(ويُخاطَب في الصلاة بقول: السلام عليك أيها النَّبِيّ ورحمة الله وبركاته. ولو خاطب مخلوقًا غيره بطلت صلاته. وخاطب إبليس باللعنة في صلاته، فقال: "أَلعنك بلعنةِ الله" (١) وفي "الفروع": قبل التحريم، أو مؤول. انتهى. فظاهره عدم الخصوصية (ولم تبطل) صلاته.
(وكانت الهدية حلالًا له) فـ"كان إذا أُتي بطعام سأل عنه، قال: أهدية أو (٢) صَدقة؟ فإن قيل: صدقة، قالَ لأصحابه: كلوا، ولم يأكل، وإن قيل: هدية؛ ضرب بيده، وأكل معهم" متفق عليه من حديث أبي هريرة (٣) (بخلاف غيره من ولاة الأمور، فلا تحل لهم هدية (٤) رعاياهم) لما روى أبو حميد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ : "هدايا العمالِ غُلولٌ"، رواه أَحْمد (٥).
(ومن رآه في المنام، فقد رآه حقًّا؛ لأن (٦) الشيطان لا يتمثَّل به (٧))
стр. 5182
لأن الله عصمه منه، لكن لا يعمل الرائي بما سمعه منه مما يتعلق بالأحكام؛ لعدم الضبط، لا للشك في رؤيته.
(وكان لا يتثاءب (١)) لأنه من الشيطان، والله عصمه منه.
(وعُرض عليه الخلق كلهم، من آدم إلى من بعده، كما عُلِّم آدم أسماء كل شيء) لحديث الديلمي: "مُثِّلَت لي الدنيا بالماء والطين، وعُلِّمتُ الأشياء كلها كما عُلِّمَ آدمُ الأسماءَ كلها" (٢) وعُرض عليه أمته بأسرهم حتى رآهم؛ لحديث الطبراني: "عُرِضَتْ عليَّ أمتي البارحة لدى هذه الحجرة، أولها وآخرها، صُوِّروا لي بالماء والطين، حتى إني لأعرفُ بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه" (٣).
стр. 5183
وعرض عليه -أيضًا- ما هو كائن في أمته حتى تقوم الساعة؛ لحديث أحمد وغيره: "أُريتُ ما تلقى أمتي بعدي وسفكَ بعضهم دماءَ بعضٍ" (١).
(ويبلغه سلام الناس بعد موته) لحديث أحمد عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما مِنْ أحد يسلّم عليَّ عند قبري، إلَّا رد الله عليَّ روحي، حتى
стр. 5184
أرُدَّ ﵇" (١).
(والكذب عليه) ﷺ (ليس ككذب على غيره) لأنه عليه كبيرة؛ للحديث الذي ذكر المصنف معناه، والكذب على غيره صغيرة، إلَّا فيما يأتي في الشهادات (ومن كذب عليه متعمدًا، فليتبوأ مقعده من النار (٢).
وتنام عيناه ولا ينام قلبه) لخبر الصحيحين: "إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي" (٣)، وفي البخاري في خبر الإسراء: "وكذلك الأنبياءُ، تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم" (٤)، ولا يرد عليه نومه في الوادى عن صلاة
стр. 5185
الصبح (١)؛ لأن طلوع الفجر والشمس إنما يدرك بالعين، وهي نائمة، أو يقال: كان له نومان: أحدهما تنام عينه وقلبه (٢)، والثاني عينه دون قلبه، وكان نوم الوادي من النوع الأول (فلا (٣) نقض بنومه ولو مضطجعًا) لخبر الصحيحين (أنه ﷺ اضطجع ونام حتى نَفَخَ، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ" (٤).
(ويرى من خلفه كما يرى أمامه رؤية بالعين حقيقة، نصًّا (٥)) كما ثبت في الصحيحين (٦). والأخبار الواردة فيه مقيدة بحال الصلاة، فهي مقيدة لقوله: "لا أعلم ما وراءَ جداري هذا" (٧)؛ قاله الحافظ ابن حجر.
(والدفن في البنيان مختصٌّ به؛ لئلا يُتَّخذ قبره مسجدًا) ولما روي
стр. 5186
عن أبي بكر مرفوعًا: "لم يُقبَرْ نبيٌّ إلَّا حيث قُبِض" (١).
(وزيارة قبره مستحبَّة للرجال والنساء) لعموم ما روى الدارقطني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي" وفي رواية: "مَنْ زار قبري، وجبتْ له شفاعتي" (٢)، وكقبره الشريف في عموم الزيارة تبعًا له قبرُ صاحبيه ﵄، ويكره للنساء زيارة من عداهم على الصحيح. وتقدم (٣).
(وخُص بصلاة ركعتين بعد العصر) اختاره ابن عقيل. قال ابن بطة: كان خاصًّا به، وكذا أجاب القاضي؛ لأنه ﷺ "كان يصلي بعد العصر ركعتين، وينهى عنهما" رواه أبو داود من حديث عائشة (٤). وروى الحميدي بسنده عنها: ما ترك رسول الله ﷺ ركعتين بعد العصر عندي قط (٥). وظاهر كلامه في "المغني"، و"الشرح"، وغيرهما في أوقات
стр. 5187
النهي: أنه من قضاء الراتبة إذا فاتت، وليس بخصوصية، حيث استدلوا به على جواز قضاء الراتبة في وقت النهي.
(ولم يكن له أن يُهدي) شيئًا (ليُعطَى) بالبناء للمفعول (أكثر منه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (١) أي: لا تعطِ شيئًا لتأخذ أكثر منه.
(وله) ﷺ (أن يقضي) ويفتي (وهو غضبان، وأن يقضي بعلمه، ويحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقبل شهادة من يشهد له ﷺ ) أو لولده؛ لحديث خزيمة (٢)؛ لأنه معصوم. وقضيته أنه يشهد،
стр. 5188
ويقبل، ويحكم على عدوه، وبإباحة الحمى لنفسه، وتقدم في إحياء الموات (١).
قال في "الفروع": وظاهر كلامهم: إن كان لنبيٍّ مال لزمته الزكاة. قيل للقاضي: الزكاة طهرة، والنبيُّ مُطهَّر، فقال: باطل بزكاة الفطر، ثم بالأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنهم مطهرون، ولو كان لهم مال لزمتهم الزكاة.
وخصائصه ﷺ لا تنحصر فيما ذكر، وفيها كتب مشتملة على بعضها (٢).
стр. 5189
باب أركان النكاح وشروطه
أركان الشيء: أجزاء ماهيّته، والماهيّة لا توجد بدون جزئها، فكذا الشيء لا يتم بدون ركنه.
والشروط: ما ينتفي المشروط بانتفائه. وليس جزءًا للماهية.
(وأركانه (١)) أي: النكاح، ثلاثة:
أحدها: (الزوجان الخاليان من الموانع) الآتية في باب محرمات النكاح، وأسْقَطَهُ في "المقنع" و"المنتهى" وغيرهما لوضوحه.
(و) الثاني: (الإيجاب،
و) الثالث: (القبول) لأن ماهية النكاح مركبة منهما، ومتوقفة عليهما.
(ولا ينعقد) النكاح (إلا بهما مرتبين، الإيجاب أولًا، وهو) أي: الإيجاب (اللفظ الصادر من قِبَلِ الولي، أو من يقوم مقامه) كوكيله (ثم القَبول بعده) أي: بعد الإيجاب (وهو) أي: القَبول (اللفظ الصادر من قِبَلِ الزوج، أو من يقوم مقامه) لأن القَبول إنما يكون للإيجاب، فإذا وُجِدَ قبله لم يكن قَبولًا؛ لعدم معناه.
(ولا يصح إيجاب ممن (٢) يحسن العربية إلَّا بلفظ: أنكَحتُ، أو: زوَّجتُ) لورودهما في نص القرآن في قوله: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ (٣) ﴿وَلَا
стр. 5190
تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (١).
(ولمن يَمْلِكُها، أو) يملك (بعضَها، وبعضُها الآخرُ حُرٌّ) إذا أذِنت له هي، ومعتِق البقية، على ما يأتي: (أعْتقتُها وجعلتُ عِتْقَها صداقَها، ونحوه) مما يؤدي هذا المعنى ويأتي؛ لقصة صفية (٢)، إذ العادل عن هذه الصيغ مع معرفته لها عادل عن اللفظ الذي ورد به الكتاب والسنة مع القدرة.
فإن فلت: قد روي أن النبي ﷺ : "زَوَّجَ رجلًا امرأة فقال: ملَّكْتُكْ بما معكَ من القرآن" رواه البخاري (٣)، قلت: وَرَدَ فيه: "زوَّجتُكَها" (٤) و"زوجناكَها" (٥) و"أنكحتها (٦) " (٧) من طرق صحيحة. فإما أن يكون قد جمع بين الألفاظ، أو يحمل على أن الراوي روى بالمعنى ظنًّا منه أنها بمعنىً واحد، أو يكون خاصًّا به، وعلى كل تقدير لا يبقى حجة.
ويصح الإيجاب من الولي بلفظ: زُوِّجتَ -بضم الزاي وفتح التاء بصيغة البناء للمفعول- لا: جوَّزتُك، بتقديم الجيم. وسُئل الشيخ تقي
стр. 5191
الدين (١) عن رجل لم يقدر أن يقول إلا: قبلت تجويزها، تقديم الجيم؟ فأجاب بالصحة؛ بدليل قوله: جوزتي طالق، فإنها تطلق.
(ولا يصح قَبوله (٢) لمن يحسنها) أي: العربية (إلا بـ) ــلفظ: "قبلتُ تزويجها، أو:) قبلتُ (نكاحها، أو: قبلتُ هذا النكاح، أو:) قبلتُ (هذا التزويج، أو: تزوجتها، أو: رضيتُ هذا النكاح، أو: قبلتُ فقط، أو: تزوجتُ) لأن ذلك صريح في الجواب، فصحَّ النكاح به، كالبيع.
(أو قال الخاطب للولي: أزوَّجتَ؟ فقال) الولي: (نعم. وقال) الخاطب (للمتزوج: أقبلتَ؟ فقال) المتزوج: (نعم) انعقد النكاح؛ لأن المعنى: نعم زوَّجْتُ، نعم قبلت هذا النكاح؛ لأن السؤال يكون مضمرًا في الجواب، معادًا فيه، بدليل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ (٣) أي: وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا. ولو قيل لرجل: ألفلانٍ عليك ألف درهم؟ فقال: نعم، كان إقرارًا صريحًا لا يفتقر إلى نية، ولا يرجع فيه إلى تفسيره، وبمثله تُقطع اليد في السرقة؛ مع أن الحدود تُدرأ بالشُّبهات، فوجب أن ينعقد به التزويج.
(واختار الموفَّق، والشيخ (٤)، وجمعٌ، انعقادَهُ بغير العربية، لمن يحسنها (٥)) لأن المقصود المعنى دون اللفظ.
стр. 5192
(وقال الشيخ (١) أيضًا: ينعقد) أي: النكاح (بما عدَّه الناس نكاحًا، بأي لغة ولفظ كان، وإنَّ مِثلَهُ) أي: النكاح (كلُّ عَقدٍ) فينعقد البيع بما عدَّه الناس بيعًا؛ بأي لغة ولفظ كان، والإجارة بما عدَّه الناس إجارة؛ بأي لغة ولفظ كان، وهكذا.
(و) قال أيضًا (٢): (إن الشرط بين الناس ما عَدُّوه شرطًا) وكذا قال تلميذه ابن القيم (٣).
فلو تزوَّج من قوم لم تجر العادة بالتزويج على نسائهم، كان بمنزلة شرط ألَّا يتزوج عليها، وتأتي الإشارة إليه، وإلى مأخذه في باب الشروط في النكاح.
(فالأسماء تُعرف حدودها تارة بالشرع) كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والوضوء، والغسل، ونحوها (و) تُعرف حدودها (تارة باللغة) كرجل، وفرس، وشجر، ونحوها (و) تعرف حدودها (تارة بالعُرف) العام، كالدَّابة لذوات الأربع، أو الخاص، كالفاعل والمبتدأ (وكذلك العقود) فتُعرف حدودها بواحد من هذه الثلاثة (انتهى).
والفرق: أن الشهادة شرط في النكاح، والكناية إنما تُعلم بالنية، ولا يمكن الشهادة على النية؛ لعدم الاطلاع عليها، فيجب ألاَّ ينعقد.
(فإن كان أحد المتعاقدين) في النكاح (يحسن العربية، دون الآخر، أتى الذي يحسن العربية) بما هو من قِبَله، من إيجاب أو قَبول
стр. 5193
(بها) أي: بالعربية؛ لقدرته عليه (و) العاقد (الآخر يأتي) بما هو من قِبَله (بلسانه) أي: بلغته.
(فإن كان كلُّ منهما) أي: العاقدين (لا يُحسِنُ لسان الآخر؛ ترجم بينهما ثقةٌ يعرف اللسانين).
قال الشيخ تقي الدين عن القاضي: ولم يشرط (١) تعدده، أي: الثقة الذي يترجم بين العاقدين.
ويأتي في الشهادات أن الترجمة عند الحاكم كالشهادة، فإذا كان القاضي لا يعرف لسانهما؛ فلابُدَّ في الترجمة عنده من رجلين عدلين.
(ولابدَّ أن يعرف الشاهدان اللسانين المعقودَ بهما) ليتمكنا من تحمُّل الشهادة؛ لأنها على اللفظ الصادر منهما، فإذا لم يعرفاه؛ لم يتأتَّ لهما الشهادة به.
(ويأتي حكم تولي طرفي العقد) في فصل: وإذا استوى وليان.
(ويصح إيجاب أخرس، وقَبوله) النكاح (بإشارة مفهومة يفهمها صاحبه) العاقد معه (و) يفهمها (الشهود) لأن النكاح معنًى لا يستفاد إلا من جهته، فصح بإشارته، كبيعه وطلاقه (أو كتابة (٢)) أي: ويصح إيجاب النكاح وقبوله من أخرس بكتابة؛ لأنها أولى من الإشارة؛ لأنها بمنزلة الصريح في الطلاق والإقرار.
و (لا) يصح النكاح (من القادر على النطق) بإشارة ولا كتابة؛ للاستغناء عنها.
стр. 5194
(ولا) يصح إيجاب النكاح ولا قَبوله (من أخرس لا تُفهم إشارته) كسائر تصرفاته القولية؛ لعدم الصيغة.
(فإن قدر على تعلُّمهما) أي: الإيجاب والقَبول (من لم (١) يحسنهما بالعربية؛ لم يلزمه) تعلمهما بالعربية؛ لأن النكاح غير واجب بأصل الشرع، فلم يجب تعلم أركانه بالعربية، كالبيع، بخلاف التكبير. ولأن المقصود هنا المعنى دون اللفظ المعجز، بخلاف القراءة في الصلاة (وكفاه) أي: العاجر (معناهما الخاص بكل لسان) أي: لغةٍ عرفها؛ لأن ذلك في لغته نظير الإنكاح والتزويج.
وعُلم منه: أنه لا يصح بلفظ لا يؤدي معنى النكاح والتزويج الخاص؛ لأن من عدل عن اللفظ الخاص بذلك اللسان إلى غيره؛ شبه (٢) لمن هو عربي وعدل عن لفظهما الخاص.
(ولو قال الولي للمتزوج: زوجتَكَ مُولِيَّتي) فلانة (بفتح التاء) من: "زوجتك" (عجزًا) عن ضمها (أو جهلًا باللغة العربية؛ صح) النكاح، و (لا) يصح إن كان ذلك (من عارف) بالعربية، قادر على إصلاحه. قال في "شرح المنتهى": هذا هو الظاهر. وأفتى الموفَّق أنه يصح مطلقًا. وتوقف في المسألة ناصح الإسلام ابن أبي الفهم (٣) من أصحابنا، وأطلق القولين في "المنتهى"، ومثله لو قال الزوج: قبلتَ، بفتح التاء.
стр. 5195
(وان أوجب) الولي (النكاح) ونحوه (ثم جُنَّ) قبل القبول (أو أُغمي عليه قبل القَبول؛ بَطَلَ العقد) أي: الإيجاب، بذلك (كـ) ــما: يبطل بـ (ـــموته نصًا (١)) لأن الإيجاب قبل القبول غير لازم، فبطل بزوال العقل، كالعقود الجائزة، تبطل بالموت والجنون، و (لا) تبطل (إن) أوجب ثم (نام) وحصل القَبول في المجلس؛ لأن النوم لا يبطل العقود الجائزة، فكذلك هنا.
(ولا يصح تعليق النكاح على شرط مستقبل، كقوله: إن وضعت زوجتي جارية، فقد زوَّجتُكها. أو: زوجتك ما في بطنها) أي: بطن هذه المرأة (أو:) زوَّجتك (مَن في هذه الدار؛ وهما) أي: الولي والزوج (لا يعلمان ما فيها) أي: الدار، فلا يصح النكاح.
(بخلاف الشروط الحاضرة، و) الشروط (الماضية، مثل قوله: زوجتك هذا المولود إن كان أنثى. أو: زوَّجتُك ابنتي إن كانت عدتها قد انقضت. أو:) زوَّجتُك بنتي (إن كنت وليها؛ وهما يعلمان ذلك) أي: كونها أنثى في المثال الأول، وانقضاء العدة في المثال الثاني، أو أنه وليها في الثالث (فإنه يصح) النكاح؛ لأن ذلك ليس بتعليق حقيقة، إذ الماضي والحاضر لا يقبله.
(وكذا تعليقه بمشيئة الله) كقوله: زوَّجتُكها إن شاء الله. أو: قبلت إن شاء الله (أو قال) الولي: (زوَّجتُكَ ابنتي إن شئتَ. فقال: قد شئتُ وقبلتُ؛ فيصح) النكاح (قاله زين الدين عبد الرحمن بن رجب (٢))
стр. 5196
رحمه الله تعالى.
(وإذا وُجِد الإيجاب والقَبول؛ انعقد النكاح، ولو من هازل أو مُلجأ) لقوله ﷺ : "ثلاثٌ هزلهنَّ جِدٌّ، وجدُّهن جِدٌّ: الطلاقُ، والنكاحُ، والرَّجْعَةُ" رواه الترمذي (١)، وعن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "منْ نكح لاعبًا، أو طلَّق لاعبًا، أو عَتق لاعبًا؛
стр. 5197
جاز" (١)، وقال عمر: "أربعٌ جائزات؛ إذا تُكلم بهن: الطَّلاقُ، والعتاقُ، والنكاحُ، والنذرُ" (٢).
стр. 5198
(وكان للنبي ﷺ أن يتزوج بلفظ الهبة، وتقدم (١)) ذلك (في الباب قبله) موضحًا.
(وإن تقدم القبول الإيجابَ كقوله: تزوجتُ ابنتكَ) فيقول الولي: زوَّجتُكها (أو: زوجني ابنتك) فيقول الولي: زوَّجتُكها (لم يصح، نصًا (٢)) لأن القَبول إنما يكون للإيجاب، فمتى وُجِدَ قبله لم يكن قَبولًا؛ لعدم معناه، فلم يصح، كما لو تقدم بلفظ الاستفهام؛ ولأنه لو تأخَّر عن الإيجاب بلفظ الطلب؛ لم يصح، فإذا تقدم كان أولى؛ كصيغة الاستفهام. ويفارق البيع؛ لأنه لا يشترط فيه صيغة الإيجاب، بل يصح بالمعاطاة، ولا يتعين فيه لفظ، بل يصح بأي لفظ كان، إذا أتى بالمعنى. ويفارق الخلع؛ لأنه يصح تعليقه على الشرط، إذا أتى بنية الطلاق.
(وإن تراخى) قبول (عنه) أي: عن الإيجاب (صح، ماداما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه عُرفًا) ولو طال الفصل؛ لأن حكم المجلس حكم حالة العقد، بدليل صحة القبض فيما يشترط لصحته قبضه في المجلس، وبدليل ثبوت الخيار في عقود المعارضات.
(وإن تفرَّقا قبله) أي: قبل القَبول بعد الإيجاب (بطل الإيجاب) وكذا إن تشاغلا بما يقطعه عُرفًا؛ لأن ذلك إعراض عنه، أشبه ما لو رده.
(وإن اختلف لفظ الإيجاب والقَبول، فقال الولي: زوَّجتُك) بنتي، مثلًا (فقال المتزوج: قبلتُ هذا النكاح، أو بالعكس) بأن قال الولي: أنكحتُكَ بنتي، فقال الزوج: تزوجتُها، ونحوه (صح) العقد؛ لأن اللفظ وإن اختلف فالمعنى متحد.
стр. 5199
(و لا يثبت الخيار في النكاح، وسواء في ذلك خيار المجلس وخيار الشرط) لأنه ليس بيعًا ولا في معناه، والعوض ليس ركنًا فيه، ولا مقصودًا منه.
فصل
(وشروطه) أي: النكاح (خمسة) بالاستقراء:
(أحدها: تعيين الزوجين) لأن النكاح عقد معاوضة، أشبه تعيين المبيع في البيع؛ ولأن المقصود في النكاح التعيين، فلم يصح بدونه.
(فلا يصح) العقد إن قال الولي: (زوجتك ابنتي، وله بنات، حتى يميزها) عن غيرها (بأن يُشير إليها، أو يسميها) باسم يخصها (أو يصفها بما تتميز به عن غيرها) بأن تكون الصفة لا يشركها فيها غيرها من أخواتها (كقوله:) زوَّجتُك (بنتي الكبرى، أو) بنتي (الصغرى، أو) بنتي (الوسطى، أو) بنتي (البيضاء، ونحوه) كالحمراء، أو السوداء (١) (فإن سَمَّاها مع ذلك) أي: مع وصفها الذي تتميز به، كأن يقول: زوجتك بنتي فلانة الكبرى (كان) ذلك (تأكيدًا) لأنه مقوٍّ لما دل الاسم عليه.
(ولو) قال الولي: زوجتك بنتي، و (لم يكن له) أي: الولي (إلا) بنت (واحدة؛ صح) العقد (ولو سَمَّاها) الولي (بغير اسمها) لأن عدم التعيين إنما جاء من التعدُّدِ، ولا تعدُّدَ هنا (وكذا لو أشار إليها، وسَمَّاها بغير اسمها (٢) بأن قال: زوجتك بنتي فاطمة هذه، وأشار إلى خديجة؛ فيصح العقد على خديجة؛ لأن الإشارة أقوى.
стр. 5200
(وإن سمَّاها) الولي (باسمها) بأن قال: زوجتك فاطمة، ولم يقل: بنتي؛ لم يصح.
(أو) سمَّاها (بغيره) أي: غير اسمها (ولم يقل: بنتي؛ لم يصح) النكاح.
وكذا لو قال: زوجتك الكبيرة، أو: الطويلة، ونحوه، لأن هذا الاسم، أو هذه الصفة يشتركان بينها (١) وبين سائر الفواطم أو الطوال.
(وكمن له بنتان، عائشة وفاطمة، فقال) الولي: (زوجتُك بنتي عائشة، فقبل) الزوج (ونَوَيا في الباطن فاطمة) فلا يصح النكاح؛ لأن المرأة لم تُذكَر بما تتميز به، فإن اسم أختها لا يميزها، بل يصرف العقد عنها؛ ولأنهما لم يتلفظا بما يصح العقد بالشهادة عليه، فأشبه ما لو قال: زوجتك عائشة فقط، أو ما لو قال: زوجتك ابنتي، ولم يسمَّها.
وإذا لم يصح فيما إذا لم يسمِّها، ففيما إذا سَمَّاها بغير اسمها أولى، وكذا إن قصد الولي واحدة، والزوج أخرى.
(وإن سمَّى له) أي: لمن يريد التزوج (في العقد غير من خطبها، فَقَبِلَ، يظنها المخطوبة؛ لم يصح) العقد؛ لأن القبول انصرف إلى غير من وُجِد الإيجاب فيها (ولو رضي) الزوج (بعد علمه بالحال) فلا ينقلب النكاح صحيحًا.
فإن قَبِلَ غير ظانٍّ أنها المخطوبة؛ صح النكاح.
(وإن كان) الذي سمي له في العقد غير مخطوبته، وقَبِل؛ يظنها إياها (قد أصابها) أي: وطئها (وهي جاهلة بالحال) أي: بأنها سُميت له في العقد بعد أن خطب غيرها (أو) جاهلة بـ (ـــالتحريم؛ فلها الصداق).
стр. 5201
أي: مهر المِثْل؛ لأنه وطء شُبهة (يرجع به) الواطئ (على وليها، قال) الإمام (أحمد (١): لأنه غَرَّه.
وتُجهَّز إليه) أي: استحبابًا (التي خطبها بالصداق الأول، يعني بعقد جديد) لتوقف الحل عليه (بعد انقضاء عدة التي أصابها؛ إن كانت) المخطوبة (ممن يحرم الجمع بينهما) بأن كانت أخت المصابة، أو عمتها، أو خالتها، ونحوه؛ لما يأتي في تحريم الجمع.
(وإن كانت) المصابة (وَلدت منه، لحقه الولد) لأنه من وطء شُبهة (٢).
(وان علمت) المصابة (أنها ليست زوجته، و) علمت (أنها محرَّمة عليه، وأمكنته (٣) من نفسها؛ فهي زانية لا صداق لها) وعليها الحد؛ لانتفاء الشبهة.
وجميع ما تقدم في تعيين الزوجة، يأتي نظيره في الزوج، ولم يُنبِّهوا عليه؛ لوضوحه.
الشرط (الثاني: رضاهما) أي: الزوجين (أو من يقوم مقامهما، فإن لم يرضيا) أي: الزوجان (أو) لم يرض (أحدهما؛ لم يصح) النكاح؛ لأن العقد لهما، فاعتبر تراضيهما به، كالبيع (لكن للأب) خاصة (تزويج بنيه الصغار، و) بنيه (المجانين ولو) كان بنوه المجانين (باَلغِين) لأنهم لا قول لهم، فكان له ولاية تزويجهم، كأولاده الصغار. وروى الأثرم (٤):
стр. 5202
"أن ابن عمر زوّج ابنه وهو صغير؛ فاختصموا إلى زيد، فأجازاه جميعًا" وكأبي الصغيرة والمجنونة.
وحيث زوَّج الأب ابنه لصغره وجنونه؛ فإنه يزوِّجه (بغير أَمَةٍ) لئلا يُسترق ولده (ولا معيبة عيبًا يردُّ به النِّكَاح) كرتقاء وجذماء (١)؛ لما فيه من التنفير.
ويزوَّج الأب ابنه الصغير والمجنون (بمهر المِثل وغيره، ولو كُرْهًا) لأن للأب تزويج ابنته البكر بدون صداق مثلها، وهذا مثله، فإنه قد يرى المصلحة في ذلك، فجاز له بذل المال فيه، كمداواته، بل هذا أولى، فإن الغالب أن المرأة لا ترضى أن تتزوج المجنون إلا أن ترغب بزيادة على مهر مثلها، فيتعذَّر الوصول إلى النِّكَاح بدون ذلك.
(وليس لهم) أي: للبنين الصغار والمجانين إن زوَّجهم الأب (خيار إذا بلغوا) وعقلوا، كما لو باع مالهم ونحوه.
(و) للأب (تزويج بناته الأبكار، ولو بعد البلوغ) لحديث ابن عباس مرفوعًا: "الأيِّمُ أحقُّ بنفسها من وليها، والبِكر تُستأمر، وإذنها صُمَاتُها" رواه أبو داود (٢). فلما قسم النساء قسمين، وأثبت الحق لأحدهما، دَلَّ على نفيه عن الآخر، وهي البِكر، فيكون وليها أحق منها بها، ودَلَّ الحديث على أن الاستئمار هنا، والاستئذان في حديثهم؛ مستحب غير واجب.
(و) للأب أيضًا تزويج (ثيب، لها دون تسع سنين) لأنه لا إذن لها.
стр. 5203
(بغير إذنهم) أي: البنين الصغار، والمجانين، والبنت البكر، والثيب التي (١) دون تسع سنين؛ لما تقدم.
(وليس ذلك) أي: تزويج من ذكر (للجَدِّ) لعموم الأحاديث؛ ولأنه قاصر عن الأب، فلم يملك الإجبار، كالعم.
(ويُسن استئذان بِكْرٍ بالغة، هي وأمها) أما هي فلما تقدم، وأما استئذان أمها، فلحديث ابن عمر مرفوعًا: "آمِرُوا النساء في بناتِهنَّ" رواه أبو داود (٢).
ويكون استئذان الولي لها (بنفسه، أو بنسوة ثقات ينظرن ما في نفسها) لأنها قد تستحيي منه (وأمها بذلك أولى) لأنها تظهر على أمها ما تخفيه على غيرها.
(وإذا زوَّج) الأب (ابنه الصغير، فـ) ـــإنه يزوّجه (بامرأة واحدة)
стр. 5204
لحصول الغرض بها (و) له تزويجه (بأكثر) من واحدة (إن رأى فيه مصلحة) نقله في "الإنصاف" عن ابن رزين وغيره، لكن ضعَّفه في "تصحيح الفروع"، قال: وهذا ضعيف جدًّا، وليس في ذلك مصلحة؛ بل مفسدة، وصوَّب ألَّا يزوجه أكثر من واحدة، وقال: هو مراد من أطلق. وأما الوصي فلا يزوجه أكثر، لأنه تزويج لحاجة، والكفاية تحصل بذلك.
إلا أن تكون غائبة، أو صغيرة طفلة، وبه حاجة، فيجوز أن يزوجه ثانية؛ قاله القاضي في "المجرَّد" في الوصايا. انتهى. وعلى نحو ذلك يُحمل كلام ابن رزين وغيره، فلا تضعيف.
(وحيث أُجبرت) البكر (أُخِذَ بتعيين بنت تسع (١) فأكثر كُفُؤًا، لا بتعيين المجبِر) من أب أو وصيه؛ لأن النِّكَاح يُراد للرغبة، فلا تُجبر على من لا ترغب فيه.
قال في "المبدع": وقد صرَّح بعض العلماء أنَّه يُشترط للإجبار شروط: أن يزوجها من كفء بمهر المثل، والَّا يكون الزوج معسرًا، وألَّا يكون بينهما وبين الأب عداوة ظاهرة، وأن يزوِّجها بنقد البلد. واقتصر عليه.
قلت: وفيه شيء.
(فإن امتنع) المجبِر (من تزويج من عَيَّنته) بنت تسع سنين فأكثر (فهو عاضل، سقطت ولايته) ويفسق به إن تكرر، على ما يأتي.
(ومن يُخْنَق في بعض الأحيان) لم يصح تزويجه إلا بإذنه إن كان بالغًا؛ لأنه يمكن أن يتزوج لنفسه، فلم تثبت ولاية تزويجه لغيره،
стр. 5205
كالعاقل (أو زال عقله بِبِرْسَام أو بمرض مرجوِّ الزوال؛ لم يصح تزويجه إلا بإذنه) كالعاقل، فإن دام به صار كالمجنون؛ قاله الشيخ تقي الدين في "المسودة" (١). وهو معنى كلام الشارح.
(وليس للأب تزويج ابنه البالغ العاقل بغير إذنه) لأنه لا ولاية عليه (٢) (إلا أن يكون سفيهًا، وكان) النِّكَاح (أصلح له) بأن يكون زَمِنًا أو ضعيفًا يحتاج إلى امرأة تخدمه، فإن لم يكن محتاجًا إليه، فليس لوليه تزويجه.
(وله) أي: للأب (قَبول النِّكَاح لابنه الصغير) ولو مميزًا (و) لابنه (المجنون) لما تقدم (٣)، وكذا البالغ المعتوه في ظاهر كلام أحمد (٤) والخرقي، مع ظهور أمارات الشهوة، وعدمها. وقال القاضي: إنما يجوز تزويجه إذا ظهرت منه أمارات الشهوة بميله إلى النساء ونحوه.
(ويصحُّ قَبول مميز لنكاحه (٥)، بإذن أبيه (٦)، نصًّا (٧)) كما يصح أن يتولى البيع والشراء لنفسه بإذن وليه.
و (لا) يصح قبول (طفل دون التمييز) لنكاحه (ولا) قَبول (مجنون) لنكاحه (ولو بإذن وليهما) لأن قولهما غير معتبر.
(وللسيد إجبار إمائه الأبكار والثُّيَّب) لا فرق بين الكبيرة والصغيرة
стр. 5206
منهن، ولا بين القِنِّ، والمُدَبَّرَة، وأم الولد؛ لأن منافعهن مملوكة له، والنِّكَاح عقد على منفعتهن، فأشبه عقد الإجارة، ولذلك ملك الاستمتاع بها، وبهذا فارقت العبد؛ ولأنه ينتفع بذلك، لما يحصل له من مهرها وولدها، وتسقط عنه نفقتها وكسوتها، بخلاف العبد، ولا فرق بين كونها مباحة، أو محرَّمة عليه، كأخته من رضاع (إلا مكاتَبَتَه) ولو صغيرة، فلا يُجْبِرها؛ لأنها بمنزلة الخارجة عن ملكه، ولذلك لا يلزمه نفقتها، ولا يملك إجارتها، ولا أخذ مهرها.
(ولو كان نصف الأَمَة حرًّا، لم يملك مالك الرِّقِّ إجبارها) لأنه لا يملك نفعها (ويعتبر إذنها) لما فيها من الحرية (و) يعتبر (إذن مالك البقية، كأَمَةٍ لاثنين) وكذا يعتبر إذن المعتِق؛ لأنه له ولاء ما أعتق منها، فهو وليه (ويقول كل منهما) أي: من المعتق ومالك البقية: (زوَّجتُكَها، ولا يقول: زوَّجتُك بعضها) لأن النِّكَاح لا يقبل التشقيص والتجزئ، بخلاف البيع والإجارة.
وهل يُعتبر اتحاد زمن الإيجاب منهما، أو يجوز ترتبهما؟ فيه نظر؛ قاله ابن نصر الله.
قلت: الأظهر أنَّه لا يَضُرُّ (١) ترتبهما فيه ماداما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه عُرفًا، وفي اعتبار اتحاده حرج ومشقة.
(ويملك) السيد (إجبار عبده الصغير، ولو) كان العبد (مجنونًا) فيجبره، ولو (٢) بالغًا؛ لأن الإنسان إذا ملك تزويج ابنه الصغير والمجنون؛ فعبده الَّذي كذلك مع ملكه وتمام ولايته عليه أولى.
стр. 5207
و (لا) يملك إجبار (عبده الكبير العاقل) لأنه مكلَّف يملك الطلاق، فلا يُجبر على النِّكَاح، كالحر؛ لأن النِّكَاح خالص حقِّه، ونفعُه له، فلا يُجبر عليه، كالحر، والأمر بإنكاحه مختص بحال (١) طلبه، بدليل عطفه على الأيامى (٢)، وإنما يزوجن عند الطلب.
(ولا يجوز لسائر) أي: باقي (الأولياء) بعد الأب (تزويج حُرَّة كبيرة) بالغة، ثيبًا كانت أو بكرًا (إلا بإذنها) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا تُنكح الأيم حتَّى تُستأمرَ، ولا تُنكح البكر حتَّى تُستأذن، قالوا: يا رسول الله، وكيف إذنُها؟ قال: أن تسكتَ" متفق عليه (٣).
(إلا المجنونة، فلهم) أي: لسائر الأولياء (تزويجها) أي: المجنونة (إذا ظهر منها الميل إلى الرجال) لأن لها حاجة إلى النِّكَاح؛ لدفع ضرر الشهوة عنها، وصيانتها عن الفجور، وتحصيل المهر والنفقة والعفاف، وصيانة العرض، ولا سبيل إلى إذنها، فأُبيح تزويجها، كالبنت مع أبيها (ويعرف ذلك) أي: ميلها إلى الرجال (من كلامها، وتتبعها الرجال، وميلها إليهم، ونحوه) من قرائن الأحوال (وكذا إن قال أهل الطب) ولعل المراد: ثقةٌ منهم إن تعذَّر غيره، وإلا فاثنان، على ما يأتي في الشهادات: (إن علتها تزول بتزويجها (٤)) فلكل ولي تزويجها؛ لأن ذلك من أعظم مصالحها، كالمداواة (ولو لم يكن لها) أي: المجنونة
стр. 5208
ذات الشهوة ونحوها (ولي إلا الحاكم، زوَّجها) لما سبق.
(وإن احتاج الصغير العاقل، أو) احتاج (المجنون المُطبَقُ البالغ إلى النِّكَاح، لحاجة النِّكَاح) أي: الوطء (أو) لحاجة (غيره) كخدمةٍ (زوجهما الحاكم، بعد الأب والوصي) أي: مع عدمهما؛ لأنه الَّذي ينظر في مصالحهما إذًا، وتقدم (١) حكم من يُخْنَق في بعض الأحيان.
(ولا يملك ذلك) أي: تزويج الصغير والمجنون (بقية الأولياء) وهم مَن عدا الأب ووصيِّه والحاكم؛ لأنه لا نظر لغير هؤلاء في مالهما، ومصالحهما المتعلقة به.
(وإن لم يحتاجا) أي: الصغير والمجنون (إليه) أي: إلى النِّكَاح (فليس له) أي: الحاكم (تزويجهما) لأنه إضرار بهما بلا منفعة.
(وليس لسائر الأولياء) أي: من عدا الأب ووصيِّه الَّذي نص له عليه (تزويج صغيرة لها دون تسع سنين بحال) أي: في حال من الأحوال؛ لما روي: "أنَّ قُدامة بن مظعون زوج ابنةَ أخيه من عبد الله بن عمر، فرفع ذلك للنبي ﷺ فقال: إنها يتيمة ولا تُنكحُ إلا بإذنها" (٢) والصغيرة لا إذن لها بحال.
стр. 5209
(ولا للحاكم تزويجها) أي: بنت دون تسع سنين، كغيره (خلافًا لما في "الفروع") قال: وعنه (١): لهم تزويجها، كالحاكم (فإنه) أي: صاحب "الفروع" (لم يوافَق) بالبناء للمفعول (عليه) أي: على ما أفهمَه كلامُه؛ من أن للحاكم تزويج الصغيرة وإن منعنا غيره من الأولياء.
قال في "الإنصاف": ولا أعلم له موافقًا على ذلك، بل صَرَّح في "المستوعب"، و"الرعاية"، وغيرهما بغير ذلك. ونص عليه أحمد (٢)، ومع ذلك له وجه؛ لأنه أعلم بالمصالح من غيره من الأولياء، لكنه يحتاج إلى موافق، ولعله: "كالأب" فَسَبَقَ القلمُ، وكذا قال شيخنا (٣) وابن نصر الله، وذكر شيخنا أنَّه ظاهر كلام القاضي في "المجرد".
(ولهم) أي: سائر الأولياء (تزويج بنت تسع) سنين (فأكثر، بإذنها، ولها إذْنٌ صحيح مُعتَبرٌ، نصًّا (٤)) لما روي أحمد بسنده إلى عائشة: "إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة" (٥) وروي مرفوعًا عن
стр. 5210
ابن عمر (١)، ومعناه: في حكم المرأة؛ ولأنها تصلح بذلك للنكاح، وتحتاج إليه، أشبهت البالغة.
(وإذْنُ الثيِّبِ: الكلام) لقوله ﷺ : "الثيِّب تُعْرِبُ عن نفسها، والبِكرُ رضاها صمتُها" رواه الأثرم وابن ماجَهْ (٢) (وهي) أي: الثيب (من وُطئِت في القُبُل) لا في الدبر (بآلة الرجال) لا بآلة غيرها (ولو) كانت وُطِئت (بزنيً) لأنه لو وصَّى للثيب؛ دخلت في الوصية، ولو وصى للأبكار؛ لم تدخل فيهن (وحيث حكمنا بالثيوبة) بأن وُطِئت في القُبُل بآلة رجل
стр. 5211
(وعادت البكارة، لم يزُل حكم الثيوبة) لأن الحكمة التي اقتضت التفرقة بينها وبين البِكْرِ مباضعة الرجال ومخالطتهم، وهذا موجود مع عَوْد البكارة.
(وإذْن البِكر الصُّمَات، ولو زوَّجها غير الأب) لما روى أحمد بسنده عن أبي هريرة مرفوعًا: "تُستأمر اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو إذنها، وإن أبتْ لم تُكره" (١)، وعن عائشة: "أنها قالت: يا رسول الله؛ إنَّ البكر تَسْتَحْيي، قال: رضاها صُماتُها" متفق عليه (٢).
(وان ضحكت أو بكت فـ) ــــذلك (كَسُكُوتِها) لما روي أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "تُستأمرُ اليتيمةُ، فإن بكت أو سكتَت فهو رضاها، وإن أبَت فلا جواز عليها" (٣)؛ ولأنها غير
стр. 5212
ناطقة بالامتناع مع سماعها للاستئذان، فكان ذلك إذنًا منها.
(ونطقها) أي: البِكر (أبلغ) من سكوتها وضحكها وبكائها؛ لأنه الأصل فى الإذن، وإنما اكتفى بالصمات من البكر للاستحياء (فإن أذنت) البِكر نطقًا (فلا كلام، وإن لم تأذن) البِكر نطقًا (استحب ألَّا يجبرها) على النطق، واكتفى بسكوتها إن لم تصرح بالمنع، فلا يجبرها غير الأب ووصيه، كما تقدم (١).
(وزوال البكارة بإصبع، أو وثبة، أو شدة حيضة، ونحوه) كسقوط من شاهق (لا يغير صفة الإذن) فلها حكم البكر في الإذن؛ لأنها لم تَخبُرِ المقصودَ، ولا وُجِدَ وطؤها في القبل، فأَشبهت من لم تَزُل عذرتها (وكذا وطء دُبُر) ومباشرة دون الفرج؛ لأنها غير موطوءة في القُبُل.
(ويُعتبر في الاستئذان تسمية الزوج على وجه تقع معرفتها) أي: المرأة (به) أي: بالزوج، بأن يذكر لها نسبه ومنصبه، ونحوه؛ لتكون على بصيرة في إذنها في تزويجه بها.
стр. 5213
(ولا يُشترط) في استئذان (تسميةُ المهر) لأنه ليس رُكنًا في النكاح، ولا مقصودًا منه.
قلت: ولا يُشترط - أيضًا - اقترانه بالعقد، فتقدُّمُ الخطبة والإهداء ونحوه إذا استؤذنت - مع سكوتها وكانت بكرًا - دليل إذنها.
(ولا) تُشترط - أيضًا - (الشهادةُ بخلوها عن الموانع الشرعية) عملًا بالظاهر، والعبرة في العقود بما في نفس الأمر.
(ولا) يُشترط - أيضًا - (الإشهادُ على إذنها) لوليها أن يزوجها ولو غير مجبرة، لما تقدم (والاحتياط الإشهاد) على خلوها من الموانع، وعلى إذنها لوليها إن اعتبر احتياطًا.
(وإن ادعى زوج إذنها) في التزويج للولي (وأنكرت) الإذن له (صُدِّقت قبل الدخول) لأن الأصل عدمه، و (لا) تُصَدَّق (بعدَه) أي: بعد الدخول؛ لأن تمكينها من نفسها دليل إذنها، فلم تقبل دعواها عدم الإذن بعدُ؛ لمخالفتها الظاهر.
(وإن ادعت) من مات العاقد عليها (الإذن) لوليها في تزويجها له (فأنكر ورَثتُه) أن تكون أذنت (صُدِّقَت) لأنها تدعي صحة العقد، وهم يدعون فساده، فقُدِّم قولها عليهم؛ لموافقته الظاهر في العقود، وسواء كان ذلك قبل الدخول أو بعده، فيتقرر الصداق وترث منه.
(ومن ادعى نكاح امرأة فجحدته) فقولها؛ لأنها منكِرَة، والبينة على المدعي (ثم) إن (أقرت له) بعد جحودها (لم تحل) له بنفس الإقرار، حيث لم تكن زوجة له، سواء صالحها عن ذلك بعوض أو لا؛ لأنه صُلْحٌ أحلَّ حرامًا (الا بعقد جديد) مع خلوها عن الموانع، وباقي شروطه، وإن كانت زوجته في الباطن فإنكارها لا أثر له، وتحل له ويحصل التوارث
стр. 5214
بينهما، كما ذكره هو وغيره في مواضع تقدم بعضها، وتأتي بقيتها.
(فإن أقرَّ الولي عليها) بالنكاح، بأن أقرَّ أنه زوَّجها من المدعي، وأنكرت (وكان الولي ممن يملك إجبارها) كأبي البِكر، ووصيِّه في النكاح (صحَّ إقراره) لأن من ملك إنشاء عقد، ملك الإقرار به (وإلا) بأن لم يكن الولي مجبِرًا، كالجد والأخ والعم (فلا) يُقبل قوله عليها؛ لأنه إقرار على الغير، ما لم تقر بالإذن له.
فصل
الشرط (الثالث: الولي، فلا) يصح (نكاح إلا بولي) لما روى أبو موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: "لا نكاح إلا بولي" رواه الخمسة (١)،
وصححه ابن المديني (١). وقال المَرُّوذي (٢): سألت أحمد ويحيى عن حديث "لا نكاح الا بوليٍّ" فقالا: صحيح.
وهو لنفي الحقيقة الشرعية، بدليل ما روى سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نَكَحتْ نفسها بغير إذن وليِّها، فنكاحها باطل باطلٌ باطلٌ، فإن دخل بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فَرْجِها، فإن اشتجروا فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا ولي له" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه (٣).
لا يقال: يمكن حمل الرواية الأولى على نفي الكمال؛ لأن كلام الشارع محمول على الحقائق الشرعية، أي: لا نكاح شرعي أو موجود في الشرع إلا بولي.
ولا يقال - أيضًا -: الثاني يدل على صحته بإذن الولي، وأنتم لا تقولون به مع أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١) يدل على صحة نكاحها لنفسها، لأنه أضافه إليهن، ولأنه خالصُ حقها، فصح منها كبيع أمَتها (٢)؛ لأنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لأن الغالب أن المرأة إنما تُزوِّج نفسها بغير إذن وليها، وأما الآية فالنهي عن العضل عمَّ الأولياء. ونهيهم عنه دليل على اشتراطهم، إذ العضل لغة:
стр. 5220
المنع، وهو شامل للعضل الحسي والشرعي. ثم الآية نزلت في معقل بن يسار حين امتنع من تزويج أخته، فدعاه النبي ﷺ فزوَّجَها (١). ولو لم يكن لمعقل ولاية، وأنَّ الحكم متوقف عليه؛ لما عوتب عليه، وأما الإضافة إليهن فلأنهنَّ محلٌّ له.
(فلو زَوَّجتِ) امرأةٌ (نفسها، أو) زَوَّجت (غيرها) كأمَتها، وبنتها، وأختها ونحوها (أو وكَّلت) امرأة (غير وليها في تزويجها، ولو بإذن وليِّها فيهن) أي: في الصور الثلاث المذكورة (لم يصح) النكاح؛ لعدم وجود شرطه؛ ولأنها غير مأمونة على البُضع؛ لنقص عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها كالمبذِّر في المال. وإذا لم يصح منها؛ لم يصح أن توكِّل فيه، ولا أن تتوكَّل فيه، وروي هذا عن عمر (٢) وعلي (٣) وابن مسعود (٤) وابن عباس (٥) وأبي هريرة (٦) وعائشة (٧).
(فإن حكم بصحته حاكم) لم يُنقض (أو كان المتولي لعقده حاكمًا) يراه (لم يُنقض، وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة) إذا حكم بها من يراها لم