وصححه ابن المديني (١). وقال المَرُّوذي (٢): سألت أحمد ويحيى عن حديث "لا نكاح الا بوليٍّ" فقالا: صحيح.
وهو لنفي الحقيقة الشرعية، بدليل ما روى سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نَكَحتْ نفسها بغير إذن وليِّها، فنكاحها باطل باطلٌ باطلٌ، فإن دخل بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فَرْجِها، فإن اشتجروا فالسُّلطانُ وليُّ مَنْ لا ولي له" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه (٣).
لا يقال: يمكن حمل الرواية الأولى على نفي الكمال؛ لأن كلام الشارع محمول على الحقائق الشرعية، أي: لا نكاح شرعي أو موجود في الشرع إلا بولي.
ولا يقال - أيضًا -: الثاني يدل على صحته بإذن الولي، وأنتم لا تقولون به مع أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (١) يدل على صحة نكاحها لنفسها، لأنه أضافه إليهن، ولأنه خالصُ حقها، فصح منها كبيع أمَتها (٢)؛ لأنه خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له؛ لأن الغالب أن المرأة إنما تُزوِّج نفسها بغير إذن وليها، وأما الآية فالنهي عن العضل عمَّ الأولياء. ونهيهم عنه دليل على اشتراطهم، إذ العضل لغة:
стр. 5220
المنع، وهو شامل للعضل الحسي والشرعي. ثم الآية نزلت في معقل بن يسار حين امتنع من تزويج أخته، فدعاه النبي ﷺ فزوَّجَها (١). ولو لم يكن لمعقل ولاية، وأنَّ الحكم متوقف عليه؛ لما عوتب عليه، وأما الإضافة إليهن فلأنهنَّ محلٌّ له.
(فلو زَوَّجتِ) امرأةٌ (نفسها، أو) زَوَّجت (غيرها) كأمَتها، وبنتها، وأختها ونحوها (أو وكَّلت) امرأة (غير وليها في تزويجها، ولو بإذن وليِّها فيهن) أي: في الصور الثلاث المذكورة (لم يصح) النكاح؛ لعدم وجود شرطه؛ ولأنها غير مأمونة على البُضع؛ لنقص عقلها، وسرعة انخداعها، فلم يجز تفويضه إليها كالمبذِّر في المال. وإذا لم يصح منها؛ لم يصح أن توكِّل فيه، ولا أن تتوكَّل فيه، وروي هذا عن عمر (٢) وعلي (٣) وابن مسعود (٤) وابن عباس (٥) وأبي هريرة (٦) وعائشة (٧).
(فإن حكم بصحته حاكم) لم يُنقض (أو كان المتولي لعقده حاكمًا) يراه (لم يُنقض، وكذلك سائر الأنكحة الفاسدة) إذا حكم بها من يراها لم
стр. 5221
ينقض (١)؛ لأنه يسوغ فيها الاجتهاد، فلم يجز نقض الحكم بها (كما لو حكم بالشفعة للجار) ونحوه مما للاجتهاد فيه مساغ، وليس فيه مخالفة قاطع (٢)، على ما يأتي تفصيله في القضاء. وهذا النص متأوَّل، وفي صحته كلام، وقد عارضه ظواهر.
(ويُزوِّجُ أمتَها بإذنها) أي: المالكة (بشرط نطقها) أي: المالكة (به) أي: بالإذن (من يزوجها) أي: المالكة من أب وجدٍّ وأخ وعمٍّ ونحوهم؛ لأن مقتضى الدليل كون الولاية للمالكة، فامتنعت في حقها لقصورها، فتثبت لأوليائها كولاية نفسها؛ ولأنهم يلونها لو عتقت، ففي حال رقِّها أولى.
(ولو) كانت المالكة (بكرًا) فلا بدَّ من نطقها بإلاذن؛ لأن صماتها إنما اكتُفي به في تزويجها نفسها لحيائها، ولا تستحيي في تزويج أمتها (إن كانت) المالكة (غير محجور عليها) لحظ نفسها.
(وإلا) بأن كانت محجورًا عليها لصغر، أو سفه، أو جنون (فيزوِّج أمَتَها وليُّها في مالها) من أب، أو وصيه، أو حاكم، أو قيِّمه فقط (إن كان الحظ في تزويجها) لأن التزويج تصرفٌ في المال، والأمَة مال، ولا إذنَ للمالكة إذًا.
(وكذلك الحكم في أمَة ابنه الصغير) أو المجنون، أو السفيه، فيزوجها أبوه لمصلحة كما تقدم، فإن لم يكن أبي، فوصيُّه، ثم الحاكم، ثم قيمه.
(ويُجبرها من يُجبر سيدتها) إنْ حُمل ذلك على الأمَة كما هو
стр. 5222
صريح كلامه فلا مفهوم له، والمعنى أنه يزوج الأَمَة بلا إذنها وليُّ سيدتها بإذن سيدتها، كما تقدم، إن لم تكن محجورًا عليها، وإلا؛ زوَّجها وليُّها في مالها.
وإن كان مراده بجَبْر (١) العتيقة من يجبر مولاتها كما في "المنتهى" وغيره، فمعناه أن أبا المعتقة يجبر عتيقة ابنته البكر (٢). قال الزركشي: وهو بعيد. وقال عن عدم الإجبار: إنه الصحيح المقطوع به عند الشيخين وغيرهما. قال في "الإنصاف": وهو كما قال في الكبيرة، بعني: إذا كانت العتيقة كبيرة لا إجبار، بخلاف الصغيرة التي لم يتمَّ لها تسع سنين، ولذلك اقتصر على التمثيل بها في "شرح المنتهى".
(ويزوّج معتقتَها) أي: عتيقة المرأة (عصبةُ المُعتَقَة) بفتح التاء بضبط المصنف (من النَّسبِ) كأبيها وابنها وأخيها ونحوهم؛ لأن عصبة النسب مقدَّمة على عصبة الولاء (فإن عُدِمَ) عصبتها من النسب (فأقربُ وليٍّ لسيدتها المعتِقة) يزوج العتيقة (بإذنها) أي: العتيقة؛ لأنهم عصبات يرثون ويعقلون، فكذلك يزوجون. وظاهر كلامه هنا: لا إجبار، وصَرَّح به الشارح، قال: وليس له ولاية إجبار؛ لأنه أبعد العصبات، وتقدم ما فيه.
(فإن اجتمع ابن المعتِقة وأبوها، فالابن أَولى) بتزويج عتيقة أُمِّه؛ لأنه أقرب، والأب إنما قُدِّم في نكاح ابنته لزيادة شفقته (ولا إذن) مُعتبر (لسيدتها) أي: المعتقة، في تزويجها؛ لأنه لا ولاية لها، ولا ملك.
(وأحق الناس) الذين لهم ولاية النكاح (بنكاح المرأة الحرة:
стр. 5223
أبوها) لأن الولد موهوب لأبيه، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (١) وقال إبراهيم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٢) وقال ﷺ : "أنتَ ومالُكَ لأبيكَ" (٣) وإثبات ولاية الموهوب له على الهبة أولى من العكس؛ ولأن الأب أكمل شفقة وأتم نظرًا، بخلاف الميراث، بدليل أنه يجوز أن يشتري لها من ماله، وله من مالها.
(ثم أبوه وإن علا) لأن الجد له إيلاد وتعصيب، أشبه الأب (وأولى الأجداد أقربهم) كالميراث.
(ثم ابنها، ثم ابنه، وإن سفل) بتثليث الفاء؛ لما تقدم في الميراث (٤). وللابن ولاية؛ نص عليه في رواية جماعة (٥)؛ لحديث أم سلمة: "أنَّ النبي ﷺ أرسل إليها، فقالت: ليس أحدٌ مِنْ أوليائي شاهدًا؟ فقال النبي ﷺ : ليس من أوليائك شاهدٌ ولا غائبٌ يكره ذلك" رواه أحمد والنسائي (٦). فدلَّ على أن لها وليًّا شاهدًا، أي: حاضرًا. ويحتمل أنها
стр. 5224
ظنت أنَّ ابنها عمر لا ولاية له لصغره، فإنه ﷺ تزوَّجها سنة أربع. وقال ابن الأثير (١): كان عُمُرُ عُمَرَ حين وفاته ﷺ تسع سنين؛ وإنه ولد سنة اثنتين من الهجرة، وعلى هذا يكون عمره حين التزويج سنتين. انتهى.
وقال الأثرم (٢): قلت لأبي عبد الله: فحديث عمر بن أبي سلمة حين زوَّج النبيَّ ﷺ أُمَّهُ أُمَّ سَلَمة صغيرًا (٣)؟ قال: ومن يقول كان صغيرًا؟ ليس فيه بيان.
(ثم أخوها لأبويها) كالميراث (ثم) أخوها (لأبيها) كالإرث (ثم بنوهما كذلك) فيقدم ابن الأخ لأبوين على ابن الأخ لأب، كالميراث، ثم بنوهما كذلك (وإن نزلوا) كالإرث.
(ثم العم لأبوين، ثم) العم (لأب، ثم بنوهما كذلك، وإن نزلوا) الأقرب فالأقرب.
(ثم أقرب العَصَبَات على ترتيب الميراث) لأن الولاية مبناها على النظر والشفقة، ومظنة ذلك القرابة. والأحق بالميراث هو الأقرب، فيكون أحق بالولاية.
قال ابن هُبيرة: اتفقوا على أن الولاية في النكاح لا تثبت إلا لمن يرث بالتعصيب (٤). على هذا لا يلي بنو أب أعلى مع بني أب أقرب منه،
стр. 5225
وإن نزلت درجتهم، وأولى ولد كلِّ أبٍ أقربُهم إليه لا نعلم فيه خلافًا.
(وإذا (١) كان ابنا عَمٍّ أحدُهما أخ لأم، فكأخ لأبوين وأخ لأب) أي: فيقدم ابن العم الذي هو أخ من أم على مقتضى كلام القاضي وطائفة. وقال الموفق والشارح: هما سواء؛ لأنما استويا في التعصيب والإرث به، وجهة الأم يورث بها منفردة، فلا ترجيح بها، فعلى هذا لو اجتمع ابن عَمٍّ لأبوين وابن عم لأب هو أخ من أم؛ فالولاية لابن العم من الأبوين.
(ثم المولى المُنعِم) بالعتق؛ لأنه يرثها ويعقل عنها عند عدم عصبتها من النسب، فكان له تزويجها (ثم أقرب عصباته) فأقربهم على ترتيب الميراث، ثم (٢) مولى المولى، ثم عصباته كذلك، ثم مولى مولى المولى، ثم عصباته كذلك (ويقدَّم هنا ابنه، وإن نزل على أبيه) لأنه أحق بالميراث، وأقوى في التعصيب. وإنما قُدِّم الأب النسيب لزيادة شفقته، وفضيلة ولادته، وهذا معدوم في ابن (٣) المعتق، فرجع فيه إلى الأصل.
(ثم السلطان) لما تقدم من قوله ﷺ : "فالسلطان ولي مَنْ لا وليَّ لها" (٤) (وهو) أي: السلطان (الإمام) الأعظم (أو) نائبه (الحاكم، أو من فوَّضا إليه) الأنكحة، ومقتضاه أنَّ الأمير لا يزوِّج، وهو مقتضى نص الإمام في رواية أبي طالب (٥): القاضي يقضي في الفروج والحدود
стр. 5226
والرجم. وصاحب الشُّرَط إنما هو مسلَّط في الأدب والجناية، ليس إليه المواريث والوصايا والفروج والرجم والحدود، وهو إلى القاضي أو إلى الخليفة الذي ليس بعده شيء.
وقال في رواية المَرُّوذي (١) في الرستاق يكون فيه الوالي، وليس فيه قاض: يزوِّج إذا احتاط لها في المهر والكفؤ، أرجو ألَّا يكون به بأس. وحمله القاضي على أنه مأذون له في التزويج؛ لما تقدم.
وقال الشيخ تقي الدين (٢): الأظهر حمل كلامه على ظاهره عند تعذر القاضي؛ لأنه موضع ضرورة. وإليه ميل الشيخ، وهو معنى ما جزم به المصنف فيما يأتي.
(ولو) كان الإمام أو الحاكم (من بُغَاةٍ، إذا استولوا على بلد) لأنه يجري فيه حكم سلطانهم وقاضيهم مجرى حكم الإمام وقاضيه.
وإذا ادَّعت المرأة خلوها من الموانع، وأنها لا وليَّ لها؛ زُوجت، ولو لم تُثبت (٣) ذلك ببينة؛ ذكره الشيخ تقي الدين (٤)، واقتصر عليه في "الفروع".
(و من حكَّمه الزوجان) بينهما (وهو صالح للحكم؛ فـ) ــهو (كحاكم) مُولّىً من قبل الإمام أو نائبه؛ لما يأتي في القضاء.
(ولا ولاية لغير العصبات) النَّسَبيَّة والسببية (من الأقارب، كالأخ من الأم والخال، وعم الأم، وأبيها، ونحوهم) لقول علي: إذا بلغ النساء نصَّ الحقائق فالعصبة أولى. يعني: إذا أدْركن؛ رواه أبو عبيد في
стр. 5227
"الغريب" (١)؛ ولأن من ليس بعصبتها شبيه بالأجنبي منها. وفي نسخة: لغير العصبات والأقارب وما وقع عليه الحل (٢) أولى. وقوله: "من الأقارب" صفة لغير العصبات، أو حال منه (٣).
(ولا) ولاية (لمن أسلمت) المرأة (على يديه) ولا لمُلتقِطٍ؛ لأنه لا نسب ولا ولاء؛ لحديث: "الولاءُ لمن أعتَق" (٤).
(فإن عدم الولي مطلقًا) بأن لم يوجد أحد ممن تقدم (أو عضل) وليها، ولم يوجد غيره (زوَّجها ذو سلطان في ذلك المكان؛ كوالي البلد، أو كبيره، أو أمير القافلة، ونحوه) لأن له سلطنة.
(فإن تعذر) ذو سلطان في ذلك المكان (زوجها عدل بإذنها.
قال) الإمام (أحمد (٥) في دُهقان قرية) بكسر الدال وتضم. ودهق (٦) الرجل وتدهقن كثر ماله؛ قاله في "الحاشية" (أي: رئيسها: يزوج من لا ولي لها إذا احتاط لها في الكفؤ والمهر، إذا لم يكن في الرُّستاق قاض) لأن اشتراط الولي في هذه الحالة يمنع النكاح بالكلية، فلم يجز؛ كاشتراط كون الولي عصبة في حق من لا عصبة لها.
(وإن كان في البلد حاكم وأبى التزويج إلا بظلم؛ كطلبه جُعلًا لا
стр. 5228
يستحقه) إما لأن (١) يكون له في بيت المال ما يكفيه، أو طلب زيادة على جعل مثله (صار وجوده) أي: الحاكم (كعدمه) قال الشيخ تقي الدين (٢)، ووجهه ظاهر.
(ووليُّ أمَةٍ ولو) كانت (آبقة: سيدُها) المكلفُ الرشيدُ؛ لأنه عقد على منافعها، فكان إليه، كالإجارة (ولو) كان سيدها (فاسقًا، أو مكاتَبًا) لأن تزويجه إياها تصرف في ماله، فصح ذلك منه، كبيعه، لكن لا يزوجها المكاتَب إلا بإذن سيده، كما تقدم في الكتابة (٣).
(فإن كان لها سيدان، اشتركا في الولاية، وليس لواحد منهما الاستقلال بها) أي: بالولاية عليها (بغير إذن صاحبه) كما لا يبيعها ولا يؤجرها بغير إذنه، ولا يتأتى تزويج نصيبه؛ لأنه لا يتشقص.
(فإن اشتجرا) أي سيدا الأمَة في تزويجها (لم يكن للسلطان ولاية) لأنها مملوكة لمكلف رشيد حُرٍّ (٤)، ولا ولاية عليه لأحد.
(فإن أعتقاها) معًا، أو واحدًا بعد آخر (٥)، والأول معسر (وليس لها عصبة) من النسب (فهما وليَّاها) يزوِّجانها بإذنها، ولو تفاوتا في العتق.
(فإن اشتجرا؛ قام (٦) الحاكم مقام الممتنع منهما) لأنها صارت حرَّة، وصار نكاحها حقًّا لها، ولا يستقل الآخر به؛ لأن ولايته سببها
стр. 5229
العتق، وهو إنما أعتق بعضها.
(وإن كان المُعتِق أو) كانت (المُعتِقة واحدًا، وله عصبتان كالابنين، والأخوين، فلأحدهما الاستقلال بتزويجها) بإذنها، كالابنين، والأخوين من النسب؛ لأن الولاء لا يورث، وإنما زوَّج بكونه عصبة للمعتق، ولا تبعض في ذلك، بخلاف المعتِقَين وعصبتهما.
(ولا تزول الولاية بالإغماء) لقصر مدته عادة، كالنوم (ولا) تزول الولاية أيضًا بـ (ـــالعمى) لأن الأعمى أهل للشهادة والرواية، فكان من أهل الولاية، كالبصير.
(ولا) تزول الولاية أيضًا (بالسَّفَهِ) لأن رُشد المال غير معتبر في النكاح (١).
(وإن جُنَّ) الولي (أحيانًا، أو أغمي عليه، أو نقص عقله (٢) بنحو مرض) يرجى زواله (أو أحرم) الولي بحج أو عمرة (انتظر زوال ذلك) لأن مدته لا تطول عادة (ولا ينعزل وكيلهم بطريان ذلك) أي: ما ذكر من الجنون أحيانًا، والإغماء، ونقص العقل بالمرض المرجو زواله، والإحرام؛ لأنه لا ينافي الولاية.
وأما الخَرَسُ فإن مَنَعَ فَهْمَ الإشارة أزال الولاية، وإن لم يمنعها لم تزل الولاية؛ لأن الأخرس يصح تزوجه، فصح تزويجه، كالناطق.
стр. 5230
فصل
(ويُشترط في الولي) سبعة شروط:
أحدها: (حرية) أي: كمالها؛ لأن العبد والمبعَّض لا يستقلان بالولاية على أنفسهما، فعلى غيرهما أولى (إلا مكاتَبًا يزوِّج أمَته) بإذن سيده. وتقدم (١).
(و) الثاني: (ذكورية) لأن المرأة لا يثبت لها ولاية على نفسها، فعلى غيرها أولى.
(و) الثالث: (اتفاق دين) الولي والمولَّى عليها، فلا يزوِّج كافرٌ مسلمةً ولا عكسه. قال في "الاختيارات" (٢): لو كانت المرأة يهودية ووليها نصراني، أو بالعكس، فينبغي أن يخرَّج على الروايتين (٣) في توارثهما. وجزم بمعناه في "شرح المنتهى" قال: ولا لنصراني ولاية على مجوسية ونحو ذلك؛ لأنه لا توارث بينهما بالنسب (سوى ما يأتي قريبًا) من أن أمَّ ولدِ الكافر، إذا أسلمت؛ يزوِّجها، والمسلم يزوِّج أمَته الكافرة، والسلطان يزوج كافرةً لا ولي لها.
(و) الرابع: (بلوغ.
و) الخامس: (عقل) لأن الولاية يُعتبر لها كمال الحال؛ لأنها تنفيذ (٤) التصرف في حق غيره، وغير المكلف مولى عليه لقصوره، فلا تثبت له ولاية، كالمرأة.
стр. 5231
(و) السادس: (عدالة) لما روي عن ابن عباس: "لا نكاح إلا بشاهِدَي عدلٍ ووليٍّ مُرشدٍ" (١) قال أحمد (٢): أصح شيء في هذا: قول ابن عباس. وروي عنه مرفوعًا: "لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهِدَي عَدْلٍ، وأيُّما امرأةٍ أنكحها وليٌّ مسخوطٌ عليه؛ فنكاحها باطل" (٣). وروى
стр. 5232
البرقاني (١) بإسناده عن جابر مرفوعًا: "لا نكاح إلا بولي وشاهِدَي عدل" (٢). ولأنها ولاية نظرية، فلا يستبدُّ بها الفاسق، كولاية المال (ولو) كان الولي عدلًا (ظاهرًا) فيكفي مستور الحال؛ لأن اشتراط العدالة ظاهرًا وباطنًا حرجٌ ومشقة، ويفضي إلى بطلان غالب الأنكحة (إلا في سلطان) يزوِّج من لا ولي لها، فلا تُشترط عدالته، للحاجة (و) إلا في (سيد) يزوِّج أمَته، فلا تُشترط عدالته؛ لأنه تصرفٌ في أَمَته، أشبه ما لو آجرها.
стр. 5233
(و) السابع: (رُشد) لما تقدم عن ابن عباس (وهو) أي: الرشد هنا (معرفة الكُفؤ، ومصالح النكاح، وليس هو حفظ المال، فإن (١) رُشْدَ كلِّ مقام بحسبه؛ قاله الشيخ (٢)) وهو معنى ما اشترطه في "الواضح" من كونه عالمًا بالمصالح، لا شيخًا كبيرًا جاهلًا بالمصلحة. وقاله القاضي وابن عقيل وغيرهما.
(ويقدِّم) الوليُّ (أصلحَ الخاطبين) لِمَوْلِيَّتِهِ؛ لأنه أحظُّ لها (وفي "النوادر": ينبغي أن يختار لِمَوْلِيَّتِهِ شابًّا حسن الصورة) لأن المرأة يعجبها من الرجل ما يعجبه منها.
(فإن كان الأقرب ليس أهلًا) للولاية (كالطفل) يعني: من لم يبلغ (والعبد، والكافر، والفاسق) ظاهر الفسق (والمجنون المطبَق، والشيخ إذا أفند) أي: ضعف في العقل والتصرف. قال في "القاموس" (٣): الفَنَدُ بالتحريك: إنكار العقل، لهرم أو مرض، والخطأ في القول والرأي، والكذب كالإفناد. ولا تقل: عجوز مُفنَّدة؛ لأنها لم تكن ذات رأي أبدًا. (أو عضَلَ الأقربُ؛ زوَّج الأبعدُ) يعني: من يلي الأقرب من الأولياء؛ لأن الولاية لا تثبت للأقرب مع اتصافه بما تقدم، فوجوده كعدمه، ولتعذُّر التزويج من جهة الأقرب بالعَضْلِ؛ جعِل كالعدم، كما لو جُنَّ.
فإن عَضَلَ الأبعدُ أيضًا؛ زوَّجها الحاكمُ؛ لقوله ﷺ : "فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ مَن لا ولي لها" (٤).
стр. 5234
(والعَضْلُ: منعها) أن تتزوج (كفؤًا (١) إذا طلبت ذلك، ورغب كلٌّ منهما في صاحبه) بما صح مهرًا (ولو) كان (بدون مهر مثلها) يقال: داءٌ عُضَال: إذا أعيا الطبيب دواؤه، وامتنع عليه.
(قال الشيخ (٢): ومن صُور العَضْل) المُسقِط لولايته (إذا امتنع الخُطَّاب لشدَّة الولي. انتهى) لكن الظاهر أنه لا حُرمة على الولي هنا؛ لأنه ليس له فعل في ذلك.
(ويُفسَّق) الولي (بالعضْل إن تكرر منه) لأنه صغيرة، وفيه ما أشرنا إليه في "الحاشية".
(وإن غاب) الولي (غَيْبةً منقطعةً، ولم يوكِّل) من يزوِّج (زوَّج) الولي (الأبعدُ) دون السلطان؛ لقوله ﷺ : "السلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ لها" (٣). وهذه لها ولي (ما لم تكن أمَة) غاب سيدها (فيزوجها الحاكم) لأن له نظرًا في مال الغائب (ويأتي في نفقة المماليك) بأتم من هذا.
(وهي) أي: الغيبة المنقطعة (ما لا تُقطع الا بكلفة ومشقة) نص عليه في رواية عبد الله (٤). قال الموفق: وهذا أقرب إلى الصواب، فإن التحديد بابُه التوقيف، ولا توقيف (وتكون) الغيبة المنقطعة (فوق مسافة القصر) لأن من دون ذلك في حكم الحاضر.
(وإن كان الأقرب أسيرًا، أو محبوسًا في مسافة قريبة لا تمكن مراجعته، أو تتعذر) أي: تتعسر مراجعته، فزوَّج الأبعد؛ صح؛ لأنه صار كالبعيد.
стр. 5235
(أو كان) الأقرب (غائبًا لا يُعلَم) محلُّه (أقريبٌ هو؛ أم بعيد) فزوَّج الأبعد؛ صح (أو علم (١) أنه) أي: الأقرب (قريب) المسافة (ولم يُعلم مكانه) فزوَّج الأبعد؛ صح؛ لتعذر مراجعته.
(أو كان) الأقرب (مجهولًا لا يُعلم أنه عصبة) للمرأة (فزوَّج الأبعد) الذي يليه (صح) التزويج استصحابًا للأصل (ثم إن عُلِم العصبةُ) بعد العقد، وكان غير معلوم حينه، لم يُعَدِ العقد (و) إن (زال المانع) بعد العقد، بأن بلغ الصغير، أو عقل المجنون، ونحوه (لم يُعَد العقد).
وكذا إن قام بالأقرب مانع، أو كان غير أهل، ثم زال وعاد أهلًا، ولم يعلم ذلك حين العقد، فزوَّج الأبعدُ؛ لم يُعَدِ العقد.
(وكذا لو زُوجت بنتُ ملاعَنَةٍ) بعد أن نفاها أبوها باللعان (ثم استلحقها أب) لم يُعَد العقد، استصحابًا للأصل في ذلك كله. قال الشيخ تقي الدين في "المسودة" (٢): قد يقال: حكم تزويجها حكم سائر الأحكام المتعلقة بالنسب تلك المدة، من العقل، والإرث، وغير ذلك.
(ولا يلي كافرٌ نكاحَ مسلمةٍ، ولو بِنتَه) لأنه لا يرثها (إلا إذا أسلمت أمُّ ولده، ومكاتَبتُهُ، ومُدبَّرتُهُ؛ فيليه) أي: يلي نكاحها (ويباشره) كما يؤجرها؛ لأنه تصرف في ملكه، لكنه في المُكاتَبة والمُدبَّرة مبني على أنه لا يُجبر على بيعهما أو نحوه. والمذهب أنهما لا يبقيان بملكه، لصحة بيعهما، بخلاف أم الولد. ولذلك اقتصر في "المنتهى" وغيره على أم الولد.
(ويلي كتابيٌّ نكاح مَوليَّته الكتابية) فيزوجها (من مسلم وذمي،
стр. 5236
ويباشره) لأنه وليٌّ مناسب لها، فجاز له العقد عليها ومباشرته (ويشترط فيه شروط المسلم) من البلوغ، والعقل، والذكورة، والعدالة في دينه، والرشد، وغيرهما مما تقدم (١).
(ولا يلي مسلمٌ نكاحَ كافرةٍ) كما لا يرثها (إلا سيد أمَة) مسلم يزوّج أمَته الكافرة؛ لما تقدم (٢) (أو ولي سيدتها) أي: سيدة الأمَة الكافرة على ما تقدم تفصيله؛ لأنها مال، فأشبه نكاحها إجارتها (أو يكون المسلم سلطانًا، فله تزويج ذمية لا وليَّ لها) لعموم قوله ﷺ : "السلطان وليُّ من لا ولي لها" (٣).
(وإذا زوَّج الأبعد من غير عذرٍ للأقرب) لم يصح النكاح، ولو أجازه الأقرب؛ لأن الأبعد لا ولاية له مع الأقرب، أشبه ما لو زوَّجها أجنبي (أو زوَّج أجنبي) ولو حاكمًا مع وجود وليٍّ (لم يصح) النكاح (ولو أجازه الولي) لفقد شرطه، وهو الولي.
(ولو تزوَّج الأجنبي لغيره بغير إذنه، أو زوَّج الولي مَوْلِيَّتَهُ التي يُعتبر إذنها) كأخته (بغير إذنها) لم يصح (أو تزوَّج العبد بغير إذن سيده؛ لم يصح؛ ولو أجازوا) بعد العقد؛ لقوله ﷺ : "إذا تزوَّج العبدُ بغير إذن سيده فهو عَاهِرٌ" (٤) وفي لفظ: "فنكاحهُ
باطِلٌ" (١)؛ ولأنه نكاحٌ لم تثبت أحكامه، من الطلاق والخلع والتوارث، فلم ينعقد، كنكاح المعتدة (وهو نكاح الفضولي، فإن وطئ) الزوج (فيه، فلا حدَّ) عليه؛ لأنه نكاح مختلفٌ فيه، والحدود تُدرأ بالشبهات (٢).
فصل
(ووكيل كلِّ واحد من هؤلاء الأولياء) مُجبِرًا كان أو غيره (يقوم مقامه، وإن كان) الولي (حاضرًا) لأنه عقد معاوضة، فجاز التوكيل فيه كالبيع، وقياسًا على توكيل الزوج؛ لأنه رُوي: "أنه ﷺ وكَّل أبا رافعٍ في تزويجه ميمونة" (٣) "ووكَّل عمرو بن أمية الضمري في تزويجه أم حبيبة" (٤).
стр. 5239
(والوليُّ ليس بوكيل للمرأة) لأنه لم تثبت ولايته من جهتها (ولو كان) الوليُّ (وكيلًا) عنها (لتمكنت من عزله) كسائر الوكلاء (١)، وإنما إذنها - حيث اعتبر - شرطٌ لصحة تصرفه، فأشبه ولاية الحاكم عليها.
وحيث تقرر أنه ليس وكيلًا عنها (فله توكيل) من يوجب نكاحها (بغير إذنها، وقبل إذنها له) أي: لوليها في تزويجها، وإن لم تكن مجبرةً.
(ولا يفتقر) توكيله (إلى حضور شاهدين) لأنه إذنٌ من الولي في التزويج، فلا يفتقر إلى إذن المرأة، ولا الإشهاد عليه، كإذن الحاكم.
(ويثبت له) أي: للوكيل (ما يثبت لموكِّله، حتى في الإجبار) لأنه نائبه، وكذا الحكم في السلطان والحاكم يأذن لغيره في التزويج.
(لكن لا بدَّ من إذن) امرأة (غير مجبرة لوكيل) وليها أن يزوجها (فلا يكفي إذنها لوليها بالتزويج) من غير مراجعة وكيلٍ لها، وإذنها له بعد توكيله (٢).
(ولا) يكفي إذنها لوليها (بالتوكيل من غير مراجعة الوكيل لها، وإذنها له بعد توكيله فيما يظهر) قاله في "التنقيح"، وجزم به في "المنتهى"؛ لأن قبل أن يوكله الوليُّ أجنبيٌّ، وبعد توكيل (٣)؛ وليٌّ.
قلت: فيؤخذ منه لو أذنت للأبعد أن يزوجها مع أهلية الأقرب، ثم انتقلت الولاية للأبعد، فلا بدَّ من مراجعته لها بعد انتقال الولاية إليه.
(ولو وَكَّلَ وليٌّ) غيرُ مجبر في نكاح مَوْلِيَّتِهِ (ثم أذنت) المرأة
стр. 5240
(للوكيل) أن يزوجها (صح) ذلك (ولو لم تأذن للولي) أن يزوجها، أو أن يوكل؛ لأنه ليس وكيلًا عنها (وهو في كلامهم) قاله في "التنقيح"، وجزم به في "المنتهى" وغيره.
(ويشترط في وكيل وليٍّ ما يشترط في الولي؛ من العدالة وغيرها) كالرشد والذكورة، والبلوغ، والعقل، واتحاد الدين؛ لأنها ولايةٌ، فلا يصح أن يباشرها غير أهلها؛ ولأنه لما لم يملك تزويج موليته؛ فَلأن لا يملك تزويج مَوْلِيَّة غيره بالتوكيل أولى.
(ولا يشترط في وكيل الزوج عدالته) فيصح توكيل فاسق في قَبوله؛ لأن الفاسق يصح قَبوله النكاح لنفسه، فصح لغيره (١)، وكذا لو وكَّل مسلمٌ نصرانيًا في قَبول نكاح نصرانية؛ لصحة قبوله (٢) ذلك لنفسه.
(ويصح توكيله) أي: الولي في إيجاب النكاح توكيلًا (مطلقًا) وإذنها لوليها في العقد مطلقًا (كقول المرأة لوليها): زوِّج من شئت أو من ترضاه (أو (٣)) قول (الولي لوكيله: زوِّجْ من شئت. أو: من ترضاه).
رُوي "أن رجلًا من العرب ترك ابنته عند عمر وقال: إذا وجدت كفؤًا فزوِّجه، ولو بشراك نعله، فزوَّجها عثمان بن عفان، فهي أم عمرو بن عثمان" (٤) واشتهر ذلك فلم ينكر، وكالتوكيل في البيع ونحوه.
(ويتقيَّد الولي) إذا أذنت له أن يزوجها وأطلقت بالكفء (و) يتقيد (وكيله المطلق بالكفؤ) ظاهره: وإن لم يشترط، وقال في "الترغيب": إن
стр. 5241
اشترط. واقتصر عليه في "المبدع" وغيره، ولعل ما ذكره المصنف أولى؛ لأن الإطلاق يحمل على ما لا نقيصة فيه.
(وليس للوكيل) أن يتزوجها لنفسه، كالوكيل في البيع؛ لا يبيع لنفسه.
(ولا للولي) إذا أذنت له المرأة أن يزوجها، وأطلقت (أن يتزوجها لنفسه) لأن إطلاق الإذن يقتضي تزويجها غيره؛ قطع به في "الشرح" و"المبدع" في آخر تولي طرفي العقد.
وقال في "الإنصاف": وأما من ولايته بالشرع؛ كالولي والحاكم وأمينه، فله أن يزوج نفسه، ولو قلنا: ليس لهم أن يشتروا من المال؛ ذكره القاضي في "خلافه" وألحق الوصي بذلك.
قال في "القواعد الفقهية والأصولية" (١): وفيه نظر، فإن الوصي يشبه الوكيل، لتصرفه بالإذن، قال: وسواء في ذلك اليتيمة وغيرها؛ صَرَّح به القاضي في ذلك، وذلك حيث يكون لها إذنٌ معتبر.
(ويجوز) للوكيل المطلق، وللولي - إذا أذنت له أن يزوجها وأطلقت - أن يزوجها (لولده) ووالده، وأخيه، ونحوهم، إذا كان كفؤًا؛ لتناول اللفظ لهم، وهذا بخلاف الوكيل في البيع ونحوه، فإنه لا يبيع لمن ترد شهادته له؛ لأنه متهمٌ؛ لأن الثمن ركنٌ في البيع، بخلاف الصداق.
(و) يصح توكيله (مقيدًا، كـ: زوِّجْ فلانًا بعينه) فلا يزوج من غيره؛ لقصور ولايته.
(ويشترط) لصحة النكاح (قولُ وليٍّ) لوكيل زوج (أو قولُ وكيلِهِ)
стр. 5242
أي: الولي (لوكيل زوجٍ: زوَّجتُ فلانة) بنت فلانٍ، وينسِبُها (فلانًا) ابن فلان، وينسِبُه، ولم يُنبَّه على ذلك هنا؛ للعلم به مما سبق، من اشتراط تعيين الزوجين.
(أو) قوله: (زوَّجتُ موكِّلك فلانًا) ابن فلان (فلانة) بنت فلان.
(ولا يقول) الولي ولا وكيلُه لوكيل الزوج: (زوجتُها منك) ولا أنكحتُكَها.
(و) يُشترط أن (يقول وكيل زوج: قَبِلتُهُ لفلان) بن فلان، وينسِبُه (أو:) قَبِلتُهُ (لموكلي فلان) بن فلان، فإن لم يقل كذلك لم يصح، بخلاف البيع ونحوه.
(ووصيُّ كل واحدٍ من الأولياء في النكاح بمنزلته) لقيامه مقامه (فتُستفاد ولاية النكاح بالوصية إذا نصَّ له على التزويج، مُجبِرًا كان الوليُّ كأب أو غير مُجبِرٍ، كأخ) لغير أم، وكذلك (١) عم وابنه؛ لأنها ولاية ثابتة للولي، فجازت وصيته بها، كولاية المال؛ ولأنه يجوز أن يستنيب فيها في حياته، ويكون نائبه قائمًا مقامه، فجاز أن يستنيب فيها بعد موته.
(قال ابن عقيل: صفة الإيصاء أن يقول الأب لمن اختاره: وصَّيتُ إليك بنكاح بناتي، أو: جعلتُكَ وصيًّا في نكاح بناتي، كما يقول في المال: وصَّيتُ إليك بالنظر في أموال أولادي، فيقوم الوصيُّ مقامه) أي: مقام المُوصي (مقدمًا) الوصي (على من يُقدَّم (٢) عليه المُوصي.
فإن كان الوليُّ له الإجبار) كأبي البِكر (فذلك) الإجبار (لوصيه، فيُجبِرُ) وصيُّ الأب (من يجبره) الأب (من ذكر وأنثى) لقيامه مقام الأب.
стр. 5243
(وإن كان) الولي ليس مجبِرًا، كأبي ثيِّبٍ تمَّ لها تسع سنين، وأخيها، وعمها، ونحوه، ممن (يحتاج إلى إذنها؛ فوصيُّه كذلك) يحتاج إلى إذنها، كوكيله.
(ولا خيار لمن زوَّجه) الوصي ذكرًا كان أو أنثى (إذا بلغ) لأن الوصيَّ قام مقام المُوصي، فلم يثبت في تزويجه خيارٌ، كالوكيل (وأما الوصيُّ في المال فيملك تزويج أمَةِ من يملك النظرَ في ماله، نصًّا (١)) لأنها من جملة المال الذي ينظر فيه، وتقدم.
(وكذا) إذا أوصى (٢) إليه بالنظر في أمر أولاده الصغار، لم يملك تزويج أحدهم.
و (من لم تثبت له الولاية؛ كالعبد، والفاسق، والصبي المميز؛ لا يصح أن يوكله الولي في تزويج موليته) لأنه إذا لم يصح منه إنكاح موليته؛ فموليَّة غيره أولى.
(فإن وكَّله) أي: العبد، أو الفاسق، أو الصبي (الزوج في قَبوله النكاح) صح؛ لأن الفاسق ونحوه يصح قَبوله النكاح لنفسه، فصح لغيره وتقدم (٣)(٤).
(أو وكَّله الأب) أي: وكَّل عبدًا أو فاسقًا أو صبيًا مميزًا (في قَبوله) أي: النكاح (لابنه الصغير) أو لمن تحت حَجْرِه (صح) التوكيل؛ لما تقدم.
стр. 5244
فصل
(وإذا استوى وليَّان فأكثر) لامرأةٍ (في الدرجة) كإخوة لها، كلهم لأبوين، أو لأبٍ، أو أعمام كذلك، أو بني إخوة كذلك (فإن أذنت لواحدٍ منهم) بعينه (تعيَّن، ولم يصح نكاح غيره) ممن لم تأذنه؛ لعدم الإذن.
(فإن أذنت لهم) أي: لكل واحدٍ منهم أن يزوجها (صح التزويج من كل (١) واحد منهم) لأن سبب الولاية موجود في كل واحد منهم.
(والأَولى تقديم أفضلهم) أي: المستوين (علمًا ودينًا، ثم) إن استووا في العلم والدين، قدم (أسنهم) لأن النبي ﷺ "لما قُدِّم إليه مُحَيِّصةُ وحُوَيِّصَةُ وعبد الرحمن بن سهلٍ، وكان أصغرهم، فقال النبي ﷺ : كَبِّرْ كبِّرْ - أي: قدم الأكبر - فتقدم حويصةُ" (٢)؛ ولأنه أحوط للعقد في اجتماع شروطه، والنظر في الحظ.
(فإن تشاحُّوا) أي: الأولياء المستوون في الدرجة (أُقرع بينهم) لأنهم تساووا في الحق وتعذَّر الجمع (فإن سبق غيرُ من قَرَع) أي: من خرجت له القرعة (فزوَّج) وقد أذنت لهم (صح) التزويج؛ لأنه تزويجٌ صدر من ولي كامل الولاية، بإذن موليَّته، فصح منه، كما لو انفرد بالولاية؛ ولأن القرعة إنما شُرعت لإزالة المُشَاحّة.
(وإذا زوَّج الوليان) المستويان في الدرجة (اثنين، وعُلم السابق) منهما (فالنكاح له) وعقد الثاني باطلٌ؛ لحديث سَمُرَة وعقبة مرفوعًا: "أيُّما امرأة زوَّجها وليَّان فهي للأول" رواه أبو داود (٣)؛ ولأن الأول خلا
عن مبطلٍ، والثاني تزوَّج زوجة غيره، فكان باطلًا، كما لو علم.
(فإن دخل بها الثاني، وهو لا يعلم أنها ذات زوج، فُرِّق بينهما) لبطلان نكاحه (فإن كان وَطِئها، وهو لا يعلم؛ فهو وطء شُبهة، يجب لها به مهر المِثل، وتُردُّ للأول) لأنها زوجته (ولا تحلُّ له) أي: للأول (حتى تنقضي عدتها) من وطء الثاني؛ لتُعلَم براءة رَحِمها منه (ولا يُرد الصداق الذي يؤخذ من الداخل بها) وهو الثاني (على) الزوج الأول (الذي دُفعت (١) إليه) لأنه لا يملك التصرف في بُضعها، فلا يملك عوضه، بخلاف منفعة العين المؤجرة، فإنها ملك للمستأجر يتصرف فيها، فعوضها له.
(ولا يحتاج النكاح الثاني إلى فسخ؛ لأنه باطل، ولا يجب لها المهر إلا بالوطء، دون مجرد الدخول) أي: الخلوة من غير وطء (و) دون (الوطء دون الفَرج) كالمفاخذة؛ لأنه نكاحٌ باطلٌ، لا حكم له.
(وإن وقعا) أي: النكاحان (معًا) أي: في وقت واحد (بطلا) أي: فهما باطلان من أصلهما، ولا يحتاجان إلى فسخ؛ لأنه لا يمكن (٢) تصحيحهما (٣)، ولا مرجِّح لأحدهما على الآخر (ولا مَهْرَ لها على واحد
стр. 5247
منهما، ولا يرثانها، ولا ترثهما) لأن العقد الباطل وجوده كعدمه.
(وإن جُهِل السابق) منهما (مثل أن جُهل السبق) بأن جهل هل وقعا معًا، أو مرتين (أو عُلِم عَيْنُ السَّابق) من العقدين (ثم جُهل) أي: نسي (أو عُلِم السَّبْقُ) كما لو علم أن أحدهما قبل الزوال، والآخر بعده (وجُهِل السَّابق) منهما (فسخهما حاكمٌ) لأن أحدهما صحيحٌ، ولا طريق للعلم به (ولها نصف المهر يقترعان عليه) فمن خرجت عليه القرعة غَرِمه؛ لأن عقد أحدهما صحيحٌ، وقد انفسخ نكاحه من غير جهة الزوجة، قبل الدخول، فوجب عليه نصف المهر (وكذا لو طلَّقاها) وجب على أحدهما نصف المهر بقُرعة. وإذا عقد عليها أحدهما بعد ذلك، فلا ينبغي أن ينقص عَدد طلاقه بهذه الطلقة؛ لأنا لم نتحقق أنَّ عقده هو الصحيح حتى يقع طلاقه؛ ذكر معناه الشيخ تقي الدين (١).
(وإن أقرَّت لأحدهما بالسَّبْق) أي: بأن نكاحه سابق (لم يُقبل) إقرارها على الآخر (نصًّا (٢)) لأن الخصم غيرها، وهو العاقد الثاني، فلم يُقبل قولها عليه، وإن ادَّعى عليها العلم بالسابق، لم يلزمها يمين؛ لأن من لا يُقبل إقراره لا يُستحلف في إنكاره، ويأتي في القضاء.
(وإن ماتت) المرأة (قبل الفَسْخ والطَّلاق؛ فلأحدهما نِصفُ ميراثها بقُرعة) أي: يقترعان عليه، فيأخذه من خرجت له القُرعة (من غير يمين) قال الشيخ تقي الدين (٣): إنه المذهب. قال: وكيف يحلف من قال: لا أعرف الحال.
стр. 5248
(وإن مات الزوجان) قبل الفسخ والطلاق (فإن كانت أقرَّت بسبق أحدهما؛ فلا ميراث لها من الآخر) لاعترافها ببطلان نكاحه (وهي تدَّعي ميراثها ممن أقرَّت له بالسبق، فإن) كان (ادَّعى ذلك) أي: السبق (أيضًا دُفع إليها ميراثها منه) لاتفاقهما على صحة النكاح (وإن لم يكن ادَّعى ذلك) أي: السبق قبل موته (وأنكر الورثة) كونه السابق (فالقول قولهم مع أيمانهم) أنهم لا يعلمون أنه السابق؛ لقوله ﷺ : "واليمين على من أنكر" (١) (فإن نكلوا قُضي عليهم) بالنكول (وإن لم تكن أقرَّت بالسبق؛ فلها ميراثها من أحدهما بقُرعة) فيقرع بين الرجلين، فمن خرجت عليه القرعة؛ فلها إرثها منه. نقل حنبل عن أحمد في رجل له ثلاث بنات، زوَّج إحداهن من رجل، ثم مات الأب، ولم يعلم أيتهن زوَّج: يُقرع، فأيَّتهن أصابتها القُرعة فهي زوجته، وإن مات الزوج فهي التي ترثه (٢). (ولو ادَّعى كل واحد منهما السبق، فأقرَّت به لأحدهما) فلا أثر له كما سبق (ثم) إذا (فُرِّق بينهما) بأن فسخ الحاكم نكاحهما، أو طَلَّقاها (وجب المهر) بعد الدخول، وقبله نصفه (على المُقَرِّ له) لاعترافه به لها، وتصديقها له عليه.
(وإن ماتا؛ ورثت المقَرَّ له) لأنه مقتضى إقرارهما (دون صاحبه) لأنها تدَّعي بطلان نكاحه لتأخره.
(وإن ماتت) من أقرَّت لأحدهما بالسبق، وصَدَّقها (قَبْلَهما؛ احتمل أن يرثها المُقَرُّ له) كما ترثه (واحتمل ألَّا يُقبل إقرارها له) كما لم تقبله في نفسها (أطلقهما في "المغني" و"الشرح".
стр. 5249
وإن لم تُقِرَّ لأحدهما) بالسبق (إلا بعد موته؛ فكما لو أقرَّت له في حياته) على ما تقدم (وليس لورثة واحدٍ منهما الإنكار لاستحقاقها) لأنه ظلم لها.
(وإن لم تُقِرَّ لواحد منهما) بالسبق (أُقرع بينهما، وكان لها ميراثها ممن تقع لها القرعة عليه) قياسًا على القُرعة في العتق والطلاق وغيرهما.
(وإن كان أحدهما قد أصابها) أي: وَطئها (وكان هو المُقَرَّ له) بالسبق، فلها المُسمَّى.
(أو) وطئها من ادَّعى السبق، و (كانت لم تُقِرَّ لواحدٍ منهما؛ فلها المُسمَّى) في عقده (لأنه مُقِرٌّ لها به، وهي لا تدَّعي سواه) فتأخذه (وإن كانت مُقِرَّة للآخر) بالسبق (فهي تدَّعي مهر المثل) بوطئه إياها مع كونها غير زوجة له، (وهو يُقِرّ (١) لها بالمُسمَّى) لدعواه الزوجية.
(فإن استويا) أي: مهر المِثْل والمُسمَّى، فلا كلام.
(أو اصطلحا) أي: الواطئُ والموطوءة على قليل أو كثير (فلا كلام) لأن الحق لا يعدوهما.
(وإن كان مهر المِثْل) الذي تدَّعيه الموطوءة (أكثر) من المُسمَّى (حلف) الواطئ (على الزائد وسقط) لأن الأصل براءته منه (وإن كان المُسمَّى لها) في العقد (أكثر) من مهر المِثل الذي تدعيه (فهو مقرٌّ لها بالزيادة، وهي تنكرها، فلا تستحقها) أي: لا تستحق المطالبة بها؛ لإلغاء إقراره بإنكارها.
(وإن زوَّج السيدُ عبْدَه الصغير من أمَته) صغيرةً كانت أو كبيرةً، صح أن يتولى طرفي العقد بلا نزاع؛ لأنه عقدٌ بحكم الملك،
стр. 5250
لا بحكم الإذن.
(أو) زوَّج عبده الصغير من (بنته) بإذنها، صح أن يتولى طرفي العقد.
وإن زوَّجه ابنته الصغيرة؛ لم يجز؛ لأنه لا يجوز له تزويجها ممن لا يكافئها، وعنه (١): يجوز؛ قاله في "الشرح".
(أو زوَّج) شخصٌ (ابنه) الصغير، أو المجنون، أو السفيه (بنت أخيه) صح أن يتولى طرفي العقد.
(أو زوَّج وصيٌّ في نكاحٍ صغيرًا) تحت حَجْره (بصغيرة تحت حَجْره، ونحوه) كحاكمٍ يزوج من لا ولي له، بمن لا ولي لها (صح أن يتولى طرفي العقد.
وكذلك وليُّ المرأة العاقلة) إذا كانت تحل له (مثلُ ابنِ العم) لأبوين، أو لأب (والمولى) المعتِق وعصبته المتعصب بنفسه (والحاكم) وأمينه (إذا أذنت له في نكاحها) فإنه يصح أن يتولَّى طرفي العقد؛ لما روى البخاري قال: "قال عبد الرحمن بن عوف لأم حكيم ابنة قارض (٢): أتجعلين أمرك إليَّ؟ قالت: نعم، قال: قد تزوجتك" (٣). ولأنه يملك الإيجاب والقَبول، فجاز أن يتولاهما، كما لو زوَّج أمَته عبدَه الصغير؛
стр. 5251
ولأنه عقدٌ وُجد فيه الإيجاب من وليٍّ ثابت الولاية، والقَبول من زوجٍ هو أهلٌ للقبول، فصح، كما لو وُجِد من رجلين.
(أو وكَّل الزوجُ الوليَّ) في قَبول نكاح مخطوبته؛ صح أن يتولَّى الولي طرفي العقد (أو) وكَّل (الوليُّ الزوجَ) في إيجاب النكاح لنفسه، صح أن يتولَّى طرفي العقد.
(أو وكّلا) أي: الولي والزوج رجلًا (واحدًا) في العقد؛ صح أن يتولَّى طرفي العقد (ونحوه) كما لو أذن السيدُ لعبده الكبير أن يتزوَّج أمَته، صح أن يتولَّى طرفي العقد، وكذا البيع والإجارة ونحوها (١).
(ويكفي) في عقد النكاح ممن يتولى طرفيه: (زوَّجت فلانًا) وينسِبُه (فلانةً) وينسِبُها من غير أن يقول: وقبلت له نكاحها.
(أو) يقول: (تزوَّجتها إن كان هو الزوج) من غير أن يقول: قبلتُ نكاحها لنفسي؛ لحديث عبد الرحمن بن عوف السابق؛ ولأن إيجابه يتضمن القَبول.
(أو) يقول: تزوَّجتها لموكلي فلان أو لفلان، وينسبه إن كان (وكيله) أي: وكيل الزوج من غير أن يقول: وقبلت له نكاحها.
(إلا بنتَ عَمِّه، وعتيقَتَهُ المجنونتين) فلا يكفيه تولِّي طرفي العقد، إذا أراد أن يتزوجهما (فَيُشترط) لصحة النكاح إذًا (ولي غيره، أو حاكم) لأن الولي إنما جعل للنظر للمولى عليه، والاحتياط له، فلا يجوز له التصرف لنفسه فيما هو مولىً عليه؛ لمكان التهمة، كالوكيل في البيع لا يبيعه لنفسه.
стр. 5252
فصل
(وإذا قال لأَمَته القِنِّ، أو المدبَّرةِ، أو المُكاتَبة، أو أم ولده، أو المعلَّق عتقها على صفة) قبل وجودها (التي تحل) أي: يحل نكاحها (له إذًا) لو كانت حرة؛ ليدخل فيه الكتابية، واحترازًا عن المجوسية والوثنية والمُحْرِمة، وكذا لو كان معه أربع نسوة، وقال لأمَته ما يأتي، فلا يكون نكاحًا؛ لأنه حينئذ لا يحل له نكاحها؛ لأنها خامسة، وقولهم: "لو كانت حرة" لِدَفْع اعتبار عدم الطَّوْل، وخوف العَنَت المعتبر في نكاح الأَمَة مع ما تقدم: (أعتقتُكِ، وجعلتُ عتقَكِ صَداقَكِ، أو) قال: (جعلتُ عِتق أَمَتي صَداقَها، أو) قال: (صَداق أَمَتي عتقَها، أو) قال: (قد أعتقتُها، وجعلتُ عتقَها صَداقها، أو) قال: (أعتقتُها على أن عتقَها صَداقها، أو) قال: (أعتقتُكِ على أن أتزوَّجَك، وعتقُكِ صَداقك) أو قال: أعتقتُك على أن أتزوجك، وعتقي صداقك (صح) العتق والنكاح في هذه الصور كلها، وإن لم يقل: وتزوجتك، أو تزوجتها؛ لأن قوله: "وجعلت عتقها صداقها" ونحوه يتضمن ذلك.
والأصل في ذلك: ما روى أنس: أن النبي ﷺ ، أعتق صفية، وجعل عِتْقَها صَدَاقَهَا" رواه أحمد والنسائي وأبو داود الترمذي (١)
стр. 5253
وصححه. وروى الأثرم بإسناده عن صفية قالت: أعتقني رسول الله ﷺ ، وجعل عتْقي صداقي" (١) وبإسناده عن علي أنه كان يقول: "إذا أعتقَ الرجلُ أمَّ ولدِه، فجعل عتقها صداقها، فلا بأس بذلك" (٢) وفعله أنس بن مالك (٣)؛ ولأن العتق يجب تقديمه على النكاح ليصح، وقد شرطه صداقًا، فتتوقف صحة العتق على صحة النكاح؛ ليكون العتق صداقًا فيه، وقد ثبت العتق، فيصح النكاح.
ومحل الصحة (إن كان) الكلام (متصلًا، نصًّا (٤)) فلو قال: أعتقتُك، وسكت سكوتًا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ثم قال: وجعلتُ عتقَكِ صداقَكِ؛ لم يصح النكاح؛ لأنها صارت بالعتق حرة، فيحتاج أن يتزوجها برضاها، بصداق جديد.
ومحل الصحة - أيضًا - إن كان (بحضرة شاهدين) نصًّا (٥)؛ لقوله ﷺ : "لا نِكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدين" (٦) ذكره أحمد في رواية ابنه
стр. 5254
عبد الله (١).
(فإن طلَّقها سيدُها) الذي أعتقها، وجعل عتقها صداقها (قبل الدخول؛ رجع عليها) سيدها (بنصف قيمتها وقت الإعتاق) لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع في نصف ما فرض لها، وقد فرض لها نفسها، ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله، فرجع بنصف قيمة ما أُعتق منها؛ لأنه صداقها (فإن) كانت قادرة؛ أُجبرت على الإعطاء، وإن (لم تكن قادرة؛ أُجبرت على الاستسعاء، نصًّا (٢)) كما تقدم في المفلس (٣)، وكذا كل من لَزِمه دَين مستقر.
(وإن ارتدَّت) مَن أعتقها سيدها، وجعل عتقها صداقها قبل الدخول (أو فعلتْ ما يُفسخ به نكاحها، مثل أن أرضعتْ له زوجةً صغيرة، ونحو ذلك) كما لو استدخلت ذَكَر أبيه أو ابنه (قبل الدخول؛ فعليها قيمة نفسها) لوجوب عود الصداق إذًا للزوج، وقد أصدقها نفسها، ولا سبيل إلى الرجوع في الرق، كما تقدم، فرجع بقيمتها.
(ويصح جعل صداق مَن بعضُها حر) وبعضها رقيق له (عِتْق ذلك البعض) إذا أذنت له، وأذن له معتق البقية، على قياس ما تقدم، وكان متصلًا بحضرة شاهدين، ككاملة الرق.
(وإن قال) السيد لأَمَته: (زوَّجتُكِ لزيد، وجعلتُ عتقَكِ صَداقك) وقَبِل زيد؛ صح (أو قال): زوَّجتُكِ لزيد و (صداقُكِ عتقُكِ، أو) قال: (أعتقتُكِ وزوَّجتك له) أي: لزيد (على ألف، وقَبِل زيد) النكاح (فيهما؛
стр. 5255
صح) العتق والنكاح، إذا كان متصلًا بحضرة شاهدين.
(كما لو قال) لأَمَته: (أعتقتُك، وأكريتك منه) أي: من زيد مثلًا (بألف) وقَبِل زيد؛ لأنه بمنزلة استثناء الخدمة، مثل أن يقول: أعتقتك على خدمة سنة. ولو قال: وهبتك هذه الجارية، وزوجتها من فلان، أو: وهبتكها، وأكريتها من فلان، أو: بعتُكها وزوجتُها أو: أكريتُها من فلان؛ فقياس المذهب صحته؛ لأنه في معنى الاستثناء للمنفعة.
وحاصله: أنا نجوِّز العتق والوقف والهبة والبيع مع استثناء منفعة الخدمة، وقد جوزنا أن يكون الإعتاق والإنكاح في زمن واحد، وجعلنا ذلك بمنزلة الإنكاح قبل الإعتاق؛ لأنها حين الإعتاق لم تخرج عن ملكه؛ ذكره في "الاختيارات" (١).
(ولو أعتقها) سيدها (بسؤالها على أن تَنكحه، أو قال) لها من غير سؤالها: (أعتقتُك على أن تَنكِحيني، ويكون عتقُك صداقك، أو) قال: أعتقتك (على أن تنكحيني، فقط) دون أن يقول: ويكون عتقك صداقك (وقَبِلتْ؛ صح) العتق (و) إذا تزوَّجها (يصير العتق صداقًا) لها، وإن كان تقدم العتق، كما لو قارنه، و (كما لو دفع إليها) لو كانت حرة (مالًا ثم تزوجها عليه، ولم يلزمها أن تتزوجه) لأن العتق وقع سلفًا في النكاح، فلم يلزمها، كما لو أسلف حرة ألفًا على أن يتزوجها (ثم إن تزوجته لم يكن له عليها شيء) لأنه أزال ملكه عنها بشرط عوض، وقد سلم له، فلم يكن له غيره (وإلا) أي: وإن لم تتزوَّجه (لزمها قيمة نفسها) لأنه أزال ملكه عنها بشرط عوض لم يُسلَّم له، فاستحق الرجوع ببدله. قال في "الشرح": فإن بذلت له نفسها ليتزوجها، فامتنع لم يُجبر، وكانت له