدها (فللمالك تضمين أيهما شاء) أي: الغاصب أو القابض (نَقْصَهَا) أي: الجارية (ومهرها، وأُجرتها، وأرش بكارتها، وقيمةَ ولدها إن تلف) ولدها.
стр. 4134
(فإن ضمَّن) المالك (الغاصبَ) ذلك (رجع) الغاصب (على الآخر) وهو القابض منه، بما ضمَّنه له المالك (لحصول التلف في يده) العادية، حيث علم بالغصب.
(وإن ضمَّن) المالك (الآخرَ) أي: القابضَ من الغاصب، العالِمَ بالحال، جميع ذلك (لم يرجع) القابض بما غرمه (على أحد) لاستقرار ذلك عليه؛ لدخوله على بصيرة (والنقص والأجرة قبل البيع والهبة) ونحوهما (على الغاصب) فليس للمالك تضمينهما للقابض؛ لأنهما لم يذهبا تحت يده.
(وإن لم يعلما) أي: المشتري والمتهب (بالغصب، فهما كالغاصب في جواز تضمينهما العين والمنفعة) من حين القبض؛ لما تقدم (لكنهما يرجعان على الغاصب بما لم يلتزما ضمانه) أي: بما لا يقتضي العقد ضمانه، من عين أو منفعة، وكذا سائر الأيدي المترتبة على يد الغاصب، فعقد البيع يقتضي أن المبيع مضمون على المشتري بالثمن، حتى لو تلف فات مجانًا، بخلاف المنافع، فإنها (١) تثبت للمشتري تبعًا للعين؛ لأن الخراج بالضمان، وعقد الإجارة يقتضي أن المنفعة مضمونة على المستأجر دون العين، فإن المستأجر إنما أعطى الأجرة في مقابلة المنفعة خاصة، فهي مضمونة عليه بالأجرة، والعين معه أمانة لم يلتزم ضمانها، والوديعة والهبة تقتضي عدم ضمان العينِ والمنفعةِ، والعاريةُ تقتضي ضمان العين دون المنفعة، وهكذا تقول في كل عقد بحسبه.
إذا علمت ذلك، فالأولى والثانية من الأيدي المترتبة على يد
стр. 4135
الغاصب يدا (١) المشتري والمستعير، وإليهما أشار بقوله: (فإن ضمَّن) المالك (المشتري) العينَ والمنفعةَ (أو) ضمَّن (المستعيرَ) العينَ والمنفعةَ (رجعا) أي: المشتري والمستعير على الغاصب (بقيمة المنفعة) إذ هي غير مضمونة عليهما (دون العين) فإنها تستقر عليهما؛ لدخولهما في العقد على ضمانها.
الثالثة: يد المستأجر، وإليها الإشارة بقوله: (والمستأجر) إن جهل الغصب (عكسُهما) يستقر عليه ضمان المنفعة دون العين؛ لأنه دخل على ضمان المنفعة دون العين، فإن ضمَّن المالكُ الغاصبَ العينَ والمنفعةَ، رجع الغاصبُ على المستأجر بقيمة المنفعة؛ وإن ضمَّنهما المستأجر، رجع على الغاصب بقيمة العين.
الرابعة والخامسة: المُمَلَّك بلا عوض، والقابض بعقد أمانة، وقد ذكرهما بقوله: (وإن ضمَّن) المالكُ (المودَعَ) ولم يكن فرَّط (أو المُتَّهِبَ) - ومثله المُهْدَى إليه، والمُتصدَّق عليه - العينَ والمنفعةَ (رجعا) أي: المودع والمتَّهِب (بهما) على الغاصب حيث لم يعلما؛ لتغريره لهما؛ ولأنهما لم يدخلا على ضمان شيء.
ومثل المودع الوكيل، والمرتهن، وما تقدم في الرهن (٢): من أن الوكيل والأمين في الرهن إذا باعا، وقبضا الثمن، ثم بان المبيع مستحقًّا، لم يلزمهما شيء، أي: من الثمن؛ لأن حقوق العقد متعلقة بالموكِّل دون الوكيل، وليس معناه أن المستحق للعين لا يطالب الوكيل بها، كما نَبَّه