ولأنه عقدٌ وُجد فيه الإيجاب من وليٍّ ثابت الولاية، والقَبول من زوجٍ هو أهلٌ للقبول، فصح، كما لو وُجِد من رجلين.
(أو وكَّل الزوجُ الوليَّ) في قَبول نكاح مخطوبته؛ صح أن يتولَّى الولي طرفي العقد (أو) وكَّل (الوليُّ الزوجَ) في إيجاب النكاح لنفسه، صح أن يتولَّى طرفي العقد.
(أو وكّلا) أي: الولي والزوج رجلًا (واحدًا) في العقد؛ صح أن يتولَّى طرفي العقد (ونحوه) كما لو أذن السيدُ لعبده الكبير أن يتزوَّج أمَته، صح أن يتولَّى طرفي العقد، وكذا البيع والإجارة ونحوها (١).
(ويكفي) في عقد النكاح ممن يتولى طرفيه: (زوَّجت فلانًا) وينسِبُه (فلانةً) وينسِبُها من غير أن يقول: وقبلت له نكاحها.
(أو) يقول: (تزوَّجتها إن كان هو الزوج) من غير أن يقول: قبلتُ نكاحها لنفسي؛ لحديث عبد الرحمن بن عوف السابق؛ ولأن إيجابه يتضمن القَبول.
(أو) يقول: تزوَّجتها لموكلي فلان أو لفلان، وينسبه إن كان (وكيله) أي: وكيل الزوج من غير أن يقول: وقبلت له نكاحها.
(إلا بنتَ عَمِّه، وعتيقَتَهُ المجنونتين) فلا يكفيه تولِّي طرفي العقد، إذا أراد أن يتزوجهما (فَيُشترط) لصحة النكاح إذًا (ولي غيره، أو حاكم) لأن الولي إنما جعل للنظر للمولى عليه، والاحتياط له، فلا يجوز له التصرف لنفسه فيما هو مولىً عليه؛ لمكان التهمة، كالوكيل في البيع لا يبيعه لنفسه.
стр. 5252
فصل
(وإذا قال لأَمَته القِنِّ، أو المدبَّرةِ، أو المُكاتَبة، أو أم ولده، أو المعلَّق عتقها على صفة) قبل وجودها (التي تحل) أي: يحل نكاحها (له إذًا) لو كانت حرة؛ ليدخل فيه الكتابية، واحترازًا عن المجوسية والوثنية والمُحْرِمة، وكذا لو كان معه أربع نسوة، وقال لأمَته ما يأتي، فلا يكون نكاحًا؛ لأنه حينئذ لا يحل له نكاحها؛ لأنها خامسة، وقولهم: "لو كانت حرة" لِدَفْع اعتبار عدم الطَّوْل، وخوف العَنَت المعتبر في نكاح الأَمَة مع ما تقدم: (أعتقتُكِ، وجعلتُ عتقَكِ صَداقَكِ، أو) قال: (جعلتُ عِتق أَمَتي صَداقَها، أو) قال: (صَداق أَمَتي عتقَها، أو) قال: (قد أعتقتُها، وجعلتُ عتقَها صَداقها، أو) قال: (أعتقتُها على أن عتقَها صَداقها، أو) قال: (أعتقتُكِ على أن أتزوَّجَك، وعتقُكِ صَداقك) أو قال: أعتقتُك على أن أتزوجك، وعتقي صداقك (صح) العتق والنكاح في هذه الصور كلها، وإن لم يقل: وتزوجتك، أو تزوجتها؛ لأن قوله: "وجعلت عتقها صداقها" ونحوه يتضمن ذلك.
والأصل في ذلك: ما روى أنس: أن النبي ﷺ ، أعتق صفية، وجعل عِتْقَها صَدَاقَهَا" رواه أحمد والنسائي وأبو داود الترمذي (١)
стр. 5253
وصححه. وروى الأثرم بإسناده عن صفية قالت: أعتقني رسول الله ﷺ ، وجعل عتْقي صداقي" (١) وبإسناده عن علي أنه كان يقول: "إذا أعتقَ الرجلُ أمَّ ولدِه، فجعل عتقها صداقها، فلا بأس بذلك" (٢) وفعله أنس بن مالك (٣)؛ ولأن العتق يجب تقديمه على النكاح ليصح، وقد شرطه صداقًا، فتتوقف صحة العتق على صحة النكاح؛ ليكون العتق صداقًا فيه، وقد ثبت العتق، فيصح النكاح.
ومحل الصحة (إن كان) الكلام (متصلًا، نصًّا (٤)) فلو قال: أعتقتُك، وسكت سكوتًا يمكنه الكلام فيه، أو تكلم بكلام أجنبي، ثم قال: وجعلتُ عتقَكِ صداقَكِ؛ لم يصح النكاح؛ لأنها صارت بالعتق حرة، فيحتاج أن يتزوجها برضاها، بصداق جديد.
ومحل الصحة - أيضًا - إن كان (بحضرة شاهدين) نصًّا (٥)؛ لقوله ﷺ : "لا نِكاحَ إلا بوليٍّ وشاهدين" (٦) ذكره أحمد في رواية ابنه
стр. 5254
عبد الله (١).
(فإن طلَّقها سيدُها) الذي أعتقها، وجعل عتقها صداقها (قبل الدخول؛ رجع عليها) سيدها (بنصف قيمتها وقت الإعتاق) لأن الطلاق قبل الدخول يوجب الرجوع في نصف ما فرض لها، وقد فرض لها نفسها، ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله، فرجع بنصف قيمة ما أُعتق منها؛ لأنه صداقها (فإن) كانت قادرة؛ أُجبرت على الإعطاء، وإن (لم تكن قادرة؛ أُجبرت على الاستسعاء، نصًّا (٢)) كما تقدم في المفلس (٣)، وكذا كل من لَزِمه دَين مستقر.
(وإن ارتدَّت) مَن أعتقها سيدها، وجعل عتقها صداقها قبل الدخول (أو فعلتْ ما يُفسخ به نكاحها، مثل أن أرضعتْ له زوجةً صغيرة، ونحو ذلك) كما لو استدخلت ذَكَر أبيه أو ابنه (قبل الدخول؛ فعليها قيمة نفسها) لوجوب عود الصداق إذًا للزوج، وقد أصدقها نفسها، ولا سبيل إلى الرجوع في الرق، كما تقدم، فرجع بقيمتها.
(ويصح جعل صداق مَن بعضُها حر) وبعضها رقيق له (عِتْق ذلك البعض) إذا أذنت له، وأذن له معتق البقية، على قياس ما تقدم، وكان متصلًا بحضرة شاهدين، ككاملة الرق.
(وإن قال) السيد لأَمَته: (زوَّجتُكِ لزيد، وجعلتُ عتقَكِ صَداقك) وقَبِل زيد؛ صح (أو قال): زوَّجتُكِ لزيد و (صداقُكِ عتقُكِ، أو) قال: (أعتقتُكِ وزوَّجتك له) أي: لزيد (على ألف، وقَبِل زيد) النكاح (فيهما؛
стр. 5255
صح) العتق والنكاح، إذا كان متصلًا بحضرة شاهدين.
(كما لو قال) لأَمَته: (أعتقتُك، وأكريتك منه) أي: من زيد مثلًا (بألف) وقَبِل زيد؛ لأنه بمنزلة استثناء الخدمة، مثل أن يقول: أعتقتك على خدمة سنة. ولو قال: وهبتك هذه الجارية، وزوجتها من فلان، أو: وهبتكها، وأكريتها من فلان، أو: بعتُكها وزوجتُها أو: أكريتُها من فلان؛ فقياس المذهب صحته؛ لأنه في معنى الاستثناء للمنفعة.
وحاصله: أنا نجوِّز العتق والوقف والهبة والبيع مع استثناء منفعة الخدمة، وقد جوزنا أن يكون الإعتاق والإنكاح في زمن واحد، وجعلنا ذلك بمنزلة الإنكاح قبل الإعتاق؛ لأنها حين الإعتاق لم تخرج عن ملكه؛ ذكره في "الاختيارات" (١).
(ولو أعتقها) سيدها (بسؤالها على أن تَنكحه، أو قال) لها من غير سؤالها: (أعتقتُك على أن تَنكِحيني، ويكون عتقُك صداقك، أو) قال: أعتقتك (على أن تنكحيني، فقط) دون أن يقول: ويكون عتقك صداقك (وقَبِلتْ؛ صح) العتق (و) إذا تزوَّجها (يصير العتق صداقًا) لها، وإن كان تقدم العتق، كما لو قارنه، و (كما لو دفع إليها) لو كانت حرة (مالًا ثم تزوجها عليه، ولم يلزمها أن تتزوجه) لأن العتق وقع سلفًا في النكاح، فلم يلزمها، كما لو أسلف حرة ألفًا على أن يتزوجها (ثم إن تزوجته لم يكن له عليها شيء) لأنه أزال ملكه عنها بشرط عوض، وقد سلم له، فلم يكن له غيره (وإلا) أي: وإن لم تتزوَّجه (لزمها قيمة نفسها) لأنه أزال ملكه عنها بشرط عوض لم يُسلَّم له، فاستحق الرجوع ببدله. قال في "الشرح": فإن بذلت له نفسها ليتزوجها، فامتنع لم يُجبر، وكانت له
стр. 5256
القيمة؛ لأنها إذا لم تجبر على تزويجه نفسها، لم يُجبر هو على قَبولها.
(ولو قال: أعتقتُكِ، وزوِّجيني نفسَكِ؛ عَتَقت) لتنجيز عتقها (ولم يلزمها أنْ تتزوجه، ولا شيء عليها) من قيمة نفسها إذا لم تتزوجه؛ لأنه ألزمها بما لا يلزمها، ولم تلتزمه.
(ولا بأس أن يعتق الرجل أَمَته، ثم يتزوجها، سواء أعتقها لله سبحانه، أو) أعتقها (ليتزوجها) إذ لا محظور فيه، وقال ﷺ : "مَن كانتْ عنده جاريةٌ، فعلّمها وأحسن تعليمها، أو أحسن إليها، ثم أعتقها، وتزوَّجها فله أجران" متفق عليه (١).
(وإذا قال) مكلَّف رشيد لآخر: (أعتقْ عبدك على أن أزوجك ابنتي، فأعتقه؛ لم يلزمه) أي: القائل (أن يزوجه ابنته) لأنه وعدٌ لا يلزم (٢) الوفاء به (وعليه) أي: القائل (له) أي: المعتِق (قيمة العبد) لأنه غرَّه (كما لو قال: أعتقْ عبدك عَنِّي، وعليَّ ثمنه) فأعتقه؛ لزمه ثمنه، وتقدم (٣) (أو) قال له: (طلِّقْ زوجتك على ألف، ففعل، أو: ألقِ متاعك في البحر، وعليَّ ثمنه) فألقاه؛ فعليه ثمنه، بخلاف ما لو قال: أعتق عبدك عني، أو ألق متاعك في البحر، ففعل؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لم يلتزم له عوضه.
стр. 5257
فصل
الشرط (الرابع: الشهادة) على النكاح (احتياطًا للنسب، خوف الإنكار، فلا ينعقد النكاح إلا بشاهدين) روي عن عمر (١) وعلي (٢)، وهو قول ابن عباس (٣)(٤)؛ لما تقدم.
ولما روت عائشة مرفوعًا: "لا بُدَّ في النكاح من حضور أربعةٍ: الوليُّ، والزوجُ، والشاهدان (٥) " رواه الدارقطني (٦).
وعن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "البغايا اللواتي يُنكِحنَ أنفسهنَّ بغير بينة" رواه الترمذي (٧).
стр. 5258
ولأنه عقد يتعلق به حقُّ غير المتعاقدين، وهو الولد، فاشترطت الشهادة فيه؛ لئلا يجحد أبوه فيضيع نسبه، بخلاف غيره من العقود.
وما روي عن أحمد (١) من "أنهُ ﷺ أعتق صفية وتزوَّجها" (٢) من غير شهود؛ فمن خصائصه، كما سبق (٣).
(مُسْلِمَيْن) لقوله ﷺ : "لا نِكاح إلا بولي، وشاهدي عدل" رواه الخلال (٤).
стр. 5259
(عدلين) للخبر.
(ذَكَرَيْن) لما روى أبو عبيد في "الأموال" عن الزهري أنه قال: "مضت السُّنَّة ألَّا تجوز شهادةُ النساءِ في الحدودِ، ولا في النكاح، ولا في الطلاق" (١).
(بالغين، عاقلين) لأن الصبي والمجنون ليسا من أهل الشهادة.
(سَميعين) لأن الأصم لا يسمع العقد فيشهد به.
(ناطقين) لأن الأخرس لا يتمكن من أداء الشهادة.
стр. 5260
(ولو كانا عبدين) كسائر الشهادات (أو) كانا (ضريرين، إذا تيقَّنا الصوت تيقنًا لا شك فيه) كالشهادة بالاستفاضة (أو) كانا (عدوَّي الزوجين، أو) عدوَّي (أحدهما، أو) عدوَّي (الولي) لعموم قوله ﷺ : "وشاهدي عدل" (١)؛ ولأنه ينعقد بهما غير هذا النكاح، فانعقد هو أيضًا بهما، كسائر العقود.
و (لا) ينعقد النكاح (بمُتَّهم لرَحِمٍ، كابني الزوجين، أو ابني أحدهما ونحوه) كأبويهما، وابن أحدهما، وأبي الآخر؛ للتهمة.
(ولا) ينعقد النكاح أيضًا (بأصَمَّين، أو أخرسين، أو) بشاهدين (أحدهما كذلك) أي: أصم، أو أخرس؛ لما تقدم.
(ولا يبطل النكاح بالنواصي بكتمانه) لأنه لا يكون مع الشهادة عليه مكتومًا (فإن كتمه) أي: النكاح (الزوجان والولي والشهود قصدًا؛ صح العقد، وكره) كِتمانهم له؛ لأن السنة إعلان النكاح.
(ولا ينعقد نكاح مسلم بشهادة ذميين) ولا بشهادة مسلم وذمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) (ولو كانت الزوجة ذمية) كتابية، أبواها كتابيان.
(ولو أقرَّ رجل وامرأة أنهما نكحا بوليٍّ، وشاهدي عدل؛ قُبِل منهما) لأنه لا منازع لهما فيه (وثبت النكاح بإقرارهما) لعدم المخاصمة (٣) فيه.
(وتكفي العدالة ظاهرًا فقط) في الشاهدين بالنكاح، بألَّا يظهر
стр. 5261
فسقهما؛ لأن الغرض من الشهادة إعلان النكاح، ولهذا يثبت بالتسامع، فإذا حضر من يشتهر بحضوره كفى؛ ولأن النكاح يقع بين عامة الناس في مواضع لا تُعرف فيها حقيقة العدالة، فاعتبار ذلك يشق.
(فلو بانا) أي الشاهدان بالنكاح بعده (فاسقين؛ فالعقد صحيح) ولا يُنقَض. وكذا لو بان الولي فاسقًا؛ لأن الشرط العدالة ظاهرًا، وهو ألَّا يكون ظاهر الفسق، وقد تحقق ذلك.
(ولو تاب) الشاهد (في مجلس العقد؛ فكمستور) العدالة (قاله في "الترغيب") فيكفي، وكذا لو تاب الولي في المجلس. قلت: بل يكتفى بذلك حيث اعتُبرت العدالة مطلقًا؛ لأن إصلاح العمل ليس شرطًا فيها كما يأتي.
الشرط (الخامس: الخلو من الموانع) الآتية في باب المحرمات (بألّا يكون بهما) أي: بالزوجين (أو بأحدهما ما يمنع التزويج؛ من نسب، أو سبب) كرضاع، ومصاهرة (أو اختلاف دِيْنٍ) بأن يكون مسلمًا وهي مجوسية، ونحوه مما يأتي (أو كونها في عِدَّة، ونحو ذلك) كأن يكون أحدهما مُحرمًا.
(والكفاءة في زوجٍ شرط للزوم النكاح، لا لصحته) هذا المذهب عند أكثر المتأخرين. قال في "المقنع" و"الشرح": وهي أصح، وهذ قول أكثر أهل العلم (١)؛ لأنه ﷺ : "أمَرَ فاطمة بنتَ قيس أن تنكحَ أسامة بن زيد مولاه، فنَكحها بأمره" متفق عليه (٢).
стр. 5262
وروت عائشة: "أن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنَّى سالمًا، وأنْكَحَهُ ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وهو مولىً لامرأة من الأنصار" رواه البخاري وأبو داود والنسائي (١).
وعن أبي (٢) حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، عن أمه قالت: "رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال" رواه الدارقطني (٣). (فـ) ــعلى هذا (يصح النكاح فَقْدِها) أي: فَقْدِ الكفاءة (فهي حق للمرأة، والأولياء كلهم) القريب والبعيد (حتى من يحدث منهم) بعد العقد، لتساويهم في لحوق العار بفَقْدِ الكفاءة.
(فلو زُوِّجت امرأة بغير كفؤ فَلِمَنْ لم يرضَ) بالنكاح (الفسخ، من المرأة، والأولياء جميعهم) بيان لمن لم يرضَ (فورًا، وتراخيًا) لأنه خيار لنقص في المعقود عليه، أشبه خيار العيب (ويملكه الأبعد) من الأولياء (مع رضا الأقرب) منهم به (و) مع رضا (الزوجة) دفعًا لما يلحقه من لحوق العار.
(فلو زوَّج الأب) بنته (بغير كفؤ، برضاها، فللإخوة الفسخ،
стр. 5263
نصًّا (١)) لأن العار في تزويج من ليس بكفؤ عليهم أجمعين (ولو زالت الكفاءة بعد العقد؛ فلها) أي: الزوجة (الفسخ فقط) دون أوليائها، كعتقها تحت عَبْدٍ؛ ولأن حق الأولياء في ابتداء العقد؛ لا في استدامته.
(والكفاءة) لغة: المماثلة والمساواة، ومنه قوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (٢) أي: تتساوى، فيكون دم الوضيع منهم كدم الرفيع.
стр. 5264
وهي هنا (معتبرة في خمسة أشياء:
(الدِّين، فلا يكون الفاجر ولا الفاسق كفؤًا لعفيفةٍ عدلٍ) لأنه مردود الشهادة والرواية، وذلك نقص في إنسانيته، فلا يكون كفؤًا لعدل،
стр. 5265
ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (١).
(الثاني: المنصب، وهو النسب، فلا يكون العَجَمي - وهو مَن ليس من العرب - كفؤًا لعربية) لقول عمر: "لأمْنَعَنَّ فروجَ ذوات الأحْسَابِ (٢) إلّا مِنَ الأَكْفَاءِ" رواه الخلال والدارقطني (٣)؛ ولأن العرب يعتدّون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصًا وعارًا، ويؤيده حديث: "إن الله اصطفى كِنَانة من ولد إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم" (٤)؛ ولأن العرب فَضَلتِ الأمم برسول الله ﷺ .
(الثالث: الحرية، فلا يكون العبدُ، ولا المبعَّض كفؤًا لحرة، ولو) كانت (عتيقة) لأنه منقوص بالرق، ممنوع من التصرف في كسبه، غير مالك له؛ ولأن ملك السيد لرقبته يشبه ملك البهيمة، فلا يساوي الحرة لذلك، والعتيق كلُّه كفؤٌ للحرة.
(الرابع: الصناعة، فلا يكون صاحب صناعة دنيئة - كالحجَّام، والحائك، والكسَّاح (٥)، والزبَّال، والنَّفَّاط (٦) - كُفؤًا لبنت
стр. 5266
من (١) هو صاحب صناعة جليلة؛ كالتاجر، والبزاز) أي: الذي يتجر في البز، وهو القماش (والتَّانِئ صاحب العقار، ونحو ذلك) لأن ذلك نقص في عُرف الناس، فأشبه نقص النسب، ورُوي في حديثٍ: "العرب بعضهم لبعض أَكْفَاء، إلا حائكًا أو حجَّامًا" (٢). قيل لأحمد: كيف تأخذ به وأنت تضعِّفه. قال: العمل عليه (٣). يعني: أنه موافق لأهل العرف.
(الخامس: اليسار بمالٍ، بحسب ما يجب لها، من المهر، والنفقة) و (قال ابن عقيل: بحيث لا تتغير عليها عادتها عند أبيها في بيته، فلا يكون المعسر كفؤًا لموسرة) لأن على الموسرة ضررًا في إعسار زوجها؛
стр. 5267
لإخلاله بنفقتها، ومؤنة أولاده، ولهذا ملكت الفسخَ بإعساره بالنفقة، ولأن ذلك نقصًا (١) في عرف الناس، يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب.
"فائدة": ولد الزنى، قد قيل: إنه كفؤٌ لذات نسب، وعن أحمد (٢) أنه ذُكر له أنه يَنْكح وينكح إليه، فكأنه لم يحب ذلك؛ لأن المرأة تتضرر به، هي وأولياؤها، ويتعدَّى ذلك إلى ولدها، وليس هو كفؤًا للعربية بغير إشكال فيه؛ لأنه أدنى حالًا من الموالي؛ قاله في "الشرح".
(وليس مولى القوم كفؤًا لهم) نقل الميموني (٣): مولى القوم من أنفسهم في الصدقة، ولم يكن عنده هذا هكذا في التزويج، ونقل مُهَنَّا (٤) أنه كفؤ لهم؛ ذكرهما في "الخلاف".
(ويحرم) على ولي المرأة (تزويجها بغير كفؤ بغير رضاها) لأنه إضرار بها، وإدخال للعار عليها (ويفسق به) أي: بتزويجها بغير كفؤ بلا رضاها (الولي) قلت: إن تعمَّده (ويسقط خيارها) أي: المرأة إذا زُوِّجت بغير كفؤ (بما يدل) منها (على الرضا، من قول أو فعل) بأن مكَّنته من نفسها، عالمة به (وأما الأولياء، فلا يثبت رضاهم إلا بالقول) بأن يقولوا: أسقطنا الكفاءة، أو رضينا به غير كفؤ، ونحوه، وأما سكوتهم فليس برضًا.
(ولا تُعتبر هذه الصفات) وهي الدِّين والمنصب والحرية والصناعة غير الزَّرِيَّة واليسار (في المرأة) لأن الولد يشرف بشرف أبيه؛ لا بشرف
стр. 5268
أُمِّه (فليست الكفاءة شرطًا في حقها للرجل) وقد تزوج ﷺ بصفية بنت حُيي (١)، وتسرَّى بالإماء (٢).
(والعرب من قرشي وغيره، بعضهم لبعض أكْفَاء) لأن الأسود بن المقداد (٣) الكندي تزوج ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب (٤)، وزوَّج أبو بكر أخته الأشعث بن قيس الكندي (٥)، وزوَّج عليٌّ ابنتَه أمَّ كلثوم عُمرَ بن الخطاب ﵃ (٦).
стр. 5269
(وسائر الناس) أي باقيهم بعد العرب (بعضهم لبعض أكْفَاء) لظاهر الخبر السابق (١).
стр. 5270
باب المُحرَّمات في النكاح
وهُنَّ ضربان:
ضرب (يَحْرُم على الأبد) وهُنَّ أقسام:
الأول: بالنسب، وهُنَّ سبع:
(الأم، والجدة من كل جهة) أي: سواء كانت من جهة الأب، أو الأم (وإن عَلَتْ) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (١). وأمهاتك: كل من انتسبتَ إليها بولادة، سواء وقع عليها اسم الأم حقيقة، وهي التي ولدتك، أو مجازًا، وهي التي وَلَدتْ مَنْ ولَدَك وإن عَلَتْ، وارثة كانت أو غير وارثة. ذكر أبو هريرة هاجر أم إسماعيل، فقال رسول الله ﷺ : "تلك أمُّكُم يا بني ماءِ السماءِ" (٢)، وفي الدعاء المأثور: "اللهم صَلِّ على أبينا آدم وأُمِّنَا حَوَّاء" (٣).
(والبنت من حلالٍ) زوجة أو سُرِّيّة (أو) من (حرام) كزنىً (أو) من (شُبهةٍ، أو منفية بِلِعَان) لدخولهن في عموم لفظ: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ (١)؛ ولأن ابنته من الزنى خُلقت من مائه، فحرمت عليه، كتحريم الزانية على ولدها
стр. 5271
من الزنى. والمنفية بِلِعان لا يسقط احتمال كونها خُلقت من مائه (ويكفي في التحريم أن يَعلم أنها بنته ظاهرًا، وإن كان النسب لغيره) قال الشيخ تقي الدين (١): ظاهر كلام الإمام أحمد أن الشبه يكفي في ذلك؛ لأنه قال: أليس أمَرَ النبيُّ ﷺ سودَة أن تحْتَجِبَ من ابن أمَةِ زَمْعَةَ، وقال: "الولد للفراش" وقال: "إنَّما حجبها للشَّبَهِ الذي رأى بِعَيْنه" (٢).
(وبنات الأولاد، ذكورًا كانوا) أي: الأولاد (أو إناثًا، وإن سَفَلْن) وارثات أو غير وارثات؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ (٣).
(والأخت من كل جهة) أي: سواء كانت شقيقة، أو لأب، أو لأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ (٣).
(وبنات كل أخ و) بنات كل (أخت) وبنات ابنيهما (وإن سَفَلْن، وبنات ابنتيهما كذلك) أي: وإن سَفَلن؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ (٣).
(والعمَّات) من كل جهة، وإن علون (والخالات من كل جهة، وإن علون) لقوله سبحانه: ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ﴾ (٣).
و (لا) تحرم (بناتهن) أي: بنات العمات وبنات الخالات.
(و) تحرم (عمَّة أبيه) وعمة جده وإن علا؛ لأنها عمته.
стр. 5272
(و) تحرم (عمَّة أمِّه) وعمَّة جَدَّته وإن عَلَتْ؛ لأنها عَمَّتُهُ.
(و) تحرم (عمَّة العمِّ لأب؛ لأنها عمَّة أبيه).
و (لا) تحرم (عمَّة العَمِّ لأمٍّ؛ لأنها أجنبية) منه.
(وتحرم خالة العمة لأم) لأنها خالة الأب (١).
و (لا) تحرم (خالة العَمَّة لأب؛ لأنها أجنبية) منه.
(وتحرم عَمَّة الخالة لأب؛ لأنها عَمَّة الأم، ولا تحرم عمَّة الخالة لأم؛ لأنها أجنبية) فتحرم كل نسيبة (٢) سوى بنت عَمٍّ، وبنت عمَّة، وبنت خال، وبنت خالة.
القسم الثاني ما أشار إليه بقوله: (وتحرم زوجات النبي ﷺ فقط) دون بناتهنَّ، وأمهاتهنَّ (على غيره، ولو مَنْ فارقها) في الحياة (وهُنَّ أزواجه دنيا وأُخرى) وتقدم (٣).
(و) القسم الثالث ذكره بقوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فكل امرأة حرمت بالنسب، حرم مثلها بالرضاع؛ لما روى ابن عباس: "أنَّ النبيَّ ﷺ أريدَ على ابنةِ حمزة، فقال: إنها لا تَحِلُّ لي، إنها ابنةُ أخي من الرَّضاعَةِ؛ فإنهُ يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُم مِنَ الرَّحِمِ" وفي لفظ: "مِنَ النَّسَب" متفق عليه (٤). وعن علي مرفوعًا: "إنَّ الله حرَّم من الرضاع ما حرَّم من النسب" رواه أحمد، والترمذي (٥) وصححه. (ولو)
стр. 5273
كان الرضاع (بلَبَنٍ غصبه، فأرضع به طفلًا) أو أكره امرأة على إرضاع طفل؛ لأن سبب التحريم لا يُشترط كونه مباحًا، بدليل أن الزنى يثبت به تحريم المصاهرة.
(قال ابن البناء، وابن حمدان، وصاحب "الوجيز": إلا أمَّ أخيه، وأختَ ابنه - يعنون (١) - فلا تَحْرُمان بالرضاع، وفيها) أربع (صور، ولهذا قيل: إلا المرضعة وبنتها على أبي المُرْتضع وأخيه من النسب، و) إلا (عكسه) أي: أم المُرْتضع وأخته من النسب لا يَحْرُمان على أبي المرتضع ولا ابنه الذي هو أخو المرتضع في الرضاع (والحكم) الذي هو الإباحة في المسائل الأربعة (٢) (صحيح، ويأتي في الرضاع، لكن الأظهر) وقال في "التنقيح" وغيره: "لكن الصواب" (عدم الاستثناء؛ لأن إباحتهن لكونهن في مقابلة من يحرم بالمصاهرة، لا في مقابلة من يحرم من النسب، والشارع إنما حَرَّم من الرضاع ما يحرم عن النسب، لا ما يحرم بالمصاهرة).
стр. 5274
فصل
القسم الرابع: المحرمات بالمصاهرة:
(ويحرم بالمصاهرة أربع) على التأبيد (ثلاث بمجرد العقد، وهُنَّ:
أمهات نسائه) وإن علون من نسب، ومثلهن من رضاع، فيحرمن بمجرد العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (١)، والمعقود عليها من نسائه، قال ابن عباس: "أبْهِمُوا ما أبهمَ القرآن" (٢). أيْ: عَمِّمُوا حكمها في كل حالٍ، ولا تُفَصِّلوا بين المدْخُولِ بها وغيرها.
(وحلائلُ آبائه، وهُنَّ: كل من تزوجها أبوه، أو جده لأبيه، أو لأمِّه، من نسبٍ، أو رضاع، وإن عَلا، فارقها أو مات عنها) وحلائِلُهم: زوجاتهم، سُمِّيت امرأة الرجل حليلة؛ لأنها تحل إزار زوجها، وهي محللة له (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤).
(وحلائل أبنائه، وهُنَّ: كل من تزوجها أحَدٌ من بَنِيه، أو) من (بني أولاده، وإن نزلوا، من أولاد البنبن أو البنات، من نسب أو رَضاع) لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (٥) مع ما تقدم من قوله
стр. 5275
- ﷺ : "يَحْرمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ" (١)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ للاحتراز عمن يتبناه وليس منه (وتُباح بناتهما) أي: بنات حلائل الآباء والأبناء، وأمهاتهن؛ لدخولهن في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢).
(والرابعة: الربائب، ولو كُنَّ في غير حِجْره) لأن التربية لا تأثير لها في التحريم، وأما قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٣) فإنه لم يخرج مخرج الشرط، وإنما وصفها بذلك تعريفًا لها بغالب أحوالها، وما خرج مخرج الغالب لا يصح التمسك بمفهومه.
(وهُنَّ) أي: الربائب المُحَرَّمات (بنات نسائهِ اللاتي دخل بهنَّ) صفة للنساء (دون) النساء (اللاتي لم يدخل بهن) فلا تحرم بناتهن؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (١).
(فإن مِتْنَ) أي: نساؤه (قبل الدخول) أي: الوطء، لم تحرم بناتهن (أو أبانَهُنَّ) الزوج (بعد الخلوة، وقبل الوطء، لم تحرم البنات) لأن الخلوة لا تُسمَّى دخولًا (فلا يُحَرِّم الربيبة إلا الوطء) دون العقد، والخلوة، والمباشرة دون الفرج؛ للآية السابقة (قال الشارح: والدخول بها وطؤها، كنَّى عنه بالدخول.
وتحرم بنت رَبيْبِهِ، نصًّا (٤). و) تحرم (بنت رَبيْبَتِه) وسواء في ذلك القريبات والبعيدات؛ لدخولهن في الربائب.
(وتباح زوجة رَبيبِه) إن أبانها، وخلت من الموانع لزوج أُمّه.
стр. 5276
(وتُباح (١) أخت أخيه لأُمه) لأخيه من أبيه (و) تباح له (بنت زوج أُمّه، و) يباح له (زوجة زوج أُمه، و) تُباح له (حماة ولده، و) حماة (والده، وبنتاهما) أي: بنتا حماة ولده وحماة والده؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢).
(فلو كان لرجل ابن، أو بنت من غير زوجته، وُلِد له) أي: الابن، أو ولدت البنت (قبل تزويجه بها، أو بعده، ولو) أنه ولد له (بعد فراقها، ولها) أي: زوجته (بنت، أو ابن من غيره، ولدتها) أي: البنت، أو ولدته (قبل تزويجه بها، أو بعده، وبعد وَطْئِها أو فراقها ولدته من آخر؛ جاز تزويج أحدهما من الآخر) للآية السابقة.
(ويُباح لها) أي: للأنثى (ابن زوجة ابنها، و) يُباح لها (ابن زوج بنتها، و) يباح لها (ابن زوج أُمها، و) يُباح لها (زوج زوجة ابنها، و) يباح لها (زوج زوجة أبيها) لأن الأصل في الفروج الحِلُّ بالعقد، إلا ما ورد الشرع بتحريمه.
(ويثبت تحريم المُصاهرة: بوطءٍ حلالٍ) إجماعًا (٣) (و) بوطء (حرام) كزنىً (و) بوطء (شُبهه، ولو) كان الوطء (في دُبُرٍ) لأن الوطء يُسمَّى نِكاحًا كما تقدم (٤) أول كتاب النكاح، فدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (٥) الآية ونظائرها. وفي الآية أيضًا
стр. 5277
قرينة تصرفه إلى الوطء، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١)، وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء؛ ولأن ما تعلَّق من التحريم بالوطء المباح تعلَّق بالمحظور، كوطء الحائض. وطاهر كلامه كالخرقي: أن وطء الشُّبهة ليس بحلال ولا حرام، وصَرَّح القاضي في "تعليقه": أنه حرام؛ ذكره في "الإنصاف".
(ولا يثبت) التحريم بالوطء (إن كانت) الموطوءة (ميتةً، أو صغيرةً لا يوطأ مثلها) لأنه ليس بسبب للبعضيَّة، أشبه النظر.
(ولا) يثبت تحريم المصاهرة (بمباشرتها، و) لا بـ (ــنظره إلى فَرْجها، أو) نظر (٢) إلى (غيره، ولا بخلوة) ولو (لشهوة) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣) يريد بالدخول: الوطء.
(وكذا لو فعلت هي ذلك) أي: ما ذكر من المباشرة، والنظر إلى الفرج أو غيره، والخلوة لشهوة (برجل) لم تحرم بنتها عليه؛ لأنه لم يدخل بأُمها.
(أو استدخلت) المرأة (ماءه) أي: منيه، بقطنة أو نحوها، فلا تحرم بنتها عليه؛ لعدم الدخول بالأم.
وكذا لا تحرم هي على أبيه، ولا على ابنه إن لم يكن عقد عليها؛ لأنه لا عقد ولا وطء؛ نقله في "الإنصاف" عن "التعليق" واقتصر عليه، وهو مقتضى كلام "التنقيح" و"المنتهى" هنا.
وقال في "الرعاية": ولو استدخلت منيّ زوج، أو أجنبي
стр. 5278
بشهوة (١)، ثبت النَّسبُ، والعِدَّة، والمُصاهرة. وتبعه في "المنتهى" في الصداق.
(ويحرم باللواط - لا بدواعيه) من قبلة ونحوها (ولا بمساحقة النساء - ما يحرم بوطء المرأة، فمن تلَوَّط بغلام) غير بالغ، يطيق الجماع (أو) بـ (ــبالغ، حَرُمَ على كل واحد منهما) أي: اللائط والملوط به (أمّ الآخر، وابنته، نصًّا (٢)) لأنه وطء في فرج، فنشر الحرمة، كوطء المرأة، وقال في "شرح المقنع": الصحيح أن هذا لا ينشر الحرمة؛ فإنَّ هؤلاء غير منصوص عليهنَّ في التحريم، فيدخلن في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣)؛ ولأنهنَّ غير منصوص عليهنَّ، ولا هُنَّ في معنى المنصوص عليه، فوجب ألَّا يثبت حكم التحريم فيهن، فإن المنصوص عليه في هذا: حلائل الأبناء، ومَنْ نكحهنَّ الآباءُ، وأمهات النساء، وبناتهن، وليس هؤلاء منهنَّ، ولا في معناهن.
(وتحرم أخته من الزنى، وبنت ابنه) من الزنى (وبنت بنته) من الزنى وإن نزلت (وبنت أخيه) من الزنى (وبنت أخته من الزنى) وكذا عمته وخالته من الزنى، وكذا حليلة الأب، والابن من الزنى؛ لدخولهن في العمومات السابقة.
القسم الخامس: المُحَرَّمةُ باللعان، وذكرها بقوله: (وتحرمُ الملاعَنة على الملاعِن على التأبيد) لما روى سهل بن سعد، قال: "مَضَت السُّنَّةُ في المُتلاعِنَيْن أن يُفَرَّقَ بينهما، ثم لا يجتمعا أبدًا" رواه
стр. 5279
الجوزجاني (١) (ولو أكذب) الملاعن (نفسه) لأنه تحريم لا يرتفع قبل الجلد والتكذيب، فلم يرتفع بهما (أو كان اللعان بعد البينونة) لنفي الولد (أو) كان اللعان (في نكاح فاسد) لنفي الولد؛ لعموم ما سبق.
(و إذا قتل رجلٌ رجلًا ليتزوج امرأته، لم تحلَّ له أبدًا ؛ قاله الشيخ (٢)، عقوبةً له) بنقيض قصده المُحَرَّم، كحرمان القاتل الميراث.
(وقال) الشيخ (٣) (في رجل خَبَّبَ) أي: خدع (امرأة على زوجها) حتى طلقها: (يعاقب عقوبة بليغة) لارتكابه تلك المعصية (ونكاحه باطل في أحد قولي العلماء في مذهب مالك (٤) وأحمد وغيرهما، ويجب التفريق بينهما) عقوبة له، كمنع القاتل الميراث.
(وإذا فسخ الحاكم نكاحًا؛ لِعُنَّة أو عيب يوجب) أي: يقتضي (الفسخ) كجنون وجذام ونحوهما (لم تحرم) المفسوخ نكاحها على المفسوخ عليه (على التأبيد) بل تباح له بالعقد عليها؛ لقوله تعالى:
стр. 5280
﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١).
فصل
الضرب الثاني: المُحَرَّمات إلى أمدٍ، وهُنَّ نوعان:
أحدهما: لأجل الجمع، وهو المشار إليه بقوله: (ويحرم الجمع بين الأختين) من نسب أو رضاع، حُرَّتين كانتا أو أمَتين، أو حُرَّة وأَمَة، قبل الدخول أو بعده؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٢).
(و) يحرم الجمع أيضًا (بين المرأة وعمتها، أو) بين المرأة و (خالتها، ولو رضيتا، وسواء كانت العمة والخالة حقيقة أو مجازًا، كعمات آبائها وخالاتهم) أي: خالات الآباء وإن علوا (وعَمَّات أُمَّهاتها وخالاتهن، وإن علت درجتُهن، من نسب أو رضاع) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به (٣). وليس فيه بحمد الله اختلاف، إلا أن لبعض (٤) أهل البدع ممن لا تُعد مخالفته خلافًا - وهو الرافضة والخوارج (٥) - لم يحرموا ذلك، ولم يقولوا بالسنة الثابتة عن رسول الله ﷺ ، وهي ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تجمعوا بين المرأة وعمَّتِها، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها" متفق عليه (٦). وفي رواية أبي
стр. 5281
داود: "لا تُنكَحُ المرأةُ على عمَّتِها، ولا العمَّةُ على بنت أخيها، ولا المرأةُ على خالتِها، ولا الخالةُ على بنتِ أخْتِها، لا تُنْكَحُ الكُبرى على الصُّغرى، ولا الصُّغرى على الكبرى" (١)؛ ولأن العلة في تحريم الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب، وإفضاء ذلك إلى قطيعة الرَّحِم المُحَرَّم، فإن احتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢) خصَّصناه بما رُوي من الحديث الصحيح.
(و) يحرم الجمع أيضًا (بين خالتين بأن ينكح كلُّ واحدٍ منهما) أي:
стр. 5282
من رجلين (ابنةَ الآخر، فيولد لكل واحد منهما بنت) فكلٌّ من البنتين خالة الأخرى (١)؛ لأنها أخت أمها لأبيها.
(و) يحرم الجمع أيضًا (بين عمَّتين بأن ينكح كلُّ واحدٍ منهما أمَّ الآخر، فيولد لكلِّ واحد منهما بنتٌ) فكلٌّ من البنتين عمَّة الأخرى (١)؛ لأنها أخت أبيها لأمه.
(أو) أي: ويحرم الجمع بين (عمَّةٍ وخالة، بأن ينكح) الرجل (امرأةً، وينكح ابنُهُ أُمَّها، فيولد لكل واحد منهما بنتٌ) فبنت الابن خالة ابنة الأب، وبنت الأب عمة بنت الابن.
(و) يحرم الجمع (بين كلِّ امرأتين لو كانت إحداهُما ذكرًا والأخرى أُنثى حرم نكاحُه) أي: الذكر لها؛ لقرابة أو رضاع؛ لأن المعنى الذي حُرِّم الجمع من أجله إفضاؤه إلى قطيعة الرحم القريبة؛ لما في الطباع من التنافر والغيرة بين الضرائر، وألحق بالقرابة الرضاع؛ لقوله ﷺ : "يَحرُمُ من الرَّضاع ما يحرمُ من النسب" (٢).
(فإن كان) الجمع بين الأختين ونحوهما (في عقد واحد) بطل في حقهما، (أو) كان الجمع بينهما (في عقدين معًا) أي: في وقت واحد؛ بطلا (أو تزوج خمسًا) فأكثر (في عقد واحد، بطل في الجميع) لأنه لا يمكن تصحيحه في الكل، ولا مزية لواحدة على غيرها، فيبطل في الجميع، بمعنى أنه لم ينعقد.
(وإن تزوَّجَهما) أي: الأختين أو نحوهما (في عقدين) واحدة بعد الأخرى، بطل الثاني؛ لأن الجمع حصل به (أو وقع) العقد على إحدى
стр. 5283
الأختين ونحوهما (في عدة الأخرى، بائنًا كانت أو رجعية، بطل الثاني) لقوله ﷺ : "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يَجمعْ مَاءَهُ في رَحِم أخْتَين" (١)؛ ولأن البائن محبوسة عن النكاح لحقه، فأشبهت الرجعية (و) العقد (الأول صحيح) لأنه لا جمع فيه.
(فإن) تزوج أختين ونحوهما في عقدين مرتبين، و (لم تُعْلَم أولاهُما، فعليه فرقتُهما بطلاقهما، أو بفسخ الحاكم نكاحَهما، دخل بهما، أو) دخل (بواحدة منهما، أو لم يدخل بواحدة) منهما؛ لأن إحداهما محرَّمة عليه، ونكاحها باطل، ولا يعرف المحللة له، ونكاح إحداهما صحيح، ولا يتيقن بينونتها منه إلا بذلك، فوجب، كما لو زوَّج الوليان، ولم يُعلم (٢) السابق من العقدين.
(فإن كان) مَن عَقَدَ على أختين ونحوهما في عقدين مرتبين وجُهل السابق (لم يدخل بهما) وطلقهما، أو فَسَخَ الحاكم نكاحهما (فعليه لإحداهما نصف المهر) لأن نكاح واحدة منهما صحيح، وقد فارقها قبل الدخول (يقترعان عليه) فتأخذه من خرجت لها القُرعة (وله أن يعقد على إحداهما في الحال بعد فراق الأخرى) قبل الدخول بها؛ لأنه لا عدة،
стр. 5284
وسواء فعل ذلك بقُرعة أو لا.
(وإن كان دخل بإحداهما) دون الأخرى ثم طلَّقهما، أو فسخ الحاكم نكاحهما (أُقرع بينهما، فإن وقعت القرعةُ لغير المصابة، فلها نصف المهر) لأنها زوجة فارقها قبل الدخول (وللمصابة مَهْرُ المِثل) بما استحلَّ من فَرْجها.
(وإن وقعتِ) القُرعة (للمصابة، فلا شيء للأخرى، وللمصابة المُسمَّى جميعه) لتقرره بالدخول.
(وله نكاح من شاء منهما، فإن نكح المصابةَ، فله ذلك في الحال) لأنها معتدة منه من وطء يلحق فيه النسب، أشبه المبانة منه من نكاح صحيح.
(وإن أراد نكاح الأخرى) التي لم يصبها (لم يجز) له نكاحها (حتى تنقضي عدة المصابة) لئلا بجمع ماءَه في رحم نحو أختين.
(وإن كان دخل بهما، وأصابهما، فلإحداهما المُسمَّى، وللأخرى مهر المِثل، يقرع بينهما) لتتميز من تأخذ المُسمَّى، ممن تأخذ مهر المِثل، إن تفاوتا.
(وليس له نكاح واحدة منهما حتى تنقضي عِدَّة الأخرى) لما تقدم.
(وإن ولدت منه إحداهما) لَحِقَهُ النسب (أو) ولدت منه (كلتاهما، فالنسب لاحقٌ به) لأنه إما من نكاح؛ أو شُبهة نكاح.
(ولا يحرم الجمع بين أخت رجل من أبيه وأخته من أُمه، ولو في عقد واحد) لأنه لو كانت إحداهما ذكرًا، حلت له الأخرى، فإن ولد لهما ولد، فالرجل عمه وخاله.
(ولا) يحرم الجمع أيضًا (بين من كانت زوجة رجل) وبانت منه
стр. 5285
بموت أو طلاق ونحوه (و) بين (ابنته من غيرها) لأنه - وإن حرمت إحداهما على الأخرى - لو قدرناها ذكرًا، لم يكن تحريمها إلا من أجل المصاهرة؛ لأنه لا قرابة بينهما.
(ويُكره) للرجل أن يجمع (بين بنتي عَمَّيه، أو) بنتي (عمَّتيه، أو بنتي خاليه، أو بنتي خالتيه، أو) يجمع بين (بنت عَمِّه وبنت عَمَّته، أو) يجمع بين بنت خاله وبنت خالته) لما روى أبو حفص، عن عيسى بن طلحة قال: "نهى رسول الله ﷺ أنْ تُزوَّج المرأةُ على ذي قرابَتِها؛ مخَافةَ القطيعةِ" (١) أي: لإفضائه إلى قطيعة الرحم، كما تقدم (٢)، لكن لم يحرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣)؛ ولبعد القرابة، ولذلك لم يحرم نكاحها، وكانت الأجنبية أولى كما تقدم.
(ولو كان لرجلين بنتان، لكل رجل بنت، ووطئا أَمَة) لهما أو امرأة بشُبهة في طُهرٍ واحد (فأتتْ بولدٍ، وأُلحِقَ ولدُها بهما، فتزوَّج رجُل بالأَمَة وبالبنتين) أو بهما وبالمرأة (فقد تزوج أمَّ رجل وأختيه) والنكاح صحيح؛ لما تقدم في من تزوج مبانةَ شخصٍ وبنته.
стр. 5286
(وإن اشترى أختَ امرأته، أو) اشترى (عمَّتها، أو) اشترى (خالتها) من نسبٍ أو رضاع (صَحَّ) الشراء؛ لأن الملك يُراد للاستمتاع وغيره؛ ولذلك صح شراء أخته من الرضاع (ولم يحل له وطؤها) أي: التي ملكها (حتى يطلق امرأته) أو يخلعها، أو ينفسخ نكاحه لمقتض؛ ولذلك قال في "المنتهى": حتى يفارق زوجته (وتنقضي عدتها) لئلا يجمع ماءه في رحم أختين ونحوهما، وذلك حرام؛ لما تقدم (١).
(ودواعي الوطء مثله) أي: مثل الوطء، فتحرم؛ صححه في "الإنصاف"؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد.
ويجوز الجمع بينهما في الخلوة.
(وإن اشترى جاريةً ووطِئها، حَلَّ له شراء أُمِّها وأختها وعمَّتها وخالتها، كما يحلُّ له شِرَاء المعتدة والمزوَّجة) والمجوسية والمُحرَّمة لنحو رضاع.
(وإن اشترى من يحرم الجمع بينهما) من الأختين (٢) (في عقد واحد، صح) العقد، قال في "الشرح": ولا نعلم خلافًا في ذلك.
(وله وطء إحداهما) أيتهما شاء؛ لأن الأخرى لم تصر فراشًا، كما لو كان في ملكه إحداهما وحدها (وليس له الجمع بينهما في الوطء) لقوله ﷺ : "مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلا يَجمَعْ ماءَهُ في رَحِمِ أُختين" (٣).
(وأما الجمع) بين الأختين ونحوهما (في الاستمتاع بمقدمات
стр. 5287
الوطء؛ فَيُكره، ولا يَحرم؛ قاله ابن عقيل) وقال القاضي: يحرم كالوطء. وقاله ابن رجب بحثًا في القاعدة السادسة والثلاثين بعد المائة (١)، وصححه في "الإنصاف" كما جزم به المصنف آنفًا. ولو حُمِلَ كلام ابن عقيل على ما قبل وطء إحداهما، لم يعارض كلام القاضي وغيره.
(فإن وطئ) مَن ملك أختين ونحوهما (إحداهما، فليس له وطء الأخرى) لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٢) فإنه يتناول العقد والوطء جميعًا، كسائر المذكورات في الآية، يحرم وطؤهن، والعقد عليهن؛ ولأنها امرأة صارت فراشًا، فحرمت أختها، كالزوجة.
ويستمر التحريم (حتى يُحَرِّمَ الموطوءة على نفسه، بعتق، أو تزويج بعد استبرائها، أو إزالة ملكه، ولو ببيع ونحوه) كهبة (للحاجة) إلى التفريق؛ لأنه يحرم الجمع في النكاح، ويحرم التفريق، فلا بُدَّ من تقدُّم أحدهما، وكلام الصحابة والفقهاء بعمومه يقتضي هذا (قاله الشيخ (٣) وابن رجب (٤)) وجزم بمعناه في "المنتهى".
(و) حتى (يعلم) بعد البيع ونحوه (أنها ليست بحامل) قال ابن عقيل: ولا يكفي في إباحتها مجرد إزالة الملك، حتى تنقضي حيضة الاستبراء، فتكون الحيضة كالعِدَّة.
قال أبو العباس (٥): هذا القيد في كلام أحمد وعامة الأصحاب،
стр. 5288
وليس هو في كلام علي (١) وابن عمر (٢)، مع أن عليًّا لا يُجَوِّز وطء الأخت في عِدَّة أختها.
(ولا يكفي) لإباحة وطء الأخرى (استبراؤها) أي: الموطوءة (بدون زوال) الـ (ــملك) لأنه لا يؤمن عوده إليها، فيكون جامعًا بينهما.
(ولا) يكفي أيضًا (تحريمها) أي: الموطوءة بأن يقول: هي حرام عليه؛ لأن هذا يمين مكفَّرة ولو كان يحرمها، إلا أنه لعارض، متى شاء أزاله بالكفارة؛ ولأنه كالحيض والإحرام (ولا زوال ملك) عن الموطوءة (بدون استبرائـ) ـها؛ لأن الاستبراء كالعِدَّة (ولا) يكفي أيضًا (كتابتها) لأنه بسبيل من استباحتها بما لا يقف على غيرهما (ولا) يكفي أيضًا (رهنها) لأن مَنْعه من وطئها؛ لحقِّ المُرتَهِن لا لتحريمها؛ ولذلك يجوز له وطؤها بإذن المُرتَهِن؛ ولأنه بقدر على فَكِّها متى شاء (ولا) يكفي أيضًا (بيعها بشرط خيار) له؛ لأنه يقدر على استرجاعها متى شاء بفسخ البيع.
(ومثله) أي: مثل البيع بشرط خيار له في عدم الاكتفاء به (هبتُها) أي: الموطوءة (لمن يملك استرجاعها منه، كهبتِها لولده) قال في "الوجيز": فإن وطئ إحداهما، لم تحل له الأخرى حتى يُحرِّم الموطوءة
стр. 5289
بما لا يمكن أن يرفعه وحده. وجزم به ابن عبدوس في "تذكرته".
ويكفي في تحريم الموطوءة إخراجُ الملك في بعضها، كبيعٍ، أو هبة جزء منها؛ لأن ذلك يُحرِّمها، كبيع كلها، فإن: أخرج الملك لازمًا، ثم عرض له المبيح للفسخ، مثل أن يبيعها بسلعة، ثم تبين أنها كانت معيبة، أو يفلس المشتري بالثمن، أو يظهر في العوض تدليس، أو يكون مغبونًا، فالذي يجب أن يقال في هذه المواضع: أنه يُباح وَطء الأخت بكلِّ حال، على عموم كلام الصحابة (١)، والفقهاء؛ أحمد (٢) وغيره (٣)؛ قاله في "الاختيارات" (٤).
(فلو خالف) مشتري الأختين ونحوهما (ووطئَهما واحدةً بعد واحدةٍ فوطْءُ الثانية محرَّمٌ) لأنه الذي حصل به جمع مائِهِ في رَحِمهما (لا حَدَّ فيه) لشُبهة الملك (ولزمه أن يمسك عنهما، حتى يُحرِّمَ إحداهما، ويستبرِئَها) لأن الثانية صارت فراشًا له، يلحقه نسب ولدها، فحرمت عليه أختها أو نحوها، كما لو وطئها ابتداء.
واستدلال مَن قال: الأولى باقية على الحِلّ بحديث: "إنَّ الحرام لا يُحرِّم الحلال" (٥) لا يصح؛ لأن الخبر ليس بصحيح؛ قاله في "الشرح"