(وإن اشترى أختَ امرأته، أو) اشترى (عمَّتها، أو) اشترى (خالتها) من نسبٍ أو رضاع (صَحَّ) الشراء؛ لأن الملك يُراد للاستمتاع وغيره؛ ولذلك صح شراء أخته من الرضاع (ولم يحل له وطؤها) أي: التي ملكها (حتى يطلق امرأته) أو يخلعها، أو ينفسخ نكاحه لمقتض؛ ولذلك قال في "المنتهى": حتى يفارق زوجته (وتنقضي عدتها) لئلا يجمع ماءه في رحم أختين ونحوهما، وذلك حرام؛ لما تقدم (١).
(ودواعي الوطء مثله) أي: مثل الوطء، فتحرم؛ صححه في "الإنصاف"؛ لأن الوسائل لها حكم المقاصد.
ويجوز الجمع بينهما في الخلوة.
(وإن اشترى جاريةً ووطِئها، حَلَّ له شراء أُمِّها وأختها وعمَّتها وخالتها، كما يحلُّ له شِرَاء المعتدة والمزوَّجة) والمجوسية والمُحرَّمة لنحو رضاع.
(وإن اشترى من يحرم الجمع بينهما) من الأختين (٢) (في عقد واحد، صح) العقد، قال في "الشرح": ولا نعلم خلافًا في ذلك.
(وله وطء إحداهما) أيتهما شاء؛ لأن الأخرى لم تصر فراشًا، كما لو كان في ملكه إحداهما وحدها (وليس له الجمع بينهما في الوطء) لقوله ﷺ : "مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلا يَجمَعْ ماءَهُ في رَحِمِ أُختين" (٣).
(وأما الجمع) بين الأختين ونحوهما (في الاستمتاع بمقدمات
стр. 5287
الوطء؛ فَيُكره، ولا يَحرم؛ قاله ابن عقيل) وقال القاضي: يحرم كالوطء. وقاله ابن رجب بحثًا في القاعدة السادسة والثلاثين بعد المائة (١)، وصححه في "الإنصاف" كما جزم به المصنف آنفًا. ولو حُمِلَ كلام ابن عقيل على ما قبل وطء إحداهما، لم يعارض كلام القاضي وغيره.
(فإن وطئ) مَن ملك أختين ونحوهما (إحداهما، فليس له وطء الأخرى) لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٢) فإنه يتناول العقد والوطء جميعًا، كسائر المذكورات في الآية، يحرم وطؤهن، والعقد عليهن؛ ولأنها امرأة صارت فراشًا، فحرمت أختها، كالزوجة.
ويستمر التحريم (حتى يُحَرِّمَ الموطوءة على نفسه، بعتق، أو تزويج بعد استبرائها، أو إزالة ملكه، ولو ببيع ونحوه) كهبة (للحاجة) إلى التفريق؛ لأنه يحرم الجمع في النكاح، ويحرم التفريق، فلا بُدَّ من تقدُّم أحدهما، وكلام الصحابة والفقهاء بعمومه يقتضي هذا (قاله الشيخ (٣) وابن رجب (٤)) وجزم بمعناه في "المنتهى".
(و) حتى (يعلم) بعد البيع ونحوه (أنها ليست بحامل) قال ابن عقيل: ولا يكفي في إباحتها مجرد إزالة الملك، حتى تنقضي حيضة الاستبراء، فتكون الحيضة كالعِدَّة.
قال أبو العباس (٥): هذا القيد في كلام أحمد وعامة الأصحاب،
стр. 5288
وليس هو في كلام علي (١) وابن عمر (٢)، مع أن عليًّا لا يُجَوِّز وطء الأخت في عِدَّة أختها.
(ولا يكفي) لإباحة وطء الأخرى (استبراؤها) أي: الموطوءة (بدون زوال) الـ (ــملك) لأنه لا يؤمن عوده إليها، فيكون جامعًا بينهما.
(ولا) يكفي أيضًا (تحريمها) أي: الموطوءة بأن يقول: هي حرام عليه؛ لأن هذا يمين مكفَّرة ولو كان يحرمها، إلا أنه لعارض، متى شاء أزاله بالكفارة؛ ولأنه كالحيض والإحرام (ولا زوال ملك) عن الموطوءة (بدون استبرائـ) ـها؛ لأن الاستبراء كالعِدَّة (ولا) يكفي أيضًا (كتابتها) لأنه بسبيل من استباحتها بما لا يقف على غيرهما (ولا) يكفي أيضًا (رهنها) لأن مَنْعه من وطئها؛ لحقِّ المُرتَهِن لا لتحريمها؛ ولذلك يجوز له وطؤها بإذن المُرتَهِن؛ ولأنه بقدر على فَكِّها متى شاء (ولا) يكفي أيضًا (بيعها بشرط خيار) له؛ لأنه يقدر على استرجاعها متى شاء بفسخ البيع.
(ومثله) أي: مثل البيع بشرط خيار له في عدم الاكتفاء به (هبتُها) أي: الموطوءة (لمن يملك استرجاعها منه، كهبتِها لولده) قال في "الوجيز": فإن وطئ إحداهما، لم تحل له الأخرى حتى يُحرِّم الموطوءة
стр. 5289
بما لا يمكن أن يرفعه وحده. وجزم به ابن عبدوس في "تذكرته".
ويكفي في تحريم الموطوءة إخراجُ الملك في بعضها، كبيعٍ، أو هبة جزء منها؛ لأن ذلك يُحرِّمها، كبيع كلها، فإن: أخرج الملك لازمًا، ثم عرض له المبيح للفسخ، مثل أن يبيعها بسلعة، ثم تبين أنها كانت معيبة، أو يفلس المشتري بالثمن، أو يظهر في العوض تدليس، أو يكون مغبونًا، فالذي يجب أن يقال في هذه المواضع: أنه يُباح وَطء الأخت بكلِّ حال، على عموم كلام الصحابة (١)، والفقهاء؛ أحمد (٢) وغيره (٣)؛ قاله في "الاختيارات" (٤).
(فلو خالف) مشتري الأختين ونحوهما (ووطئَهما واحدةً بعد واحدةٍ فوطْءُ الثانية محرَّمٌ) لأنه الذي حصل به جمع مائِهِ في رَحِمهما (لا حَدَّ فيه) لشُبهة الملك (ولزمه أن يمسك عنهما، حتى يُحرِّمَ إحداهما، ويستبرِئَها) لأن الثانية صارت فراشًا له، يلحقه نسب ولدها، فحرمت عليه أختها أو نحوها، كما لو وطئها ابتداء.
واستدلال مَن قال: الأولى باقية على الحِلّ بحديث: "إنَّ الحرام لا يُحرِّم الحلال" (٥) لا يصح؛ لأن الخبر ليس بصحيح؛ قاله في "الشرح"
و"شرح المنتهى". ويَرِدُ عليه: إذا وطئ الأولى وطئًا مُحرَّمًا - كفي حيض أو إحرام أو صوم فرض - فإن أختها تحرم عليه بذلك.
(فإن عادت) التي أخرجها عن ملكه (إلى ملكه، ولو) كان عودها إليه (قبل وطء الباقية، لم يصب واحدة منهما حتى يحرم الأخرى) لما تقدم.
(قال ابن نصر الله: هذا إن لم يجب استبراء) كما لو كان زوجها، فطلَّقها الزوج قبل الدخول، فَيَكُفُّ عنها وعن الأخرى، حتى يُحَرِّمَ واحدةً منهما.
(فإن وجب) الاستبراء؛ بأن باعها، أو وهبها، ثم عادت إليه (لم يلزمه تَرْك أختها) أو نحوها (فيه) أي: في زمن الاستبراء؛ لأنها مُحرَّمة عليه زمنه بما لا يقدر على رفعه (١). قال في "المبدع" و"التنقيح": (وهو حسن). وقال الشيخ تقي الدين في "المسودة" (٢): وقد نص (٣) على أنها إذا رجعت إليه بعد خروجها عن ملكه لا تحل له إحداهما مع تعين الاستبراء، قال: لكن قال القاضي حسين: القياس يقتضي الاكتفاء بالاستبراء.
(وإن وطئ أمَته، ثم تزوَّج أختها) أو عمَّتها، أو خالتها ونحوها (لم يصح) النكاح؛ لأن عقد النكاح تصير به المرأة فراشًا، فلم يجز أن يرد على فراش الأخت، كالوطء؛ ولأن وطء مملوكته معنى يُحَرِّم
стр. 5292
أختها؛ لعلَّة الجمع، فَمَنَعَ صحة النكاح، كالزوجية، ويفارق ذلك صحة شراء أختها، فإن الشراء يكون للوطء وغيره، بخلاف النكاح.
(فإن حَرُمت عليه) سُرِّيَّته بإخراج عن ملكه - كما تقدم - (ثم تزوَّج الأخت) أو نحوها (بعد استبرائها؛ صح) النكاح؛ لزوال كونها فراشًا له.
(فإن رجعت إليه الأمَة، فالزوجية بحالها) لأنها أقوى، قال الموفَّق والشارح: (وحِلُّها) أي: من حيث الزوجية (باقٍ) لقوَّة الزوجية (ولم يطأ واحدةً منهما حتى تَحْرُمَ عليه الأخرى) كما تقدم. وهذا لا يُنافي قوله: "وحِلُّها باق"؛ لأن التحريم العارض لا يرفع الزوجية، فلا يرفع أثرها، كالزوجة الحائض. ومقتضى كلام ابن نصر الله فيما سبق أنه يطأ الزوجة هنا، حتى تستبرأ الأمَة إن لزمها استبراء.
(وإن أعتق سُرِّيَّته، ثم تزوَّج أختها) أو عمَّتها ونحوها (قبل فراغ مدة استبرائها؛ لم يصح) النكاح (أيضًا) لأنه يجمع به ماءه في رحم أختين ونحوهما، وكما لو تزوجها في عدة أختها.
(وله) أي: لمعتق سُرِّيَّته زمن استبرائها (نِكاح أربع سواها) أي: سوى أخت سُرِّيَّته، كما لو لم يعتقها.
(وإن اشترى) رجلٌ (أُختين: مسلِمةً ومجوسيةً) أو وثنيةً، أو محرَّمةً عليه، لنحو رضاع (فله وَطءُ المسلِمةِ) التي لا مانع بها، بخلاف الأخرى.
(وإن وطئ) من يطأ مثله (امرأةً بشُبهة، أو) بـ (ــزنىً؛ لم يجز) له (في العدة) أي: عدة موطوءته بشُبهة أو زنىً (أن يتزوَّج أختها) أو عمَّتها ونحوها (ولا) أن (يطأها) أي: أخت موطوءته (إن كانت) أُختها (زوجةً)
стр. 5293
له (نصًّا (١)) لقوله ﷺ : "لا يحلُّ لمن كان يؤمنُ بالله واليومِ الآخر أنْ يجمعَ ماءَهُ في رَحِم أُخْتينِ" (٢).
(ولا) يجوز لمن وطئ امرأةً بشُبهة أو زنىً أن (يعقد على رابعة) ما دامت في العدة.
(و) إذا (٣) كان متزوجًا بأربع ووطئ امرأة بشُبهة أو زنىً، فإنه (لا) يجوز له أن (يطأها) أي: الرابعة من نسائه.
فإذا وطئ ثلاثًا منهنَّ، وجب عليه الإمساك عن الرابعة حتى تنقضي عدة الموطوءة بشُبهة أو زنىً؛ لئلا يجمع ماءه في أكثر من أربع نسوة.
(ولا يُمنع) حُرٌّ (من نكاح أمَةٍ في عدة حُرَّة بائن بشرطَيه) وهما: أن يكون عادم الطَّوْل، خائف العَنَت، ويأتي توضيحه؛ لأن المنع من نكاح الأخت في عدة أختها، ومن نكاح خامسة في العدة؛ لئلا يكون جامعًا لمائه في رحم أختين أو أكثر من أربع، لا لكونها زوجة، كما يعلم مما تقدم.
والمنع من نكاح الأمَة إنما هو مع عدم الحاجة إليه، والحاجة لا تندفع بالبائن، بل الزوجة التي لا تعفّه لا تمنعه من نكاح الأمَة، كما يأتي (وتقدم لو اشتبهت أُخْتُهُ بأجنبيةٍ) أو أجنبيات (في آخر كتاب الطهارة (٤)) عند الكلام على اشتباه المياه المباحة بالمحرَّمة أو النجسة.
стр. 5294
(ويحرمُ نِكاحُ موطوءةٍ بشُبهةٍ في العِدَّة) كمعتدَّة من فراق زوج (إلا على واطئ) لها بالشُّبهة، فله العقد عليها في عِدتها (إن لم تكن لزمتها عِدَّة من غيره) لأن المنع من نكاح المعتدَّة؛ لكونه يُفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وهو مأمون في هذه الصورة، فإن النسب كما يلحق في النكاح؛ يلحقه (١) في وطء الشُّبهة، أشبه ما لو نكح معتدته من طلاق.
(و ليس للحُرِّ أن يجمع بين أكثر من أربع) زوجات ؛ لقوله ﷺ لغيلان بن سَلَمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: "أمسِكْ أربعًا، وفارِقْ سائرَهُنَّ" (٢)، وقال نوفل بن معاوية: "أسلمتُ وتحتي خمسُ نسوةٍ،
فقال النبيُّ ﷺ : "فارِقْ واحدةً منهنَّ" رواهما الشافعي في "مسنده" (١).
وإذا مُنِعَ من استدامة زيادة على أربع، فالابتداء أولى، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ
стр. 5297
وَرُبَاعَ﴾ (١) أُريد به التخيير بين اثنتين، وثلاث، وأربع، كما قال : ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) ولم يُرِد أن لكلٍّ تسعةَ أجنحة، ولو أراد ذلك لقال: تسعةً (٣)، ولم يكن للتطويل معنىً، ومَن قال غير ذلك، فقد جهل اللغة العربية.
(ولا للمرأة أن تتزوج أكثرَ من رَجُلٍ) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٤).
(وله) أي: الرجل (التسرِّي بما شاء من الإماء، ولو) كُنَّ (كتابيات، من غير حَصْر) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٥)؛ ولأن القسم بينهن غير واجب، فلم ينحصرن في عدد.
(وكان للنبيِّ ﷺ أن يتزوَّج بأي عددٍ شاء) ومات عن تسع، وتقدم (٦) (ونُسِخَ تحريمُ المنع) من التزوُّج عليهن بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٧) الآية.
(ولا للعبد أن يتزوَّج أكثر من اثنتين) لقول عمر (٨)
стр. 5298
وعلي (١) وعبد الرحمن بن عوف (٢) ﵃. وقد روى ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن قتيبة (٣) أنه قال: "أجمع أصحاب رسول الله ﷺ أنَّ العبدَ لا يَنْكِحُ أكثرَ من ثْنتين" (٤). ويقويه ما روى الإمام أحمد بإسناده عن محمد بن سيرين: "أنَّ عمرَ سأل الناس: كم يتزوَّج العبدُ؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: اثنتينِ، وطلاقُه اثنتينِ" (٥)، وكان ذلك بمحضر من الصحابة وغيرهم، فلم يُنكر (٦)، وهذا يخص عموم الآية، مع أن فيها ما يدلُّ على إرادة الأحرار، وهو قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ
стр. 5299
أَيْمَانُكُمْ﴾ (١)؛ ولأن النكاح مبني على التفضيل؛ ولهذا فارق النبي ﷺ فيه أُمَّته.
(وليس له) أي: العبد (التَّسرِّي) ولو أذنه سيده؛ لأنه لا يملك (ويأتي في نفقة المماليك).
ولمن نصفه حُرٌّ فأكثر) من نصفه (نكاح ثلاث) نسوة (نصًّا (٢)) (٣)، فإن ملك بجزئه الحر جارية، فملكه تام، وله الوطء بغير إذن سيده؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤)؛ ذكره في "الكافي".
وفي "الفنون": قال فقيهٌ: شهوة المرأة فوق شهوة الرجل بتسعة أجزاء. فقال حنبليٌّ: لو كان هذا، ما كان له أن يتزوج بأربع وينكح من الإماء ما شاء، ولا تزيد امرأة على رجل، ولها من القسم الربع، وحاشى حكمته أن يُضيّق (٥) على الأحوج؟
وذكر ابن عبد البر (٦) عن أبي هريرة - وبعضهم يرفعه -: "فُضِّلَت المرأةُ على الرجل بتسعة وتسعين جزءًا من اللذة - أو قال: من الشهوة - لكن الله ألقى عليهنَّ الحياء" (٧).
стр. 5300
(ومن طَلَّق واحدة من نهاية جَمْعِهِ) بأن طَلَّق الحر واحدة من أربع، أو العبد واحدة من ثنتين، أو المبعَّض واحدة من ثلاث (لم يجز له أن يتزوَّج أخرى حتى تنقضي عدتها، ولو كان الطلاق بائنًا) لأن المعتدة في حكم الزوجة؛ لأن العدة أثر النكاح، فكأنه باق، فلو جاز له أن يتزوج غيرها، لكان جامعًا بين أكثر ممن يُباح له.
(وإن ماتت) واحدة من نهاية جَمْعِهِ (جاز) له أن يتزوَّج بَدَلها (في الحال؛ نصًّا (١)) لأنه لم يبقَ لنكاحها أثر.
(فلو) طَلَّق واحدة من نهاية جَمْعِهِ، ثم (قال: أخبرتني بانقضاء عدتها، في مدة يجوز) أي: يمكن (انقضاؤها فيها، فكذَّبته) لم يُقبل قولها عليه في عدم جواز نِكاحه غيرها؛ لأنه لا حَقَّ لها في هذه الدعوى، وإنما الحقُّ في ذلك لله تعالى؛ ولأنها مُتَّهمة في ذلك بإرادة منعه نكاح غيرها، إذا تقرَّر ذلك (فله نِكاح أختها، و) له نكاح (بدلها) وإن كانت من نهاية جَمْعِهِ (في الظاهر).
стр. 5301
قلت: وأما في الباطن: فليس له ذلك إن كان كاذبًا، أو لم يغلب على ظنه انقضاء عدتها.
(ولا تسقط السُّكنى والنفقة) عنه بدعواه إخبارها بانقضاء عدتها مع إنكارها؛ لحديث: "ولكن اليمين على مَنْ أنكر" (١).
(و) لا يسقط أيضًا (نسب الولد) إذا أتت به المطلَّقة لفوق أربع سنين، ما لم يثبت إقرارها بانقضاء عدتها بالقروء، ثم تأتي به لأكثر من ستة أشهر بعدها؛ لأن إقرار المُطلِّق لا يُقبل عليها.
(وتسقُطُ الرجعة) أي: لو كان الطلاق رجعيًا، وقال: أخبرتني بانقضاء عدتها، فأنكرته، فأراد رجعتها، لم يملك ذلك؛ مؤاخذةً له بمقتضى إقراره.
فصل
(في) بيان النوع الثاني من المُحَرَّمات (٢)، وهنّ (المُحَرَّمات لعارض يزول:
تَحرُم عليه زوجةُ غيره) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣).
(و) تَحرُم - أيضًا - عليه (المُعتدَّةُ) من غيره؛ لقوله: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٤).
(و) تحرم - أيضًا - (المُستبرَأةُ منه) أي: من غيره؛ لأن تزوّجها زمن
стр. 5302
استبرائها يُفضي إلى اختلاط المياه، واشتباه الأنساب، وسواء في ذلك المُعتَّدة والمُستبرَأة (من وَطْءٍ مباح، أو مُحَرَّم) كشبهة وزنىً (أو من غير وَطْءٍ) كالمتوفَّي عنها زوجها قبل الدخول؛ لعموم ما تقدم.
(و) كذا (المُرتابة بعد العِدَّة بالحَمْل) لا يصح نكاحها لغيره حتى تزول الريبة، ويأتي في العِدد.
(وتحرم الزانية - إذا عُلِم زناها - على الزاني وغيره، حتى تتوب، وتنقضي عدتها) لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ (١) وهو خبر معناه النهي؛ ولمفهوم قوله تعالى: ﴿والْمُحْصَّنَاتِ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢) وهن العفائف؛ ولقوله ﷺ يوم حنين: "لا يحلُّ لامرئٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءَهُ زرعَ غيره" يعني إتيان الحبالى؛ رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه (٣).
(فإن كانت) الزانية (حاملًا منه) أي: من الزنى (لم يحل نكاحها
стр. 5303
قبل الوضع) لما سبق.
(وتوبتها) أي: الزانية (أن تُراود عليه) أي: الزنى (فتمتنع) منه؛ لِمَا رُويَ: "أنه قيل لعمرَ: كيف تُعرف توبتُها؟ قال: يريدها على ذلك، فإن طاوعتْه فلم تتُبْ، وإنْ أبَتْ فقد تابت" (١)، فصار أحمد (٢) إلى قول عمر اتباعًا له. قال في "الاختيارات" (٣): وعلى هذا: كل من أراد مخالطة إنسان امتحنه، حتى يعرف بِرَّه أو فجوره أو توبته، ويسأل عن ذلك من يعرفه.
(وقيل: توبتها) أي: الزانية (كتوبة غيرها) ندم، وإقلاع، وعزم على ألّا تعود (من غير مراودة؛ اختاره الموفَّق وغيره) وقال: لا ينبغي امتحانها بطلب الزنى منها بحال، وقدَّمه في "الفروع".
(فإذا تابت) من الزنى، وانقضت عدتها (حَلَّ نِكاحها للزاني وغيره) عند أكثر أهل العلم، منهم أبو بكر (٤)، وعمر (٥)،
стр. 5304
وابنه (١)، وابن عباس (٢)، وجابر (٣).
وروي عن ابن مسعود (٤)، والبراء بن عازب (٥)، وعائشة (٦) أنها لا
стр. 5305
تَحِلُّ للزَّانِي بحَال، فيحتمل أنهم أرادوا بذلك ما قَبْل التوبة، أو قبل استبرائها، فيكون كقولنا.
(ولا تشترط (١)) لصحة نكاحها (توبة الزاني بها، إذا نكحها) أي: إذا أراد أن ينكح الزانية، كالزاني بغيرها.
(وإن زنت امرأة) قبل الدخول أو بعده؛ لم ينفسخ النكاح (أو) زنى (رجل قبل الدخول) بزوجته (أو بعده؛ لم ينفسخ النكاح) بالزنى، لأنه معصية لا تُخْرِجُ عن الإسلام، أشبه السرقة، لكن لا يطؤها حتى تَعتدَّ، إذا كانت هي الزانية، ويأتي.
واستحبَّ أحمدُ للزوج مفارقة امرأته إذا زنت، وقال: لا أرى أن يُمسِكَ مثل هذه؛ لأنه لا يأمن أن تُفسِد فراشه، وتُلْحِقَ به ولدًا ليس منه (٢).
وإن زنى بأخت زوجته، لم يطأ زوجته حتى تنقضي عدة أختها، وإن زنى بأم زوجته أو بنتها، انفسخ النكاح.
(ولا يطأ الرجل أمَته، إذا عَلِمَ منها فُجورًا) أي: زنىً، حتى تتوب، ويستبرئها؛ خشية أن تُلْحِقَ به ولدًا ليس منه، قال ابن مسعود: أكره أن أطأ أمَتي وقد بغت (٣).
(وتحرم مطلَّقته ثلاثًا) بكلمة أو كلمات (حتى تنكِحَ زوجًا غيره) نكاحًا صحيحًا، ويطؤها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
стр. 5306
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (١)؛ ولقوله ﷺ لامرأة رفاعة لما أن أرادت أن ترجع إليه بعد أن طلقها ثلاثًا، وتزوجت بعبد الرحمن بن الزُّبَير: "لا، حتى تذوقي عُسَيْلتَهُ" (٢) (ويأتي في الرجعة بأبسط من هذا.
وتحرم المُحرِمة حتى تَحِلَّ) لحديث مسلم: "لا يَنكِحُ المُحرِمُ ولا يُنكِح، ولا يَخطب" (٣)، (وتقدم (٤) في محظورات الإحرام) بأوسع من هذا.
(ولا يَحِلُّ لمسلمة نكاحُ كافرٍ بحال) حتى يُسلِم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ (٥) وقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٦).
(ولا) يحل (لمسلمٍ - ولو) كان (عبدًا - نكاح كافرة) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٧)، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٨) (إلا حرائر نساء أهل الكتاب، ولو) كُنَّ (حَربيات)
стр. 5307
لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١).
ولا يَحِلّ لمسلم - ولو عبدًا - نكاح أمَة كتابية؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٢)؛ ولئلا يؤدِّي إلى استرقاق الكافر ولدها المسلم.
(والأَولى ألَّا يتزوَّج من نسائهم. وقال الشيخ (٣): يُكره) أي: مع وجود الحرائر المسلمات.
قال في "الاختيارات" (٤): (٥) وقاله القاضي وأكثر العلماء؛ لقول عمر للذين تزوجوا من نساء أهل الكتاب: "طلِّقوهنَّ" (٦). و (كـ) ــأكل (ذبائحهم بلا حاجة) تدعو إليه.
(ومُنع النبي ﷺ من نكاح كتابية، و) مُنع - أيضًا - (من نكاح أمَة مطلقًا) أي: مسلمة كانت أو كتابية، وتقدم (٧) في الخصائص موضحًا.
(وأهل الكتاب هم أهل التوراة والإنجيل) لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (٨) (كاليهود، والسامرة) فرقة من اليهود (والنصارى ومن وافقهم من الإفرنج والأرمن وغيرهم.
فأما المتمسِّك من الكفار بِصُحُفِ إبراهيم وشِيث، وزبور داود،
стр. 5308
فليسوا بأهل كتاب) للآية السابقة؛ ولأن تلك الكتب ليست بشرائع، إنما هي مواعظ وأمثال، فـ (ـــلا تحِلّ مناكحتهم ولا ذبائحهم كالمجوس وأهل الأوثان، وكمن أحد أبويها غير كتابي، ولو اختارت دين أهل الكتاب) لأنها لم تتمحض كتابية؛ ولأنها متولدة بين من يحل وبين من لا يحل، فلم تحل كالسِّمْع (١)، والبغل.
وعُلِم منه: أنه لو كان أبواها غير كتابيين، واختارت دين أهل الكتاب؛ لم تحلَّ لمسلم. قال في "الإنصاف" و"المبدع": وهو المذهب. وقدَّمه في "الفروع". وقيل: تحل اعتبارًا بنفسها؛ اختاره الشيخ تقي الدين (٢)، وقطع به المُصنِّف في أواخر أحكام الذمة (٣).
(و) يحِلُّ (لكتابي نِكاح مجوسيَّة، و) يحِل للكتابي - أيضًا - (وطؤها) أي: المجوسية (بملك يمين) كالمسلم ينكح الكتابية، ويطؤها بملك اليمين.
(ولا) يحِلُّ (لمجوسي) نِكاح (كتابية؛ نصًّا (٤)) لأنها أشرف منه، فإن مَلَكها، فله وطؤها على الصحيح؛ قَدَّمه في "الرعايتين"؛ قاله في "الإنصاف".
(وتحِلُّ نساءُ بني تغلبَ، ومَن في معناهُنَّ مِن نصارى العرب، و) من (يهودِهم) لأنهنَّ كتابيات، فيدخلن في عموم الآية.
стр. 5309
(والدُّروزُ، والنُّصَيْريَّة، والتيامنة (١)) فرق بجبل الشوف وكسروان، لهم أحوال شنيعة، وظهرت لهم شوكة أزالها الله تعالى (لا تحل ذبائحهم، ولا) يحل (نكاح نسائهم، ولا أن يُنكِحهم المسلمُ وليَّته) قلت: حكمهم كالمرتدّين (٢).
(والمرتدّة يحرم نكاحها على أيِّ دين كانت) عليه، وإن تدينت بدين أهل الكتاب؛ لأنها لا تُقرّ على دينها.
(ولا يحل لحرٍّ مسلم - ولو) كان (خصيًّا أو مجبوبًا، إذا كان له شهوة يخاف معها مواقعة المحظور بالمباشرة - نكاحُ أمَة مسلمة، إلا أن يخاف) الحُرُّ (عَنَتَ العزوبة، إما لحاجة متعة، وإما لحاجة خدمة، لكبر أو سقم ونحوهما، نصًّا (٣)، ولا يجد طَوْلًا لنكاح حُرّةٍ، ولو) كانت (كتابية، بألّا يكون معه مال حاضر يكفي لنكاحها، ولا يقدر على ثمن أمَة ولو كتابية؛ فتحل) له الأمة إذًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (٤) هذا إن لم تجب نفقته على غيره، فإن وجبت، لم يجز له أن يتزوج أمَة؛ لأن المنفق يتحمل ذلك عنه فيُعِفُّه بحرّة.
стр. 5310
وإن قدر على ثمن أمَة، لم يتزوَّج أمَة؛ قاله كثير من الأصحاب منهم القاضي في "المجرد"، وابن عقيل، وأبو الخطاب في "الهداية"، والمجد في "المحرّر"، وصاحب "المذهب"، و"مسبوك الذهب"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"النظم"، و"الشرح"، و"الحاوي الصغير"، و"الوجيز" وغيرهم، واختاره ابن عبدوس في "تذكرته". قال في "الرعاية": وهو أظهر، وظاهر كلام الخرقي عدم اشتراطه، وهو ظاهر إطلاق القاضي في "تعليقه"، وطائفة من الأصحاب، وقَدَّمه في "الرعايتين" و"الفروع"، وجزم به في "المنور"؛ قاله في "الإنصاف"، وقدَّم الثاني في "التنقيح"، وقطع به في "المنتهى"، وهو ظاهر الآية.
(والصبر عنها) أي: عن نِكاح الأمة (مع ذلك) أي: مع وجود ما تقدم اعتباره (خير وأفضل) لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١).
(وله) أي: للحر (فِعلُ ذلك) أي: تزوج الأَمَة بالشرطين المذكورين (مع صغر زوجته الحرّة، أو) مع (غيبتها، أو) مع (مرضها) بحيث تعجز به عن الخدمة؛ لأن الحرة التي لا تعفّه كالعدم (أو كان له مال ولكن لم يُزَوَّج) حرّة (لقصور نسبه) فله نكاح الأَمة؛ لأنه غير مستطيع الطَّوْل إلى حرّة (٢) (أو له مال غائب) فله أن يتزوَّج الأَمة (بشرطه) وهو خوف العنت؛ لأنه غير مستطيع الطَّوْل لنكاح الحرّة.
(فإن وَجَدَ من يُقرِضه) ما يتزوَّج به حرّة؛ لم يلزمه؛ لأن المقرض يطالبه به في الحال (أو رضيت الحرّة بتأخير صداقها) لم يلزمه؛ لأنها
стр. 5311
تطالبه (١) (أو) رضيت الحرّة (بدون مهر مِثلها، أو) رضيت بـ (ـــتفويض بُضْعها) لم يلزمه؛ لأن لها طلب فرضه (أو بذل له باذل أن يزنه) أي: الصداق (عنه، أو أن يهبه) له؛ لم يلزمه؛ لما فيه من المِنّة (أو لم يجد من يُزَوِّجه إلا بأكثر من مهر المِثْل بزيادة تُجحِف بماله؛ لم يلزمه) أن يتزوج الحرّة، وجاز له أن يتزوج الأمَة حيث خاف العنت؛ لأنه لم يستطع طَوْلًا لنكاح حرّة بلا ضرر عليه.
(والقول قوله في خشية العَنَت، و) في (عدم الطَّوْل) لأنه أدرى بحال نفسه (حتى لو كان في يده مال، فادَّعى أنه وديعة، أو) أنه (مضاربة؛ قُبِلَ قوله) لأنه ممكن. قلت: بلا يمين؛ لعدم الخصم.
(ونكاح مَنْ بعضها حرٌّ) مع وجود الشرطين (أولى من) نكاح (أَمَة) لأن استرقاق بعض الولد أخف من استرقاق كلّه.
(ومتى تزوَّج أمَة، ثم ذكر أنه كان موسرًا) لنكاح حرّة (حال النكاح، أو) ذكر أنه (لم يكن يخشى العَنَت؛ فُرِّق بينهما) لاعترافه بفساد نكاحه.
(فإن كان) إقراره بذلك (قبل الدخول، وصدَّقه السيّد؛ فلا مهر) لاتفاقهما علي بطلان النكاح.
(وإن أكذبه) السيّد في ذكره أنه كان موسرًا، أو لم يخشَ العنت (فله) أي: السيّد (نصفه) أي: المهر؛ لأن إقراره غير مقبول على السيّد في إسقاطه.
(وإن كان) إقراره بذلك (بعد الدخول، فعليه المُسمّى جميعه) بما استحلَّ من فَرْجها.
стр. 5312
فإن كان مهر المِثْل أكثر من المُسمّى؛ لزمه؛ لإقراره به، وإن كان المُسمّى أكثر؛ وجب للسيّد (١).
(وإذا تزوّج الأمة وفيه الشرطان) بأن كان عادم الطَّوْل، خائف العنت (ثم أيسر، أو نكح حرّة، أو زال خوف العَنَت، أو نحوه) كما لو تزوجها لغيبة زوجته فحضرت، أو لصغرها فكبرت، أو لمرضها فعوفيت (لم يبطل نكاحها) أي: الأمة؛ لأن استدامة النكاح تخالف ابتداءه، بدليل أن العِدَّة والرِّدَّة يمنعان ابتداءه دون استدامته؛ ولما رُوي عن عليّ أنه قال: "إذا تزوَّج الحُرّة على الأمةِ، قَسَمَ للحُرّةِ ليلتين، وللأمةِ ليلةً" (٢).
(وإن تزوج) الحُرُّ (حرَّة فلم تُعِفَّه، ولم يجد طَوْلًا لحرّة أخرى؛ جاز له نِكاح أَمة) لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ (٣) الآية. قال أحمد: إذا لم يصبر كيف يصنع؟! (٤).
(ولو جمع بينهما) أي: بين حرَّة لا تعفّه، وأَمة بشرطه (في عقد واحد) صحّ، كما لو كانا في عقدين.
(وكذا لو تزوَّج أَمة، فلم تعفَّه؛ ساغ له نكاح ثانية، ثم) إن لم
стр. 5313
تُعِفَّاه؛ ساغ له نكاح (ثالثة، ثم) إن لم يُعفِفْنَه ساغ له نكاح (رابعة، ولو في عقد واحد، إذا علم أنه لا يعفّه إلا ذلك) لما سبق.
(وكتابي حُرّ في ذلك) أي: في تزوّج الأَمة (كمسلم) فلا يحل له نكاح الأمة إلا بالشرطين.
(وولد الجميع) من مسلم أو كتابي (منهنَّ) أي: الإماء (رقيق للسيِّد) تبعًا لأُمِّه (إلا أن يشترط الزوج على مالكها حريته) أي: الولد (فيكون) ولده (حرًّا؛ قاله في "الروضة"، وابن القيم (١)) لقوله ﷺ : "المسلمونَ على شروطهم، إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا" (٢)؛ ولقول عمر: "مقاطعُ الحقوق عند الشروط" (٣)؛ ولأن هذا لا يمنع المقصود من النكاح، فكان لازمًا، كشرط سيّدها زيادة في مهرها.
"تنبيه": في قوله في "شرح المنتهى": "على مالكها" إيماء إلى أن ناظر الوقف ووليّ اليتيم ونحوه ليس للزوج اشتراط حرية الولد عليه؛ لأنه ليس بمالك، وإنما يتصرف للغير بما فيه حظ، وليس ذلك من مقتضى العقد، فلا أثر لاشتراطه.
(ولعبد) نكاح أمَة (و) لـ (ـــمُدبَّر) نكاح أمَة (و) لـ (ـــمُكاتَبٍ) نكاح أمَة (و) لـ (ـــمُعْتَقٍ بعضه نكاح أمَة، ولو فُقِدَ فيه الشرطان، ولو على حرَّة) لأنها تساويه.
стр. 5314
(وإن جمع) العبد أو المُدَبَّرُ ونحوه (بينهما) أي: بين حُرَّة وأمَة (في عقد واحد؛ صحَّ) العقد فيهما، كما لو عقد عليهما في عقدين.
(وليس له) أي: للعبد (نكاح سيّدته) المالكة له، أو لبعضه؛ لأن أحكام النكاح والملك تتناقض، إذ ملكها إياه يقتضي وجوب نفقته عليها، وأن يكون بحكمها، ونكاحه إياها يقتضي عكس ذلك؛ ولما روى الأثرم، بإسناده عن جابر قال: "جاءت امرأةٌ إلى عمرَ بن الخطاب، ونحن بالجابية، وقد نكحَتْ عبدَها، فانتهرها عمرُ، وهَمَّ أن يَرجمَها، وقال: لا يحلُّ لكِ (١) " (٢).
(ولا) يصحّ من العبد أن يتزوَّج (أمَّ سيّده، أو) أم (سيِّدته) لما سيأتي من أنه إذا ملك ولد أحد الزوجين الآخر انفسخ النكاح.
(ولا للحُر (٣) أن يتزوج أمَته) لأن النكاح يوجب للمرأة حقوقًا، من القَسْم والمبيت وغيرهما، وذلك يمنعه ملك اليمين، فلا يصح مع وجود ما ينافيه؛ ولأن ملك الرقبة يفيد ملك المنفعة، وإباحة البُضْع فلا يجتمع معه عقد أضعف منه.
(ولا) للحُرِّ أن يتزوَّج (أمَة مكاتَبه) أو أمَة مكاتَبته (ولا أمَة ولده من النسب) لأن له فيها شُبهة ملك (دون الرضاع) فله أن يتزوَّج أمَة ولده من
стр. 5315
الرضاع بشرطه، كالأجنبي (ولو كان ملك كل واحد من الثلاثة) وهم الحرّ ومكاتَبه وولده (بعضًا من الأمة) فإنه يمنع صحة النكاح، كملك كلّها.
(ولا لحُرَّة نكاح عبد ولدها) لما تقدَّم (ولها) أي: للأم (ذلك) أي: نكاح عبد ولدعا (مع رقّها.
وللعبد نكاح أمَة ولده) لأن الرق قطع التوارث بين الأمَة أو العبد وولده، فهو كالأجنبي منهما.
(ويصحّ) للعبد أو الحرّ بشرطه (نكاح أمَة من بيت المال، مع أن فيه شُبهة تُسْقِط الحدّ، لكن لا تجعل الأمَة أُمّ ولد؛ ذكره في "الفنون") لأن للإمام التصرف في بيت المال بما يرى أنه مصلحة؛ ولأن حق الزوج في بيت المال لم يتعيّن في المنكوحة.
(وللابن نكاح أمَة أبيه) لأنه ليس له شُبهة التملّك من مال أبيه، بخلاف الأب.
(وكذلك سائر) أي: باقي (القرابات) فللحُرِّ أن ينكح أمَة أخيه، أو عمِّه، وأمَة جدِّه (١)؛ لأنه ليس له التملُّك عليهم.
(وإن ملك حُرٌّ) زوجته؛ انفسخ النكاح؛ لأن ملك اليمين أقوى من النكاح، فيزيله (أو) ملك (وَلَدُهُ الحُرُّ) زوجته؛ انفسخ النكاح؛ لأن ملكه كملك أصله في إسقاط الحدّ، فكان كملكه في إزالة النكاح (أو) ملك (مكاتَبُهُ زوجتَهُ بميراث أو غيره؛ انفسخ نكاحُها) لما تقدم.
وكذا لو ملك) الزوج، أو وَلَدُه الحرّ، أو مُكاتَبُهُ (بعضَها) أي: بعض الزوجة. قلت: والمُكاتَبة في ذلك كالمُكاتَب.
(ويحرم وطؤها هنا) أي: إذا ملك بعضها؛ لعدم تمام الملك،
стр. 5316
وكذا إذا ملكها ولده الحرّ، أو مُكاتَبه؛ يحرم وطؤها.
(وكذا لو ملكت زوجةٌ) زوجَها (أو) ملك (وَلَدُها) الحرُّ زوجَها (أو) ملك (مُكاتَبُها زوجَها، أو) ملك أحدهم (بعضه) انفسخ النكاح؛ لما سبق.
(ومن جمع بين مُحلَّلة ومُحرَّمة) كأيِّم ومزوَّجة نكحهما (في عقد واحد؛ صحَّ) النكاح (في من تحل) وهي الأيِّم؛ لأنها محل قابل للنكاح، أضيف إليها عقد صادر من أهله، لم يجتمع معها فيه مثلها، فصحَّ، كما لو انفردت به.
وفارق العقد على نحو الأختين (١)؛ لأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى، وههنا قد تعيَّنت التي بطل النكاح فيها، وللتي صح نكاحها من المُسمَّى لهما بقسط مهر مِثْلها منه.
(ولو تزوَّج أمًّا وبنتًا في عقد واحد؛ بطل) النكاح (في الأمّ فقط) وصح في البنت؛ لأنه عقد تضمن (٢) عقدين، يمكن تصحيح أحدهما دون الآخر، فصح فيما يصح، وبطل فيما يبطل؛ لأنا لو فرضنا أن العقد على الأم سبق وبطل، ثم عقد على البنت؛ صح نكاحُ البنت، ولو فرضنا أن العقد على البنت سبق وبطل، ثم عقد على الأم؛ لم يصح، فإذا وقعا معًا، فنكاحُ البنت أبطل نِكاحَ الأم؛ لأنها تصير أُمَّ زوجته، ونكاحُ الأم لا يُبطِل نكاحَ البنت؛ لأنها تصير ربيبته من زوجة لم يدخل بها؛ فلذلك صح نكاحُ البنت، وبطل نكاحُ الأم.
(ومن حَرُم نكاحُها حَرُم وطؤُها بملك اليمين، كالمجوسية) لأن النكاح إذا حَرُم لكونه طريقًا إلى الوطء، فلأن يحرم الوطء نفسه أولى
стр. 5317
(إلا إماء أهل الكتاب) فيحرم نكاحهن، ولا يحرم وطؤهن بملك اليمين؛ لدخولهن في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). ولأن نكاح الإماء من أهل الكتاب إنما حُرِّم من أجل إرقاق الولد، وإبقائه مع كافرة، وهذا معدوم بوطئهنَّ بملك اليمين.
(وكلُّ من حرَّمها النكاح من أُمَّهات النساء، وبناتهنَّ، وحلائل الآباء، و) حلائل (الأبناء، حرَّمها الوطء في ملك اليمين، و) وطء (الشُّبهة والزنى؛ لأن الوطء آكد في التحريم من العقد) بدليل أنه يُحَرِّم الربيبة ولا يُحَرِّمها العقد. فلو تزوج رجل امرأة، وتزوج أبوه بنتها أو أمَّها، فزُفَّت امرأة كل منهما إلى الآخر، فوطئها، فإنَّ وطء الأول (٢) يوجب عليه مهر مثلها، وينفسخ به نكاحها من زوجها؛ لأنها صارت بالوطء حليلة أبيه أو ابنه، ويسقط به مهر الموطوءة عن زوجها؛ لمجيء الفسخ من قبلها، بتمكينها من وطئها، ومطاوعتها عليه، وينفسخ نكاح الواطئ أيضًا؛ لأن امرأته صارت أمًّا لموطوءته (٣) أو ابنتها، ولها نصف المُسمَّى.
وأما وطء الثاني فيوجب مهر المِثْل للموطوءة، فإن أشكل الأوّل، انفسخ النكاحان، ولكل واحدة منهما مهر مثلها على واطئها، ولا رجوع لأحدهما على الآخر، ويجب لكل واحدة منهما على زوجها نصف المُسمَّى، ولا يسقط بالشكّ.
(فلو وطئ ابنه) أَمَةً (أو) وطئ (أبوه أَمَةً بملك اليمين) أو بشُبهة، أو زنىً (حرم عليه نكاحها و) حرم عليه (وطؤها إن ملكها) وكذا أمها
стр. 5318
وبنتها تحرم على الواطئ كذلك، لا على أبيه أو ابنه.
(ولا يحل نكاح خنثى مُشكِل حتى يتبيَّن أمرُه) لاشتباه المباح والمحظور في حقِّه.
"تتمة": قال الخرقي: إذا قال: أنا رجل، لم يُمنع من نكاح النساء، وإن قال: أنا امرأة، لم تنكح (١) إلا رجلًا، فإن تزوَّج امرأة، ثم قال: أنا امرأة، انفسخ نكاحه؛ لإقراره ببطلانه، ولزمه نصف المهر إن كان قبل الدخول، أو جميعه إن كان بعده، ولا يحلُّ له بعد ذلك أن ينكح؛ لأنه أقرَّ بقوله: أنا رجل، بتحريم الرجال، وأقرَّ بقوله: أنا امرأة، بتحريم النساء.
وإن تزوَّج رجلًا ثم قال: أنا رجل، لم يُقبل قوله في فسخ نكاحه؛ لأنه حق عليه، فإذا زال نكاحه فلا مهر له؛ لأنه يقرُّ أنه لا يستحقه، سواء دخل به أو لم يدخل، ويحرم النكاح بعد ذلك كما (٢) ذكرنا؛ قاله في "الشرح".
(قال الشيخ (٣): و لا يحرم في الجنة زيادة العَدد، و) لا (الجمع بين المحارم وغيرِه) لأنها ليست دار تكليف.
стр. 5319
باب الشروط في النكاح
أي: ما يشترطه أحدُ الزوجين في العقد على الآخر، مما له فيه غرض.
(ومحلُّ المعتَبر منها) أي: من الشروط (صُلْبُ العقد) كأن يقول: زوَّجتك بنتي فلانة بشرط كذا، ونحوه، ويقبل الزوج على ذلك.
(وكذا لو اتَّفقا) أي: الزوجان (عليه) أي: الشرط (قبلَه) أي: العقد (قاله الشيخ (١) وغيره) قال الزركشي: هو ظاهر إطلاق الخرقي، وأبي الخطَّاب، وأبي محمد، وغيرهم.
(وقال) الشيخ (٢): (وعلى هذا جراب أحمد في مسائل الحِيَلِ؛ لأنَّ الأمر بالوفاء بالشروط، والعقود، والعهود يتناول ذلك تناولًا واحدًا. وقال في "فتاويه" (٣): إنَّه ظاهر المذهب، و) ظاهر (منصوص أحمد، و) ظاهر (قول قدماء أصحابه، ومحقِّقي المتأخِّرين. قال في "الإنصاف": وهو الصَّواب الذي لا شكَّ فيه) وقَطَعَ به في "المُنتهى". وظاهر هذا أو صريحه: أنَّ ذلك لا يختصُّ النكاح، بل العقود كلها في ذلك سواء.
(ولا يلزم الشرطُ بعد العقد ولزومِه) لفوات محلّه، لكن يأتي في آخر النشوز: أنَّ اشتراط الحَكَمين ما لا ينافي النكاح لازم، إلَّا أن يقال: نُزِّلت هذه الحالة منزلة العقد، قطعًا للشقاق والمنازعة.
стр. 5320
(وهي) أي: الشروط في النكاح (قسمان):
أحدهما (صحيح، وهو نوعان:
أحدهما: ما يقتضيه العقد) بأن يكون هو مقتضى العقد (كتسليم الزَّوجة إليه) أي: إلى الزَّوج (وتمكينه من الاستمتاع بها) وتسليمها المهر، وتمكينها من الانتفاع به (فوجوده كعدمه) لأنَّ العقد يقتضي ذلك.
(الثاني: شرط ما تَنتفع به المرأة) مما لا يُنافي العقد (كزيادة معلومة في مهرها) أو في نفقتها الواجبة، أشار إليه في "الاختيارات" (١) (أو) اشتراط كون مهرها من (نقدٍ معيَّن، أو) تشترط عليه أن (لا ينقلها من دارها، أو بلدها، أو) أن (لا يسافر بها، أو) أن (لا يفرِّق بينها وبين أبويها، أو) ألَّا يفرِّق بينها وبين (أولادها، أو على أن تُرضع ولدها الصغير، أو) شرطت أن (لا يتزوَّج عليها، ولا يتسرَّى، أو شرط لها طلاقَ ضرَّتها، أو) شرط لها (بيع أمَته، فهذا) النوع (صحيح، لازم للزَّوج، بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه) لما روى الأثرم إسناده: "أنَّ رجلًا تزوَّج امرأةً وشَرَطَ لها دَارَها، ثم أراد نَقْلها، فخَاصَموهُ إلى عمر، فقال: لها شَرْطُها، فقال الرَّجل: إذًا يُطَلِّقْنَنَا! فقال عمر: مَقاطِعُ الحُقوقِ عند الشُّروطِ" (٢)؛ ولأنه شرط لها منفعة مقصودة لا تمنع المقصود من
стр. 5321
النكاح، فكان لازمًا، كما لو اشترطت كون المهر من غير نقد البلد.
وأما قوله ﷺ : "كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل" (١) أي: ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دلَّ على مشروعيته، وعلى من نفى ذلك الدليل.
وقولهم: إنَّ هذا يحرِّم الحلال، ليس كذلك، وإنما يثبت للمرأة - إذا لم يف به - خيارُ الفسخِ.
وقولهم: إنَّه ليس من مصلحة العقد؛ ممنوع؛ فإنَّه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحة العاقد، كان من مصلحة العقد، كاشتراط الرهن في البيع.
(ولا يجب الوفاء به) أي: بالشرط الصحيح (بل يُسنُّ) الوفاء به؛ لأنَّه لو وجب الوفاءُ لأجبر الزَّوج عليه، ولم يُجبره عمر، بل قال: "لها شرطها". (فإن لم يفعل) أي: يَفِ الزوجُ لها بشرطها (فلها الفسخ) لما تقدَّم عن عمر؛ ولأنَّه شرطٌ لازمٌ في عقد، فثبت حق الفسخ بترك الوفاء به؛ كالرَّهن والضمين في البيع، وحيث قلنا: تفسخ، فبفعله ما شرط ألّا يفعله (لا بعزمه) عليه، خلافًا للقاضي؛ لأنَّ العزم على الشيء ليس كفعله (وهو) أي: الفسخ - إذًا - (على التَّراخي) لأنَّه خيار ثبت (٢) لدفع الضَّرر، فكان على التَّراخي؛ تحصيلًا لمقصودها، كخيار العيب والقصاص.
فـ (ـــلا يَسقط) الخيار (إلا بما يدلُّ على الرِّضا) منها (من قول، أو تمكينٍ منها مع العلم) بفعله ما شرطت ألَّا يفعله، فإن لم تعلم بعدم الوفاء ومكَّنته؛ لم يسقط خيارها؛ لأنَّ موجَبه لم يثبت، فلا يكون له أثر،
стр. 5322
كالمسقِط لشفعته قبل البيع.
وإذا شرطت عليه ألَّا يتزوَّج، أو لا يتسرَّى عليها، ففعل ذلك، ثمَّ قَبْلَ أن تفسخ طلَّق أو باع؛ قال في "الاختيارات" (١): قياس المذهب أنَّها لا تملك الفسخ.
(ولا تلزم هذه الشروط إلَّا في النِّكاح الذي شُرطت فيه، فإنْ بانت) المشترطة (منه، ثم تزوجها ثانيًا؛ لم تَعُد) الشروط؛ لأنَّ زوال العقد زوالٌ لما هو مرتبط به.
(وقال الشيخ (٢): لو خَدَعها) أي: خدع من شرط ألا يُسافِر بها (فسافر بها، ثم كرهته، لم يكن له أن يُكرهها) على السفر (بعد ذلك. انتهى. هذا إذا لم تُسْقِط حقَّها) من الشَّرط (فإن أسقطته؛ سقط) قال في "الإنصاف": الصَّواب أنها إذا أسقطت حقَّها يسقط مطلقًا.
(ولو شرط لها ألّا يُخْرِجَها من منزل أبويها، فمات الأب) أو الأم (بطل الشَّرط) لأن المنزل صار لأحدهما بعد أن كان لهما، فاستحال إخراجها من منزل أبويها، فبطل الشرط.
(ولو تعذَّر سُكنى المنزل) الذي اشترطت سكناه (بخراب وغيره، سكن بها) الزوج (حيث أراد، وسقط حقُّها من الفسخ) لأنَّ الشَّرط عارض وقد زال، فرجعنا إلى الأصل، والسَّكَن محضُ حقّه.
(وقال الشيخ (٣) في من شرط لها أن يُسْكِنَها بمنزل أبيه، فسكنت، ثم طلبت سُكنى منفردةً، وهو عاجز: لا (٤) يلزمه ما عجز عنه) بل لو كان
стр. 5323
قادرًا، فليس لها - عند مالكٍ (١) وأحدِ القولين في مذهب أحمد وغيره - غير ما شرط لها (انتهى) قال في "الفروع": كذا قال، ومراده: صحَّة الشَّرط في الجملة، بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه، لا أنه يلزمها؛ لأنه شَرْطٌ لحقها لمصلحتها، لا لحقه لمصلحته حنى يلزم في حقِّها، ولهذا لو سلَّمت نفسها مَنْ شرطت دارها فيها أو في داره؛ لزم. انتهى. أي: لزمه تسلمها، ولهذا قال في "المنتهى": ومن شرطت سكناها مع أبيه ثم أرادتها منفردة، فلها ذلك.
(ولو شرطت عليه نفقة ولدها) من غيره (وكسوته مدة معيَّنة؛ صح) الشَّرط، وكانت من المهر، فظاهره: إن لم يعيِّن المدة لم يصح؛ للجهالة.
فصل
(القسم الثاني) من الشروط في النكاح (فاسد، وهو نوعان:
أحدهما: ما يُبطِلُ النكاحَ، وهو أربعةُ أشياء:
أحدها: نِكاح الشِّغار) بكسر الشين، قيل: سُمِّي به لقُبْحه، تشبيهًا برفع الكلب رجلَه ليبول. وقيل: هو الرَّفع، كأنَّ كل واحد رَفَع رجله للآخر عما يريد. وقيل: هو البعد، كأنه بَعُدَ عن طريق الحق. وقال الشيخ تقي الدين (٢): الأظهر أنه من الخلو، يقال: شَغَرَ المكان إذا خلا، ومكان شاغر، أي: خالٍ، وشَغَرَ الكلب إذا رفع رجله؛ لأنه أخلى ذلك
стр. 5324
المكان من رجله. وقد فسَّره الإمام (١) بأنه فرْج بفرْج، فالفروج كما لا تُورث ولا توهب، فلئلا تعاوض ببُضْعٍ أَولى.
(وهو: أن يزوِّجه وليَّته، على أن يزوجه الآخر وليَّته، ولا مهر بينهما، أي: سكتا عنه، أو شرطا نفيه، ولو لم يقل: وبُضع كل واحدة منهما مهر الأخرى، وكذا لو جعلا بُضع كلَّ واحدة ودراهم معلومة مهرًا للأخرى) ولا تختلف الرواية عن أحمد (٢): أنَّ نكاح الشِّغار فاسد. قال: ورُوي عن عمر (٣)، وزيد بن ثابت (٤): أنهما فرَّقا فيه، أي: بين المتناكحين؛ لما روى ابن عمر: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الشِّغار. والشِّغار أن يُزوِّج الرَّجلُ ابنته، على أن يزوِّجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق" متفق عليه (٥). وروى أبو هريرة مثله، أخرجه مسلم (٦).
وروى عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال: "لا جَلَب ولا جَنَبَ ولا شِغَارَ في الإسلام" رواه الأثرم (٧)؛ ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفًا في الآخر، فلم يصح، كما لو قال: بعني ثوبك عن (٨) أن أبيعك ثوبي. وليس فساده من قِبَل التسمية، بل من جهة أنه وَافَقَه على شرط فاسد؛ ولأنَّه شرط تمليك البُضْع لغير الزوج، فإنَّه جعل تزويجه
стр. 5325
إياها مهرًا للأخرى، فكأنه ملَّكه إياها بشرطِ انتزاعها منه.
(فإن سمَّوا) لكل واحدة منهما (مهرًا، كأن يقول: زوَّجتك ابنتي على أن تزوِّجني ابنتك، ومهر كل واحدة مائة، أو) قال أحدهما: (ومهر ابنتي مائة، ومهر ابنتك خمسون، أو أقل) منها (أو أكثر؛ صحَّ) العقد عليهما (بالمُسمَّى، نصًّا (١))، قال في "المجرد"، و"الفصول" في المثال المذكور: المنصوص عن أحمد: أنَّ النِّكاح صحيح، وقال الخرقي: باطل. قالا: والصَّحيح الأول؛ لأنه لم يحصل في هذا العقد تشريك، وإنَّما حصل فيه شرط، فبطل الشرط، وصح العقد. قال الشيخ تقي الدين (٢): وفيه مخالفة للأصول من أربعة وجوه، وذكرتها في "الحاشية" (٣). ومحلُّ الصحة (إن كان) المسمَّى لكلِّ واحدة منهما (مستقلًّا) عن بُضْعِ الأخرى، فإن جعل المسمَّى دراهم وبُضْع الأخرى، لم يصح، كما تقدم.