النَّبيُّ ﷺ : "إذا أتَى أحدُكم أهلَهْ ثم أراد أن يُعَاوِدَ فليتوَّضأ بينَهُما وضوءًا" رواه مسلم (١)، ورواه ابن خزيمة، والحاكم وزاد (٢): "فإنه أنشَطُ للعَوْدِ" (٣).
(لكن الغسل لـ) ـمعاودة (الوطء أفضل) من الوضوء، لأنه أنشط (ويأتي في عشرة النساء.
ولا يضر نقضه) أى: الوضوء (بعد ذلك) أى: إذا توضأ الجنب لما تقدم، ثم أحدث قبله لم يضره ذلك، فلا تسن له إعادته؛ لأن القصد التخفيف أو النشاط، وظاهر كلام الشيخ تقي الدين (٤)، يتوضأ لمبيته على إحدى الطهارتين.
(ويكره) للجنب، ونحوه (تركه) أي: الوضوء (لنوم فقط) لظاهر الحديث، ولا يكره تركه لأكل، وشرب، ومعاودة وطء.
(ولا يكره أن يأخذ الجنب، ونحوه) كالحائض، والنفساء شيئًا (من شعره وأظفاره) وتقدم.
(ولا أن يختضب قبل الغسل نصًا) (٥).
стр. 422
فصل في مسائل من أحكام الحمام (١) وآداب دخوله
وأجود الحمامات: ما كان شاهقًا، عذب الماء، معتدل الحرارة، معتدل البيوت، قديم البناء.
(بناء الحمام، وبيعه، وشراؤه، وإجارته) مكروه لما فيه من كشف العورة، والنظر إليها، ودخول النساء إليه.
(وكسبه، وكسب البلان (٢)، والمزين، مكروه). قال في "الرعاية": وحمامية النساء أشد كراهة. (قال) الإمام (أحمد في الذي يبني حمامًا للنساء: ليس بعدل). وقال في رواية ابن الحكم: لا تجوز شهادة من بناه للنساء، وحرمه القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على غير البلاد الباردة (٣).
стр. 423
(وللرجل دخوله إذا أمن وقوع محرم، بأن يسلم من النظر إلى عورات الناس) ومسها، (و) يسلم من (نظرهم إلى عورته) ومسها، لما روي أن ابن عباس "دخل حمامًا كان بالجحفة" (١) وروي عنه ﷺ أيضًا (٢).
(فإن خافه) أي: الوقوع في محرم بدخول الحمام (كره) دخوله.
(وإِن علمه) أي: الوقوع في محرم (حرم) دخوله، لحديث أبي هريرة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "منْ كَانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر مِنْ ذكورِ أمتي فلا يدخلْ الحمامَ إلا بمئزَزٍ. ومن كانت تؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلا تدخلْ الحمامَ" رواه أحمد (٣). وقال أحمد: إن علمت أن كل من يدخل الحمام عليه إزار فادخله،
стр. 424
وإلا، فلا تدخل.
(وللمرأة دخوله) أي: الحمام (بالشرط المذكور) بأن تسلم من النظر إلى عورات الناس، ومسها، ومن النظر إلى عورتها ومسها.
(وبوجود عذر من حيض، أو نفاس، أو جنابة، أو مرض، أو حاجة إلى الغسل) لما روى أبو داود عن ابن عمرو أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّهَا سَتُفتَحُ لكم أرضُ العجَم، وستَجِدُونَ فيها بيوتًا يقالَ لها الحمَّامَاتُ، فلا يدخلنَّهَا الرجَالُ إلا بالأُزر، وامْنَعُوا النِّساء إلا مريضَةً أو نُفَسَاءَ" (١).
стр. 425
وقوله: (ولا يمكنها أن تغتسل في بيتها لخوفها من مرض، أو نزلة) قاله القاضي، والموفق، والشارح. قال في "الإنصاف": وظاهر كلام أحمد لا يعتبر، وهو ظاهر "المستوعب" و"الرعاية".
(وإلا) بأن لم يكن لها عذر مما تقدم (حرم) عليها دخوله (نصًا) لما تقدم من الخبرين. واختار أبو الفرج بن الجوزي (١)، والشيخ تقي الدين (٢) أن المرأة إذا اعتادت الحمام وشق عليها ترك دخوله إلا لعذر أنه يجوز لها دخوله.
و (لا) يحرم عليها الاغتسال (في حمام دارها) حيث لم ير من عورتها ما يحرم النظر إليه، لعدم دخوله فيما تقدم، وكباقي دارها.
(ويقدم رجله اليسرى في دخول الحمام، والمغتسل، ونحوهما) لأنها لما خبث، قال في "المبدع": وعن سفيان قال: كانوا يستحبون لمن دخله أن يقول: يا بر يا رحيمُ منَّ وقنا عذاب السموم.
(والأولى في الحمام أن يغسل قدميه، وإبطيه بماء بارد عند دخوله، ويلزم الحائط) خوف السقوط.
(ويقصد موضعًا خاليًا) لأنه أبعد من أن يقع في محظور.
(ولا يدخل البيت الحار حتى يعرق في البيت الأول) لأنه أجود طبًا.
(ويقلل الالتفات) لأنه محل الشياطين، فتعبث به، وربما كان سببًا لرؤية عورة.
(ولا يطيل المقام إلا بقدر الحاجة) لأنه يأخذ من البدن.
(ويغسل قدميه عند خروجه بماء بارد، قال في المستوعب: فإنه يذهب الصداع، ولا يكره دخوله قرب الغروب، ولا بين العشاءين) لعدم
стр. 426
النهي الخاص عنه. وقال ابن الجوزي في "منهاج القاصدين" (١): يكره لأنه وقت انتشار الشياطين.
(ويحرم أن يغتسل عريانًا بين الناس) في حمام، أو غيره، لحديث "احفَظْ عورتَكَ" (٢) إلى آخره.
وعن يعلى بن أمية أن النبي ﷺ "رأى رجلًا يغتسلُ بالبرازِ فصعدَ المنبرَ، فحمدَ اللهَ، وأثنَى عليهِ. ثم قال: إن اللهَ حيِيٌّ ستِّيرُّ يحبُّ الحياءَ والسترَ، فإذا اغتسلَ أحدُكم فليسْتَتِرْ" رواه أبو داود (٣).
стр. 427
(فإن ستره إنسان بثوب) فلا بأس.
(أو اغتسل عريانًا خاليًا) عن الناس (فلا بأس)، لأن موسى ﵇ "اغتسلَ عُرْيَانًا" رواه البخاري (١)، وأيوب ﵇ "اغتَسَل عُرْيَانًا" (٢) قاله في "المغني".
(والتستر أفضل) وقال في "الإنصاف" وغيره: يكره. قال الشيخ تقي الدين (٣): عليه أكثر نصوصه. قال في الآداب (٤): يكره الاغتسال في المستحم ودخول الماء بلا مئزر. انتهى. لقول الحسن والحسين -وقد دخلا الماء وعليهما بردان-: "إن للماءِ سكانًا" (٥).
(وتكره القراءة فيه) أي: الحمام (ولو خفض صوته)؛ لأنه محل التكشف، ويفعل فيه ما لا يحسن في غيره، فاستحب صيانة القراءة عنه (٦).
стр. 428
وحكى ابن عقيل الكراهة عن علي، وابن عمر (١).
(وكذا) يكره (السلام) في الحمام، قال في الآداب (٢): وكذلك لا يسلم ولا يرد على مسلم.
وقال في "الشرح": الأولى جوازه من غير كراهة، لعموم قوله ﷺ : "أفشُوا السَّلامَ بينَكُم" (٣)؛ ولأنه لم يرد فيه نص، والأشياء على الإباحة.
و (لا) يكره (الذكر) في الحمام، لما روى النخعي أن أبا هريرة دخل الحمام فقال: "لا إلهَ إلا اللهُ" (٤).
(وسطحه ونحوه) من كل ما يتبعه في بيع، وإجارة (كبقيته) لتناول الاسم له (٥).
стр. 429
باب التيمم
(وهو) لغة: القصد، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١) يقال يممت فلانًا، وتيممته، وأممته، إذا قصدته، ومنه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ (٢) وقول الشاعر (٣):
وما أدري إذا يممت أرضًا … أريد الخير أيهما يليني؟
أالخير الذي أنا مبتغيه … أم الشر الذي هو مبتغيني؟
وشرعًا: (مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص) يأتي تفصيله.
وهو ثابت بالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا. . . الآية﴾ (٤) وحديث عمار (٥)، وغيره.
وهو من خصائص هذه الأمة؛ لأن الله تعالى لم يجعله طهورًا لغيرها، توسعة عليها وإحسانًا إليها.
والتيمم (بدلٌ عن طهارة الماء) لأنه مترتب عليها، يجب فعله عند عدم الماء، ولا يجوز مع وجوده إلا لعذر، وهذا شأن البدل.
(ويجوز) التيمم (حضرًا وسفرًا، ولو) كان السفر (غير مباح، أو) كان (قصيرًا) دون المسافة؛ (لأن التيمم عزيمة لا يجوز تركه) عند وجود شروطه.
стр. 430
(قال القاضي: لو خرج إلى ضيعة له تقارب البنيان والمنازل، ولو بخمسين خطوة، جاز له التيمم) أي: بشرطه (و) جاز له (الصلاة) النافلة (على الراحلة، وأكل الميتة للضرورة) لأنه مسافر عرفًا.
(ويجوز) وعبارة "المبدع": وهو مشروع. والمعنى أنه يجب حيث يجب التطهر بالماء، ويسن حيث يسن ذلك، فيشرع (لكل ما يفعل بالماء) أي: بطهارته (عند العجز عنه) أي: عن استعمال الماء، لعدم، أو مرض، ونحوهما (شرعًا، من) بيان لما يفعل بالماء (صلاة) فرض، أو نفل (وطواف) فرض، أو نفل (وسجود تلاوة، وشكر، وقراءة قرآن، ومس مصحف) وقال الموفق: إن احتاج إليه (ووطء حائض انقطع دمها) ولو لم يكن بالواطئ جراح، أو لم تصل (١) به ابتداء (ولبث في مسجد) إذا تعذر الوضوء عاجلًا، وأراد اللبث للغسل فيه.
(سوى جنب، وحائض، ونفساء انقطع دمهما -في مسألة تقدمت في الباب قبله-) وهي: ما إذا تعذر الوضوء واحتاجوا للبث فيه، فإنه يجوز بلا تيمم، وتقدم أنه به أولى.
(و) سوى (نجاسة على غير بدن) وهو (٢) النجاسة على الثوب، وفي البقعة، فلا يصح التيمم لهما، بخلاف نجاسة البدن وتأتي.
(ولا يكره الوطء لعادم الماء) ولو لم يخف العنت، إذ الأصل في الأشياء الإباحة إلا لدليل.
(والتيمم مبيح) للصلاة، ونحوها، و (لا يرفع الحدث) لقوله ﷺ في
стр. 431
حديث أبي ذر: "فإذا وجدت الماءَ فأمسّهُ جلدَكَ، فإنه خيرٌ لكَ" (١) صححه الترمذي. ولو رفع الحدث لم يحتج إلى الماء إذا وجده.
(ويصح) التيمم (بشرطين أحدهما: دخول وقت ما يتيمم له، فلا يصح) التيمم (لفرض، ولا لنفل معين، كسنة راتبة، ونحوها) كوتر (قبل وقتهما نصًا) لحديث أبي أمامة مرفوعًا قال: "جعِلَتْ الأرضُ كلُّها لي ولأمَّتِي مسجِدًا وطَهُورًا، فأينمَا أدركتْ رجلًا من أمَّتِي الصَّلاةُ فعندَهُ مسجِدُهُ وعندَهُ طَهُورُه" رواه أحمد (٢).
والوضوء إنما جاز قبل الوقت، لكونه رافعًا للحدث بخلاف التيمم. فإنه طهارة ضرورة، فلم يجز قبل الوقت، كطهارة المستحاضة.
(ولا) يصح التيمم (لنفل في وقت نهي عنه) لأنه ليس وقتًا له. وعلم
стр. 432
منه أنه يصح التيمم لركعتي فجر بعده، ولركعتي طواف كل وقت، لإباحتهما إذن.
(ويصح) التيمم، (لفائتة إذا ذكرها وأراد فعلها) لصحة فعلها كل وقت لا قبله.
(و) يصح التيمم (لكسوف عند وجوده) إن لم يكن وقت نهي، وإلا فإذا خرج.
(و) يصح التيمم (لاستسقاء إذا اجتمعوا) لصلاته.
(ولـ) ـصلاة (جنازة إذا غسل الميت) أى: تم تغسيله، كما في "المبدع" (أو يمم لعذر).
ويُعايا بها، فيقال: شخص لا يصح تيممه حتى ييمم غيره؟.
(ولعيد إذا دخل وقته.
ولمنذورة) مطلقة (كل وقت) فإن كانت منذورة بمعين اعتبر دخوله، كالمفروضة.
(و) يصح التيمم (لنفل عند جواز فعله) لأن ذلك وقته.
الشرط (الثاني): العجز عن استعمال الماء) لأن غير العاجز يجد الماء على وجه لا يضره، فلم يتناوله النص (فيصح) التيمم لمن عجز عن الماء (لعدمه) حضرًا كان أو سفرًا، قصيرًا كان أو طويلًا، مباحًا أو غيره، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١).
ويتصور عدم الماء في الحضر (بحبس) للمتيمم عن الخروج في طلب الماء، أو حبس للماء عن المتيمم، بحيث لا يقدر عليه، ولا يجد غيره.
стр. 433
(أو غيره) أي: غير الحبس، كقطع عدو ماء بلده، لعموم حديث أبي ذر أن النَّبيَّ ﷺ قال: "الصعيدُ الطيبُ طهورُ المسلم، وإن لم يجدْ الماءَ عشرَ سِنينَ، فإذا وجَده فليمسَّهُ بشرتَه؛ فإن ذلك خيرٌ" رواه أحمد، والنسائي، والترمذي وصححه (١).
والتقييد بالسفر خرج مخرج الغالب، لأنه محل العدم غالبًا.
(و) يصح التيمم (لعجز مريض عن الحركة، وعمن يوضئه إذا خاف فوت الوقت، إن انتظر من يوضئه. و) عجزه (عن الاغتراف ولو بفمه) لأنه كالعادم للماء، فإن قدر على اغتراف الماء بفمه، أو على غمس أعضائه في الماء الكثير لزمه ذلك، لقدرته على استعمال الماء.
(أو) أي: ويصح التيمم (لخوف ضرر باستعماله) أي: الماء (في بدنه من جرح) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢) ولحديث جابر في قصة صاحب الشجة رواه أبو داود، والدارقطني (٣). وكما لو خاف من عطش، أو سبع. فإن لم يخف من استعمال الماء لزمه كالصحيح.
(أو) من (برد شديد) لحديث عمرو بن العاص قال: "احتلمتُ في ليلةٍ باردةٍ في غزوةِ ذاتِ السَّلاسلِ، فأشفَقْتُ إن اغتسَلتُ أن أهلكَ، فتيمَّمْتُ، ثم صليتُ بأصحابي صلاةَ الصبحِ، فذكر ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ فقال: يا عمْرو، صليتَ
стр. 434
بأصحابِكَ وأنتَ جنُبٌ؟ قلت: ذكرت قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) فضحك ولم يقل شيئًا" رواه أحمد، وأبو داود (٢).
(ولو) كان خوفه على نفسه من البرد (حضرًا) فيتيمم دفعًا للضرر، كالسفر، وليس المراد بخوف الضرر أن يخاف التلف، بل يكفي أن (يخاف منه نزلة، أو مرضًا، ونحوه) كزيادة المرض، أو تطاوله، فيتيمم (بعد غسل ما يمكنه) غسله بلا ضرر. والمراد أنه يغسل ما لا يتضرر بغسله، ويتيمم لما سواه، مراعيًا للترتيب، والموالاة في الحدث الأصغر، كما يأتي.
стр. 435
(و) إنما يتيمم للبرد إذا (تعذر تسخينه) أي: الماء في الوقت. قال في الشرح وغيره: متى أمكنه تسخين الماء، أو استعماله على وجه يأمن الضرر، كأن يغسل عضوًا عضوا، كلما غسل شيئًا ستره، لزمه ذلك.
(أو) أي: ويصح التيمم (لخوف بقاء شين) أي: فاحش في بدنه بسبب استعمال الماء، لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ (١) ولأنه يجوز له التيمم إذا خاف ذهاب شيء من ماله. فهنا أولى.
(أو) أي: ويصح التيمم لـ (مرض يخشى زيادته، أو تطاوله) لما تقدم، فإن لم يخف ضررًا باستعمال الماء، كمن به صداع، أو حمى حارة، أو أمكنه استعمال الماء الحار بلا ضرر، لزمه ذلك، ولا يتيمم لانتفاء الضرر.
(و) يصح التيمم (لـ) ـخوف (فوات مطلوبه) باستعمال الماء، كعدو خرج في طلبه، أو آبق، أو شارد يريد تحصيله، لأن في فوته ضررًا، وهو منفي شرعًا.
(أو) أي: ويصح التيمم لـ (ـعطش يخافه على نفسه، ولو) كان العطش (متوقعًا) لقول علي في الرجل يكون في السفر فتصيبه الجنابة، ومعه الماء القليل يخاف أن يعطش: "يتيمم ولا يغتسل" رواه الدارقطني (٢).
ولأنه يخاف الضرر على نفسه، أشبه المريض، بل أولى.
(أو) يخاف العطش على (رفيقه المحترم) لأن حرمته تقدم على الصلاة بدليل ما لو رأى غريقًا عند ضيق وقتها، فيتركها، ويخرج لإنقاذه. فلأن تقدم على الطهارة بالماء بطريق الأولى. قال أحمد (٣): عدة من الصحابة تيمموا
стр. 436
وحبسوا الماء لشفاههم (١).
(ولا فرق) في الرفيق المحترم (بين المزامل له، أو واحد من أهل الركب) لأنه لا يخل بالمرافقة.
(ويلزمه) أي: من معه الماء (بذله) (٢) أي: لعطشان يخشى تلفه.
وفي حبس الماء لعطش الغير المتوقع روايتان، اختار الشريف وابن عقيل وجوبه، وصوبه في "تصحيح الفروع".
وقيل: يستحب. قال المجد: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. وقدمه في "الرعاية الكبرى" و"مجمع البحرين".
ولو خاف على نفسه العطش بعد دخول الوقت، ففيه وجهان.
قال في "تصحيح الفروع": الصواب الوجوب، وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب. منهم الشيخ الموفق.
والقول بعدم الوجوب ضعيف جدًا فيما يظهر.
و (لا) يلزم بذل الماء (لطهارة غيره بحال) سواء كان يجد غيره أو لا، طلبه بثمنه أو لا، كسائر الأموال، لا يلزم بذلها إلا لضرورة ولا ضرورة هنا.
وأخرج بقوله: المحترم: الزاني المحصن، والمرتد، والحربي. فلا يلزم بذله له إذا عطش، وإن خاف تلفه.
(أو) عطش يخافه (على بهيمته، أو بهيمة غيره المحترمتين) لأن للروح
стр. 437
حرمة، وسقيها واجب. ودخل في ذلك كلب الصيد. وخرج عنه العقور والخنزير ونحوه، لعدم احترامه.
(قال) أبو الفرج عبد الرحمن (ابن الجوزي: إن احتاج الماء للعجن، والطبخ، ونحوهما، تيمم وتركه) أي: الماء لذلك، اقتصر عليه في "الفروع". وجزم به في "المنتهى"، وحكاه في "الرعاية" بصيغة التمريض.
(وإذا وجد الخائف من العطش ماء طاهرًا، وماء نجسًا) وكان (يكفيه كل منهما لشربه، حبس الطاهر) لشربه (وأراق النجس إن استغني عن شربه) سواء كان في الوقت، أو قبله، لعدم حاجته إليه.
(فإن خاف حبسهما) للحاجة، وكما لو انفرد النجس.
(ولو مات رب الماء) وبقي ماؤه (يممه رفيقه العطشان) كما يتيمم لو كان حيًا لذلك (وغرم) العطشان (ثمنه) أي: قيمة الماء (في مكانه) أي: مكان إتلافه (وقت إتلافه لورثته) لانتقاله إليهم كسائر أمواله، وإنما غرمه بقيمته مع أنه مثلي، دفعًا للضرر عن الورثة، إذ الماء لا قيمة له في الحضر غالبًا، وإن كانت فشيء تافه بالنسبة لما في السفر. وظاهر "النهاية": إن غرمه في مكانه أي: التلف، فبمثله.
(ومن أمكنه أن يتوضأ، ويجمع الماء) الذي توضأ به ويشربه (لم يلزمه، لأن النفس تعافه) أي: تعاف شربه.
(ومن خاف فوت رفقته) باستعمال الماء (ساغ له التيمم) قال في "الفروع": وظاهر كلامه، ولو لم يخف ضررًا بفوت الرفقة، لفوت الإلف والأنس.
(وكذا لو خاف على نفسه، أو ماله في طلبه) أي: الماء (خوفًا محققًا، لا جبنًا) وهو الخوف لغير سبب، والخوف المحقق (كأن كان بينه
стр. 438
وبين الماء سبع) أي: حيوان مفترس (أو حريق، أو لص، ونحوه) ساغ له التيمم، لأن الضرر منفي شرعًا.
(أو خاف) بطلب الماء (غريمًا يلازمه، ويعجز عن أدائه) فله التيمم، دفعًا للضرر عنه، فإن قدر على وفائه حالّ دينه، لم يجز له التيمم، لإثمه بالتأخير إذن.
(أو خافت امرأة) بطلب الماء (فساقًا) يفجرون بها، فتتيمم، (بل يحرم عليها الخروج في طلبه) إذن، لأنها تعرض نفسها للفساد، ومثلها الأمرد.
(ولو كان خوفه لسبب ظنه، فتبين عدم السبب، مثل من رأى سوادًا بالليل ظنه عدوًا، فتبين أنه ليس بعدو بعد أن تيمم وصلى لم يعد) لكثرة البلوى به، بخلاف صلاة الخوف، فإنها نادرة في نفسها، وهي بذلك أندر.
(ويلزمه) أي: عادم الماء إذا وجبت عليه الطهارة (شراء الماء) الذي يحتاجه لها (بثمن مثله في تلك البقعة، أو مثلها) أي: مثل تلك البقعة (غالبًا) لأنه قادر على استعماله من غير ضرر؛ ولأنه يلزمه شراء سترة عورته للصلاة فكذا هنا.
(و) يلزمه أيضًا شراؤه بـ (زيادة يسيره) عرفًا؛ لأن ضررها يسير، وقد اغتفر اليسير في النفس (كضرر يسير في بدنه من صداع، أو برد) فهنا أولى.
و (لا) يلزمه شراء الماء (بثمن يعجز عنه) ويتيمم، لأن العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل، كالعجز عن ثمن الرقبة في الكفارة.
(أو) أي: ولا يلزم شراء الماء بثمن (يحتاجه لنفقة، ونحوها) كقضاء دينه، ومؤنة سفره، ولا فرق بن نفقته، ونفقة عياله من مؤنة، وكسوة، وغيرهما (وحبل، ودلوٍ، كما) يلزم شراؤهما بثمن مثل، أو زائد يسيرًا، إذا احتاج إليهما.
стр. 439
و (يلزمه طلبهما) أي: الحبل، والدلو، أي: استعارتهما ليحصل بهما الماء؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(و) يلزمه (قبولهما) أي: الحبل والدلو (عارية) لأن المنة في ذلك يسيرة.
(وإن قدر على) استخراج (ماء بئر بثوب يبلّه، ثم يعصره، لزمه) ذلك لقدرته على تحصيله، كما لو وجد حبلًا، ودلوا (إن لم تنقص قيمة الثوب أكثر من ثمن الماء) الذي يستخرجه في مكانه، فإن نقصت أكثر من ثمنه لم يلزمه، كشرائه.
(ويلزمه قبول الماء قرضًا (١). وكذا) يلزمه قبول (ثمنه) قرضًا (وله ما يوفيه) منه، لأن المنة في ذلك يسيرة.
و (لا) يلزمه (اقتراض ثمنه) أي: الماء للمنة.
(ويلزمه قبول الماء) إذا بذل له (هبة) لسهولة المنة فيه، لعدم تموله عادة.
و (لا) يلزمه قبول (ثمنه) هبة للمنة.
(ولا) يلزمه (شراؤه) أي: الماء (بدين في ذمته) ولو قدر على أدائه في بلده، لأن عليه ضررًا في بقاء الدين في ذمته، وربما تلف ماله قبل أدائه، وكالهدي.
وقال القاضي: يلزمه كالرقبة في الكفارة.
وأجيب: بأن الفرض متعلق بالوقت بخلاف المكفر.
(فإن كان بعض بدنه جريحًا ونحوه) بأن كان به قروح (وتضرر) بغسله ومسحه بالماء (تيمم له) أي: للجريح ونحوه، لما تقدم.
стр. 440
(و) يتيمم أيضًا (لما يتضرر بغسله مما قرب منه) أي: من الجريح ونحوه، لمساواته له في الحكم (فإن عجز عن ضبطه) أي: ضبط الجريح وما قرب منه، مما يتضرر بغسله (لزمه أن يستنيب إن قدر) على الاستنابة، بأن وجد من يستنيبه وأجرته إن طلبها (وإلا) أي: وإن لم يقدر على الاستنابة (كفاه التيمم) فيصلي بها، ولا إعادة.
(فإن أمكن مسحه) أي: الجرح، ونحوه (بالماء وجب) المسح (وأجزأ) لأن الغسل مأمور به والمسح بعضه، فوجب، كمن عجز عن الركوع، والسجود، وقدر على الإيماء. فإن كان الجرح نجسًا، فقال في "التلخيص": يتيمم، ولا يمسح. ثم إن كانت النجاسة معفوًا عنها ألغيت، واكتفى بنية الحدث، وإلا نوى الحدث، والنجاسة إن شرطت فيها، قاله في "المبدع".
(وإن كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء، لزم مراعاة ترتيب، وموالاة في وضوء) لا غسل (فيتيمم له) أي: للجرح (عند غسله، لو كان صحيحًا) لأن البدل يعطى حكم مبدله.
(فإن كان الجرح في الوجه قد استوعبه) وأراد الوضوء (لزمه التيمم أولًا) لقيامه مقام غسل الوجه (ثم يتم الوضوء.
وإن كان) الجرح (في بعض الوجه خُيّر بين غسل الصحيح منه) أي: من الوجه (ثم يتيمم، وبين التيمم) أولًا (ثم يغسل صحيح وجهه) لأن العضو الواحد لا يعتبر فيه ترتيب (ثم يكمل وضوءه.
وإن كان الجرح في عضو آخر) غير الوجه (لزمه غسل ما قبله) مرتبًا (ثم كان الحكم فيه) أي: الجريح (على ما ذكرنا في الوجه) فإن استوعبه الجرح تيمم بعد غسل ما قبله، وإن لم يستوعبه، خير بعد غسل ما قبله بين أن يتيمم للجرح ثم يغسل الباقي، أو يغسل الصحيح، ثم يتيمم للجرح.
стр. 441
(وإن كان) الجرح (في وجهه، ويديه، ورجليه، احتاج في كل عضو إلى تيمم في محل غسله؛ ليحصل الترتيب) ولو غسل صحيح وجهه، ثم تيمم لجرحه وجرح يديه تيممًا واحدًا لم يجزئه؛ لأنه يؤدي إلى سقوط الفرض عن جزء من الوجه واليدين في حال واحدة، فيفوت الترتيب.
لا يقال: يبطل هذا بالتيمم عن جملة الطهارة حيث يسقط الفرض عن جميع الأعضاء جملة واحدة؛ لأنه إذا كان عن جملة الطهارة فالحكم له دونها. وإن كان عن بعضها ناب عن ذلك البعض، فاعتبر فيه ما يعتبر فيما ينوب عنه من الترتيب.
(ويبطل وضوؤه، وتيممه بخروج الوقت) فلو كان الجرح في رجله فتيمم له عند غسلها، ثم بعد زمن لا تمكن فيه الموالاة خرج الوقت بطل تيممه، وبطلت طهارته بالماء أيضًا، لفوات الموالاة، فيعيد غسل الصحيح، ثم يتيمم عقبه.
(ولا تبطل طهارته بالماء، إن كان غسلًا لجنابة ونحوها) كحيض، أو نفاس (بخروجه) أي: الوقت (بل) يبطل (التيمم فقط) لأن غسل الجنابة ونحوها لا يعتبر فيه ترتيب ولا موالاة بخلاف الوضوء.
(وإن وجد ما يكفي بعض بدنه، لزمه استعماله جنبًا كان، أو محدثًا، ثم تيمم للباقي) لقوله ﷺ : "إذا أمرتُكُمْ بأمرٍ فائْتُوا منهُ ما استطعْتُمْ" رواه البخاري (١). ولأنه قدر على بعض الشرط، فلزمه كالسترة.
ولا يصح أن يتيمم قبل استعماله، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً
стр. 442
فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) فاعتبر استعماله أولًا ليتحقق الشرط الذي هو عدم الماء، وليتميز المغسول عن غيره، ليعلم ما يتيمم له.
وإن تيمم في وجهه، ثم وجد ماء طهورًا يكفي بعض بدنه بطل تيممه. قال في "الرعاية": إن وجب استعماله بطل، وإلا فلا.
(وإن وجد ترابًا لا يكفيه للتيمم، استعمله وصلى) قلت: ولا يزيد على ما يجزئ على ما يأتى. وظاهره: ولا إعادة. وفي "الرعاية": ثم يعيد الصلاة إن وجد ما يكفيه من ماء، أو تراب.
(ومن كان على بدنه نجاسة، وهو محدث، والماء يكفى أحدهما، غسل النجاسة، ثم تيمم من الحدث)، ولو كانت النجاسة في ثوبه أو بقعته فكذلك (إلا أن تكون النجاسة في محل يصح تطهيره من الحدث فيستعمله) أي: الماء (فيه عنهما) أي: عن الحدث والنجس. قاله المجد.
قلت: وهذا واضح إن كان الحدث أكبر.
فإن كان أصغر، فعلى كلامهم: لابد من مراعاة الترتيب. فإن كان لا يبقى للنجاسة ما يزيلها بعد مراعاته، قدمها، كما لو كانت بغير أعضاء الوضوء.
(ولا يصح تيممه إلا بعد غسل النجاسة) تحقيقًا لشرطه (٢).
(ولو كانت النجاسة فى ثوبه) أو بقعته (غسله أولًا، ثم تيمم) لما تقدم.
стр. 443
فصل
(ومن عدم الماء وظن وجوده) لزمه طلبه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (١) ولا يقال: "لم يجد" إلا لمن طلب؛ ولأن التيمم بدل؛ فلم يجز العدول إليه قبل طلب المبدل، كالصيام في كفارة الترتيب.
(أو شك) أي: تردد في وجود الماء (ولم يتحقق عدمه) ولو ظن عدم وجوده، قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب (لزمه طلبه) أي: الماء (في رحله) أي: مسكنه وما يستصحبه من الأثاث (وما قرب منه عرفًا) لما تقدم (فيفتش من رحله ما يمكن أن يكون فيه) إذ تفتيش ما لا يمكن أن يكون فيه طلب للمحال.
(ويسعى في جهاته الأربع) قدامه، ووراءه، ويمينه، وشماله (إلى ما قرب منه مما عادة القوافل السعي إليه) لأن ذلك هو الموضع الذي يطلب الماء فيه عادة.
(ويسأل رفقته) ذوي الخبرة بالمكان (عن موارده) أي: الماء (و) يسألهم (عن ماء معهم ليبيعوه له، أو يبذلوه) له.
قال في "المغني" و"الشرح": وإن كان له رفقة يُدِل عليهم طلبه منهم.
(ووقت الطلب بعد دخول الوقت) لأنه إذن يخاطب بالصلاة، وبشروطها (فلا أثر لطلبه قبل ذلك) أي: قبل دخول الوقت، لأنه ليس مخاطبًا بالتيمم قبله.
(فإن رأى خضرة، أو) رأى (شيئًا يدل على الماء لزمه قصده،
стр. 444
فاستبرأه) ليتحقق شرط التيمم.
(وان كان بقربه ربوة، أو شيء قائم أتاه فطلبه) أي: فتش (عنده) قطعًا للشك.
(وإن كان سائرًا طلبه أمامه) فقط، لأن في طلبه فيما عدا ذلك ضررًا به.
(فإن دله) أي: أرشده (عليه ثقة) أي: عدل ضابط، لزمه قصده، إن كان قريبًا عرفًا.
(أو علمه قريبًا) عرفًا (لزمه قصده) ولم يصح تيممه إذن، لقدرته على استعماله، حيث لم يخف ضررًا، ولا فوت وقت ولا رفقة.
(ويلزمه) أي: عادم الماء (طلبه لوقت كل صلاة) لأنه مخاطب بها وبشروطها، كلما دخل وقتها. وهذا كله إذا لم يتحقق عدمه، كما يفهم مما سبق في كلامه؛ فإن تحقق عدمه لم يلزمه طلبه؛ لأنه أثر لطلب شيء متحقق العدم.
(ومن خرج إلى أرض) أي: مزارع، ومحتطبات (بلده لحرث، أو صيد، أو احتطاب، ونحوها) كأخذ حشيش، وكما لو خرج لحصاد ودياس ونحوه (حمله) أي: الماء معه وجوبًا (إن أمكنه) حمله، لأنه لا عذر إذن في عدم حمله، والواجب لا يتم إلا به (فإن لم يمكنه حمله، ولا الرجوع) إلى محل الماء (للوضوء) أو نحوه (إلا بتفويت حاجته تيمم) لأنه عادم للماء (وصلى، ولا يعيد) وكذا لو حمله وفقد، أو لم يحمله لغير عذر (كما لو كانت حاجته في أرض قرية أخرى) غبر بلده (ولو كانت قريبًا) لما تقدم أنه لا فرق بين بعيد السفر وقريبه، لعموم قوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (١).
стр. 445
(ولو مر بماء قبل الوقت، أو كان معه) الماء (فأراقه) قبل الوقت (ثم دخل الوقت، وعدم الماء) فلا إثم عليه، لعدم تفريطه؛ لأنه ليس مخاطبًا بالطهارة قبل دخول وقت الصلاة. و (صلى بالتيمم) لأنه عادم الماء (ولا إعادة عليه) لأنه أتى بما هو مكلف به.
(وإن مر به) أي: الماء (في الوقت، وأمكنه الوضوء ولم يتوضأ، ويعلم أنه لا يجد غيره) حرم، لتفريطه بترك ما هو واجب عليه بلا ضرورة.
فإن لم يمكنه الوضوء، أو توضأ ثم انتقض بعد مفارقة الماء وبعده عنه، أو كان لا يعلم أنه لا يجد غيره، فلا إثم عليه، لعدم تفريطه.
(أو كان) الماء (معه فأراقه في الوقت) حرم، لأنه وسيلة إلى فوات الطهارة بالماء الواجبة.
(أو باعه) أي: الماء فيه أي: الوقت (أو وهبه فيه) لغير محتاج لشرب (حرم) عليه ذلك، لما تقدم (ولم يصح البيع و) لا (الهبة) لأنه تعلق به حق الله تعالى. فهو كالمنذور عتقه نذر تبرر، لعجزه عن تسليمه شرعًا.
(أو وهب له) ماء أو بذل قرضًا في الوقت (فلم يقبله حرم) عليه (أيضًا) لتفويته الطهارة الواجبة.
(وإن تيمم وصلى في الجميع) أي: جميع الصور المتقدمة (صح) تيممه وصلاته لعدم قدرته على الماء حينئذ. أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت (ولم يعد) الصلاة؛ لأنها صلاة بتيمم صحيح، لما تقدم.
وهذا كله إذا كان الماء قد عدم، فإن كان باقيًا وقدر على تحصيله لم يصح تيممه، ولا صلاته؛ لقدرته على الماء، ولم يقيد به لوضوحه.
(وإن نسي الماء) وتيمم لم يجزئه، قال في "الفروع": ويتوجه: أو ثمنه، أي: إذا كان الماء يباع ونسي ثمنه، وتيمم، وصلى لم يجزئه؛ لأن
стр. 446
النسيان لا يخرجه عن كونه واجدًا. وشرط إباحة التيمم عدم الوجدان، ولأنها طهارة تجب مع الذكر. فلم تسقط بالنسيان كالحدث.
(أو جهله) أي: الماء (بموضع يمكنه استعماله وتيمم، لم يجزئه) لتقصيره، كمصل عريانًا ناسيًا، أو جاهلًا بالسترة، ومكفر بصوم ناسيًا، أو جاهلًا وجود الرقبة (كأن يجده) أي: الماء (بعد ذلك) أي: التيمم (فى رحله وهو) أي: رحله (في يده) المشاهدة، أو الحكمية (أو) يجده (ببئر بقربه، أعلامها ظاهرة) وكان يتمكن من تناوله منها، فلا يصح تيممه إذن، ولا صلاته لما تقدم.
(فأما إن ضل عن رحله وفيه الماء وقد طلبه) فإن التيمم يجزئه. ولا إعادة عليه.
(أو) تيمم ثم وجد بئرًا بقربه، و (كانت أعلام البئر خفية ولم يكن يعرفها) قبل ذلك (أو كان يعرفها وضل عنها فإن التيمم يجزئه، ولا إعادة عليه لأنه ليس بواجد للماء، وغير مفرط.
(وإن أدرج أحد الماء في رحله، ولم يعلم به) حتى صلى بالتيمم، فإنه يعيد لتفريطه بعدم طلبه في رحله.
(أو كان الماء مع عبده، ولم يعلم به السيد، ونسي العبد أن يعلمه حتى صلى بالتيمم، فإنه يعيد) ما صلاه بذلك التيمم، كما لو كان النسيان منه، وكنسيانه رقبة مع عبده، وقيل: لا يعيد، لأن التفريط من غيره.
(ويتيمم لجميع الأحداث) أما الأكبر. فلقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١) والملامسة الجماع.
وعن عمران بن حصين أن النَّبيَّ ﷺ "رأى رجلًا معتزِلًا لم يصلِّ مَعَ
стр. 447
القومِ، فقال: ما مَنعَكَ أنْ تُصَلِّيَ؟ فقال: أصابتْنِي جنابةٌ ولا ماءَ، فقال: عليكَ بالصعيدِ، فإنه يَكْفِيكَ" متفق عليه (١).
والحائض والنفساء إذا انقطع دمهما، والكافر إذا أسلم كالجنب.
وأما الأصغر فبالإجماع، وسنده قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (٢).
وقوله: ﷺ : "الصعيدُ الطيبُ طهورُ المسلم" (٣).
ولأنه إذا جاز للجنب جاز لغيره من باب أولى.
(ولنجاسة على جرح، وغيره على بدنه فقط، تضره إزالتها، أو) يضره (الماء) الذي يزيلها به، لعموم حديث أبي ذر، ولأنها طهارة في البدن تراد للصلاة، أشبهت الحدث.
واختار ابن حامد، وابن عقيل: لا يتيمم لنجاسة أصلًا كجمهور العلماء؛ لأن الشرع إنما ورد بالتيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه، لأن الغسل إنما يكون في محل النجاسة دون غيره.
وعلم من قوله: فقط: أنه لا يتيمم لنجاسة ثوبه، ولا بقعته، لأن البدن له مدخل في التيمم، لأجل الحدث. فدخل فيه التيمم لأجل النجس. وذلك معدوم في الثوب، والمكان.
ولا يتيمم لنجاسة معفو عنها.
(ولا إعادة) لما صلاه بالتيمم للنجاسة على البدن، كالذي يصليه بالتيمم للحدث، وإنما يتيمم لنجاسة البدن (بعد أن يخفف منها ما أمكنه) تخفيفه
стр. 448
بحك يابسة، ومسح رطبة (لزومًا) أي: وجوبًا، فلا يصح التيمم لها قبل ذلك، لأنه قادر على إزالتها في الجملة، لحديث: "إذا أمرتُكم بأمرٍ فائتُوا منه ما اسْتَطَعتُمْ" (١).
(وإن تيمم حضرًا، أو سفرًا خوفًا من البرد) ولم يمكنه تسخينه، ولا استعماله على وجه لا يضره، وتقدم (وصلى، فلا إعادة عليه) لحديث عمرو ابن العاص. وتقدم (٢). ولم يأمره ﷺ بالإعادة، ولو وجبت لأمره بها؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة غير جائز. وقيس الحضر على السفر.
(ومن عدم الماء والتراب، أو لم يمكنه استعمالهما) أي: الماء والتراب (لمانع، كمن به قروح لا يستطيع معها مس البشرة بوضوء ولا تيمم. صلى) الفرض فقط (على حسب حاله وجوبًا) لقوله ﷺ : "إذا أمرتُكُمْ بأمرٍ فائْتُوا منهُ ما اسْتَطَعْتُم" (١).
ولأن العجز عن الشرط لا يوجب ترك المشروط، كما لو عجز عن السترة والاستقبال.
(ولا إعادة) لما روي عن عائشة: "أنها استعَارتْ منْ أسْمَاءَ قلادةً فضلَّتْهَا، فبعثَ رسولُ اللهِ ﷺ رجالًا في طلَبِهَا، فوجَدُوهَا، فأدركَتْهُم الصلاةُ، وليَس معهُم ماءٌ فصلوا بغيرِ وضوءٍ فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ فأنزلَ اللهُ آيةَ التيمُّم" متفق عليه (٣). ولم يأمرهم بالإعادة، ولأنه أحد شروط الصلاة، فسقط
стр. 449
عند العجز. كسائر شروطها.
(ولا يزيد هنا على ما يجزئ في الصلاة من قراءة، وغيرها) فلا يقرأ زائدًا على الفاتحة، ولا يسبح أكثر من مرة، ولا يزيد على ما يجزئ في طمأنينة ركوع، أو سجود، أو جلوس بين السجدتين، وإذا فرغ من قراءة الفاتحة ركع في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الأول نهض في الحال، وإذا فرغ مما يجزئ في التشهد الأخير سلم في الحال.
(ولا يتنفل، مَنْ عدم الماء، والتراب، ونحوه؛ لأنه إنما أبيح له الفرض لدعاء الضرورة إليه.
(ولا يؤم) من يصلي على حسب حاله (متطهرًا بماء، أو تراب) لعدم صحة اقتداء المتطهر بالمحدث العالم بحدثه، وعلم منه أنه يؤم مثله.
(ولا يقرأ في غير صلاة إذ كان جنبًا، ونحوه) كحائض ونفساء؛ لما تقدم فى الغسل.
(وتبطل صلاته) أي: صلاة المصلي على حسب حاله (بالحدث فيها) وبطروء نجاسة لا يعفى عنها؛ لأن ذلك ينافي الصلاة، فاقتضى وجوده بطلانها على أي حالة كانت، ثم يستأنفها على حسب حاله.
و (لا) تبطل صلاة المصلي على حسب حاله (بخروج وقتها) بخلاف صلاة المتيمم؛ لأن التيمم يبطل. فتبطل الصلاة بخلاف ما هنا.
(وتبطل الصلاة على الميت إذا لم يغسل، ولم ييمم). لعدم الماء، والتراب، وصلى عليه (بغسله أو بتيممه) متعلق بتبطل، والمراد بوجود ما يغسل به أو ييمم به (بعدها) أي: بعد الصلاة عليه.
(وتعاد الصلاة عليه) أي: على الميت بعد أن يغسل أو ييمم وجوبًا للقدرة عليها بشرطها.
стр. 450
(ويجوز نبشه) بعد دفنه (لأحدهما) أي: للغسل أو التيمم (مع أمن تفسخه) لأنه مصلحة بلا مفسدة.
فإن خيف تفسخه لم ينبش.
стр. 451
فصل
(ولا يصح التيمم إلا بتراب طهور) ؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (١) وما لا غبار له، كالصخر لا يمسح بشيء منه.
وقال ابن عباس: "الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر" (٢).
يؤكده قوله ﷺ : "وجُعِلَ لي الترابُ طَهُورًا" رواه الشافعي، وأحمد من حديث علي (٣). وهو حديث حسن، فخص ترابها بحكم الطهارة، وذلك يقتضي نفي الحكم عما عداه.
стр. 452
والقول بأن "من" لابتداء الغاية، قال في "الكشاف" (١): قول متعسف، ولا يفهم أحد من العرب من قول القائل: مسح برأسه من الدهن، ومن الماء، والتراب، إلا معنى التبعيض. والإذعان للحق أحق من المراء.
فلا يصح التيمم برمل، ونحت حجارة، ونحوه، ولا بتراب زالت طهوريته، وتأتي تتمته.
(مباح) فلا يصح بمغصوب ونحوه، لحديث: "من عملَ عملًا ليسَ عليهِ أمرنا فهو ردٌّ" (٢). قال في "الفروع": وتراب مغصوب كالماء، وظاهره: ولو تراب مسجد، وفاقًا للشافعي (٣)، وغيره. ولعله غير مراد، فإنه لا يكره بتراب زمزم، مع أنَّه مسجد.
(غير محترق) فلا يصح التيمم بما حرق من خزف، ونحوه؛ لأن الطبخ أخرجه عن أن يقع عليه اسم التراب.
(له غبار يعلق باليد) أو غيرها لما تقدم. (ولو على لبد أو غيره) كثوب، وبساط، وحصير، وحائط، وصخرة، وحيوان، وبرذعة حمار، وشجر، وخشب، وعدل شعير، ونحوه، مما عليه غبار طهور (حتى مع وجود تراب) ليس على شيء مما تقدم فلا يصح التيمم بسبخة، ونحوها مما ليس له غبار.
و (لا بطين) رطب، لأنه ليس بتراب (لكن إن أمكنه تجفيفه والتيمم به قبل خروج الوقت، لزمه ذلك) لأنه قادر على استعماله في الوقت، فلزمه كما لو وجد ماء ببئر، فإن لم يمكنه إلا بعد خروج الوقت، لم يلزمه.
(ولا) يصح التيمم (بتراب مقبرة تكرر نبشها) لاختلاطه بالصديد (فإن لم
стр. 453
يتكرر) نبشها (جاز) التيمم بترابها.
وإن شك فيه، أو في نجاسة التراب الذي يتيمم به، جاز التيمم به؛ لأن الأصل الطهارة، قاله في "الشرح" ومنع منه ابن عقيل، وإن لم يتكرر.
(وأعجب الإمام أحمد حمل التراب لأجل التيمم) احتياطًا للعبادة (وقال الشيخ (١) وغيره: لا يحمله) قال في "الفروع": وهو أظهر، وقال في "الإنصاف": (وهو الصواب) إذ لم ينقل عن الصحابة، ولا غيرهم من السلف فعل ذلك، مع كثرة أسفارهم.
(ولو وجد ثلجًا وتعذر تذويبه، لزمه مسح أعضائه) الواجب غسلها (به) لقوله ﷺ : "إذا أمرتكم بأمرٍ فائتُوا منهُ ما استَطعتُم" (٢)؛ ولأنه ماء جامد تعذر أن يستعمل الاستعمال المعتاد وهو الغسل، لعدم ما يذيبه، فوجب أن يستعمل الاستعمال المقدور عليه (ويعيد) الصلاة إن لم يجر على الأعضاء بالمس، لأنه صلى مع وجود الماء في الجملة بلا طهارة كاملة، ومثله لو صلى بلا تيمم، مع وجود طين يابس عنده، لعدم ما يدقه به، ليصير له غبار.
(وإن كان) الثلج (يجري) أي: يسيل على الأعضاء (إذا مس يده) وغيرها من باقى الأعضاء (لم يعد) الصلاة حيث جرى بالمس. لوجود الغسل المأمور به، وإن كان خفيفًا.
(ولو نحت الحجر حتى صار ترابًا، لم يصح التيمم به) لما تقدم، (لا الطين الصلب كـ) ـالطين (الأرمني إذا دقه) وصار له غبار، فإنه يصح التيمم به، لأنه تراب.
(فإن خالط التراب) الطهور (ذو غبار لا يصح التيمم به، كالجص
стр. 454
ونحوه) كالنورة، ودقيق البر، ونحوه (فكالماء إذا خالطته الطاهرات) فإن كانت الغلبة للتراب جاز، وإن كانت للمخالط لم يجز، ذكره القاضي، وأبو الخطاب. قياسًا على الماء.
وإن خالطه نجاسة، فقال ابن عقيل: لا يجوز التيمم به، وإن كثر التراب، لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه، فهو كالمائعات.
(ولا يكره التيمم بتراب زمزم مع أنه مسجد، وما تيمم به) وهو ما تناثر من الوجه واليدين، أو بقي عليهما بعد مسحهما به (كماء مستعمل) لأنه استعمل في طهارة أباحت الصلاة، فأشبه الماء.
(ولا بأس بما تيمم منه) يعني لو تيمم جماعة من موضع واحد، فلا بأس بذلك، بلا خلاف، كما لو توضؤوا من حوض واحد يغترفون منه.
(وتشترط النية لما يتيمم له) من حدث أو خبث، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (١)؛ ولأن التيمم طهارة حكمية، بخلاف غسل النجاسة.
(ولو يممه غيره فكوضوء) إن نواه المفعول به صح، إن لم يكن الفاعل مكرهًا (وتقدم فيه) باب الوضوء.
(فينوي) بالتيمم (استباحة ما لا يباح إلا به) كالصلاة ونحوها، ويعين ما يتيمم له وفرضه، إن كان له نفل؛ لقوله ﵇: "وإنما لكلّ امرئٍ ما نوى" (١).
(فإن نوى رفع الحدث لم يجزئه) لأن التيمم غير رافع، كما تقدم بخلاف الوضوء والغسل.
стр. 455
فصل
(وفرائضه) أي: التيمم عن حدث أصغر (أربعة) أشياء:
(مسح جميع وجهه ولحيته) لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (١) واللحية من الوجه، لمشاركتها له في حصول المواجهة (سوى ما تحت شعره ولو خفيفًا، و) سوى (مضمضة، واستنشاق) فلا يدخل التراب فمه، وأنفه، قال في "الإنصاف": قطعًا (بل يكرهان) لما فيهما من التقذير.
(فإن بقي من محل الفرض شيء لم يصله التراب، أمرَّ يده عليه ما لم يفصل راحته) لأن الواجب تعميم المسح، لا تعميم التراب، لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾ (فإن فصلها) أي: الراحة (وقد كان بقي عليها غبار، جاز أن يمسح بها) ما بقى من محلّ الفرض؛ لأنه غبار طهور (وإن لم يبق عليها شيء) من الغبار (ضرب ضربة أخرى) ليحصل مسح باقي محلّ الفرض بالتراب.
(وإن نوى) استباحة ما يتيمم له (وأمر وجهه على التراب) ومسحه به، صح.
(أو) نوى ثم (صمده) أي: وجهه (للريح، فعم التراب) الوجه (ومسحه به صح) التيمم، إذا أتمه؛ لوجود المسح بالتراب الطهور بعد النية، كما لو صمد أعضاء الوضوء بعد نيته لمطر، أو ميزاب، حتى جرى الماء عليها.
و (لا) يصح تيممه (إن سفته) أي: التراب (ريح قبل النية، فمسح به) ما يجب مسحه، لمفهوم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ (١) لأنه لم يقصده.
стр. 456
(و) الفرض الثاني (مسح يديه إلى كوعيه) لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ (١) وإذا علق حكم بمطلق اليدين، لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج، ولحديث عمار قال: "بعثَنِي النبيُّ ﷺ في حاجةٍ، فأجْنَبْتُ، فلم أجد ماءً، فتمرغتُ في الصَّعيدِ كما تتمرَّغُ الدابة، ثمَّ أتيتُ النَّبي ﷺ فذكرتُ ذلكَ لهُ. فقال: إنما كانَ يكفيكَ أن تقول بيديكَ هكَذا، ثم ضربَ بيَديهِ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسح الشمالَ على اليمينِ، وظاهر كفيهٍ ووجهَهُ" متفق عليه (٢).
وفي لفظ: أن النبي ﷺ "أمرهُ بالتيمُّمِ للوَجهِ والكَفَّينِ" (٣) صححه الترمذي.
وأما رواية أبي داود: "إلى المرفقين" (٤) فلا يعول عليها، لأنه إنما رواها سلمة، وشك فيها. ذكر ذلك النسائي، فلا تثبت مع الشك مع أنه قد أنكر عليه، وخالف به سائر الرواة الثقات.
стр. 457
(فلو قطعت يده من الكوع لا من فوقه، وجب مسح موضع القطع) لبقاء بعض محل الفرض، كما لو قطعت من دون الكوع.
(وتجب التسمية) في تيمم، وظاهره: ولو عن نجاسة ببدن (كوضوء، وتقدم) في باب الوضوء.
(و) الفرض الثالث، والرابع: (ترتيب، وموالاة في غير حدث أكبر) يعني في حدث أصغر؛ لأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب والموالاة فرضان في الوضوء فكذا في التيمم القائم مقامه، وخرج التيمم لحدث أكبر، ونجاسة ببدن، فلا يعتبر فيه ترتيب، ولا موالاة.
(وهي) أي: الموالاة (هنا) أي: في التيمم أن لا يؤخر مسح عضو عما قبله (زمنًا بقدرها في الوضوء) أي: بحيث لو قدر مغسولًا لجف بزمن معتدل.
(ويجب تعيين النية لما يتيمم له) كصلاة، وطواف، ومس مصحف (من حدث أصغر، أو أكبر، أو نجاسة على بدنه) لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يكن بد من التعيين تقويه لضعفه.
وصفة التعيين: أن ينوى استباحة صلاة الظهر مثلًا من الجنابة إن كان جنبًا، أو من الحدث إن كان محدثًا، أو منهما إن كان جنبًا محدثًا. وما أشبه ذلك.
(وإن كان) التيمم (عن جرح في عضو من أعضائه، نوى التيمم عن غسل ذلك العضو) الجريح، إن لم يمكن مسحه بالماء بلا ضرر، وإن كان الجريح جنبًا فهو مخير؛ إن شاء قدَّم التيمم على الغسل، وإن شاء أخَّره، بخلاف ما إذا كان التيمم لعدم ما يكفيه لجميع أعضائه. فإنه يلزمه استعمال الماء أولًا. كما تقدم.
стр. 458
(فإن نوى جميعها) أي: نوى استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، والأصغر، والنجاسة ببدنه (صح) تيممه (وأجزأه) لأن كل واحد يدخل في العموم. فيكون منويًا.
(وإن نوى أحدها) أي: المذكورات (لم يجزئه عن الآخر) أي: عن الذي لم ينوه لحديث: "وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (١) (فلو تيمم للجنابة) ونحوها (دون الحدث) الأصغر (أبيح له ما يباح للمحدث، من قراءة ولبث في مسجد. ولم تبح له صلاة، و) لا (طواف، و) لا (مس مصحف) لأنه لم ينو الاستباحة من الحدث الأصغر.
(وإن أحدث) من تيمم للجنابة، ونحوها (لم يؤثر ذلك في تيممه) لأن حكمه حكم مبدله، وهو الغسل.
(وإن تيمم للجنابة والحدث، ثم أحدث بطل تيممه للحدث، وبقي تيمم الجنابة) حتى يخرج الوقت، أو يوجد موجب الغسل.
وكذا لو تيمم للحدث والخبث ببدنه، وأحدث، بطل تيممه للحدث، وبقي تيممه للخبث.
(ولو تيممت بعد طهرها من حيضها) أو نفاسها (لحدث الحيض) أو النفاس (ثم أجنبت) أو أحدثت (لم يحرم وطؤها) لبقاء حكم تيممها.
(وإن تنوعت أسباب أحد الحدثين ونوى) الاستباحة من (أحدها أجزأ) التيمم (عن الجميع) لأنَّ حكمها واحد، وهو إما إيجاب الوضوء، أو الغسل وكطهارة الماء، لكن لو نوى الاستباحة من أحدها على أن لا يستبيح من غيره، لم يجزئه على قياس ما تقدم في الوضوء، وأولى.
(ومن نوى) بتيممه (شيئًا) أي: استباحة شيء تشترط له الطهارة
стр. 459
(استباحه) لأنه منوي (و) استباح (مثله) فمن نوى بتيممه صلاة الظهر مثلًا، فله فعلها، وفعل مثلها، كفائتة. لأنهما في حكم صلاة واحدة (و) استباح (دونه) أي: دون ما نواه، كالنفل في المثال، لأنه أخف. ونية الفرض تتضمنه.
و (لا) يستبيح من نوى شيئًا (أعلى منه) فمن نوى النفل لا يستبيح الفرض. لأنه ليس منويًا لا صريحًا، ولا ضمنًا.
(فإن نوى نفلًا) لم يصل إلَّا نفلًا، لما تقدم.
(أو أطلق النية للصلاة) بأن نوي استباحة الصلاة، ولم ينو فرضًا، ولا نفلًا (لم يصل إلا نفلًا) لأن التعيين شرط، ولم يوجد في الفرض، وإنما أبيح النفل، لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق. والطواف كالصلاة فيما تقدم.
(وإن نوى) بتيممه (فرضًا) كظهر، أو عصر (فعله، و) فعل (مثله، كمجموعة وفائتة، و) فعل ما (دونه) كمنذورة ونافلة، لما تقدم (فأعلاه) أي: أعلى ما يباح بالتيمم (فرض عين) كالصلوات الخمس (فنذر) صلاة (فـ) ـفرض (كفاية، فنافلة، فطواف نفل).
قال في "الشرح": وإن نوى نافلة أبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف، والطواف، لأن النافلة آكد من ذلك كله، لكون الطهارة مشترطة لها بالإجماع. قال: وإن نوى فرض الطواف استباح نفله. ولا يستبيح الفرض منه بنيه النفل، كالصلاة.
وقال في "المبدع": ويباح الطواف بنية النافلة في الأشهر، كمس المصحف.
قال الشيخ تقي الدين (١): ولو كان الطواف فرضًا، خلافًا لأبي المعالي.
стр. 460
(فمس المصحف، فقراءة، فلبث) وسكوتهم عن الوطء يعلم أنه دون الكل.
(ولو تيمم صبي لصلاة فرض، ثم بلغ، لم يجز له أن يصلي به فرضًا، لأن ما نواه كان نفلًا) وهو دون الفرض.