← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

(ضمنه) أي: ضَمِن المتلِفُ ما أتلفه؛ لأنه فوته عليه، فوجب عليه ضمانه، كلما لو غصبه فتَلِفَ عنده. واحترز بالمال عن الكلب، والسرجين النجس، ونحوهما (سوى إتلاف حربي مالَ مسلمٍ) وعكسه، وعادلٍ مالَ باغٍ، وعكسه، حال الحرب، فلا يضمنه المتلِفُ، ويأتي. (وغيرُ المحترَم، كمال حربي، وصائل، ورقيق حالَ قطعه الطريقَ، ونحوهم) كآلات لهو، وآنية خمر، وآنية ذهب وفضة، وصليب، وصنم ونحوها (لا يضمنه) متلِفه لعدم احترامه، ويأتي. (وإن أُكره) إنسان (على إتلافه) أي: المال المضمون (ضَمِنه مكرِهُه) ولو كان مال المكرَه؛ لأن الإتلاف من المكرِه، وأما المكرَه فهو كالآلة. (ومن أغرى ظالمًا بأخذ مال إنسان، ودلَّه عليه) أي: على الإنسان أو ماله (ضَمِنه) المغري لتسببه (أفتى به ابن الزريراني (١)) ولعله جواب سؤال، فلا يُحتجُّ بمفهومه، وأنه يكتفي بالإغراء أو الدلالة؛ لأنه يصدق عليه أنه تسبب في ظلمه، فهو كالذي بعده. (وإن غرم) إنسان (بسبب كذب عليه عند وَليِّ الأمر، فله) أي: الغارم (تغريمُ الكاذب) لتسببه في ظلمه، وله الرجوع على الآخذ منه؛ لأنه المباشِر (وتقدَّم) ذلك (في الحَجْر (٢)) وتقدَّمت له نظائر أيضًا.

стр. 4167

ومثله: مَن شكى إنسانًا ظلمًا، فأغرمه شيئًا لحاكم سياسي، كما أفتى به قاضي القضاة الشهاب ابن النجار (١)، ولم يزل مشايخنا يُفتون به، بل لو أغرمه شيئًا لقاضٍ ظلمًا، كان (٢) الرجوع به عليه، كما يُعلم مما تقدم (٣) في الحَجْر فيما غرمه ربّ الدَّيْن بمَطْلِ المدين ونحوه؛ لأنه بسببه. (وإن أذن ربُّ المال في إتلافه) أو دفعه إلى مَحجور عليه لحظِّه (فأتلفه، لم يضمن المتلِفُ) ما أتلفه، لتسليط رَبّه له عليه. (وإن فتح) إنسانٌ (قفصًا عن طائر) مملوك (٤) أو فتح إصطبل حيوان محترم (أو حَلَّ) إنسانٌ (قيدَ عبدٍ، أو) حَل قيدَ (أسير، أو دفع لأحدهما) أي: العبد أو الأسير (مِبْردًا، فبرده) أي: القيد (فذهبوا) أي: الطائر والعبد والأسير، ضَمِن الفاتح والحال ودافع المبرد؛ لتسببه في الضياع. (أو حَلَّ) إنسان (رباط سفينة، فغرقت بعصوف ريح أو لا) ضَمِن (أو فتح إصطبلًا) بقطع الهمزة (فضاعت الدَّابةُ، أو حَلَّ رباط فرس) ففاتت؛ ضَمِنها (أو) حَلَّ (وِكَاء) بكسر الواو، وهو الحبل الذي يربط به

стр. 4168

نحو القِربة (زِق) يكسر الزاي، أي: ظرف (مائع) فاندفق (أو) حَلَّ وِكاء زِق (جامد، فأذابته الشمس) فاندفق؛ ضَمِنه، فإن قرب إليه شخص نارًا فذاب بها، فقياس مذهبنا: يضمنه بقرب (١) النار، كالدافع مع الحافر؛ قاله المجد. (أو بقي) الزِّق (بعد حَلِّه قاعدًا، فألقته ريح، أو) ألقته (زلزلة، فاندفق، فخرج) ما فيه (كله في الحال، أو) خرج (قليلًا قليلًا، أو خرج منه شيء بلَّ أسفله) أي: الزق (فسقط) فاندفق (أو ثقل أحد جانبيه) أي: الزق بعد حَلِّ وِكائه (فلم يزل يميل قليلًا قليلًا حتى سقط، ضَمِنه) أي: ضَمِن المتسبب في جميع ما ذكر ما تلف بسبب تعديه، سواء (تعقب ذلك فعلَه، أو تراخى عنه) وسواء (أهاج الطائرَ أو (٢) الدابة حتى ذهبا، أو لا) لأنه تلف بسبب فعله، فلزمه ضمانه، وكمن قطع علاقة قنديل؛ فسقط؛ فانكسر. قال في "الفنون": إلا ما كان من الطيور يألف الرواح، ويعتاد العود، فلا ضمان في إطلاقه إتلافًا. (ومثله لو أزال يد إنسان عن عبدٍ، أو) عن (حيوان، فهرب، إذا كان الحيوان مما يذهب بزوال اليد) عنه (كالطير والبهائم الوحشية، والبعير الشارد، والعبد الآبق) فيضمنه من أزال يَدَ ربِّه عنه؛ لتسببه في فواته. (أو نفَّر الدابة بأن صرخ فيها حتى شردت، وإن لم يعلم ذلك) أي: أنها تنفر بصياحه، فيضمنها؛ لأن الإتلاف يستوي فيه العمد والخطأ.

стр. 4169

(وكذا لو أزال يَدَه الحافظة) لمتاعه (حتى نهبه الناسُ، أو) حتى (الدواب أفسدته، أو) أفسدته (النار، أو) أفسده (الماء) فيضمنه (بأن فتح بابه) تعديًا (فيجيء غيره، فينهب المال، أو يسرقه) أو يفسده بحرق، أو غرق، فلربِّ المال تضمين فاتح الباب لتسببه في الإضاعة (والقرار على الآخذ) لمباشرته، فإن ضمنه ربُّ المال، لم يرجع على أحد، وإن ضَمِن الفاتح، رجع على الآخذ. (ولو ضرب) إنسان (يَدَ آخر، وفيها) أي: اليد (دينار، فضاع) الدينار (ضَمِنه) الضارب لتسببه في إضاعته. (ولو خاصمه، فأسقط عمامته عن رأسه بيده، أو هَزَّه حتى سقطت) عمامته عن رأسه (فتلفت) لوقوعها في نار ونحوها (أو) سقطت (في زحام) بسبب هزّه ونحوه (فضاعت، ضَمِنها) الذي سقطت بفعله لتعديه. قلت: فإن وقعت في نحو قذر ينقصها، فعليه أرش النقص. (ولو أقام عمودًا) ونحوه (بجداره المائل) يمنعه من السقوط (فجاء آخر، ورفع العمود) أو نحوه تعديًا (فسقط الجدار في الحال، ضَمِنه) الرافع للعمود، ونحوه لتعديه. (وإن وقع طائر إنسان على جدار، فنفَّره آخر) صاحب الجدار أو غيره (فطار، لم يضمنه) المنفِّر؛ لأن تنفيره لم يكن سبب فواته، فإنه كان ممتنعًا قبل ذلك. (وإن رماه) إنسان (فقتله، ضَمِنه) الرامي (وإن كان في داره) لأنه كان يمكن تنفيره بغير قتله. (وإن قتله) أي: الطائر (وهو مار في هواء داره، أو) وهو مار في (هواء دار غيره، ضَمِنه) لأنه لا يملك منع الطائر في الهواء.

стр. 4170

(ولو كانت الدابة المحلولة عقورًا، وجنت) بعد حَلِّها، أو فتح إصطبلها ونحوه (ضَمِن) الحالُّ ونحوه (جنايتها) لأنه السبب فيها (كما لو حَلَّ سلسلة فهد، أو ساجور كلب، فعقرا) فالضمان على الحالِّ لتسببه. والساجور: خشبة تجعل في عنق الكلب. (وإن أفسدت) الدابة المحلولة (زرع إنسان، فكإفساد دابة نفسِه) ذرع غيره (على ما سيأتي) تفصيله في جنايات البهائم. (ولو فتح) إنسان (بَثْقًا) - بتقديم الموحدة - وهو الجسر الذي يحبس الماء (فأفسد بمائة زرعًا، أو بنيانًا) قلت: أو غراسًا (ضمن) فاتح البَثْقِ ما تلف بسببه. قلت: وعلى قياسه: لو فات به ري شيء من الأراضي التي كانت تروى بسبب سَدّه، فيضمن فاتحه خراجه. وعلى قياسه: لو فَرَّط من يلي سَدَّ البثْقِ فيه، فأزاله الماء عند علوه وأتلف شيئًا، أو فات به ري شيء من الأراضي. (كما لو أطلق دابة رموحًا من شِكال (١)، أي: تضرب برجلها) بيان للرموح، فيضمن من أطلقها ما تلف بها. (وإن رمى) أي: ألقى (الزِّقَّ الذي بقي بعد حَلِّ وِكائه قاعدًا إنسانٌ آخر، اختصَّ الضمان به) أي: بالمُلقي للزِّق؛ لأنه باشر الإتلاف. (وإن بقي الطائر) بعد فتح قفصه (و) بقي (الفرس) بعد حَلِّ قيده، أو فتح إصطبله (بحالهما، فنفَّرهما آخر، ضمنهما المنفِّر) وحده؛ لأن سببه أخص، فاختص الضمان به، كدافع الواقع في البئر مع حافرها،

стр. 4171

وكذا لو حَلَّ إنسانٌ حيوانًا، وحَرَّضه آخر، فجنى، فإن ضمان جنايته على المحرِّض. (وإن أتلف وثيقة (١) لا يثبت) المال (إلا بها) وتعذَّر ثبوته (ضمنه) متلفُها؛ لأنه تسبب في إضاعته. (لا إن دفع) إنسان (مفتاحًا إلى لص) فسرق اللصُّ ما في الدار المدفوع مفتاحها إليه، فالضمان على اللص دون الدافع؛ لأن اللص مباشر، والدافع متسبب، وإحالة الحكم على المباشر أَولى من المتسبب. (ولو حبس مالكٌ دوابَّ، فتلفت) الدواب بسبب حبسه (لم يضمن (٢)) حابس (٣) الدوابّ. قال في "المبدع": وينبغي أن يفرق بين الحبس بحق، أو غيره. (وإن ربط دابة) في طريق ولو واسعًا (أو أوقفها في طريق ولو) كان الطريق (واسعًا، ويده عليها (٤)) بأن كان راكبًا، أو نحوه (فأتلفت) الدابة (شيئًا) ضمنه من ربطها، أو أوقفها (أو جنت) الدابة (بيدٍ، أو رِجلٍ، أو فمٍ) ضَمِن رابطها ومُوْقِفها؛ لحديث النعمان بن بشير مرفوعًا: "من أوقف دابةً في سبيلٍ من سُبُلِ المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فأوطأت بيدٍ أو رجلٍ، فهو ضامن" رواه الدارقطني (٥)، ولأن طبع الدابة

стр. 4172

الجناية بفمها أو رجلها، فإيقافها في الطريق كوضع الحجر، ونصب السكين فيه. وظاهره: لا يضمن جناية ذَنَبِها. (أو ترك) أي: ألقى (في الطَّريق طينًا، أو قِشْرَ بطيخ، أو رَشَّ فيه ماء، فزلق به إنسان) ضَمِنه مُلقي الطين، أو القشر، أو الرَّاشُّ، لكن لو كان الرشُّ لتسكين الغبار على المعتاد؛ فلا ضمان، على ما يأتي في الجنايات. (أو) ألقى (خشبة، أو عمودًا، أو حَجَرًا) في الطريق، لا لنحو مطر، ليمشي عليه الناس (أو كيس دراهم، أو أسند خشبةً إلى حائط) وظاهره: لو مال إلى السقوط (فتلِفَ به) أي: بواحد من المذكورات (شيء) من آدمي، أو دابة، أو غيرهما (ضَمِن) المُلْقي لذلك (ما أتلفه،

стр. 4173

أو تلف به) لحصول التلف بتعديه. (ومن ضَرَبَ دابة مربوطة في طريق ضيق، فرفسته فمات، ضَمِنه صاحبها؛ ذكره) ابن عقيل (في "الفنون") وظاهره: لو كانت واسعة لا ضمان؛ لعدم حاجته إلى ضَرْبها، فهو الجاني على نفسه. (وإن اقتنى كلبًا عقورًا، بأن يكون له) أي: الكلب (عادة بذلك) العقر (أو) اقتنى كلبًا (لا يُقتنى) بألّا يكون كلب صيد، ولا زرع، ولا ماشية (أو) اقتنى كلبًا (أسودَ بهيمًا، أو) اقتنى (كبشًا مُعلَّمًا النطاحَ، أو) اقتنى (أسدًا، أو نمرًا، أو نحوَهما من السباع المتوحشة، فعقرت، أو خرقت ثوبًا) بمنزله أو خارجه، ضمنه مقتنيها؛ لأنه مُتعدٍّ باقتنائه. (أو) اقتنى (هرًّا تأكل الطيور، وتقلِبُ القدور في العادة، مع علمه) بحالها (بأن تَقَدَّم للهر عادة بذلك) المذكور من أكل الطيور وقلب القدور (ضمن) لتعديه باقتنائها إذًا. (فإن لم يكن له) أي: الهِرّ (عادةٌ بذلك، لم يضمن صاحبُه) ما أتلفه؛ لعدم عدوانه باقتنائه ما لا عادة له بذلك (كالكلب الذي ليس بعقور) إذا اقتناه لنحو صيد، ولم يكن أسودَ بهيمًا، فإن صاحبه لا يضمن جنايته. (ولا فرق) في ضمان إتلاف ما لا يجوز اقتناؤه مما تقدم (بين) الإتلاف في (الليل والنهار) لأنه للعدوان، بخلاف البهائم من إبل، وبقر، وغنم، ونحوها (إلا أن يكون) المخروق ثوبه أو نحوه (دخل منزله بغير إذنه، أو) دخل (بإذنه، ونَبَّهَه) ربُّ المنزل (أنه) أي الكلب ونحوه (عقور، أو غير موثوق (١)) فلا يضمن رب المنزل؛ لأنه إذا دخل بغير

стр. 4174

إذنه، فهو المتعدِّي بالدُّخول، وإن كان بإذنه ونَبَّهه على أنه عقور، أو غير موثوق، فقد أدخل الضرر على نفسه على بصيرة. (ولا يضمن) مُقتني المذكورات، من الكلب العقور، ونحوه (ما أفسدت بغير ذلك) المذكور من عقر، أو خَرْق ثوب، بأن أفسدت (ببول أو ولوغ) في إناء؛ لأن هذا لا يختص بالكلب العقور. (وله قتل هِرٍّ بـ) ــسبب (أكل لحمٍ ونحوه، كالفواسق) وسائر ما فيه أذىً، دفعًا لأذاه (وقيَّده ابن عقيل، ونصره الحارثيُّ: حين أكلها) اللحم ونحوه (فقط) إلحاقًا لها بالصائل. (ولو حصل عنده كلب عقور، أو سِنَّورٌ ضار) أي: له عادة بأكل الطيور، وقلب القدور (من غير اقتناء، و) من غير (اختيار، فأفسد) شيئًا (لم يضمن) ما أفسده؛ لأنه لا تعدّي منه، ولا تَسبُّب، إذ لم يقتنه. (وإن اقتنى حَمَامًا، أو غيره من الطير، فأرسله نهارًا، فلقط حبًّا) للغير (ضَمِن) المقتني؛ خَرَّجه في "الآداب" (١) على مسألة الكلب العقور. وإن قلنا: يحرم الاقتناء، وإلا؛ ففيه نظر، وبَعُدَ الجزمُ بعدم الضمان. وفي "المغني": لا ضمان، وكذا نقله في "الإنصاف" عن الحارثي، واقتصر عليه. فصل (وإن أجَّجَ نارًا في موات، أو) أجَّجها (في ملكه) بأن أوقد النار حتى صارت تلتهب في داره، أو على سطحه (أو سقى أرضه) لشجر، أو زرع بها، أو ليزرعها (فتعدى) ما ذكر، من النار والماء (إلى ملك غيره،

стр. 4175

فأتلفه) أي: أتلف المتعدي من النار، أو الماء، ملك غيره (لم يضمن) الفاعل؛ لأن ذلك ليس من فعله، ولا تعديه، ولا تفريطه. وسُئل أحمد (١): أوقد (٢) نارًا في السفينة؟ فقال: لا بُدَّ له من أن يطبخ. وكأنه لم يرَ (٣) عليه (إذا كان) التأجيج، أو السقي (ما) أي: شيئًا (جرت به العادة، بلا إفراط، ولا تفريط، فإن فَرَّط) بأن ترك النار مؤجَّجة، والماء مفتوحًا، ونام، فحصل التلف بذلك وهو نائم؛ ضمن لتفريطه. (أو فرط (٤)، بأن أجَّجَ نارًا تسري في العادة، لكثرتها، أو) أجَّجها (في ريح شديدة تحملها) إلى ملك غيره؛ ضمن لتعديه، وكذا لو أجَّجها قرب زرع، أو حصيد؛ ذكره الحارثي. و (لا) يضمن إن تعدَّت (بطريانها) أي: الريح، بعد أن لم تكن؛ لعدم تفريطه. قال في "عيون المسائل": لو أججها على سطح داره، فهبت الريح، فأطارت الشرر؛ لم يضمن؛ لأنه في ملكه، ولم يفرط، وهبوب الريح ليس من فعله. (أو فتح ماء كثيرًا يتعدى) عادة (أو فتحه في أرض غيره، أو أوقد) نارًا (في ملك غيره) تعديًا (فَرَّط، أو أفرط) أي: أسرف (أو لا، ضَمِن ما تلف به) لتعديه. (وكذلك) يضمن (إن أيبست (٥) النار) التي أوقدها، ولو في ملكه (أغصان شجرة غيره) لأن ذلك لا يكون إلا من نار كثيرة (إلا أن تكون

стр. 4176

الأغصان في هوائه، فلا يضمن) لأنه لا يُمنع من التصرف في ملكه. (وإن ألقت الريح إلى داره ثوب غيره، لزمه حفظه؛ لأنه أمانة) بيده، إلى أن يرده لربه (فإن لم يعرف) صاحبُ الدار (صاحبَه) أي: الثوب (فهو لُقَطَة) يُعرِّفه حولًا (وإن عَرَفه) أي: عرف ربُّ الدار صاحبَ الثوب (لزمه إعلامه) بالثوب فورًا (فإن لم يفعل) أي: لم يُعلِم ربَّه به مع علمه (ضَمِنه) إن تلف بعد مضي زمن يتأتَّى فيه إعلامه؛ لأنه لم يستحفظه. (وإن سقط طائرُ غيرِه في داره، لم يلزمه) أي: ربّ الدار (حفظه، ولا إعلام صاحبه) لأنه لم يزل ممتنعًا (إلا أن يكون) الطير (غير ممتنع) كالمقصوص جناحه (فكالثوب) إن لم يَعرف صاحبه، فلُقَطة، وإن عَرَفه، أعلمه فورًا، وإلا؛ ضَمِن. (وإن دخل) طير مملوك (بُرْجَه، فأغلق عليه البابَ) ربُّ البرج (ناويًا إمساكه لنفسه، ضَمِنه) لتعديه (وإلا) بأن لم يغلق عليه الباب، أو أغلقه غير ناوٍ إمساكه لنفسه، بأن لم يعلم به، أو نوى إمساكه لربّه (فلا ضمان عليه) لعدم تعدِّيه، وهو في الأخيرة مُحسِن، لكن عليه إعلامه فورًا إن علمه، كما سبق. (وإن حفر في فِنائه) بكسر الفاء (وهو) أي: الفِناء (ما كان خارج الدار) ونحوها (قريبًا منها) قال في "القاموس" (١): فِناء الدار ككساء: ما اتَّسع من أمامها، وجمعه أفنية وفُنِيٌّ (بئرًا لنفسه، ولو بإذن الإمام) ولو بلا ضرر؛ لأنه ليس له أن يأذن فيه كما يأتي، وكذا إن حفر نصف البئر في حده، ونصفها في فنائه (وكذا البناء) في فِنائه (ضَمِن ما تلف بها) أي: بالبئر، وكذا البناء؛ لأنه تلَفٌ حصل بسبب تعديه، أشبه ما لو نصب في

стр. 4177

فِنائه سِكِّينًا، فتلف به شيء، إذ الأفنية ليست بملك ملّاك الدور، وإنما هي من مرافقهم. (ولو حفرها) أي: البئر، في الفِناء (الحُرُّ بأجرة، أو لا، وثبت علمه أنها في ملك غيره) أي: الآذن (ضمن الحافر) ما تلف بها؛ لأنه هو المتعدي. (وإن جهل) الحافرُ أنها في ملك الغير (ضَمِن الآمرُ) لتغريره الحافر، وكذا لو جهل الباني. فلو ادعى الآمر علم الحافر، أو الباني بالحال، وأنكراه، فقولهما؛ لأن الأصل عدمه. (وإن حَفَرها) أي: البئر في سابلة واسعة؛ لنفع المسلمين بلا ضرر (أو بنى مسجدًا، أو خانًا، ونحوه) كبناء وَقَفه على مسجد؛ ذكره الشيخ تقي الدين (١)، ونقله عنه ابنُ رجب في "القواعد" (٢) (في سابلة) أي: طريق مسلوك (واسعةٍ، لنفع المسلمين) كما لو حفرها ليجتمع فيه ماء المطر، أو ينبع منها الماء ليشرب المارَّة (بلا ضرر بالمارَّة - لا) إن فعل ذلك (لنفع نفسه - ولو بغير إذن إمام (٣)، لم يضمن ما تلف بها) لأنه مُحسِن (كبناء جِسر) بفتح الجيم وكسرها، وهو القنطرة؛ ليمر عليه الناس. (وكذا لو حفرها) أي: البئر (في مَواتٍ لتُملكَ، أو ارتفاق، أو انتفاع عام) لأنه مأذون فيه شرعًا. (وينبغي) لمن حفر بئرًا بالطريق الواسع، أو الموات (أن يجعل

стр. 4178

عليها حاجزًا تُعلَم به لتُتَوَقَّى. قال الشيخ (١): ومن لم يسدَّ بئره سدًا يمنع من الضرر، ضَمِن ما تلف بها. وإن فعله) أي: ما ذكر من حفر البئر، وبناء المسجد، أو الخان ونحوه (فيها) أي: في الطريق (لنفع نفسه، أو كان يَضرُّ بالمارَّة) بأن حفر البئر في القارعة (أو) فعله (في طريق ضيق، ضَمِن، سواء فعله لمصلحة عامة أو لا، بإذن الإمام، أو لا؛ لأنه ليس له أن يأذن فيه) لما فيه من الضرر. ولو مات الحافر، ثم تلف بها شيء، ضمنه من تركتِهِ، صَرَّح به القاضي في "المجرَّد"، وابن عقيل في "الفصول" في باب الرهن، حتى قالا: لو بيعت التركة، لَفُسِخَ في قدر الضمان منها؛ لسبق سببه، ولو كانت التَّرِكة عبدًا، فأعتقه الورثة قبل الوقوع، ضمنوا قيمة العبد، كالمرهون، صَرَّح به القاضي في "الخلاف"؛ ذكره ابن رجب (٢). (وفِعلُ عبده) لما ذكر، من الحفر، والبناء بالفِناء، والطريق الواسع، أو الضيق (بأمره) أي: السيد (كفعل نفسه) لأن العبد كالآلة، وسواء (أعتقه) سيده (بعد ذلك، أو لا) اعتبارًا بحال الفعل، فيختص الضمان بالسيد. (و) إن فعله العبد (بغير إذنه) أي: السيد (يتعلَّق ضمانه) أي: ضمان ما يتلف (برقبته) كسائر جناياته التي لم يأذن فيها سيده (ثم إن أعتقه) السيد بعد الحفر، أو البناء بغير إذنه، ثم تلف شيء بسبب ذلك (فما تلف بعد عتقه، فعليه) أي: العتيق (ضَمانه) دون سيده؛ لاستقلاله بالجناية.

стр. 4179

(ولو أمره) أي: الحافر، أو الباني (السلطان بفعل ذلك) أي: بالحفر، أو البناء (ضَمِن السلطان وحدَه) وظاهره: سواء علم أن الأرض ملك لغير السلطان، أو لا؛ لأنه لا تسعه مخالفته، أشبه ما لو أكره على ذلك. (وإن فعل) إنسان في طريق (ما تدعو الحاجة إليه، لنفع الطريق وإصلاحها، كإزالة الطين والماء عنها، وتنقيتها مما يضرُّ فيها) كقشر بطيخ (وحفر هَدَفَةٍ) أي: ربوة عالية (فيها) أي: الطريق، بحيث تساوي غيرها (وقلع حجر) في الأرض (يضرُّ بالمارة، ووضع الحصى في حُفرة فيها) أي: في الأرض (ليملأها، وتسقيف ساقية فيها، ووضع حَجَر في طين فيها؛ ليطأ الناس عليه، فهذا كله مباح، لا يضمن ما تَلِفَ به) لأنه إحسان ومعروف. (وإن بسط في مسجد حصيرًا، أو باريَّة) - وهي الحصير - كما في "القاموس" (١)، لكن في عُرف الشام ما يُنسج من قصب، ولعله المراد هنا؛ ليحصُل التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه (أو) بَسَط في المسجد (بساطًا، أو علَّق فيه قِنديلًا، أو أوقده، أو نَصَبَ فيه) أي: المسجد (بابًا، أو عُمُدًا، أو بنى جدارًا) يحتاج إليه المسجد (أو سَقَفَه، أو جعل فيه رَفًّا ونحوه؛ لنفع الناس، أو وضع فيه حصىً، لم يضمن ما تلف به) لأنه محسِن. (وإن جلس) في مسجد، أو طريق واسع (أو اضطجع) في مسجد، أو طريق واسع (أو قام في مسجد، أو طريق واسع، فعثر به حيوان) فتلف، أو نقص (لم يضمن) تلفه ولا نقصه؛ لأنه فعل مباحًا لم يتعدَّ به

стр. 4180

على أحد، في مكان له فيه حق، أشبه ما لو فعله بملكه. ويضمن إن كان الفعل مُحرَّمًا، كالجلوس مع الحيض في المسجد، أو مع إضرار المارة في الطريق؛ قاله في "شرح المنتهى". ومقتضى كلام الحارثي: لا ضمان - أيضًا -، لأن المنع لا لذات الجلوس، بل لمعنىً قارنه، وهو الجناية أو الحيض، فأشبه من جلس بملكه بعد نداء الجمعة. (ويضمن) إن جلس، أو اضطجع، أو قام (في طريق ضيق) لإضراره بالمارة (ويأتي في الديات). وإن أحدث بركةً للماء، أو كنيفًا، أو مستحمًّا، فنزَّ إلى جدار جاره؛ فأوهاه وهدمه، ضَمِنه؛ لأن هذه الأسباب تتعدَّى؛ ذكره في "الفصول" و"التلخيص"، قالا: وللجار منعه من ذلك، إلا أن يبني حاجزًا محكمًا يمنع النَّزَّ. زاد ابن عقيل: أو يبعد بحيث لا يتعدَّى النَّزُّ إلى جدار جاره. وقال أيضًا: الدقُّ الذي يهدُّ الجدار مضمون السراية؛ لأنه عدوان محض. (وإن أخرج) إنسان (جناحًا) وهو الرَّوشن (أو ميزابًا ونحوه) كساباط، وحجر بَرَزَ به في البنيان (إلى طريق نافذ) مطلقًا، إلا بإذن إمام أو نائبه في جناح، أو ساباط، أو ميزاب بلا ضرر (أو) أخرج ما ذكر في درب (غير نافذ، بغير إذن أهله، فسقط على شيء، فأتلفه، ضَمِن، ولو) كان سقوطه (بعد بيعه، وقد طُولِب بنقضه؛ لحصوله) أي: التلف (بفعله) أي: بسبب فعله الذي تعدَّى به. ومفهومه: أنه إذا سقط بعد البيع، ولم يكن طُولب بنقضه، لا يضمن (ما لم يأذن فيه) أي: الجناح والميزاب والساباط (إلى الطريق النافذ فقط، إمامٌ أو نائبُه، ولم يكن منه ضررٌ) على المارة بإخراجه، فلا

стр. 4181

ضمان؛ لأن النافذ حق للمسلمين، والإمام وكيلهم، فإذنه كإذنهم، أشبه ما لو أذن أهل غير النافذ له في ذلك. (وإن مال حائطُهُ) بعد أن بَنَاه مستقيمًا (إلى غير ملكه) سواء كان مختصًّا، كهواء جاره، أو مشترَكًا، كالطريق (علم به) أي: بميلان حائطه (أو لا، فلم يهدمه حتى أتلف شيئًا، لم يضمنه) ولو أمكنه نقضه، وطُولب به؛ لعدم تعديه بذلك؛ لأنه بناه في ملكه، ولم يسقط بفعله، فهو (كما لو سقط من غير ميلان، وعنه (١): إنْ طُولب) أي: طالبه مستحق (بنقضه، وأُشهد عليه، فلم يفعل) مع إمكانه (ضَمِن، واختاره جماعة) لأن تَرْك الهدم مع المطالبة تفريطٌ. وأجيب عن ذلك: بأنه لو وجب بسقوطه ضمان، لم تُشترط المطالبة بنقضه، كما لو بناه ابتداءً مائلًا إلى ملك غيره، فإن عليه ضمان ما يتلف به، ولو لم يُطالب بنقضه. (قال الموفَّق والشارح: والتفريع عليه) أي: ما ذكر من الرواية الثانية (والمطالبة: من كلِّ مسلِم أو ذِمي، إذا كان ميله إلى الطريق) لأن الحق فيها لعامة الناس (كما لو مال إلى ملك جماعة، فطالب واحد منهم، ولكل منهم المطالبة) بالنقض؛ لأن له حقًّا فيه. (وإن طالب واحد) ممن لهم الحق (فاستأجله) أي: استمهله (صاحب الحائط، أو أجَّله الإمام، لم يسقط عنه الضمان) بذلك؛ لوجوبه عليه على الفور مع الإمكان، كما تقدم. فإنا كان الإمهال بقَدْر الحاجة إلى تحصيل الآلات، فلا ضمان؛ لانتفاء التفريط؛ ذكره الحارثيُّ. (ولا أثر لمطالبة) المستحق لـ (ــمستأجرِ الدارِ ومستعيرها

стр. 4182

ومستودَعها ومرتهنها) لأنهم لا يملكون النقض، ولا ولاية لهم على المالك. وإن كان المالك محجورًا عليه لسفه ونحوه، فطُولب، لم يلزمه؛ لعدم أهليته، وإن طُولب وَليُّه أو الوصي، فلم يفعل، ضَمِن المالك؛ قاله في "المجرد"، و"المغني"، و"الشرح"، والحارثي، و"المبدع"، وغيرهم، ونقله في "الفروع" عن "المنتخب". وقال ابن عقيل: الضمان على الولي. قال الحارثي: وهو الحق لوجود التفريط منه. وهو توجيه لصاحب "الفروع". (ولا ضمان عليهم) لأنه لا أثر لطلبهم. (وإن بناه) أي: الحائط (مائلًا إلى ملك غيره بإذنه، أو) بناه مائلًا (إلى ملك نفسه) لم يضمن لعدم تعدِّيه (أو مال) الحائطُ (إليه) أي: إلى ملك رَبِّه (بعد البناء، لم يضمن) رَبُّهُ ما تلف به. (وإن بناه) أي: الحائط (مائلًا إلى الطريق) ضَمِن ما تلف به (أو) بناه مائلًا (إلى ملك الغير بغير إذنه، ضَمِن) ما تَلِف به، ولو لم يُطالب بنقضه لتسببه. (وإنْ تُقُدِّم إلى صاحب الحائط المائل) أي: طُولب (بنقضه، فباعه مائلًا، فسقط على شيء، فتلف به، فلا ضمان على بائع) فيما تلف؛ لأن الحائط ليس ملكه حال السقوط، فزال تمكُّنُهُ من هدمه، فلا تفريط منه. قال ابن عقيل: إن لم يكن حيلة على الفرار من نقضه، فيضمن. (ولا) ضمان (على مُشترٍ، لأنه لم يطالب بنقضه، وكذلك إن وهبه) أي: الحائط المائل، بعد الطلب (وأقبضه) ثم سقط، فأتلف شيئًا، لم يضمنه الواهب؛ لأنه ليس ملكه، ولا المُتَّهب؛ لأنه لم يُطالَب، وكذا لو

стр. 4183

صالح به، أو جعله صَداقًا، أو عوضًا في خُلع، أو طلاق، أو عتق، ونحوه، مما ينقل الملك. (وحيث وَجَب الضمانُ) فيما تلف بالجدار (والتالف آدميٌّ، فالدِّيَة على عاقلته) أي: عاقلة رَبِّ الحائط؛ لأنها تحمل دية القتل الخطأ، وشِبه العمد. (فإن أنكرت العاقلةُ كونَ الحائط لصاحبهم) الذي يعقلون عنه (أو أنكروا) أي: العاقلة (مطالبَتَه بنقضِهِ) حيث اعتبرت، أو أنكروا تلف الآدميِّ بالجدار (لم يلزمهم) شيء (إلا أن يثبُتَ) ببينة؛ لأن الأصل عدم الوجوب. وإن أبرأه من مال الحائط إلى ملكه، والحقُّ له، فلا ضمان. (وإن تشقَّقَ الحائط عَرْضًا، فَكَمَيْلِهِ) فلا ضمان إن لم يُطالَب بنقضه. وكذا إن طُولب، على المذهب. وعلى الرواية الثانية: يضمن إذا طولب، وأشهد عليه. (لا) إن تشقق الحائط (طولًا) وهو مستقيم، فإنه لا أثر له؛ لأنه لا ضرر فيه. فصل في جناية البهائم (وما أتلفته البهيمة) آدميًّا كان، أو مالًا (ولو صيدَ حَرَمٍ، فلا ضمان على صاحبها) فيه؛ لقوله ﷺ : "العجماءُ جَرْحُها جُبارٌ" متفق عليه (١)،

стр. 4184

أي: هدر (إذا لم تكن يده عليها) فإن كانت، ضَمِن، ويأتي (إلا الضارية) أي: المعتادة بالجناية مِن البهائم، والجوارح، وشبهها. قال الشيخ تقي الدين (١) في من أمر رجلًا بإمساكها: ضمنه، إذا لم يُعلمه بها. (ومن أطلق كلبًا عقورًا، أو دابة رَفوسًا، أو عَضوضًا، على الناس في طرقهم ومصاطبهم ورحابهم فأتلف مالًا أو نفسًا، ضمن؛ لتفريطه. وكذا إن كان له طائر جارح كالصقر والبازى، فأفسد طيور الناس وحيواناتهم؛ قاله) ابن عقيل (في "الفصول"). قال في "المبدع": وظاهر كلامهم، أي: عدم الضمان، في غير الضارية، إذا لم تكن يده عليها، ولو كانت مغصوبة؛ لأنه لا تفريط من المالك، ولا ذِمَّة لها فيتعلَّق بها، ولا قصد فيتعلَّق برقبتها، بخلاف العبد والطفل. انتهى. وهو معنى ما قدَّمه في "الفروع" قال: وهذا فيه نظر. وحَكَى عن ابن عقيل ما يقتضي الضمان. (وإن كانت البهيمة في يَدِ إنسانٍ، كالسائق) المُتصرِّف فيها (والقائد) المُتصرِّف فيها (والراكب المُتصرِّف فيها، سواء كان) كل من السائق والقائد، والراكب المتصرف فيها (مالكًا، أو غاصبًا، أو أجيرًا، أو مستأجرًا، أو مستعيرًا، أو موصىً له بالمنفعة) أو مرتَهِنًا (ضَمِن ما جنت يدُها، أو فَمُها) أي: جناية يدها، أو فَمِها (أو وطؤها يرجلها، لا ما نفحت بها) أي: برجلها؛ لما روى سعيد مرفوعًا: "الرِّجلُ جُبارٌ" (٢).

стр. 4185

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4186

وفي رواية أبي هريرة: "رِجلُ العجماءِ جبارٌ" (١)، فَدَلَّ على وجوب الضمان في جناية غيرها. وخصص بالنفح (٢) دون الوطء؛ لأن من بيده الدابة يمكنه أن يجنبها وطء ما لا يريد أن تطأه، بتصرفه فيها، بخلاف نفحها، فإنه لا يمكنه أن يمنعها منه، وحيث وجب الضمان، وكان المجني عليه مما تحمله العاقلة، فهي عليها، كما صَرَّحَ به المجد في "شرحه" بما يقتضي أنه محل وفاق. ومحل عدم ضمان ما نفحت برجلها (ما لم يكبَحْها) أي: يجذبها باللِّجام (زيادةً على العادة، أو يضرِبْها في وجهها) فيضمن؛ لتسببه في جنايتها (ولو) فعل ذلك (المصلحة) تدعو إليه. (ولا يضمن) الراكب ونحوه (ما جنت) الدابة (بذَنَبها) لأنه لا يمكن التحفظ منه. (ويضمن) - أيضًا - الراكب ونحوه (ما جنى ولدُها) ولو لم يفرط؛ لأنه تبعُها. وظاهره: سواء جنى بيده، أو فمه، أو رجله، أو ذنبه. ولو قيل: يضمن منه ما يضمن منها فقط، لكان له وجه. (ومن نَفَّرها) أي: البهيمة (أو نَخَسها، ضَمِن وحده) لأنه المتسبب في جنايتها (دونهم) أي: دون الراكب، والسائق، والقائد (فإن جنت)

стр. 4187

البهيمة (عليه) أي: على من نَفَّرها أو نَخَسها (فـ) ــالجناية (هدْر) لأنه السبب في الجناية على نفسه. (وإن ركبها اثنان) وجنت جناية مضمونة (ضَمِن الأول منهما) أي: الراكبين؛ لأنه المتصرِّف فيها، والقادر على كَفِّها (إلا أن يكون) الأول (صغيرًا، أو مريضًا ونحوهما) كالأعمى (والثاني متولي تدبيرها، فعليه) أي: الثاني (الضمان) وحده؛ لكونه المتصرِّف فيها. (وإن اشتركا) أي: الراكبان (في التصرُّف) في البهيمة (اشتركا في الضمان) أي: ضمان جنايتها المضمونة؛ لاشتراكهما في التصرُّف. (وكذا لو كان معها) أي: البهيمة (سائقٌ وقائدٌ) وجنت جناية تُضمن، فالضمان عليهما. (وإن كان معهما) أي: السائق والقائد، راكب (أو) كان (مع أحدهما راكب، شاركهما) أي: شارك الراكبُ السائقَ والقائدَ، أو أحدهما، في ضمان جنايها؛ لاشتراكهم في التصرُّف؛ لأن كلًّا منهم لو انفرد مع الدابة، انفرد بالضمان، فإذا اجتمع مع غيره منهم، شاركه في الضمان. وعُلم مما تقدم: أنه لو اجتمع الثلاثة، أو اثنان منهم، لكن انفرد واحد بالتصرُّف، اختص بالضمان. (والإبل والبغال المُقْطَرة، كـ) ــالبهيمة (الواحدة، على قائدها الضمان) لما جنت كل واحدة من القِطَار؛ لأن الجميع إنما تسير بسير الأول، وتقف بوقوفه، وتطأ بوطئه، وبذلك يمكنه حفظ الجميع عن الجناية. (وإن كان معه) أي: القائد (سائقٌ؛ شاركه) أي: شارك السائقُ

стр. 4188

القائدَ (في ضمان الأخير فقط، إن كان) السائق (في آخرها) لأنهما اشتركا في التصرف الأخير، ولا يشارك السائقُ القائدَ فيما قبل الأخير؛ لأنه ليس سائقًا له، ولا تابعًا لما يسوقه. (وإن كان) السائق (في أوَّلها) أي: أول المُقْطَرة (شارك) السائقُ القائدَ (في) ضمان جناية (الكُلِّ) لأنه لو انفرد بذلك، لضمن جناية الجميع؛ لأن ما بعد الأول تابع له، سائر بسيره، فإذا كان معه غيره وجب أن يشاركه في ذلك. (وإن كان) السائق (فيما عدا الأولَ) من المُقْطَرة (شارك) السائقُ القائدَ (في ضمان ما باشر سَوْقَه، وفي) ضمان (ما بعده) أي: بعد الذي باشر سوقه؛ لأنه تابع له (دون) ضمان (ما قبله) أي: قبل الذي باشر سوقه، فيختصُّ به القائد، ولا يشاركه السائق؛ لأنه ليس سائقًا له، ولا تابعًا لما يسوقه. (وإن انفرد راكبٌ بالقِطَار، وكان) الراكب (على أوله، ضمن) الراكب (جناية الجميع؛ قاله الحارثيُّ) لأن ما بعد الراكب إنما يسير بسيره، ويَطَأ بوطئه، فأمكن حفظه عن الجناية، فضمن، كالمَقْطور على ما تحته. قلت: فعلى هذا، إن كان معه سائق، فعلى ما سبق من التفصيل، إذا كان سائق وقائد، وإن كان المفرِد بالقطار راكبًا، أو سائقًا على غير الأول، ضَمِن جناية ما هو راكب عليه، أو سائق له، وما بعده، دون ما قبله. (ولو انفلتت الدَّابة ممن هي في يده، وأفسدت) شيئًا (فلا ضمان) على أحد؛ لحديث: "العجماءُ جَرحُها جبارٌ" وتقدم (١).

стр. 4189

فإن (١) استقبلها إنسان، فردَّها، فقياس قول الأصحاب: الضمان؛ قاله الحارثيُّ. ثم قال: ويحتمل عدم الضمان؛ لعموم الخبر؛ ولأن يده ليست عليها. قال: والبهيمة النَّزِقَة التي لا تنضبط بكبح ولا نحوه، ليس له ركوبها بالأسواق، فإن ركب ضمن؛ لتفريطه. وكذا الرَّموح (٢) والعضوض. (ويضمن ربُّ البهائم، ومستعيرها، ومستأجرُها، ومستودعُها) قلت: وقياسه: مرتهنٌ وأجيرٌ لحفظها، وموصىً له بنفعها (ما أفسدت: من زرع، وشجر، وغيرهما) كثوب خَرَقته، أو مَضَغته، أو وطئت عليه، ونحوه (ليلًا) لما روى مالك عن الزهري، عن حرام بن سعد بن محيصة: "أنَّ ناقةً للبراءِ دخلت حائط قوم فأفسدَت، فقضى النبيُّ ﷺ أنَّ على أهلِ الأموالِ حِفْظَها بالنَّهارِ، وما أفسدت فهو مضمونٌ عليهم" (٣).

стр. 4190

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4191

قال ابن عبد البر (١): هذا وإن كان مرسلًا، ففو مشهور، وحَدَّث به الأئمة الثقات، وتلقَّاه فقهاء الحجاز بالقَبول. ولأن العادة من أهل المواشي إرسالها نهارًا للرعي، وحفظها ليلًا، وعادة أهل الحوائط حفظها نهارًا، فإذا أفسدت شيئًا ليلًا، كان من ضمان

стр. 4192

مَن هي بيده (إن فرَّط) في حفظها (مثل ما إذا لم يَضُمَّها ونحوه ليلًا، أو ضمَّها بحيث يمكنها الخروج، فإن ضمَّها) أي: ضَمَّ البهائمَ من هي بيده ليلًا (فأخرجها غيره بغير إذنه، أو فتح) غيره (عليها بابها) فأتلفت شيئًا (فالضمان على مُخْرِجها، أو فاتحِ بابها) لأنه السبب، ولا ضمان على من كانت بيده؛ لعدم تفريطه. (ولو كان ما أتلفته) البهائم المُعارة، ونحوها ليلًا (لرَبِّها، ضَمِنه مستعير ونحوه) كمستأجر ومستودَع، إن فرط. (وإن لم يُفرِّط رَبُّها ونحوه) كمستأجرها ومستعيرها، بأن ضمَّها ليلًا بحيث لا يمكنها الخروج، فخرجت، فأتلفت شيئًا (فلا ضمان) لعدم تفريطه. (ولا يضمن) ربُّها ومستعيرها ونحوه (ما أفسدت من ذلك) أي: من زرع، أو شجر، أو غيرهما (نهارًا) للحديث السابق (إذا لم تكن يد أحد عليها، سواء أرسلها بقرب ما تفسده، أو لا) لعموم الحديث السابق. قال القاضي: هذه المسألة محمولة على المواضع التي فيها مزارع ومراعي، فأما القرى العامرة التي لا مرعى فيها إلا بين مراحين، كساقية، وطرق زرع، فليس له إرسالها بغير حافظ، فإن فعل لزمه الضمان؛ لتفريطه. (وإن كان عليها) أي: البهيمة (يد) كقائد (ضَمِن صاحب اليد) ما أفسدت من زرع وشجر، وغيرهما، ولو نهارًا. (قال الحارثي: لو جرت عادة بعض) أهل (النواحي بربطها نهارًا، وإرسالها) ليلًا (وحفظ الزرع ليلًا، فالحكم كذلك) أي: إنه يضمن رَبُّها ونحوه ما أفسدت ليلًا - إن فرَّط - لا نهارًا (لأن هذا) العُرف (نادر، فلا

стр. 4193

يُعتبر به في التخصيص) أي: تخصيص الحديث السابق. (ولو ادَّعى صاحب الزرع أن غنم فلان نَفَشَتْ) أي: رعت (فيه) أي: في زرعه (ليلًا، ووُجِد في الزرع أثر غنم، ولم يكن هناك غنم لغيره، قُضي بالضمان) على صاحب الغنم، عملًا بالقرينة، وعبارة "المنتهى": "ومن ادَّعى أن بهائم فلان" فلا تختص المسألة بالغنم. (قال الشيخ) تقي الدين (١): (هذا من القيافة في الأموال. وجَعَلَها) أي: القيافة (معتبرة) في الأموال (كالقيافة في الإنسان (٢). ويضمن غاصبُها) أي: البهائم (ما أفسدت ليلًا ونهارًا) فرَّط، أو لم يفرط، كانت يده عليها أو لا؛ لتعديه بإمساكها. (ومن طرد دابَّة من مزرعته، لم يضمن) ما أفسدته من مزرعة غيره (إلا أن يُدخِلَها مزرعةَ غيره) فيضمن ما أفسدت منها؛ لتسببه. (وإن اتصلت المزارع) لم يطردها؛ لأن ذلك تسليط على زرع غيره، و (صَبَر ليرجع على رَبِّها) بقيمة ما تأكله، حيث لا يمكنه منعها إلا بتسليطها على مال غيره. (ولو قدر أن يخرجَها) من مزرعته (وله مُنصَرَف غير المزارع) يخرجها منه (فتركها) في مزرعته (فـ) ــما أفسدت منها (هدر) لا ضمان على رَبِّها فيه؛ لأن رَبَّ الزرع هو المُفرِّط إذًا. (والحطبُ على الدابة إذا خرق ثوبَ آدمي بصير عاقل، يجد

стр. 4194

منحَرَفًا) أي: موضعًا يتحول إليه (فـ) ــالخرق (هدر) لا يضمنه الحَطَّاب؛ لتقصير رَبِّ الثوب بعدم الانحراف. قلت: وقياسه لو جرحه ونحوه. وكالحطب حديد ونحوه. (وكذا لو كان) صاحب الثوب (مستدبرًا، فصاح به) حامل الحطب (منبهًا له) ووجد منحرفًا، ولم ينحرف، فخُرِق ثوبه، فهدر. قلت: وكالمستدبر: الأعمى إذا صاح عليه منبِّهًا له بالانحراف لموضع يمكنه الانحراف إليه ولم يفعل (وإلا) بأن لم يجد منحرفًا وهو مستقبل له، أو لم ينبهه وهو مستدبر (ضَمِنه) أي: خرق الثوب (فيهما) حامل الحطب، فيغرم أرشه. (ومن صال) أي: وَثَب (عليه آدمي) صغير أو كبير، عاقل أو مجنون؛ قاله الحارثي (أو غيره) من البهائم والطيور (فقتله) المصول عليه (دفعًا عن نفسه، لم يضمنه) إن لم يندفع بغير القتل؛ لأنه قتله لدفع شره، فكأن الصائل قتل نفسه. (ولو دفعه) أي: دفع إنسان الصائل (عن غيره، غير ولده) أي: القاتل (ونسائه) كزوجته، وأُمه، وأخته، وعمته، وخالته (بالقتل) متعلق بـ "دفعه"، (ضمنه). قال في القاعدة السابعة والعشرين (١): لو دفع صائلًا عليه بالقتل، لم يضمنه، ولو دفعه عن غيره بالقتل، ضَمِنه؛ ذكره القاضي. وفي "الفتاوى الرجبيات" عن ابن عقيل، وابن الزاغوني: لا ضمان عليه - أيضًا -. انتهى. فما ذكره المصنف توسط بين القولين. قال الحارثي:

стр. 4195

وعن أحمد (١) رواية بالمنع من قتال اللصوص في الفتنة، فيترتب عليه وجوب الضمان بالقتل؛ لأنه ممنوع منه إذًا. وهذا لا عمل عليه. انتهى. قال في "الإنصاف": أما ورود الرواية بذلك فمُسلَّم، وأما وجوب الضمان بالقتل، ففي النفس منه شيء. (ويأتي) ذلك (في) باب (حَدِّ المحاربين) بأوضح من هذا. (وإذا عُرفت البهيمة بالصَّوْل وجب على مالكها، و) على (الإمام، و) على (غيره) ممن يقدر على إتلافها (إتلافها إذا صالت) وقوله (على وجه المعروف) متعلق بـ "إتلافها"، أي: وجب إتلافها على وجه لا تعذيب فيه لها؛ لحديث: "إذا قتلتم فأحسنوا القِتلةَ" (٢)، أو أن هذا القتل من المعروف، فلذلك لم يختص به ربُّها، بل خوطب به كل أحد؛ لأن الأمر بالمعروف فرض كفاية. (ولا تُضمن) البهيمة المعروفة بالصَّول، إذا قُتلت حال صَوْلها؛ لأنها غير محترمة (كمرتد) وزانٍ محصن. (ولو حالت بهيمة بينه وبين ماله، ولم يصل إليه) أي: ماله (إلا بقتلها، فقتلها، لم يضمنـ) ــها؛ لعدم احترامها لصولها (٣). (وإن اصطدمت سفينتان) واقفتان، أو مُصْعِدَتان، أو مُنحدِرتان (فغرقتا، ضَمِن كلُّ واحدٍ منهما) أي: من القيِّمين (سفينة الآخر، وما فيها) من نفس ومال (إن فرَّط) لأن التلف حصل بسبب فعليهما، فوجب على كلٍّ منهما ضمان ما تلف بسبب فعله، كالفارسين إذا اصطدما.

стр. 4196

(وإن لم يُفرِّط) واحد منهما (فلا ضمان على واحد منهما) لعدم مباشرته التلف وتسببه فيه. (وإن فرَّط أحدُهما) دون الآخر (ضَمِن) المفرِّطُ (وحدَه) ما تلف بتفريطه؛ لتسببه في إتلافه. (و) إذا اختلفا في التفريط، فـ (ــالقول قول القيِّم - وهو الملَّاح - مع يمينه في غلبة الريح) إياه (وعدم التفريط) لأنه منكِرٌ، والأصل براءته. (والتفريط: أن يكون قادرًا على ضبطها، أو رَدّها عن الأخرى) فلم يفعل (أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى) لا صَدْمَ معها (فلم يفعل، أو لم يكمل) القيِّم (آلتها من الرجال والحبال وغيرهما (١)) كالمراسي، والأخشاب التي يحتاج إليها في حفظها. (ولو تعمَّدا) أي: القيمان (الصَّدْمَ فـ) ــهما (شريكان في) ضمان (إتلاف كل منهما) أي: من السفينتين (و) في ضمان إتلاف (مَن فيهما) أي: السفينتين، من الأنفس والأموال؛ لأنه تلفٌ حصل بفعلهما، فاشتركا في ضمانه، أشبه ما لو خرقاهما. وإن تلف بسبب ذلك آدميٌّ محترمٌ (فإن قَتَل غالبًا) ما وجِد من فعلهما (فـ) ــعليهما (القَوَد) بشرطه من المكافأة ونحوها؛ لأنهما تعمَّدا القتل بما يقتل غالبًا، أشبه ما لو ألقاه في لجَّة البحر، بحيث لا يمكنه التخلُّص، فغرق. (وإلَّا) بأن لم يقتل غالبًا، بأن فعلا قريبًا من الساحل (فـ) ــهو (شبه عمد) كما لو ألقاه في ماء قليل، فغرق به. (ولا يسقط فعل الصَّادم في حق نفسه مع عمد) أي: مع تعمدهما

стр. 4197

الصدم، بل يُعتدُّ به، فكل منهما شارك الآخر في قتل نفسه، فإن مات أحدهما، فليس لورثته إلا نصف ديته، وإن ماتا، وجب لكلٍّ منهما نصف ديته من تركة الآخر، فإن استويا، سقطا، وإلا فبقدر الأقل، ومفهومه: أنه يسقط مع خطأ، فتجب الدية كاملة على العاقلة. (وإن خرقها) أي: خرق السفينة إنسان (عمدًا، فغرقت بمن فيها) من الأنفس والأموال (وهو) أي: خرقه إياها (مما يُغرقها غالبًا، أو يهلك من فيها) غالبًا (لكونهم في اللُّجَّة، أو لعدم معرفتهم بالسباحة) وإن لم يكونوا في اللُّجة (فعليه) أي: الخارق لها (القصاص إن قتل) - بسبب ذلك - (من يجب القصاص بقتله) لأنه أهلكه بفعله (و) عليه - أيضًا - (ضمان السفينة) لرَبِّها، فيغرم قيمتها، إذا (١) تلفتْ، وأرش نقصها إن لم تتلف (بما) أي: مع ضمان ما (فيها، من مال أو نفس) من آدمي، أو حيوان محترم. (وإن كان) خرقها (خطأ) بأن كان بالسفينة محل يحتاج إلى الإصلاح، فقلع منه لوحًا ليصلحه، أو ليضع عوف في مكان لا يغرق به من فيها غالبًا، فغرقوا بسبب ذلك (عمل بمقتضاه) وكذا إن كان شبه عمد، بأن قلع اللوح من غير داع إلى قلعه، لكن في مكان قريب من الساحل لا يغرق به من فيها غالبًا، فغرق، فلا قصاص فيهما، لكن لكل منهما حكمه في الضمان، على ما يأتي تفصيله في الديات. (وإن كانت إحدى السفينتين واقفة، و) كانت (الأخرى سائرة) واصطدمتا، فغرقتا (ضمن قَيِّمُ) السفينة (السائرة) السفينةَ (الواقفة، إن فرَّط) بأن أمكنه ردها، ولم يفعل، أو لم يكمل آلتها من رجال وحبال،

стр. 4198

وغيرهما؛ لأن التلف حصل بتقصيره، أشبه ما لو نام وتركها سائرة بنفسها حتى صدمتها. وأما قيم الواقفة فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يوجد منه تعدٍّ ولا تفريط، أشبه النائم في الصحراء، إذا عثر به إنسان، فتلف (ويأتي إذا اصطدم نفسان في) كتاب (الديات) مفصلًا. (وإن كانت إحداهما مُنحدِرة) والأخرى مُصعِدة (فعلى صاحبها) أي: المنحدرة (ضمان المُصْعِدة) لأن المنحدرة تنحط على المصعدة من عُلْوٍ، فيكون ذلك سببًا لغرقها، ولا ضمان على قَيِّم المُصْعِدة، تنزيلًا للمُنحدرة منزلة السائرة، وللمُصعدة منزلة الواقفة (إلا أن يكون) قَيِّم المُنحدِرة (غلبه الريح) أو نحوه عن ضبطها (أو) إلا أن يكون (الماءُ شديد) اً وفي نسخة: الشديد (الجِرْيَة، فلم يقدر على ضبطها) فلا ضمان عليه؛ لأنه لا يدخل في وسعه، ولا يكلِّفُ الله نفسًا إلا وسعها؛ ولأن التلف يمكن استناده إلى الريح، أو شدة جريان الماء. قال الحارثي: وسواء فرَّط المُصْعِد في هذه الحالة، أو لا، على ما صَرَّح به في "الكافي"، وأطلقه الأصحاب وأحمد (١). وقال في "المغني": إن فرط المُصْعِد بأن أمكنه العدول بسفينته، والمُنحدِر غير قادر ولا مفرِّط، فالضمان على المصعِد؛ لأنه المفرّط. قال الحارثي: وهذا صريح في أن المصعِد يؤاخذ بتفريطه. (ولو أشرفت السفينة على الغرق، فـ) ــالواجب (على الركبان إلقاء بعض الأمتعة، حسب الحاجة) أي: يجب إلقاء ما تظن به النجاة من المتاع - ولو كله - دفعًا لأعظم المفسدتين بأخفِّهما؛ لأن حرمة الحيوان أعظم من حُرمة المتاع (ويحرم إلقاء الدواب) المحترمة (حيث أمكن

стр. 4199

التخفيف بالأمتعة) لما تقدم (وإن ألجأت الضرورة إلى إلقائها) أي: الدواب (جاز) إلقاؤها (صونًا للآدميين) لأنهم أعظم حرمة (والعبيدُ) في وجوب الحفظ (كالأحرار) لاستوائهم في الحرمة. (وإن تقاعدوا) حال الإشراف على الغرق (عن الإلقاء) عن المتاع، أو مع الدواب (مع الإمكان) ودعاء الضرورة إليه (أثموا) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١). (ولا يجب الضمان فيه) أي: فيما يلقيه من متاعه عند الإشراف على الغرق، فلا يضمنه له أحد. (ولو ألقى متاعَه ومتاعَ غيره) مع عدم امتناعه (فلا ضمان على أحد) من الملقي، أو غيره؛ لأنه محسن. (وإن امتنع) إنسان (من إلقاء متاعه، فللغير إلقاؤه من غير رضاه) لأنه قام عنه بواجب (ويضمنه) أي المتاع الملقى مع امتناع ربه (الملقي) له؛ لأنه أتلف مال الغير بغير رضاه (وتقدم بعض ذلك في الضمان (٢)) فليعاود. (ومن أتلف) مِزمارًا ونحوه، بأن حرقه، و (٣) ألقاه في نحو بحر (أو كسر مِزمارًا) بكسر الميم (أو طُنبورًا) بضم أوله (أو صَليبًا، أو) كسر (إناء ذهب، أو فضة) لم يضمنه، وأما إذا أتلفه، فإنه يضمنه بوزنه ذهبًا، أو فضة بلا صناعة، كما تقدم (٤). قال الحارثي: لا خلاف فيه. انتهى. والفرق بينه وبين آلة اللهو: أن الذهب والفضة لا يتبعان الصنعة،

стр. 4200

بل هما مقصودان عملًا، أو كسرًا. والخشب والرَّق يصيران تابعين للصناعة، فالصناعة في الذهب والفضة كالغناء في الآدمية؛ لأن الصناعة أقل من الأصل، والخشب والرَّق لا يبقى مقصودًا بنفسه، بل يتبع الصورة، أشار إليه ابن عقيل. (أو) كسر أو شق (إناء فيه خمر مأمور بإراقتها) - وهي ما عدا خمر الخلَّال، وخمر الذمي المستترة - لم يضمن إناءها تبعًا لها (ولو قدر على إراقتها بدونه) أي: بدون كسر الإناء أو شقه، لأمْرِه ﷺ بكسر دِنانها، رواه الترمذي (١). وأمر بشق زِقاقها. رواه

стр. 4201

أحمد (١). (أو) أتلف إنسانٌ (آلةَ لهوٍ) بكسر، أو حرق، أو غيرهما (ولو) كانت (مع صغير) وآلة اللهو (كعود وطبل) غير طبل حرب (و) كـ (ــدف بصنوج أو حِلَق) لم يضمنه، بخلاف دفٍّ لا حلق فيه ولا صنوج، وطبل حرب، فيضمنهما متلفهما؛ لإباحتهما (أو) كـ (ــنرد، أو شطرنج) قال في "الفروع": ظاهر كلام الأصحاب أن الشطرنج من آلة اللهو. قيل: بل هي من أعظمها، وقد عمَّ البلاء بها. (أو) أتلف بحرق أو غيره (آلة سحر، أو تعزيم، أو تنجيم، أو) أتلف (صور خيال، أو) أتلف (أوثانًا، أو خنزيرًا، أو) أتلف (كُتُبَ مبتدعة مضلة، أو) أتلف (كُتُبَ أكاذيب، أو سخائف لأهل الخلاعة والبطالة، أو) أتلف (كُتُبَ كُفْر) لم يضمنها؛ لعدم احترامها.

стр. 4202

(أو حرق مخزن خَمْرٍ) قال في "الهدي" (١): يجوز تحريق أماكن المعاصي وهدمها، كما حَرَّق ﷺ مسجد الضرار، وأمر بهدمه (٢). (أو) أتلف (كتابًا فيه أحاديث رديئة) أي: تفرَّد بها وَضَّاع، أو كَذَّاب. قال في "شرح المنتهى": وظاهره ولو كان معها غيرها. ويؤيد ذلك ما قاله في "الفنون": وهو أنه يجوز إعدام الآية من كتب المبتدعة، لأجل ما هي فيه، وإهانة لما وُضعت له، ولو أمكن تمييزها. (أو) كسر (حَليًا مُحرَّمًا على ذَكَرٍ لم يستعمله) أي: يتخذه (يصلح للنساء، لم يضمنه) لعدم احترامه، وأما إذا أتلفه، فقد تقدم (٣) أن مُحَرَّم الصناعة يُضمن بمثله وزنا، وتُلغى صناعته، قال في "الآداب الكبرى" (٤): ولا يجوز تخريق (٥) الثياب التي عليها الصور، ولا الرُّقوم التي تصلح بسطًا، ومضارج (٦)، وتداس، ولا كسر الحلي المُحرَّم على الرجال إن صَلَح للنساء، قال في موضع آخر: ولم يستعمله الرجال.

стр. 4203

(وإن تلفت حامل، أو) تلف (حملها، من ريح طبيخ عَلِم ربُّهُ ذلك عادةً، ضَمِن) ما تلف بسببه، فإن لم يعلمه عادة لها، فلا ضمان (١). قلت: ويُقبلِ قوله في عدم العلم؛ لأن الأصل براءته، لكن إن طلبتْ، وامتنع، ضَمِن؛ لأنه إنما يُعلم من قبلها. (قال الشيخ (٢): وللمظلوم الاستعانة بمخلوق) أي: في دفع الظلم (٣) عن نفسه (فـ) ــاستعانته (بخالقه أولى) من استعانته بالمخلوق (وله) أي: المظلوم (الدعاء بما آلمه) أي: بسبب ما آلمه (بقدر ما يوجبه ألم ظلمه). و (لا) يجوز له الدعاء (على من شتمه، أو أخذ ماله، بالكفر (٤)) لأنه فوق ما يوجبه ألم الظلم (٥). (ولو كذب) ظالمٌ (عليه) أي: على إنسان (لم يَفْتر) أي: لم يكذب (عليه) أي: الكاذب (بل يدعو الله في من يفتري عليه نظيره، وكذا إن أفسد) إنسان (عليه دِينه) فلا يفسد هو عليه دِينه، بل يدعو الله عليه في من يفسد عليه دِينه. هذا مقتضى التشبيه، والتورُّع عنه أَولى. (قال أحمد (٦): الدُّعاء قِصاصٌ، ومَن دعا على مَن ظلمه فما صَبَر،

стр. 4204

يريد أنه انتصر) لنفسه؛ لقوله ﷺ : "مَن دَعا على مَن ظلمهُ فقدِ انتصرَ" رواه الترمذي (١) عن عائشة. (ولمن صَبرَ) فلم ينتصر (وغَفَر) تجاوز (إنَّ ذلك) الصبر والتجاوز (لمن عَزْمِ الأمور) أي: معزوماتها، بمعنى المطلوبات شرعًا.

стр. 4205

باب الشفعة بإسكان الفاء، من الشَّفاعة، أي: الزيادة أو التقوية، أو من الشَّفْع وهو أحسنها، فإن الشَّفْع هو الزوج، والشفيع كان نصيبه منفردًا في ملكه، فبالشُّفعة ضم المبيع إلى ملكه فصار شفعًا، والشافع هو جاعل الوتر شفعًا، والشفيع فعيل بمعنى فاعل (١). وهي ثابتة بالسُّنة، فروى جابر أن النبي ﷺ : "قضى بالشُّفعة في كُلِّ ما لم يُقْسَمْ، فإذا وقعت الحُدودُ، وصُرفت الطُّرُقُ، فلا شُفعةَ" رواه أحمد والبخاري (٢). وحكى ابن المنذر (٣) الإجماع عليها. (وهي استحقاق الشريك) في ملك الرقبة، ولو مكاتَبًا (انتزاع حصة شريكة) إذا انتقلت إلى غيره (من يد من انتقلت) حصة الشريك (إليه، إن كان) المنتقل إليه (مثله) أي: الشفيع في الإسلام، أو الكفر (أو دونه) بأن كان الشفيع مسلمًا، والمشتري كافرًا، فإن كان بالعكس، فلا شُفعة - ويأتي - وقوله (بِعِوَض مالي) من متعلق بـ "انتقلت"، وقوله (بثَمَنه) أي: نصيب الشريك (الذي استقرَّ عليه العقد) متعلق بـ "انتزاع". فخرج بقوله: "الشريك" الجار، والموصى له بنفع دار، إذا باعها
следующие страницы →