النكاح، فكان لازمًا، كما لو اشترطت كون المهر من غير نقد البلد.
وأما قوله ﷺ : "كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل" (١) أي: ليس في حكم الله وشرعه، وهذا مشروع، وقد ذكرنا ما دلَّ على مشروعيته، وعلى من نفى ذلك الدليل.
وقولهم: إنَّ هذا يحرِّم الحلال، ليس كذلك، وإنما يثبت للمرأة - إذا لم يف به - خيارُ الفسخِ.
وقولهم: إنَّه ليس من مصلحة العقد؛ ممنوع؛ فإنَّه من مصلحة المرأة، وما كان من مصلحة العاقد، كان من مصلحة العقد، كاشتراط الرهن في البيع.
(ولا يجب الوفاء به) أي: بالشرط الصحيح (بل يُسنُّ) الوفاء به؛ لأنَّه لو وجب الوفاءُ لأجبر الزَّوج عليه، ولم يُجبره عمر، بل قال: "لها شرطها". (فإن لم يفعل) أي: يَفِ الزوجُ لها بشرطها (فلها الفسخ) لما تقدَّم عن عمر؛ ولأنَّه شرطٌ لازمٌ في عقد، فثبت حق الفسخ بترك الوفاء به؛ كالرَّهن والضمين في البيع، وحيث قلنا: تفسخ، فبفعله ما شرط ألّا يفعله (لا بعزمه) عليه، خلافًا للقاضي؛ لأنَّ العزم على الشيء ليس كفعله (وهو) أي: الفسخ - إذًا - (على التَّراخي) لأنَّه خيار ثبت (٢) لدفع الضَّرر، فكان على التَّراخي؛ تحصيلًا لمقصودها، كخيار العيب والقصاص.
فـ (ـــلا يَسقط) الخيار (إلا بما يدلُّ على الرِّضا) منها (من قول، أو تمكينٍ منها مع العلم) بفعله ما شرطت ألَّا يفعله، فإن لم تعلم بعدم الوفاء ومكَّنته؛ لم يسقط خيارها؛ لأنَّ موجَبه لم يثبت، فلا يكون له أثر،
стр. 5322
كالمسقِط لشفعته قبل البيع.
وإذا شرطت عليه ألَّا يتزوَّج، أو لا يتسرَّى عليها، ففعل ذلك، ثمَّ قَبْلَ أن تفسخ طلَّق أو باع؛ قال في "الاختيارات" (١): قياس المذهب أنَّها لا تملك الفسخ.
(ولا تلزم هذه الشروط إلَّا في النِّكاح الذي شُرطت فيه، فإنْ بانت) المشترطة (منه، ثم تزوجها ثانيًا؛ لم تَعُد) الشروط؛ لأنَّ زوال العقد زوالٌ لما هو مرتبط به.
(وقال الشيخ (٢): لو خَدَعها) أي: خدع من شرط ألا يُسافِر بها (فسافر بها، ثم كرهته، لم يكن له أن يُكرهها) على السفر (بعد ذلك. انتهى. هذا إذا لم تُسْقِط حقَّها) من الشَّرط (فإن أسقطته؛ سقط) قال في "الإنصاف": الصَّواب أنها إذا أسقطت حقَّها يسقط مطلقًا.
(ولو شرط لها ألّا يُخْرِجَها من منزل أبويها، فمات الأب) أو الأم (بطل الشَّرط) لأن المنزل صار لأحدهما بعد أن كان لهما، فاستحال إخراجها من منزل أبويها، فبطل الشرط.
(ولو تعذَّر سُكنى المنزل) الذي اشترطت سكناه (بخراب وغيره، سكن بها) الزوج (حيث أراد، وسقط حقُّها من الفسخ) لأنَّ الشَّرط عارض وقد زال، فرجعنا إلى الأصل، والسَّكَن محضُ حقّه.
(وقال الشيخ (٣) في من شرط لها أن يُسْكِنَها بمنزل أبيه، فسكنت، ثم طلبت سُكنى منفردةً، وهو عاجز: لا (٤) يلزمه ما عجز عنه) بل لو كان
стр. 5323
قادرًا، فليس لها - عند مالكٍ (١) وأحدِ القولين في مذهب أحمد وغيره - غير ما شرط لها (انتهى) قال في "الفروع": كذا قال، ومراده: صحَّة الشَّرط في الجملة، بمعنى ثبوت الخيار لها بعدمه، لا أنه يلزمها؛ لأنه شَرْطٌ لحقها لمصلحتها، لا لحقه لمصلحته حنى يلزم في حقِّها، ولهذا لو سلَّمت نفسها مَنْ شرطت دارها فيها أو في داره؛ لزم. انتهى. أي: لزمه تسلمها، ولهذا قال في "المنتهى": ومن شرطت سكناها مع أبيه ثم أرادتها منفردة، فلها ذلك.
(ولو شرطت عليه نفقة ولدها) من غيره (وكسوته مدة معيَّنة؛ صح) الشَّرط، وكانت من المهر، فظاهره: إن لم يعيِّن المدة لم يصح؛ للجهالة.
فصل
(القسم الثاني) من الشروط في النكاح (فاسد، وهو نوعان:
أحدهما: ما يُبطِلُ النكاحَ، وهو أربعةُ أشياء:
أحدها: نِكاح الشِّغار) بكسر الشين، قيل: سُمِّي به لقُبْحه، تشبيهًا برفع الكلب رجلَه ليبول. وقيل: هو الرَّفع، كأنَّ كل واحد رَفَع رجله للآخر عما يريد. وقيل: هو البعد، كأنه بَعُدَ عن طريق الحق. وقال الشيخ تقي الدين (٢): الأظهر أنه من الخلو، يقال: شَغَرَ المكان إذا خلا، ومكان شاغر، أي: خالٍ، وشَغَرَ الكلب إذا رفع رجله؛ لأنه أخلى ذلك
стр. 5324
المكان من رجله. وقد فسَّره الإمام (١) بأنه فرْج بفرْج، فالفروج كما لا تُورث ولا توهب، فلئلا تعاوض ببُضْعٍ أَولى.
(وهو: أن يزوِّجه وليَّته، على أن يزوجه الآخر وليَّته، ولا مهر بينهما، أي: سكتا عنه، أو شرطا نفيه، ولو لم يقل: وبُضع كل واحدة منهما مهر الأخرى، وكذا لو جعلا بُضع كلَّ واحدة ودراهم معلومة مهرًا للأخرى) ولا تختلف الرواية عن أحمد (٢): أنَّ نكاح الشِّغار فاسد. قال: ورُوي عن عمر (٣)، وزيد بن ثابت (٤): أنهما فرَّقا فيه، أي: بين المتناكحين؛ لما روى ابن عمر: "أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن الشِّغار. والشِّغار أن يُزوِّج الرَّجلُ ابنته، على أن يزوِّجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق" متفق عليه (٥). وروى أبو هريرة مثله، أخرجه مسلم (٦).
وروى عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال: "لا جَلَب ولا جَنَبَ ولا شِغَارَ في الإسلام" رواه الأثرم (٧)؛ ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفًا في الآخر، فلم يصح، كما لو قال: بعني ثوبك عن (٨) أن أبيعك ثوبي. وليس فساده من قِبَل التسمية، بل من جهة أنه وَافَقَه على شرط فاسد؛ ولأنَّه شرط تمليك البُضْع لغير الزوج، فإنَّه جعل تزويجه
стр. 5325
إياها مهرًا للأخرى، فكأنه ملَّكه إياها بشرطِ انتزاعها منه.
(فإن سمَّوا) لكل واحدة منهما (مهرًا، كأن يقول: زوَّجتك ابنتي على أن تزوِّجني ابنتك، ومهر كل واحدة مائة، أو) قال أحدهما: (ومهر ابنتي مائة، ومهر ابنتك خمسون، أو أقل) منها (أو أكثر؛ صحَّ) العقد عليهما (بالمُسمَّى، نصًّا (١))، قال في "المجرد"، و"الفصول" في المثال المذكور: المنصوص عن أحمد: أنَّ النِّكاح صحيح، وقال الخرقي: باطل. قالا: والصَّحيح الأول؛ لأنه لم يحصل في هذا العقد تشريك، وإنَّما حصل فيه شرط، فبطل الشرط، وصح العقد. قال الشيخ تقي الدين (٢): وفيه مخالفة للأصول من أربعة وجوه، وذكرتها في "الحاشية" (٣). ومحلُّ الصحة (إن كان) المسمَّى لكلِّ واحدة منهما (مستقلًّا) عن بُضْعِ الأخرى، فإن جعل المسمَّى دراهم وبُضْع الأخرى، لم يصح، كما تقدم.
стр. 5326
ومحلُّ الصِّحة أيضًا إن كان (غير قليل؛ حيلة (١)) سواء كان مهر المثل أو أقل، فإن كان قليلًا، حيلة؛ لم يصحَّ، لما تقدم في بطلان الحيل على مُحَرَّم. وظاهره: إن كان كثيرًا؛ صحَّ؛ ولو حيلة. وعبارة "المنتهى" - تبعًا "للتنقيح" - تقتضي فساده، واعترَضَه المصنِّف في "حاشية التنقيح" كما أوضحته في حاشية "المنتهى".
(ولو سُمِّي) المهر (لإحداهما، ولم يُسمَّ للأخرى؛ صحَّ نكاح من سُمِّي لها) لأنَّ في نِكاح المُسمَّى لها تسمية وشرطًا، فأشبه ما لو سُمِّيَ لكل واحدة منهما مهر.
"فائدة": لو قال: زوَّجتك جاريتي هذه، على أن تزوِّجني ابنتك، وتكون رقبتها صداقًا لابنتك؛ لم يصحَّ تزويج الجارية في قياس المذهب؛ لأنه لم يجعل لها صداقًا سوى تزويج ابنته.
وإذا زوَّجه ابنته على أن يجعل رقبة الجارية صداقًا لها؛ صحَّ؛ لأنَّ الجارية تصلح أن تكون صداقًا.
وإن زوَّج عبده امرأة، وجعل رقبته صداقًا لها؛ لم يصحَّ الصَّداق؛ لأنَّ ملك المرأة زوجها يمنع صحَّة النكاح، فيفسد الصداق، ويصحُّ النكاح، ويجب مهر المِثْل؛ قاله في "الشرح".
(الثاني: نِكاح المحلِّل) سُمِّي محلِّلًا لقصده الحِل في موضع لا يحصل فيه الحل (بأن يتزوَّجها) أي: المطلقة ثلاثًا (بشرط أنَّه متى أحلَّها للأوَّل؛ طلَّقها، أو) يتزوَّجها بشرط أنَّه متى أحلَّها للأوَّل؛ فـ (ــلا نِكاح بينهما، أو اتَّفقا عليه) أي: على أنَّه متى أحلَّها للأوَّل؛ طلَّقها، أو لا نِكاح بينهما (قبله) أي: قبل العقد، ولم يرجع عن نيته عند العقد (أو
стр. 5327
نوى) المحلِّل (ذلك) أي: أنَّه متى أحلَّها للأوَّل طلَّقها (ولم يرجع عن نيَّتِه عند العقد، وهو) أي: النكاح في الصُّوَر المذكورة (حرام غير صحيح) لقوله ﷺ : "لعن اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّل له" رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح (١)، والعمل عليه عند أهل
стр. 5328
العلم، من أصحاب النبي ﷺ ، منهم: عمر (١)، وابنه (٢)، وعثمان (٣)، وهو قول الفقهاء من التابعين (٤) ". ورُوي ذلك عن علي (٥)، وابن عباس (٦).
стр. 5329
وقال ابن مسعود: "المُحَلِّل والمُحَلَّل له ملعونان على لسان محمد ﷺ " (١).
وروى ابن ماجه عن عقبة بن عامر: أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبرُكُم بالتَّيْس المُسْتعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المُحَلِّلُ، لَعَن الله المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له" (٢).
стр. 5330
وعن نافع عن ابن عمر: "أنَّ رجلًا قال له: تزوَّجتُها أُحِلُّها لِزَوجِها، لم يأمرْني ولم يعلم، قال: لا، إلّا نكاح رغبة، إنْ أعجبَتك أمسكتها، وإنْ كَرهتها فارقتها، وإن كنَّا نَعدُّه على عهد رسول الله ﷺ سفاحًا" (١). وقال: "لا يزالا زانيين وإنْ مكثا عشرين سنة" (٢) إذا عَلِم أنَّه يريد أن يُحلّها. وهذا قول عثمان (٣).
وجاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: "إنَّ عمِّي طَلَّقَ امرأته ثلاثًا، أيُحِلُّها له رجلٌ؟ قال: مَنْ يُخادعِ الله يَخدَعْهُ" (٤).
(ولا يحصل به) أي: بنكاح المحلِّل (الإحصانُ، ولا الإباحة للزَّوج الأوَّل) المطلِّق ثلاثًا؛ لفساده (ويلحق فيه النسبُ) للشُّبهة بالاختلاف فيه.
(فلو شُرط عليه قبل العقد، أن يُحلَّها لمُطَلِّقها) ثلاثًا، وأجاب
стр. 5331
لذلك (ثم نوى عند العقد غير ما شرطوا عليه، وأنه نكاح رغبة؛ صحَّ؛ قاله الموفَّق وغيرُه) وعلى هذا يُحمل حديث ذي الرقعتين، وهو ما روى أبو حفص بإسناده، عن محمد بن سيرين قال: "قدم مكةَ رجلٌ، ومعه إخوة له صغار، وعليه إزارٌ، من بين يديه رُقْعةٌ، ومن خلفه رُقْعةٌ، فسأل عمرَ، فلم يُعْطه شيئًا، فبينما هو كذلك، إذ نَزَغَ الشيطانُ بين رجل من قريش وبين امرأته فطلَّقها ثلاثًا، فقال: هل لكِ أن تُعطي ذا الرقْعَتين شيئًا ويُحِلُّكِ لي؟ قالت: نعم إنْ شئْتَ، فأخبروه بذلك، قال: نعم، فتزوَّجها، فدخل بها، فلمَّا أصبحتْ، أدخلتْ إخْوَته الدَّار، فجاء القُرشيُّ يحومُ حول الدَّار، وقال: يا ويله غلب على امرأته، فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، غُلبتُ على امرأتي. قال: من غلبَك؟ قال: ذو الرُّقْعَتين. قال: أرسلوا إليه، فلما جاءه الرَّسولُ، قالت له المرأة: كيف موضِعُك من قومك؟ قال: ليس بموضعي بأس. قالت: إنَّ أمير المؤمنين يقول لك: طلِّق امرأتَك، فقل: لا والله لا أطلِّقُها؛ فإنّه لا يُكرِهُك، فألْبسته حُلَّة، فلمّا رآه عمرُ من بعيد، قال: الحمد لله الذي رزق ذا الرُّقعتين، فدخل عليه، فقال: أتُطلِّق امرأتَك؟ قال: لا والله لا أُطلِّقها، قال عمر: لو طلَّقتها لأوجعت رأسكَ بالسّوْط" (١). ورواه أيضًا سعيد (٢) بسنده بنحوٍ من هذا، وقال: "مِنْ أهلِ المدينةِ".
(والقول قوله) أي: الثاني (في نيَّته) إذا إدَّعى أنَّه رجع عن شرط
стр. 5332
التحليل، وقصد أنَّه نكاح رغبة؛ لأنه أعلم بما نواه.
قال في "الاختيارات" (١): وإن ادَّعاه بعد المفارقة، ففيه نظر، وينبغي ألّا يُقبل قوله؛ لأنَّ الظاهر خلافه. ولو صَدّقت الزَّوجة أنَّ النِّكاح الثاني كان فاسدًا، فلا تَحل للأوَّل؛ لاعترافها بالتَّحريم عليه.
(ولو زوَّج) المطلِّقُ ثلاثًا (عبده بمطلقته ثلاثًا، ثم وهبها) المطلِّقُ (العبدَ أو) وهبها (بعضَه) أي: بعض العبد (لينفسخ نكاحها) بملكِها زوجَها أو بعْضَه (لم يصحَّ النكاح، نصًّا (٢)) قال: فهذا نهى عنه عمر (٣)، ويؤدَّبان جميعًا. وعلَّل أحمد (٤) فساده بشيئين: أحدهما: أنّه شبيه بالمحلِّل، وهو معنى قوله (وهو) أي: المطلِّق (كمحلِّل، نيَّته كنيَّة الزَّوج) لأنَّه إنما زوَّجها إياه لِيُحلَّها له. والثاني: كونه ليس بكفؤ لها.
(ولو دفعت) مطلَّقة ثلاثًا (مالًا هبة لمن تَثِقُ به، ليشتري مملوكًا، فاشتراه، وزوَّجه بها، ثم وَهَبَهُ لها، انفسخ النكاح، ولم يكن هناك تحليل مشروط، ولا منويٌّ ممن تؤثِّر نيته وشرطه وهو الزوج، ولا أثر لنية الزوجة والولي) لأنَّه لا فرقة بيدهما (قاله في "إعلام الموقعين" (٥)، وقال: صرَّح أصحابنا بأنَّ ذلك يحلُّها، وذكر كلامه في "المغني" فيها.
قال في "المحرر" (٦)، و"الفروع"، وغيرهما: ومن لا فرقة بيده، لا أثر لنيَّته) و (قال المنقّح: الأظهر عدم الإحلال) قال في "المنتهى":
стр. 5333
والأصحُّ قول "المنقح"، انتهى. وهو قياس التي قبلها، قال في "الواضح": نيتها كنيَّته، وقال في "الروضة": نكاح المحلِّل باطل؛ إذا اتَّفقا. فإن اعتقدت ذلك باطنًا ولم تظهر (١)، صحَّ في الحكم، وبطل فيما بينها وبين الله سبحانه.
(وفي "الفنون" في من طَلَّق زوجته الأَمَة ثلاثًا، ثم اشتراها لتأسُّفه على طلاقها: حِلُّها بعيد في مذهبنا؛ لأنه) أي: الحل (يقف على زوج وإصابة، ومتى زوَّجها مع ما ظهر من تأسُّفه عليها، لم يكن قصده بالنكاح إلا التحليل، والقصد عندنا يؤثِّر في النكاح، بدليل ما ذكره أصحابنا: إذا تزوَّج الغريب بنيَّة طلاقها - إذا خرج من البلد - لم يصحَّ، ومَن عزم على تزويجه بالمطلَّقة (٢) ثلاثًا، ووعدها سرًّا، كان أشدَّ تحريمًا من التَّصريح بخِطبة المعتدة إجماعًا، لا سيَّما ينفق (٣) عليها ويعطيها ما تُحلَّل به؛ ذكره الشيخ (٤)) وهو واضح.
(الثالث: نكاح المتعة) سُمِّي بذلك لأنَّه يتزوَّجها ليتمتَّع بها إلى أمدٍ (وهو أن يتزوَّجها إلى مدة) معلومة أو مجهولة (مثل أن يقول) الولي: (زوَّجتك ابنتي شهرًا أو سنة، أو) زوجتكها (إلى انقضاء الموسم، أو) إلى (قدوم الحاجِّ، وشِبْهِهِ، معلومة كانت المدَّةُ أو مجهولةً، أو يقول هو) أي: المتزوِّج: (أمتعيني نفسَكِ، فتقول: أمتعتُكَ نفسي، لا بوليٍّ ولا شاهدين) لما روى الربيع بن سبرة أنه قال: "أشهدُ على أبي أنّه حدّث أنَّ
стр. 5334
رسول الله ﷺ نهى عنه فِي حِجّة الوداع" (١)، وفي لفظ: "أنَّ رسول الله ﷺ حرَّم مُتْعة النِّساء" رواه أبو داود (٢)، وفي لفظ رواه ابن ماجه: "أنَّ رسول الله ﷺ قال: يا أيُّها الناس، إني كُنْتُ أذِنْتُ لكم في الاستمتاع، ألا وإنَّ الله حرمها إلى يوم القيامة" (٣). وروى سبرة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكّة، ثمَّ لم نخرج حتى نهانا عنها" رواه مسلم (٤).
وروى أبو بكر بإسناده عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس "قام خطيبًا فقال: إنَّ المُتْعَة كالميتةِ والدَّم ولحمِ الخنزيرِ" (٥). قال الشافعي (٦): لا أعلم شيئًا أحلَّه الله، ثم حرمه، ثم أحلَّه، ثم حرمه؛ إلا المُتْعة.
(وإن نوى) الزوج (بقلبه) أنه نكاح مُتعة من غير تلفُّظ بشرط (فكالشرط، نصًّا (٧)، خلافًا للموفَّق) نقل أبو داود (٧) فيها: هو شبيه
стр. 5335
بالمتعة، لا حتى يتزوجها على أنها امرأته ما حَيِيَتْ.
(وإن شرط) الزوج (في النِّكاح طلاقها في وقتٍ، ولو مجهولًا، فهو كالمتعة) فلا يصح؛ لما تقدم.
(وإن لم يدخل بها في عقد المُتعة، وفيما حكمنا به أنه) كـ (ــمتعة، فُرِّق بينهما) فيفسخ الحاكم النكاح إن لم يطلِّق الزوج؛ لأنه مختلف فيه (ولا شيء عليه) من مهر ولا مُتعة؛ لفساد العقد، فوجوده كعدمه.
(وإن دخل بها) أي: بمن نَكَحَها نكاح مُتعة (فعليه مهر المِثْل، وإن كان فيه مُسَمًّى) قال أبو إسحاق بن شاقْلا (١): إنَّ الأئمة - بعد الفسخ - جعلوها في حَيِّز السفاح، لا في حَيِّز النكاح. انتهى. لكن ذكر المصنف كغيره من الأصحاب أواخر الصداق أن النكاح الفاسد يجب فيه بالدخول المُسمَّى كالصحيح، ولم يُفرِّقوا بين نِكاح المتعة وغيره.
(ولا يثبت به) أي: بنكاح المتعة (إحصان، ولا إباحة للزوج الأول) يعني لمن طَلَّقها ثلاثًا؛ لأنه فاسد، فلا يترتَّب عليه أثره (ولا يتوارثان، ولا تُسمَّى زوجة) لما سبق.
(ومن تعاطاه عالمًا) تحريمه (عُزِّر) لارتكابه معصية لا حدَّ فيها، ولا كفَّارة.
(ويلحق فيه النسب، إذا وطئ يعتقده نكاحًا) قلت: أو لم يعتقده نكاحًا؛ لأن له شُبهة العقد (ويَرِث ولدَه ويرثه) ولدُهُ، للحوق النسب.
(ومثله) أي: مثل نِكاح المتعة فيما ذكر (إذا تزوَّجها بغير وَلي ولا
стр. 5336
شهود، واعتقده نكاحًا جائزًا) قلت: أو لم يعتقده كذلك (فإنَّ الوطء فيه وَطْءُ شُبهة، يلحق (١) الولدُ فيه) لشُبهة العقد.
(ويستحقان العقوبة) أي: التعزير (على مثل هذا العقد) لتعاطيهما عقدًا فاسدًا.
(الرابع: إذا شرط نفيَ الحِل في نكاح) بأن تزوَّجها على ألّا تحل له، فلا يصح النكاح؛ لاشتراط ما ينافيه (أو عَلَّق ابتداءه) أي: النكاح (على شرط) مستقبل (غير مشيئة الله؛ كقوله: زوَّجتُك) ابنتي أو نحوها (إذا جاء رأس الشهر، أو) إذا (رَضِيَتْ أمُّها، أو) إذا (رضي فلان، أو:) زوجتُكها على (ألّا يَكره فلانٌ، فَسَدَ العقد) لأنه عقد معاوضة، فلا يصح تعليقه على شرط مستقبل، كالبيع؛ ولأن ذلك وقف للنكاح على شرط، ولا يجوز وقفه على شرط.
ويصح: زوجتُ وقبلت إن شاء الله، وتعليقه على شرطٍ ماض أو حاضر (وتقدَّم ذِكْر بعض الشروط في أركان النكاح.
ويصح النكاح إلى الممات) بأن يقول: زوجتُك إلى الممات، فيقبل؛ فيصح، ولا أثر لهذا التوقيت؛ لأنه مقتضى العقد.
(النوع الثاني) من الشروط الفاسدة:
(إذا شرطا) أي: الزوجان (أو) شرط (أحدهما الخيار في النكاح) كقوله: زوجتُك بشرط الخيار أبدًا، أو مدة، ولو مجهولة (أو) شَرَطا، أو أحدُهُما الخيارَ (في المهر) بطل الشرط وصح العقد؛ لما يأتي.
وهل يصح الصداق ويبطل شرط الخيار فيه، أو يصح ويثبت فيه الخيار، أو يبطل الصداق؟ فيه ثلاثة أوجه؛ أطلقها في "الشرح".
стр. 5337
(أو) شَرَطا، أو أحدُهما (عدم الوطء، أو) شرطت (إن جاء بالمهر في وقت كذا، وإلا؛ فلا نِكاح بينهما، أو شرط) الزوج (عدم المهر، أو) عدم (النفقة، أو) شرط (قَسْمَه لها أقلَّ من ضرَّتها، أو أكثر) منها (أو) شرط (إن أصدقها؛ رجع عليها) بما أصدقه لها، أو ببعضه (أو تشترط (١) أن يعزل عنها، أو) شرطت أن (لا يكون عندها في الجمعة إلا ليلة، أو) شرطت أن (لا تُسلِّم نفسها إليه، أو) شرطت ألا تُسلِّم نفسها إليه (إلا بعد مدة معيَّنة، أو) شرطت (أن يسافر بها إذا أرادت انتقالًا، أو) شرطت (أن يسكن بها حيث شاءت، أو) حيث (شاء أبوها، أو) حيث شاء (غيره) من قريب أو أجنبي (أو) شرطت (أن تستدعيه إلى الجماع وقت حاجتها، أو) وقت (إرادتها، أو شرط لها النهار دون الليل، أو) شرط (أن تنفق عليه، أو) أن (تعطيه شيئًا، ونحوه) كأن شرطت عليه أن ينفق عليها كل يوم عشرة دراهم مثلًا (بطل الشرط) لأنه يُنافي مقتضى العقد، ويتضمَّن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده، فلم يصح، كما لو أسقط الشفيع شُفعته قبل البيع (وصح العقد) لأن هذه الشروط تعود إلى معنىً زائد في العقد، لا يُشترط ذِكره ولا يضرُّ الجهل به، فلم يبطله، كما لو شرط فيه صداقًا مُحرَّما؛ ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض، فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد، كالعتق.
(وإن طَلَّق بشرط خيار؛ وقع) طلاقه، ولَغَا شرطه كالنكاح، وأَولى.
стр. 5338
فصل
(فإن تزوَّجها) أي: تزوَّج رجل امرأة (على أنها مُسلِمة، فبانت كتابية) أو قال الولي: زوجتُكَ هذه المُسلِمة، فبانت كافرة (أو تزوَّجها يظنُّها مُسلِمة، ولم تُعْرَف بتقدُّم كُفْرٍ، فبانت كافرة) كتابية (فله الخيار في فسخ النكاح) لأنه شَرَط صفةً مقصودة، فبانت بخلافها، فأشبه ما لو شرطها حُرَّة، فبانت أَمَة (وبالعكس) بأن شَرَطها، أو ظَنَّها كافرة، فبانت مُسلِمة (لا خيار له) لأن ذلك زيادة خير فيها.
(وإن شرطها أمةً، فبانت حُرَّة) فلا خيار له (أو) شرطها (ذات نَسَبٍ، فبانت أشرف، أو) شرطها (على صفة دنيَّة، فبانت أعلى منها) كما لو شرطها شوهاء، فبانت حسناء، أو قصيرة، فبانت طويلة، أو سوداء، فبانت بيضاء (فلا خيار له) لأن ذلك زيادة خير فيها.
(وإن شرطها بكرًا) فبانت ثيبًا، فله الخيار (أو) شرطها (جميلة، أو نسيبة) أي: ذات نسب، فبانت بخلافه، فله الخيار (أو) شرطها (بيضاء، أو طويلة، أو شرط نفي العيوب التي لا ينفسخ بها النكاح، كالعمى والخرس والصمم والشلل ونحوه) كالعرج والعور (فبانت) الزوجة (بخلافه) أي: بخلاف ما شرطه (فله الخيار نصًّا (١)) لأنه شَرَطَ وَصْفًا مقصودًا، فبانت بخلافه (كما لو شرط الحرية) فبانت أَمَة.
(ويرجع) الزوج (بالمهر إن قَبَضَتْه) قلت: لعل المراد: إن استقرَّ، بأن دخل، أو خلا بها، كما يأتي في الأَمَة (على الغارِّ) له منها، أو من وليِّها، أو وكيله؛ للغرور (وإلا) بأن فسخ قبل ما يقرره (سقط) لأنه فسخ
стр. 5339
قبل الدخول لسبب (١) من جهتها.
(ولا يصح فسخٌ في خيار الشرط إلا بحكم حاكم) لأنه مختلف فيه (غيرَ ما يأتي في الباب بعده) أي: بعد ما ذكر مِن أنَّ مَن شرطت حرية زوجها، فبان عبدًا، فلها الفسخ بلا حاكم، كما لو عتقت تحته.
(وإن تزوَّج الحرُّ امرأة يظنُّها حرةَ الأصل) فبانت أَمَة (أول شَرَطها حرَّةً، فبانت أَمَة، وكان) الحر (ممن لا يجوز له نكاح الإماء) بأن يكون غير عادم الطَّوْل، خائف العَنَت؛ فالنكاح غير صحيح، ولا مهر قبل الدخول (أو كان) الحر (ممن يجوز له ذلك) أي: نكاح الإماء؛ لكونه عادم الطَوْل، خائف العَنَت (واختار الفسخ) فله ذلك؛ لأنه عقد غُرَّ فيه أحد الزوجين بحرية الآخر (٢)، فثبت فيه الخيار، كالآخر.
ثم إن فسخ (وكان ذلك قبل الدخول) بها (فلا مهر) لها (٣)؛ لحصول الفرقة من قبلها.
(وإن كان) الزوج (دخل بها) ثم فسخ (فلها المُسَمَّى) لتقرره بالدخول (وولده منها حُرٌّ) لأنه اعتقد حريتها، فكان ولده حرًّا؛ لاعتقاده ما يقتضي حريته (ويفديه) الزوج (بقيمته يوم ولادته) قضى بذلك عمر (٤)،
стр. 5340
وعلي (١)، وابن عباس (٢)؛ لأنه محكوم بحريته عند الوضع، فوجب أن يضمنه حينئذ؛ لأنه وقت فوات رِقِّه؛ ولأن الزيادة بعد الوضع لم تكن مملوكة لمالك الأمَة، فلم يضمنها، كما بعد الخصومة (إن ولدته حيًّا لوقت يعيش لمثله، سواء عاش أو مات بعد ذلك) أي: بعد أن ولدته، بخلاف ما إذا ولدته ميتًا، أو حيًّا لدون ستة أشهر؛ لأنه في حكم الميت، ولا قيمة له.
(ويرجع) الزوج (بذلك) أي: بالفداء (و) يرجع (بالمهر) يعني إذا لم يختر إمضاء النكاح حيث يكون له الإمضاء (على من غرَّه، سواء كان الغارُّ واحدًا أو أكثر، كما يأتي قريبًا) قضى به عمر (٣)، وعلي (٤)، وابن عباس (٥)، وكذلك إن غرم الزوج أجرة خدمتها له، فله الرجوع بها على الغارّ.
(وإن كان) حين تزوج بالمرأة (ظَنَّها عتيقة) فبانت أَمَة (فلا خيار له) لأن الأصل عدم العتق، فكأنه دخل على بصيرة.
стр. 5341
(والحكم في المدبَّرة، وأمِّ الولد، والمعلَّقِ عتقُها بصفة) قبل وجودها (كالأمَة القِنِّ.
وولد أُمِّ الولد يُقَوَّم كأنه عبد) ويغرم أبوه قيمته يوم ولادته.
(وكذلك ولد المعتَق بعضُها) يكون حرًّا إذا غُرَّ بها (ويفدي) الزوج (من ولدها بقَدْر ما فيه من الرِّق) وباقيه حرٌّ، لا فداء فيه.
(وكذلك المكاتَبة) إذا غُرَّ بها (ويفديه) أي: ولدها (أبوه) المَغرور بها (ومهرها وقيمة ولدها لها) لأن ذلك من كَسْبِها (إلا أن يكون الغرور منها، فلا شيء لها) لأنه لا فائدة في أن يجب لها، ثم يرجع به عليها.
(ويثبت كونها أمَة ببيِّنة فقط، لا بمجرَّد الدعوى) لحديث: "لو يُعْطى النَّاسُ بِدَعْواهم" (١).
(ولا) يثبت كونها أَمَة - أيضًا - (بإقرارها) بذلك؛ لأنه إقرار على غيرها، فلم يُقبل.
(وإن حملت المغرور بها، فضربها ضاربٌ، فألقتْ جنينًا ميتًا، فعلى الضارب غُرَّة) لأنه جنى على جنين حُر (يرثها ورثتُه) أي: ورثة الجنين، كأنه وُلِدَ حيًّا، ومات عنها (وإن كان الضارب أباه) فعليه غُرَّة، و (لم يرثه) لأنه قاتل (ولا يجب فداء هذا الولد للسيد) لأنه وُلِدَ ميتًا، ولا قيمة له.
(ويُفرَّق بينهما) أي: بين الأَمَة ومن غُرَّ بها (إن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء) بأن كان حرًّا فاقد الشرطين أو أحدهما (وإن كان ممن يجوز له نكاح) الإماء (فله الخيار) كما تقدم (فإن رضي بالمُقام معها،
стр. 5342
فما) حملت به، و (ولدت بعد الرضا؛ فرقيق) لمالك الأَمَة، تبعًا لأُمِّه؛ لأن ولد الأَمَة من نمائها، ونماؤها لمالكها، وقد انتفى الغرور (١) المقتضي للحرية.
(وإن كان المغرور) بالأمة (عبدًا، فولده) منها (أحرار) لأنه وطئها معتقدًا حرية أولادها، فأشبه الحر (يفديهم) أي: يفدي العبد أولاده من الأَمَة التي غُرَّ بها بقيمتهم يوم الولادة (إذا عتق؛ لتعلُّقه) أي: الفداء (بذمَّته) لأنه فوَّت رِقَّهم باعتقاده الحرية، ولا مال له في الحال، فتعلَّق الفِداء بذمته. ويفارق الجناية والاستدانة؛ لأنهم إنما عتقوا من طريق الحكم من غير جناية منه، ولا أخذ عوض.
(ويرجع) العبد (به) أي: بالفداء (على من غَرَّه) قال في "الكافي" و"الشرح": ولا يرجع به حتى يغرمه؛ لأنه لا يرجع بشيء لم يَفُتْ عليه (كأمره) أي: كما لو أمر إنسان (عبدًا بإتلاف مال غيره) مُغِرًّا له (بأنه) أي: المال (له) أي: للآمر (فلم يكن) المال له، وأغرمه مالكه قيمته، فإنه يرجع على الآمر (ويرجع) العبد (عليه) أي: على الغارّ (بالمهر المُسمَّى أيضًا) لما تقدم في الحر.
(وشَرْطُ رجُوعِهِ) أي: المغرور، حرًّا كان أو عبدًا (على الغارِّ) له (أن يكون) الغارُّ (قد شَرَط له أنها حُرَّة، ولو لم يقارن الشرطُ العقدَ) بأن تقدم عليه (حتى مع إيهامه حُرِّيَّتها) بأن عَلِمَ رِقَّها وكتمه (قاله في "المغني" و"الشرح") قال في "المنتهى": والغارُّ مَن عَلِمَ رِقَّها ولم يبيِّنه. وفي نسخ: (نصًّا (٢)) لكن سيأتي كلام الشارح: لا يكون غارًّا إلا
стр. 5343
بالاشتراط، أو الإخبار بحريتها، أو إيهامه ذلك بقرائن تغلب على ظنِّه حريتها، فينكحها على ذلك، ويرغب فيها، ويصدقها صداق الحرائر.
(ولمستحقِّ الفداء) والمهر (مطالبةُ الغارِّ ابتداء) أي: من غير أن يطالب الزوج؛ لاستقرار الضمان عليه.
(فإن كان الغارُّ) هو (السيد، ولم تعتق بذلك) أي: ولم يكن التغرير بلفظ تثبتُ به الحرية (فلا شيء له على الزوج) لعدم الفائدة في أنه يجب له ما يرجع به عليه.
(وإن كان) الغارُّ (الأَمَة) غير المُكاتَبة (تعلَّق) الواجب (برقبتها) فيغرم الزوج المهر وقيمة الأولاد للسيد، ويتعلَّق ذلك برقبتها، فيخيَّر سيدها بين فدائها بقيمتها إن كانت أقل مما يرجع به عليها، أو يسلمها، فإن اختار فداءها بقيمتها، سقط قَدْر ذلك عن الزوج، فإنه لا فائدة في أن نوجبه عليه ثم نردّه إليه، وإن اختار تسليمها، سلّمها، وأخذ ما وجب له.
(وإن كان) الغارُّ (أجنبيًّا، رجع) الزوج بما غرمه (عليه) لما تقدم.
(وإن كان الغُرور منها) أي: الأَمَة (ومن وكيلها، فالضمان بينهما نصفان) كالشريكين في الجناية، ويتعلَّق (١) ما وجب عليها برقبتها، كما تقدم.
(وإن تزوجت حرَّةٌ) رجلًا على أنه حُرٌّ (أو) تزوجت (أمَةٌ رجلًا على أنه حُرٌّ، أو) تزوجت الحرة أو الأَمَة (تظنُّه حرًّا، فبان عبدًا؛ فلها الخيار بين الفسخ والإمضاء، نصًّا (٢)) أما الحرة، فلأنها إذا ملكت الفسخ
стр. 5344
للحرية الطارئة، فللسابقة أولى. وأما الأمَة، فلأنها مغرورة بحرية من ليس بحُرٍّ، أشبهت الحرة والعبد المغرور. وعُلِم منه صحة النكاح؛ لأن اختلاف الصفة لا يمنع صحة العقد، كما لو تزوَّج أمَة على أنها حُرَّة، وهذا إذا كملت شروط النكاح، وكان بإذن سيده.
(فإن اختارت الحُرَّة الإمضاء، فلأوليائها الاعتراض عليها؛ لعدم الكفاءة، وإن اختارت الفسخ، فلها ذلك من غير حاكم، كما لو كانت) عتقت (تحت عبد.
وإن غرَّها بنسب، فبان دونه، وكان ذلك مُخِلًّا بالكفاءة) بأن غرَّها بأنه عربي، فبان عجميًّا (فلها الخيار) لعدم الكفاءة (وإن لم يُخِلَّ) ذلك (بها) أي: الكفاءة (فلا خيار) لها؛ لأن ذلك ليس بمعتبر في صحة النكاح (أشبه ما لو شرطت (١) فقيهًا، فبان بخلافه.
وإن شرطت) المرأة (صفةً غيرَ ذلك) المذكور من الحرية والنسب (مما لا يعتبر في الكفاءة، كالجَمَال ونحوه، فبان أقلَّ منها، فلا خيار لها) لما تقدم.
(وكل موضع حُكِمَ فيه بفساد العقد، فَفُرِّق بينهما قبل الدخول، فلا مهر، و) إن فرّق بينهما (بعده، فلها مهر المِثْل) بما استحلّ من فرجها، لكن يأتي في آخر الصداق: أن لها المُسمَّى، وهو المذهب كما في "الإنصاف".
(وكل موضع فُسِخَ فيه النكاح مع صحّته، قبل الدخول، فلا مهر) لها؛ لحصول الفسخ منها، أو بسبب من جهتها.
(و) إن فسخ (بعده) أي: بعد الدخول أو الخلوة ونحوها، مما
стр. 5345
يقرِّره (يجب المُسمَّى) في العقد؛ لتقرُّره؛ ولأنه فسخ طرأ على نكاح (١)، فأشبه الطلاق.
فصل
(وإن عَتَقَت الأمَةُ كلُّها وزوجها حرٌّ) فلا خيار لها.
(أو) عَتَقت كلُّها و (بعضه) حرّ (فلا خيار لها) لقول ابن عمر (٢) وابن عباس (٣)؛ ولأنها كافأت زوجها في الكمال، فلم يثبت لها خيار، كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم، وأما خبر الأسود عن عائشة: "أنَّ النبي ﷺ خيّرَ بَريرةَ، وكان زوجُها حُرًّا" رواه النسائي (٤)؛ فقد روى عنها
стр. 5346
القاسم بن محمد وعروة: "أنَّ زوج بَريرةَ كان عبدًا أسود لبَني المغيرة، يقال له: مُغِيثٌ" رواه البخاري (١) وغيره، وهما أخصُّ بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها وابن أختها. قال أحمد (٢): هذا ابن عباس (٣) وعائشة (٤) قالا في زوج بريرة: "إنّهُ عَبْد" روايةُ علماء المدينة وعملهم (٥)، وإذا روى أهل المدينة حديثًا، وعملوا به؛ فهو أصح شيء، وإنما يصحّ أنه حرّ عن الأسود وحده (٦).
(وإن كان) زوج الأَمَة التي عتقت كلُّها (عبدًا، فلها فسخ النكاح بنفسها، بلا حاكم) لأنه فسخٌ مُجمَعٌ عليه (٧)، غير مجتهد فيه، فلم يفتقر إلى حكم حاكم، كالردّ بالعيب في البيع، بخلاف خيار العيب في النكاح.
стр. 5347
(فإذا قالت: اخترتُ نفسي، أو) قالت: (فسختُ النكاح؛ انفسخ) وكذا لو قالت: اخترتُ فراقه (ولو قالت: طلَّقتُ نفسي، ونوت المفارقة، كان) ذلك (كنايةً عن الفسخ) لأنه يؤدي معنى الفسخ، فصلح كونه كناية عنه، كالكناية بالفسخ عن الطلاق، ولا يكون فسخها لنكاحها طلاقًا؛ لقوله ﷺ : "الطَّلاق لمن أخذ بالسَّاق" (١)؛ ولأنها فرقة من قِبَلِ الزوجة، وكانت فسخًا، كما لو اختلف دينهما.
(وهو) أي: خيار الفسخ منها (على التراخي) كخيار العيب.
(فإن عَتَق) زوجها (قبل فَسْخِها) بَطَل خيارها؛ لأن الخيار لدفع الضرر بالرقِّ، وقد زال بالعتق، فسقط الخيار، كالمبيع إذا زال عيبه
стр. 5348
سريعًا.
(أو رضيت) العتيقة (بالمُقام معه) رقيقًا، وفي نسخة: "بعده" أي: بعد العتق، فلا خيار لها؛ لأن الحق لها، وقد أسقطته.
(أو أمكَنَتْهُ من وطئها، أو) من (مباشرتها، أو) من (تقبيلها طائعة، أو قبَّلته هي، ونحوه مما يدلُّ على الرضا؛ بَطَلَ خيارها) لما روى أبو داود: "أنَّ بريرة عَتَقَتْ وهي عند مُغيثٍ، عبدٍ لآل أبي محمد، فخَيّرها النبيُّ ﷺ وقال لها: إن قَرِبَكِ فلا خيار لك" (١).
(فإن ادَّعت الجهل بالعتق، وهو مما يجوز) أي: يمكن (جهله، أو) ادَّعت (الجهل بملك الفسخ، لم تُسمع) دعواها (وبطل خيارها، نصًّا (٢)) لعموم ما سبق.
(ويجوز للزوج الإقدام على وطئها، إذا كانت غير عالمة) بالعتق، ولا يمنع منه؛ لأنه حقّه، ولم يوجد ما يسقطه.
(ولو بذل الزوج لها) أي: العتيقة (عِوَضًا على أن تختاره) أي: الزوج (جاز) ذلك (٣) (نصًّا (٤)) قال ابن رجب (٥): وهو راجع إلى صحّة إسقاط الخيار بعوض (٦)، وصَرَّح الأصحاب بجوازه في خيار البيع.
стр. 5349
(ولو شرط مُعتقها عليها دوام النكاح تحت حُرٍّ) إن قلنا: لها الفسخ إذا عتقت تحته (أو) شرط عليها معتقها دوام النكاح تحت (عبد، إذا أعتقها، فرضيت) بالشرط (لزمها ذلك) وليس لها الفسخ إذًا، كأنه استثنى منفعة بُضعها للزوج، والعتقُ بشرطٍ جائزٌ.
(فإن كانت) من عتقت تحت عبد (صغيرة) دون تسع (أو مجنونة، فلا خيار لها في الحال) لأنه لا حكم لقولهما (ولها الخيار إذا بلغت تسعًا، وعقَلَتْ) لكونها صارت على صفة؛ لكلامها حكم، وكذا لو كان بزوجها عيب يوجب الفسخ (ما لم يطأ الزوج قبل ذلك) أي: قبل اختيارها الفسخ، فيسقط، كالكبيرة؛ لانقضاء مدّة الخيار (ولا يُمنع زوجها من وطئها) كما لا يمنع من وطء الكبيرة قبل علمها.
(وليس لوليها) أي: الصغيرة أو المجنونة (الاختيار عنها) لأن طريق ذلك الشهوة، فلا يدخل تحت الولاية، كالقصاص.
(فإن طُلِّقت) من عَتَقَت تحت عبد (قبل أن تختار) الفسخ (وقع الطلاق) لصدوره من أهله في محله، كما لو لم تعتق (وبطل خيارها إن كان) الطلاق (بائنًا) لفوات محله (وإن كان) الطلاق (رجعيًّا) فلها الخيار.
(أو عتقت المعتدَّة الرجعية، فلها الخيار) ما دامت في العِدَّة؛ لأن نكاحها باقٍ يمكن فسخه، ولها في الفسخ فائدة، فإنها لا تأمن رجعته إذا لم تفسخ، بخلاف البائن.
(فإن رضيت) الرجعية (بالمقام؛ بَطَلَ خيارها) لأنها حالة يصح فيها اختيار الفسخ، فصح اختيار المقام، كصلب النكاح، وإن لم تختر
стр. 5350
شيئًا لم يسقط خيارها؛ لأنه على التراخي، وسكوتها لا يدلُّ على رضاها.
(وإن فسخت) الرجعية (في العِدَّة، بَنَتْ على ما مضى منها) أي: من العِدَّة؛ لأن الفسخ لا ينافي عِدَّة الطلاق ولا يقطعها، فهو كما لو طلَّقها طلقة أخرى (تمام عِدَّة حرَّة) لأنها عتقت في عدتها وهي رجعية.
(فإن) لم تفسخ و (راجعها؛ فلها الفسخ) لأنه على التراخي كما تقدم (١).
(فإن فسخت، ثم عاد فتزوَّجها، بقيت معه بطلقة واحدة) لأن عدد الطلاق يُعتبر بالزوج، كما يأتي، وهو رقيق، وقد طلَّق واحدة فبقيت له أخرى.
(وإن تزوَّجها بعد أن عتق، رجعت معه على طلقتين) كسائر الأحرار.
(ومتى اختارت) العتيقة (الفرقة بعد الدخول، فالمهر للسيد) لأنه وجب بالعقد، وهي ملكه حالته، كما لو لم تفسخ (٢).
(وإن كان) الفسخ (قبله) أي: قبل الدخول (فلا مهر) لأن الفرقة أتت من قبل الزوجة، فسقط بذلك مهرها، كما لو أرضعت زوجة له صغرى.
(وإن أعتق أحد الشريكين) نصيبه من الأمَة (وهو) أي: المُعتِق (معسر؛ فلا خيار لها) لأنها لم تعتق كلها، فلم تَفُتِ المكافأة.
(ولو زوَّج مُدَبَّرة له لا يملك غيرها - وقيمتُها مائة - بِعَبْدٍ على مائتين
стр. 5351
مهرًا، ثم مات السيّد، عَتَقَت، ولا فسخ) لها (قبل الدُّخول؛ لئلا يسقطَ المهر) على المذهب (أو يتنصَّف) على مقابل المذهب (فلا تخرج من الثلث، فيرِقُّ بعضها فيمتنع الفسخ) لأن ما أدَّى وجوده إلى رفعه يرتفع من أصله (فهذه مستثناة من كلام من أطلق) من الأصحاب أنَّ من عتقت تحت رقيق كله، لها الفسخ، ويُعَايا بها (١).
(وإن أُعتق الزوجان معًا، فلا خيار لها) لعدم فوات المكافأة.
(وإن عَتَق (٢) العبد وتحته أَمَة، فلا خيار له؛ لأن الكفاءة تُعتبر فيه لا فيها، فلو تزوَّج) رجل (امرأة مُطْلقًا) أي: من غير شرط حرية ولا رِق (فبانت أَمَة، فلا خيار له) لما سبق.
(ولو تزوَّجت رجلًا مُطْلقًا) أي: من غير شرط حرية أو عدمها (فبان عبدًا، فلها الخيار) لما سبق (فكذلك في الاستدامة) فإذا عتق العبد، وتحته أمة لا خيار له، وإذا عتقت تحت عبد، فلها الخيار على ما سبق تفصيله.
(ويُستحبُّ لمن له عبد وأَمَة متزوِّجان، فأراد عتقهما، البَداءة بالرجل؛ لئلَّا يثبتَ لها عليه خيار) فتفسخ نكاحه؛ لما روى أبو داود والأثرم بإسنادهما عن عائشة: "أنّه كان لها غلامٌ وجاريةٌ وتَزوَّجا، فقالت للنبيِّ ﷺ : إنِّي أريدُ أنْ أعتِقَهُما، فقال لها: ابدئي بالرَّجل قبل المرأة" (٣)، وعن صفية بنت أبي عبيد أنها فعلت ذلك، وقالت للرجل:
стр. 5352
إني بدأت بعتقك؛ لئلا يكون لها عليك خيار (١).
ولمالك زوجين بيعهما وبيع أحدهما، ولا فرقة بذلك.
ومن عتقت وزادها زوجها في مهرها، فالزيادة لها دون سيّدها، سواء كان زوجها حرًّا أو عبدًا، عتق معها أو لم يعتق. وعلى قياس ذلك: لو زوَّجها سيّدها ثم باعها، فزادها زوجها في مهرها، فالزيادة للثاني؛ قاله في "الشرح".
стр. 5353
باب العيوب في النكاح
أي: بيان ما يثبت به الخيار من العيوب، وما لا يثبت به خيار.
و أقسام العيوب المُثْبِتة للخيار ثلاثة:
أحدها: ما يختصُّ بالرجل، وقد ذكره بقوله: (إذا وجدت) المرأة (زوجها مجبوبًا، أي: مقطوع الذَّكر) كلّه أو بعضه، بحيث (لم يبقَ منه ما يطأ به، أو) وجدت زوجها (أشلَّ) الذكر (فلها الفسخ في الحال) ويُروى ثبوت الخيار لكل من الزوجين - إذا وجد بالآخر عيبًا في الجملة - عن عمر (١)، وابنه (٢)، وابن عبّاس (٣).
стр. 5354
وعن عليّ: لا تُرَدُّ الحُرَّة بعيب (١). وعن ابن مسعود: لا يُفسخ النكاح بعيب (٢).
ولنا: أن المرأة أحد العوضين في النكاح، فجاز ردُّها بعيب، كالصَّداق، والرجل أحد الزوجين، فثَبَت له الخيار بالعيب في الآخر، كالمرأة؛ ولأن الجَبَّ والرَّتَق ونحوهما يمنع المقصود بعقد النكاح، وهو الوطء، بخلاف العمى والزَّمَانة ونحوهما، وأما الجُذام والبَرَص والجنون، فتوجِب نَفْرةً تمنع قربانه بالكلية، ويخاف منه التَّعدِّي إلى
стр. 5355
نفسه ونسله، والمجنون يخاف منه الجناية، فصارت كالمانع الحسي.
(فإن) جُبَّ بعض ذكره و (أمكن وطؤه بالباقي، فادَّعاه) أي: إمكان وطئه بالباقي من ذكره (فأنكرته (١)، قُبل قولها مع يمينها) لأنه يضعف بالقطع، والأصل عدم الوطء.
(وإن بان) الزوج (عِنِّينًا) أي: عاجزًا عن الوطء، وربما اشتهاه ولا يمكنه، من "عَنَّ الشيءُ" إذا اعترض؛ لأن ذكره يعِنُّ إذا أراد إيلاجه، أي: يعترض (لا يمكنه الوطء، بإقراره) متعلق بـ "بَان" (أو ببَيِّنة على إقراره) أنه عِنِّين. قال في "المبدع": فإن كان للمُدَّعي بيّنة من أهل الخبرة والثقة؛ عُمل بها (أو بنُكوله) عن اليمين (- كما يأتي - أُجِّلَ سنة هلالية، ولو عبدًا، منذ ترافعه إلى الحاكم، فيضرب) الحاكم (له المدّة، ولا يَضْرِبُها غيرُه) أي: غيرُ الحاكم؛ لما روي "أنَّ عمرَ أجَّلَ العِنِّين سنةً" (٢)، وروى ذلك الدارقطني عن ابن مسعود (٣)، والمُغيرة بن
стр. 5356
شعبة (١)، ورُوي أيضًا عن عثمان (٢)، ولا مخالف لهم (٣). ورواه أبو حفص عن علي (٤)؛ ولأنه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار، كالجَبِّ في الرَّجُلِ، والرَّتَقِ في المرأة.
وأما ما رُوي "أنَّ امرأةً أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنَّ رِفاعة طلَّقني فَبتَّ طلاقي، فتزوَّجْتُ بعبد الرحمن بن الزُّبَير، وأنَّ ما لَهُ مثلُ هُدْبة الثوب، فقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا؛ حتى تذوقي عُسَيلتَه ويذوقَ عُسيلَتَك" (٥) ولم يَضربْ له مدَّةً، فقال ابن عبد البر (٦): قد صح أنَّ ذلك كان بعد طلاقه (٧)، فلا معنى لضرب المدَّة.
стр. 5357
(ولا تُعتبر عُنَّته إلا بعد بلوغه) لاحتمال أن يكون عجزه لصغره، لا خِلْقة (ولا يُحتسب عليه منها) أي: السَّنة (ما اعتزلته) المرأة له بنشوزٍ أو غيره؛ لأنَّ المانع منها، وإنما تُضرب له السَّنة؛ لأنه قول من سُمِّي من الصحابة؛ ولأن هذا العجز قد يكون لِعُنَّة وقد يكون لمرض، فضرب له سنةً لِتَمُرَّ به الفصول الأربعة، فإن كان من يُبْسٍ زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل اليُبس، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراقِ مزاج زال في فصل الاعتدال، فإذا مضت الفصول الأربعة ولم يزل، علمنا أنه خِلْقة.
(ولو عزل) الزوج (نفسه) عنها (أو سافر) لحاجة، أو غيرها (حُسب عليه) ذلك من المدَّة؛ لأنه من قِبَله، وكالمُولي (فإن وطئ) الزوج (فيها) أي: في السنة، فليس بعِنِّنين (وإلا) بأن مضت، ولم يطأها فيها (فلها الفسخ) أي: فسخ نكاحها منه؛ لما سبق.
(وإن جُبَّ) أي: قُطع ذكره (قبل الحول، ولو) كان الجَبُّ (بفعلِها، فلها الخيار من وقتها) لأنه لا فائدة إذًا للتأجيل، والفسخُ إذًا للجَبِّ لا للعُنَّة.
(فإن قال) الزوج: (قد عَلِمتْ أني عِنِّينٌ قبل أن أنكحها، فإن أقرَّت) بذلك (أو ثبت) علمها به (ببيّنةٍ، فلا يؤجَّل، وهي امرأته) ولا فسخ لها؛ لدخولها على بصيرة.
(وإن عَلِمتْ أنه عِنِّين بعد الدخول، فسكتت عن المطالبة، ثم طالبت بعد، فلها ذلك) لأنه على التراخي (ويؤجَّل سنة من يوم تُرافِعُه) لا من العقد ولا من الدخول.
(وإن قالت في وقت من الأوقات: رضيتُ به عِنِّينًا، لم يكن لها
стр. 5358
المطالبة بعد) ذلك بالفسخ؛ لإسقاطها حقها منه.
(وإن لم يعترف) بأنه عِنِّين (ولم تكن بينة) تشهد باعترافه، أو بعُنَّته، إن أمكن (ولم يدَّع وطئًا، حلف) على ذلك لقطع دعواها، وإنما كان القول قوله؛ لأن الأصل في الرجل السلامة (فإن نكل) عن اليمين (أجِّل) سنة؛ لما يأتي في القضاء بالنكول.
(فإن اعترفت) المرأة (أنه وطئها مرة في القُبُل، ولو) كان الوطء (في مرضٍ يضرها فيه الوطء، أو في حيض ونحوه) كنفاس (أو في إحرام، أو وهي صائمة - وظاهره: ولو في الردّة - بطل كونه عِنِّينًا) لزوال عُنَّته بالوطء (فإن وطئها في الدبر) لم تزل العُنة، لأنه ليس محلًا للوطء، فأشبه الوطء فيما دون الفرج، ولذلك لا يتعلق به إحصان، ولا إحلال لمطلِّقها ثلاثًا (أو) وطئها (في نكاح سابق، أو وطئ غيرها، لم تزل العُنَّة؛ لأنها قد تطرأ) ولأن حكم كل امرأة يعتبر بنفسها، والفسخ لزوال الضرر الحاصل بعجزه عن وطئها، وهو لا يزول بوطء غيرها.
(وإن ادَّعى) زوج (وطء بِكْرٍ، فشهد بعُذرتها) بضم العين، أي: بكارتها (امرأة ثقة، أُجِّل) سنة، كما لو كانت ثيِّبًا (والأحوط شهادة امرأتين) ثقتين (وإن لم يشهد بها) أي: البكارة (أحد؛ فالقول قوله) لأن الأصل السلامة (وعليها اليمين إن قال) الزوج: (أزَلْتُهَا) أي: البكارة (وعادت) لاحتمال صدقه، لكنه خلاف الظاهر، فلذلك كان القول قولها بيمينها.
(وإن شهدت) امرأة ثقة (بزوالها) أي: البكارة بعد دعواه الوطء (لم يؤجَّل) أي: لم يثبت له حكم العِنِّين في تأجيله سنة؛ لبيان كذبها بثبوت زوال بكارتها (وعليه اليمين، إن قالت) المرأة: (زالت) البكارة
стр. 5359
(بغيره) أي: بغير وطئه؛ لاحتمال صدقها.
(وكذا إن أقرَّ بعُنَّته، وأُجِّل) السنة (وادَّعى وطْأَها في المدَّة) فقولها إن كانت بكرًا، وشهدت ثقة ببقاء بكارتها، عملًا بالظاهر.
(وإن كانت ثيِّبًا، وادَّعى وطْأَها بعد ثبوت عُنَّته، وأنكرَتْه؛ فـ) ــالقول (قولها) لأن الأصل عدم الوطء، وقد انضم إليه وجود ما يقتضي الفسخ، وهو ثبوت العُنَّة.
(وإن ادعى الوطء ابتداءً مع إنكار العُنَّة، وأنكرَتْه) أي: الوطء (فقوله مع يمينه) إن كانت ثيِّبًا؛ لأن الأصل السلامة (فإن نكل) عن اليمين (قُضي عليه بنكوله.
ويكفي في زوال العُنَّة تغييب الحَشَفة، أو قدرِها من مقطوع) الحشفة (مع انتشارٍ (١)) ليكون ما يجزئ من المقطوع مثل ما يجزئ من الصحيح.
وكذا يسقط حقُّ امرأةِ مَن جُبَّ بعضُ ذَكَره بتغييب قَدْرِ الحشفة، مع الانتشار.
(وإن ادَّعت زوجة مجنون عُنَّته، ضُربت له المدَّة) عند ابن عقيل، وصَوَّبَه في "الإنصاف"، وعند القاضي: لا تُضرب. ووجه الأول: أنَّ مشروعية ملك الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن الوطء، وذلك يستوي فيه المجنون والعاقل. قال في "المنتهى": ومجنونٌ ثبتت عُنَّته كعاقل في ضرب المدَّة (ويكون القول قولها هنا في عدم الوطء، ولو كانت ثيِّبًا) لأن قول المجنون لا حكم له.
(وإن عُلم أنَّ عجزَه) أي: الزوج (عن الوطء لعارض، من صِغَرٍ أو
стр. 5360
مرض مرجوِّ الزوال، لم تضربْ له مدَّة) لأنه ليس بعِنِّينٍ، وعارِضُه مرجوُّ الزوال.
(وإن كان) عجزه عن الوطء (لكِبَرٍ أو مرض لا يُرجى زواله، ضُربت له المدَّة) كالخِلْقي؛ لأن عارضه لا يُرجى زواله.
(وكل موضع حكمنا بوطئه فيه، بطل حكم عُنته، فإن كان) الحكم بوطئه (في ابتداء الأمر) عند الترافع (لم تُضرب له مدَّة) لأنه لا عُنَّة مع الوطء (وإن كان) الحكم بوطئه (بعد ضربها، انقطعت) عُنَّتهُ؛ لأنه يمكن زوالها (وإن كان) الحكم بوطئه (بعد انقضائها، لم يثبت لها خيار) الفسخ، لزوال موجبه، كما لو زال عيب المبيع سريعًا.
(وكلّ موضع حكمنا بعدم الوطء فيه، حكمنا بعُنَّته، كما لو أقرَّ بها) أي: بالعُنَّة؛ لأن عدم الوطء علامتها.
فصل
القسم الثاني من العيوب: ما يشترك فيه الرجال والنساء، وقد أشار إليه بقوله:
(ويثبت الخيار في فسخ النكاح بجُذام، أو بَرَص، أو جنون، ولو أفاق) أحيانًا؛ لأن النفس لا تسكن إلى من هذه حاله (فإن اختلفا في بياضٍ بجسده، هل هو بَهَقٌ أو بَرَص؟ أو) اختلفا (في علامات الجُذام، من ذهاب شعر الحاجبين، هل هو جذام؟ فإن كانت للمُدّعي بيّنةٌ من أهل الثقة والخبرة تشهد بما قال؛ ثبت قوله، وإلا) بأن لم يكن له بيّنة بذلك (حلف المُنْكِرُ) لحديث: "البَيِّنةُ على المُدَّعي واليمينُ على مَنْ