← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

(ولا تُملك معادن ظاهرة) بإحياء (ولا تحجر (١)) أي: لا يجوز لأحد أن يتحجرها ليختص بها. (وهي) أي: المعادن الظاهرة (ما لا تفتقر إلى عمل) بأن كان يُتوصل إلى ما فيها بلا مؤنة (كملح، وقار، ونفط، وكحل، وجص، وياقوت، وماء، وثلج) - في عَدِّهما من المعادن نظر - (ومُوْميا (٢)، وبِرَام، وكبريت، ومقاطع طين) - في جعله من المعادن نظر - (ونحوها) لأن فية ضررًا بالمسلمين، وتضييقًا عليهم؛ لأن النبي ﷺ "أقطعَ أبيضَ بنَ حَمَّالٍ معدِن الملحِ، فلما قيل لهُ: إنه بمنزلةِ الماءِ العِدِّ، ردَّهُ" (٣)؛ كذا

стр. 4307

قال أحمد (١). (ولا) تُملك ولا تُحتجر معادن (باطنة) وهي التي تحتاج في إخراجها إلى حفر ومؤنة (ظهرت) الباطنة (أو لا، كحديد ونحوه) من نحاس، وذهب، وفضة، وجوهر، وشبهها (بإحياء) متعلِّق بـ "لا تملك"؛ لأن الإحياء الذي يملك به هو العمارة التي يتهيأ بها المُحْيَا للانتفاع من غير تكرار عمل، وهذا حفر وتخريب يحتاج إلى تكرار عند كل انتفاع. (ولا) يُملك بإحياء (ما نضب) أي: غار (عنه الماء، مما كان مملوكًا وغلب) الماء (عليه، ثم نضب) الماء (عنه، بل هو باقٍ على ملك مُلَّاكه) قبل غلبة الماء عليه، فـ (ــلهم أخذه) لأنها لا تزيل ملكهم عنه. (أما ما نضب) أي: غار (عنه الماء من الجزائر، والرقاق) بفتح الراء: أرض لينة أو رمال يتصل بعضها ببعض؛ قاله في "الحاشية". وقال بعضهم: أرض مستوية لينة التراب تحتها صلابة (مما لم يكن مملوكًا، فلكلِّ أحد إحياؤه) بَعُدَت أو قربت (كموات) قال الحارثي: مع عدم

стр. 4308

الضَّرر، ونص عليه (١). انتهى. وقال في "التنقيح": لا يُملك بالإحياء. وتبعه في "المنتهى". وقال أحمد (٢) في رواية العباس بن موسى: إذا نضب الماء من جزيرة إلى فناء رجل، لم يَبْنِ فيها؛ لأن فيه ضررًا، وهو أن الماء يرجع. أي: يرجع إلى ذلك المكان، فإذا وجده مبنيًّا رجع إلى الجانب الآخر، فأضر بأهله؛ ولأن الجزائر منبت الكلأ والحطب، فجرت مجرى المعادن الظاهرة. (و ليس للإمام إقطاع معادن ظاهرة أو باطنة) لما فيه من التضييق، وصحح في "الشرح" جوازه؛ لأن النبي ﷺ "أقطعَ بلال بن الحارثِ معادِنَ القَبَليَّة، جليسها وغويرها (٣) " رواه أبو داود وغيره (٤). (فإن كان بقرب الساحل موضع، إذا حصل فيه الماء، صار ملحًا، ملك بالإحياء، وللإمام إقطاعه) لأنه لا تضييق على المسلمين بذلك، بل يحدث نفعه بالعمل فيه، فلم يمنع منه، كبقية الموات. وإحياؤه بتهيئته لما يصلح له، من حفر ترابه، وتمهيده، وفتح قناة إليه؛ لأنه يتهيأ بهذا للانتفاع به. (وإذا مَلك المُحيا) بأن أحيا ما يجوز له إحياؤه (ملكه بما فيه من المعادن الجامدة، كمعادن الذهب والفضة ونحوهما) كالجواهر (باطنة

стр. 4309

كانت) المعادن (أو ظاهرة) تبعًا للأرض؛ لأنه ملك الأرض بجميع أجزائها وطبقاتها، وهذا منها، فدخل في ملكه على سبيل التبعية، ويفارق الكنز؛ لأنه مودَع فيها للنقل عنها، فالباطنة: كالذهب، والفضة، والحديد، والرصاص. والظاهرة: كالكحل، والجص، والزرنيخ، والكبريت. قال في "الشرح" و"المبدع": ولو تحجَّر الأرض، أو أقطعها، فظهر فيها المعدن قبل إحيائها كان له إحياؤها، ويملكها بما فيها؛ لأنه صار أحق بتحجره وإقطاعه، فلم يُمنع من إتمام حَقّه. (وإن ظهر فيه) أي: المُحْيَا من الأرض (عين ماء، أو معدن جار) إذا أُخذ منه شيء خلفه غيره، كنفط، وقار (أو) ظهر فيها (كلأ، أو شجر، فهو أحق به بغير عوض) لأنه لو سبق إلى المباح الذي ليس بأرضه كان أحق به؛ لقوله ﷺ : "مَن سبقَ إلى ما لم يَسبِقْ إليهِ مسلِمٌ فهو لهُ" رواه أبو داود (١). وفي لفظ: "فهو أحقُّ بهِ" فهنا أَولى. (ولا يملكه) لحديث ابن عباس "الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ: في الماء، والكَلأ، والنارِ" رواه الخلال وابن ماجه (٢) وزاد: "وثمنهُ حرامٌ" ولأنها ليست من أجزاء الأرض، فلم تُملك بملكها كالكنز. (وما فَضَل من مائه الذي في قرار العين، أو) في قرار (البئر) عن حاجته، وحاجة عياله، وماشيته، وزَرْعه (لزمه بَذْله لبهائم غيره، إن لم يوجد ماء مباح، ولم يتضرَّر) ربُّ الأرض (به، سواء اتَّصل) موضع الماء (بالمرعى، أو بَعُدَ عنه.

стр. 4310

ويلزم) أيضًا (بَذْله لزَرْعِ غيره، ما لم يؤذِهِ بالدُّخول) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تمنعُوا فضلَ الماءِ، لتمنعُوا بهِ الكلأ" متفق عليه (١). وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "مَن مَنَعَ فَضْلَ مائِهِ، أو فضلَ كَلَئِهِ، مَنَعَهُ الله فضلهُ يوم القيامةِ" رواه أحمد (٢). ولا يتوعد على ما يحلُّ. (فإن آذاه) بالدخول، فله منعه، وكذا لو تضرَّرَ ببَذْلِهِ، أو وجد مباحًا غيره (أو كان له فيه) أي: البئر (ماء السماء، فيخاف عطشًا، فلا بأس أن يمنعه) لأنه ملكه بالحِيازة، فلم يلزمه بذله كسائر أملاكه،

стр. 4311

بخلاف العِدِّ. (وكذا لو حازه) أي: الماء العِدّ (في إناء) لم يلزمه بَذْله لغيره، لما تقدم، إلا عند الاضطرار بشرطه (وعند الأذى بورود الماشية إله) أي: إلى الماء العِدِّ الفاضل عن حاجة رَبِّ أرضه (فيجوز لِرُعاتها سوق فضل الماء إليها) لأن فيه تحصيلًا للمقصود بلا مفسدة. (ولا يلزمه) أي: مَن وَجَبَ عليه بَذْل الماء (بذل آلة الاستسقاء (١)، كالحبل والدَّلو والبكرة) لأنها تتلف بالاستعمال، أشبهت بقية ماله، لكن إن اضطر بلا ضرر على رَبِّها، لزم بذلها. ويأتي في الأطعمة. (وإذا حفر بئرًا بـ) ــأرض (مَوَات للسابلة) أي: لنفع المجتازين (فالناس مشتركون في مائها، والحافر لها كأحدهم في السقي، والزرع، والشُّرب) لأن الحافر لم يَخصَّ بها نفسه ولا غيره (وعند الضِّيق) أي: التزاحم (يُقدَّم الآدمي) في السقي؛ لأنه أشدُّ حُرمة (ثم) تُقدم (البهائم) لأن لها حُرمة (ثم) يُسقى (الزرع. وإن حَفَرها) أي: البئر (ليرتفق هو) أي: الحافر (بمائها كحفر السُّفَّارة في بعض المنازل) بئرًا ليرتفقوا بمائها، وكحفر المنتجعين (كالأعراب، والتُّركمان ينتجعون أرضًا فيحفرون لشربهم، وشُرب دوابهم، لم يملكوها) لأنهم جازمون بانتقالهم عنها، وتركها لمن ينزل منزلتهم، بخلاف الحافر للتملك (وهم أحق بمائها ما أقاموا) لسبقهم (وعليهم بَذْل الفاضل) من الماء (لشاربه) للخبر السابق (وبعد رحيلهم تكون سابلةً للمسلمين) لأنه ليس أحد ممن لم يحفرها أحق من الآخر. (فإن عادوا) أي: الحافرون (إليها، كانوا أحقَّ بها) من غيرهم؛

стр. 4312

لأنهم لم يحفروها إلا لأنفسهم، ومن عادتهم الرحيل والرجوع، فلم تزل أحقيتهم بذلك. (قال في "المغني") و"الشرح": (وعلى كل حالٍ لكل أحد أن يستقي من الماء الجاري لشربه، وطهارته، وغسل ثيابه، وانتفاعه به في أشباه ذلك) أي: المذكور من الشرب، والطهارة، وغسل الثياب (مما لا يؤثِّر فيه من غير إذن) رَبِّه (إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع من ذلك) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "ثلاثةٌ لا ينظرُ الله إليهم ولا يُزكيهم ولهم عذابٌ أليمٌ: رجلٌ كان بفضلِ ماءٍ بالطَّريقِ، فمنعهُ ابنَ السبيلِ" رواه البخاري (١). فأما ما يؤثِّر فيه كسقي الماشية الكثيرة، فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه، لزمه بذله لذلك، وإلا؛ فلا، وتقدم (٢). (وقال الحارثيُّ: الفضل الواجب بذله ما فضل عن شَفَتِهِ وشَفَةِ عياله، وعجينهم، وطبيخهم، وطهارتهم، وغسل ثيابهم، ونحو ذلك، وعن مواشيه، ومزارعه، وبساتينه) لأن ذلك كله من حاجته. وإن حفر البئر بموات تملُّكًا، فهي له كما يأتي، كما لو حفرها بملكه الحي. فصل (وإحياء الأرض) المَوَات (أن يحوزها بحائط منيع) بحيث (يمنع) الحائط (ما وراءه) لقوله ﷺ : "مَن أحاطَ حائطًا على أرضٍ فهي لهُ" رواه

стр. 4313

أحمد وأبو داود عن جابر (١)، ولهما مثله عن سمرة بن جندب (٢). (ويكون البناء مما جرت عادة) أهل (البلد البناء به) مِن لَبِنٍ، أو آجُر، أو حجر، أو قصب، أو خشب ونحوه (سواء أرادها) المُحيي (لبناء، أو زرع، أو) أرادها (حظيرة غنم، أو) حظيرة (خشب ونحوهما، ولا يُعتبر في ذلك) أي: في الإحياء (تسقيف) ولا نصب باب؛ لأنه لم يُذكر في الخبر، والسُّكنى ممكنة بدونه.

стр. 4314

(أو) أن (يُجرِيَ لها ماء) بأن يسوق إليها ماء نهر، أو بئر (إن كانت لا تُزرع إلا به) أي: بالماء المسوق إليها؛ لأن نفع الأرض بالماء أكثر من الحائط. (أو) أن (يحفِر فيها بئرًا يكون فيها ماء، فإن لم يصل إلى الماء، فهو كالمتحجر الشارع في الإحياء، على ما يأتي) تفصيله. قال في "التلخيص" وغيره: وإن خرج الماء، استقر ملكه، إلا أن تحتاج إلى طَي، فتمام الإحياء طَيها. (أو) أن (يغرِس فيها شجرًا) بأن كانت لا تصلح للغراس لكثرة أحجارها أو نحوها، فينقِّيها ويغرسها؛ لأنه يُراد للبقاء، كالحائط. (أو) أن (يمنع) عن الموات (ما لا (١) يمكن زرعها إلا بحبسه عنها، كأرض البطائح) لأن بذلك يتمكَّن من الانتفاع بها، ولا يُعتبر أن يزرعها ويسقيها. (وإن كان المانع من زَرْعِها كثرة الأحجار كأرض اللَّجَاة (٢)) ناحية بالشام (فإحياؤها بقلع أحجارها وتنقيتها. وإن كانت غياضًا وأشجارًا، كأرض الشعراء (٣)، فبأن يقلع أشجارها، ويزيل عروقها المانعة من الزرع) لأنه الذي يتمكَّن به من الانتفاع بها. (ولا يحصُل الإحياء بمجرد الحَرْث والزَّرْع) لأنه لا يُراد للبقاء،

стр. 4315

بخلاف الغرس (ولا) يحصُل الإحياء - أيضًا - (بخندق يجعله عليها) أي: حول الأرض التي يريد إحياءها (أو) بـ (ـــشوك وشِبهه يَحوطها به، ويكون تحجُّرًا) لأن المسافر قد ينزل منزلًا، ويحوط على رحله بنحو ذلك. (وإن حفر) في موات (بئرًا عاديَّة) بتشديد الياء، نسبة إلى عاد، ولم يرد عادًا بعينها، لكن لما كانت عاد في الزمن الأول وكانت لها آثار في الأرض نُسب إليها كل قديم، فلذا قال (وهي القديمة التي انطمت، وذهب ماؤها، فجَدَّد حفرها وعمارتها، أو انقطع ماؤها فاستخرجه، مَلَكها وملك حريمها خمسين ذراعًا من كل جانب. و) البئر (غير العاديَّة) حريمها (على النصف) من حريم العادية، فهو خمسة وعشرون ذراعًا من كل جانب؛ لما روى أبو عبيد في "الأموال" عن سعيد بن المسيب قال: "السُّنةُ في حريمِ القَليبِ العادِي خمسونَ ذراعًا، والبدِيءِ خمسةٌ وعشرونَ" (١)، وروى الخلال والدارقطني نحوه مرفوعًا (٢).

стр. 4316

وعُلم من كلامه: أن البئر التي لها ماء ينتفع به الناس ليس لأحد احتجاره، كالمعادن الظاهرة. (وحريم عين وقناة) من مَوات حولها (خمسمائة ذراع) قلت: لعل المراد بذراع اليد؛ لأنه المتبادر عند الإطلاق. (وحريم نهر من حافتيه ما يحتاج) النهر (إليه لطرح كِرايته) أي: ما يلقى منه طلبًا لسرعة جريه (وطريق شاوِيْه) أي: قيِّمه. قال في "شرح المنتهى": والكراية والشاوي لم أجد لهما أصلًا في اللغة بهذا المعنى، ولعلهما مولدتان من قبل أهل الشام (وما يستضِرُّ صاحبه بتملُّكه عليه، وإن كثر) وكذا ما يرتفق به حوله؛ لأنه من مصالحه. (وله) أي: لصاحب النهر (عمل أحجارِ طَحْنٍ على النهر، ونحوه، وموضع غرس وزرع ونحوهما) قاله في "الرعاية". قال: وإن كان بجنبه مُسَنَّاةٌ (١) لغيره ارتفق بها في ذلك - أي: في تنظيفهِ - ضرورةً. (وحريم شجرة قَدْر مَدِّ أغصانها، و) الحريم (في النخل) بقَدْرِ (مَدِّ جريدها) لحديث أبي سعيد: "اختُصم إلى النبيِّ ﷺ في حريمِ نخلة، فأمرَ بجريدَةٍ من جرائِدها فذُرعت فكانت سبعةَ أذرعٍ أو خمسةَ أذرُعٍ، فقضى بذلك" رواه أبو داود (٢). (و) حريم (أرض) أُحييت (لزرعٍ) قَدْر (ما يحتاجه) زارعها (لسقيها، وربط دوابها، وطرح سَبَخها ونحو ذلك) كمصرِف مائها عند الاستغناء عنه؛ لأن ذلك كله من مرافقها.

стр. 4317

(وحريم دار من موات حولها مَطْرَحُ تراب، وكُناسة، وثلج، وماء ميزاب، وممر إلى بابها) لأن هذا كله مما يرتفق به ساكنها. (ولا حريم لدار محفوفة بملك الغير) من كل جانب؛ لأن الحريم من المرافق، ولا يرتفق بملك غيره؛ لأن مالكه أحق به (ويتصرَّف كل واحد) منهم (في ملكه، وينتفع به بحسب ما جرت به العادة، فإن تعدَّى) العادة (مُنِع) من التعدِّي، عملًا بالعادة. (ومن تحجَّر مواتًا) أي: شرع في إحيائه من غير أن يُتمه (بأن حفر بئرًا، ولم يصل إلى مائها، أو أدار حول الأرض) التي أراد إحياءها (تُرابًا، أو أحجارًا، أو جدارًا صغيرًا) لا يمنع ما وراءه (أو سبق إلى شجر مباح كالزيتون، والخرنوب، ونحوهما، فَشَفَّاه) - بالشين المعجمة والفاء (١) - أي: قطع الأغصان الرديئة لتخلفها أغصان جيدة، كما ذكره في "حاشية التنقيح"، وأطال فيه، وذكرناه في "حاشية المنتهى" (وأصلحه، ولم يُرَكِّبْه (٢)، ونحو ذلك) بأن خَنْدَقَ حول الأرض، أو حَرَثها، أو أدار حولها شوكًا، أو نحوه، لم يملكه بذلك (أو أقطعه له إمام، لم يملكه بذلك) لأن الملك إنما يكون بالإحياء، ولم يوجد (وهو) أي: المتحجِّر (أحق به) لقوله ﷺ : "مَن سبقَ إلى ما لم يَسبِق إليه مسلمٌ، فهو له" رواه أبو داود (٣). (و) كذا (وارثه بعده) يكون أحق به من غيره؛ لقوله ﷺ : "مَن تركَ

стр. 4318

حقًّا، أو مالًا، فهو لورثتهِ" (١)؛ ولأنه حق للموروث، فقام وارثه مقامه فيه، كسائر حقوقه. (و) كذا (من ينقله) المتحجِّر، أو وارثه (إليه بغير بيع) فيكون أحق به من غيره؛ لأن من له الحق أقامه مقامه فيه. (وليس له) أي: المتحجِّر، أو وارثه، أو من انتقل إليه من أحدهما (بيعه) لأنه لم يملكه، وشرط المبيع أن يكون مملوكًا. (فإن ركَّب، أي: أطعم الزيتون والخرنوب) بعد أن شَفَّاه وأصلحه (ملكه) لأنه تهيَّأ بذلك للانتفاع به لما يُراد منه، فهو كسوق الماء إلى الأرض المَوات (و) ملك أيضًا (حريمه) تبعًا له. وتقدم (٢). (فإن لم يُتِم إحياءه) أي: إحياء ما تحجَّره مما تقدم (وطالت المدة عُرفًا كنحو ثلاث سنين، قيل له) أي: المتحجِّر (إما أن تُحييه) فتملكه (أو تتركه) لمن يُحييه (إن حصل متشوِّف للإحياء) لأنه ضَيَّق على الناس في حق مشترك بينهم، فلم يُمكّن من ذلك، كما لو وقف في طريق ضيق، أو مَشْرَعة (٣) ماء، أو معدن، لا ينتفع، ولا يدع غيره ينتفع. (فإن طلب) المتحجِّر (المهلة لعُذر، أُمهل شهرين، أو ثلاثة، أو أقل على ما يراه الحاكم) لأنه يسير (وإن لم يكن له عُذر، فلا يُمهل) بل يقال له: إما أن تعمر، وإما أن ترفع يدك، فإن لم يعمرها، كان لغيره

стр. 4319

عمارتها. (وإن أحياه غيره) أي: غير المتحجِّر (في مدة المُهلة، أو قبلها لم يملكه) لمفهوم قوله ﷺ : "مَن أحيا أرضًا ميتةً في غيرِ حَقِّ مسلمٍ فهي له" (١)؛ ولأنه إحياء في حق غيره، فلم يملكه؛ ولأن حق المتحجر أسبق، فكان أولى. (و) إن أحياه أحد (بعدها) أي: بعد مضي مدة المهلة (ملكه) من أحياه، قال في "الإنصاف": لا أعلم فيه خلافًا. انتهى. وذلك لأن الأول لا ملك له، وحقه زال بإعراضه حتى مضت مدة الإمهال. (ومن نزل عن وظيفة) من إمامة، أو خطابة، أو تدريس، ونحوه (لزيد، وهو) أي: زيد (لها) أي: الوظيفة (أهلٌ، لم يتقرر غيره) فيها؛ لتعلُّق حقه بها. (فإن قُرِّرَ هو) أي: قرره من له الولاية كالناظر، تَمَّ الأمر له (وإلا) بأن لم يقرِّره من له ولاية التقرير (فهي) أي: الوظيفة (للنازل) لأنه لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته. (وقال الشيخ (٢): لا يتعين المنزول له، ويولي من له الولاية من يستحقها شرعًا) واعترضه ابن أبي المجد (٣): بأنه لا يخلو إما أن يكون

стр. 4320

نزوله بعوض أو لا، وعلى كل لم يحصل منه رغبة مطلقة عن وظيفته، ثم قال: وكلام الشيخ في قضية عين، فيحتمل أن المنزول له ليس أهلًا، ويحتمل عدمه. قال في "المبدع": وفيه نظر، فإن النزول يفيد الشغور، وقد سقط حقه بشغوره، إذ الساقط لا يعود. وقوله: "في قضية عين" الأصل عدمه. وقال الموضِّح: ملخص كلام الأصحاب: يستحقها منزولٌ له إن كان أهلًا، وإلا؛ فلناظر تولية مستحقها شرعًا. انتهى. ومما يُشبه النزول عن الوظائف: النزول عن الإقطاع، فإنه نزول عن استحقاقٍ يختص به؛ لتخصيص الإمام له استغلاله، أشبه مستحق الوظيفة، وأخذ العوض عن ذلك قريب من الخلع، كما قاله ابن نصر الله وغيره. قلت: وإن لم يتم النزول، فله الرجوعُ بما بذله من العوض؛ لأن البدل لم يسلم له. (وقال ابن القيم (١): ومن بيده أرض خراجية، فهو أحقُّ بها بالخراج، كالمستأجر) لأن عمر (٢) ﵁ أقرَّها بأيدي أربابها بالخراج الذي ضَرَبَه أجرةً لها في كل عام، فملكوا منافعها بالخراج الذي يبذلونه (ويرثها ورثته كذلك) فيكونون أحقَّ بها بالخراج. (وليس للإمام أخْذُها منه) أي: ممن هي بيده ولا من ورثته (ودفعها إلى غيره) لأنه أحق بها من غيره (وإن نزل عنها، أو آثر بها) أحدًا

стр. 4321

(فالمنزول له) أحقُّ بها (والمؤثَر أحقُّ بها) من غيره (وتقدم) في الأرضين المغنومة (١). (ومثله ما صحَّحه صاحب "الفروع" وغيره: لو آثر شخصًا بمكانه في الجمعة لم يكن لغيره) أي: المؤثَر (سبقه إليه؛ لأنه أقامه مقامه، أشبه من تحجَّر مواتًا، أو سبق إليه) أي: الموات (أو آثر به) فإنه ليس لأحد سبقه إليه. قال في "الفروع": ويتوجَّه مثله، أي: المُتحجِّر في أنه أحق به ومن ينقله إليه، في نزول مستحق عن وظيفةٍ لزيد، هل يتقرَّر فيها غيره؟ (فمراد صاحب "الفروع" بالتشبيه المذكور: أنه لم يتم النزول المذكور، إما لكونه قبل القَبول من المنزول له، أو قبل الإمضاء إذا كان النزول معلَّقًا بشرط الإمضاء، ممن له ولاية ذلك، فإنه حينئذ يشبه المُتحجِّر، فيجري فيه ما فيه من الخلاف. أما إذا تَمَّ النزول إما بالقَبول) من المنزول له (أو الإمضاء) ممن له ولاية ذلك (ووقع) النزول (الموقِعَ) لأهلية المنزول له، وانتفاء الموانع (فليس لأحد التقَرُّرُ) عن المنزول له (ولا) لناظر ولا غيره (التقرير فيه) أي: في المنزول عنه؛ لأن الحق انتقل إلى المنزول له عاجلًا بقَبوله، ولا يتوقف على تقرير ناظر، ولا مراجعته، إذ هو حق له نقله إلى غيره، وهو مطلق التصرُّف في حقوقه، ليس محجورًا عليه في شيء منها، أشبه سائر حقوقه. هذا وما ذكره المصنف قبله ملخص كلام ابن أبي المجد، وقد ذكره بطوله في "شرح المنتهى".

стр. 4322

(وهو) أي: المنزول عنه (حينئذ يُشَبَّه (١) بالمتحجَّر) بفتح الجيم (إذا أحياه مَن تحجَّره، و) يُشَبَّه (بالمؤثر بالمكان إذا صار فيه) ليس لأحد نزعه منه (لأنه لا تُرفع يد المُحيي عمَّا أحياه، ولا المؤثر يزال من المكان الذي أوثر به وصار فيه) بل هو أحق به. فصل في الإقطاع وقد قسمه الأصحاب إلى ثلاثة أقسام: إقطاع تمليك، وإقطاع استغلال، وإقطاع إرفاق. وقَسم القاضي إقطاع التمليك إلى: موات، وعامر، ومعادن. وجعل إقطاع الاستغلال على ضربين: عُشر، وخَراج. (وللإمام إقطاع مَوات لمن يُحييه) لأنه ﷺ أقطعَ بلالَ بن الحارثِ العقِيقَ (٢)، وأقطعَ وائلَ بنَ حُجْرٍ أرضًا (٣)، وأقطع أبو

стр. 4323

بكر (١) وعمر (٢) وعثمان (٣) وجمع من الصحابة.

стр. 4324

(ولا يملكه) أي: الموات (بالإقطاع) لأنه لو ملكه ما جاز استرجاعه (بل يصير) المُقطَع (كالمتحجِّر الشارع في الإحياء) لأنه ترجح بالإقطاع على غيره، ويُسمَّى تملكًا لمآله إليه. (ولا ينبغي للإمام أن يُقطِع إلا ما قدر) المقطَعُ (على إحيائه) لأن في إقطاعه أكثر من ذلك تضييقًا على الناس في حق مشترك بينهم مما لا فائدة فيه. (فإن أقطع) الإمام أحدًا (أكثر منه) أي: مما يقدر على إحيائه (ثم تبين عجزه عن إحيائه، استرجعه) الإمام منه، كما استرجع عمر من بلال بن الحارثِ ما عجز عن عمارته من العقيق الذي أقطعه إياه الرسول ﷺ (١). (وله) أي: للإمام (إقطاع غير مَوات تمليكًا وانتفاعًا؛ للمصلحة) لما تقدم. (ويجوز الإقطاع من مال الجِزية) المعروف في مصر بالجوالي (٢) (كما في الإقطاع من مال الخراج، والظاهر أن مرادهم) أي: الأصحاب (بالمصلحة) التي يجوز الإقطاع لأجلها (ابتداءً ودوامًا، فلو كان ابتداؤه) أي: الإقطاع (لمصلحة، ثم في أثناء الحال فُقِدت) المصلحة (فللإمام استرجاعها) أي: الأرض التي أقطعها؛ لأن الحكم يدور مع علته. (وله) أي: الإمام (إقطاع الجلوس في الطريق الواسعة، و) في

стр. 4325

(رحاب المساجد المتسعة غير المحوطة) لأن له في ذلك اجتهادًا من حيث إنه لا يجوز الجلوس إلا فيما لا يضرُّ بالمارَّة، فكان للإمام أن يُجْلِس فيها (ما لم يُضيِّق على الناس، فيحرم) عليه أن يُجْلِس من يرى أنه يضرُّ بالمارة. (ولا يملك ذلك المُقْطَعُ، ويكون) المقطع (أحقَّ بالجلوس فيها) بمنزلة السابق إليها بلا إقطاع، لكن لا يسقط حقُّه بنقل متاعه، بخلاف السابق (ما لم يَعُد الإمام فيه) أي: في إقطاعه؛ لأنه كما أن له اجتهادًا في الإقطاع، له اجتهاد في استرجاعه. وعُلم مما تقدم: أن رحبة المسجد لو كانت محوطة لم يجز إقطاع الجلوس بها؛ لأنها من المسجد. (فإن لم يقطعها) أي: الطريق الواسعة، ورحاب المسجد غير المحوطة (الإمام) أحدًا (فلمن سبق إليها الجلوسُ فيها بغير إذنه) لقوله ﷺ : "مَن سبقَ إلى ما لم يَسبِق إليهِ مسلمٌ فهو أحقُّ به" (١). واتفق أهل الأمصار في سائر الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير نكير (٢)، ومحله ما لم يضيق أو يضرَّ بالمارة (ويكون) السابق إليها (أحقَّ بها؛ ولو ليلًا، ما لم يَنقل متاعه عنها) لما سبق. (وإن أطال الجلوس فيها، أُزيل) لأنه يصير كالمتملك، ويختص بنفع يساويه فيه غيره، وإن قام وترك متاعه لم يجز لغيره إزالته، وإن نقل متاعه كان لغيره الجلوس فيها، ولو لم يأت الليل. (وإن) نفل متاعه لكن (أجلس غلامه، أو أجنبيًّا؛ ليحفظ له المكان حتى يعود، فهو كما لو ترك المتاع فيه) فليس لغيره الجلوس فيه.

стр. 4326

(وليس له) أي: الجالس بطريق واسع ونحوه (الجلوس بحيث يمنع جاره رؤية المُعاملين (١) لمتاعه، أو) يمنع (وصولهم) أي: المُعاملين (إليه) أي: إلى جاره (أو يُضيَّق عليه) أي: على جاره (في كَيْل، أو وزن، أو أَخْذٍ، أو إعطاء) لحديث: "لا ضررَ ولا ضرارَ" (٢). (وله) أي: الجالس بطريق واسع، أو رحبة مسجد غير مَحوطة (أن يُظَلل على نفسه فيها بما لا ضرر فيه، من بارية) أي: حصير (وكساء) لدعاء الحاجة إلى ذلك (وليس له أن يبني دَكَّة ولا غيرها) في الطريق ولو واسعًا، وتقدم في الصُّلح (٣)، ولا في رحبة المسجد؛ لما فيه من التضييق. (فإن سبق اثنان، فأكثر إليها) أي: إلى الطريق الواسع، أو إلى رحبة المسجد غير المحوطة (أو) سبق (إلى خان مسبل، أو) سبق إلى (رباط، أو) إلى (مدرسة، أو) إلى (خانكاه) ويقال: خانقاه (٤) (ولم يتوقف فيها) أي: المذكورات من الرباط، والمدرسة، والخانكاه (على تنزيل ناظر) وضاق المكان عن انتفاع جميعهم (أُقْرع) لأنهم استووا في السبق، والقُرعة مميزة. (ومن سبق إلى معدن مباح) غير مملوك (فهو أحقُّ بما ينالـ) ــه

стр. 4327

(منه) باطنًا كان المعدن، أو ظاهرًا؛ لحديث: "مَن سبقَ إلى ما لم يَسْبِق إليه مسلمٌ فهو له" (١) (ولا يُمنع) السابق (ما دام آخذًا) للحديث (ولو طال) مقامه (و) قال (في "المغني" و"الشرح": فإن أخذ قَدْر حاجته، وأراد الإقامة فيه بحيث يمنع غيره منه، مُنع من ذلك) لعدم دعاء الحاجة إليه. (فإن سبق اثنان، فأكثر إليه) أي: إلى المعدن المباح (وضاق المكان عن أخذهم جملة، أُقرع، كطريق) أي: كما لو سبق اثنان، فأكثر إلى طريق واسع، وضاق عن جلوسهما، فَيُقرع بينهما، كما سبق. (وإن حَفَره) أي: المعدن (إنسانٌ من جانب آخر) غير الذي حفر منه السابق (فوصل إلى النَّيْل لم يكن له) أي: السابق (منعه) لأن حَقَّه إنما تعلق بما وصل إليه دون غيره. (ومن سبق إلى مباح؛ فأخذه؛ مثل ما ينبت في الجزائر والرَّقاق (٢)، وكل مَوات من الطَّرْفاء (٣)، والقصب، والشَّعراء (٤)، وثمرِ الجبل، وغير ذلك من النباتات، أو) سبق (إلى صيد، ولو سَمَكًا، أو) سبق إلى (عَنْبر، وحَطَب، وثمر) مباح (ولؤلؤ، ومرجان) ونحوه كمِسْك، وعسل نحل

стр. 4328

(وما ينبذه الناس رغبة عنه) كعظم به شيء من لحم رُغِبَ عنه، ونثار في عرس ونحوه، وما يتركه الحصَّادُ من الزرع، واللّقَّاطُ من الثمر رغبة عنه (ملكه) آخذه، مسلمًا كان أو ذميًّا؛ للحديث السابق (والملك مقصور فيه على القَدْر المأخوذ) فلا يملك ما لم يحزه، ولا يمنع غيره منه. (وإن سبق إليه) أي: المُباح (اثنان) فأكثر (قُسم بينهما) بالسوية؛ لأنهم استووا في السبب، والقسمةُ ممكنة، وحذرًا من تأخير الحق (ولو كان الآخذ للتجارة أو للحاجة) أي: لا فرق بين ذي الحاجة والتاجر؛ لأن الاستحقاق بالسبب لا بالحاجة (ولا يقترعان) بل يقتسمان؛ لما سبق. (وكذا لو سبق) واحد، أو اثنان، فأكثر (إلى ما ضاع من الناس مما لا تتبعه الهِمَّة) أي: هِمَّة أوساط الناس؛ لأنه يملكه بمجرَّد الالتقاط، ولا يحتاج لتعريف (و) كذا من سبق إلى (ما يسقط عن الثلج والمَنِّ، وسائر المباحات) كاللَّاذن (١). (وإن سبق) إنسان (إلى لَقيط، أو) إلى (لُقَطَة، أو) سبق (إلى طريق، فهو أحقُّ به) لحديث: "من سبق" (٢) إلخ. (فإن رأى اللُّقَطة) أو اللَّقيط (واحدٌ، وسبق آخرُ إلى أخذها) أو أخذه، أي: اللَّقيط (فهي) وهو أي: اللقيط (لمن سبق) للحديث (٢). (فإن) رآهما اثنان و (أمر أحدهما صاحبه بأخذها) أو أخذه (فأخذها) أو أخذه (ونواه) أي: الآخذ (لنفسه، فهي) أي: اللُّقطة، أو اللَّقيط (له) أي: للآخذ؛ لأنه السابق، وقد عزل نفسه عن التوكيل بنية الأخذ له (وإلا) بأن لم يأخذهما لنفسه، فاللُّقطة واللَّقيط (لمن أمره)

стр. 4329

بالأخذ له (في قول) من يقول بصحة التوكيل في الالتقاط. وجزم به الموفَّق وغيره. والمذهب: لا يصح. وتقدم (١) في الوكالة، وتقدم (١) الفرق بينه وبين الاصطياد. فصل في مسائل من أحكام الانتفاع بالمياه غير المملوكة ونحوها (وإن (٢) كان الماء في نهر) صغير (غير مملوك، كمياه الأمطار، و) كـ (ــالأنهار الصغار، وازدحم الناسُ فيه) أي: الماء (وتشاحُّوا، فلمَن في أعلاه) أي: النهر (أن يبدأ) بالسقي (فيسقي) أرضه (ويحبس الماء) بها (حتى يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه) فيسقي ويحبسه إلى أن يصل إلى كعبه، ثم يرسله إلى من يليه، فيفعل (كذلك) وهلم جرًّا (إلى آخرهم) لحديث عبادة أن النبي ﷺ "قَضى في شُربِ النخلِ من السيلِ أنَّ الأعلى يشربُ قبلَ الأسفلِ، ويتركُ الماءَ إلى الكعبينِ، ثُمَّ يرسِلُ الماء إلى الأسفلِ الذي يليهِ، وكذلكَ حتى تنقضي الحوائط، أو يفنى الماءُ" رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد (٣).

стр. 4330

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4331

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4332

ومعناه قصة الزبير مع الأنصاري في "الصحيحين" (١). (فإن لم يَفْضُل) من الماء (عن الأول) شيء (أو) لم يَفْضُل (عَمَّن (٢) يليه) أي: الأول (شيء، فلا شيء للباقي) أي: لمن بعده؛ لأنه ليس له إلا ما فَضَل، فهو كالعصبة مع أصحاب الفروض في الميراث. (وإن كان بعض أرض أحدهم مُستفِلًا، و) كان (بعضها مُستعليًا، سقى كلَّ واحدة على حِدَتها) أي: انفرادها، فيسقي الأعلى، ثم يرسل الماء إلى من يليه، ثم كذلك حتى يصل إلى الأسفل، فيسقيه؛ لما تقدم. (فإن استوى اثنان) فأكثر (في القُرب من أول النهر، اقتسما الماء بينهما) على قَدْر الأرض (إنْ أمكن) قَسْمه؛ لتساويهما في الحق (وإلا) بأن لم يمكن قَسْمه بينهم (أُقرع. فإن كان الماء لا يفضل عن) سقي (أحدهما، سقى القارعُ) أوَّلًا (بقَدْر حَقِّه من الماء، ثم يتركه) أي: الماء (للآخر، وليس له أن يسقي بجميع الماء لمساواة الآخر له) في استحقاق الماء (وإنما القُرعة للتقدُّم) في استيفاء الحق لا في أصل الحق (بخلاف الأعلى مع الأسفل، فإنه ليس للأسفل حقٌّ إلا في الفاضل عن الأعلى) كما تقدم.

стр. 4333

(وإن كانت أرض أحدِهما أكثر من) أرض (الآخر، قُسِم الماء بينهما على قَدْر الأرض) فلو كان لأحدههما جَريب، وللآخر جَريبان مثلًا، قُسم بينهما أثلاثًا، لذي الجريب ثلث، وللآخر ثلثان، وهكذا؛ لأن مَنْ أرضُه أكثرُ مساوٍ للآخر في القُرب، فاستحقَّ جزءًا من الماء في نظير الزائد. (ولو احتاج الأعلى إلى الشِّرب) أي: سقي أرضه (ثانيًا قبل انتهاء سقي الأرض (١)، لم يكن له ذلك) إلى أن ينتهي سقي الأراضي؛ ليحصُل التعادل. (ومَن سبق إلى قناة لا مالك لها، وسبق آخرُ إلى بعض أفواهها من فوق، أو من أسفل، فلكلِّ واحدٍ منهما ما سبق إليه) لحديث: "مَن سبقَ إلى ما لم يَسبِق إليه مسلمٌ فهو له" (٢). (ولمالك أرض منعه من الدخول بها) أي: بأرضه (ولو كانت رسومها) أي: القناة (في أرضه) فلا يدخل المحيي أرضَ الغير بغير إذنه؛ لأنه تصرُّف في ملك الغير بغير إذنه، ولا يعارضه ما تقدم في الصلح (٣) من دلالة الرسوم على الملك؛ لأن المحيي إنما يملك القناة بالإحياء، فوجود الرسوم لا يدل على سبق ملكه، بخلاف الجار ونحوه ممن مُلْكه ثابت. (وإنه) بكسر الهمزة على الاستئناف (لا يملك) رب أرض (تضييق مجرى قناة في أرضه خوفَ لِصٍّ؛ لأنه) أي: مجراها (لصاحبها) أي:

стр. 4334

القناة، فلا يتصرف غيره فيه بغير إذنه. (وإن كان النهر كبيرًا، لا يحصُل فيه تزاحم، كالنيل والفُرات ودجلة، فلكلِّ أحد أن يسقي منه ما شاء، متى شاء، كيف شاء) لأنه لا ضرر في ذلك. (فإن أراد إنسان إحياء أرض يسقيها منه) أي: من السيل (أو) بسقيها (من نهر غير مملوك تجري فيه مياه الأمطار، ولو كان أقرب إلى أول النهر، لم يُمنع) أي: لم يمنعه من له حق في هذا الماء من الإحياء؛ لأن حقه في الماء لا في الموات (ما لم يضرَّ بأهل الأرض الشاربة منه) فيملكون منعه دفعًا للضرر عنهم (ولا يسقي) من أحيا بعدهم (قبلَهم) لأن حقَّهم أسبق؛ ولأن من ملك أرضًا ملكها بحقوقها ومرافقها، فلا يملك غيره إبطال حقوقها، وسبقهم إياه بالسقي من حقوقها. (ولو أحيا سابق في أسفَلِه) أي: النهر الصغير (ثم) أحيا (آخرُ فوقَه، ثم) أحيا (ثالثٌ فوقَ الثاني، سقى المحيي أولًا، ثم) سقى (الثاني، ثم) سقى (الثالث) لأن المعتبر السبقُ إلى الإحياء، لا إلى أول النهر. (ولو كان الماء بنهر مملوك، كحفر نهرٍ صغير سِيق (١) الماء إليه من نهر كبير، فما حصل فيه من الماء مُلِك) للحيازة. (فلو كان) النهر (لجماعة فـ) ــالماء (بينهم) على قَدْر ملكهم في النهر، وذلك معنى قوله: (على حسب العمل والنفقة) لأنه إنما ملك بالعمارة، والعمارة بالنفقة والعمل. (فإن لم يكفِهم) الماء (وتراضوا على قسمته، جاز) لأن الحق لا يعدوهم (وإلا) أي: وإن لم يتراضوا على قسمته (قسمه الحاكم) بينهم

стр. 4335

(على قَدْر ملكهم) أي: قسم لكل واحد من الماء بقَدْر ما يملك من النهر (فتؤخذ خشبة أو حجر مستوي الطرفين والوسط، فتوضع على موضع مستوٍ من الأرض في مصدم الماء، فيه) أي: المذكور من الخشبة أو الحجر (حزوزٌ أو ثقوب متساوية في السعة على قَدْر حقوقهم، يخرج من كل حَزٍّ أو ثقب إلى ساقية مفردة لكل واحد منهم، فإذا حصل الماء في ساقيته، انفرد به) فيتصرف فيه بما أحب؛ لأنه انفرد بملكه. (فإن كانت أملاكهم) مستوية فواضح، وإن كانت (مختلفة، قُسِم) الماء (على قَدْر ذلك) أي: أملاكهم (فإن كان لأحدهم نصفه، وللثاني ثلثه، وللثالث سدسه، جُعل فيه ستة ثقوب، لصاحب النصف ثلاثة) ثقوب (تصب في ساقيته، ولصاحب الثلث اثنان) يصبان في ساقيته (ولصاحب السدس واحد) يصب في ساقيته. (فإذا (١) أراد أحدهم أن يجري ماءه في ساقية غيره ليقاسمه في موضع آخر، لم يجز) له ذلك (بغير رضاه) لأنه يتصرف في ساقيته ويخرب حافتيها، ويخلط حقه بحق غيره على وجه لا يتميز. (وما حصل لأحدهم في ساقيته، تَصرَّف فيه بما أحب من عمل رحىً عليها) أي: الساقية (أو) عمل (دولاب، أو عبَّارة) بالعين المهملة والباء الموحدة (وهي خشبة تُمدُّ على طرفي النهر، أو) عمل (قنطرة يعبر الماء عليها، أو غير ذلك من التصرُّفات) لأنها ملكه لا حق لغيره فيها. (وأما النهر المشترك) بين جماعة (فليس لأحدهم أن يتصرف فيه بذلك) أي: بما أحب (فليس له) أي: أحد الشركاء (فتح ساقية إلى جانبه) أي: النهر (قبل المقسِم) بكسر السين، أي: موضع القسم، وهو

стр. 4336

الحجر أو الخشبة التي بها الثقوب (يأخذ حقه منها، ولا أن ينصب على حافتي النهر رَحىً تدور بالماء، ولا غير ذلك) من نحو ما تقدم (لأن حريم النهر مشترك، فلم يملك التصرُّف فيه بغير إذنهم) كسائر الحقوق المشتركة. "تتمة": نقل يعقوب (١) في من غُصب حقه من ماء مشترك؛ للبقية أخذ حقهم. (وإذا اقتسموا ماء النهر المشترك بالمُهَايأة، وكان حق كل واحد منهم معلومًا، مثل أن يجعلوا لكلِّ حصة يومًا وليلة، أو لواحد من طلوع الشمس إلى الزوال، وللآخر) من الزوال (إلى الغروب، ونحو ذلك) جاز. (أو اقتسموه بالساعات، وأمكن ضبط ذلك بشيء معلوم، جاز إذا تراضوا به) لأن الحق لا يتجاوزهم. (وتقدم في الصلح (٢): لو احتاج النهر) المشترك (ونحوه إلى عمارة، أو كَرْي) أي: تنظيف، وأنه على الشركاء بحسب أملاكهم. ومن سد له ماء لجاهه، فلغيره السقي منه لحاجة؛ ما لم يكن تركه يرده على من سد عنه. (ومن ترك دابة بمَهْلَكة، أو) بـ (ــفلاة لعجزه عن علفها، أو) تركها بهما (لانقطاعها) أي: عجزها عن المشي (ويأسه منها، ملكها مستنقذها نصًّا (٣)) لما روى الشعبي مرفوعًا: "مَن وجد دابةً قد عجز عنها أهلُها،

стр. 4337

فسيَّبوها، فأخذها، فأحياها، فهي له" قال عبيد الله بن حميد بن عبد الرحمن: فقلت - يعني للشعبي -: من حدَّثك بهذا؟ قال: غير واحد من أصحاب النبيِّ ﷺ ؛ رواه أبو داود بإسناده، والدارقطني (١)؛ ولأن فيه إحياءً لها، وإنقاذًا من الهلاك، وصونًا للمال عن الضياع، وحفظًا لحرمة الحيوان. (لا) إن أخذ (عبدًا أو متاعًا تركه) ربُّه (عجزًا) عنه، فلا يملكه بذلك، اقتصارًا على صورة النص؛ ولأن العبد يمكنه في العادة التخلُّص إلى الأماكن التي يعيش بها، والمتاع لا حُرمة له في نفسه، ولا يُخشى عليه التلف كما يُخشى (٢) على الحيوان، فإن الحيوان يموت إذا لم يُطعم ويُسقى، وتأكله السباع، والمتاع يبقى.

стр. 4338

(ولا ما أُلقي في البحر خوفًا من الغرق) فلا يملكه آخذه، قال الحارثيُّ: نص عليه (١)، وقيل: يملكه آخذه؛ قدَّمه في "الفائق" و"الرعايتين"، وصحَّحه في "النظم"، وقَطَع به في "التنقيح" و"المنتهى"، وتبعهم المصنف في اللقطة في ظاهر كلامه. (أو انكسرت السفينةُ، وأخرجه) أي: المتاع الذي كان فيها (قوم) فلا يملكونه (فيرجع آخذه) أي: العبد على ربه (بنفقة واجبة، و) بـ (ــأجرة حمل متاع) وإنقاذ العبد، أو المتاع من البحر، وإن لم يأذن ربه، كما يأتي في الجعالة؛ لأن فيه حَثًّا وترغيبًا في إنقاذ الأموال من الهلكة. (وللإمام أن يحمي) وفي نسخ: "أن يحيى" والأول الصواب، كما في "المقنع"، و"الفروع"، وغيرهما، ويدل عليه آخر كلامه (أرضَ مَوات لرعي دواب المسلمين التي يقوم بحفظها، من الصدقة والجِزية ودواب الغُزاة، و) رعي (ماشية الضعفاء عن البُعْد، للرعي وغير ذلك، ما لم يُضيِّق على المسلمين) لقول عمر رضي الله تعالى عنه: "المالُ مالُ الله، والعبادُ عبادُ الله. والله لولا ما أحمِلُ عليه في سبيل الله ما حميت من الأرض شبرًا في شبرٍ" رواه أبو عبيد (٢). قال مالك (٣): بلغني أنه كان يحمل على أربعين ألفًا من الظهر في

стр. 4339

سبيل الله. وروي - أيضًا - أن عثمان حَمى (١)، واشتهر ولم يُنْكَر، فكان كالإجماع (وليس ذلك) أي: الحِمى (لغيره) أي: الإمام؛ لقيام الإمام مقام المسلمين، فيما هو من مصالحهم دون غيره. (وما حَمَاه النبي ﷺ فليس لأحد) من الأئمة، أو غيرهم (نقضه ولا تغييره) لا (مع بقاء الحاجة إليه، و) لا مع (عدمها، ولا إحياؤه، فإن أحياه لم يملكه) لأن النص لا ينقض بالاجتهاد (وكان له ﷺ فقط) دون غيره (أن يحمي لنفسه) لقوله ﷺ : "لا حِمى إلَّا لله ولرسولهِ" رواه أبو داود (٢)، وذلك لأن صلاحه يعود إلى صلاح المسلمين، وماله كان يرده في المسلمين، ففارق الأئمة في ذلك، وساووه فيما كان صلاحه للمسلمين (ولم يفعل) أي: لم يحمِ ﷺ لنفسه شيئًا، وإنما حمى للمسلمين، فروى ابن عمر قال: "حَمَى النبيُّ ﷺ النَّقيعَ لخيلِ المسلمين"

стр. 4340

رواه أبو عبيد (١)، والنَّقيع بالنون: موضع ينتقع فيه الماء، فيكثر فيه الخصب. (وما حماه غيره) أي: غير النبي ﷺ (من الأئمة جاز له) أي: لذلك الحامي، نقضُه (و) جاز (لإمام غيره نقضه) لأن حمى الأئمة اجتهاد في حماه في تلك المدة دون غيرها (و) ينبني على ذلك أنه (يملكه محييه) لأن ملك الأرض بالإحياء منصوص عليه، والنص مقدَّم على الاجتهاد.

стр. 4341

(وليس للأئمة أن يحموا لأنفسهم شيئًا) لما تقدَّم من قوله ﷺ : "لا حِمى إلا للهِ ولرسولهِ" (١). (ومن أخذ مما حَمَاه إمام، عُزِّرَ في ظاهر كلامهم) لافتياته على الإمام (وظاهره: ولا ضمان) على من أخذه مما حَمَاه (٢) الإمام شيئًا؛ لأنه مباح، والمنع من حيث الافتيات فقط. ولا يجوز لأحد أن يأخذ من أرباب الدواب عوضًا عن مرعى موات أو حِمىً؛ لأنه ﷺ "شرَّكَ الناس فيه" (٣)؛ قاله في "الأحكام السلطانية" (٤). وإذا كان الحِمى لكافَّة الناس تساوى فيه جميعهم. فإن خص به المسلمين اشترك فيه غنيهم وفقيرهم، ومنع منه أهل الذمة، وإن خص به الفقراء منع منه الأغنياء وأهل الذمة، ولا يجوز أن يخص به الأغنياء، ولا أهل الذمة.

стр. 4342

باب الجعالة - بتثليث الجيم - رُوي عن ابن مالك (١). مشتقة من الجُعْل، بمعنى التسمية؛ لأن الجاعل يُسمِّي الجعل لمن يعمل له العمل، أو من الجَعْل بمعنى الإيجاب، يقال: جعلت له كذا، أي: أوجبت. ويُسمَّى ما يُعطاه الإنسان على أمر يفعله: جُعلًا، وجعالة، وجَعِيلة؛ قاله ابن فارس (٢). والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ (٣)، وحديث اللديغ (٤). (وهي جَعلُ شيءٍ) من المال (معلومٍ، كأجرة) بالرؤية أو الوصف، و (لا) يُشترط أن يكون معلومًا، إن كان (من مال حربي، فيصح) أن يجعل الإمام من مال حربي (مجهولًا) كثلث مال فلان الحربي، ونحوه لمن يدلُّ على قلعة ونحوها، وتقدم في الجهاد (٥). وقوله (لمن يعمل له عملًا مباحًا) متعلِّق بـ "جَعْل" (ولو) كان العمل المباح (مجهولًا (٦)) كخياطة

стр. 4343

ثوب لم يصفها، وردِّ لُقطة لم يُعيَّن موضعها؛ لأن الجعالة جائزة، لكل منهما فَسْخها، فلا يؤدي إلى أن يلزمه مجهولًا، بخلاف إجارة. (و) يصح - أيضًا - أن يجاعل (على) أن يعمل له (مدة، ولو مجهولة) كـ: من حَرَس زرعي فله كل يوم كذا. (سواء جعله لمعيَّن، بأن يقول من تصح إجارته) وهو جائز التصرف، لزيد مثلًا (إن رددت لُقَطتي، فلك كذا، فـ) ــيستحقه إن ردَّها، و (لا يستحقه من ردها سواه) أي: سوى المخاطب بذلك؛ لأن ربَّها لم يُجاعله على ردِّها. وإن كانت بيد إنسان، فجعل له مالكها جُعْلًا ليردها، لم يُبح له أخذه؛ ذكره في "المبدع". (أو) جعله لـ (ــصغير معيَّن بأن يقول: من ردَّ لُقَطتي، أو وجدها) فله كذا (أو) من (بنى لي هذا الحائط، أو) من (ردَّ عبدي) الآبق (فله كذا، فيصح العقد) مع كونه تعليقًا؛ لأنه في معنى المعاوضة، لا تعليقًا محضًا. (ويستحق) العامل (لجُعْل بالرد) أي: بعمل ما جُوعِل عليه، كرد اللُّقَطة أو العبد، وبناء الحائط ونحوه (ولو كان) المُسمَّى في ردِّ الآبق (أكثر من دينار، أو) أكثر من (اثني عشر درهمًا) فضة؛ لأنه قد استقرَّ على الجَاعل بالعمل (وإن لم يكن) المُسمَّى (أكثر) من دينار، أو اثني عشر درهمًا (فله) أي: العامل (في) ردِّ (العبد) الآبق (ما قَدَّره الشارع) دينارًا، أو اثني عشر درهمًا، وتلغى التسمية؛ قطع به الحارثي، وصاحب "المبدع"؛ لأن من أوجب عليه الشارع شيئًا مقدَّرًا من المال عند وجود

стр. 4344

سببه، استقر عليه كاملًا بوجود سببه، كأداء ربع مال الكتابة للمكاتَب عند أدائه مال كتابته، وقدم في "الفروع": أنه لا يستحق إلا المُسمَّى. قال في "التنقيح" و"شرح المنتهى": وهو ظاهر كلام غيره. وأطلق الوجهين في "المنتهى". (فمن فعله) أي: العمل المُسمَّى عليه الجُعْل (بعد أن بلغه الجعل، استحقه كدَيْن) أي: كسائر الديون عن المجاعل؛ لأن العقد استقرَّ بتمام العمل، فاستحق ما جُعل له، كالربح في المضاربة. (و) من بلغه الجُعْل (في أثنائه) أي: أثناء العمل الذي سُمي الجُعْل لمن عمله (يستحق) من الجُعل (حِصَّة تمامه) أي: العمل إن أتمَّه بنية الجُعل؛ لأن عمله فبل بلوغ الجُعل وقع غير مأذون فيه، فلم يستحق عنه عوضًا؛ لأنه بذلَ منافعَه متبرِّعًا بها، ويأتي: "من فَعَله قبل أن يبلغه الجُعل". (والجماعة) إن فعلت المُجَاعَل عليه (تقتسمه) أي: الجُعْل؛ لأنهم اشتركوا في العمل الذي به استحق الجُعل، بخلاف ما لو قال: من دخل هذا الثقب، فله دينار، فدخله جماعة، استحق كل واحد منهم دينارًا؛ لأنه دخل دخولًا كاملًا، بخلاف ردِّ اللُّقَطة ونحوه، فإنه لم يردها واحد منهم ردًّا كاملًا. ومن نحو ذلك لو قال: من نَقَبَ السورَ، فله دينار. فنقبه ثلاثة نقبًا واحدًا، اشتركوا في الدينار، وإن نَقَب كل واحد نقبًا، استحق كل واحد دينارًا. (وإذا ردَّ) العامل اللُّقَطة، أو العبد، ونحوهما (لم يكن له الحبس) أي: حبس المردود (على الجُعْل) فإن حبسه عليه وتلف، ضَمِنه (وإن تلف الجُعْل) بيد المجاعِل (كان له) أي: العامل (مثله إن كان مِثْليًا،

стр. 4345

وإلا) بأن لم يكن مِثْليًا (فقيمتُه) إذا ردّ. (فإن فاوت بينهم) أي: بين الجماعة العاملين (فجعل لواحد) على رَدّه (دينارًا، و) جعل (لآخر) دينارين (اثنين، و) جعل (لآخر ثلاثة) دنانير (جاز) على ما تراضوا عليه. (فإن) ردّه واحد استحق جعله، وإن (ردَّه الثلاثة، فلكل واحد ثلث جعله) وإن ردَّه اثنان منهم؛ فلكلٍّ منهما نصف جعله، وإن جعل لأحدهم دينارًا، وللآخرَين عوضًا مجهولًا فردوه، فلصاحب الدينار ثلثه، وللآخرَين أجرة عملهما. (وإن جعل) ربُّ العبد الآبق - مثلًا - (لواحد معيَّن) كزيد (شيئًا في ردِّه، فردَّه) زيد (هو وآخران معه، وقالا: رددناه معاونة له) أي: لزيد - مثلًا - (استحق) زيد (جميع الجُعْل، ولا شيء لهما) لأنهما تبرَّعا بعملهما. (وإن قالا: رددناه لنأخد العوض لأنفسنا، فلا شيء لهما) لأنهما عملا من غير جُعْل (وله) أي: زيد (ثلث الجُعْل) لأنه عمل ثلث العمل. (وإن نادى غيرُ صاحب الضالة، فقال: من رَدَّها فله دينار، فردَّها رجلٌ) أو امرأة (فالدينار على المنادي؛ لأنه ضَمِن) أي: التزم (العوض) ولا شيء على ربِّها؛ لأنه لم يلتزمه. (وإن قال) المنادي - غيرُ ربِّ الضالة - (في النداء: قال فلان: من ردَّ ضالتي، فله دينار) ولم يكن ربها قال ذلك (فردَّها رجل، لم يضمن المنادي) لأنه لم يلتزم العوض، والرَّادُّ مقصِّر بعدم الاحتياط. (وإن ردَّه) أي: العبد ونحوه (من دون المسافة المعينة، كأن قال) ربُّ آبق (من ردَّ عبدي من بلد كذا، فله كذا، فردَّه) إنسان (من بعض
следующие страницы →