← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

منه، ثم الثالث منهما (فالعهدة على المشتري) لأن الشُّفعة مستحَقة بعد الشراء وحصول الملك للمشتري، فكانت العهدة عليه، فـ (ــيرجع الثلاثة عليه، ولا يرجع أحدهم على الآخر) بشيء. (وإن أراد الثاني) عند قدومه في غيبة الثالث (الاقتصار على قَدْرِ حَقِّه، فله ذلك) لأنه اقتصر على بعض حَقِّه، وليس فيه تبعيض الصفقة على المشتري، والشفيع دخل على أن الشُّفعة تتبعَّض عليه (فإذا قدم الثالث، فله أن يأخذ ثلث ما في يد الثاني، وهو التسع، فيضمه إلى ما بيد الأول، وهو الثلثان، تصير سبعة أتساع، يقتسمانها) أي: الأول والثالث (نصفين، لكلِّ واحد منهما ثلث ونصف تسع، وللثاني تسعان، وتصح من ثمانية عشر) حاصلة من ضرب تسعة في اثنين، لكلِّ واحد من الأول والثالث سبعة سبعة، وللثاني أربعة؛ لأن الثاني ترك سدسًا كان له أخذه، وحقه منه ثلثاه، وهو التسع، فتوفَّر ذلك على شريكيه في الشُّفعة. (وإن كان المشتري شريكًا) لآخر غير البائع (فالشُّفعة بينه وبين الآخر) بحسب ملكيهما؛ لأنهما تساويا في الشركة فتساويا في الشُّفعة، كما لو اشتراه غير الشريك. والمعنى: أن المشتري يستقر ملكه على ما يقابل ما كان له، فلا ينتزع منه، وإلا؛ فلا شُفعة له على نفسه. (فإن ترك المشتري شُفعتَهُ ليوجب الكلَّ على شريكه، لم يلزمه) أي: الشريك (الأخذُ) أي: أخذ الكلِّ (ولم يصح إسقاطه) أي: الشريك المشتري لنصيبه (لملكه له بالشراء) واستقراره (فلا يسقط بإسقاطه) كالشفيعين إذا حضر أحدهما فأخذ الجميع، ثم حضر الآخر وطلب حَقَّه منها، فقال له الآخذ: خُذ الكلَّ أو دَعْهُ. (وإذا كانت دار بين اثنين، فباع أحدُهما نَصيبَه لأجنبيٍّ صفقتين،

стр. 4237

ثم علم شريكُه) ذلك (فله الأخذ بهما) أي: بالعقدين؛ لأنه شفيع فيهما (أو) الأخذ أيضًا (بأحدهما) أيهما كان؛ لأن كلًّا منهما بيع مستقل بنفسه وهو يستحقهما، فإذا أسقط البعضَ كان له ذلك، كما لو أسقط حقه من الكل. (فإن أخذ) الشفيع (بـ) ــالبيع (الثاني، شاركه مشترٍ في شُفعته) لأن ملك المشتري استقر في المبيع (١) الأول بإسقاط الشفيع حَقَّه منه، فصار شريكه، فيشاركه في البيع الثاني. (وإن أخذ) الشفيع (بـ) ــالبيع (الأول، لم يشاركه في شُفعته أحد) لأنه لم تسبق له شركة. (وإن أخذ) الشفيع (بهما) أي: بالبيعتين (لم يشاركه في شفعته الأول ولا الثاني) لأنه لم تسبق لهما شركة. هذا إذا تعددت العقود دون البائع والمشتري (وإن) تعددا دون العقد، بأن (اشترى اثنان) حق واحد صفقة واحدة (أو اشترى الواحد لنفسه، ولغيره بالوكالة) قلت: أو الولاية أو بهما، بأن كان وكيلًا لأحدهما، ووليًا على الآخر (حقَّ واحدٍ، فللشفيع أخذ حَقِّ أحدهما) لأن الصفقة مع اثنين بمنزلة عقدين، فيكون للشفيع الأخذ بهما وبأيهما شاء، وكذا إذا اشترى الواحد لنفسه وغيره؛ لتعدد من وقع له العقد. (وإن اشترى واحد حق اثنين) صفقةً واحدة (أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقةً واحدة والشريكُ واحدٌ، فللشفيع أخذُ أحدهما) أي: أحد الشِّقصين من أحد العقارين؛ لأن كلًّا منهما مستحَق بسبب غير الآخر، فجرى مجرى الشريكين؛ ولأن الشفيع قد يلحقه الضَّرر بأرض

стр. 4238

دون أرض (وإن شاء أخَذَهما) أي: الشِّقصين معًا. وإن كان الشريك متعدِّدًا، أخذوا الجميع وقسموا الثمن على القيمة، ولمن شاء أخْذُ حصته بقسطها، وافقه الآخر أو خالفه. (وإن باع اثنان نصيبهما من اثنين صفقةً واحدةً، فالتعدُّد واقعٌ من الطرفين) إذ البائع اثنان، والمشتري اثنان (والعقدُ واحد، وذلك) العقد (بمثابة أربع صفقات، فللشَّفيع أخذ الكلِّ، أو أخْذ نصفِه ورُبْعِه منهما، أو أخْذ نِصْفِه منهما) فيبقى لهما نصفه (أو أخْذ نصفِه من أحدِهما) ويبقى نصفه للآخر (أو أخذ رُبْعِه من أحدهما) فيبقى له رُبْعه وللآخر نصفه. وإن باع أحدُ الشركاء عن نفسه، وعن شريكه بطريق الوكالة، أو الولاية شقصًا من واحد، كان ذلك بمنزلة عقدين؛ لتعدُّد من وقع منه العقد، فللشفيع الأخذ بهما وبأحدهما أيهما شاء. (وإن باع) إنسان (شِقصًا وسيفًا) أو نحوه، مما لا شُفعة فيه (صفقةً واحدة) بثمن واحد (فللشَّفيع أخذ الشقص) بالشُّفعة (بحصته من الثمن) لأن ذلك العقد بمثابة عقدين؛ لتعدد المبيع (فيُقسَم الثمن على قيمتيهما) أي: الشقص والسيف، أو نحوه، فلو كانت قيمة الشِّقص ألفًا، وقيمة السيف - مثلًا - خمسمائة، وبيعا بألف ومائتين، أخذ الشفيعُ الشِّقصَ بثمانمائة. (ولا ثبت للمشتري خيار التفريق) في هذه الصُّور؛ لتعدُّد العقد معنىً. (وإن تلف بعض المبيع) المشفوع بأمرٍ سماوي، أو فعلِ آدمي (أو انهدم) بيت من الدار التي بيع منها الشقص (ولو بفعل الله) تعالى كالمطر (فله) أي: الشفيع (أخذ الباقي) من الشِّقص (بحصته من الثمن) أي: ثمن

стр. 4239

جمع الشِّقصِ، فلو كان الشِّقصُ المشفوع نصفًا من الدار، والبيت الذي انهدم منها نصف قيمتها، أخذ الشفيع الشقص فيما بقي من الدار بنصف ثمنه. (فإن كانت الأنقاض موجودة، أخذَها) الشفيع (مع العَرْصة) والباقي من البناء (بالحصة) أي: حصتهما (١) من الثمن. (وإن كانت) الأنقاض (معدومةً، أخَذ) الشفيع (العَرْصةَ وما بقي من البناء) بحصته من الثمن؛ لأنه تعذَّر عليه أخْذ كل المبيع بتلف بعضه، فجاز له أخْذ الباقي بحصته، كما لو تعذَّر عليه أخْذ الكل لكونه معه شفيع آخر. (فلو اشترى دارًا بألفٍ تساوي ألفين، فباع) المشتري (بابَها) فبقيت بألف (أو هدمها، فبقيت بألف، أخَذَها) الشفيع (بخمسمائة بالقيمة من الثمن، أي بالحصة من الثمن) والمراد بقوله: اشترى دارًا، أي: شِقصًا من دار، من إطلاق الكلِّ على البعض، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (٢). (ويُتصوَّر أن تكون الشُّفعة في دارٍ كاملة، بأن تكون دورُ جماعة مشتركةٌ، فيبيع أحدهم حصته من الجميع مُشاعًا، ويُظهرا في الثمن زيادةً تُترَك الشُّفعة لأجلها، ويُقاسَم بالمهايأة، فيحصُل للمشتري دار كاملة) ثم يتبين الحال فيأخذها الشفيع. (أو) بأن تكون دور (٣) جماعة مشتركة، فيبيع أحدهم حصته من

стр. 4240

الجميع مُشاعًا، و (يظهرا (١) انتقال الشِّقص من جميع الأملاك بالهبة، فيقاسم) المشتري شركاءه، فيحصُل له دار كاملة. (أو) بأن (يوكِّل الشريكُ وكيلًا في استيفاء حُقوقه ويسافر، فيبيع شريكُه حصتَه في الجميع) أي: جميع الدور المشتركة (فيرى الوكيل أن الحظَّ لموكِّله في ترك الشُّفعة، فلا يُطالب بها، ويقاسم) المشتري الوكيل (بالوكالة، فيحصُل للمشتري دارٌ كاملة، فهدَمها) أو باع بابها، فنقصت كما تقدم (ثم علم الشفيع مقدار الثمن بالبينة، أو بإقرار المشتري؛ ذكره في "المستوعب". ولو تعيَّب المبيعُ بعيب يُنقِص الثمنَ مع بقاء عينه) كما لو انشقَّ الحائط، أو تشعَّث الشجر، أو بارت الأرض (فليس له) أي: الشفيع (الأخذُ إلا بكلِّ الثمن، أو الترك) لأنه لم يذهب من المبيع شيء حتى ينقص من الثمن في مقابلته، وإسقاط بعض الثمن إضرار بالمشتري، والضرر لا يُزال بالضرر. فصل الشرط (الخامس) للأخذ بالشُّفعة: (أن يكون للشَّفيع ملكٌ للرَّقبة سابق) على البيع؛ لأن الشفعة ثبتت لدفع الضرر عن الشريك، فإذا لم يكن له ملك سابق، فلا ضرر عليه، فلا شُفعة (ولو) كان الشريك (مكاتَبًا) لصحة ملكه كغيره. فـ (ــلا) شُفعة بـ (ــملك منفعةٍ، كدار موصىً بنفعها، فباع الورثةُ نصفَها، فلا شُفعة للموصَى له) لأن المنفعة لا تؤخذ بالشُّفعة، فلا تجب بها.

стр. 4241

(ويُعتبر) للأخذ بالشُّفعة (ثبوتُ المِلك) للشفيع بالبينة، أو إقرار المشتري (فلا تكفي اليد) لأنها مرجِّحة فقط؛ عملًا بالظاهر، ولا تفيد الملك، كما يأتي في الدعاوى والبينات. (فإن لم يسبق) ملك (أحدهما، كشراء الاثنين دارًا صفقةً واحدة، فلا شُفعة لأحدهما على صاحبه) لأنه لا مزيَّة لأحدهما على الآخر؛ لاستوائهما في البيع في زمنٍ واحد. (وإن ادَّعى كلٌّ منهما) أي: الشريكين (السَّبْقَ، فتحالفا، أو) أقاما بينتين، و (تعارضت بينتاهما، فلا شُفعة لهما) أي: لأحدهما على الآخر؛ لأنه لم يثبت السبق لواحد منهما. (ولا شُفعة بشركة وقفٍ) فدارٌ نصفها وقفٌ ونصفها طِلْقٌ، وبِيْعَ الطِّلْقُ، لا شُفعة للموقوف عليه ولو معينًا (لأن ملكه غير تام) أشبه مالك المنفعة. فصل (وإن تصرَّف المشتري في) الشِّقص (المبيع قبل الطَّلب) أي: طلب الشفيع بالشُّفعة (بوقفٍ) متعلِّق بـ "تصرف" (على معيَّن) كأن وقفه على ولده، أو ولد زيد (أو لا) على معين (١)، بأن وقفه على مسجد كذا، أو على الفقراء، أو الغزاة ونحوهم (أو) تصرَّف في الشِّقص بـ (ــهِبة، أو صَدَقة) أو جعله عوضًا في عِتق، أو طلاق، أو خُلع، أو صُلح عن دَمِ عمدٍ، ونحوه مما لا شُفعة فيه ابتداء (سقطت الشُّفعة) لأن في الشفعة إضرارًا بالموقوف عليه، والموهوب له، والمُتَصدَّق عليه ونحوه؛ لأن

стр. 4242

ملكه يزول (١) عنه بغير عِوض؛ لأن الثمن إنما يأخذه المشتري، والضَّرر لا يُزال بالضرر. و (لا) تسقط الشُّفعة (برهنه) أي: رهن المشتري الشِّقص المشفوع (و) لا بـ (ــإجارته) لبقاء المؤجر والمرهون في ملك المشتري، وسبقِ تعلُّقِ حق الشفيع على حق المرتَهِن والمستأجر (وينفسخان) أي: الرهن والإجارة (بأخذه) أي: أخذ الشَّفيع الشَّقص المرهون، أو المؤجر بالشُّفعة من حين الأخذ؛ لأنهما يستندان إلى حال الشراء، ولسبق حَقِّه حقهما أيضًا. والفرق بين الأخذ بالشُّفعة والبيع: أن الشِّقص خرج من يد المشتري قهرًا عليه في الأخذ بالشفعة، بخلاف البيع. (ويَحرم) على المشتري تصرُّفه بعد الطلب (ولا يصح تصرُّفه بعد الطلب) لانتقال الملك إلى الشفيع بالطلب في الأصح، أو الحَجْر عليه به؛ لحقِّ الشفيع على مقابله. وإن نهى الشفيع المشتري عن التصرُّف، ولم يطالبه بها، لم يَصر المشتري ممنوعًا، بل تسقط الشُّفعة على قولنا: هي على الفور؛ ذكره القاضي في "خِلافه"، واقتصر عليه ابن رجب في القاعدة الثالثة والخمسين (٢). (ولو أوصى المشتري بالشِّقص، فإن أخذه الشَّفيعُ قبل القَبول، بطلت الوصية واستقرَّ الأخذ) للشفيع؛ لسبق حَقِّه على حقِّ الموصى له، والوصية قبل القَبول بعد الموت جائزة لا لازمة، فبطلت؛ لفوات

стр. 4243

الموصى به قبل لزومها. (وإن طلب) الشفيعُ الأخذَ بالشُّفعة قبل قَبول الوصية (ولم يأخذ بعد) الطلب حتى مات الموصي (بطلت الوصية أيضًا)، واستقرَّ الأخذ للشفيع، سواء قَبِلَ الموصى له الوصيةَ؛ أو لا؛ لأنه ملكه قبل لزوم الوصية ففاتت الوصية على الموصى له (ويدفع) الشَّفيع (الثمن إلى الورثة؛ لأنه ملكهم) إلى الأخذ. (وإن كان الموصى له قَبِل) الوصية بالشِّقص (قَبْل أخذ الشفيع) بالشُّفعة (أو) قبل (طَلَبه) بها، لزمت الوصية واستقرَّ (١) للموصى له، و (سقطت الشُّفعة) لأن في الشُّفعة إضرارًا بالموصى له؛ لأن ملكه يزول عنه بغير عِوض، وكما لو وهبه المشتري قبل الطلب. (وإن باع) المشتري الشِّقصَ قبل الطلب (فللشفيع الأخذ بـ) ــثمن (أيِّ البيْعين شاء) لأن سبب الشُّفعة الشراء، وقد وُجِدَ من كل منهما، ولأنه شفيع في العقدين. وعُلِم من ذلك: صحة تصرُّف المشتري في الشِّقص قبل الطلب؛ لأنه ملكه، وكون الشفيع له أن يتملَّكه لا يمنع من تصرُّفه فيه، كما لو كان أحدُ العوضين في البيع مَعيبًا؛ فإنه لا يمنع من التصرُّف في الآخر، وكالابن يتصرَّف في العين الموهوبة له، وإن جاز لأبيه الرجوع فيها. (ويرجع من أخذه منه) يعني من أخذ الشفيع الشِّقص ببيع قبل بيعه (٢) (على بائعه بما أعطاه) من الثمن؛ لأنه لم يسلم له المعوض.

стр. 4244

(فإن أخذ) الشفيع (بـ) ــالبيع (الأول، رجع) المشتري (الثاني على) المشتري (الأول) بما دفعه له من الثمن، وينفسخ البيع الثاني. (وإن كان ثَمَّ) مشترٍ (ثالث) بأن لم يعلم الشفيع حتى تبايع ثلاثة (فأكثر) وأخذ الشفيع بالبيع الأول (رجع) المشتري (الثاني على الأول، و) المشتري (الثالث على الثاني، وهلُمَّ جرًّا) وينفسخ ما بعد البيع الأول. وإن أخذ بالبيع الأخير، فلا رجوع، واستقرت العقود. وإن أخذ بالمتوسط، استقرَّ ما قبله، وانفسخ ما بعده. (وإن فُسِخَ البيع بعيبٍ في الشِّقص) المشفوع (أو إقالةٍ، أو تحالفٍ) لاختلاف في الثمن (ثم عَلِم الشفيع) بالبيع (فله الأخذ بها) أي: بالشُّفعة؛ لأن حَقَّه سابق على ذلك كله؛ لأنه ثبت بالبيع (فيُنْقَضُ فسخه) أي: ينقض فسخ البيع بتلك المذكورات إذا أخذ الشفيع بالشُّفعة. (ويأخذ) الشفيع الشِّقص (في) فسخ البيع بـ (ــالإقالة، و) فسخه بـ (ــالعيب) أي: عيب الشِّقص (بالثمن الذي وقع عليه العقد) لما يأتي. (و) يأخذ (في) الفسخ لأجل (التحالف بما حَلَف عليه البائع) لأن البائع مُقِرٌّ بالثمن الذي حلف عليه، ومُقِرٌّ للشفيع باستحقاق الشُّفعة بذلك، فإذا بطل حقُّ المشتري بإنكاره، لم يبطل حق الشفيع بذلك، فله أن يبطل فسخهما ويأخذ؛ لأن حقه أسبق. (وإن فسخ البائع) البيع (لعيبٍ في ثمنه) أي: ثمن الشِّقص المشفوع (المعيَّن) كما لو اشترى الشِّقص بعبد معيَّن ثم علم البائع عيبَه، وفسخ البيع (فإن كان) الفسخ (قبل الأخذ بالشُّفْعة، فلا شُفعة) لما فيها من الإضرار بالبائع بإسقاط حقِّه من الفسخ الذي استحقَّه بوجود العيب، والشُّفعة ثبتت لإزالة الضرر، والضرر لا يُزال بالضرر، ولأن حَقَّ البائع

стр. 4245

في الفسخ أسبق؛ لأنه استند إلى وجود العيب، وهو موجود حال البيع، والشُّفعة تثبت بالبيع، ويفارق ما إذا كان الشِّقص معيبًا؛ فإن حق المشتري إنما هو في استرجاع الثَّمن، وقد حصل له من الشفيع، فلا فائدة في الرَّد، وفي مسألتنا حق البائع في استرجاع الشَّقص، ولا يحصُل ذلك مع الأخذ بالشُّفعة. و (إلا) بأن كان الفسخ بعد الأخذ بالشُّفعة (استقرَّت) للشفيع؛ لأنه ملك الشِّقص بالأخذ، فلم يملك البائع إبطال ملكه، كما لو باعه المشتري لأجنبي. (وللبائع) إذا فسخ بعد أخذ الشَّفيع (إلزام المشتري بقيمة شِقصه) لأن الأخذَ بالشُّفعة بمنزلة تلف الشِّقص (ويتراجع المشتري والشفيع بما بين القيمة) أي: قيمة الشِّقص (والثمن) الذي وقع عليه العقد، وهو قيمة العبد؛ لأن الشفيع أخذه قبل الاطلاع على عيب العبدِ بقيمته؛ لأنه الثمن الذي وقع عليه العقد، وبعد الاطلاع على عيب العبد، وفسخ البيع، وتعذُّرِ رَدِّ الشقص، استقرَّ العقد على قيمة الشقص، والشفيع لا يلزمه إلا ما استقر عليه العقد، وللمشتري المطالبة بما أدَّاه زيادة عليه (فيرجع دافع الأكثر منهما) على الآخر (بالفضل) فإذا كانت قيمة الشِّقص مائة، وقيمة العبد الذي هو الثمن مائة وعشرين، وكان المشتري أخذ المائة والعشرين من الشفيع، رجع الشفيع عليه بالعشرين؛ لأن الشِّقص إنما استقر عليه بالمائة. (و لا يرجع شفيعٌ على مشترٍ بأرْشِ عيب في ثمن عَفَا عنه بائع) أي: لو أبرأ البائع مشتري الشِّقص من العيب الذي وجده بالعبد مثلًا، فلا رجوع للشفيع عليه بشيء؛ لأن البيع لازم من جهة المشتري، لا يملك

стр. 4246

فسخه، أشبه ما لو حطَّ البائع عنه بعض الثمن بعد لزوم العقد. وإن اختار البائع أخذ أرش العيب فله ذلك، ولا يرجع مشترٍ على شفيعٍ بشيء إن دفع إليه قيمة العبد سليمًا، وإلَّا؛ رجع عليه ببدل ما أدَّى من أرشه، وإن عاد الشقص - بعد فسخ العقد لعيب الثمن وأخذ الشفيع (١) - إلى ملك المشتري من الشفيع أو غيره، ببيع، أو هبة، أو إرث ونحوه، لم يملك البائع استرجاعه بمقتضى الفسخ السابق؛ لأن ملك المشتري زال عنه، وانقطع حقه منه إلى القيمة، فإذا أخذها لم يبقَ له حقٌّ. بخلاف غاصب تعذَّر عليه ردُّ مغصوبٍ، فأدَّى قيمته ثم قدر عليه؛ فإنه يرده ويسترجع القيمة؛ لأن ملك المغصوب منه لم يزل عنه. (وإن أخذ الشَّفيع الشِّقص) بالشفعة (ثم ظهر) أي: اطلع بالشقص (على عيب لم يعلماه) أي: المشتري والشفيع (فله) أي: الشفيع (ردُّه على المشتري، أو أخذ أرْشه) منه؛ لما تقدم من أن الأخذ بالشُّفعة في معنى البيع (و) يرجع (المشتري على البائع كذلك) أي: بالثمن، ويرد الشِّقص إن ردّه الشفيع عليه، أو يأخذ الأرش. (وأيهما) أي: أيُّ الشخصين من الشفيع والمشتري (علم به) أي: بالعيب عند العقد أو قبله (لم يَرُدَّه) أي: الشقص المعيب، ولم يطالب بأرْشٍ؛ لأنه دخل على بصيرة. (ولكن إذا علم الشفيع وحده، فلا ردَّ للمشتري) لخروج الشقص عن ملكه (وله) أي: المشتري (الأرْشُ) للعيب الذي لم يعلمه. (وإن ظهر الثمن المعين مستحَقًا، فالبيع باطل) لما تقدم في البيع

стр. 4247

(ولا شُفعة) لأنها إنما تثبت في عقد ينقل الملك إلى المشتري. فإن كان الشفيع قد أخذ بالشُّفعة، لزمه ردُّ ما أخذ (١) على البائع، ولا يثبت ذلك إلا ببينة، أو إقرار المتبايعين والشفيع، فإن أقرَّا وأنكر الشفيع، لم يُقبل قولهما عليه، وله الأخذ بالشفعة، ويرد البائع العبدَ لصاحبه، ويرجع على المشتري بقيمة الشِّقص، وإن أقرَّ الشفيع والمشتري دون البائع، لم تثبت الشُّفعة، ووجب على المشتري ردُّ قيمة العبد على صاحبه، ويبقى الشقص معه، يزعم أنه للبائع، والبائع يُنكره ويدَّعي عليه وجوبَ ردِّ العبد، فيشتري الشقص منه، ويتباريان. وإن أقرَّ الشفيع والبائع، وأنكر المشتري، وجب على البائع ردُّ العبد على صاحبه، ولم تثبت الشُّفعة، ولم يملك البائع مطالبة المشتري بشيء؛ لأن البيع صحيح في الظاهر، وقد أدَّى ثمنه الذي هو ملكه في الظاهر. وإن أقرَّ الشفيع وحده لم تثبتِ الشفعة، ولا يثبتُ شيءٌ من أحكام البطلان في حق المتبايعين. وإن كان اشترى الشِّقص بثمنٍ في ذمته، ثم نَقَدَ الثمن، فبان مُستحَقًّا، كانت الشُّفعة واجبة؛ لأن البيع صحيح، فإن تعذَّر قبض الثمن من المشتري لإعساره أو غيره، فللبائع فَسْخ البيع، ويُقدَّم حقُّ الشفيع، إذ بالأخذ بها يحصُل للمشتري ما يؤديه ثمنًا، فتزول عسرته، ويحصل الجمع بين الحقين؛ ذكره في "المغني" و"الشرح". (وإن ظهر بعضه) أي: بعض الثمن المعيَّن (مستحَقًّا، بطَل البيع فيه) أي: فيما ظهر مستحَقًّا، وما يقابله من الشِّقص فلا شُفعة فيه، وصَحَّ

стр. 4248

في الباقي، وتثبت فيه الشُّفعة. (وإن كان) الثمن (مكيلًا، أو موزونًا) أو معدودًا، أو مذروعًا (فتلِف قبل قبضه، بَطَل البيع) لما تقدم (وانتفت الشُّفعة) إن كان التلف قبل الأخذ بها؛ لأنه تعذَّر التسليم، فتعذَّر أيضًا (١) العقد، فلم تثبت الشُّفعة، كالفسخ بخيار (٢). (فإن كان الشفيع أخذ بالشُّفعة) قبل التَّلَف (لم يكن لأحدٍ استرداده) أي: الشِّقص؛ لاستقرار ملك الشَّفيع عليه، ويغرم مشتريه لبائعه قيمة المبيع، ويأخذ من الشفيع بدل ما وقع عليه العقد، وتقدم في البيع (٣). (ولو ارتدَّ المشتري، فقُتل أو مات) قبل عِلم الشفيع بالبيع (فللشفيع) إذا علم بالبيع (الأخذ) بالشُفعة (من بيت المال؛ لانتقال ماله) أي: المرتد (إليه) أي: إلى بيت المال؛ لأنها وجبت بالشراء، وانتقاله إلى المسلمين بقتله أو موته لا يمنع الشُّفعة، كما لو مات على الإسلام فورِثَه ورَثَتُه، أو صار ماله إلى بيت المال؛ لعدم ورثته (والمطالَب) بفتح اللام (بالشُّفعة وكيل بيت المال) لأنه نائب عن المسلمين الآيل إليهم الشِّقص. (و لا تصح الإقالة بين البائع والشفيع ؛ لأنه ليس بينه وبينه بيع، وإنما هو مشترٍ من المشتري) والإقالة إنما تكون بين المتبايعين، فإن باعه إياه، صحَّ؛ لأن العقار يجوز التصرف فيه قبل قبضه. (وإن استغله) أي: استغل المشتري الشِّقص قبل أخذ الشفيع

стр. 4249

بالشُّفعة (بأن أخذ ثمرته، أو أجرته، فهي له) أي: للمشتري (وليس للشَّفيع مطالبة المشتري بردِّها) لحديث: "الخَرَاجُ بالضَّمان" (١). (وإن أخَذَه) أي: الشِّقص (شفيع وفيه زَرْعٌ، أو ثمرة ظاهرة، أو) ثمرة (مؤبَّرة ونحوه) كلقطةٍ ظاهرة من باذنجان ونحوه (فهي) وفي نسخة: فهو. أي: الزرع والثمرة واللقطة الظاهرتان (لمشترٍ (٢)) لأنه ملكه (مبقًّى إلى أوان أخذه بحصاد، أو جذاذ، أو غيرهما) كلقاط (بلا أُجرة) لأنه زرعه في ملكه؛ ولأن أخذه بمنزلة بيع ثانٍ. (وإن نَمَا) الشِّقص (عنده) أي: المشتري (نماءً متصلًا، كشجر كَبِر، وطَلْعٍ لم يؤبَّر) يعني: يتشقق (تَبِعه) أي: الأصل (في عقد وفسخ) كالرد بعيب، فيأخذه الشفيع بزيادته. لا يُقال: فلِمَ لا يكون حكمه حكم الزوج، إذا طلَّق قبل الدُّخول؟ لأن الزوج يقدر على الرجوع بالقيمة، إذا فاته الرجوع في العين، وهنا يسقط حقه منها، إذا لم يرجع في الشِّقص، فافترقا. ولو كان الطَّلْعُ موجودًا حال الشراء غير مؤبَّر، ثم أُبِّرَ عند المشتري، فهو له - أيضًا - مبقًّى إلى أوان جذاذه، لكن يأخذ الشفيع الأرض والنخل بحصتهما من الثمن؛ لأنه فات عليه بعض ما شمله عقد الشراء، وهو الطلع الذي لم يؤبر حال العقد، فهو كما لو شمل الشراء الشقص وعَرْضًا معه. (وإن قاسَمَ المشتري وكيلَ الشفيع) في غيبة الشفيع (أو قاسَمَ)

стр. 4250

المشتري (الشفيعَ؛ لكونه أظهرَ له زيادةً في الثمن، أو) لكونه أظهر (أن الشِّقص موهوب له ونحوه) بأن أظهرَ بأن (١) الشراء لغيره (ثم غرس) المشتري (أو بنى) فيما خرج له بالقسمة (لم تَسْقط الشُّفعة) لأن الشفيع لم يترك الطَّلب بها إعراضًا عنها، بل لما أظهره المشتري. وكذا لو كان الشفيع غائبًا أو صغيرًا، وطالب المشتري الحاكمَ بالقسمة فقاسم، ثم قَدِم الغائب، وبلغ الصغير، فلهما الأخذ. (وللشفيع الأخذُ بها إذا عَلِم الحالَ، ويدفع قيمةَ الغراس أو (٢) البناء) لربهما (حين تقويمه) أي: الغراس والبناء. (وصفة تقويمه: أن الأرض تُقوَّم مغروسةً، أو مبنيَّة، ثم تقوَّم خاليةً) من الغراس، أو البناء (فيكون ما بينهما قيمةَ الغراس، أو البناء) لأن ذلك هو الذي زاد بالغراس، أو البناء (فيملكه) أي: الغراس أو البناء، الشفيعُ بما بين القيمتين (أو يقلعه) أي: الغراس، أو البناء، إن أحب (ويضمن نقصه من القيمة) المذكورة، وهي ما بين قيمة الأرض مغروسة أو مبنية، وبين قيمتها خالية (بالقَلْع) متعلق بـ "نقصه". وإن غرس المشتري، أو بنى مع الشفيع أو وكيله في المُشاع، ثم أخذه الشفيع، فالحكم في أخذ نصيبه من ذلك كالحكم في أخذ جميعه. (فإن اختار الشفيع أخذَه) أي: الغراس، أو البناء بقيمته (وأراد المشتري قَلْعه، فله) أي: المشتري (ذلك) أي: قلعه؛ لأنهما ملكه على انفراده (ولو مع ضرر) يلحق الأرض؛ لأنه لتخليص عين ماله مما كان حِين الوضع في ملكه (ولا يَضمن) مُشترٍ (نقصَ الأرض) بقلع غراسه، أو

стр. 4251

بنائه؛ لانتفاء عدوانه، فيخيَّر الشفيع بين أخذ الشِّقص ناقصًا بكل الثمن، أو تركه (ولا يلزمه) أي: المشتري (تسوية حفرها) إذا قلع غراسه أو بناءه؛ لعدم عدوانه (ولا يلزم الشفيع إذا أخذ الغراس، أو البناء دفع ما أنفقه) المشتري على الغراس (١) والبناء (سواء كان) ما أنفقه (أقلَّ من قيمته أو أكثرَ) منها، يل تلزمه قيمته فقط. (وإن حفر) المشتري (فيها) أي: البقعة المشفوعة (بئرًا) بعد المقاسمة - لما تقدم - أو حفرها مع الشفيع أو وكيله على ما تقدم تفصيله في البناء، ثم أخذ الشفيع بالشُّفعة (أخذها) أي: البئر (الشفيع) مع الشِّقص (ولزمه) أي: الشفيع للمشتري (أُجرةُ المِثْل لحفرها) لأن المشتري لم يتعدَّ بحفرها. (وإن باع شفيعٌ ملكه) من الأرض التي بيع منها الشِّقص المشفوع (أو) باع (بعضه) أي: بعض ملكه منها (قبل العلم) ببيع شريكه (لا بعده، لم تسقط شُفعته) لأنها تثبت له حين بيع شريكه، ولم يوجد منه ما يدلُّ على عفوه عنها، بخلاف ما لو باع بعد العلم (وللمشتري الشُّفعة فيما باعه الشَّفيع) سواء أخذ منه ما اشتراه بالشُّفعة أو لم يؤخذ؛ لأنه شريك في الرقبة، أشبه المالك الذي لم تستحق عليه شفعة. (وإن مات الشفيع) قبل الطلب بالشُّفعة مع القدرة، أو الإشهاد مع العذر (بَطَلت) شُفعته؛ لأنها نوع خيارٍ شُرع للتمليك، أشبه القَبول، فإنه لو مات من يريد القَبول بعد إيجاب صاحبه، لم يقم وارثه مقامه في القَبول؛ ولأنا لا نعلم بقاءه على الشُّفعة؛ لاحتمال رغبته عنها، ولا ينتقل إلى الورثة ما شكَّ في ثبوته.

стр. 4252

(وإن طالب) الشفيع بالشُّفعة قبل موته، أو أشهد مع العُذر أنه مطالب بها (فلا) سقوط بموته، بل تنتقل لورثته، خصوصًا على القول بأنه يملك الشِّقص بمجرد الطلب، وهو المذهب (وتكون) الشُّفعة (لورثته كُلِّهم) إذا مات بعد الطلب (على حسب ميراثهم) كسائر حقوقه (ولا فرق في الوارث بين ذوي الرحم) أي: الأقارب الوارثين بفرض، أو تعصيب، أو رحم (والزوج، والمَولى) وهو المعتِق، وعصبته المتعصبون بأنفسهم (وبيت المال، فيأخذ الإمام بها) أي: بالشُّفعة، إذا لم يكن هناك وارث خاص يستغرق بفرض، أو تعصيبٍ، أو ردٍّ، أو رحمٍ. (فإن ترك بعضُ الورثة حقَّه) من الشُّفعة (توفَّر الحقُّ على باقي الورثة، ولم يكن لهم أن يأخذوا إلَّا الكُلَّ، أو يتركوا) الكُلَّ؛ لأن في أخذ البعض وترك البعض إضرارًا بالمشتري، لكن على المذهب من أنَّ الشفيع يملك الشِّقص بالطلب، لا يتأتَّى العفو بعده، بل ينتقل الشِّقص إلى الورثة كلهم على حسب إرثهم، قهرًا عليهم، ويؤخذ ثمنه من التركة كسائر الديون. (وإذا بِيع شقصٌ له شفيعان، فعفا عنها) أي: الشُّفعة (أحدُهما، وطالب بها الآخر، ثم مات الطالب) للشُّفعة (١) (فورثه) الشريك (العافي) عن الشفعة (فله أخذ الشقص بها) أي: بالشُّفعة؛ لأن عفوه أولًا عن حقه الثابت بالبيع لا يسقط حقه المتجدد بالإرث، وإذا حققت النظر فالملك قد انتقل إلى الطالب بالطلب، ثم انتقل إلى وارثه وراثةً. فقوله: "فله الأخذ" إنما هو مجاراة للخصم، أو على القول الثاني أنه لا يملكه بالطلب، وإلا؛ فهو ينتقل إليه قهرًا.

стр. 4253

فصل (ويأخذ الشَّفيع الشِّقصَ) المشفوع (بلا حكم حاكم) لأنه حق ثبت بالإجماع (١)، فلم يفتقر إلى حكم حاكم، كالردِّ بالعيب (بمثل الثمن الذي استقرَّ عليه العقد) وقت لزومه (قَدْرًا وجنسًا وصفةً) لحديث جابر: "فهوَ أحقُّ به بالثَّمنِ" رواه أبو إسحاق الجُوزجاني في "المترجم" (٢)؛ ولأن الشفيع إنما يستحق الشقص بالبيع، فكان مستحقًّا له بالثمن كالمشتري. لا يقال: الشفيع استحقَّ أخذ الشقص بغير رضا مالكه، فكان ينبغي أن يأخذه بقيمته، كالمضطر إلى طعام غيره؛ لأن المضطر استحقَّه بسبب حاجته، فكان المرجع في بدله إلى قيمته، والشفيع استحقَّه بالبيع، فوجب أن يكون بالعِوض الثابت به (إن قَدر) الشفيع (عليه) أي: الثمن. (وإن طلب) الشفيع (الإمهال) لتحصيل الثمن (أُمهِلَ يومين أو ثلاثة) أيام؛ لأنها حدُّ جمع القِلَّة (فإذا مضت) الأيام الثلاثة (ولم يُحضِرْه) أي: يُحضِر الشفيع الثمن (فللمشتري الفسخُ) لأنه تعذَّر عليه الوصول إلى الثمن فملك الفسخ، كبائع بثمن حالٍّ (من غير حاكم) لأن الأخذ بالشُّفعة لا يقف على حكم حاكم، فلا يقف فسخ الأخذ بها عليه، كالردِّ بالعيب.

стр. 4254

وحيث تقرَّر أن الشفيع يأخذ الشِّقص بالثمن الذي استقرَّ عليه العقد (فإن كان) الثمن (مِثليًّا فـ) ــإن الشفيع يأخذه (بمثْله) أي: الثمن (وإلا) يكن الثمن مثليًّا (فـ) ــإن الشفيع يأخذه (بقيمته) أي: الثمن؛ لأنها بدله في القرض والإتلاف (وقت لزومه) أي: العقد؛ لأنه حين استحقاق الأخذ. (وإن دفع) المشتري لبائع (مكيلًا) كَبُرٍّ وزيتٍ (بوزنٍ، أخذ) من الشفيع (مثل كيله، كقرضٍ) أي: كما لو أقرضه مكيلًا بوزن، فإنه يسترد مثل كيله، اعتبارًا بمعياره الشرعي، وكذا عكسه. (وإن كان الثمن) عن الشِّقص المشفوع (عَرْضًا متقوَّمًا موجودًا، قُوِّم، وأعطى) الشفيعُ المشتريَ (قيمته) لأنها بدله، كما تقدم. (وإن كان) العَرْض المجعول ثمنًا (معدومًا، وتعذَّرت معرفته، كانت دعوى) المشتري (جَهْله) أي: جهل قيمته (كدعوا) هـ (جَهْل الثمن، على ما يأتي) أي: مقبولة منه بيمينه، وتسقط الشُّفعة حيث لا حيلة (فإن اختلفا) أي: الشفيع والمشتري (في قيمته) أي: قيمة العرض المجعول ثمنًا (والحالة هذه) أي: وهو معدوم (فقول مشترٍ) بيمينه؛ لأنه أعرف بما عقد عليه، ولأن الشِّقص ملكه، فلا ينزع منه بغير ما يدعيه بلا بينة. (وإن عجز) الشفيع (عن الثمن، أو) عجز (عن بعضه، سقطت شُفعته، كما تقدم. فلو أتى) الشفيع (برهن، أو ضَمينٍ) لم يلزم المشتري قَبولهما، ولو كان الرهن محرَزًا والضمين مليئًا؛ لما على المشتري من الضرر بتأخير الثمن، والشُّفعة شُرعت لدفع الضرر فلا تثبت معه (أو بذل) الشفيع (عرضًا عن الثمن) بأن كان نقدًا، فدفع عنه عَرْضًا (لم يلزم

стр. 4255

المشتري قَبوله) دفعًا لما عساه أن يتضرر به. (والأخذ بالشُّفعة نوعُ بيعٍ) كما تقدم (١)؛ لأنه تملك للشِّقصِ بثمنه (لكن لا خيار فيه) أي: في الأخذ بالشُّفعة؛ لأنه قهري (ولهذا) أي: لكونه نوع بيع (اعتُبر له) أي: لصحة الأخذ بالشُّفعة (العلم بالشِّقص) المأخوذ (و) العلم (بالثمن) المأخوذ به، كما يُعتبر في البيع العلم بالعوضين. (فلا يصح) الأخذ بالشُّفعة (مع جهالتهما) ولا مع جهالة أحدهما، هذا معنى ما قطع به في "المغني"، ومشى عليه في "الإنصاف"، وهو معنى ما قدَّمه في "الفروع" و"المبدع". وقال في "التنقيح": ولا تُعتبر رؤيته قبل تملُّكه، أي: الشِّقص. انتهى. وهو معنى ما جزم به في "المنتهى"، وهو معنى ما قدَّمه في "الفروع" عن "الترغيب" لكونه قهريًا، بخلاف البيع. (وله) أي: للشفيع (المطالبة بها) أي: بالشفعة (مع الجهالة) أي: جهالة الشِّقص والثمن (ثم يتعرف) مقدار الثمن من المشتري أو غيره، ويتعرَّف المبيع فيأخذه بثمنه. وظاهر عطفه بـ "ثم": أنه لا يُعتبر الفور للتعرُّف والأخذ؛ اكتفاءً بالمطالبة ولو مع الجهالة، وهو ظاهر ما تقدم أيضًا. (ولا يلزم المشتري تسليمُ الشِّقص) للشفيع (حتى يقبض الثمن) لأن الأخذ بالشُّفعة قهري، والبيع عن رضًا. (وإن أفلس الشفيع) بعد الأخذ بالشُّفعة (والثمن) كلُّه (في الذِّمة) أي ذمة الشفيع (خُيِّر مشترٍ بين فسخ) الأخذ بالشفعة (و) بين (ضَرْبٍ مع

стр. 4256

الغرماء بالثمن، كبائع) مع مشتر أفلس؛ لحديث: "مَنْ أدْركَ متاعَه عند مَنْ أفْلسَ فهو أحق به" وتقدم في الحجر (١). (وما يُزاد في الثَّمن) في مدة الخيار يلحق به (أو يُحَطُّ منه) أي: الثمن (في مدة الخيار) أي: خيار المجلس أو الشرط (يلحق به) أي: بالعقد؛ لأن زمن الخيار كحالة العقد. و (لا) يلحق به (ما) زيدَ، أو حُطَّ من الثمن (بعدها) أي: مدة الخيار؛ لأن الزيادة حينئذٍ هِبةٌ يُشترط لها شروطها، والنقصان إبراء، فلا يثبت شيء منهما في حق الشَّفيع؛ لكونه وجد بعد استقرار العقد، أشبه ما لو وهب أحدهما الآخر عينًا أخرى. (وإن كان الثمن) عن الشِّقص المشفوع (مؤجَّلًا، أخَذَه) أي: الشقص (الشفيعُ بالأجل، إن كان) الشفيع (مليئًا، وإلا) بأن كان معسِرًا (أقام) الشفيع (كفيلًا مليئًا) بالثمن (وأخذ) الشفيع الشِّقص (به) أي: بالثمن مؤجَّلًا؛ لأن الشفيع يستحق الأخذ بقَدْر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته، واعتُبرت الملاءة أو الكفيل، دفعًا لضرر المشتري (فلو لم يعلم) الشفيع بالبيع (حتى حلَّ) الثمن المؤجَّل (فـ) ــالثمن (كالحالِّ) أي: كما لو اشترى به حالًّا. (وإن اختلفا) أي: الشفيع والمشتري (في قَدْره) أي: الثمن، بأن قال المشتري: اشتريته بثلاثين، وقال الشفيع: بل بعشرين مثلًا (فالقول قول المشتري) مع يمينه؛ لأنه العاقد، فهو أعلم بالثمن؛ ولأن المبيع ملكه، فلا ينزع منه بدعوى مختلف فيه (إلا أن يكون للشفيع بيِّنة) والشفيع ليس بغارم؛ لأنه لا شيء عليه، وإنما يريد تملُّك الشِّقص بثمنه،

стр. 4257

بخلاف غاصبٍ ومتلِفٍ. (وإن أقام كلُّ واحد منهما بينة) بما ادَّعاه (قُدِّمت بيِّنة الشفيع) لأنها بمنزلة بينة الخارج. (ولا تُقبل شهادة البائع لواحدٍ منهما) أي: الشفيع أو المشتري؛ لأنه متَّهم، ويُقبل عدل وامرأتان، وشاهد ويمين (ويؤخذ بقول مشترٍ في جهله به) أي: بالثمن؛ لأنه أعلم بنفسه (فيحلف أنه لا يعلم قَدْره) أي: الثمن (ولا شُفعة) لأنه لا يمكن الأخذ بغير ثمن، ولا يمكن أن يدفع إليه ما لا يدعيه، إلا أن يفعل ذلك تحيُّلًا على إسقاطها، فلا تسقط. (فإن اتَّهمه) الشفيع (أنه) أي: المشتري (فعله حيلة) لإسقاط الشُّفعة (حلَّفه) أنه لم يفعله حيلة. (وإن وقع) ذلك (حيلة، دفع) الشفيع (إليه) أي: المشتري (١) مثل (ما أعطاه) للبائع إن علم (أو قيمة الشِّقص) إن تعذَّرت معرفة الثمن، وهذا معنى قوله: (فإن كان) الثمن (مجهولًا؛ كصُبْرة نَقْدٍ ونحوه) كصُبرة بُرٍّ، أو شعير (وجوهرة، دفع) الشفيع (مثله) أي: مثل المِثْلي (أو قيمته) أي: قيمة المتقوم إن علم ذلك (فإن تعذَّر) علمه لتلفه ونحوه (فـ) ــللشفيع الأخذ بـ (ــقيمة الشِّقص) حيث وقع ذلك حيلة (وتقدَّم بعضه) في الباب (٢). (وإن اختلفا) أي: الشفيع والمشتري (في الغراس والبناء) اللذين (في الشِّقص) المشفوع (فقال المشتري: أنا أحدثته، فأنكر الشفيع) وقال: بل اشتريتُهُ مغروسًا ومبنيًا (فقول المشتري) بيمينه؛ لأنه ملك

стр. 4258

المشتري، والشفيع يريد تملكه عليه، فلا يُقبل منه إلا ببينة، وإن أقاما بينتين قُدمت بينة شفيعٍ. (وإن قال المشترى: اشتريتُهُ بألفٍ. وأقام البائع بيِّنة أنه باعه بألفين؛ فللشفيع أخذه بألف) لأن المشتري مُقِرٌّ له باستحقاقه بألف، فلم يستحق الرجوع بأكثر. (فإن قال المشتري: غَلِطْتُ. أو: نَسِيتُ، أو: كذبتُ) والبينة صادقة (لم يقبل قوله) لأنه رجوع عن إقراره بحقٍّ لآدمي، فلم يُقبل، كما لو أقرَّ له بدين. (وإن ادَّعى) الشفيع (أنك) أيُّها الواضع يدك على الشِّقص (اشتريتَه بألف) فلي الشفعة، احتاج إلى تحرير الدعوى، فيحدد المكان الذي فيه الشقص، ويذكر قَدْر الشقص وثمنه، فإن اعترف، لَزِمه، وإن أنكر (فقال) واضع اليد: (بل اتهبتُه، أو ورثتُه) فلا شُفعة (فالقول قوله مع يمينه) أنه اتهبه، أو ورثه؛ لأن الأصل معه، والمثبت للشفعة البيعُ، ولم يتحقق. وإن قال: لا تستحق عليَّ شُفعة؛ فالقول قوله مع يمينه، وهي على حسب جوابه. (فإن نكل) المدَّعى عليه (عنها) أي: اليمين (أو قامت للشفيع بينة) بدعواه (فله أخذه) أي: الشِّقص بالشفعة؛ لأن البيع ثبت بالنكول؛ لقيامه مقام الإقرار، أو بالبينة، وإذا ثبت؛ تبعته حقوقه، والأخذ بالشُّفعة من حقوقه (و) حينئذ يعرض عليه الثمن، فإن أخذه دفع إليه، وإلا فـ (ــيبقى الثمن في يده) يعني: في ذمة الشفيع (إلى أن يدعيه المشتري) فيدفع إليه، وكذا لو ادَّعى الشفيع أن واضع اليد اشتراه، فأنكر وأقرَّ البائع، ويأتي.

стр. 4259

ولو ادَّعى شريك على حاضر بيده نصيبُ شريكِه الغائب: أنه اشتراه، وأنه يستحقه بالشفعة، فصدَّقه المدَّعى عليه؛ أخَذَه منه. وكذا لو ادَّعى الشريك على الحاضر أنه باع نصيب الغائب بإذنه، فقال: نعم. فإذا قدم الغائب فأنكر، حلف، وانتزع الشقص، وطالب بالأجرة من شاء منهما، وقرار الضمان على الشفيع. وإن أنكر واضع اليد أنه اشترى نصيبَ الغائب، وقال: بل أنا وكيل في حفظه، أو مستودَع، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكَلَ، احتمل أن يقضى عليه؛ لأنه لو أقرَّ لقضي عليه، واحتمل ألّا يقضى عليه؛ لأنه قضاء على غائب بلا بينة ولا إقرار؛ ذكره في "المغني" و"الشرح". فصل (ولا شُفعة في بيعٍ فيه خيارُ مجلسٍ، أو) خيار (شرطٍ، قبل انقضائه) أي: الخيار (سواءٌ كان الخيار لهما) أي: المتبايعين (أو لأحدهما) لما في الأخذ من إبطال خياره، وإلزام المشتري بالعقد قبل رضاه بالتزامه، وإيجاب العُهدة عليه، وتفويت حَقِّه من الرجوع في عين الثمن، إن كان الخيار له، وتفويت حقِّ البائع من الرجوع في عين المبيع، إن كان الخيار له. (وبيع المريض) ولو مرض الموت المَخُوف (كبيع الصحيح في الصحة) أي: في كون البيع صحيحًا (و) في (ثبوت الشُّفعة وغيرها) من الأحكام المترتِّبة على البيع؛ لأنه من مكلَّف رشيد، لكن في المحاباة تفصيل يأتى بيانه في عطية المريض (ويأخذ الشفيع الشِّقص) المشفوع (بما صحَّ البيع فيه) إذا كان فيه محاباة من المريض، على ما يأتي.

стр. 4260

(وإن أقرَّ بائع ببيع) شِقص مشفوع (وأنكر مشترٍ) شراءه (وجبت الشُّفعة بما قال البائع) من الثمن؛ لأن البائع أقرَّ بحقين: حقٍّ للشفيع، وحقٍّ للمشتري، فإذا سقط حقُّ المشتري بإنكاره ثبت حقُّ الشفيع، كما لو أقرَّ بدارٍ لرجُلين، فأنكر أحدهما (فيأخذ الشَّفيع الشِّقص منه) أي: من البائع (ويدفع) الشفيع (إليه الثمن، إن لم يكن) البائع (مقِرًّا بقبضه) من المشتري (وإن كان) البائع (مقِرًّا بقبضه) أي: الثمن (من المشتري بقي في ذِمَّة الشفيع إلى أن يدعيه المشتري، وليس للشفيع، ولا للبائع محاكمة المشتري ليثبت البيع في حَقِّه) لعدم الحاجة إليه؛ لوصول كل منهما إلى مقصوده بدون المحاكمة. (ومتى ادَّعى البائع) الثمنَ، دُفع إليه (أو) متى ادَّعى (المشتري الثمن، دُفع إليه؛ لأنه لأحدهما، وإن ادَّعياه) أي: الثمن (جميعًا، فأقرَّ المشتري بالبيع، وأنكر البائع القبضَ، فهو) أي: الثمن (للمشتري) فيأخذه من الشفيع، وطَلَبُ البائعِ حينئذٍ على المشتري بالثمن، ما لم يثبت دفعه إليه. (وعُهدَة الشَّفيع على المشتري) لأن الشفيع ملك الشقص من جهة المشتري، فهو كبائعه (وعُهدَة المشتري على البائع) لما ذكر (إلا إذا أقرَّ البائع وحدَه بالبيع) وأنكر المشتري الشراءَ، وأخذ الشفيع الشِّقص من البائع (فالعُهدَة عليه) أي: على البائع؛ لحصول الملك للشَّفيع من جهته؛ قاله الزركشي. والعمدة (١) في الأصل: كتاب الشراء (والمراد بالعُهدَة هنا: رجوعُ من انتقل الملك إليه) من شفيع، أو مشترٍ (على من انتقل عنه) الملك من بائع أو مشترٍ (بالثمن، أو الأرْشِ عند استحقاق

стр. 4261

الشِّقص أو عيبه) فإذا ظهر الشِّقص مستحقًّا، رجع الشفيع على المشتري بالثمن، ثم المشتري على البائع. وإن ظهر الشِّقص معيبًا، واختار الشفيع الإمساك مع الأرْش، رجع بالأرش على المشتري، ثم المشتري على البائع؛ لما تقدم. (فإن أبى المشتري قبض المبيع) ليسلّمه للشفيع (أجبره الحاكم عليه) أي: على قبض الشقص؛ لأن القبض واجب، ليحصُل حق المشتري من تسليمه، ومن شأن الحاكم أن يجبر الممتنع. (وإن ورث اثنان شِقصًا عن أبيهما) أو أمهما، أو أخيهما ونحوه (فباع أخدهما نصيبه) للآخر أو غيره (فالشُّفعة بين أخيه وشريك أبيه) أو أُمِّه، أو أخيه ونحوه؛ لأنهما شريكان حال ثبوت الشُّفعة، فكانت بينهما، كما لو تملكاها بسبب واحد، ولأنها تثبت لدفع ضرر الشريك الداخل على شركائه بسبب شركته، وهو موجود في حق الكل. وكذا لو اشترى اثنان نصفَ دار، ثم اشترى اثنان نصفها الآخر، أو ورثاه، أو اتَّهباه، أو وصل إليهما بسببٍ ما من أسباب الملك، فباع أحدهما نصيبه. وهذه المسائل وشبهها داخلة فيما سبق من قوله: "وهي بين شركاء على حسب أملاكهم". (ولا شُفعة لكافر حين البيع، أسلم بعدَ) البيع (أو لا) أي: لم يسلم (على مسلم) لقوله ﷺ : "لا شُفعةَ لنصراني" رواه الدارقطني في كتاب "العلل"، وأبو بكر (١)، وفي إسنادهما

стр. 4262

بابل (١) بن نجيح، عن سفيان الثوري، عن حميد، عن أنس. وبابل (١) ضعَّفه الدارقطني وابن عدي. ولأنه معنىً يختصُّ به العقار، أشبه الاستعلاء في البنيان. (وتجب) أي: تثبت الشُّفعة (فيما) أي: في شِقص مشفوع (ادَّعى شراءه لموليه) أي: محجوره؛ لأن الشُّفعة حق ثبت لإزالة الضَّرر، فاستوى فيه مطلق التصرُّف والمحجور عليه، ويقبل إقرار وليِّه به، كإقراره بعيب في مبيعه، وكذا ما ادَّعى أنه اشتراه لفلان الغائب، فإن الشُّفعة تثبت فيه، ويأخذه الحاكم ويدفعه للشفيع، والغائب على حجته إذا قدم. وأما لو أقرَّ المدَّعى عليه بمجرَّد الملك لمحجوره، أو موكّله

стр. 4263

الغائب، ثم أقرَّ بالشراء بعد ذلك، لم تثبت الشُّفعة حتى تقوم بالشراء بينة، أو يقدم الغائب، أو ينفك الحَجْر عن المحجور ويعترفا بالشراء؛ لأن الملك ثبت لهما بالإقرار، وإقراره بالشراء بعد ذلك إقرار في ملك غيره، فلم يُقبل، وإن لم يذكر سبب الملك لم يسأله الحاكم عنه، ولم يطالَب ببيانه؛ لأنه لا فائدة في الكشف عنه؛ ذكره في "المغني" و"الشرح". (و) تثبت الشُّفعة (للمسلِم) على الكافر؛ لعموم الأدلة؛ ولأنها إذا ثبتت على المسلم مع عظم حرمته، فلأن تثبت على الذِّمي مع دناءته أَولى. (و) تثبت الشُّفعة - أيضًا - (لكافرٍ على كافر) لاستوائهما كالمسلمين (ولو كان البائع) للشقص المشفوع (مسلمًا) لأن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري المساوي له لا من البائع. (ولو تبايع كافران بخمرٍ، أو خنزيرٍ) أو نحوهما (وتقابضا) قبل إسلامهما، أو ترافعهما إلينا (لم يُنقض البيع) وكذا سائر تصرُّفاتهم، ولا شُفعة؛ لأن الثمن ليس بمال، وتقدم (١). (ولا شُفعة لأهل البدع الغُلاة على مسلم) لما تقدَّم من أنه لا شُفعة لكافرٍ على مسلم، وأهل البدع الغلاة (كالمُعتقِد أنَّ جبربل غَلِط في الرسالة إلى النبي ﷺ ، وإنما أُرسل إلى عليٍّ، ونحوه) كمن يعتقد ألوهية علي؛ لأنها إذا لم تثبت للذمي الذي يقرُّ على كفره، فغيره أَولى. (وكذا حُكْمُ من حُكِمَ بكفره من الدُّعاة إلى القول بخلق القرآن) ونحوه. ويأتي في الشهادات قولهم - أي: الأصحاب (٢) -: ويكفر مجتهدهم الداعية.

стр. 4264

(وتثبت) الشُّفعة (لكلِّ من حكمنا بإسلامه منهم) أي: من أهل البدع (كالفاسق بالأفعال) من زنىً، ولواط، وشرب خمر، ونحوه. (و) تثبت الشُّفعة (لكلٍّ من البدوي) أي: ساكن البادية (والقروي) أي: ساكن القُرَى (على الآخر) لعموم الأدلة، واشتراكهما في المعنى المقتضي لوجوب الشُّفعة. (ولم يَرَ) الإمام (أحمد (١) في أرض السواد شُفعة) لأن عمر وقفها (وكذا الحكم في سائر الأرض التي وقفها عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (كأرض الشام، و) أرض (مصر، وغيرهما مما لم يقسم بين الغانمين) قال في "المغني" و"الشرح": (إلا أن يَحْكُم ببيعها حاكم، أو يفعله) أي: بيعها (الإمام أو نائبه، فتثبت) الشُّفعة (فيه) أي: فيما حكم به الحاكم أو (٢) باعه الإمام أو نائبه؛ لأنه مختلف فيه، وحكم الحاكم ينفذ فيه، وفعله كحكمه. قال الحارثي: ويخرَّج على القول بجواز الشراء ثبوت الشُّفعة؛ لأنها فرع منه. (ولا شُفعة لمضاربٍ على ربِّ المال إن ظهر رِبْحٌ) لأنه يصير له جزء من مال المضاربة، فلا تثبت له على نفسه. (وإلا) أي: وإن لم يظهر ربح (وجبت) الشُّفعة؛ لأنه أجنبي (وصورته: أن يكون للمضارب شِقصٌ في دار) تنقسم إجبارًا (فيشتري) المضارب (من مال المضاربة بقيتها) أي: الدار. (ولا) شُفعة أيضًا (لربِّ المال على مضارب، وصورته: أن يكون لربِّ المال شِقصٌ في دار، فيشتري المضارب من مال المضاربة بقيتها)

стр. 4265

لأن الملك لربِّ المال، فلا يستحق الشُّفعة على نفسه. (ولو بيع شقص) مشفوع من عقار (فيه شركة مال المضاربة، فللعامل الأخذ) أي: أخذ الشقص (بها) أي: بالشفعة للمضاربة (إذا كان الحظ فيها) أي: في الشُّفعة، أي: في الأخذ بها. كما لو كان ثمنه دون ثمن المِثل؛ لأنه بمظنة أن يربح. (فإن تركها) أي: ترك العامل الأخذ بالشُّفعة لرأي رآه من بيعه بأكثر من ثمن المِثْل ونحوه (فلربِّ المال الأخذ) بالشُّفعة؛ لأن مال المضاربة ملكه، والشركة في الحقيقة إنما هي له (ولا ينفذ عفو العامل) عن الشُّفعة؛ لأن الملك لغيره، أشبه العبد المأذون له في التجارة. (ولو باع المضارب من مال المضاربة شِقصًا) مشفوعًا (في شركة نفسه، لم يأخذ) أي: المضارب، الشِّقص (بالشُّفعة) من نفسه (لأنه) أي: المضارب (متَّهم) أشبه شراءه من نفسه. وتثبت الشُّفعة للسيد على المُكاتَب؛ لأن السيد لا يملك ما في يده ولا يزكِّيه، ولهذا جاز أن يشتري منه. بخلاف العبد المأذون له، وإن كان عليه دَيْن، فلا شُفعة لسيده عليه؛ لأنه لا يصح شراؤه منه؛ لأن ما بيده ملك لسيده، كما تقدم في آخر الحَجْر (١).

стр. 4266

باب الوديعة (وهي) فعيلة، من وَدَع الشيءَ إذا تَرَكه، إذ هي متروكة عند المودَع. وقيل: مشتقة من الدَّعَة، فكأنها عند المودَع غير مبتذلة للانتفاع. وقيل: من وَدَع الشيءُ إذا سكن، فكأنها ساكنة عند المودع. وشرعًا: (اسم للمال) أو المختص، ككلب الصيد (المودَع) بفتح الدال، أي: المدفوع إلى من يحفظه بلا عوض. فخرج بقيد "المال" أو "المختص" الكلب الذي لا يُقتنى، والخمر ونحوهما مما لا يُحترم، وبقيد "المدفوع" ما ألقته الريح إلى دار من نحو ثوب، وما أخذه بالتعدي. وبقيد "الحفظ" العارية، ونحوها، وبقيد "عدم العوض" الأجير على حفظ المال. وبما ذكرت تعلم ما في كلامه من القصور والدَّور. قال الأزهري (١): وسُميت وديعة بالهاء؛ لأنهم ذهبوا بها إلى الأمانة. انتهى. والإجماع في كل عصر على جوازها (٢)، وسنده قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣) مع السُّنة الشهيرة، منها قوله ﷺ : "أدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتَمنكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خَانكَ" رواه أبو داود والترمذي وحَسَّنه (٤). والمعنى يقتضيها لحاجة الناس إليها؛ لأنه يتعذَّر عليهم حفظ جميع أموالهم بأنفسهم.

стр. 4267

(والإيداع: توكيل) ربِّ المال جائز التصرُّف (في حفظه تبرُّعًا) من الحافظ. (والاستيداع: توكل) جائز التصرُّف (في حفظه) أي: حفظ مال غيره (كذلك) أي: تبرُّعًا (بغير تصرف) في المال المحفوظ. ومحترز تلك القيود عُلِم مما قَدَّمته. (ويكفي القبض قَبولًا) للوديعة، كالوكالة. (وقَبولها) أي: الوديعة (مستحبٌّ لمن يعلم من نفسه الأمانة) أي: أنه ثقة قادر على حفظها؛ لقوله ﷺ : "والله في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيه" (١) قال في "المبدع": ويُكره لغيره إلا برضا رَبِّها. انتهى. قلت: ولعلَّ المراد بعد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه؛ لئلا يغرّه. (وهي) أي: الوديعة بمعنى العقد (عقد جائز من الطرفين) لأنها نوع من الوكالة (فإن أذن المالك) للمدفوع إليه المال (في التصرُّف) أي: استعماله (ففعل) أي: استعمله حسب الإذن (صارت عارية مضمونة) كالرَّهن إذا أذِن ربُّه للمرتَهِن في استعماله، فإن لم يستعملها فهي أمانة؛ لأن الانتفاع غير مقصود، ولم يوجد، فوجب تغليب ما هو المقصود. (ويُشترط فيها) أي: الوديعة (أركان وكالة) أي: ما يُعتبر في الوكالة من البلوغ والعقل والرشد. (وتنفسخ) الوديعة (بموت) أحد العاقدين (وجنونـ) ــه (و) بـ (ــعزل مع علمه) بالعزل، فإن عزله ربُّها، ولم يعلم المودَع بذلك، لم ينعزل؛ لعدم الفائدة فيه، إذ المال بيده أمانة لا يتصرف فيه، بخلاف الوكيل. (وهي) أي: الوديعة (أمانة) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا

стр. 4268

فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) (لا ضمان عليه). أي: المودَع (فيها) أي: الوديعة؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن أُودِعَ وَدِيعةً، فلا ضَمان عليه" رواه ابن ماجه (٢)؛ ولأن المستودَع يحفظها لمالكها، فلو ضمنت؛ لامتنع الناس من الدخول فيها، وذلك مضرٌّ؛ لما فيه من مسيس الحاجة إليها. (إلا أن يتعدى) الوديع (أو يفرِّط) أي: يقصِّر في حفظ الوديعة فيضمنها؛ لأن المتعدي متلف لمال غيره، فضمنه، كما لو أتلفه من غير

стр. 4269

إيداع، والمفرِّط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها. (فإن عزل) الوديع (نفسه فـ) ــقد انعزل؛ لأنها جائزة، أشبه ما لو عزله ربها، و (هي) أي: الوديعة (بعده) أي: بعد عزله نفسه (أمانة، حكمها) ما دامت (في يده حكم الثوب الذي أطارته الريح إلى داره) لأنه لم يتعدَّ بوضع يده عليها، وإذن ربها له في حفظها بطل بعزله نفسه (يجب) عليه (ردُّه) إلى ربه فورًا مع التمكن؛ لعدم إذن ربه في بقائه بيده. (فإن تلف) المال المودَع عند الوديع بعد عزله نفسه، أو الثوب الذي أطارته الريح إلى داره (قبل التمكُّن من ردِّه، فهدر) لا ضمان فيه، وفهم منه: أنه إن تلف بعد تمكنه من ردِّه أنه يضمنه؛ لأنه متعدٍّ بإمساكه فوق ما يتمكن فيه من الرد. (وإن تلفت) الوديعة (ولو لم يذهب) أي: يتلف (معها شيء من ماله) أي: الوديع (لم يضمن) الوديع الوديعة؛ لعموم ما سبق، - وما روى سعيد: حدثنا هشيم، أخبرنا حميد الطويل، عن أنس أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه "ضَمَّنَهُ وديعةً ذهبَتْ مِنْ بينِ مالِهِ" (١) محمول على التفريط من أنس في حفظها، فلا منافاة - (إلا أن يتعدَّى) الوديع (أو يفرِّط في حفظها) أي: الوديعة فتتلف، فيضمنها؛ لما تقدم. (وإن شرط) رَبُّ الوديعة (عليه) أي: الوديع (ضمانها) أي:

стр. 4270

الوديعة، لم يصح الشرط، ولم يضمنها الوديع؛ لأنه شرط يُنافي مقتضى العقد، فلم يصح، وتقدم (١). (أو قال) الوديع: (أنا ضامن لها) أي: الوديعة (لم يضمن) ما تلف بغير تعدٍّ أو تفريط؛ لأن ضمان الأمانات غير صحيح، وتقدم (٢)، فلذلك قال: (وكذلك كلُّ ما أصله الأمانة) كالرهن، والعين المؤجرة، والموصى بنفعِها، ونحوها، لا يصح شرط ضمانها، ولا ضمانُها؛ لما تقدم. (ويلزمه) أي: الوديع (حفظها) أي: الوديعة (بنفسه أو وكيله، أو مَن يحفظ ماله عادة كزوجة وعبدٍ، كما يحفظ) الوديع (ماله في حِرْزِ مِثْلها عُرفًا، كحِرْز سرقة) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣). ولا يمكن ذلك إلا بالحفظ كما ذكر. قال في "الرعاية": من استودع شيئًا حفظه في حِرْز مثلِه عاجلًا مع القدرة، وإلا؛ ضمن (إن لم يُعيّن ربُّها حِرْزًا) فإن عيَّنه تعين هو أو مثله، ويأتي. (فإن لم يُحرِزها) الوديع (في حِرْز مِثْلها) مع عدم التعيين، ضَمِنها؛ لأنه مُفرِّط (أو سعى) الوديع (بها إلى ظالم، أو دَلَّ) الوديع (عليها لصًّا، فأخذها) اللصُّ (ضمنها) الوديع؛ لتعديه، أو تفريطه. (وإن وضعها) الوديع (في حِرْزِ مِثْلها، ثم نَقَلَها) الوديع (عنه إلى حِرْزِ مِثْلها، ولو كان) المنقول إليه (دون) الحِرْزِ (الأول، لم يضمن)

стр. 4271

الوديع الوديعة؛ لأن صاحبها رَدَّ حفظها إلى اجتهاده، ولم يحصُل منه تفريط. (ولو كانت العين) المقصود حفظها (في بيت صاحبها، فقال) صاحبها (لرجل - بأجرة أو) بـ (ــلا) أُجرة - (احفظْها في موضعها، فنقلها) المستحفظ (عنه) أي: عن موضعها (من غير خوف، ضَمِنها؛ لأنه ليس بمودَع) بفتح الدال (إنما هو وكيل في حفظها في موضعها) فهو متعدٍّ بنقلها؛ لأنه غير مأذون فيه (إلا أن يخاف) المستحفظ (عليها) التلف (فعليه إخراجها) لأنه من حفظها في هذه الحالة. (وإن عَيَّن صاحبها) أي: الوديعة (حِرْزًا، فجعلها) المودع (في) حِرْز (دونه، ضَمِن) الوديع (سواء رَدَّها) المودع (إليه) أي: إلى الحِرْز الذي عَيَّنه صاحبها (أو لا) لأنه خالفه في حِفظ ماله. (وإن أحرزها بمِثلْه) أي: بحِرْز مثل الذي عينه صاحبها في الحفظ (أو) بحِرْز (فوقه) أي: أحرز منه، كلبس خاتم في خنصر، فلبسه في بنصر لا عكسه (لم يضمن) الوديع (ولو) أخرجها (لغير حاجه) لأن تعيينه الحِرْز إذن فيما هو مثله، كمن اكترى لزرع حنطة، فله زرعها وزرع مثلها في الضرر، فما فوقه من باب أولى. (وإنْ نَهَاه) أي: نهى صاحبُ الوديعة المودَع (عن إخراجها، فأخرجها) الوديع (لغشيان نار، أو) غشيان (سيل، أو) غشيان (شيء الغالب منه التَّوَى) بالمثناة الفوقية، أي: الهلاك - (ويلزمه) أي: الوديع إخراج الوديعة (إذًا) أي: عند غشيان شيء الغالب منه الهلاك كالنهب - (لم يضمن) الوديع الوديعة، إن تلفت إذًا (إن وضعها) الوديع (في حِرْزِ مِثْلها، أو) في حِرْزٍ (فوقَه) لأن حِفْظها نقلها، وتركها يضيعها.

стр. 4272

(فإن تعذَّرا) أي: حِرْز مثلها وما فوقه، عند غشيان ما الغالب منه الهلاك (وأحرزها) الوديع (في دونه) في هذه الحال (فلا ضمان) على الوديع؛ لأن إحرازها به إذًا أحفظ لها مِن تَرْكها بمكانها، وليس في وسعه حينئذ سواه. (وإن تَرَكَها) أي: ترك الوديع الوديعة في الحِرْز الذي عَيَّنه رَبُّها مع غشيان ما الغالب منه الهلاك (فتَلِفت، ضمنـ) ــها الوديع (سواء تلفت بالأمر المخوف، أو غيره) لأنه مُفرِّط به. (وإن أخرجها) أي: الوديعة من المكان الذي عَيَّنه ربها، ونهاه عن إخراجها منه (لغير خوف - ويحرم إخراجها) إذًا - (ضَمِن) الوديع الوديعة (ولو) أخرجها (إلى حِرْز مثلها، أو) حِرْز (فوقه) لأنه خالف ربَّها لغير فائدة، فكان متعديًا بذلك، بخلاف ما إذا لم ينهه، كما تقدم قريبًا. وإذا أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها وتلفت، فادَّعى الوديع أنه أخرجها لغشيان شيء الغالب منه الهلاك، وأنكر صاحبها وجوده، فعلى الوديع البينة أنه كان في ذلك الموضع ما ادَّعاه؛ لأنه لا تتعذَّر إقامة البينة عليه؛ لظهوره، فإذا ثبت، قُبل قوله في التلف به بيمينه. (وإن) عيَّن ربُّ الوديعة حِرْزًا، و (قال) للوديع (لا تُخرِجْها) من ذلك الحِرْز (وإنْ خِفتَ عليها، فأخرجها عند الخوف) فتلفت، لم يضمنها؛ لأنه زيادة خير وحفظ (أو تركها) عند الخوف، فتلفت (لم يضمنـ) ــها الوديع؛ لأنه ممتثل أمر صاحبها، كما لو قال له: أتلِفْها، فأَتْلَفَها. والحكم في إخراجها من الخريطة (١)، أو الصندوق كالحكم في

стр. 4273

إخراجها من البيت فيما تقدم تفصيله. (وإن أودعه بهيمةً ولم يأمره) ربُّها (بعلْفِهَا، و) لا (سقْيها) لزمه ذلك؛ لأنه من كمال الحِفْظِ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العُرف يقتضي علْفها وسقْيها، فهو مأمور به عُرفًا (أو أمره) ربُّ البهيمة (بذلك) أي: بعلْفِهَا وسقْيها (لزمـ) ــه علفها وسقيها؛ لأنه من حفظها. (فإن لم يعلِفْها) الوديع، أو لم يسقها (حتى ماتت) البهيمة المودَعة جوعًا أو عطشًا (ضمنـ) ــها الوديع؛ لتفريطه في حفظها، وتعديه بترك ما أمر به عُرفًا، أو نطقًا (إلا أن ينهاه) أي: الوديعَ (المالكُ عن علفها) أو سقيها، فيتركه، فتتلف (فلا يضمن) الوديع؛ لأن مالكها أذنه في إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها (لكن يأثم) الوديع بترك علْفها وسقْيها حتى مع الأمر بتركهما؛ لحُرْمة الحيوان. (وإن قدر المستودَع على صاحبها) أي: البهيمة (أو) قدر على (وكيله، طالبه بالإنفاق عليها، أو) طالبه (بردِّها) أي: البهيمة (عليه) أي: على مالكها، أو وكيله (أو) طالبه بأن (يأذن له في الإنفاق عليها، ليرجع) الوديع (به) أي: بما أنفقه؛ لأن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، وهذه طريق (١) الوصول إليها منه. (فإن عجز) المستودَع (عن صاحبها، و) عجز عن (وكيله) أو لم يقدر على أن يتوصَّل إلى أحدهما ليطالبه بالإنفاق عليها، أو استردادها، أو أن يأذنه في النفقة (رفع) المستودَع (الأمرَ إلى الحاكم، فإن وجد) الحاكمُ (لصاحبهما مالًا أنفق عليها منه) لأن للحاكم ولاية مال الغائب (وإن لم يجد) الحاكمُ لصاحبها مالًا (فَعَلَ) الحاكم (ما يرى فيه الحظ)

стр. 4274

أي: ما يؤديه إليه اجتهاده أنه أحظ (لصاحبها، من بيعها) وحفظ ثمنها لربها (أو بيع بعضها وإنفاقه) أي: ثمن البعض (عليها) أي: على ما بقي منها (أو إجارتها) وينفق من أجرتها عليها، ويحفظ الباقي (أو الاستدانة على صاحبها، فيدفعه) أي: ما يستدينه الحاكم (إلى المودَع، أو) إلى أمين (غيره، فينفق) المدفوع إليه (عليها) منه بحسب الحاجة. (ويجوز) للحاكم (أن يأذن للمودَع أن ينفق عليها من ماله) ليرجع على ربها إذا جاء (ويكون المودَع) حينئذ (قابضًا من نفسه) لما ينفقه عليها (لنفسه) وتقدم نظيره في قبض المبيع (١) ونحوه (ويَكِلُ) أي: يفوِّض الحاكم (ذلك إلى اجتهاده) أي: المودَع (في قَدْر ما ينفق) على البهيمة المودَعة مع أمانته. قلت: والأحوط أن يُقَدِّر له ما ينفقه؛ قطعًا للنزاع بعد. (ويرجع) المستودَع (به) أي: بما أنفقه بإذن الحاكم (على صاحبها) لقيام إذن الحاكم مقام إذنه. (فإن اختلفا) أي: المودَع وربّها (في قَدْر النفقة) بأن قال المودَع: أنفقت عشرة، وقال ربُّها: بل ثمانية (فـ) ــالقول (قول المودَع) - بفتح الدال - بيمينه (إذا ادَّعى النفقة بالمعروف) لأنه أمين (وإن ادَّعى) المودَع (زيادة) عن النفقة بالمعروف، أو عمَّا قدَّره له الحاكم - إن قدر شيئًا - (لم تُقبل) دعواه لمنافاة العُرف لها. (وإن اختلفا) أي: ربّ البهيمة والمودَع (في قَدْر المدّة) أي: مدة الإنفاق، بأن قال ربُّها: أنفقت منذ سنة، فقال المستودَع: بل من سنتين (فقول صاحبها) بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذِمَّته مما ادَّعاه عليه من المدة

стр. 4275

الزائدة، وتقدم نظيره في ولي اليتيم (١). (وإذا أنفق) المستودَع (عليها بإذن حاكم، رجع به) أي: بما أنفقه؛ لما مرَّ. (وإن كان) المستودع أنفق (بغير إذنه) أي: الحاكم (مع تعذُّره) أي: إذن الحاكم، وغيبة رَبِّها، أو العجز عن استئذانه (٢) (وأشهد) المستودَعُ (على الإنفاق) أي: على أنه أنفق ليرجع (رجع) بما أنفقه على صاحبها؛ لقيامه عنه بواجب. (وإن كان) المستودَع أنفق على البهيمة (مع إمكان إذن الحاكم، ولم يستأذنْهُ) أي: الحاكم مع العجز عن استئذان رَبِّها (بل نوى الرُّجوع، لم يَرجِع) على صاحبها بشيء مما أنفقه، صححه هنا في "الإنصاف"، لعدم إذن رَبِّها أو من يقوم مقامه مع قُدرته عليه. (وقيل: يرجع) المستودَع بما أنفقه عليها على رَبِّها، إذا تعذَّر استئذانه، ولو لم يستأذن حاكمًا مع قُدرته ولم يُشْهِد (اختاره جمع) منهم ابن عبدوس في "تذكرته"، وجزم به في "المنتخب"، وصححه الحارثي، وصاحب "الرعاية الصغرى"، و"الحاوي الصغير"، و"الفائق". قال في "الإنصاف": وهو الصواب. انتهى. وجزم به المصنف وصاحب "المنتهى" وغيرهما في الرهن (٣)، وقطع به ابن رجب في القاعدة
следующие страницы →