أي: التصرُّف (الموصِي لكل منهما) فلكلٍّ منهما الانفراد حينئذ، لرضا الموصي بذلك (أو يجعله) أي: التصرُّف (لأحدهما) واليد للآخر (فيصحُّ تصرُّفه منفردًا) عملًا بالوصية.
(وإذا تصرَّفا) أي: أرادا التصرف (فالظاهر أن المراد) باجتماعهما ليس معناه تلفظهما بصيغ العقود معًا، بل (صدوره) أي: التصرُّف (عن رأيهما) واجتهادهما (ثم لا فرق بين أن يُباشر أحدهما) التصرف وحده (أو) يباشره (الغير بإذنهما، ولا يشترط توكيلهما) أي: أن يوكل أحدهما الآخر، وإن اختلفا في شيء وقف الأمر، حتى يتفقا.
(وإن مات أحدُهما، أو جُنَّ، أو غاب، أو وُجِد منه ما يوجب عزله) كسَفَه، وعزله نفسَه (ولم يكن الموصِي جعل لكل منهما الانفراد بالتصرف، أقام الحاكم مقامه) أي: الميت، أو المجنون ونحوه (أمينًا) ليتصرف مع الآخر.
(وإن أراد الحاكم أن يكتفي بالباقي منهما، لم يجز له) الاكتفاء به؛ لأن الموصي لم يكتف بأحدهما، فلا يقتصر عليه؛ إذ الوصية تقطع نظر الحاكم واجتهاده.
(فإن جعل الموصي لكلٍّ منهما الانفراد بالتصرُّف، أو جعله) أي: التصرف (لأحدهما، صح تصرُّفه منفردًا) وتقدم.
(فإن مات أحدهما والحالة هذه) لم يكن للحاكم أن يُقيم مقامه (أو خرج) أحدهما (عن أهلية التصرُّف) والحالة هذه (لم يكن للحاكم أن يُقيم مقامه، واكتفى بالباقي) منهما لرضا الموصي به (إلا أن يعجز) الباقي (عن التصرف وحده) فيضم الحاكم إليه أمينًا يعاونه.
(ولو حدث) لأحدهما (عَجْزٌ لضعف، أو كثرة عملٍ ونحوه، ولم
стр. 4727
يكن لكل واحد منهما التصرف منفردًا؛ ضُم أمين) أي: ضم الحاكم أمينًا، لمن عجز، يعاونه. والوصي هو الأول كما تقدم (١).
(وإذا اختلف الوصيان) وليسا مستقلين (عند من يُجعل المالُ منهما) بأن طلب كلٌّ أن يكون المال تحت يده، أو تحت يد الآخر (لم يجعل عند واحد منهما) لعدم رضى الموصي بذلك (ولم يقسم) المال (بينهما) لأن من لوازم الشركة في التصرُّف؛ الشركة في الحفظ؛ لأنه مما وُصِّيَ به، فلا يستقل ببعض الحفظ، كما لا يستقل ببعض التصرُّف (وجعل) المال (في مكان تحت أيديهما) لكل واحد منهما على نحو قفل، فإن تعذَّر ذلك ختما عليه، ودفع إلى أمين القاضي. وإن كانا مستقلَّين، احتمل ذلك واحتمل القِسمة؛ ذكره الحارثي.
(وإن نصب) الموصِي (وصيًّا، ونَصب) الموصَى (عليه ناظرًا يرجع الوصي إلى رأيه، ولا يتصرف) الوصي (إلا بإذنه؛ جاز).
قلت: فإن خالف لم ينفذ تصرفه؛ لأن الموصي لم يرضَ برأيه وحده.
(وإن فسق الوصِيُّ، انعزل) لوجود المنافي، ولا يعود بعَوْد الأهلية إلا بعقد جديد، على ما تقدم (٢) في كلامه. وتقدم (٣) كلام "المنتهى".
وكذا منصوب القاضي، بخلاف الأب إذا فسق؛ تعود ولايته بعَوْد الأهلية؛ لأن ولايته عن سبب الأبوة، وهو ثابت، وولاية الوصي والأمين عن إيصاء وتولية، وقد بطل، فلا بُدَّ في العود من مثل ذلك السبب، ثم
стр. 4728
ما تصرف بعد البطلان مردودٌ، لصدوره من غير أهله، لكن رد الودائع، والغصوب، والعواري، وقضاء الديون التي جنسها في التركة تقع موقعها؛ لأن المقصود من هذه الأمور وصولها إلى أهلها، وهو حاصل بذلك، وإذا أُعيد وكان أتلف مالًا، فقياس المذهب براءته بالقبض من نفسه، فإن ذلك ثابت للأب، وقد نص من رواية أبي داود (١) على أن الوصي بمنزلة الأب في كل شيء، إلا في النكاح؛ قاله الحارثي.
(وأقام الحاكم مقامه) أي الفاسق (أمينًا) ليتصرَّف.
(ويصح قَبول) الوصي (الإيصاء إليه في حياة الموصي) لأنه إذن في التصرف، فصح قَبوله بعد العقد، كالوكالة، بخلاف الوصية بالمال، فإنها تمليك في وقت، فلم يصح القَبول قبله.
(و) يصح القَبول - أيضًا - (بعد موته) لأنها نوعُ وصيةٍ، فيصح قَبولها إذن كوصية المال (فمتى قَبِل، صار وصيًّا) قال الحارثي: ويقوم فعل التصرُّف مقام اللفظ، كما في الوكالة، قال ابن رجب (٢): وهو الأظهر.
(وله) أي: الوصي (عَزْلُ نفسه متى شاء، مع القدرة والعجز، في حياة الموصِي وبعد موته، و) في (حضوره وغيبته) لأنه متصرف بالإذن، كالوكيل، ونقل الأثرم وحنبل (٣): له عزل نفسه إن وجد حاكمًا. قدَّمه في "المحرر"، وقطع به الحارثي؛ لأن العزل إذًا تضييع للأمانة، وإبطال لحق المسلم، وكذا إذا تعذَّر تنفيذ الحكم للموصى به؛ لعدم ثبوته عنده
стр. 4729
أو نحوه، أو غلب على الظن أن الحاكم يسند إلى من ليس بأهل، أو أن الحاكم ظالم. ذكره الحارثي.
(وللموصي عزله متى شاء) كالموكل (وليس للوصي) عند الإطلاق (أن يوصي) لأنه قصر توليته، فلم يكن له التفويض، كالوكيل. وسبق في الوكالة (١): له أن يوكل فيما لا يباشره مثله، أو يعجز عنه فقط. قال الحارثي: والأمراض المعتادة كالرعد والحُمَّى، تلحق (٢) بنوع ما لا يباشره، وما ليس كذلك كالفالج وغيره، يلتحق بنوع ما يباشره.
(إلا أن يجعل إليه) الموصي (ذلك) أي: أن يوصي (نحو أن يقول) الموصي للوصي: (أذنتُ لك أن توصي إلى من شئتَ، أو) يقول: (كُلُّ من أوصيتَ) أنت (إليه، فقد أوصيتُ) أنا (إليه، أو) يقول: كلُّ من أوصيتَ أنت إليه (فهو وصيي) فله أن يوصي؛ لأن الموصي رضي رأيه ورأي من يراه، ولأنه تصرف مأذون فيه، فكان كغيره من التصرفات.
(ويجوز أن يجعل) الموصي أو الحاكم (للوصي جعلًا) معلومًا، كالوكالة (ومقاسمة الوصي الموصى له جائزة) أي: نافذة (على الورثة؛ لأنه نائب عنهم) ففعله كفعلهم (ومقاسمته) أي: الوصي (للورثة على الموصى له لا تجوز) لأنه ليس نائبًا عنه، كتصرف الفُضُولي.
стр. 4730
فصل
(ولا تصح الوصيةُ إلا في) تصرف (معلوم) يعلم الوصي ما وُصِّي به إليه؛ ليحفظه ويتصرف فيه (يملك المُوصِي فعله؛ كقضاء الدَّين، وتفريق الوصية، والنظر في أمْرٍ غيرِ مكلَّفٍ) رشيد من طفل، ومجنون، وسفيه (وردِّ الودائع) إلى أهلها (واستردادها) ممن هي عنده (وردِّ غَصْبٍ، وإمامٍ بخلافة، وحَدِّ قذف) لأن الوصي يتصرف بالإذن، فلم يجز إلا في معلوم بملكه الموصي، كالوكالة (فهو يستوفيه (١) لنفسه) أي: للموصي نفسه (لا للمُوصَى إليه) وإنما صحَّت الوصية بما تقدم (لأنه) أي: الموصي (يملك ذلك) أي: ما ذكر من قضاء الدَّين وتفريق الوصية إلى آخرها (فَمَلَكه وصيُّه) لقيامه مقامه.
(ويصح الإيصاء بتزويج مُوَلَّاتِه (٢)) كبنته (ولو كانت صغيرة) دون تِسع (وله) أي: وصي الأب (إجبارها) إذا كانت بكرًا، أو ثيبًا دون تِسع (كالأب) لأنه نائبه كوكيله (ويأتي في باب أركان النكاح) مفصَّلًا.
(ولا يقضي) الوصي (الدَّين إلا) إذا ثبت (بيِّنة) إذ لا يقبل قول الوصي، ولا مدَّعي الدَّين بغير بينة (غير ما يأتي) التنبيه عليه.
(فأما) الوصية بـ (ــالنظر على ورثته في أموالهم، فإن كان) الموصي (ذا ولاية عليهم) في المال (كأولاده الصغار والمجانين، ومن لم يؤنس)
стр. 4731
أي: يُعلم (رُشده) منهم (فله أن يوصي إلى من ينظر في أموالهم يحفظها، ويتصرَّف لهم فيها بما لَهم الحَظُّ فيه) لقيام وصيه مقامه.
(ومَن لا ولاية له) أي: الموصي (عليهم كالعقلاء الراشدين) من أولاده، وغيرهم (و) كـ (ــغير أولاده، من الإخوة) مطلقًا (والأعمام) مطلقًا، وبنيهم وبناتهم كذلك (وأولاد ابنه، وسائر من عدا أولاده لصلبه، فلا تصح الوصية عليهم، ولا من المرأة على أولادها) إذ لا ولاية لغير الأب كما تقدم.
(ولا) تصح الوصية (باستيفاء دَينه مع بلوغ الوارث ورشده، ولو مع غيبته) لأن المال انتقل عن الميت إلى ورثته الذين لا ولاية له عليهم، فلم تصح الوصية باستيفائه، كما لو لم يكونوا وارثين.
"تتمة": قال الشيخ تقي الدين (١): ما أنفقه وصيٌّ متبرِّع بالمعروف في ثبوت الوصية، فمن مال اليتيم. انتهى. وعلى قياسه كل ما فيه مصلحة له.
(وإذا أوصى إليه في شيء، لم يصر وصيًّا في غيره) لأنه استفاد التصرُّف بالإذن من جهته، فكان مقصورًا على ما أذن فيه كالوكيل، فإن وصَّى إليه في تركته وأن يقوم مقامه، فهذا وصي في جميع أموره، يبيع ويشتري إذا كان نظرًا لهم، وإن خصصها بشيء لم يتعده (مثل أن يوصي إليه بتفريق ثلثه) فيفعله (دون غيره، أو) يوصي إليه (بقضاء ديونه، أو بالنظر في أمر أطفاله) أو تزويجهم، فلا يتجاوزه.
(وإن جَعل لكلِّ واحدة من هذه الخِصال وصيًّا؛ جاز) على ما قال (ويتصرف كلُّ واحد منهم فيما جَعل) الموصي (إليه) خاصة، لما تقدم.
стр. 4732
(وإذا أوصى إليه بتفرقة ثلثه، وقضاء دَينه، فأبى الورثة إخراج ثلث ما في أيديهم، أو جحدوا ما في أيديهم، وأبوا قضاء الدَّين، أو جحدوه، وتعذَّر ثبوتهما؛ قضى) الوصي (الدَّين باطنًا) أي: من غير علم الورثة؛ لأنه تمكن من إنفاذ ما وصي إليه بفعله، فوجب عليه، كما لو لم يجحده الورثة، ولأنه لا حق لهم إلا بعد وفاء الدَّين (وأخرج) الوصي (بقية الثلث) الموصى إليه بتفرقته (مما في يده) لأن حق الموصى لهم بالثلث متعلق بأجزاء التَّرِكة، وحق الورثة مؤخَّر عن الوصية ووفاء الدَّين، فوجب تقديمها. ومحل كونه يجب على الوصي ذلك (إن لم يخف تَبِعة) أي: رجوع الورثة عليه بما دفعه في الدَّين أو الوصية، وينكروهما، ولا بينة بهما، فلا يجب عليه ذلك للعُذر.
(ويبرأ مَدين باطنًا بقضاء، دَين يعلمُه على الميت) فيسقط عن ذِمته بقَدْر ما يقضي عن الميت، كما لو دفعه إلى الوصي بقضاء الدَّيْن، فدفعه في دَيْن الميت، إذ لا فرق بينهما سوى توسُّط الوصي بينهما.
(ولو ظهر دَيْن يستغرق التَّرِكة) لم يضمن الوصي ما صَرَفه في الوصية (أو جهل) وصي (موصى له، فتصدَّق) الوصي (بجميع الثلث هو أو حاكم، ثم ثبت ذلك) أي: الموصى له (لم يضمن) الوصي ولا الحاكم لرب الدَّين، ولا للموصى له بالثلث شيئًا؛ لأنه معذور بعدم العلم. وفي "الرعاية الكبرى" قلت: بل يرجع به لوفاء الدَّين. وقال ابن نصر الله: لو كان فيها، أي: التركة عين مستحقَّة، فباعها وتصدَّق بثمنها ضَمِنها؛ لتعلُّق حَقِّ صاحبها بعينها، بخلاف الدَّين.
(ولو أقام الذي له الحق) من دَيْنٍ، أو وديعة ونحوها (بينةً شهدت بحقه) عند الموصي (لم يُشترط الحاكم، بل تكفي الشهادة عند
стр. 4733
الوصي (١)) فله قضاء الحق؛ لأن البينة حجة له. قال ابن أبي المجد في "مصنفه": لزمه قضاؤه بدون حضور حاكم على الأصح. وقدَّمه ابن رزين في "شرحه" وجعل في "المغني" و"الشرح" الروايتين في جواز الدفع لا لزومه. وهو الأليق بقوله: (والأحوط) أن تشهد البينة (عند الحاكم) خروجًا من الخلاف، وقطعًا للتهمة.
ولمدين دفع دين موصى به لمعيَّن إليه، من غير حضور الوصي والورثة، وله دفعه إلى وصي في تنفيذ وصاياه، ويبرأ وإن لم يوصِ به، أو كان للميت عين، ولم يوصِ بقبضها، فأبى (٢) وارث ووصي معًا.
و إن صرف أجنبي الموصى به لمعين في جهته، لم يضمنه.
وإن وصَّى بإعطاء مُدَّع عَيَّنه دينًا بيمينه، نفذه الوصي من رأس ماله، قاله الشيخ تقي الدين (٣). ونقل ابن هانئ (٤): ببينة. ونقله عبد الله (٥)، ونقل ابن عقيل: مع صدق المدعي؛ ذكره في "الفروع".
(و تصح وصية كافر إلى مسلم، إن لم تكن تَرِكته خمرًا، أو خنزيرًا ونحوه ما) كالسرجين (٦) النجس، فإن كانت تَرِكته كذلك؛ لم تصح الوصية إلى مسلم بالنظر فيها؛ لعدم إمكانه.
(و) تصح الوصية - أيضًا - من كافر (إلى من) أي: كافر إن (كان عدلًا في دينه) لأنه يلي على غيره بالنسب، فيلي بالوصية كالمسلم.
стр. 4734
(وإذا قال) الموصي للوصي: (ضع ثلثي حيث شئت، أو أعطِ (١)) لمَن شئت (أو تصدَّق به على من شئت، لم يجز له) أي: الوصي (أخذه) أي: الثلث لنفسه؛ لأنه تمليك ملكه بالإذن، فلا يكون قابلًا له كالوكيل، وقيل: يعمل بالقرينة.
(ولا) يجوز للوصي - أيضًا - (دفعه) أي: الثلث (إلى أقاربه) أي: الوصي (الوارثين) له (ولو كانوا فقراء) لأنه مُتَّهم في حَقِّهم، قال الحارثي: والمذهب جواز الدفع إلى الولد والوالد ونحوهم، واختاره صاحب "المحرر" لاندراجه تحت اللفظ، والتُّهمة لا أثر لها، فإن هذه العبارة تُستعمل في الرضا، بصرف الوصي إلى من يختاره كيف كان.
(ولا) يجوز للوصي - أيضًا - دفع الثلث (إلى ورثة الموصى) أغنياء كانوا أو فقراء؛ لأن الوصي نائب الميت، فلم يكن له الدفع إلى من لا يدفع المستنيب إليه، وإن قال: اصنع في مالي ما شئت، أو هو بحكمك افعل فيه ما شئت، ونحو ذلك من ألفاظ الإباحة، لا الأمر. قال أبو العباس (٢): أفتيتُ أن هذا الوصي له أن يُخرج ثلثة، وله ألا يخرجه، فلا يكون الإخراج واجبًا ولا حرامًا، بل موقوفًا على اختيار الوصي.
(ومن أوصي إليه بحفر بئر بطريق مكة، أو) بحفر بئر (في السبيل، فقال: لا أقدر. فقال الموصي: افعلْ ما ترى، لم يجز) للوصي (حفرها بدار قوم لا بئر لهم؛ لما فيه من تخصيصهم) نقله ابن هانئ (٣)؛ لأن ظاهر الوصية حفرها بموضع يعمُّ نفعه.
стр. 4735
(ولو أمره ببناء مسجد، فلم يجد) الوصي (عَرْصة) أي: أرضًا يبنيها مسجدًا (لم يجز شراء عَرْصة يزيدها في مسجد صغير) نص عليه (١)؛ لأنه ليس فعلًا لما أمر به.
(ولو قال) الموصي: (يُدفع هذا إلى يتامى بني فلان، فإقرار بقرينة، وإلا) أي: وإن لم تكن هناك قرينة (فهو وصية) لهم؛ قاله الشيخ تقي الدين (٢).
(وإن دعت حاجة إلى بيع بعض العقار) المخلف عن الميت (لقضاء دَيْنٍ) عن الميت (مستغرِق) ماله غير العقار، واحتاج إلى تتمة (٣) من العقار (أو) دعت الحاجة لبيع بعض العقار، لـ (ــحاجة صغار، وفي بيع بعضه ضَرَر، مِثل أن ينقص الثمن على الصغار؛ باع الوصي) العقار كله (على الصغار، وعلى الكبار إن أبوا) أي: الكبار (البيع، أو كانوا غائبين) لأن الوصي قائم مقام الأب، وللأب بيع الكل، فالوصي كذلك، ولأنه وصي يملك بيع البعض، فملك بيع الكل، كما لو كان الكل صغارًا، أو الدَّين مستغرِقًا، ولأن الدَّين متعلِّق بكل جزء من التَّرِكة، ولهذا لو تلف بعضها وَفّى من الباقي.
(وإن كان شريكهم) أي: الصغار (غير وارث، لم يبع) الوصي (عليه) لأن الوصي فرع الميت، وهو لا يبيع على شريكه بغير إذنه، فنائبه أَولى.
(ولو كان الكل) من الورثة (كبارًا) رشيدين (وعلى الميِّت دَيْن، أو وصية تستغرق، باعه الموصَى إليه، إذا أبوا بيعه) أو غابوا.
стр. 4736
(وكذا لو امتنع البعض) أو غاب؛ باع الوصي على الكل؛ لما تقدم.
وكذا لو كان الدَّين، أو الوصية لا يستغرق العقار، لكن في بيع بعضه ضَرر، فله بيع الكل؛ لما تقدم من أنه نائب الموصي، وأنه يملك بيع البعض، فملك بيع الكل، كما يعلم من كلام أكثر الأصحاب.
(والحكم) المذكور من جواز البيع على الكبار إذا أبوا، أو غابوا، وكان في بيع البعض ضرر في المسألتين (لا يتقيَّد بالعقار، بل يثبت فيما عداه، إلا الفُرُوج) احتياطًا لها (نص عليه (١)) قال يعقوب بن بُخْتَان (٢): سألت أبا عبد الله عن الوصي يبيع على البالغ الغائب؟ فقال: إنما الوصي بمنزلة الأب، إذا كان من طريق النظر. قلت لأبي عبد الله: فإن كان فَرْج؟ قال: ما أحب أن يبيعه، وإنما خص العقار بالذكر لأن إبقاءه أحظ لليتيم، فثبوت الحكم فيه منبِّه على الثبوت فيما دونه في ذلك (قاله الحارثي.
وإن مات إنسان لا وصيَّ له) بأن لم يوصِ إلى أحد، أو لم يقبل الموصى إليه (ولا حاكم ببلده) الذي مات فيه (أو مات) إنسان (بِبَريَّة) بفتح الباء أي: صحراء (ونحوها) كجزيرة لا عمران بها (جاز لمسلم ممن حضره أن يحوز تَرِكَته، و) أن (يتولَّى أمره) أي: تجهيزه على ما يأتي (ويفعل الأصلح فيها) أي: التَّرِكة (من بيع وغيره) كحفظها، وحملها للورثة؛ لأن ذلك موضع ضرورة لحفظ مال المسلم عليه، إذ في تَرْكِهِ إتلاف له.
(ولو كان في التَّرِكة إماء) أي: فله بيعها؛ لأنه موضع ضرورة
стр. 4737
(وقال) الإمام (أحمد (١): أحب إلي أن يتولَّى بيعهن) أي: الإماء (حاكم) قال في "الشرح": وإنما توقَّف عن بيعهن على طريق الاختيار احتياطًا؛ لأن بيعهن يتضمن إباحه فُروجهن. انتهى. وهو معنى كلام القاضي.
(ويُكفِّنه) أي: المسلم الذي حضره (منها) أي: من تَرِكَته (إن كانت) تَرِكة (وأمكن) تكفينه منها (وإلا) بأن لم يكن له تَرِكة، أو كانت، ولم يمكن تجهيزه منها (فـ) ــإنه يجهزه (من عنده، ويرجع) بما جهَّزه به بالمعروف (عليها) أي: على تركته حيث كانت (أو) يرجع به (على من يلزمه كفنه) أن لم يترك شيئًا؛ لأنه قام عنه بواجب (إن نواه) أي: الرجوع (مطلقًا) أي: سواء استأذن حاكمًا، أو لا، أشهد على نية الرجوع أو لا (أو استأذن حاكمًا) في تجهيزه، فله الرجوع على تَرِكته، أو على من يلزمه كفنه؛ لأنه لو لم يرجع إذَنْ لامتنع الناس عن فعله مع حاجة الناس إليه (ما لم ينوِ التبرع) فإن نواه، فلا رجوع له، وكذا لو لم ينوِ تبرعًا ولا رجوعًا، فإنه لا رجوع له على مقتضى قوله: "إن نواه" وهو قياس ما تقدَّم فيمن قام عن غيره بدين واجب.
"تنبيه": قول المصنف: "أو على من يلزمه كفنه" أولى من قول "المنتهى": "يلزمه نفقته". إذ الزوج يلزمه نفقة زوجته، ولا يلزمه كفنها، فلا يرجع عليه، بل على أبيها أو نحوه. والله أعلم.
стр. 4738
كتاب الفرائض
جمع فريضة، بمعنى: مفروضة، والهاء فيها للنقل من المصدر إلى الاسم، كالحَفِيرة ونحوها.
والفرض: التوقيت، ومنه ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (١)، والجزء من (٢) الشيء، كالتَّفْريض، ومن القوس: موقع الوتر، وما أوجبه الله كالمفروض، والقراءةُ، والسُّنةُ، يقال: فرض رسولُ الله ﷺ ، أي: سنَّ، ونَوْع من التمر، والجند يفترضون، والتُّرْس، وَعُود من أعواد البيت، والعَطِيَّة الموسومة، وما فَرَضتَه على نفسك فوهبتَهُ، ومن الزَّند: حيث يُقدح منه، أو الحَزُّ (٣) الذي فيه، ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ (٤): جعلنا فيها فرائض الأحكام، وبالتشديد (٥)، أي: جعلنا فيها فريضة بعد فريضة، أو فضَّلناها وبيَّناها؛ قاله في "القاموس" (٦).
(وهي) شرعًا: (العِلم بقسمة المواريث) جمع ميراث، وهو الحق المخلَّف عن الميت، وأصله: مِوراث، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ويقال له أيضًا: التراث، وأصل التاء فيه واو.
والإرث لغة: البقاء وانتقال الشيء من قوم إلى قوم آخرين، ويُطلق
стр. 4739
بمعنى الميراث.
ويُسمَّى القائم بهذا العلم: فارضًا، وفريضًا وفَرْضيًّا - بفتح الراء وسكونها - وفرَّاضًا وفرائضيًّا.
(وموضوعه التَّرِكات) لأنها التي يُبحث فيه عن عوارضها (لا العَدد) فإنه موضوع علم الحساب.
(والفريضة: نصيب مُقدَّر شرعًا لمستحقه).
وقد رُويت أحاديث تدلُّ على فضل هذا العلم والحثِّ على تعلُّمه وتعليمه، فمنها:
قوله ﷺ : "العِلمُ ثلاثةٌ، وما سوى ذلك فضل: آيةٌ محكمةٌ، وسنةٌ قائمةٌ، وفريضةٌ عادلةٌ" رواه ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص (١).
وقوله ﷺ : "تعلموا الفرائض وعلِّموها الناس؛ فإنِّي امرؤٌ مقبوضٌ، وإنَّ العِلم سيقبضُ، وتظهرُ الفتنُ حتى يختلف اثنان في الفريضة، فلا يجدانِ من يَفصلُ بينهما" رواه أحمد، والترمذي، والحاكم، ولفظه له، عن ابن مسعود (٢).
стр. 4740
وعن عمر: "تعلَّمُوا الفرائضَ؛ فإنَّها من دِينكُم" (١).
وعنه - أيضًا -: "تعلَّمُوا الفرائضَ، واللحنَ، والسُّنة، كما تعلمُون القرآن" (٢).
стр. 4741
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "تَعلَّمُوا الفَرائض وعلِّموها؛ فإنها نصف العلمِ وهو يُنسى، وهو أوَّلُ عِلم يُنزع من أمتي" رواه ابن ماجه والدارقطني (١) من رواية حفص بن عمر، وقد ضعَّفه جماعة.
واختُلف في معناه:
فقال أهلُ السلامة: لا نتكلَّم فيه، بل يجب علينا اتباعه.
وقال قوم: هو نصف العلم باعتبار الحال؛ فإن للناس حالتين: حياة ووفاة، فالفرائض تتعلَّق بالثاني، وباقي العلوم بالأول.
وقيل: باعتبار الثواب؛ لأن له بتعليم مسألة واحدة من الفرائض مائة حسنة، وبغيرها من العلوم عشر حسنات.
قيل: وأحسن الأقوال أن يقال: أسباب الملك نوعان: اختياري: وهو ما يملك رده كالشراء والهبة ونحوها، وقهري: وهو ما لا يملك رده وهو الإرث.
стр. 4742
وحُكي أن الوليد بن مسلم (١): رأى في منامه أنه دخل بستانًا، فأكل من جميع ثمره إلا العنب الأبيض، فقصَّه على شيخه الأوزاعي، فقال: تُصيب من العلوم كلها إلا الفرائض، فإنها جوهر العلم، كما أن العنب الأبيض جوهر العنب (٢).
والأصل فيها: الكتاب، والسُّنة. وستقف على ذلك مفصلًا.
(وإذا مات) ميت (بُدِئ من تَرِكته بكفنه، وحَنُوطه، ومؤنة تجهيزه) بالمعروف (و) مؤنة (دفنه بالمعروف، من صُلب ماله، سواء كان قد تعلَّق به) أي: المال (حقُّ رهنٍ، أو أرْش جناية، أو لم يكن) تعلَّق به شيء من ذلك، كحال الحياة؛ إذ لا يقضى دَينه إلا بما فضل عن حاجته، وتقدم (٣).
(وما بقي بعد ذلك) أي: بعد مؤنة تجهيزه بالمعروف (يُقضى منه ديونه) سواء وصَّى بها أو لا، وتقدم (٤)، ويُبدأ منها بالمتعلَّق بعين المال، كدَيْن برهن، وأرش جناية برقبة العبد الجاني ونحوه، ثم الديون المرسلة في الذمة (سواء كانت) الديون (لله) تعالى (كزكاة المال، وصدقة الفطر، والكفارات، والحج الواجب) والنذر (أو) كانت (لآدمي، كالديون) من قرض، وثمن، وأجرة، وجعالة استقرت، ونحوها (والعقل) بعد الحول (وأرش الجنايات والغصوب، وقِيم المُتلفات وغير ذلك) لما تقدم من أنه
стр. 4743
- ﷺ قضى بالدَّين قبل الوصية (١). فإن ضاق المال، تحاصُّوا، وتقدم (٢).
(وما بقي بعد ذلك تنفذ وصاياه) لأجنبي (من ثلثه، إلا أن تجيزها الورثة فَتنفُذ) وإن زادت على الثلث، أو كانت لوارث (من جميع الباقي، ثم يُقسم ما بقي بعد ذلك على ورثته) لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣).
(وأسباب) جمع سبب، وهو لغةً: ما يُتوصل به لغيره، كالسُّلَّم لطلوع السطح. واصطلاحًا: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم لذاته (التوارث ثلاثة فقط) فلا يرث ولا يورث بغيرها، كالموالاة، أي: المؤاخاة والمعاقدة، وهي المحالفة، وإسلامه على يديه، وكونهما من أهل ديوان واحد، والتقاط؛ لحديث: "إنَّما الولاءُ لِمَن أعتق" (٤) واختار الشيح تقي الدين (٥): أنه يورث بها عند عدم الرَّحِم والنكاح والولاء. وتبعه في "الفائق".
(رَحِمٌ وهو القرابة) لقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٦).
(و) الثاني: (نِكاح) لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٧) الآية (وهو عقد الزوجية الصحيح) سواء دخل أو لا (فلا
стр. 4744
ميراث في النكاح الفاسد) لأن وجوده كعدمه.
(و) الثالث: (ولاءُ عِتقٍ) فيرث به المُعتِق، وعصبتُه من عتيقه، ولا عكس ؛ لحديث: "الولاءُ لُحمةٌ كلُحمةِ النَّسَبِ" رواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم وصححه (١)، شبَّه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء. ووجه التشبيه: أن السيد أخرج عبده بعتقه إياه من حيز المملوكية التي ساوى بها البهائم إلى حيز المالكية التي ساوى بها الأَناسيَّ،
стр. 4745
فأشبه بذلك الولادة التي أخرجت المولود من العدم إلى الوجود.
(وموانعه) أي: التوارث (ثلاثة: القتل، والرِّق، واختلاف الدِّين، وتأتي في أبوابها) مفصَّلة.
وأركانه ثلاثة: وارث، ومورِّث، وحق موروث.
وشروطه ثلاثة: تحقق حياة الوارث، أو إلحاقه بالأحياء، وتحقق موت المورث، أو إلحاقه بالأموات، والعلم بالجهة المقتضية للإرث. وتُعلم مما يأتي.
(والنبيُّ ﷺ لم يورَث، وكانت تَرِكته صَدَقة) وكذا سائر الأنبياء؛ لحديث: "إنَّا مَعاشِر الأنبياءِ لا نورثُ، ما تركناهُ صَدقةٌ" (١).
(و المُجمَع (٢) على توريثهم من الذكور عشرة:
الابن، وابنه وإن نزل) بمحض الذُّكور؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٣) الآية. وابنُ الابنِ ابنٌ؛ لقوله تعالى:
стр. 4746
﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ (١)، ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٢).
(والأب، وأبوه وإن علا) بمحض الذكور؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (٣) الآية.
والجَد تناوله النص؛ لدخول ولد الابن في الأولاد، وقيل: ثبت فرضه بالسُّنة؛ لأنه ﷺ أعطاه السدس (٤).
стр. 4747
(والأخ من كل جهة) شقيقًا كان، أو لأب، أو لأم.
أما الذي لأم، فلقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (١) فإنها في الإخوة للأم، كما يأتي.
وأما الذي لأبوين أو لأب، فلقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (٢).
(وابن الأخ إلا) إن كان الأخ (من الأم) فقط، فابنه من ذوي الأرحام.
(والعم) لا من الأم (وابنه كذلك) لقوله ﷺ : "ألحِقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بَقِي فَلأوْلى رَجلٍ ذَكرٍ" (٣) وأما العم لأم وابنه، فمن ذوي الأرحام.
(والزوج) لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٤).
(ومولى النعمة) وهو المعتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم؛
стр. 4748
لحديث: "الولاءُ لُحْمةِ كلُحْمةِ النَّسَب" (١).
(و) المُجمَع (٢) على توريثهن (من الإناث سبع:
البنت، وبنت الابن وإن سَفل) بتثليث الفاء (أبوها) بمحض الذكور.
(والأم، والجدة) من قِبَلها، أو من قِبَل الأب، على تفصيل يأتي.
(والأخت من كل جهة) أي: سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم.
(والزوجة) هي بالتاء لغةُ سائر العرب، ما عدا أهل الحجاز. اقتصر الفقهاء والفرضيون عليها للإيضاح وخوف اللبس.
(ومولاة النعمة) وهي المعتقة ومعتقتها وإن علت، ودليل ذلك يعلم مما تقدم (٣) ومما يأتي مفصلًا في أبوابه.
(والورَّاث ثلاثة:
ذو فرض) أي: نصيب مقدَّر شرعًا لا يزيد إلا بالردِّ، ولا ينقص إلا بالعول.
(وعصبات) يرثون بلا تقدير.
(و) ذو (٤) (رَحِم) يرثون عند عدم العصبات، وأصحاب الفروض غير الزوجين، على ما يأتي بيانه.
(والفروض) القرآنية (ستة:
النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس) وإن شئت قلت: النصف والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، أو الثمن
стр. 4749
والسدس وضعفهما وضعف ضعفهما، أو الربع والثلث وضعف الكل، ونصف كلٍّ، وثلث الباقي ثبت باجتهاد الصحابة (١) - رضي الله تعالى عنهم -.
(وأصحابها) أي: الفروض (عشرة:
الزوجان) على البدلية (والأبوان) مجتمعين ومفترقين (والجد) لأب (والجدة) لأم أو أب (والبنت وبنت الابن) وإن نزل أبوها (والأخت من كل جهة، والأخ من الأم).
وتُسمَّى الإخوة والأخوات لأبوين: بني الأعيان؛ لأنهم من عين واحدة.
وللأب فقط: بني العَلَّات، جمع عَلَّة - بفتح العين المهملة - وهي الضَّرَّة، قال في "القاموس" (٢): وبنو العلات: بنو أمَّهات شَتَّى من رجل؛ لأن الذي يتزوجها عَلَى أُولَى قد كان قبلها ناهِلٌ، ثم عَلَّ من هذه. انتهى.
وللأم فقط: بني الأخياف - بالخاء المُعجمة تليها مُثنَّاة تحتية - سمّوا بذلك؛ لأن الأخياف: الأخلاط، فهم من أخلاط الرجال ليسوا من رجل واحد.
وإن أردت تفصيل أحوال أصحاب الفروض:
(فللزَّوج الربع، إن كان لها ولد) ذكر، أو أُنثى منه، أو من غيره لم يقم به مانع (أو ولد ابن) وإن سفل أبوه بمحض الذُّكور (و) له (النصف مع
стр. 4750
عدمهما) أي: عدم الولد وولد الابن.
(ولزوجة فأكثرَ: الثُّمن، إن كان له ولد) ذكر، أو أنثى، واحد أو متعدِّد، منها أو من غيرها (أو ولد ابن) وإن سَفل (والربع مع عدمهما) إجماعًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (٢) الآية.
(وولد البنت لا يَحجُبُ الزوجَ من النصف إلى الربع، ولا) يَحجُبُ (الزوجةَ من الربع إلى الثمن) ولو ورَّثناه (ويأتي في باب ذوي الأرحام) لأنه لم يدخل في مُسمَّى الولد، ولم ينزله الشرع منزلته.
ومن قام به مانع من الأولاد، أو أولاد الابن، فوجوده كعدمه، وكذا سائر من قام به مانع.
وإنما بدأ بالزوجين؛ لقلة الكلام فيهما. وإنما جعل للجماعة من الزوجات مثل ما للواحدة؛ لأنه لو جعل لكل واحدة الربع، وهن أربع، أخذن جميع المال، وزاد فرضهن على فرض الزوج، وكذا الجدَّات إذا تعددن، فلهن مثل ما للواحدة؛ لأنه لو أخذت كل واحدة السدس، لزاد ميراثهن على ميراث الجد.
وأما بقية أصحاب الفروض كالبنات وبنات الابن والأخوات المفترقات، فإن لكل جماعة مثل ما للاثنتين منهن، وإنما زدن على فرض الواحدة؛ لأن الذَّكر الذي يرث فِي درجتهن لا فرض له، إلا ولد الأم، فإن ذَكَرهم وأنثاهم سواء؛ لأنهم يرثون بالرَّحِم وبالقرابة المجردة.
(ويرث أبٌ) من ابنه، أو بنته (وجَدٌّ مثله أن عدم الأب مع ذكورية
стр. 4751
ولد) للميت (أو) مع ذكورية (ولد ابن) وإن نزل (بالفرض سدسًا) للآية السابقة.
(و) يرث أب من ولده، وجَدٌّ من ولد ابنه (بفرض، وتعصيب مع أُنوثِيَّتِهما) أي: الولد وولد الابن، كما لو مات عن أب وبنت، أو بنت ابن (فيأخذ) الأب (السدس فرضًا) لقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (١) الآية، وتأخذ البنت، أو بنت الابن النصف: ثلاثةً (ثم) يأخذ الأب (ما بقي، إن بقي شيء) كما فِي المِثال (بالتعصيب) لقوله ﷺ : "ألحِقُوا الفرائضَ بأهلها، فما بَقِي فهو لأوْلى رَجلٍ ذَكرٍ" (٢)، ورُويَ: أنَّ الحجاج سأل الشعبيَّ عن هذه المسألة، فقال: للبنت النصف، والباقي للأب، فقال له الحجاج: أصبتَ في المعنى، وأخطأتَ في اللفظ، هلّا قلت: للأب السدس وللبنت النصف والباقي للأب؟ فقال: أخطأتُ وأصاب الأمير (٣).
ولا يرث بفرض وتعصيب معًا بسبب واحد إلا الأب والجد، وأما بسببين فكثير، من ذلك زوج هو معتِق، وأخ لأم هو ابن عم، وزوجة معتِقة.
(و) يرث الأب، أو الجد عند عدم الأب (بالتعصيب) فقط (مع عدمهما) أي: الولد وولد الابن، فيأخذ المال كله، أو ما أبقت الفروض.
стр. 4752
فصل في الجَدِّ مع الإخوة أو الأخوات، لأبوين، أو لأب، منفردِين، أو مع ذي فرض
قال ابن المنذر (١): أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ أن الجد أبا الأب لا يحجُبه عن الميراث غير الأب.
وأنزلوا الجَدَّ في الحجب والميراث منزلة الأب في جميع المواضع إلا في ثلاثة أشياء: أحدها: زوج وأبوان. والثانية: زوجة وأبوان، للأم فيهما ثلث الباقي مع الأب، وثلث جميع المال لو كان مكان الأب جَدّ. والثالثة: اختلفوا في الجد مع الإخوة والأخوات للأبوين أو لأب. ولا خِلاف بينهم في إسقاطه بني الإخوة، وولد الأم، ذكرهم وأُنثاهم.
وذهب الصديق ﵁ إلى أن الجد يُسقِط جميعَ الإخوة والأخوات من جميع الجهات، كما يُسقِطهم الأب، وبذلك قال ابن عباس (٢) وابن
стр. 4753
الزبير (١)، وروي عن عثمان (٢) وعائشة (٣) وأبي بن كعب (٤) وجابر بن عبد الله (٥) وأبي الطفيل (٦) وعبادة بن الصامت (٧) - رضي الله تعالى عنهم -. وبه قال أبو حنيفة (٨) وغيره.
وكان علي بن أبي طالب (٩) وزيد بن
стр. 4754
ثابت (١) وابن مسعود (٢) ﵃ يورثونهم معه ولا يحجُبونهم به.
وبه قال مالك (٣) والأوزاعي (٤) والشافعي (٥) وأحمد (٦) وأبو يوسف (٧)،
стр. 4755
ومحمد (١)؛ لأنهم تساوَوا في سبب الاستحقاق، فيتساوَون فيه، فإن الجد والأخ يدليان بالأب، الجد أبوه، والأخ ابنه، وقرابة البنوة لا تنقص عن قرابة الأبوة، بل ربما كانت أقوى، فإن الابن يُسقط تعصيب الأب، ولذلك مَثّله علي (٢) بشجرة أنبتت غصنًا فانفرق منها غصنان، كل منهما إلى الآخر أقرب منه إلى أصل الشجرة. ومثّله زيدٌ (٣) بوادٍ خرج منه نهر، انفرق منه جَدْوَلان، كل واحد منهما إلى الآخر أقرب منه إلى الوادي.
стр. 4756
واختلف القائلون بتوريثهم معه في كيفية توريثهم على مذاهب، منها: مذهب زيد بن ثابت، وهو قول أهل المدينة (١)، والشام (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، وأكثر أهل العلم، وهو ما أشار إليه المصنف بقوله: (والجد لأب وإن علا) بمحض الذكور (مع الإخوة) أي: الأخ فأكثر، لأبوين أو لأب (و) مع (الأخوات) أي: الأخت فأكثر كذلك (٥) (لأبوين أو لأب يقاسمهم كأخ منهم ما لم يكن الثلث خيرًا له) من المقاسمة (فيأخده، والباقي لهم) أي: للإخوة، للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين، فإذا لم يكن معهم ذو فرض، فله خير الأمرين: المقاسمة أو ثلث المال، والمقاسمة خير له إن نقصوا عن مثليه، وذلك في خمس صور: جد وأخ، جد وأخت، جد وأختان، جد وأخ وأخت، جد وثلاث أخوات. والثلث خير له، إن زادوا على مِثْليه، كجد وثلاث إخوة فأكثر، أو جد، وخمس أخوات، فأكثر، ولا حصر لصوره. ويستوي له الأمران إذا كانوا مِثليه، وذلك في ثلاث صور: جد وأخوان، جد وأخ وأختان، جد وأربع أخوات، وحيث استوى له الأمران، فَسَمِّ له ما شئت منهما، ذكره في "شرح المنتهى".
(فإن كان معهم) أي: الجد والإخوة (ذو فَرْض). من زوج أو زوجة، أو بنت أو بنت ابن، أو أم أو جدة (أخذ) ذو الفرض واحدًا كان أو
стр. 4757
أكثر (فرضه، ثم للجَدِّ الأحظ من) أمور ثلاثة، وهي (المقاسمة) للإخوة (كأخ، وثلث الباقي، وسدس جميع المال ولو عائلًا) فالمقاسمة خير له في نحو: جدة، وجد، وأخ. وثلث الباقي خير له في نحو: جدة، وجد، وثلاث إخوة. والسدس خير له في نحو: أم، وبنت، وجد، وأخوين. ومتى زاد الإخوة عن مِثْليه، فلا حظَّ له في المقاسمة. ومتى نقصوا عنه، فلا حظَّ له في ثلث الباقي. ومتى زادت الفروض عن النصف فلا حظَّ له في ثلث ما بقي. وإن نقصت عن النصف، فلا حظَّ له في السدس. وإن كان الفرض النصف وحده، استوى له سدس المال وثلث الباقي. وإن كان الإخوة اثنين، استوى ثلث الباقي والمقاسمة. وقد تستوي له الأمور الثلاثة، وذلك إذا كان الفرض النصف والإخوة اثنين، كزوج وجد وأخوين. ويُعطى له السدس إذا كان خيرًا له ولو عائلًا (كزوجٍ وبنتين وأم وجد) وأخ فأكثر (فتعطيه سهمين من خمسة عشر) وتُسقِط الإخوة لاستغراق الفروض التركة.
(فإن لم يفضل عن الفرض إلا السُّدس، فهو له) أي: الجد (ويسقط (١) الإخوة، كأم وبنتين، وجد وأخت) فأكثر (أو أخ) فأكثر (فإنـ) ــها تصح من ستة (للأم السدس) واحد (وللبنتين الثلثان) أربعة و (يبقى السدس) واحد (للجد، وتسقط الإخوة) ذكورًا كانوا أو إناثًا؛ لأن الجد لا ينقص أبدًا عن سدس المال، ولو اسمًا بالعول؛ لأنه لا ينقص عن ذلك مع الولد الذي هو أقوى، فمع غيره أَولى.
(إلا) الأخت (في الأكدرية، وهي: زوج، وأم، وأخت، وجد) سُميت بذلك، قيل: لتكديرها لأصول زيد في الجد؛ فإنه أعالها، ولا
стр. 4758
عول عنده في مسائل الجد والإخوة، وَفَرَضَ للأخت مع الجد، ولم يفرض لأخت مع جد ابتداء في غيرها، وجمع سهامها وسهامه فقسمها بينهما، ولا نظير لذلك.
وقيل: لأن زيدًا كَدَّر على الأخت ميراثها بإعطائها النصف، واسترجاع بعضه منها.
وقيل: لأن عبد الملك بن مروان (١) سأل عنها رجلًا اسمه أكدر، فأفتى فيها على مذهب زيد، وأخطأ فنسبت إليه.
وقيل: لأن الميتة كان اسمها أكدرة.
وقيل: بل كان اسم زوجها أكدر.
وقيل: بل كان اسم السائل.
وقيل: بل سُميت بذلك، لكثرة أقوال الصحابة فيها وتكدُّرِها.
(فللزوج النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس، وللأخت النصف) فتعول إلى تسعة (ثم يقسم نصف الأخت وسدس الجد) وهما أربعة من تسعة (بينهما) أي: الجد والأخت (على ثلاثة) لأنها لا تستحق معه إلا بحكم المقاسمة، وإنما أعالها زيد؛ لأنه لو لم يفرض لها لسقطت، وليس في الفريضة من يُسقِطها.
فإن قيل: هي عصبة بالجد، فتسقط باستكمال الفروض؟ فالجواب: أنه إنما يعصبها إذا كان عصبة، وليس الجد بعصبة مع هؤلاء،
стр. 4759
بل يُفرض له، والأربعة لا تنقسم على ثلاثة (فاضرِبْها) أي الثلاثة (في المسألة وعَولها) وذلك تسعة (تكن سبعة وعشرين) ومنها تصح (للزوج تسعة، وللأم ستة، وللجد ثمانية، وللأخت أربعة) ويُعايا بها فيقال: أربعة ورثوا مال ميت، فأخذ أحدهم ثلثه والثاني ثلث ما بقي، والثالث ثلث باقي الباقي، والرابع ما بقي. ونظمها بعضهم (١) فقال:
ما فرضُ أربعةٍ يُوزَّع بينهم … ميراثُ ميتِهم بفرضٍ واقعِ
فلواحد ثلثُ الجميع، وثلْثُ ما … يَبقى لثانيهم بحُكمٍ جامعِ
ولثالثٍ من بعدهم ثلثُ الذي … يَبقى وما يَبقى نصيبُ الرابعِ
ويقال - أيضًا -: امرأة جاءت قومًا، فقالت: إني حامل، فإن ولدت ذكرًا، فلا شيء له، وإن ولدت أنثى، فلها تُسع المال وثلث تسعه، وإن ولدت ولدين، فلهما السدس. ويقال - أيضًا -: إن ولدت ذكرًا، فلي ثلث المال، وإن ولدت أنثى فلي تُسعاه، وإن ولدت ولدين، فلي سدسه.
(ولا يعول من مسائل الجد مع الإخوة غيرُها، ولا يُفرض لأختٍ معه) أي الجد (ابتداء إلا فيها) أي: الأكدرية، وخرج بقوله: "ابتداء" مسائل المُعادّة، فإنه يفرض لها فيها بعد المقاسمة، وتأتي.
ثم أخذ في بيان محتَرَز أركانها، فقال: (فإن كان مكان الأخت أخ، سقط؛ لأنه عَصَبة في نفسه) فلا يمكن أن يُفرض له، وقد استغرقت الفروض التَّرِكة (وصحَّت) المسألة (من ستة) ولا عول؛ للزوج ثلاثة، وللأم سهمان، وللجد سهم.
стр. 4760
(وإن كان مع الأخت أخت أخرى) انحجبت الأم إلى السدس، وتصح من اثني عشر؛ للزوج ستة، وللأم اثنان، وللجد كذلك، ولكل أخت واحد.
(أو) كان مع الأخت (أخ، أو أكثر) من أخت، أو أخ (انحجبت الأم إلى السدس) وأخذ الزوج النصف، والأم السدس، والجد السدس (وبقي السدس لهما) أي الأخ والأخت على ثلاثة، فتصح من ثمانية عشر (ولا عول) فيها.
(وإن لم يكن مع الأخت إلا أخ لأم) أو أخت لأم (لم يرث) ولد الأم؛ لحجبه بالجد إجماعًا (١)، وتقدم (٢) (وانحجبت الأمُّ إلى السدس) لوجود عدد من الإخوة.
(وإن لم يكن في الأكدرية زوج) بل كان فيها أم وجد وأخت (فللأم الثلث) ومخرجه من ثلاثة، فلها واحد (وما بقي) اثنان (بين الجد والأخت على ثلاثة) لا تنقسم، وتباين (فـ) ــاضرب ثلاثة في ثلاثة فـ (ــتصح من تسعة) للأم ثلاثة، وللجد أربعة، وللأخت اثنان (وتُسمَّى) هذه المسألة (الخَرْقاء؛ لكثرة اختلاف الصحابة فيها) فكأنَّ الأقوال خرقتها.
(وتُسمَّى) أيضًا (المُسَبَّعة) لأن فيها سبعة أقوال:
قول زيد، وهو المذكور في المتن.
وقول الصديق وموافقيه: للأم الثلث والباقي للجد.
وقول علي: للأخت النصف، وللأم الثلث، وللجد السدس.
стр. 4761
وقول عمر: للأخت النصف، وللأم ثلث الباقي، وللجد ثلثاه.
وقول ابن مسعود: للأخت النصف، وللأم السدس، والباقي للجد. وهو في المعنى مثل الذي قبله، إلا أنه سَمَّى للأم في هذا: السدس، وفي الذي قبله: ثلث الباقي.
ويُروى عن ابن مسعود - أيضًا -: للأخت النصف، والباقي بين الجد والأم نصفين، فتكون المسألة من أربعة، وهي إحدى مربعات ابن مسعود.
وقول عثمان: للأم الثلث، وللأخت الثلث، وللجد الثلث.
(و) تُسمَّى (المُسَدَّسة) لأن الأقوال فيها ترجع في المعنى إلى ستة. وتقدَّمت الإشارة إليه.
(و) تُسمَّى (المُخَمَّسة) لاختلاف خمسة من الصحابة فيها: عثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد.
(و) تُسمَّى (المربَّعة) لما تقدم من أنها إحدى مربعات ابن مسعود.
(و) تُسمَّى (المثلَّثة) لقسم عثمان لها من ثلاثة.
(و) لذلك سُميت (العثمانية) أيضًا.
(و) تُسمَّى أيضًا (الشَّعْبية والحَجَّاجيَّة) لأن الحجاج امتحن بها الشعبيَّ، فأصاب فعفا عنه (١).
стр. 4762
(وولدُ الأب) ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو أكثر (كولد الأبوين في مُقاسمةِ الجَدِّ، إذا انفردوا) عن ولد الأبوين؛ لاستواء درجتهم بالنسبة إلى أبي الميت.
(فإن اجتمعوا) أي: اجتمع ولدُ الأبوين، وولد الأب مع الجد (عادَّ (١) ولد الأبوين الجدَّ بولدِ الأب) أي: زاحمه به، وحسبه عليه من عداد الرؤوس؛ لأن الجدَّ والد، فإذا حجبه أخوان وارثان؛ جاز أن يحجُبه أخ وارث وأخ غير وارث، كالأم؛ ولأن ولد الأب يرثون معه إذا انفردوا، فيُعَدُّون عليه مع غيرهم، بخلاف ولد الأم؛ فإن الجد يحجبهم،
стр. 4763
فلا يعدُّون عليه. ثم المُعادَّة إنما تكون عند الاحتياج إليها، فلو استُغني عنها - كجد وأخوين لأبوين وأخ من أب - فلا مُعادَّة؛ لأن للجد هنا أن لا يُقاسم، ويأخذ ثلث المال، فلا فائدة فيها.
(ثم) بعد عدّهم أولاد الأب على الجد، وأخذ الجد نصيبه، ويرجعون إلى المقاسمة، على حكم ما لو لم يكن معهم جد. فإن كان أولاد الأبوين ذكرًا فأكثر، أو إناثًا (أخذوا) أي: أولاد الأبوين (منهم) أي: أولادِ الأب (ما حصل لهم) فجد وأخ لأبوين، وأخ لأب، المسألة من ثلاثة: للجد واحد، ويأخذ الأخ للأبوين السهم الذي حصل له. والسهم الذي حصل لأخيه. وكذلك جد وأختان لأبوين، وأخ لأب، يأخذ الجد ثلثًا، ثم الأختان الثلثين، ويسقط الأخ، كما لو لم يكن جد واستغرقت الفروض التركة.
فإن قيل: الجد يحجب ولد الأم ولا يأخذ ميراثه، والإخوة يحجبون الأم ولا يأخذون ميراثها؟
أُجيب: بأن الجد وولد الأم يختلف سبب استحقاقهما للميراث. وكذلك سائر من يحجب ولا يأخذ ميراث المحجوب. وهنا سبب استحقاق الإخوة للميراث واحد، وهو الأخوّة والعصوبة، فأيهما أقوى (١)؛ حَجَب الآخر وأَخَذ ميراثه.
(إلا أن يكون ولد الأبوين أختًا واحدة، فتأخذ تمام النصف) كما لو لم يكن جد (وما فضل) عن الأحظ للجد، وعن النصف الذي فرض لها، فهو (لولد الأب) واحدًا كان أو أكثر، ذكرًا أو أنثى (ولا يتفق هذا) أي: أن يبقى لولد الأب بقية بعد نصيب الجد، ونصف الأخت لأبوين (في مسألة
стр. 4764
فيها فرض غير السدس) لأنه لا يكون في مسائل المُعادَّة فرض إلا السدس أو الربع أو النصف؛ لأن الثلث إنما هو للأم مع عدم الولد والعدد من الإخوة أو الأخوات، والثلثان للبنات أو بنات الابن، والثُّمن للزوجة مع الولد، ولا مُعادَّة في ذلك، وإذا انتفى الثلثان والثلث والثُّمن، بقي النصف والربع والسدس. ومع الربع متى كانت المقاسمة أحظَّ له، بقي للإخوة أقل من النصف فهو لولد الأبوين، وإلا وجب أن يكون الربع للجد؛ لأنه ثلث الباقي، ولا يجوز أن ينقص عنه فيبقى للإخوة النصف، فهو للأخت لأبوين؛ لأنه فرضها، ولا يبقى لولد الأبوين شيء، وإن كان الفرض هو النصف، فالباقي بعده، وبعد ما يأخذه الجد على كل حال دون النصف، فتأخذه الأخت لأبوين، ولا يبقى لولد الأب شيء، فوجب إن كان فرض أن لا يكون غير السدس، وإن لم يكن في مسائل المُعادَّة فرض، لم يفضل عن الأخت لأبوين مع ولد أب وجد أكثر من السدس؛ لأن أدنى ما للجد الثلث، وللأخت النصف والباقي بعدهما هو السدس، وتارة لا يبقى شيء.
(فجد وأخت لأبوين، وأخت لأب) المسألة (من أربعة) عدد رؤوسهم (له) أي: الجد (سهمان) لأن المقاسمة إذًا أحظُّ له (ولكلِّ أخت سهمٌ) لأنهما كأخ (ثم ترجع الأخت لأبوين، فتأخذ ما في يد أختها كله) لتستكمل فرضها وهو النصف - كما لو كان مع الأختين بنت، فأخذت البنت النصفَ وبقي النصف، فإن الأخت لأبوين تأخذه جميعه وتسقط الأخت لأب - وترجع المسألة المذكورة بالاختصار لاثنين: للجد سهمٌ، وللأخت لأبوين سهم.
(وإن كان معهم) أي: الجد والأخت لأبوين والأخت لأب (أخ من
стр. 4765
أب فـ) ــالمسألة من ستة؛ لأن فيها نصفًا، وثلثًا، وما بقي (للجد الثلث) اثنان (وللأخت النصف) ثلاثة (يبقى للأخ وأختيه السدس) واحد (على ثلاثة) لا ينقسم ويباين، فاضْرِب الثلاثة في الستة (تصح من ثمانية عشر) للجد ستة، وللأخت لأبوين تسعة، وللأخت لأب سهم، وللأخ لأب سهمان.
وكذا جد وأخت لأبوين، وثلاث أخوات لأب، تصح من ثمانية عشر، للجد ستة، وللتي لأبوين تسعة، وللباقيات لكل واحدة سهم.
(وإن كان معهم) أي: مع الجد والأخت لأبوين، والأخ لأب، والأخت لأب (أم، فلها السدس) لوجود العدد من الإخوة (وللجد ثلث الباقي) لأنه أحظ له إذًا (وللأخت) لأبوين (النصف) لأنه فَرْضها (والباقي لولدي الأب) على ثلاثة، فالمسألة من ثمانية عشر، للأم ثلاثة، وللجد خمسة، وللتي لأبوين تسعة؛ يبقى لولدي الأب واحد لا ينقسم عليهما، فاضْرِب ثلاثة في ثمانية عشر (تصح من أربعة وخمسين) للأم تسعة، وللجد خمسة عشر، وللتي لأبوين سبعة وعشرون، وللأخ لأب سهمان، ولأخته سهم (وتُسمَّى: مُختصَرة زيد) بن ثابت بن الضحَّاك الخزرجي كاتب الوحي ﵁، وفضله أشهر من أن يُذكر؛ لأنه صحَّحها من مائة وثمانية، وردَّها بالاختصار إلى ما ذكر. وبيانه: أن المسألة من مخرج فرض الأم من ستة، للأم واحد، يبقى خمسة على ستة بعدد رؤوس الجد والإخوة، لا تنقسم وتباين، فتضرب عددهم ستة في أصل المسألة ستة، يحصُل ستة وثلاثون، للأم ستة، وللجد عشرة، وللتي لأبوين ثمانية عشر، يبقى سهمان لولدي الأب على ثلاثة، لا تنقسم وتباين، فتضرب ثلاثة في ستة وثلاثين تبلغ مائة وثمانية، ومنها تصح