الوديع الوديعة؛ لأن صاحبها رَدَّ حفظها إلى اجتهاده، ولم يحصُل منه تفريط.
(ولو كانت العين) المقصود حفظها (في بيت صاحبها، فقال) صاحبها (لرجل - بأجرة أو) بـ (ــلا) أُجرة - (احفظْها في موضعها، فنقلها) المستحفظ (عنه) أي: عن موضعها (من غير خوف، ضَمِنها؛ لأنه ليس بمودَع) بفتح الدال (إنما هو وكيل في حفظها في موضعها) فهو متعدٍّ بنقلها؛ لأنه غير مأذون فيه (إلا أن يخاف) المستحفظ (عليها) التلف (فعليه إخراجها) لأنه من حفظها في هذه الحالة.
(وإن عَيَّن صاحبها) أي: الوديعة (حِرْزًا، فجعلها) المودع (في) حِرْز (دونه، ضَمِن) الوديع (سواء رَدَّها) المودع (إليه) أي: إلى الحِرْز الذي عَيَّنه صاحبها (أو لا) لأنه خالفه في حِفظ ماله.
(وإن أحرزها بمِثلْه) أي: بحِرْز مثل الذي عينه صاحبها في الحفظ (أو) بحِرْز (فوقه) أي: أحرز منه، كلبس خاتم في خنصر، فلبسه في بنصر لا عكسه (لم يضمن) الوديع (ولو) أخرجها (لغير حاجه) لأن تعيينه الحِرْز إذن فيما هو مثله، كمن اكترى لزرع حنطة، فله زرعها وزرع مثلها في الضرر، فما فوقه من باب أولى.
(وإنْ نَهَاه) أي: نهى صاحبُ الوديعة المودَع (عن إخراجها، فأخرجها) الوديع (لغشيان نار، أو) غشيان (سيل، أو) غشيان (شيء الغالب منه التَّوَى) بالمثناة الفوقية، أي: الهلاك - (ويلزمه) أي: الوديع إخراج الوديعة (إذًا) أي: عند غشيان شيء الغالب منه الهلاك كالنهب - (لم يضمن) الوديع الوديعة، إن تلفت إذًا (إن وضعها) الوديع (في حِرْزِ مِثْلها، أو) في حِرْزٍ (فوقَه) لأن حِفْظها نقلها، وتركها يضيعها.
стр. 4272
(فإن تعذَّرا) أي: حِرْز مثلها وما فوقه، عند غشيان ما الغالب منه الهلاك (وأحرزها) الوديع (في دونه) في هذه الحال (فلا ضمان) على الوديع؛ لأن إحرازها به إذًا أحفظ لها مِن تَرْكها بمكانها، وليس في وسعه حينئذ سواه.
(وإن تَرَكَها) أي: ترك الوديع الوديعة في الحِرْز الذي عَيَّنه رَبُّها مع غشيان ما الغالب منه الهلاك (فتَلِفت، ضمنـ) ــها الوديع (سواء تلفت بالأمر المخوف، أو غيره) لأنه مُفرِّط به.
(وإن أخرجها) أي: الوديعة من المكان الذي عَيَّنه ربها، ونهاه عن إخراجها منه (لغير خوف - ويحرم إخراجها) إذًا - (ضَمِن) الوديع الوديعة (ولو) أخرجها (إلى حِرْز مثلها، أو) حِرْز (فوقه) لأنه خالف ربَّها لغير فائدة، فكان متعديًا بذلك، بخلاف ما إذا لم ينهه، كما تقدم قريبًا.
وإذا أخرج الوديعة المنهي عن إخراجها وتلفت، فادَّعى الوديع أنه أخرجها لغشيان شيء الغالب منه الهلاك، وأنكر صاحبها وجوده، فعلى الوديع البينة أنه كان في ذلك الموضع ما ادَّعاه؛ لأنه لا تتعذَّر إقامة البينة عليه؛ لظهوره، فإذا ثبت، قُبل قوله في التلف به بيمينه.
(وإن) عيَّن ربُّ الوديعة حِرْزًا، و (قال) للوديع (لا تُخرِجْها) من ذلك الحِرْز (وإنْ خِفتَ عليها، فأخرجها عند الخوف) فتلفت، لم يضمنها؛ لأنه زيادة خير وحفظ (أو تركها) عند الخوف، فتلفت (لم يضمنـ) ــها الوديع؛ لأنه ممتثل أمر صاحبها، كما لو قال له: أتلِفْها، فأَتْلَفَها. والحكم في إخراجها من الخريطة (١)، أو الصندوق كالحكم في
стр. 4273
إخراجها من البيت فيما تقدم تفصيله.
(وإن أودعه بهيمةً ولم يأمره) ربُّها (بعلْفِهَا، و) لا (سقْيها) لزمه ذلك؛ لأنه من كمال الحِفْظِ، بل هو الحفظ بعينه؛ لأن العُرف يقتضي علْفها وسقْيها، فهو مأمور به عُرفًا (أو أمره) ربُّ البهيمة (بذلك) أي: بعلْفِهَا وسقْيها (لزمـ) ــه علفها وسقيها؛ لأنه من حفظها.
(فإن لم يعلِفْها) الوديع، أو لم يسقها (حتى ماتت) البهيمة المودَعة جوعًا أو عطشًا (ضمنـ) ــها الوديع؛ لتفريطه في حفظها، وتعديه بترك ما أمر به عُرفًا، أو نطقًا (إلا أن ينهاه) أي: الوديعَ (المالكُ عن علفها) أو سقيها، فيتركه، فتتلف (فلا يضمن) الوديع؛ لأن مالكها أذنه في إتلافها، أشبه ما لو أمره بقتلها (لكن يأثم) الوديع بترك علْفها وسقْيها حتى مع الأمر بتركهما؛ لحُرْمة الحيوان.
(وإن قدر المستودَع على صاحبها) أي: البهيمة (أو) قدر على (وكيله، طالبه بالإنفاق عليها، أو) طالبه (بردِّها) أي: البهيمة (عليه) أي: على مالكها، أو وكيله (أو) طالبه بأن (يأذن له في الإنفاق عليها، ليرجع) الوديع (به) أي: بما أنفقه؛ لأن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، وهذه طريق (١) الوصول إليها منه.
(فإن عجز) المستودَع (عن صاحبها، و) عجز عن (وكيله) أو لم يقدر على أن يتوصَّل إلى أحدهما ليطالبه بالإنفاق عليها، أو استردادها، أو أن يأذنه في النفقة (رفع) المستودَع (الأمرَ إلى الحاكم، فإن وجد) الحاكمُ (لصاحبهما مالًا أنفق عليها منه) لأن للحاكم ولاية مال الغائب (وإن لم يجد) الحاكمُ لصاحبها مالًا (فَعَلَ) الحاكم (ما يرى فيه الحظ)
стр. 4274
أي: ما يؤديه إليه اجتهاده أنه أحظ (لصاحبها، من بيعها) وحفظ ثمنها لربها (أو بيع بعضها وإنفاقه) أي: ثمن البعض (عليها) أي: على ما بقي منها (أو إجارتها) وينفق من أجرتها عليها، ويحفظ الباقي (أو الاستدانة على صاحبها، فيدفعه) أي: ما يستدينه الحاكم (إلى المودَع، أو) إلى أمين (غيره، فينفق) المدفوع إليه (عليها) منه بحسب الحاجة.
(ويجوز) للحاكم (أن يأذن للمودَع أن ينفق عليها من ماله) ليرجع على ربها إذا جاء (ويكون المودَع) حينئذ (قابضًا من نفسه) لما ينفقه عليها (لنفسه) وتقدم نظيره في قبض المبيع (١) ونحوه (ويَكِلُ) أي: يفوِّض الحاكم (ذلك إلى اجتهاده) أي: المودَع (في قَدْر ما ينفق) على البهيمة المودَعة مع أمانته.
قلت: والأحوط أن يُقَدِّر له ما ينفقه؛ قطعًا للنزاع بعد.
(ويرجع) المستودَع (به) أي: بما أنفقه بإذن الحاكم (على صاحبها) لقيام إذن الحاكم مقام إذنه.
(فإن اختلفا) أي: المودَع وربّها (في قَدْر النفقة) بأن قال المودَع: أنفقت عشرة، وقال ربُّها: بل ثمانية (فـ) ــالقول (قول المودَع) - بفتح الدال - بيمينه (إذا ادَّعى النفقة بالمعروف) لأنه أمين (وإن ادَّعى) المودَع (زيادة) عن النفقة بالمعروف، أو عمَّا قدَّره له الحاكم - إن قدر شيئًا - (لم تُقبل) دعواه لمنافاة العُرف لها.
(وإن اختلفا) أي: ربّ البهيمة والمودَع (في قَدْر المدّة) أي: مدة الإنفاق، بأن قال ربُّها: أنفقت منذ سنة، فقال المستودَع: بل من سنتين (فقول صاحبها) بيمينه؛ لأن الأصل براءة ذِمَّته مما ادَّعاه عليه من المدة
стр. 4275
الزائدة، وتقدم نظيره في ولي اليتيم (١).
(وإذا أنفق) المستودَع (عليها بإذن حاكم، رجع به) أي: بما أنفقه؛ لما مرَّ.
(وإن كان) المستودع أنفق (بغير إذنه) أي: الحاكم (مع تعذُّره) أي: إذن الحاكم، وغيبة رَبِّها، أو العجز عن استئذانه (٢) (وأشهد) المستودَعُ (على الإنفاق) أي: على أنه أنفق ليرجع (رجع) بما أنفقه على صاحبها؛ لقيامه عنه بواجب.
(وإن كان) المستودَع أنفق على البهيمة (مع إمكان إذن الحاكم، ولم يستأذنْهُ) أي: الحاكم مع العجز عن استئذان رَبِّها (بل نوى الرُّجوع، لم يَرجِع) على صاحبها بشيء مما أنفقه، صححه هنا في "الإنصاف"، لعدم إذن رَبِّها أو من يقوم مقامه مع قُدرته عليه.
(وقيل: يرجع) المستودَع بما أنفقه عليها على رَبِّها، إذا تعذَّر استئذانه، ولو لم يستأذن حاكمًا مع قُدرته ولم يُشْهِد (اختاره جمع) منهم ابن عبدوس في "تذكرته"، وجزم به في "المنتخب"، وصححه الحارثي، وصاحب "الرعاية الصغرى"، و"الحاوي الصغير"، و"الفائق". قال في "الإنصاف": وهو الصواب. انتهى. وجزم به المصنف وصاحب "المنتهى" وغيرهما في الرهن (٣)، وقطع به ابن رجب في القاعدة
стр. 4276
الخامسة والسبعين (١) (وتقدم في الرهن (٢).
ومتى أودعه) إنسان وديعة (وأطلق) فلم يأمره بوضعها في شيء بعينه (فتركها) المستودَع (في جيبه) أي: إذا كان مزرورًا، أو ضيق الفم. فإن كان واسعًا، أو غير مزرور، ضَمِن؛ ذكره المجد في "شرحه" (أو) في (يده، أو شدَّها في كُمِّه، أو) شدَّها في (عضده، أو ترك) المستودَع (في كُمِّه) مودَعًا (ثقيلًا) بحيث يشعر به إذا سقط (بلا شَدٍّ) لم يضمنه، حيث لم يعين ربُّه حِرزًا؛ لجريان العادة به (أو تركها) أي: ترك المستودع الوديعة (في وسطه، وأحرز) أي: شد (عليها سراويله، لم يضمن) إن ضاعت؛ لأنه لا يعدُّ مفرِّطا. وفي "الفصول": إن تركها في رأسه، أو غرزها في عمامته، أو تحت قلنسوته، احتمل أنه حِرْز.
(وإن عَيَّن) رب الوديعة (جيبه) بأن قال للمستودَع: اجعلها في جيبك (ضَمِن) المستودَع الوديعة إن ضاعت وقد جعلها (في يده أو) في (كُمِّه) لأن الجيب أحرزُ، وربما نسي فسقطت من يده، أو كُمِّه، و (لا) يضمن في (عكسه) بأن عيّن يده أو كمه، فجعلها في جيبه؛ لأنه أحرز.
(وإن قال) ربُّ الوديعة للمستودَع: (اتركْها في كُمِّك، فتركها في يده) ضمنها؛ لأن اليد يسقط منها الشيء بالنسيان، بخلاف الكمِّ (أو عكسه) بأن قال: اتركها في يدك، فتركها في كمِّه (ضَمِن) لأن الكمَّ يتطرق إليه البطُّ (٣) بخلاف اليد، فكل منهما أدنى من الآخر من وجه، فضمن لمخالفته. وقال القاضي: اليد أحرز عند المغالبة، والكمُّ أحرز
стр. 4277
عند عدمها.
(كما) يضمن المستودَع (لو جاءه) ربُّ الوديعة (بها في السوق، وأمره) ربُّ الوديعة (بحفظها ببيته، فتركها) المستودَع (عنده إلى مضيه إلى منزله) أو فوق ما يمكنه الذهاب بها، فتلفت قبل أن يمضي بها إلى بيته؛ لأن البيت أحفظ، وتركها فوق ما يذهب بها تفريط.
(وإن أمره) ربُّ الوديعة (أن يجعلها في صندوق، وقال) رب الوديعة للمستودَع: (لا تقفل عليها) الصندوق (ولا تنم فوقها، فخالفه) وقفل عليها أو نام عليها، فلا ضمان عليه؛ لأنه محسن (أو قال) اجعلها في صندوق و (لا تقفل عليها إلا قفلًا واحدًا، فجعل عليها قفلين، فلا ضمان عليه) لما تقدم.
(وإن قال) ربُّ الوديعة: (اجعلها في هذا البيت، ولا تُدخِله أحدًا، فـ) ــجعلها في البيت، و (أدخل إليه قومًا، فسرقها أحدهم حال إدخالهم أو بعده، ضمنها) لأن الداخل ربما شاهد الوديعة في دخوله البيت، وعلم موضعها وطريق الوصول إليها، فسرقها.
وإن كان السارق من غيرهم، أو كان التلف بحرق أو غرق، ففي الضمان وجهان: أحدهما لا يضمن؛ اختاره القاضي، وقال في "المبدع": إنه أصح.
والثاني: يضمن؛ اختاره ابن عقيل والموفق، ومال إليه الشارح، وجزم به في "المنتهى" لمخالفته.
(وإن أودعه خاتمًا، وقال) ربُّه للمستودَع (اجعلْه في الخنصر، فلبسه) المستودَع (في البنصر، لم يضمن) الخاتم إن ضاع؛ لأن البنصر أغلظ، فهي أحرز (لكن إن انكسر) الخاتم (لغلظها) أي: البنصر،
стр. 4278
ضَمِن؛ لأنه أتلفه بما لم يأذن فيه مالكه (أو جعله) أي: الخاتم (في أنملتها) أي: البنصر (العليا، ضَمِن) لأنه أدنى من المأمور به. وعبارة "الإنصاف": وإن لم يدخل في جميعها، فجعله في بعضها، ضَمِن.
(وإن قال: اجعلْه في البنصر، فجعله في الخنصر) ضَمِن؛ لأنه دون المأمور به (أو) قال: اجعله في البنصر، فجعله (في الوسطى، ولم يدخل) الخاتم (في جميعها، ضمن) لما تقدم.
(ولو أمره) ربُّ الوديعة (أن يجعلها في منزله، فتركها) المستودَع (في ثيابه) ولو شدَّها فيها (وخرج بها، ضَمِنها) لأن البيت أحرز.
فصل
(وإن دفع) المستودَع (الوديعةَ إلى من يحفظ ماله) أي: المستودَع عادة (أو) دفعها إلى من يحفظ (مال ربّها عادة، كزوجته، وعبده، وخادمه ونحوهم) كخازنه (لم يضمن) المستودَع إن تلفت؛ لأنه قد وجب عليه حفظها، فله توليه بنفسه، وبمن يقوم مقامه، ولقيامهم مقام المالك في الرَّدِّ (كوكيل ربّها) وكما لو كانت الوديعة ماشية، فدفعها للراعي، أو لغلامه ليسقيها.
(ولو دفعها) أي: دفع المستودع الوديعة (إلى الشَّريك) أي: شريك رَبِّها في غيرها، أو فيها، أو دفعها المستودَع إلى شريكه نفسه (ضَمِن) المستودَع الوديعة إن تلفت (كالأجنبيّ المَحْض) الذي ليس بشريك، أما شريكا العِنان، فإن جاز إيداع أحدهما، فالظاهر أنه لا ضمان على المستودَع في الرد للآخر، على ما تقدم في الشركة (١)،
стр. 4279
والعين لاثنين إذا أودعاها، ليس للمستودع الرد على أحدهما إلا بإذن الآخر، فإن فعل، ضمن حصته.
(وله) أي: المستودع (الاستعانة بالأجانب في الحَمْل والنَّقل) أي: في حمل الوديعة، ونقلها من موضع إلى آخر حيث جاز، لجريان العادة به.
(و) له الاستعانة بالأجانب - أيضًا - في (سقي الدابة) المودَعة (وعلفها) لأن الإنسان يفعل ذلك في ماله، فكذا في الوديعة.
(وإن دفعها) أي: دفع المستودع الوديعة (إلى أجنبي) لعذر، لم يضمن (أو) دفع الوديعة إلى (حاكم لعُذر) كمن حضره الموت، أو أراد سفرًا، وخاف عليها (لم يضمن) لأنه لم يتعدَّ ولم يُفرِّط.
(وإلا) بأن دفعها لأجنبي، أو حاكم بلا عُذر (ضَمِن) المستودَع الوديعة لتعديه؛ لأن المستودَع ليس له أن يودِع بلا عُذر. قال في "المبدع": ولعله غير ظاهر في الحاكم. انتهى. وفيه نظر؛ إذ الحاكم لا ولاية له على مكلَّف رشيد حاضر.
(وللمالك) أي: مالك الوديعة (مطالبتُهُ) أي: المستودَع ببدل الوديعة؛ لأنه صار ضامنًا بنفس الدفع، والإعراض عن الحفظ (و) لمالك الوديعة - أيضًا - (مطالبة الثاني) وهو القابض من المستودَع؛ لأنه قبض ما ليس له قبضه، أشبه المودَع من الغاصب (ولو كان) الثاني (جاهلًا بالحال) بأن لم يعلم أنها وديعة لا عُذر للمستودَع في إيداعها (ويستقرُّ عليه) أي: الثاني (الضمان إن كان عالمًا) بأنها وديعة، لا عُذْرَ في إيداعها، فإن ضَمنه المالك ابتداء، لم يرجع على المستودع، وإن ضَمن المستودَع، رجع عليه؛ لأن التلف وجد في يده، ولا تغرير.
стр. 4280
(وإلا) يكن عالمًا بأنها وديعة لا عُذر في إيداعها (فلا) يستقر عليه الضمان بل على المستودَع، فإن ضَمن المالك المستودَع ابتداء، لم يرجع عليه، وإن ضَمنه رجع على المستودع، لأنه غرَّه.
(وإن أراد) المستودَع (سفرًا، أو خاف عليها عنده، فله) أي: المستودَع (رَدُّها على مالكها الحاضر، أو من يحفظ ماله عادة) كزوجته، وعبده، وخازنه (أو) رَدُّها إلى (وكيله) أي: وكيل ربِّ الوديعة (في قبضها، إن كان) لربِّها وكيل في قبضها، أو قبض حقوقه؛ لأن في ذلك تخليصًا له من دركها. ومقتضاه: أنه إذا دفعها إلى الحاكم إذًا يضمن؛ لأنه لا ولاية له على الحاضر، ويلزمه مؤنة الرد؛ لتعديه.
(وله) أي: المستودَع (السفر بها والحالة هذه) أي: وربها حاضر (إن لم يخف) المستودَع (عليها، أو كان) السفر (أحفظ لها) من إبقائها (ولم ينهه) رَبُّ الوديعة عن السفر بها. قال في "المبهج" و"الموجز": والغالب السلامة. فعلى هذا لا يضمنها إن تلف معه، سواء كان به ضرورة إلى السفر، أو لا؛ لأنه نقلها إلى موضع مأمون، فلم يضمنها، كما لو نقلها في البلد، وكأب ووصي، لا كمستأجر لحفظ شيء.
(وإن لم يجد من يردُّها عليه منهم) أي: من المالك، ومن يحفظ ماله، ووكيله (حمَلَها) المستودَع (معه في سفره، إن كان) السفر (أحفظ لها، ولم ينهه) ربُّها عن السفر بها (ولا ضمان) على المستودَع إذا سافر بها مع كونه أحفظ، ولم ينهه (وإلا) بأن كان السفر ليس أحفظ، ولو استوى الأمران (فلا) يسافر بها، فإن فعل، ضمن.
(وإن نهاه) أي: نهى رب الوديعة المستودع عن السفر بها (امتنع) عليه السفر بها (وضمن) إن سافر بها وتلفت؛ للمخالفة (إلا أن يكون
стр. 4281
السفر بها لعذر، كجلاء أهل البلد، أو هجوم عدو، أو حرق، أو غرق، فلا ضمان) عليه إذا سافر بها وتلفت؛ لأنه موضع حاجة، فإن تركها إذًا وتلفت، فمقتضى ما صححه في "الإنصاف": يضمن حيث ترك الأصلح.
(ولو أودع) ربُّ وديعة (مسافرًا، فسافر) أي: سافر المستودع (بها، وتلفت بالسفر، فلا ضمان عليه) لأن إيداع المالك في هذه الحالة يقتضي الإذن في السفر بالوديعة (فإن هجم قُطَّاع الطريق عليه) أي: على المسافر بوديعة حيث جاز له السفر بها (فألقى المتاع) المودَع (إخفاءً له، وضاع، فلا ضمان عليه) لأن هذا عادة الناس في حفظ أموالهم.
(فإن خاف) المستودَعُ (المقيمُ عليها) أي: الوديعة (إذا سافر بها، ولم يجد) المستودَع (مالكها) ولا من يحفظ ماله عادة (ولا وكيله) في قبضها (دفَعها) المستودَع (إلى الحاكم) المأمون؛ لأن في السفر بها غررًا؛ لأنه عُرضة للنهب وغيره؛ ولأن الحاكم يقوم مقام صاحبها عند غيبته. وظاهره: أنه إذا أودعها مع قدرته على الحاكم أنه يضمنها.
(فإن تعذَّر ذلك) أي: دفعها إلى الحاكم المأمون (أودعها) المستودَع (ثقةً) لفعله ﷺ "لمَّا أرادَ أنْ يُهاجِر، أوْدَعَ الودائعَ التي كانت عندهُ لأمِّ أيمنَ، وأمَرَ عليًّا ﵄ أن يَرُدَّها إلى أهلِها" (١) (أو
стр. 4282
دفَنها) أي: دفن المستودَع الوديعة (إن لم يضرها الدفن، وأعْلَم) المستودعُ (بها) أي: بالوديعة المدفونة (ثقةً يسكن تلك الدار) التي دفنها بها (فيكون) الدفن وإعلام الثقة الساكن (كإيداعه) لأن الحفظ يحصُل به.
(فإن دفَنها) المستودَع (ولم يُعْلِم بها أحدًا، أو) دفنها، و (أعلم بها غير ثقة، أو) أعلم بها (من لا يسكن الدار، ولو ثقة، ضَمِنها) لأنه فرَّط في الحفظ؛ لأنه إذا لم يُعلِم أحدًا قد يموت في سفره، أو يضل عن موضعها، فلا تصل لربِّها، وإذا أعلم غير ثقة، ربما أخذها، ومن لا يسكن الدار لا يتأتَّى حفظه ما فيها (١).
(وحكم من حضرته الوفاة) وعنده وديعة (حكمُ من أراد سفرًا، في دفْعها إلى الحاكم، أو ثقةٍ) أو دفنها، وإعلام ساكن ثقة إن لم يجد ربَّها، ولا من يحفظ ماله عادة، ولا وكيله؛ لأنه موضع حاجة.
(والودائع التي جُهل مُلَّاكها، يجوز) للمستودَع (أن يتصدَّق بها بدون) إذن (حاكم) وأن يدفعها التي الحاكم (وكذلك إن فُقِدَ مالكُها، ولم يطلع على خبره، وليس له ورثة) فيجوز للمستودَع أن يتصدَّق بالوديعة بنية غرمها، إذا عرفه أو عرف وارثه، وأن يدفعها للحاكم (وتقدم نظير ذلك في) باب (الغصب (٢)، و) في (آخر) باب (الرهن (٣)) مفصَّلًا (و) تقدم
стр. 4283
أيضًا (أنه يلزم الحاكم قَبول ذلك) أي: ما ذكر من الغصب والرهن والوديعة، وكذا نحوها (إذا دُفع إليه) أي: دفع ذلك إلى الحاكم من هو بيده، من غاصب ومرتهن ووديع ونحوهم.
(وإن تعدَّى) الوديع (فيها) أي: في الوديعة (بانتفاعه) بها (فركب) الوديع (الدَّابةَ) المودَعة (لغير نفعها) أي: علفها وسقيها (أو لبس الثوب) المودَع لا لخوف عُثٍّ (١) ونحوه (أو أخرجها لا لإصلاحها، كـ) ــأن أخرجها لـ (ـــإنفاقها، أو) أخرجها (ليخون فيها، أو) أخرجها (شهوة إلى رؤيتها، ثم ردَّها) إلى حِرْزها (بنِيَّة الأمانةِ) بطلت، وضَمِن؛ لتصرُّفه في مال غيره بغير إذنه (أو كسَر) الوديع (خَتْمَ كيسها) أي: الوديعة (أو كانت) الوديعة (مشدودةً، فحلَّ) الوديع (الشَّدَّ، أو) كانت (مصرورةً في خرقة، ففتح) الوديع (الصُّرَّةَ) أو مقفولةً فأزاله، ضَمِن سواء أخرج منها شيئًا، أو لا؛ لهتكه الحِرْزَ بفعل تعدَّى فيه (أو جَحَدها) أي: الوديعة (ثم أقَرَّ بها) ضَمِن؛ لأنه بجحدها خرج عن الاستئمان عنها، فلم يزل عنه الضمان بالإقرار بها؛ لأن يده صارت يد عدوان (أو منَعها بعد طلبِ طالبها شرعًا) بأن طلبها مالكها، أو وليه، أو وكيله الثابتة وكالته بالبينة (و) بعد (التمكُّن من دفعها) إلى ذلك الطالب، ضمن؛ لأن يده عادية إذًا بمنعها (أو خلَطَها بما لا تتميز منه) كزيت بزيت أو شيرج، ودراهم بدراهم.
(ولو كان التعدِّي) بشيء مما سبق (في إحدى عينين) مودَعتين وكان فعل ما تقدم (بغير إذنه) أي: المالك (بطلت) الوديعة (وضَمِن) المستودَع؛ لأنه صيَّرها في حكم التالف، وفوَّت على نفسه رَدَّها، أشبه
стр. 4284
ما لو ألقاها في بحر، وسواء خلطها بماله، أو مالِ غيرِه مثلها، أو دونها، أو أجود. وفي "الرعاية": إذا خلط إحدى وديعتي زيد بالأخرى بلا إذن، وتعذَّر التمييز، فوجهان (ويأتي بعضه) في الباب.
(ولا تعود وديعة) بعد التعدّي فيها بشيء مما سبق (إلا بعقد) وديعة (جديد) لبطلان الاستئمان بالعدوان.
(و) حيث بطلت الوديعة (وجب الردُّ فورًا) لأن يده صارت عادية كالغاصب.
(وإن خلطها غيرُه) أي: خلط الوديعة غير المستودَع، بما لا تتميز منه (فالضمان عليه) أي: الخالط دون المستودَع؛ لوجود العدوان من الخالط (ومتى جَدَّد) المستودَع (استئمانًا) برئ، فإن تلفت بعدُ، لم يضمن؛ لأنه لم يتعدَّ في الاستئمان الذي تلفت فيه، والأول قد زال (أو أبرأه) المالك (من الضمان) بتعديه (برئ) المستودَع، فلا يضمنها إن تلفت بعد؛ لأنه ممسكها بإذن ربِّها، وزال حكم التعدِّي بالبراءة.
(ولا يضمن) المستودَع (بمجرَّد نية التعدِّي) في الوديعة (إذا تلفت) الوديعة بلا تعدٍّ ولا تفريط، بخلاف ملتقطٍ نوى التملُّك. والفرق: أن الإيداع عقد، والنية ضعيفة فلا تُزيله، بخلاف الالتقاط.
(وإن خَلَطَها) أي: الوديعة مستودَع (بمتميِّز كدراهم بدنانير، أو دراهم بيض بسود) أو بُرٍّ بشعير أو عدس، لم يضمن؛ لإمكان التمييز، فلا يعجز بذلك عن ردِّها، فلم (١) يضمنها كما لو تركها في صندوق فيه أكياس له.
(أو اختلط) مودَع (غيرُ متميز) كبُرٍّ ببُرٍّ، أو دقيق بدقيق (بغير تفريط
стр. 4285
منه) فلا ضمان، فإن ضاع البعضُ، جعل من مال المودَع في ظاهر كلام أحمد (١)؛ ذكره المجد في "شرحه". وذكر القاضي في "الخلاف" أنهما يصيران شريكين، قال المجد: ولا يبعد على هذا أن يكون الهالك منهما؛ ذكره في القاعدة الثانية والعشرين (٢).
(أو ركب) المستودَع (الدَّابةَ) المودَعة (لعلْفها أو سقيها) لم يضمن؛ لأنه مأذون فيه عُرفًا.
(أو لبس) المستودَع (الثوبَ) من نحو صوف (خوفًا عليه من عُثٍّ) جمع عُثَّة - بضم المهملة -: سوسة تلحس الصوف (ونحوه) بأن كانت فُرُشًا ونحوها، ففرشها لخوفٍ من عُثٍّ، أو كانت آلة صناعة من خشب فاستعملها؛ لخوف من الأرَضة (لم يضمن) لأنه محسن.
(وإن أخذ) المستودَع (درهمًا) بلا إذن من وديعة غير مختومة، ولا مشدودة، ولا مصرورة (ثم رَدَّه) وتلف، ضمنه وحده (أو) أخذ منها درهمًا، ثم رَدَّ (بدله متميِّزًا) وضاعت، ضَمِنه وحده (أو أذِن) المالك (له) أي: المستودَع (في أخذِه) درهمًا (منها) فأخذه (ورَدَّ) المستودَع (بدلَه بلا إذن، فضاع الكُلُّ، ضَمِنه) أي: الدرهم المأخوذ (وحده) لأن الضمان تعلَّق بالأخذ، فلم يضمن غير ما أخذه؛ بدليل ما لو تلف في يده قبل رَدِّه.
(إلا أن تكون) الوديعة دراهم (مختومةً أو مشدودة أو مَصْرورة) فإن كانت كذلك، ضمن الجميع؛ لهتك الحِرْزِ بغير إذن رَبِّه (أو) إلا إن (رَدَّ بدلَه غير متميِّز وضاعت الوديعة (فيضمنُ الجميعَ) لخلطه الوديعة بما لا
стр. 4286
تتميز منه (كما لو لم يَدْرِ أيُّهما ضاع) بأن ضاع درهم مثلًا، ولم يدرِ أهو المردود، أو غيره من الوديعة، فيضمنه؛ لأن الأصل عدم براءته.
(ولو خرق) المستودَع (الكيس) المشدود على دراهم ونحوها (من فوق الشدِّ، لم يضمن إلا الخرق) لأنه لم يهتك الحِرْز.
(و) بخرق الكيس (مِن تحته) أي: الشدِّ (يضمن أرْشَه) أي: الخرق (و) يضمن (ما فيه) من دراهم ونحوها إن ضاعت؛ لهتكه الحِرْزَ.
(وأن أودعه صغيرٌ مميِّزٌ، أو لا، وديعةً) أو أودعه مجنونٌ، أو محجورٌ عليه لسفهٍ، وديعة (فتلفت) عند المستودَع، ولو بلا تعدٍّ ولا تفريط (ضَمِنها) المستودَع؛ لأنه أخذ مال غيره بغير إذن شرعي، أشبه ما لو غصبه (ولا يبرأ) المستودَع من صغير ونحوه (إلا بالتسليم إلى وليِّه) كدَيْنه، وتقدم في الحَجْر (١) (إلا أن يكون) المحجور عليه لِحَظِّه (مميزًا مأذونًا) له في الإيداع (أو يخاف) الآخذ لما معه (هلاكَها معه، فيأخذها لحفظها) حتى يُسلِّمها لوليه (حِسْبة، فلا) ضمان عليه (كالمال الضائع، والموجود في مَهْلكة، إذا أخذه لذلك) أي: ليحفظه لربه (وتلف) قبل التمكُّن من ردِّه.
(وكذا لو أخذ) إنسان (المال من الغاصب تخليصًا) له (ليردَّه إلى مالكه) فتلف قبل التمكُّن، لم يضمنه؛ لأنه محسن.
(وإن أودع) جائزُ التصرُّف (الصغيرَ) وديعةً (ولو) كان المستودَع الصغير (قِنًّا، أو) أودع جائزُ التصرُّف (المجنونَ أو المعتوهَ - وهو المختلُّ العقل -) وديعةً (أو) أودع جائزُ التصرف (السفيهَ وديعةً، أو أعارهم) أي: أعار جائزُ التصرُّف الصغيرَ، أو المجنون، أو المختلَّ العاقل أو السفيه،
стр. 4287
(شيئًا، فأتلفوه) بأكل أو غيره (أو تلف بتفريطهم، لم يضمنوا) لأن المالك سلَّطهم على الإتلاف بالدفع إليهم (ويضمن ذلك) أي: المودَعَ والمُعارَ (العبدُ المكلَّف) ومثله المدبَّر، والمكاتَب، والمعلَّق عتقه على صفة، وأم ولد (في رقبته، إذا أتلفه) لأنه مكلَّف، فصح استحفاظه، وبه يحصُل الفرق بينه وبين الصبي، وكونها في رقبته؛ لأن إتلافه من جنايته.
"تنبيه": ظاهر قوله - كغيره -: "إذا أتلفه": أنه لو تلف بيده لا ضمان، ولو بتعدٍّ أو تفريط، وهو كالصريح في قول "التنقيح": ولا يضمن الكلّ - أي: الوديعة والعارية - بتلفهما بتفريط، لكن مقتضى تعليلهم بما تقدم: أنه يضمن إن تعدَّى أو فرَّط، ويكون كإتلافه.
(وإذا مات إنسان وثبت أنَّ عندَه وديعةً) أو مضاربة، أو رهنًا، ونحوها من الأمانات (ولم توجد) تلك الوديعة ونحوها (بعينها) في تركته (فهي دَيْنٌ عليه، تغرمها الورثة من تركته) لأنه لم يتحقق براءته منها (كبقية الديون) فإن كان عليه دين سواها، فهما سواء، وتقدم في المضاربة (١).
فصل
(المودَع أمين) لأن الله تعالى سَمَّاها أمانة بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢) (والقول قوله مع يمينه فيما يدَّعيه من ردٍّ) لأنه لا منفعة له في قبضها، فقُبل قوله بغير بينة (ولو) ادَّعى الردَّ (على يد عبده) أي: عبد المالك (أو زوجته، أو خازنه) أو وكيله، أو
стр. 4288
حافظ ماله؛ لأن أيديهم كيده؛ قاله في القاعدة الرابعة والأربعين (١).
وإن دفع المستودَع الوديعةَ لزوجته - نفسه - أو خازنه ونحوهما، وادعوا الردَّ، فقولهم بيمينهم.
قال في "المبدع" بعد أن قَدَّم ما جزم به المصنف سابقًا من أن للمودَع دفع الوديعة إلى من يحفظ ماله عادة كزوجته وخازنه، وذكر مقابله: وعلى الأول يصدق في دعوى الرد أو التلف كالمودَع. انتهى. وقال الأزجي: إن ادعى الرد إلى رسولِ موكِّلٍ ومودِعٍ، فأنكر الموكِّل، ضَمِن؛ لتعلُّق الدفع بثالث، ويحتمل: لا.
وذكر المجد في "شرحه": لو أودع أحد الشريكين - حيث جاز - وادعى الوديع الرد إليه، قُبِل، كما يُقبل على المالك المحض، وإن ادَّعى الردَّ على الشريك الآخر، لم يُقبل إلا ببينة.
(أو) ادَّعى الردَّ (بعد موت رَبِّها) أي: الوديعة (إليه) أي: إلى رَبِّ الوديعة، بأن ادَّعى ورثة المالك على المودَع بالوديعة، فقال: رددتُها إليه قبل موته، قُبل قوله بيمينه، كما لو كان المالك هو المدَّعي وأنكر.
(وكذا دعوى تلف) من مستودع، فتُقبل بيمينه (ولو) كان التلف (بسبب خفيٍّ، من سرقة، أو ضياع ونحوه) لتعذُّر إقامة البينة على ذلك، فلو لم يقبل قوله فيه؛ لامتنع الناس من قَبول الأمانات مع الحاجة إليه.
قال ابن المنذر (٢): أجمع كلُّ من نحفظ عنه أن المستودَع إذا أحرز الوديعة، ثم ذكر أنها ضاعت، قُبل قوله مع يمينه.
(فإن ادَّعاه) أي: ادَّعى المستودَع التلفَ (بسببٍ ظاهرٍ كحريق،
стр. 4289
وغرق، وغارة ونحوها) كنهب جيش (لم يُقبل) منه ذلك (إلا ببينة) تشهد (بوجود ذلك السبب في تلك الناحية).
فإن عجز عن إقامة البينة بالسبب الظاهر، ضَمِنها؛ لأنه لا تتعذَّر إقامة البينة به، والأصل عدمه.
(ويكفي في ثبوته) أي: السبب الظاهر (الاستفاضة) قاله في "التلخيص" و"الرعايتين" و"الحاوي الصغير" وغيرها. فعلى هذا: إذا علمه القاضي بالاستفاضة، قُبِل قول الوديع بيمينه، ولم يكلفه بينة تشهد بالسبب، ولا يكون من القضاء بالعلم، كما ذكره ابن القيم في "الطرق الحكمية" (١) في الحكم بالاستفاضة، لا في خصوص هذه.
(فإذا ثبت) السبب الظاهر بالبينة، أي الاستفاضة (فالقول قولُهُ) أي: الوديع (في التلف مع يمينه) فيحلف أنها ضاعت به (وتقدم (٢) في الرهن والوكالة) نحو ذلك.
(ويُقبل قولُه) أي: المستودَع (في الإذن) أي: أن المالك أذِنَ له (في دفعها) أي: الوديعة (إلى إنسان) عَيَّنه (وأنه دفعـ) ــها إليه مع إنكار المالك الإذن ولا بينة به؛ لأنه ادَّعى دفعًا يبرأ به من الوديعة، فكان القول قوله فيه، كما لو ادَّعى ردَّها إلى مالكها، ولا يلزم المدعى عليه للمالك غير اليمين لما لم يقر بقبضه، وهذه المسألة من المفردات (٣).
ولو اعترف المالكُ بالإذن، وأنكر الدفع، قُبل قول المستودَع، ثم ينظر في المدفوع إليه، فإن أقر بالقبض، فلا كلام، وإن أنكر، حلف
стр. 4290
وبرئ - أيضًا - وفاتت على رَبِّها، إن كان الثاني وديعًا، وإن كان ذا دين (١)، قُبِلَ قوله مع يمينه، وضَمِن الدافع إن لم يُشهِد، لتقصيره، صَدَّقه المالك أو كذَّبه. وتقدم في الوكالة (٢).
(و) يُقبل قول المستودع - أيضًا - في نفي (ما يُدَّعى عليه من خيانة وتفريط) لأن الأصل عدمهما.
(ولا تُقبل دعواه) أي: المستودَع (الردَّ إلى ورثة المالك، و) لا دعواه الردَّ إلى (الحاكم) إلا ببينة؛ لأنهم لم يأتمنوه، وكذا ورثة المودَع، لا يُقبل قولهم في الدفع إلى المالك ولا إلى غيره؛ لأنهم غير مؤتمنين عليها من قبل مالكها.
(فإن منع) المستودَعُ (ربَّها) أي: الوديعة (منها) أي: من أخذها (أو مَطَله) أي: أخَّر دفعها إلى مستحقها (بلا عُذر، ثم ادَّعى تَلَفًا) للوديعة (لم يُقبل) منه ذلك (إلا ببينة) لأنه بالمنع، أو المَطْل، بطل الاستئمان.
قلت: هو لا يزيد على الغاصب، وهو يُقبل قوله في التلف بيمينه، ويضمن البدل.
(ولو سلَّم) المستودَع (وديعة إلى غير رَبِّها كُرهًا) لم يضمن (أو صادره سلطان، لم يضمن) الوديعة؛ لأن الإكراه عُذر يُبيح له دفعها (كما لو أخذها) السلطان (منه) أي: المستودَع (كُرهًا) أي: قهرًا. وعند أبي الوفاء: إن ظَنَّ أخذها منه بإقراره كان دالًّا، ويضمن.
(وإن آل الأمرُ إلى الحلف) أي: وإن طلب من المستودَع أن يحلف أنه ليس عنده وديعة لفلان (ولا بُدَّ) أي: ولم يجد بُدًّا من الحلف، بأن
стр. 4291
كان الطالب ليمينه متغلِّبًا عليه بسلطنة، أو تلصص، ولا يمكنه الخلاص منه إلا بالحلف (حلف متأوّلًا) فينوي: لا وديعة عندي لفلان في موضع كذا من المواضع التي ليست بها، ونحوه، ولم يحنث. وقال القاضي في "المجرد": له أخذها.
(فإن لم يحلف حتى أُخذت منه، وجب الضمان) لتفريطه بترك الحلف.
(وإن حلف) المستودَع أنه لا وديعة لفلان عنده (ولم يتأوَّل، أَثِمَ) لحلفه كاذبًا، لكن إثم حلفه دون إثْمِ إقراره بها (ووجبت الكفَّارة) لحنثه بالحلف بلا تأويل.
(وإن أُكره على اليمين بالطلاق) أنه لا وديعة عنده لفلان (فكما لو أُكره على إيقاع الطلاق) أي: فلا تنعقد؛ قاله أبو الخطاب.
(قال الحارثيُّ): وفيه بحث (وحاصله) أي: البحث (إن كان الضرر الحاصل بالتغريم كثيرًا يوازي الضرر في صور الإكراه، فهو إكراه لا يقع، وإلا وقع) على المذهب. انتهى.
(وإن نادى السلطان: أن من لم يحمل (١) وديعةَ فلان، عُمِل به كذا وكذا) من أنواع التهديد (فحملها من غير مطالبة، أثِمَ، وضَمِن).
قال ابن الزاغوني: إن لم يعينه، أو عيَّنه، وتهدَّده، ولم ينله بعذاب، أثِمَ، وضَمِن، وإلا؛ فلا. انتهى. وفيما إذا عيَّنه وتهدَّده نظرٌ، إذا كان قادرًا على الإيقاع به؛ لأنه إكراه.
(وإِن سلَّم) المستودَع (الوديعةَ إلى من يظنه صاحبها، فتبين
стр. 4292
خطؤه، ضَمِنها) لأنه فوَّتها على رَبِّها.
(وإن) أنكر المستودَعُ الإيداعَ، بأن (قال: لم تودعني. ثم أقرَّ بها) أي: الوديعة (أو ثبت) الإيداع (ببينة، فادَّعى ردًّا، أو تَلَفًا سابقين لجحوده، لم يُقبل) منه ذلك (وإن أقام به بينة) لأنه صار ضامنًا بجحوده، ومعترفًا على نفسه بالكذب المنافي للأمانة؛ لأنه مكذِّب لبينته بجحوده.
(وإن كان) ما ادَّعاه من الردِّ أو التلف (بعد جحوده) كما لو ادَّعى عليه بالوديعة يوم الخميس، فجحَدها، ثم أقرَّ بها يوم السبت، ثم ادَّعى أنه ردَّها، أو تلفت بغير تفريطه يوم الأربعاء، وأقام بذلك بينة (قُبلت) بينته (بهما) أي: بالرد أو التلف؛ لأنه حينئذ ليس بمكذِّب لها.
(فإن شهدت بينةٌ بالتلف، أو الرد) بعد جحود الإيداع (ولم يعين (١) هل ذلك) التلف أو الرد (قبل جحوده أو بعده، واحتمل الأمرين، لم يسقط الضمان) لأن وجوبه متحقق، فلا ينتفي بأمر متردد فيه (ويأتي.
وإن قال) المدَّعَى عليه بوديعة (ما لك عندي شيء، أو لا حقَّ لك علي) أو قِبَلي، ثم أقر بالإيداع، أو ثبت ببينة (قُبل قوله في الرد والتلف) بيمينه؛ لأنه لا ينافي جوابه؛ لجواز أن يكون أودعه، ثم تلفت عنده بغير تفريط، أو رَدَّها فلا يكون له عنده شيء (لكن إن وقع التلف بعد الجحود، وجب الضمان) لاستقرار حكمه بالجحود، فيشبه الغاصب. قلت: وظاهره: ولو أقام به بينة.
(ولو قال) إنسان لآخر: (لك عندي (٢) وديعة، ثم ادَّعى) المُقِر (ظنَّ البقاء) أي: قال: كنت أظنها باقية (ثم علمت تَلَفها، لم يُقبل قوله)
стр. 4293
لأنه رجوع عن إقرار بحقٍّ لآدمي، وقال القاضي: يُقبل، ويأتي في الإقرار ما فيه.
(وإن مات المودَع، وادَّعى وارثه الردَّ) إلى المالك، أو غيره (أو) ادَّعى الوارث (أن مورِّثه) كان (ردّها) لم يُقبل إلا ببينة (أو ادَّعاه) أي: الرد (الملتقط، أو) ادَّعاه (من أطارت الريح إلى داره ثوبًا، لم يُقبل إلا ببينة) لأن المالك لم يأتمنهم.
(ومن حصل في يده أمانة بغير رضا صاحبها، كاللُّقطة، ومن أطارت الريح إلى داره ثوبًا، وجبت) عليه (المبادرة إلى الردِّ مع العلم بصاحبها، و) مع (التمكُّن منه، وكذا إعلامه) أي: الواجب عليه أحد أمرين: إما الرد، أو الإعلام (ذكره جَمْعٌ) منهم صاحب "المغني" و"المحرر" و"المستوعب" ونحوه، ذكره ابن عقيل، وحكاه في "القواعد الفقهية" (١) (قال في "الإنصاف": وهو مراد غيرهم) لأن مؤنة الرد لا تجب عليه، وإنما الواجب التمكين من الأخذ؛ قاله في القاعدة الثانية والأربعين (٢).
(وكذا الوديعة، والمضاربة، والرهن، ونحوها) كالعين المشتركة (إذا مات المؤتمن، وانتقلت إلى وارثه) وجب على من هي بيده المبادرة إلى الرَّدِّ مع العلم بصاحبها، والتمكّن منه، أو إعلامه (لزوال الائتمان.
وكذا لو فسخ المالك) في حضرة الأمين، أو غيبته (عقد الائتمان في الأمانات، كالوديعة، والوكالة، والشركة، والمضاربة، يجب الردّ على الفور؛ لزوال الائتمان) قال في "القواعد
стр. 4294
الفقهية" (١): وظاهر كلامه، أي: القاضي، أنه يجب فعل الرد، فإن العلم هنا حاصل للمالك. انتهى.
قلت: وفيه نظر؛ لأن مؤنة الرَّدِّ لا تجب عليه.
ولو دخل حيوان لغيره، أو عبد له إلى داره، فعليه أن يخرجه، ليذهب كما جاء؛ لأن يده لم تثبت عليهما، بخلاف الثوب؛ ذكره ابن عقيل؛ قاله في القاعدة الثالثة والأربعين (٢).
(وإن تلفت) الوديعة أو نحوها (عند الوارث قبل إمكان رَدِّها، لم يضمنها) لأنه لم يفرِّط (وإلا) بأن أخَّر الردَّ، أو الإعلام فوق ما يمكنه، وتلفت (ضَمِنـ) ــها؛ لتفريطه بالتأخير.
(ويجب) على المستودَع (رَدّ الوديعة إلى مالكها) أي: تمكينه من أخذها؛ لما يأتي (إذا طلبها، فإن أخَّره) أي: الرد (بعد طلبها، بلا عُذر، ضَمن) إن تلفت، أو نقصت، كالغاصب.
وإن طلبها في وقت لا يمكن دفعها إليه، لبعدها، أو لمخافة في طريقها، أو للعجز عن حملها، أو غير ذلك، لم يكن متعديًا بترك تسليمها، ولم يضمنها؛ لعدم عدوانه.
(ويمهل) المستودَع، إذا طلب منه الرد (لأكل وشرب، ونوم، وهضم طعام، ومطر كثير، ونحوه) كطهارة، وصلاة (بقَدْره) أي: بقدر ذلك، فلا يضمنها إن تلفت زمن عُذره؛ لعدم عدوانه.
(وكذا لو أمره بالردِّ) أي: رد الوديعة (إلى وكيله، فتمكَّن) المستودَع من ردها للوكيل (وأبى) ردها (ضَمِن) المستودَع الوديعة إن
стр. 4295
تلفت، سواء (طلبها الوكيل، أم لا) لأنه أمسك مال غيره بغير إذنه.
(ومثله) أي: الوديع (من أخَّر دفع مال أُمر بدفعه بلا عُذْرٍ) وتلف، فيضمنه؛ لما تقدم.
(وليس على المستودَع مؤئة الردِّ) أي: رَدِّ الوديعة (و) لا مؤنة (حَمْلها إلى رَبِّها، إذا كانت مما لحمله مؤنة، قَلَّت المؤنة أو كَثُرَت) بل الواجب عليه التمكين من الأخذ فقط؛ لأنه قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص، بخلاف مستعير.
(فإن سافر) المستودَع (بها) أي: بالوديعة (بغير إذن رَبِّها، لزمه) مؤنة (رَدِّها إلى بلدها) ولعل المُراد في حال لا يجوز له السفر بها، وإلا؛ فقال القاضي: له ما أنفق بنيّة الرجوع. أي: لأن مؤنة الرد على رَبّها، وقد قام بها عنه الوديع بنية الرجوع.
(وتثبت الوديعة بإقرار الميت) بأن كان أقرَّ أنها لفلان (أو) إقرار (ورثته، أو بينته) كسائر الحقوق.
(وإن وُجِدَ عليها مكتوبٌ: وديعةٌ، لم يكن حجةً) لأنه يحتمل أن الوعاء كانت فيه وديعة قبل هذه، أو كان وديعة للميت عند غيره، ونحو ذلك؛ اختاره القاضي في "المجرد"، وابن عقيل، والموفَّق، وقدَّمه الشارح، ونصره وجزم به في "الحاوي الصغير" و"النظم". والصحيح من المذهب - كما في "الإنصاف" وغيره -: أنه يعمل به وجوبًا، وقطع به في "التنقيح"، وتبعه في "المنتهى" (١).
(وإن وجد) وارث (خطَّ مورثه: لفلان عندي وديعة، أو) وجد
стр. 4296
(على كيس ونحوه) مكتوبٌ (هذا لفلان، عمل) الوارث (به وجوبًا) كما يعمل بإقراره باللفظ.
(وإن وجد) وارث (خطَّه) أي: خط مورثه (بدين له على فلان، جاز للوارث الحلف) إذا أقام به شاهدًا مثلًا، وكان يعلم أن مورِّثه لا يكتب إلا حقًّا، وأنه صادق أمين (ودُفع) الدين (إليه) فيجوز الحلف على ما لا تجوز الشهادة به، إذ لا يشهد على شهادة أبيه أو غيرها، إذا رآها بخطه.
(وإن وجد) وارث (خطَّه) أي: خط مورثه (بدين عليه) لمعين (عمل) الوارث (به) وجوبًا (ودفع) الدين (إلى مَن هو مكتوب باسمه) كالوديعة.
(وإن ادَّعى الوديعة اثنان، فأقرَّ) المستودَع (بها لأحدهما، فهي له) أي: للمقر له (مع يمينه) لأن اليد كانت للمودَع، وقد نقلها إلى المُدَّعي، فصارت اليد له، ومَن كانت اليد له، قُبِل قوله بيمينه.
ومن أفراد ذلك: لو قال المودَع: أودعنيها الميت، وقال: هي لفلان، وقال ورثته: بل هي له. أفتى الشيخ التقي (١): بأن القول قول المودَع مع يمينه.
(ويحلف المودَعُ - أيضًا - للمدَّعي الآخر) الذي أنكره؛ لأنه منكِرٌ لدعواه، وتكون يمينه على نفي العلم؛ قاله في "المبدع" (فإن) حلف، برئ، وإن (نَكَل، لزمه بدلها له؛ لأنه فوَّتها) عليه، وكذا لو أقر له بها بعد أن أقرَّ بها للأول، فتسلم للأول، ويغرم قيمتها للثاني نصًّا (٢).
стр. 4297
(وإن أقرَّ بها لهما) معًا (فهي لهما) أي: بينهما، كما لو كانت بأيديهما وتداعياها (ويحلف لكلِّ واحدٍ منهما) يمينًا على نصفها.
(فإن نَكَلَ) عن اليمين (١) (لزمه بدلُ نصفها لكلِّ واحدٍ منهما) وإن نكل عن اليمين لأحدهما فقط، لزمه لمن نكل عن اليمين له عوض نصفها.
(ويلزم كل واحد منهما الحلف لصاحبه) لأنه منكِرٌ لدعواه.
(وإن قال) المودَعُ: هي (لأحدهما، ولا أعرف عينه، فإن صدَّقاه، أو سكتا) عن تصديقه وتكذيبه (فلا يمين) عليه؛ إذ لا اختلاف (ويقرع بينهما) فمن خرجت له القُرعة، سلِّمت إليه بيمينه.
(وإن كذَّباه) بأن قالا: بل تعرف أينا صاحبها (حلف) لهما (يمينًا واحدة: أنه لا يعلم) عينه.
وكذا إن كذَّبه أحدهما وحدَه (ويقرع بينهما، فمن قَرَع) أي: خرجت له القُرعة (حلف) أنها له؛ لاحتمال عدمه (وأخذها) بمقتضى القُرعة.
(فإن نكل) المودَع عن اليمين أنه لا يعلم صاحبها (حكم عليه) بالنُّكول (وألزم التعيين) أي: تعيين صاحبها (فإن أبى) التعيين (أُجبر على القيمة) إن كانت متقوَّمة، وعلى المِثْل إن كانت مثلية (فتؤخذ القيمة) أو المِثْل (والعين، فيقترعان عليهما، أو يتفقان) عليهما. قال في "التلخيص": وكذلك إذا قال: أعلم المستحق ولا أحلف.
(ثم إن قامت بينة بالعين لآخذ القيمة سلِّمت إليه) العين، للبينة،
стр. 4298
وتقديمها (١) على القُرعة (وردت القيمة إلى المودَع، ولا شيء للقارع) على المودع؛ لأنه لم يفوِّت عليه شيئًا، بل المفوت البينة.
(وإن أودعه اثنان مكيلًا أو موزونًا، ينقسم) إجبارًا، بألَّا ينقص بتفرقة (فطلب أحدهما حقه) من المودع (لغيبة شريكه، أو) حضوره و (امتناعه) من الأخذ، ومن الإذن لصاحبه في أخذ حَقّه (سلَّمه) المودَع (إليه) أي: إلى المطالب وجوبًا؛ لأنه أمكن تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب الآخر بغير غبن ولا ضرر، فإذا طلب أحدهما نصيبه، لزم دفعه إليه، كما لو كان متميزًا.
وقال القاضي: لا يجوز ذلك إلا بإذن الحاكم؛ لأن ذلك يحتاج إلى قسمة، ويفتقر إلى حكم أو اتفاق، وليس ذلك إلى المودَع، وهو مقتضى كلامه في القسمة.
وعُلِم مما تقدَّم: أن ذلك لا يجوز في غير المِثْلي؛ لأن قسمته لا يؤمن فيها الحيف؛ لافتقارها إلى التقويم، وهو ظنٌّ وتخمين.
(وإن غُصبت الوديعة، فللمودَع المطالبة بها) لأنه مأمور بحفظها، وذلك منه، وعبَّر في "الفروع" بأنه يلزمه (وكذا مضارِب، ومرتَهن، ومستأجِر) قلت: ومستعير، ومجاعَل على عملها.
(وإن قال) ربُّ الوديعة للمودَع: (كلما خنتَ، ثم عدت إلى الأمانة فأنت أمين، صح) لصحة تعليق الإيداع على الشرط، كالوكالة.
стр. 4299
باب إحياء الموات
قال الأزهري (١): هو الأرض التي ليس لها مالك، ولا بها ماء، ولا عمارة، ولا يُنتفع بها. انتهى.
وتُسمَّى: ميتة ومَوَاتًا، بفتح الميم والواو. والمُوْتان، بضم الميم وسكون الواو: الموت الذريع. ورجل مَوْتان القلب، بفتح الميم وسكون الواو، يعني: أعمى القلب لا يفهم؛ قاله في "المغني".
وفي "القاموس" (٢): المُوَات كغراب: الموت، وكسحاب: ما لا روح فيه، وأرض لا مالك لها. والموتان - بالتحريك - خلاف الحيوان، وأرض لم تُحْيَ بعد، وبالضم: موت يقع بالماشية، ويفتح.
(وهي الأرض المُنفكَّة عن الاختصاصات وملكِ معصومٍ) مسلم أو كافر، ويأتي بيان الاختصاصات.
والأصل في إحياء الأرض حديثُ جابر مرفوعًا: "مَنْ أحيا أرضًا ميتةً فهي لهُ" (٣) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحديث سعيد بن زيد: "مَن أحيا أرضًا ميتةً فهي لهُ، وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ" (٤) قال الترمذي: حديث حسن. وروى مالك في "موطئه" (٥) وأبو داود في "سننه" مثله.
стр. 4300
قال ابن عبد البر (١): هو مسند صحيح متلقًّى بالقَبول عند فقهاء المدينة وغيرهم.
قال في "المغني" و"الشرح": وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يُملك بالإحياء، وإن اختلفوا في شروطه.
(فإن كان الموات) أي: الأرض الخراب الدارسة (لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، مُلك بالإحياء) بغير خلاف بين القائلين بالإحياء؛ قاله في "المغني" و"الشرح". نقل أبو الصقر (٢): في أرض بين قريتين، ليس فيها مزارع، ولا عيون وأنهار، تزعم كل قرية أنها لهم في حرمهم: فإنها ليست لهؤلاء ولا لهؤلاء، حتى نعلم أنهم أحيوها، فمن أحياها فله. ومعناها نقل ابن القاسم (٣). ويأتي مفهوم قوله: "ولم يوجد فيه أثر عمارة".
(وإن ملكها من له حُرمة) من مسلم، أو ذمي، أو معاهد، لم تُملك بإحياء (أو) ملكها من (شُكَّ فيه) أله حُرمة؛ أم لا؟ (فإن وُجِدَ) هو (أو أحدٌ من ورثته، لم يملك (٤) بإحياء).
стр. 4301
قال ابن عبد البَر (١): أجمع العلماء على أن ما عُرف بملك مالك غير منقطع، أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه. انتهى. ومراده: ما ملك بشراء أو هبة ونحوه، بخلاف ما ملك لإحياء ثم دثر، ففيه خلاف، فعند مالك (٢) يملك بالإحياء.
(وإن عُلم) مالكه (ولم يُعقِب) أي: لم يكن له ورثة (لم يملك) أيضًا بالإحياء؛ لحديث عائشة ترفعه: "مَن أحيا أرضًا ليست لأحدٍ" (٣) (وأقطعه الإمام من شاء) لأنه فَيْء.
(وإن كان) المَوات (قد مُلِك بإحياء، ثم تُرك حتى دَثَر، وعاد مواتًا، لم يُملك بإحياء إن كان لمعصوم) لأن ملك المحيي أولًا لم يزل عنها بالترك، بدليل سائر الأملاك.
(وإن عُلم ملكه) أي: الدارس الخراب (لمعين غير معصوم) بأن كان لكافر لا ذِمَّة له، ولا أمان (فإن كان بدار حرب واندرس، كان كموات أصلي، يملكه مسلم بإحياء) لأن ملك من لا عصمة له كعدمه. وإن كان بدار إسلام، فالصحيح: أنه لا يملكه بالإحياء، فلا أثر لإحيائه. وإن ملكه بنحو شراء، بأن وكَّل غير المعصوم معصومًا ليشتري له مكانًا، فاشتراه، ثم ترك حتى درس، وصار مواتًا فالظاهر أنه لا يُملك بالإحياء، فيكون فَيْئًا، بمنزلة ما جَلَوا عنه خوفًا منَّا. لكن مقتضى التعليل: أنه يُملك بالإحياء. وظاهره أيضًا: أن الذِّمي لا يملكه
стр. 4302
بالإحياء. ولعله غير مراد.
(وإن كان فيه) أي: الخراب (أثر لملك (١) غير جاهلي، كالخِرَب التي ذهبت أنهارها، واندرست آثارها) ولم يُعلم الآن لها مالك (مُلك بالإحياء) لعموم ما سبق من الأخبار، وسواء كان بدار الإسلام، أو بدار الحرب.
(وكذا إن كان) أثر الملك به (جاهليًّا قديمًا، كديار عاد) وآثار الروم، فيملكه من أحياه؛ لما سبق، وروى سعيد في "سننه" وأبو عبيد في "الأموال" عن طاوُس، عنه ﷺ : "عادِيُّ الأرضِ لله ولرسولهِ، ثمَّ هُو بعدُ لكم" (٢).
стр. 4303
(فأما مساكن ثمود، فلا تَمَلُّكَ فيها؛ لعدم دوام البكاء مع السُّكنى و) مع (الانتفاع؛ قاله الحارثي) وظاهر كلام غيره: تملك بالإحياء، ونقله في "الشرح"، بل صَرَّح به في "شرح المنتهى" عن جمع من الأصحاب؛ لعموم ما سبق.
(ويُكره دخول ديارهم) أي: ثمود (إلا لباكٍ معتبر، لا يصيبه ما أصابهم) من العذاب، للخبر (١).
(أو) كان أثر الملك به جاهليًّا (قريبًا) فيملك بالإحياء؛ لأن أثر الملك الذي به لا حُرمة له، أشبه آثار الجاهلي القديم.
(أو تردَّد في جريان الملك عليه) ولم يتحقَّق ملكه لمعصوم، ملك بالإحياء؛ لأن الأصل عدم جريان الملك عليه.
(ومتى (٢) أحيا أرضًا ميتة، فهي له) أي: للمُحيي (مسلمًا كان) المُحيي (أو ذميًّا) وسواء أحياها (بإذن الإمام أو) بـ (ــغير إذنه، في دار الإسلام وغيرها) لعموم ما سبق من الأخبار؛ ولأنها عين مباحة، فلم يفتقر ملكها إلى إذن الإمام، كأخذ المباح، وهو مبني على أن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال (إلا موات الحرم وعرفات) فلا يُملك بالإحياء مطلقًا؛ لما فيه من التضييق في أداء المناسك، واختصاصه بمحلٍّ؛ الناسُ فيه سواء، ومِنى ومزدلفة من الحرم كما سبق (٣)، فلا
стр. 4304
إحياء بهما.
(وموات العَنْوة) كأرض مصر والشام والعراق (كغيره) مما أسلم أهله عليه، كالمدينة، وما صولح أهله على أن الأرض للمسلمين (فيملك) موات العَنْوة بالإحياء.
(ولا خراج عليه) أي: على من أحيا موات العَنْوة، وما رُوي عن الإمام (١): "ليس في أرض السَّوادِ مواتٌ" معللًا بأنها لجماعة، فلا يختص بها أحدهم؛ حملها القاضي على العامر، ويحتمل أن أحمد قاله لكون السواد كان عامرًا في زمن عمر بن الخطاب، وحين أخذه المسلمون من الكفار (إلا أن يكون) المُحيي للعَنْوة (ذميًّا) فعليه الخراج؛ لأن الأرض للمسلمين، فلا تُقَر في يد غيرهم بدون الخراج، كغير الموات، وهل يملكه مع ذلك؟ عبارة "الإنصاف" أولًا: تقتضي أنه يملكه، وثانيًا: صريحة في أنه لا يملكه، بل يقر بيده بالخراج.
(ولا يَملك مسلم) بالإحياء (ما) أي: مواتًا (أحياه من أرض كفار صولحوا على أنها) أي: الأرض (لهم، ولنا الخراج عليها) لأنهم صولحوا في بلادهم، فلا يجوز التعرُّض لشيء منها؛ لأن الموات تابع للبلد. ويفارق دار الحرب؛ لأنها على أصل الإباحة.
(ولا يُملك بإحياءٍ ما قَرُب) عُرفًا (من العامر، وتعلَّق بمصالحه، كطُرقه وفنائه) ما اتسع أمامه (ومجتمع ناديه) أي: جماعته (ومسيل مياهه، ومُطَّرح قُمامته، ومُلقى ترابه، و) ملقى (آلاته) التي لا نفع بها (ومرعاه، ومحتطبه، وحريم البئر، و) حريم (النهر، و) حريم (العين،
стр. 4305
ومرتكض الخيل) أي: المحل المعد لركضها (ومدافن (١) الأموات، ومناخ الإبل، والمنازل المعتادة للمسافرين حول المياه، والبقاعِ المرصدة لصلاة العيدين، و) لصلاة (الاستسقاء، و) لصلاة (الجنائز، و) البقاع المرصدة لـ (ــدفن الموتى) ولو قبل الدفن (ونحوه، فكلُّ مملوكٍ لا يجوز إحياء ما تعلَّق بمصالحه) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لمفهوم قوله ﷺ : "مَن أحيا أرضًا مَيتةً من غيرِ حقِّ مسلم فهيَ لهُ" (٢)؛ ولأن ذلك من مصالح الملك، فأعطي حكمه. وذكر القاضي: أن مباح المرافق لا يملكه المحيي بالإحياء، لكن هو أحق بها من غيره.
(ولا يجوز للإمام إقطاع ما لا يجوز إحياؤه) مما قَرُب من العامر، وتعلَّق بمصالحه؛ لأنه في حكم المملوك لأهل العامر (وما) قرب من العامر لكنه (لا يتعلَّق بمصالحه، مُلِك بإحياءٍ) كالبعيد عنه؛ لعموم ما سبق، مع انتفاء المانع، وهو التعلق بمصالح العامر (وللإمام إقطاعه) أي: ما قَرُب من العامر، ولم يتعلَّق بمصالحه؛ لأنه ﷺ : "أقطعَ بلالَ بنَ الحارثِ العقيق" (٣) مع قربه من عامر المدينة.
(ولو اختلفوا في الطريق وقت الإحياء جُعلت سبعةَ أذرع) للخبر (٤) (ولا تُغيَّر) الطريق (بعد وضعها، وإن زادت على سبعة أذرع؛ لأنها للمسلمين) فلا يختص أحد منهم بشيء منها.
стр. 4306
(ولا تُملك معادن ظاهرة) بإحياء (ولا تحجر (١)) أي: لا يجوز لأحد أن يتحجرها ليختص بها.
(وهي) أي: المعادن الظاهرة (ما لا تفتقر إلى عمل) بأن كان يُتوصل إلى ما فيها بلا مؤنة (كملح، وقار، ونفط، وكحل، وجص، وياقوت، وماء، وثلج) - في عَدِّهما من المعادن نظر - (ومُوْميا (٢)، وبِرَام، وكبريت، ومقاطع طين) - في جعله من المعادن نظر - (ونحوها) لأن فية ضررًا بالمسلمين، وتضييقًا عليهم؛ لأن النبي ﷺ "أقطعَ أبيضَ بنَ حَمَّالٍ معدِن الملحِ، فلما قيل لهُ: إنه بمنزلةِ الماءِ العِدِّ، ردَّهُ" (٣)؛ كذا
стр. 4307
قال أحمد (١).
(ولا) تُملك ولا تُحتجر معادن (باطنة) وهي التي تحتاج في إخراجها إلى حفر ومؤنة (ظهرت) الباطنة (أو لا، كحديد ونحوه) من نحاس، وذهب، وفضة، وجوهر، وشبهها (بإحياء) متعلِّق بـ "لا تملك"؛ لأن الإحياء الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المُحْيَا للانتفاع من غير تكرار عمل، وهذا حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع.
(ولا) يُملك بإحياء (ما نضب) أي: غار (عنه الماء، مما كان مملوكًا وغلب) الماء (عليه، ثم نضب) الماء (عنه، بل هو باقٍ على ملك مُلَّاكه) قبل غلبة الماء عليه، فـ (ــلهم أخذه) لأنها لا تزيل ملكهم عنه.
(أما ما نضب) أي: غار (عنه الماء من الجزائر، والرقاق) بفتح الراء: أرض لينة أو رمال يتصل بعضها ببعض؛ قاله في "الحاشية". وقال بعضهم: أرض مستوية لينة التراب تحتها صلابة (مما لم يكن مملوكًا، فلكلِّ أحد إحياؤه) بَعُدَت أو قربت (كموات) قال الحارثي: مع عدم
стр. 4308
الضَّرر، ونص عليه (١). انتهى.
وقال في "التنقيح": لا يُملك بالإحياء. وتبعه في "المنتهى". وقال أحمد (٢) في رواية العباس بن موسى: إذا نضب الماء من جزيرة إلى فناء رجل، لم يَبْنِ فيها؛ لأن فيه ضررًا، وهو أن الماء يرجع. أي: يرجع إلى ذلك المكان، فإذا وجده مبنيًّا رجع إلى الجانب الآخر، فأضر بأهله؛ ولأن الجزائر منبت الكلأ والحطب، فجرت مجرى المعادن الظاهرة.
(و ليس للإمام إقطاع معادن ظاهرة أو باطنة) لما فيه من التضييق، وصحح في "الشرح" جوازه؛ لأن النبي ﷺ "أقطعَ بلال بن الحارثِ معادِنَ القَبَليَّة، جليسها وغويرها (٣) " رواه أبو داود وغيره (٤).
(فإن كان بقرب الساحل موضع، إذا حصل فيه الماء، صار ملحًا، ملك بالإحياء، وللإمام إقطاعه) لأنه لا تضييق على المسلمين بذلك، بل يحدث نفعه بالعمل فيه، فلم يمنع منه، كبقية الموات. وإحياؤه بتهيئته لما يصلح له، من حفر ترابه، وتمهيده، وفتح قناة إليه؛ لأنه يتهيأ بهذا للانتفاع به.
(وإذا مَلك المُحيا) بأن أحيا ما يجوز له إحياؤه (ملكه بما فيه من المعادن الجامدة، كمعادن الذهب والفضة ونحوهما) كالجواهر (باطنة
стр. 4309
كانت) المعادن (أو ظاهرة) تبعًا للأرض؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها، وهذا منها، فدخل في ملكه على سبيل التبعية، ويفارق الكنز؛ لأنه مودَع فيها للنقل عنها، فالباطنة: كالذهب، والفضة، والحديد، والرصاص. والظاهرة: كالكحل، والجص، والزرنيخ، والكبريت.
قال في "الشرح" و"المبدع": ولو تحجَّر الأرض، أو أقطعها، فظهر فيها المعدن قبل إحيائها كان له إحياؤها، ويملكها بما فيها؛ لأنه صار أحق بتحجره وإقطاعه، فلم يُمنع من إتمام حَقّه.
(وإن ظهر فيه) أي: المُحْيَا من الأرض (عين ماء، أو معدن جار) إذا أُخذ منه شيء خلفه غيره، كنفط، وقار (أو) ظهر فيها (كلأ، أو شجر، فهو أحق به بغير عوض) لأنه لو سبق إلى المباح الذي ليس بأرضه كان أحق به؛ لقوله ﷺ : "مَن سبقَ إلى ما لم يَسبِقْ إليهِ مسلِمٌ فهو لهُ" رواه أبو داود (١). وفي لفظ: "فهو أحقُّ بهِ" فهنا أَولى.
(ولا يملكه) لحديث ابن عباس "الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ: في الماء، والكَلأ، والنارِ" رواه الخلال وابن ماجه (٢) وزاد: "وثمنهُ حرامٌ" ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم تُملك بملكها كالكنز.
(وما فَضَل من مائه الذي في قرار العين، أو) في قرار (البئر) عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزَرْعه (لزمه بَذْله لبهائم غيره، إن لم يوجد ماء مباح، ولم يتضرَّر) ربُّ الأرض (به، سواء اتَّصل) موضع الماء (بالمرعى، أو بَعُدَ عنه.
стр. 4310
ويلزم) أيضًا (بَذْله لزَرْعِ غيره، ما لم يؤذِهِ بالدُّخول) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تمنعُوا فضلَ الماءِ، لتمنعُوا بهِ الكلأ" متفق عليه (١). وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "مَن مَنَعَ فَضْلَ مائِهِ، أو فضلَ كَلَئِهِ، مَنَعَهُ الله فضلهُ يوم القيامةِ" رواه أحمد (٢). ولا يتوعد على ما يحلُّ.
(فإن آذاه) بالدخول، فله منعه، وكذا لو تضرَّرَ ببَذْلِهِ، أو وجد مباحًا غيره (أو كان له فيه) أي: البئر (ماء السماء، فيخاف عطشًا، فلا بأس أن يمنعه) لأنه ملكه بالحِيازة، فلم يلزمه بذله كسائر أملاكه،