شعبة (١)، ورُوي أيضًا عن عثمان (٢)، ولا مخالف لهم (٣). ورواه أبو حفص عن علي (٤)؛ ولأنه عيب يمنع الوطء، فأثبت الخيار، كالجَبِّ في الرَّجُلِ، والرَّتَقِ في المرأة.
وأما ما رُوي "أنَّ امرأةً أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إنَّ رِفاعة طلَّقني فَبتَّ طلاقي، فتزوَّجْتُ بعبد الرحمن بن الزُّبَير، وأنَّ ما لَهُ مثلُ هُدْبة الثوب، فقال: تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا؛ حتى تذوقي عُسَيلتَه ويذوقَ عُسيلَتَك" (٥) ولم يَضربْ له مدَّةً، فقال ابن عبد البر (٦): قد صح أنَّ ذلك كان بعد طلاقه (٧)، فلا معنى لضرب المدَّة.
стр. 5357
(ولا تُعتبر عُنَّته إلا بعد بلوغه) لاحتمال أن يكون عجزه لصغره، لا خِلْقة (ولا يُحتسب عليه منها) أي: السَّنة (ما اعتزلته) المرأة له بنشوزٍ أو غيره؛ لأنَّ المانع منها، وإنما تُضرب له السَّنة؛ لأنه قول من سُمِّي من الصحابة؛ ولأن هذا العجز قد يكون لِعُنَّة وقد يكون لمرض، فضرب له سنةً لِتَمُرَّ به الفصول الأربعة، فإن كان من يُبْسٍ زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل اليُبس، وإن كان من برودة زال في فصل الحرارة، وإن كان من احتراقِ مزاج زال في فصل الاعتدال، فإذا مضت الفصول الأربعة ولم يزل، علمنا أنه خِلْقة.
(ولو عزل) الزوج (نفسه) عنها (أو سافر) لحاجة، أو غيرها (حُسب عليه) ذلك من المدَّة؛ لأنه من قِبَله، وكالمُولي (فإن وطئ) الزوج (فيها) أي: في السنة، فليس بعِنِّنين (وإلا) بأن مضت، ولم يطأها فيها (فلها الفسخ) أي: فسخ نكاحها منه؛ لما سبق.
(وإن جُبَّ) أي: قُطع ذكره (قبل الحول، ولو) كان الجَبُّ (بفعلِها، فلها الخيار من وقتها) لأنه لا فائدة إذًا للتأجيل، والفسخُ إذًا للجَبِّ لا للعُنَّة.
(فإن قال) الزوج: (قد عَلِمتْ أني عِنِّينٌ قبل أن أنكحها، فإن أقرَّت) بذلك (أو ثبت) علمها به (ببيّنةٍ، فلا يؤجَّل، وهي امرأته) ولا فسخ لها؛ لدخولها على بصيرة.
(وإن عَلِمتْ أنه عِنِّين بعد الدخول، فسكتت عن المطالبة، ثم طالبت بعد، فلها ذلك) لأنه على التراخي (ويؤجَّل سنة من يوم تُرافِعُه) لا من العقد ولا من الدخول.
(وإن قالت في وقت من الأوقات: رضيتُ به عِنِّينًا، لم يكن لها
стр. 5358
المطالبة بعد) ذلك بالفسخ؛ لإسقاطها حقها منه.
(وإن لم يعترف) بأنه عِنِّين (ولم تكن بينة) تشهد باعترافه، أو بعُنَّته، إن أمكن (ولم يدَّع وطئًا، حلف) على ذلك لقطع دعواها، وإنما كان القول قوله؛ لأن الأصل في الرجل السلامة (فإن نكل) عن اليمين (أجِّل) سنة؛ لما يأتي في القضاء بالنكول.
(فإن اعترفت) المرأة (أنه وطئها مرة في القُبُل، ولو) كان الوطء (في مرضٍ يضرها فيه الوطء، أو في حيض ونحوه) كنفاس (أو في إحرام، أو وهي صائمة - وظاهره: ولو في الردّة - بطل كونه عِنِّينًا) لزوال عُنَّته بالوطء (فإن وطئها في الدبر) لم تزل العُنة، لأنه ليس محلًا للوطء، فأشبه الوطء فيما دون الفرج، ولذلك لا يتعلق به إحصان، ولا إحلال لمطلِّقها ثلاثًا (أو) وطئها (في نكاح سابق، أو وطئ غيرها، لم تزل العُنَّة؛ لأنها قد تطرأ) ولأن حكم كل امرأة يعتبر بنفسها، والفسخ لزوال الضرر الحاصل بعجزه عن وطئها، وهو لا يزول بوطء غيرها.
(وإن ادَّعى) زوج (وطء بِكْرٍ، فشهد بعُذرتها) بضم العين، أي: بكارتها (امرأة ثقة، أُجِّل) سنة، كما لو كانت ثيِّبًا (والأحوط شهادة امرأتين) ثقتين (وإن لم يشهد بها) أي: البكارة (أحد؛ فالقول قوله) لأن الأصل السلامة (وعليها اليمين إن قال) الزوج: (أزَلْتُهَا) أي: البكارة (وعادت) لاحتمال صدقه، لكنه خلاف الظاهر، فلذلك كان القول قولها بيمينها.
(وإن شهدت) امرأة ثقة (بزوالها) أي: البكارة بعد دعواه الوطء (لم يؤجَّل) أي: لم يثبت له حكم العِنِّين في تأجيله سنة؛ لبيان كذبها بثبوت زوال بكارتها (وعليه اليمين، إن قالت) المرأة: (زالت) البكارة
стр. 5359
(بغيره) أي: بغير وطئه؛ لاحتمال صدقها.
(وكذا إن أقرَّ بعُنَّته، وأُجِّل) السنة (وادَّعى وطْأَها في المدَّة) فقولها إن كانت بكرًا، وشهدت ثقة ببقاء بكارتها، عملًا بالظاهر.
(وإن كانت ثيِّبًا، وادَّعى وطْأَها بعد ثبوت عُنَّته، وأنكرَتْه؛ فـ) ــالقول (قولها) لأن الأصل عدم الوطء، وقد انضم إليه وجود ما يقتضي الفسخ، وهو ثبوت العُنَّة.
(وإن ادعى الوطء ابتداءً مع إنكار العُنَّة، وأنكرَتْه) أي: الوطء (فقوله مع يمينه) إن كانت ثيِّبًا؛ لأن الأصل السلامة (فإن نكل) عن اليمين (قُضي عليه بنكوله.
ويكفي في زوال العُنَّة تغييب الحَشَفة، أو قدرِها من مقطوع) الحشفة (مع انتشارٍ (١)) ليكون ما يجزئ من المقطوع مثل ما يجزئ من الصحيح.
وكذا يسقط حقُّ امرأةِ مَن جُبَّ بعضُ ذَكَره بتغييب قَدْرِ الحشفة، مع الانتشار.
(وإن ادَّعت زوجة مجنون عُنَّته، ضُربت له المدَّة) عند ابن عقيل، وصَوَّبَه في "الإنصاف"، وعند القاضي: لا تُضرب. ووجه الأول: أنَّ مشروعية ملك الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن الوطء، وذلك يستوي فيه المجنون والعاقل. قال في "المنتهى": ومجنونٌ ثبتت عُنَّته كعاقل في ضرب المدَّة (ويكون القول قولها هنا في عدم الوطء، ولو كانت ثيِّبًا) لأن قول المجنون لا حكم له.
(وإن عُلم أنَّ عجزَه) أي: الزوج (عن الوطء لعارض، من صِغَرٍ أو
стр. 5360
مرض مرجوِّ الزوال، لم تضربْ له مدَّة) لأنه ليس بعِنِّينٍ، وعارِضُه مرجوُّ الزوال.
(وإن كان) عجزه عن الوطء (لكِبَرٍ أو مرض لا يُرجى زواله، ضُربت له المدَّة) كالخِلْقي؛ لأن عارضه لا يُرجى زواله.
(وكل موضع حكمنا بوطئه فيه، بطل حكم عُنته، فإن كان) الحكم بوطئه (في ابتداء الأمر) عند الترافع (لم تُضرب له مدَّة) لأنه لا عُنَّة مع الوطء (وإن كان) الحكم بوطئه (بعد ضربها، انقطعت) عُنَّتهُ؛ لأنه يمكن زوالها (وإن كان) الحكم بوطئه (بعد انقضائها، لم يثبت لها خيار) الفسخ، لزوال موجبه، كما لو زال عيب المبيع سريعًا.
(وكلّ موضع حكمنا بعدم الوطء فيه، حكمنا بعُنَّته، كما لو أقرَّ بها) أي: بالعُنَّة؛ لأن عدم الوطء علامتها.
فصل
القسم الثاني من العيوب: ما يشترك فيه الرجال والنساء، وقد أشار إليه بقوله:
(ويثبت الخيار في فسخ النكاح بجُذام، أو بَرَص، أو جنون، ولو أفاق) أحيانًا؛ لأن النفس لا تسكن إلى من هذه حاله (فإن اختلفا في بياضٍ بجسده، هل هو بَهَقٌ أو بَرَص؟ أو) اختلفا (في علامات الجُذام، من ذهاب شعر الحاجبين، هل هو جذام؟ فإن كانت للمُدّعي بيّنةٌ من أهل الثقة والخبرة تشهد بما قال؛ ثبت قوله، وإلا) بأن لم يكن له بيّنة بذلك (حلف المُنْكِرُ) لحديث: "البَيِّنةُ على المُدَّعي واليمينُ على مَنْ
стр. 5361
أنكر" (١) (والقول قوله) أي: المُنْكِر حيث لا بيِّنة بيمينه؛ لما سبق.
(وإن اختلفا في عيوب النساء) تحت الثياب (أُريَت النساءَ الثقات) لأن الحاجة تندفع بذلك (ويُقبل قول امرأة واحدة، عدل) فيكتفى بشهادتها بذلك؛ لأنه محل حاجة، والأحوط اثنتان، كما يأتي في الشهادات.
(وإن شهدت) امرأة عدل (بما قال الزوج) من العيب في امرأته؛ عُمل بشهادتها (وإلا؛ فالقول قول المرأة) في عدم العيب؛ لأن الأصل السلامة.
قلت: وفي معنى ذلك: لو ادَّعى الزوج بعد الوطء أنه وجد الزوجة ثيبًا، وقالت: بل كنت بكرًا، فالظاهر أن القول قولها؛ لأن الأصل السلامة، بخلاف ما تقدم في البيع (٢) إذا اختلف البائع والمشتري في ذلك؛ لأن الأصل براءة المشتري من الثمن.
(وإن زال العقل بمرض، فهو إغماء لا يثبت به خيار) لأنه لا تطول مدّته، ولا تثبت الولاية به.
(فإن زال المرض، ودام به الإغماء؛ فهو كالجنون) يثبت به الخيار؛ قاله في "الشرح". وعبارة الزركشي و"المبدع": فهو جنون (يثبت به الخيار).
القسم الثالث من العيوب: ما يختصُّ بالنساء، وهو المشار إليه بقوله:
(ويثبت) خيار الفسخ للزوج (بالرَّتَق) بفتح الراء والتاء (وهو كون
стр. 5362
الفرج مسدودًا ملتصقًا لا مسلك للذَّكَر فيه) بأصل الخِلْقة.
(و) يثبت خيار الفسخ للزوج (بالقَرْن والعَفَل؛ وهو لحمٌ يحدث فيه، يسدُّه) فعلى هذا: القرن والعفل في العيوب واحد، وهو قول القاضي وظاهر الخرقي (وقيل: القَرْن عظم أو غُدَّة تمنع ولوج الذَّكَر) قائِلُه صاحب "المُطلع" (١) والزركشي (وقيل: العَفَل رُغوةٌ تمنع لذة الوطء) قائِلُه أبو حفص (وقيل: شيء يخرج من الفرج شبيه بالأُدْرَةِ (٢) التي للرّجال في الخُصية) قائله صاحب "المُطلع" (٣) والزركشي. ولا تعارض بين هذه الأقوال؛ لإمكان أن يكون مشتركًا بين هذه الأمور، فلذلك قال (وعلى كل الأقوال يثبت به الخيار) لأنه يمنع الرطء المقصود من النكاح.
(و) يثبت الخيار للرجل أيضًا (بانخراق ما بين السبيلين) أي: القبل والدبر من المرأة (و) بانخراق (ما بين مخرج بولٍ ومنيٍّ) وهو الفتق؛ لأنه يمنع لذة الوطء وفائدته.
(و) يثبت الخيار لكلٍّ من الزوجين (ببَخَرِ فَمِ) الآخر، فهو من العيوب المشتركة. قال في "الفروع": قال بعض أصحابنا: يستعمل للبَخَر السواك، ويأخذ في كل يوم ورق (٤) آس (٥) مع زبيب منزوع العجم
стр. 5363
بقَدْر الجوزة، واستعمال الكَرَفْس (١)، ومضغ النعناع جيد فيه. قال بعضهم: والدواء القوي لعلاجه: أن يتغرغر بالصَّبِر كل ثلاثة أيام، على الريق ووسط النهار وعند النوم، ويتمضمض بالخَرْدل (٢) بعد ثلاثة أيام أُخَر، يفعل ذلك في كلِّ ما يتغير فمه إلى أن يبرأ، وإمساك الذهب في الفم يزيل البخر.
(و) يثبت الخيار للرجل ببَخَر (فَرْجِ) المرأة: وهو نَتْنٌ في الفرج، يثور بالوطء.
(و) يثبت الخيار لكلٍّ منهما (باستطلاق بول، و) استطلاق (نَجْوٍ) أي: غائط.
(و) يثبت الخيار للرجل (بقروحٍ سيَّالة في فرج) المرأة.
(و) يثبت الخيار لكلٍّ منهما (بباسور، وناصور) وهما داءان بالمقعدة. فالباسور، منه ما هو ناتئ كالعدس، أو الحمص، أو العنب، أو التوت، ومنه ما هو غائر داخل المقعدة، وكلٌّ من ذلك إما سائل أو غير سائل، والناصور: قروح غائرة تحدث في المقعدة يسيل منها صديد، وينقسم إلى نافذة وغير نافذة، وعلامة النافذة أن يخرج الريح والنَّجْو بلا إرادة، وإذا أُدخل في الناصور ميلًا، وأدخل الإصبع في المقعدة، فإن التقيا فالناصور نافذ.
стр. 5364
(و) يثبت للمرأة خيار الفسخ بـ (ــخصاء) الرجل (وهو قطع الخُصيتين.
و) يثبت لها الخيار أيضًا بـ (ــسَلٍّ (١)، وهو سَلُّهما) أي: الخُصيتين.
(و) يثبت لها الخيار أيضًا بـ (ــوِجاء) بكسر الواو والمد (وهو رضُّهما) أي: رضُّ الخُصيتين. قال في "المُطلع" (٢): هو رضُّ عرق البيضتين حتى ينفسخ فيكون شبيهًا بالخصاء. انتهى. وإنما ثبت لها الخيار بذلك؛ لأنَّ فيه نقصًا بمنع الوطء أو يضعفه، وقد روى أبو عُبيد بإسناده (٣) عن سليمان بن يسار: "أنَّ ابن سَنَدٍ (٤) تزوَّج امرأةً، وهو خَصيٌّ، فقال له عمر: أعْلَمْتَها؟ قال: لا. قال: أعْلمها، ثمَّ خَيِّرها".
(و) يثبت الخيار لكل منهما بـ (ــكونه) أي: أحد الزوجين (خُنثى غيرَ مشكِل، وأما) الخنثى (المشكِل فلا يصح نكاحه) حتى يتضح، كما تقدم (٥). فيفسخ النكاح بكل واحد من العيوب السابقة؛ لأن منها ما يخشى تعدِّي أذاه، ومنها ما فيه نُفْرة ونقص، ومنها ما تتعدَّى نجاسته.
(و) يثبت الفسخ (بوجدان أحدهما بالآخر عيبًا، به غيره (٦)، أو مثله) كأن يجد الأجذمُ المرأةَ بَرْصاء، أو جذماء؛ لوجود سببه، كما لو
стр. 5365
غُرَّ عبدٌ بأَمَة؛ ولأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه.
(إلا أن يجد المجبوب المرأة رتقاء، فلا ينبغي أن يثبت لهما خيار؛ قاله الموفَّق والشارح) وصاحب "المُبدع"؛ لامتناع الاستمتاع بعيب نفسه، واختار في "الفصول": إن لم يطأ لبطونها (١) فكرتقاء.
(و) يثبت الخيار أيضًا (بحدوثه) أي: العيب (بعد العقد، ولو بعد الدخول؛ قاله الشيخ) في "شرح المحرر" (٢) (وتعليلهم) بأنه عيب أثبتَ الخيار مقارنًا، فأثبتَه طارئًا، كالإعسار والرق (يدل عليه) أي: على ما قاله الشيخ من ثبوت الخيار ولو بعد الدخول (وهنا) أي: إذا كان الفسخ بعد الدخول لعيب طرأ بعده (لا يرجع) الزوج (بالمهر على أحد؛ لأنه لم يحصُل غَرَر) لأنه لا يعلم الغيب إلا الله.
(ويثبت) للزوج خيار الفسخ (باستحاضة.
و) يثبت الخيار لها بـ (ــقرَع في رأس، وله ريح منكرة) لما فيه من النفرة.
(فإن كان) أحد الزوجين الذي لا عيب به (عالمًا بالعيب) في الآخر (وقت العقد) فلا خيار له (أو علم) بالعيب (بعده) أي: بعد العقد (ورضي به) فلا خيار له. قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأنه قد رضي به، كمشتري المعيب (أو وُجد منه دِلالة على الرضا) بالعيب (من وطءٍ، أو تمكين) من وطء (مع العلم بالعيب، فلا خيار له) لما تقدم
стр. 5366
(و) إن اختلفا في العلم بالعيب؛ فـ (ــالقول قوله) أي: قول منكر العلم (مع يمينه في عدم علمه) بالعيب؛ لأنه الأصل.
(فإن رَضِيَ بعيب) كما لو رضيها رتْقاء مثلًا (ثم حَدَث عيب آخر من غير جنسه) بأن حدث للرتقاء جُذام (فله الخيار) للعيب الحادث؛ لأنه لم يرض به.
(فإن ظَنَّ العيبَ الذي رضي به يسيرًا، فبان كثيرًا، كمن ظَنَّ البَرَص في قليل من جسده (١)، فبان في كثير منه، أو زاد) العيب (بعد العقد، فلا خيار له) لأنه من جنس ما رضي به، ورضاه به رضًا بما يحدث منه.
(وإذا (٢) كان الزوج صغيرًا) ولو دون عشر (وبه جُنون أو جُذام أو بَرَص، فلها الفسخ في الحال) لوجود سببه (ولا يُنتَظَر وقت إمكان الوطء، وعلى قياسه: الزوجة إذا كانت صغيرة أو مجنونة، أو عَفْلاء أو قرْناء) قاله الشيخ تقي الدين (٣) أي: فله الفسخ في الحال، ولا ينتظر وقت إمكان الوطء؛ لأن الأصل بقاؤه بحاله.
فصل
(وخيار العيوب والشروط على التراخي) لأنه لدفع ضرر مُتحقّق، فكان على التراخي، كخيار القصاص، فـ (ــلا يسقط إلا أن توجد منه)
стр. 5367
أي: ممن له الخيار (دلالة على الرضا من قولٍ) كقوله: أسقطت الفسخ ونحوه (١) (أو وطء) إذا كان الخيار للزوج؛ لأنه يدل على رغبته فيها (أو تمكين) من وطء إن كان الخيار لها؛ لأنه دليل رغبتها فيه (مع العلم بالعيب) وتقدم معناه (أو يأتي بصريح الرضا) كقوله: رضيتُ بالعيب.
(فإن ادَّعى الجهلَ بالخيار، ومثله يجهله) كعامِّيٍّ لا يخالط الفقهاء كثيرًا (فالأظهر ثبوت الفسخ؛ قاله الشيخ (٢)) عملًا بالظاهر. وقال في "المنتهى": ولو جهل الحكم، أي يسقط خياره بما يدلُّ على الرضا، ولو جهل الحكم.
(و) خيار الفسخ (في العُنَّة لا يسقط بغير قول) امرأة العِنِّين: أسقطتُ حقّي من الفسخ، أو: رضيت به عِنِّينًا ونحوه، لا بتمكينها من الوطء؛ لأنه واجبٌ عليها، لتعلم أزالتْ عُنَّته أم لا.
(ومتى زال العيب) قبل الفسخ (فلا فسخ) لزوال سببه، كالمبيع يزول عيبه.
(ولو فَسَختْ بعيب) كبياض (٣) ببدنه ظنته بَرَصًا (فبان أن لا عيب؛ بطل) أي: تبيَّنَّا بطلان (الفسخ) إذ الحكم يدور مع العِلَّة وجودًا وعدمًا (واستمر النكاح) لعدم ما يقتضي فسخه.
(ولا فسخ بغير العيوب المذكورة، كعوَر، وعَرَج، وعمىً، وخرس، وطَرَش، وقطع يد أو رجل، وكل عيب يَنْفِرُ الزوج الآخرُ منه، خلافًا لابن القيم (٤)) قال: إنه أولى من البيع. والفرق أنَّ المقصود من
стр. 5368
النكاح الوطء، وهذه لا تمنعه، والحرّة لا تُقَلَّب كما تُقَلَّب الأَمَة، والزوج قد رضيها مطلقًا، وهو لم يشترط صفةً فبانت دونها.
وقال أبو البقاء (١): الشيخوخة في أحدهما عيب.
(فإن شرط الزوج نفي ذلك) أي: العور والعرج ونحوه، فبانت بخلافه؛ فله الخيار.
(أو شرطها بكرًا، أو جميلة، ونحوه) بأن شرطها نسيبة (فبانت بخلافه؛ فله الخيار) لشرطه (وكذا لو شرطته) حرًّا (أو ظنته حرًّا، فبان عبدًا، وتقدَّم (٢) في الباب قبله) بأوسع من هذا.
(ولو بان) أحدهما (عقيمًا) فلا خيار للآخر (أو كان) الزوج (يطأ ولا ينزل، فلا خيار لها؛ لأن حقّها في الوطء، لا في الإنزال.
ولا يصح فسخٌ في خيار العيب، وخيار الشرط، إلا بحكم حاكم) لأنه فَسْخٌ مُجْتَهَدٌ فيه؛ فافتقر إليه، كالفسخ للعُنَّة، والإعسار بالنفقة، إلا الحرة إذا غُرَّت بعبد، ومن عتقت كلها تحت رقيق كله، فتفسخ بلا حاكم، وتقدم (٣) (فيفسخه) أي: النكاح (الحاكم أو يردّه) أي: الفسخ (إلى من له الخيار) فيفسخه.
(ويصحّ) الفسخ من المرأة حيث ملكته (في غيبة زوج) كما تقدم (٤)
стр. 5369
في الخيار (والأولى) الفسخ (مع حضوره) أي: الزوج خروجًا من خلاف من منعه في غيبته.
(والفسخُ لا يَنْقُصُ عَدَدَ الطلاقِ) لأنه ليس بطلاق.
(وله) أي: للزوج (رجعتها) يعني إعادتها (بنكاح جديد) بولي وشاهدي عدل (وتكون عنده على طلاق ثلاث) حيث لم يسبق له طلاق (وكذا سائر الفُسوخ) كالفسخ لإعساره بالصداق، أو النفقة، وفسخ الحاكم على المولي بشرطه (إلا فُرقةَ اللعان) فإن الملاعَنة تحرم على الملاعِن أبدًا، كما تقدم (١).
(فإن فُسِخ) النكاح (قبل الدخول؛ فلا مهر) ولا متعة، سواء كان الفسخ من الرجل أو المرأة؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها، وإن كان منه فإنما فسخ لعيب بها، دلَّسته بالإخفاء، فصار الفسخ كأنه منها، لا يقال: هلّا جعل فسخها لعيبه؛ كأنه منه؛ لحصوله بتدليسه؟! لأن العوض من الزوج في مقابلة منافعها، فإذا اختارت الفسخ مع سلامة ما عُقد عليه، رجع العوض إلى العاقد منها، وليس من جهتها عوضٌ في مقابلة منافع الزوج، وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها، لا لأجل تعذُّرِ ما استحقت عليه في مقابلته عوضًا، فافترقا.
(و) إن فُسِخ (بعده) أي: بعد الدخول (أو بعد خلوة) فـ (ــلها المُسمَّى) لأنه نكاح صحيح، وُجِدَ بأركانه وشروطه، فترتب عليه أحكام الصحة؛ ولأن المهر يجب بالعقد، ويستقرّ بالخلوة، فلا يسقط بحادث بعده، وكما لو طرأ العيب.
(ويرجع) الزوج (به) أي: بالمهر (على من غرَّه؛ من امرأة عاقلة،
стр. 5370
وولي، ووكيل) رواه مالك عن عمر (١)، وكما لو غُرَّ بحرية أَمَة. قال أحمد (٢): كنت أذهب إلى قول علي (٣) فَهِبْتُه، فَمِلْتُ إلى قول عمر. فـ (ــأيُّهم انفرد بالغرر؛ ضمن) وحده؛ لانفراده بالسبب الموجب.
(وشرط أبو عبد الله) محمد فخر الدين بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن عبد الله (بن تيمية) الحراني (٤) الواعظ الفقيه (بلوغها) أي: المرأة إن كان التغرير منها (وقت العقد، ليُوجد تغريرٌ محرّم) وقال ابن عقيل: إنما تكون المرأة غارَّة إذا كانت تعلم، وأما الطفلة والمجنونة فلا، فاعتبر القصد دون الفعل المحرم، وهر مقتضى قوله في "التنقيح" و"المنتهى": زوجة عاقلة.
(ولا سُكنى لها) أي: للمفسوخ نكاحها (ولا نفقة، إلا أن تكون حاملًا) فتجب النفقة للحمل، كالبائن.
(وإن وجد الغرور من المرأة والولي، فالضمان على الولي) لأنه المباشر للعقد (و) إن وجد الغرور (منها ومن الوكيل) فـ (ــبينهما نصفان) قاله الموفّق. وقد أشرت إلى ما فيه في "الحاشية".
(وإن أنكر الولي) علمه بالعيب (ولو كان ممن له رؤيتها) كأبيها وأخيها؛ فقوله؛ لأن الأصل عدم علمه به.
стр. 5371
(أو) ادَّعى (الوكيل عدم العلم بالعيب، ولا بينة) تشهد عليه بإقراره بعلمه بالعيب (قُبل قوله مع يمينه) أنه لا يعلم العيب؛ لأنه الأصل.
(وإن ادَّعت) امرأة بها عيب وزُوِّجت (عدمَ العلم بعيب نفسها، واحتُمل ذلك، فحكمها حكم الولي؛ قاله الزركشي) لأن الأصل عدم علمها، فإن لم يحتمل ذلك؛ فقوله (ومثلها) أي: مثل هذه المسألة، وهي ما إذا غرَّ الزوج في تزويجه معيبة (في الرجوع على الغارِّ: لو زُوِّج امرأة، فأدخلوا عليه غيرها) أي: غير زوجته فوطئها، فعليه مهر مثلها؛ للشُّبهة، ويرجع به على من غرَّه بإدخالها عليه (ويلحقه الولد) إن أتت به؛ للشبهة (وتُجَهَّز) إليه (زوجته بالمهر الأول، نصًّا (١). وتقدم نحوه في باب أركان النكاح (٢).
وإن طلَّقها) أي: طلَّق المَعيبة (قبل الدخول) والخلوة (ثم علم أنه كان بها عيب) يقتضي الفسخ (فعليه نصف الصداق، لا يرجع به) على أحد؛ لأنه قد رضي بالتزامه بطلاقها، فلم يكن له أن يرجع به على أحد.
(وإن مات) الزوج قبل علمه بعيبها (أو ماتت قبل العلم به، أو بعده وقبل الفسخ، فلها الصداق كاملًا) لتقرّره بالموت (ولا يرجع به على أحد) لأن سبب الرجوع الفسخ، ولم يوجد.
فصل
(وليس لوليّ صغيرة أو صغير، و) لا لوليّ (مجنونة ومجنون، و) لا لـ (ــسيّد أَمَة؛ تزويجهم معيبًا يُرَدُّ به) في النكاح؛ لأنه ناظر لهم بما فيه
стр. 5372
الحظ والمصلحة، ولا حظَّ لهم في هذا العقد.
(فلو خالف وفعل) بأن زوَّجهم معيبًا يرد به (لم يصحَّ) النكاح (فيهن مع علمه) لأنه عَقَدَ لهم عقدًا لا يجوز عقده، كما لو باع عقارَ محجورِه لغير مصلحته.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الوليُّ عيبَه (صحَّ) النكاحُ، كما لو اشترى لهم معيبًا لا يعلم عيبه (ويجب عليه الفسخ إذا علم؛ قاله في "المغني"، و"الشرح"، و"شرح ابن مُنَجَّا"، والزركشي في "شرح الوجيز" وغيرهم) لأنه أحظُّ لهم فوجب عليه فعله (خلافًا لما في "التنقيح") وتبعه في "المنتهى"، قالا: وله الفسخ. واللام للإباحة، وهو مقتضى عبارة "المبدع". وقد يُجاب عنه بأنه في مقابلة من يقول: لا يفسخ، وينتظر البلوغ أو الإفاقة، فلا يُنافي الوجوب، ونظيره في كلامهم، ومنه ما في "الفروع" في الوقف في بيع الناظر له.
(ولا لوليِّ كبيرة تزويجُها بمعيبٍ بغير رضاها؛ لأنها تملكُ الفسخَ إذا علمتْ به) أي: العيب (بعد العقد) فالامتناع أولى (فإن اختارتْ) كبيرةٌ (نكاحَ مجبوب، أو) نكاحَ (عِنِّين؛ لم يملك وليُّها الذي يعقد نكاحها مَنْعَها) لأن الحقّ في الوطء لها، والضرر مختصٌّ بها. وقال أحمد (١): ما يعجبني أن يزوجها بعنِّينٍ وإن رضيت الساعة، تكره إذا دخلت عليه؛ لأن من شأنهن النكاح، ويُعجبهنَّ من ذلك ما يعجبنا.
(وإن اختارت نكاحَ مجنونٍ، أو مجذوم، أو أبرص، فله منعُها) لأن فيه ضررًا دائمًا، وعارًا عليها وعلى أهلها، كمنعها من التزوج بغير كفؤ.
стр. 5373
(وإن علمت) بـ (ـــالعيب) الذي تملك به الفسخ (بعد العقد، أو حدث به) أي: بالزوج العيب بعد العقد (لم يملك الوليّ إجبارها على الفسخ؛ لأنَّ حقَّه في ابتداء النكاح، لا في دوامه) لأنها لو دعت وليّها أن يزوِّجها بعبد لم يلزمه إجابتها، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.
стр. 5374
باب نكاح الكفار وما يتعلق به
(حكمُهُ حكمُ نكاحِ المسلمين) لأن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقال: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالةَ الْحَطَبِ﴾ (١)، وقال: ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ (٢)، وقال ﷺ : "وُلِدْتُ من نكاحٍ لا من سِفاحٍ" (٣) (فيما يجب به) من مهر، وقَسْم،
стр. 5375
ونحوهما مما يأتي (و) في (تحريم المحرَّمات) السابق تفصيلهن؛ لأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما تقدم (١) في مواضع.
(و) في (وقوع الطلاق) والخُلع؛ لأنه طلاق من بالغ عاقل في نكاح صحيح، فوقع، كطلاق المسلم (و) في صحة (الظِّهار) فإذا ظاهر كافر من زوجته، ثم أسلما وقد وطئها، فعليه كفَّارة الظِّهار (و) في صحة (الإيلاء) فإذا آلى الكافر من زوجته، فحكمُهُ كالمسلم على ما يأتي تفصيله؛ لتناول عموم آية الظِّهار والإيلاء لهم. وفي (وجوب المهر والقَسْم) لما تقدم. (و) في (الإباحة للزوج الأول) إذا كان طلقها ثلاثًا، وكان الثاني وطئها؛
стр. 5376
لدخوله في عموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ (١). (و) في (الإحصان) إذا وطئها، وهما حرَّان مكلَّفان كما يأتي تفصيله في الحدود. (وغير ذلك) كوجوب النفقة والكسوة، ولزوم ما يلزم من الشرط (٢) والفسخ، لنحو عُنَّة أو إعسار بواجب نفقة.
(فإذا طلَّق الكافر) امرأته الكافرة (ثلاثًا، ثم تزوَّجها قبل زوجٍ وإصابة، ثم أسلما؛ لم يُقَرَّا عليه) لأنها مُطَلَّقتُه ثلاثًا لم يصبها زوج غيره.
(وإن طلَّق) الكافر امرأته (أقلَّ من ثلاث، ثم) أعادها و (أسلما، فهي عنده على ما بقي من طلاقها) سواء أعادها قبل أن تنكح غيره أو بعده، كما يأتي في المُسلِم.
(وإن نكحها) أي: الكافرةَ، الزوجُ (الثاني، وأصابها، حلَّت لمُطَلِّقها ثلاثًا، سواء كان المطلِّق مسلمًا أو كافرًا) لما تقدم.
(و إن ظاهر الذِّميُّ من امرأته، ثم أسلما، فعليه كفَّارة الظِّهار) بالوطء فيه؛ لما تقدم. والظاهر أن الذمَّة (٣) ليست قيدًا (٤).
(ونُقِرُّهم) أي: الكفار (على فاسد نكاحهم، وإن خالف أنكحة المسلمين، إذا اعتقدوه في دينهم) نكاحًا (ولم يرتفعوا إلينا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ (٥)، فدلَّ على أنهم يُخلَّونَ وأحكامهم، إذا لم يجيئوا إلينا؛ ولأنه
стр. 5377
- ﷺ أخذ الجِزية من مجوس هجر (١)، ولم يعترض عليهم في أنكحتهم، مع علمه أنهم يستبيحون نكاح محارمهم. وما لا يعتقدون حِلَّه ليس من دينهم، فلا يُقرّون عليه، كالربا والسرقة.
(فإن أتونا قبل عقده) أي: النكاح (عقدناه على حكمنا) بولي وشهود وإيجاب وقَبول؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (٢).
(وإن أتونا مسلمين أو غير مسلمين بعده) أي: العقد (لم نتعرَّض لكيفية عقدهم) لأنه أسلم خَلْقٌ كثير في عصر النبي ﷺ فأقرَّهم على أنكحتهم، ولم يكشف عن كيفيتها، فأولى إذا ارتفعوا إلينا من غير إسلام.
(ولا تُعتبر له) أي: لنكاحهم الذي يعقدونه (٣) لأنفسهم (شروطُ أنكحة المسلمين؛ من الولي والشهود، وصفة الإيجاب والقَبول، وأشباه ذلك) مما تقدم؛ لما سبق.
(لكن لا نقرُّهم على نِكاحٍ مُحَرَّمٍ في الحال) أي: حال الترافع إلينا، مسلمين أو لا (كالمحرَّمات بالنسب) كأن كانت تحته أخته، أو بنتها، أو بنت أخيه (أو السبب) كأن تكون تحته أم زوجته، أو زوجة أبيه أو ابنه، أو أخته من رضاع، أو بنت موطوءته، ولو بشبهة أو زنىً (وكالمعتدَّة) من غيره، ولم تفرغ عِدَّتها (و) كـ (ــالمرتدة) لأنها لا تُقَرُّ على ردَّتها (و) كـ (ــالمجوسية) إذا أسلم زوجها لا يُقَرُّ على نكاحها (و) كـ (ـــالحُبْلَى
стр. 5378
من الزنى) إذا ترافعا إلينا قبل أن تلد، أو أسلما أو أحدهما قبل ذلك (و) كـ (ـــالمطلقة ثلاثًا) فلا يُقَرُّ على نكاحها إذا أسلم أو أسلمت، أو ترافعا إلينا.
(أو) كان النكاح (شرط الخيار فيه متى شاء، أو) شرط فيه الخيار (إلى مدَّة هما فيها) حيث قلنا بفساده من المسلم، كما نبَّه عليه القاضي، وابن عقيل، وأبو عبد الله بن تيمية، وصاحب "التنقيح"؛ لأنهما يعتقدان أنه لا يدوم بينهما. والمذهب: أن النكاح صحيح والشرط فاسد، كما تقدم (١). وعبارته كـ "المنتهى" موهمة، وسبقهما الشارح وغيره إليها.
(ونحوه) كما لو تزوَّجها إلى مدَّة، وهو نكاح المتعة، فإذا أسلما لم يُقرَّا عليه؛ لأنهما يعتقدان أنه لا يدوم بينهما (بل نُفَرِّق بينهم.
فإن كان) التفريق بينهم (قبل الدخول فلا مهر) لها؛ لأنه لا أثر للعقد إذًا (و) إن فرق بينهما (بعده) أي: بعد الدخول (فلها مهر المِثْلِ) لشُبهة العقد والاعتقاد.
(وإن كانت المرأة تُباح إذًا) أي: حال الترافع، أو الإسلام (كعقده) عليها (في عِدَّة) ولم يترافعا، أو يُسْلِما حتى (فرغت) العِدَّة (أو) عقده (بلا ولي، أو بلا شهود وصيغة) أي: إيجاب وقَبول (أو تزوَّجها على أخت) لها، و (ماتت) أختها (بعد عقده وقبل الإسلام والترافع، أُقِرَّا) قال ابن عبد البر (٢): أجمع العلماء على أن الزوجين إذا أسلما معًا في حالة واحدة، أنَّ لهما المقام على نكاحهما، ما لم يكن بينهما نسب أو رضاع.
(وإن قهر حربيٌّ حربيةً فوطئها، أو طاوعته واعتقداه نكاحًا؛ أُقرَّا)
стр. 5379
عليه إذا أسلما؛ لأن المصحح له اعتقاده الحِلَّ، وهو موجود هنا، كالنكاح بلا وليّ (وإن لم يعتقداه نكاحًا؛ لم يُقَرَّا عليه؛ لأنه ليس من أنكحتهم.
وكذا ذِمِّي) يعني: قهر حربيةً واعتقداه نكاحًا؛ أُقِرَّا عليه، أو طاوعته على الوطء واعتقداه نكاحًا؛ أُقِرَّا عليه. وأما قَهْرُ الذمية فلا يتأتَّى؛ لعصمتها.
قال الشيخ تقي الدين (١): إن قهر ذميٌّ ذميةً لم يُقرَّ مطلقًا، وهو ظاهر كلام جماعة، وصرَّح به في "الترغيب"، وجزم به في "البُلغة"، وظاهر كلام الموفّق والشارح أنهم كأهل الحرب. قال في "الإنصاف": وهو الصواب. ويمكن حمله على ما أشرْتُ إليه أوَّلًا، فلا تعارض.
(ومتى كان المهر صحيحًا) استقرَّ (أو) كان المهر (فاسدًا) كخمر أو خنزير (وقبضتْهُ؛ استقرَّ) لأنه لا يتعرَّض لما فعلوه. ويؤكّده قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢)؛ ولأن التعرض للمقبوض بإبطاله يشق؛ لتطاول الزمان وكثرة تصرفاتهم في الحرام؛ ولأن في التعريض إليهم تنفيرًا لهم عن الإسلام، فعفي عنه كما عفي عما تركوه من الفرائض.
(وإن كان) المهر (صحيحًا، ولم تقبِضْه؛ أخذَتْهُ) لوجوبه بالعقد.
(وإن لم تقبض) المهرَ (الفاسدَ) فلها مهر المِثْلِ؛ لأنه يجب في التسمية الفاسدة إذا كانت الزوجة مسلمة، فكذا الكافرة؛ ولأن الخمر لا قيمة له في الإسلام، فوجه مهر المِثْل.
стр. 5380
(أو لم يُسَمِّ لها مهرًا؛ فلها مهر المِثْل) لأنه نكاح خلا عن تسمية، فوجب لها مهر المِثْل كالمسلمة.
(ولو أسلما، والمهرُ خمرٌ قد قبضَتْه، فانقَلبَ) الخمرُ (خلًّا، وطلَّق قبل الدخول، رجع بنصفِه) أي: نصف الخل؛ لأنه عين الصداق المعقود عليه.
(ولو تلف الخَلُّ، ثم طلَّق) قبل الدخول (رجع بمثل نصفه) لأنه مِثْلي.
(وإن قبضت الزوجةُ بعضَ الحرام) كالخمر إذا قبضت منه بعضه قبل الإسلام أو الترافع إلينا؛ استقر ما قبضته؛ لما تقدم، و (وَجَب) لها (حِصَّة ما بقي من مهر المِثْلِ) لاستقرار ما قبضته، وإلغاء ما لم تقبضه.
(وتُعتبر الحصَّة فيما يدخله كَيْل) بالكيل (أو) يدخله (وزن) بالوزن (أو) يدخله (عَدٌّ به) أو ذَرْعٌ بالذرع؛ لأن العُرْف فيه كذلك، ولا قيمة له في الإسلام ليُعتبر بها، فلو أصدقها عشرة خنازير، فقبضت منها خمسة، وجب لها قسط ما بقي، وهو نصف مهر المِثْلِ؛ لأنه لا قيمة لها، فاستوى كبيرها وصغيرها.
فصل
(وإذا أسلم الزوجان معًا، بأن تلفَّظا بالإسلام دَفْعَةً واحدةً) قال الشيخ تقي الدين (١): يدخل في المعيَّة لو شرع الثاني قبل أن يفرغ الأول، فهما على نكاحهما؛ لأنه لم يوجد منهما اختلاف دِين.
стр. 5381
(أو أسلم زوج كتابيّة) أبواها كتابيان (فهما على نكاحهما) لأن نكاح الكتابية يجوز ابتداؤه، فالاستمرار أولى (سواء كان) ذلك (قبل الدخول، أو بعده) وسواء كان زوج الكتابية كتابيًّا أو غيره.
(وإن أسلمت كتابية تحت كتابي) أو غير كتابي (أو) أسلم (أحد الزوجين غيرُ الكتابيين) كالمجوسيين والوثنيين (قبل الدخول؛ انفسخ النكاح) لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ إلى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (١)؛ إذ لا يجوز لكافر نِكاح مسلمة. قال ابن المنذر (٢): أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم، ولأن دينهما اختلف، فلم يجز استمراره، كابتدائه، وتعجَّلت الفرقة (ولا يكون) هذا الفسخ (طلاقًا) كما تقدم (٣) في الفسخ للعيب، وكالرِّدة؛ فلو أسلم الآخر، ثم أعادها، فهي معه على طلاق ثلاث.
(وإن سبقته) بالإسلام قبل الدخول (فلا مهر) لها؛ لأن الفُرقة من جهتها، أشبه ما لو ارتدَّت.
(وإن سبقها) بالإسلام قبل الدُّخول (فلها نصفه) لأن الفُرقة حصلت من جهته، أشبه ما لو طلَّقها.
(وإن قالت: سبقني) وفي نسخ: "سبقتني" بالإسلام فلي نصف المهر (قال: بل أنتِ سبقتِ) بالإسلام فلا شيء لك (فـ)، ـــالقول (قولُها) لأنها تدَّعي استحقاق شيء أوجبه العقد، وهو يدَّعي سقوطه، فلم يُقبل قوله؛ لأن الأصل عدمه.
стр. 5382
(وإن قالا) أي: الزوجان: (سبق أحدُنا، ولا نعلم عينه؛ فلها - أيضًا - نصفه) لأن الأصل عدم سقوطه.
(وإن قال الرجل: أسلمنا معًا، فنحن على النكاح، وأنكرَتْهُ) فقالت: بل سبق أحدنا بالإسلام (فـ) ـــالقول (قولُها) لأن الظاهر معها، إذ يبعد اتفاق الإسلام منهما دَفْعَةً واحدة (١).
(وإن أسلم أحدهما) أي: أحد الزوجين (بعد الدخول، وقف الأمر على فراغ العِدَّة، فإن أسلم الآخر فيها؛ بقي النكاح) لما روى ابن شبرمة (٢) قال: "كان الناس على عهد رسول الله ﷺ يُسْلِمُ الرَّجل قبل المرأة، والمرأة قبله، فأيهما أسلم قبل انقضاء العِدَّة فهي امرأتُهُ، وإن أسلم بعد العِدَّة فلا نكاح بينهما" (٣).
ورُوي: "أنَّ بنتَ الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان بن أُميةَ، فأسلمتْ، ثمَّ أسلم صفوانُ، فلم يُفرِّق النبيُّ ﷺ بينهما". قال ابن شهاب: "وكان بينهما نحوٌ من شهر" رواه
стр. 5383
مالك (١). قال ابن عبد البَرِّ: شُهْرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
وقال ابن شهاب: "أسْلَمَتْ أمُّ حكيم، وهرب زوجها عكرمةُ إلى اليمن، فارتحلتْ إليه، ودَعَتْهُ إلى الإسلام، فأسلم وقَدِمَ فبايع النبيَّ ﷺ فبَقيا على نكاحهما" قال الزهري: "ولمْ يَبلُغْنا أنَّ امرأةً هاجرتْ وزوجها مُقيمٌ بدار الكفر إلا فَرَّقَتْ هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أنْ يَقْدَمَ زوجها مهاجرًا قبل انقضاء عِدَّتها" روى ذلك مالك (٢).
(وإلا) أي: وإن لم يُسلم الآخر في العدة (تبيَّنَّا فسخه منذ أسلم الأول) لأن سبب الفرقة اختلاف الدِّين، فوجب أن تُحسب الفرقة منه، كالطلاق.
(ولو وطئ) في العِدَّة (مع الوقف) أي: وقف النكاح على انقضاء عدة المتخلِّف (ولم يُسلم الآخر) في العِدَّة (فلها مهر المِثْل) لأنَّا تبيَّنَّا أنه وطئ في غير ملك. قال في "الشرح" و"المبدع": ويؤدَّب. (وإن أسلم) الآخر في العِدَّة بعد الوطء (فلا) مهر لذلك الوطء؛ لأنه وطئها في نكاحه.
(ولها نفقة العدّة إن أسلمت قبله) لأنها محبوسة بسببه، فكان لها النفقة؛ لكونه متمكِّنًا من تلافي نِكاحها كالرجعية، وسواء أسلم في
стр. 5384
عِدَّتها أم لا، و (لا) نفقة لها للعدّة إن أسلمت (بعده) لأنه لا سبيل له إلى تلافي نكاحها، فأشبهت البائن. وكذا لو أسلم ولم تُسلِم هي.
(وإن اختلفا في السابق) منهما بأن ادَّعت سَبْقه لِتَجب لها نفقة العدّة، فأنكرها؛ فقولها؛ لأن الأصل وجوب النفقة، وهو يدَّعي سقوطها (أو جُهل الأمر) فلم يعلم أيهما السابق (فقولها) يعني: فتجب لها النفقة؛ لأن الأصل وجوبها، فلا تسقط بالشك.
(وإن قال) الرجل لزوجته: (أسلمتِ بعد شهرين من إسلامي، فلا نفقة لك فيهما، فقالت): بل أسلمتُ (بعد شهر) فلي نفقة الشهر الآخر (فـ) ـــالقول (قوله) لأن الأصل براءته مما تدعيه عليه، واستصحابًا للأصل.
(ولو اتفقا على أنها أسلمت بعده، وقالت: أسلمتُ في العِدّة، وقال: بل) أسلمتِ (بعدها؛ فـ) ـــالقول (قوله) لأن الأصل عدم إسلامها في العِدّة (وانفسخ النكاح) مؤاخذةً له بإقراره.
(وإن قال) الرجل (١) لزوجته - وقد أسلمتْ قبله، ثم أسلم -: (أسلمتُ في عِدَّتك، فالنكاح باقٍ، وقالت: بل) أسلمتَ (بعد انقضائها) فانفسخ النكاح (فـ) ـــالقول (قوله) لأن الأصل بقاء النكاح.
(ويجب المُسمَّى بالدخول مطلقًا) أي: سواء كانت هي التي أسلمت أو هو الذي أسلم؛ لأنه استقرَّ بالدخول، فلم يسقط بشيء، وتقدم حكم ما إذا كان صحيحًا أو فاسدًا (وسواء فيما ذكرنا، اتفقت الداران، أو اختلفتا) أي: فلا فرق بين كونهما في دار الإسلام أو الحرب، أو أحدهما بدار الإسلام والآخر بدار الحرب؛ لأن أبا سفيان
стр. 5385
أسلم بمَرِّ الظَّهْرَان، وامرأته بمكة لم تسلم، وهي حينئذ دار حرب (١)؛ ولأن أُمَّ حكيم أسلمت بمكة، وزوجها عكرمة قد هرب إلى اليمن، ثم أسلم المتخلّف (٢). وأُقِرُّوا على أنكحتهم مع اختلاف الدين والدار. فلو تزوج مسلم مقيم بدار الإسلام كتابية بدار الحرب، صح نكاحه؛ لأنه يُباح نكاحها إذا كانت بدار الإسلام، فأُبيح نكاحها في دار الحرب، كالمسلِمة.
فصل
(وإن ارتدَّا) أي: الزوجان (معًا) فلم يسبق أحدُهما الآخر قبل الدخول؛ انفسخ النكاحُ؛ لأنَّ الارتداد اختلاف دين وقع قبل الإصابة، فوجب انفساخ النكاح، كما لو أسلمت تحت كافر (أو) ارتدَّ (أحدُهما قبل الدُّخول؛ انفسخ النكاحُ) لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٣)؛ ولأنه اختلاف دين يمنع الإصابة، فأوجب فسخ النكاح، كما لو أسلمت تحت كافر.
(ويسقط المهر برِدَّتها) لأن الفسخ من قِبَلِها (و) يسقط المهر - أيضًا - (برِدَّتهما معًا) لأن الفرقة من جهتهما (ويتنصَّف) الصداق (بِرِدَّته) وحده؛ لأن الفرقة من جهته، أشبه ما لو طلَّقها قبل الدخول.
(وإن كانت) الرِّدَّة (بعد الدخول، وقفت الفُرقة على انقضاء العِدَّة)
стр. 5386
فإن عاد المرتدّ للإسلام قبل انقضائها؛ فالنكاح بحاله، وإلا؛ تبيَّنَّا فسخه من الرِّدَّة، كإسلام أحد الزوجين، بخلاف الرضاع؛ فإنه يحرِّمها على التأبيد، فلا فائدة في تأخير الفسخ حتى تنقضي العِدَّة.
(ويُمنع) الزوج (من وطئها) إذا ارتدَّا، أو أحدهما بعد الدخول؛ لأنه اشتبهت حالة الحظر بحالة الإباحة، فَغُلِّبَ الحظرُ احتياطًا.
(وتسقط نفقتها برِدَّتها) لأنه لا سبيل له إلى تلافي نكاحها، فلم يكن لها نفقة، كما بعد العِدّة.
و (لا) تسقط نفقتها (بردَّته) لأنه يمكنه تلافي نكاحها بإسلامه، فهو كزوج الرجعية (ولا) تسقط نفقتها - أيضًا - (برِدَّتهما معًا) لأن المانع لم يمحض (١) من جهتها.
(وإن) ارتدَّ أحدُهما بعد الدُّخول، أو هما، ووقف الأمر إلى انقضاء العِدَّة، فـ (ـــوطئها مع الوقف؛ أُدِّب) لفعله معصية لا حَدَّ فيها ولا كفَّارة (ووجب لها مَهْر المِثْل لهذا الوطء إن ثبتا على الرِّدّة) إن كانت منهما (أو ثبت المرتدُّ منهما) على رِدَّته (حتى انقضت العِدَّة) لأنَّا تبيَّنَّا أنَّ النكاح انفسخ منذ الرِّدّة، وأنَّ الوطء في أجنبية، لكن له شبهة تَدْرأُ الحد، فوجب لها مهر المِثْلِ بما استحلَّ من فَرْجها.
(ويسقط) مَهْر الوطء حال الوقف (إن أسلما) قبل انقضائها (أو) أسلم (المُرتدّ) منهما (قبل انقضائها) أي: العِدَّة؛ لأنَّا تبيَّنَّا أنه وطءٌ في زوجة (٢) (ويجب لها المُسمَّى) لأنه وجب بالعقد، واستقر بالدخول، فلم يسقط بَعْدُ، سواء كانت الرِّدَّة منه، أو منها، أو منهما، فتطالب به (إن لم
стр. 5387
تكن قبضَتْه) لاستقراره، وإن طلَّقها حال الوقف، فإن أسلما أو المرتدُّ في العِدَّة؛ وقع الطلاق، وإلا؛ فلا.
(وإن انتقلا) أي: الزوجان الكافران (أو) انتقل (أحدُهما إلى دين لا يُقَرُّ عليه) كاليهودي يتنصَّر، أو النصراني يتهوَّد؛ فكالرِّدَّة.
(أو تمجَّس أحدُ الزوجين الكتابيَّين، فكالرِّدَّة) فينفسخ النكاح قبل الدخول، ويتوقف بعده على انقضاء العدة؛ لأنه انتقالٌ إلى دينٍ باطل قد أُقِرَّ ببطلانه، فلم يُقَرَّ عليه، كالمرتدِّ.
وكذا حكم كتابية تحت مسلم إذا تمجَّست، أو نحوه.
فصل
(وإن أسلم حُرٌّ وتحته أكثر من أربع، فأسلمن معه) أو في العِدَّة إن كان بعد الدخول بهنَّ (أو) لم يُسْلِمن، و (كُنَّ كتابيات، أمسك أربعًا) منهن، وليس له إمساكهنَّ كلهنَّ؛ لما روى قيس بن الحارث قال: "أسْلَمْتُ وتحتي ثَمان نسوة، فأتيت النبيَّ ﷺ فذكرتُ له ذلك، فقال: اخْتَرْ منهنَّ أربعًا" رواه أحمد وأبو داود (١). وروى محمد بن سويد
стр. 5388
الثقفي: "أنَّ غيلان بن سلمة أسلم وتحته عشر نسوة، فأسْلَمْنَ معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهنَّ أربعًا" رواه الترمذي، ورواه مالك في موطئه عن الزهري مرسلًا (١) (ولو كان مُحْرِمًا) لأن الاختيار استدامةٌ للنكاح، وتعيين للمنكوحة، فصح من المُحْرِم، كالرجعة، بخلاف ابتداء النكاح.
وله الاختيار (ولو من ميِّتات) لأن الاعتبار في الاختيار بحال
стр. 5389
ثبوته، وهو وقت الإسلام، وقد كُنَّ أحياء وقته.
(وفارق سائرهنَّ) أي: باقيهن (إن كان) الزوج (مكلَّفًا، سواء تزوجهن في عقد أو عقود، وسواء كان مَن أمسك منهن أولَ مَن عقد عليهن، أو آخرَهن) لعموم ما سبق.
(وإلا) أي: وإن لم يكن مكلَّفًا، بأن كان صغيرًا، أو مجنونًا، ولو كان جنونه بعد إسلامه (وُقِفَ الأمر حتى يُكلَّف، وليس لوليِّه الاختيار) له؛ لأن ذلك يرجع إلى الشهوة، فلا تدخله الولاية.
(وعليه) أي: على من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة - ولو غير مكلَّف - (النفقة) لجميعهن (إلى أن يختار) منهن أربعًا؛ لأنهن محبوسات لأجله، وهُنَّ في حكم الزوجات.
(وإن مات الزوج لم يقم وارثه مقامه) في الاختيار. ويأتي حكم العِدَّة والإرث.
(وإن أسلم البعض) من الزوجات (وليس البواقي كتابيات؛ مَلَك إمساكًا وفسخًا في مسلمة خاصة) إن زادت المسلمات على أربع، وليس له أن يختار واحدة ممن لم يُسْلمنَ؛ لعدم حِلِّها له.
(وله) أي: لمن أسلم، وتحته أكثر من أربع، فأسلم بعضهن، وبقي البعض (تعجيل إمساكٍ مطلقًا، و) له (تأخيره حتى تنقضي عِدَّة البقية، أو يُسْلِمن) فمن أسلم وتحته ثمان نسوة، فأسلم منهنَّ خمس، فله اختيار أربع منهنَّ، وله تأخير الاختيار إلى أن يُسلِم البواقي، أو تنقضي عِدَّتهنَّ.
(وصفة الاختيار: اخترتُ نكاح هؤلاء، أو: اخترتُ هؤلاء، أو: أمسكتهن، أو: اخترتُ حبسهن، أو): اخترتُ (إمساكهن، أو): اخترتُ
стр. 5390
(نكاحهن، أو: أمسكتُ نكاحهن، أو: ثَبَّتُّ نكاحهن، أو: ثَبَّتُّهنَّ، أو: أمسكتُ هؤلاء، أو: تركتُ هؤلاء، أو: اخترتُ هذه للفسخ، أو): اخترتها (للإمساك ونحوه) كـ: أبقيتُ هذه، وباعدت هذه.
(وإن قال لما (١) زاد على الأربع: فسختُ نكاحهن، كان اختيارًا للأربع) لدلالته عليه.
(فإن قال: سرَّحتُ هؤلاء، أو: فارقتهنَّ؛ لم يكن طلاقًا لهنَّ) إلا أن ينويه؛ لأنه كناية (ولا اختيارًا لغيرهن) لأنه ليس صريحًا فيه (إلا أن ينويه) فيعمل بما نواه؛ لأن لفظه يحتمله، والنية مُعيِّنة للمقصود.
(والمهر لمن انفسخ نكاحُها بالاختيار، إن كان دخل بها) لأنه استقرَّ بالدخول، فلم يسقط (وإلا) بأن لم يدخل بها (فلا مهر لها) لأن النكاح ارتفع من أصله؛ لأنه ممنوع من ابتدائه واستدامته، فوجوده كعدمه.
(ولا يصح تعليق الفُرقة) بشرط (ولا) يصح تعليق (الاختيار بشرط) فلا يصح: كلَّما أسلمتْ واحدة؛ فقد اخترتُهَا، أو: كل من دخلت دار فلان؛ فقد فارقتُها، ونحوه؛ لأن الشرط قد يوجد في من يحبُّها، فيفضي إلى تنفيره (٢)، ولذلك لم تدخل القرعة فيه، فإن علَّق الفسخ بشرط، وأراد به الطلاق، ففيه وجهان؛ أطلقهما في "الشرح" وغيره.
(ولا) يصح (فسخُ نكاح مُسلِمة لم يتقدَّمها) أي: لم يتقدَّم فسخَ نكاحِها (إسلام أربع).
قال في "المحرر": ولو اختار أوَّلًا فسخ نكاح مُسلِمة، صحَّ إن
стр. 5391
تقدَّمه إسلام أربع سواها، وإلا؛ لم يصحَّ بحال.
وقال في "المغني": وإن اختار أقلَّ من أربع، أو اختار تَرْك الجميع، أمر بطلاق أربع أو تمام أربع؛ لأن الأربع زوجات لا يَبِنَّ منه إلا بطلاق، أو ما يقوم مقامه.
(وعِدَّةُ ذواتِ الفسخِ مندُ اختارَ) لأن البينونة حصلت به (وفُرقتُهن فَسْخٌ) لا ينقص به عدد طلاقهنَّ لو عقد عليهن بَعْدُ (وعِدَّتهن كعِدَّة المطلَّقات) لأنهن مفارَقات حال الحياة.
(وإن ماتت إحدى المختارات، أو بانت منه، وانقضت عِدَّتها، فله أن ينكح واحدة من المُفارَقات) لأن تحريمها كان لعارض، وقد زال (وتكون عنده على طلاق ثلاث) يعني: أنَّ الفسخ لا يحتسب من عدد الطلاق؛ لأنه ليس طلاقًا.
(وإن لم يختر) من نسائه ما للفسخ، وما للإمساك (أُجبِرَ) على الاختيار (بحبسٍ، ثم تعزير) لأن الاختيار حقٌّ عليه، فألزم بالخروج منه إن امتنع؛ كسائر الحقوق.
(وليس للحاكم أن يختار عنه) كما يُطلِّق على المُؤلي؛ لأن الحق هنا لغير معيَّن (ولهن النفقة حتى يختار) لأنهن محبوسات لأجله، وتقدم (١).
(فإن طلَّق واحدة) منهنَّ فقد اختارها؛ لأن الطلاق لا يكون إلا في زوجة (أو وَطِئها، فقد اختارها) لأنه لا يجوز إلا في ملك، كوطء الجارية التي اشتراها بشرط الخيار له.
(وإن وطئ الكلَّ؛ تعيَّن) الأربع (الأُوَلُ له) أي: للإمساك، وما
стр. 5392
عداهُنَّ تعين للترك.
(وإن ظاهَرَ) من واحدة (أو آلى منها، أو قَذَفَها؛ لم يكن اختيارًا) لها؛ لأن هذه كما تدلُّ على التصرف في المنكوحة، تدلُّ على اختيار تَرْكِها، فيتعارض الاختيار وعدمه، فلا يثبت واحد منهما.
(فإن طلَّق الكلَّ ثلاثًا، أُخْرجَ بالقرعة أربعٌ منهنَّ، وكُنَّ المختارات، ووقع الطلاق بهنَّ) لأنه لا يملك (١) الطلاق على أكثر من أربع، فإذا أوقع الطلاق على الجميع، أخرج الأربع المطلقات بالقرعة، كما لو طَلَّقَ أربعًا منهن لا بعينهن (وله نكاح البواقي بعد انقضاء عِدَّة الأربع) فلو كُنَّ ثمانيًا، فكلما انقضت عِدَّة واحدة من المطلقات، فله نكاح واحدة من المُفارَقات.
(وإن مات) قبل الاختيار (فعلى الجميع أطول الأمرين: من عِدَّةِ وفاة، أو ثلاثة قروء إن كُنَّ ممَّن يَحِضْنَ) لتنقضي العِدَّة بيقين؛ لأن كلَّ واحدة منهنَّ يحتمل أن تكون مختارة أو مفارقة، وعِدَّة المختارة عِدَّة الوفاة، وعِدَّة المُفارَقة ثلاثة قروء، فأوجبنا أطولهما (وعِدَّة حاملٍ بوضعه) لأنه لا تختلف عِدَّتها (و) عِدَّة (صغيرة وآيسة بعِدَّة وفاة) لأنها أطول من ثلاثة أشهر.
(والميراث لأربع) منهنَّ (بقُرعة) لأن الميراث بالزوجية، ولا زوجية فيما زاد على الأربع.
(وإن اخترْنَ جميعُهنَّ الصُّلح) وكن مكلَّفات رشيدات (جاز كيف ما اصطلحن) لأن الحقَّ لا يعدوهن.
(ومن هاجر إلينا) من الزوجين (بذمَّة مؤبدَّة، أو أسلما) أي:
стр. 5393
الزوجان (أو أسلم أحدُهما، والآخر بدار الحرب، لم ينفسخ النكاح) باختلاف الدار؛ لِمَا تقدم (١)، وأما اختلاف الدِّين فقد مضى تفصيله (٢).
(وإن أسلمت امرأة ولها زوجان أو أكثر) من زوجين (تزوجاها في عقد واحد؛ لم يكن لها أن تختار أحدَهم، ولو أسلموا معًا) قال في "الإنصاف": ذكره القاضي محلَّ وفاقٍ (وإن كان) تزويجهم بها (في عقودٍ، فالأول صحيح، وما بعده باطل.
وإن أسلم وتحته أُختان، أو تحته (٣) امرأة وعمَّتها، أو) امرأة و (خالتها) ونحوه (اختار منهما واحدة إن كانتا كتابيَّتين، أو) كانتا (غيرَهما) كمجوسيَّتين (وأسلمنا معه، أو) أسلمنا (بعده في العِدَّة، إن كانت عِدَّة) بأن كان دخل بهما؛ لما روى الضحَّاك بن فيروز، عن أبيه قال: "أسْلَمْتُ وعندي امرأتان أُختان، فأمرني النبيُّ ﷺ أن أُطلِّقَ إحداهما" رواه الخمسة (٤). وفي لفظ للترمذي: "اخْترْ
стр. 5394
أيهما (١) شئت"؛ ولأن المبقاة امرأة يجوز له ابتداء نكاحها، فجاز له استدامته كغيرها؛ ولأن أنكحة الكفار صحيحة، وإنما حُرِّمَ الجمع، وقد أزاله، كما لو طلَّق قبل الإسلام إحداهما، ولا مهر لغير المختارة إن لم يكن دخل بها؛ لأنه نكاح لا يُقَرُّ عليه في الإسلام، أشبه تزوُّج المجوسي أخته.
(وإن كانتا) أي: اللتان تحت مَنْ أسلم (أُمًّا وبنتًا) وأسلمتا معه، أو في العِدَّة (فسد نكاح الأم) لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٢) وهذه أمُّ زوجته، فتدخل في عموم الآية؛ ولأنه لو تزوج البنت وحدها، ثم طَلَّقها، حرمت عليه أمُّها إذا أسلم، فإذا لم يطلقها، وتمسَّك بنكاحها، فمن باب أولى، ويبقى نكاح البنت إن لم يكن دخل بأُمِّها.
(وإن كان دخل بهما) أي: بالأمِّ والبنت؛ فسد نكاحهما، أما الأمُّ
стр. 5395
فلما تقدم، وأما البنت؛ فلأنها ربيبة دخل بأمها.
(أو) كان دخل (بالأم) وحدها (فسد نكاحهما) لما تقدم، وكذا لو أسلمت إحداهما وحدها.
(وإن اختار إحدى الأختين ونحوَهما) كالمرأة وعمَّتها أو خالتها (لم يطأها) أي: المختارة (حتى تنقضي عِدَّة أختها) ونحوها، لئلا يجمع ماءه في رحم نحو أختين.
(وكذلك إذا أسلم وتحته أكثر من أربع) فلا يجمع ماءه في أكثر من رحم أربع.
(فإن كُنَّ ثمانيًا، واختار أربعًا، وفارق الباقيات، لم يطأ واحدة من المختارات حتى تنقضي عِدَّة المفارَقات، أو يَمُتْنَ) يعني كلما انقضت عِدَّة واحدة من المفارَقات فله وطء واحدة من المختارات.
(وإن كُنَّ خمسًا، ففارق إحداهن) وأمسك أربعًا (فله وطء ثلاث من المختارات، ولا يطأ الرابعة حتى تنقضي عِدَّة المفارَقة.
وإن كُنَّ ستًّا ففارق اثنتين، فله وطء اثنتين من المختارات) وإذا انقضت عدة إحدى المفارَقتين، فله وطء ثالثة من المختارات.
(وإن كُنَّ سبعًا ففارق ثلاثًا، فله وطء واحدة فقط من المختارات.
وكلما انقضت عِدَّة واحدة من المفارَقات، فله وطء واحدة من المختارات.
وإن أسلم) الزوج (قبلهنَّ) أي: قبل إسلام مَنْ تحته، وهُنَّ أكثر من أربع (ثم طلَّقهن قبل انقضاء عِدَّتهن، ثم أسلمن بعدها، تبيَّنَّا أنَّ طلاقه لم يقع بهنَّ) لأنهن قد بِنَّ بمجرد إسلامه، فلا يلحقهنَّ طلاقه (وله نكاح أربع منهن) في الحال.