الحاجة إلى استعمال القوت، مثلَ الدبغ بدقيق الشعير، والتطبب للجرب باللبن والدقيق، ونحو ذلك، رُخِّص فيه) للحاجة.
وتقدَّم في إزالة النجاسة (١): يحرم استعمال مطعوم في إزالتها.
(وغسل الفم بعد الطعام مُستحبٌّ، ويُسنُّ أن يتمضمض من شرب اللَّبن) قال في "الآداب" (٢): ويتوجَّه أن تُستحبّ المضمضة من كل ما له دَسَم؛ لتعليله ﷺ (٣).
(و) يُسنُّ (أن يَلْعَقَ أصابعه (٤) قبل الغسل والمَسْح، أو يُلعِقَهَا (٥) غيرهَ) لحديث كعب بن مالك: "كان النبيُّ ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ولا يمسح يديه حتى يلعقها" رواه الخلال بإسناده (٦).
стр. 5497
(ويَعرِض ربُّ الطعام الماءَ لغسلهما، ويقدِّمه بقُرْب طعامه) تذكيرًا بالسُّنة (ولا يعرض الطعام) بل يقدِّمه لهم؛ لئلا يستحيوا فلا يطلبونه.
(و تُسَنُّ التسمية على الطعام والشراب) لحديث عائشة مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم، فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر اسم الله في أوَّله، فليقل: باسم الله أوَّلَهُ وآخرَه" (١). والشرب مثله (ويجهر بها) أي: بالتسمية ندبًا؛ ليُنَبِّه غيره عليها (فيقول) الآكل أو الشارب: (باسم الله. قال الشيخ (٢): ولو زاد: الرحمن الرحيم؛ لكان حسنًا) فإنه أكمل، بخلاف الذبح؛ فإنه قد قيل: لا يناسب ذلك.
(و) يُسَنُّ (أن يأكل بيمينه ومما يليه، ويُكره تركهما) أي: ترك الأكل باليمين ومما يليه؛ لما روي عن عمر بن أبي سلمة قال: "كنتُ يتيمًا في حجر رسول الله ﷺ ، فكانت يدي تطيش في الصَّحْفة، فقال لي النبيُّ ﷺ : يا غلام سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ ممَّا يليك" متفق
стр. 5498
عليه (١).
(و) يُكره (الأكل والشُّرب بشماله، إلا من ضرورة) لحديث ابن عمر مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم فليأكلْ بيمينه؛ فإنَّ الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" متفق عليه (٢).
(وإن جَعَل بيمينه خُبزًا وبشماله شيئًا) كجبن أو خيار (يَأْتَدِم به، وجعل يأكل من هذا (٣)) الذي جعله بشماله (كُرِهَ؛ لأنه آكلٌ بشماله؛ ولما فيه من الشَّرَه، فإن أكل أو شرب بشماله، أكل وشرب معه الشيطان) للخبر (٤).
(وإن نسي التسميةَ في أوله) أي: الأكل أو الشرب (قال - إذا ذكر -: باسم الله أولَه وآخرَه) لما تقدم في حديث عائشة، وظاهره: ولو بعد فراغه من الأكل.
(فإن كانوا) أي: الآكلون (جماعة؛ سَمَّوا كلُّهم) لعموم الخبر (ويُسمِّي المميز) لحديث عمر بن أبي
стр. 5499
سلمة (١) (ويُسمَّى عمَّن لا عقل له ولا تمييز) لتعذُّرها منه، وينبغي أن يشير بها أخرسُ ونحوه، كالوضوء.
(ويحمد الله) الآكلُ والشاربُ (جهرًا، إذا فرغ) من أكله أو شربه؛ لقوله ﷺ : "إنَّ الله لَيرضى من العبد أن يأكل الأكلة، أو يشربَ الشّربة، فيَحمَدُه عليها" رواه مسلم (٢).
(ويقول) إذا فرغ من أكله (ما وَرَدَ، ومنه) ما روى أبو سعيد: "كان رسول الله ﷺ إذا أكل، أو شرب قال: (الحمد لله الذي أطعمنا، وسقانا، وجعلنا مسلمين) " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه (٣).
стр. 5500
ومنه - أيضًا - ما روى معاذُ بن أنس الجُهَني عن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أكل طعامًا فقال: (الحمدُ لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حَوْلٍ مِنِّي ولا قوَّةٍ) غُفر له ما تقدَّم من ذنبه" رواه ابن ماجه (١).
(و يُسن الدُّعاء لصاحب الطعام ومنه: "أفطر عندكمُ الصَّائمون، وأكل طعامَكُمُ الأبرارُ، وصلَّتْ عليكمُ الملائكةُ") للخبر (٢).
стр. 5501
(و يُستحبُّ إذا فرغ من الأكل ألَّا يُطيل الجلوس من غير حاجة، بل يستأذن ربَّ المنزل، وينصرف) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ (١).
(ويُسمِّي الشارب عند كل ابتداء، ويحمد عند كل قطع. وقد يقال مثله في أكل كل لُقمة؛ فَعَلَه أحمد (٢)، وقال: أَكْلٌ وحَمْدٌ، خير من أكل وصمت.
(ويُكره الأكل من ذِروة الطعام) أي: أعلى الصَّحْفة (ومن وسطه، بل) يأكل (من أسفله) لما روى ابن عباس مرفوعًا: "إذا أكل أحدكم طعامًا، فلا يأكل من أعلى الصَّحْفَة، ولكن ليأكل من أسفلها، فإنَّ البركة
стр. 5502
تنزل من أعلاها" (١). وفي حديث آخر: "كُلوا من جوانبها ودَعوا ذُروتها يُبارَك فيها" (٢) رواهما ابن ماجه.
(وكذلك الكيل) للعلّة التي أشار إليها ﷺ .
(ويُكره نَفْخُ الطعام والشراب) ليبرد، قال في "المستوعب": النفخ في الطعام، والشراب، والكتاب، منهيٌّ عنه. وقال الآمدي: لا يُكره النفخُ والطعام حارّ. قال في "الإنصاف": وهو الصواب؛ إن كان ثَمَّ
стр. 5503
حاجة إلى الأكل حينئذ.
(و) يُكره (التنفس في إناءَيْهِما) لأنه ربما عاد إليه مِنْ فِيهِ شيء.
(وأَكْلُه حارًّا) لأنه لا بركة فيه، كما في الخبر (١) (إن لم تكن حاجة) إلى أكله حارًّا، فيُباح.
(و) يُكره - أيضًا - أكله (مما يلي غيره إن كان الطعام نوعًا واحدًا، فإن كان أنواعًا) أي: نوعين فأكثر، فلا بأس (أو) كان الطعام (فاكهة) فلا بأس؛ لحديث عِكْراش بن ذؤيب قال: "أُتي النبيُّ ﷺ بجَفْنةٍ كثيرةِ الثّريد والوَدكِ، فأقبلنا نأكل، فَخَبَطَتْ يدي في نواحيها، فقال: يا عكراش، كُلْ من موضع واحدٍ، ثُمَّ أُتينا بطَبَقٍ فيه ألوانٌ من الرُّطب، فجالتْ يد رسول الله ﷺ في الطّبق، وقال: يا عِكْراش، كُلْ من حيث شئت، فإنَّه
стр. 5504
غير لونٍ واحد" رواه ابن ماجه (١).
(قال الآمدي: أو كان يأكل وحده، فلا بأس) بأكله مما لا يليه؛ لأنه لا يؤذي بذلك. قلت: وكذا لو كان يأكل مع من لا يستقذره منه، بل يستشفي به، كما يشهد له تتبعه ﷺ للدُّبَّاء من حوالي الصحفة في حديث أنس (٢).
(وكره) الإمام (أحمد (٣) أن يتعمَّد القومَ حين وضع الطعام، فَيَفْجأهم) لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. . .﴾ (٤) الآية.
(وكذا الضَّيْفَنُ الذي يتبع الضيف من غير أن يُدعى، وهو الطُّفيلي. وفي "الشرح": لا يجوز. وإن فَجَأهم بلا تعمُّد، أكل؛ نصًّا (٢)) وأطلق في "المستوعب" وغيره الكراهة، إلا مَنْ عادته السماحة.
(وكره) أحمد (٥) (الخبزَ الكبار، وقال: ليس فيه بركة) وذكر معمر
стр. 5505
أن أبا أسامة قدَّم لهم طعامًا، فكسر الخبز، قال أحمد: لئلا يعرفوا كم يأكلون (١).
(ويُكره أن يستبذله) أي: الخبز؛ لقوله ﷺ : "أكرموا الخبز" (٢)
стр. 5506
(فلا يمسح يده، ولا السكين به) أي: بالخبز (ولا يضعه تحت القصعة، ولا تحت المَمْلَحة) أي: آنية الملح؛ لأنه استبذال له (بل يوضع الملح وحده على الخبز) لأنه لا استبذال فيه.
(ويُستحبُّ أن يُصَغِّر اللقمة، ويُجيدَ المضغ، ويطيل البلع) لأنه أجود هضمًا (قال الشيخ (١): إلا أن يكون هناك ما هو أهم من الإطالة، واستَحبَّ بعض الأصحاب تصغيرَ الكِسَر) يعني: اللُّقَم.
(وينوي) ندبًا (بأكله وشربه التَّقوِّيَ على الطاعة) لحديث: "وإنّما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (٢).
(ويبدأ الأكبرُ والأعلمُ وصاحبُ البيت) بالأكل؛ لحديث: "كَبِّرْ، كَبِّرْ" (٣) (ويُكره لغيرهما السَّبْق إلى الأكل) لما فيه من الدناءة والشَّرَه.
стр. 5507
(وإذا أكل معه ضريرٌ؛ استُحِبَّ أن يُعْلِمَه بما بين يديه) من الطعام، ليتناول ما يشتهيه (١).
(ويُسَنُّ مسح الصَّحْفَة) التي يأكل فيها؛ للخبر (٢) (وأَكْل ما تناثر منه) أو يسقط منه من اللُّقَم، بعد إزالة ما عليه من أذىً؛ للخبر (٣) (والأكل عند حضور رَبِّ الطعام، وإذنه، والأكل بثلاث أصابع) لحديث كعب بن مالك وتقدَّم (٤) (ويُكره بما دونها) لأنه كِبْر (و) يُكره أيضًا (بما فوقها) لأنه شَرَهٌ (ما لم تكن حاجة) قال مُهنَّا (٥): سألت أبا عبد الله عن الأكل بالأصابع كلها؟ فذهب إلى ثلاث أصابع، فذكر مسألة الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ : "أنه كان يأكل بكَفِّه كُلّها" (٦)، فلم يصححه،
стр. 5508
ولم يَرَ إلا ثلاث أصابع.
(ولا بأس بالأكل بالملعقة) وإن كان بدعة؛ لأنها تعتريها الأحكام الخمسة. قلت: ربما يؤخذ من قول الإمام (١): "أكره كُلَّ مُحْدَث"، كراهتُها.
فصل
(ويُكره القِرانُ في التَّمْر ونحوه، مما جرت العادةُ بتناوله أفرادًا) لما فيه من الشَّرَهِ.
(و) يُكره له (فِعْلُ ما يستقذرُه من غيره، من بُصاق ومُخاط وغيره، و) يُكره (أن ينفُضَ يده في القصعة) لما فيه من الاستقذار.
(و) يُكره (أن يُقَدِّم إليها) أي: القصعة (رأسَه عند وَضْعِ اللُّقْمة في فيه) لأنه ربما سقط من فمه شيء فيها فقذَّرها.
(و) يُكره (أن يغمس اللُّقْمة الدَّسِمة في الخَلِّ، أو) يغمس (الخلَّ في الدَّسم، فقد يكرَهُهُ غيرُه). قلت: فإن أحبَّه الكل فلا بأس، كما لو كان وحده.
(ولا بأس بوضع الخَلِّ، والبقول على المائدة، غيرَ الثُّوم والبصل، وما له رائحةٌ كريهةٌ) فإنه يُكره أكله نِيئًا، كما يأتي في الأطعمة.
стр. 5509
(ويكون) عند المائدة (ماءٌ تُدْفع به الغُصَّةُ) خشية أن توجد.
(وينبغي أن يحوِّلَ وجهَه عند السُّعالِ والعُطاس عن الطعام، أو يُبْعِده عنه، أو يجعل على فِيه شيئًا؛ لئلا يخرج منه بُصاقٌ، فيقع في الطعام) فيُقَذِّره.
(وإن خرج من فيه شيء) من عظم أو تَفْل (١) أو نخامة (ليَرْمي به، صَرَف وجهه عن الطعام) لئلا يقع فيه شيء من فيه (وأخذه بيساره) فرمى به؛ لأنه مستقذَر.
(ويُكره ردُّه) أي: ما يخرج من فيه (إلى القصعة، وأن يغمس بقية اللُّقْمة التي أكل منها في المرقة، وكذا هَنْدَسَة اللقمة، وهو أن يقضم بأسنانه) لا بيده (بعضَ أطرافها، ثم يضعها في الإدْمِ) لأن ذلك مستقذَر، وتعافه النفس.
(و) يُكره لمن يأكل مع غيره (أن يتكلَّم بما يُستقذر، أو بما يضحِكُهم، أو يحزنهم) قاله الشيخ عبد القادر (٢).
(و) يُكره - أيضًا - (أن يأكل متكئًا، أو مضطجعًا، أو منبطحًا. وفي "الغنية" وغيرها: أو على الطريق.
و) يُكره - أيضًا - (أن يعيب الطعام، وأن يحتقره، بل إنِ اشتهاه أكله، وإلا تَرَكه) لما ورد: "أنّهُ ﷺ ما عاب طعامًا قطُّ، بل إنِ اشتهاه أكَلهُ، وإلا تَرَكهُ" (٣) (ولا بأس بمدحه) أي: الطعام، لكن يُكره لربِّ الطعام مدحه وتقويمه، كما يأتي.
стр. 5510
(ويُستحبُّ) للآكل (أن يجلس على رجله اليُسرى وينصب اليمنى، أو يتربَّع) وجعله بعضهم من الاتكاء.
(قال ابن الجوزي: ولا يشرب الماء في أثناء الطعام؛ فإنه) أي: عدم الشرب في أثنائه (أجود في الطب (١). وينبغي أن يقال: إلا أن يكون ثَمَّ عادة) قال في "المنتهى": وفي أثناء طعام بلا عادة. انتهى. قال بعض العلماء: إلا إذا صدق عطشه، فينبغي من جهة الطب، يقال: إنه دباغ المعدة.
(ولا يَعُبُّ الماء عبًّا) للخبر (وأن يأخذ إناء الماء بيمينه) مع القدرة (ويُسمِّي) وتقدّم (٢) (وينظر فيه) خشية أن يكون فيه ما يكره، أو يؤذيه (ثم يشربَ منه مصًّا، مُقَطَّعًا، ثلاثًا) لقوله ﷺ : "مَصُّوا الماء مصًّا، ولا تعُبُّوه عبًّا، فإنَّ الكُباد من العَبِّ" (٣) والكُباد - بضم الكاف وبالباء الموحدة - قيل: وجع الكبد. ويعبُّ اللبن؛ لأنه طعام (ويتنفسَ) كل مرة (خارج
стр. 5511
الإناء، ويُكره أن يتنفس فيه) وتقدم.
(و) يُكره (أن يشرب من فِيْ السقاء) نصًّا (١)، لنهيه ﷺ (٢)؛ لأنه قد يخرج من داخل القِربة ما يُنغِّص الشرب، أو يؤذي الشارب (و) من (ثُلْمة الإناء، أو محاذيًا للعروة المتصلة برأس الإناء) وكذا اختناث الأسقية، وهو قَلْبُها. قال الجوهري (٣): خَنَث الإناء واختنثته، إذا ثنيتَه إلى خارج، فشربتَ منه، فإن كسرته إلى داخل فقد قبعته - بالقاف والباء الموحدة والعين المهملة -.
(ولا يُكره الشُّرب قائمًا، و) شُرْبه (قاعدًا أكمل.
وماء آبار ثمودَ لا يُباح شربه، ولا الطبخ به، ولا استعماله، فإن طَبَخَ منه أو عجن؛ أَكفأ القدور، وعلف العجين النواضح) جمع ناضحة أو ناضح، وهو البعير يستقي عليه أو البقر.
قلت: ولعل المراد: مطلق البهائم (ويُباح منها بئر الناقة، وتقدم في) كتاب (الطهارة (٤).
وديار قوم لوط مسخوطٌ عليها، فيُكره شرب مائها واستعمالُه) وكذا بئر بَرْهوت (٥) وذَرْوان (٦) وبئر بمقبرة، وتقدم (٧).
قال في "الفروع": (وظاهر كلامهم: لا يُكره أكله قائمًا) ويتوجَّه:
стр. 5512
كشرب؛ قاله شيخنا.
(وإذا شرب) لبنًا أو غيره (سُنَّ أن يناوله الأيمن) ولو صغيرًا أو مفضولًا، ويتوجَّه أن يستأذنه في مناولته الأكبر، فإن لم يأذن، ناوله له؛ للخبر (١).
(وكذا غسل (٢) يديه (٣)) يكون للأيمن فالأيمن (ورشُّ الماورد (٤) ونحوه) من أنواع الطيب، وكذا التجمير بالعود ونحوه.
(ويبدأ في ذلك) أي: في الشرب وغسل الأيدي ورشِّ ماء الورد ونحوه (بأفضلهم، ثم بمَنْ على اليمين) لفعله ﷺ في الشرب (٥). وقيس الباقي.
(ويُستحب أن يَغُضَّ طَرْفه عن جليسه) لئلا يُخْجلَه (و) أن (يُؤْثِر
стр. 5513
على نفسه المحتاج) لمدحه تعالى فاعل ذلك بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (١).
(ويُخَلِّل أسنانَه إن عَلِقَ بها شيء) من الطعام. قال في "المستوعب": رُوي عن ابن عمر: تَرْك الخلال وَهَنُ الأسنان (٢)؛ وذكره بعضهم مرفوعًا (٣). ورُوي: تخلّلوا من الطعام، فإنه ليس شيء أشدّ على المَلَك الذي على العبد أن يجد من أحدكم ريح الطعام (٤). قال الأطباء:
стр. 5514
وهو نافع - أيضًا - لِلِّثَة ومن تغيُّر النكهة.
و (لا) يخلل أسنانه (في أثناء الطعام) بل إذا فرغ.
(ولا) يتخلل (بعُود يضرُّه) كَرُمَّان وآسٍ (١)، ولا بما يجهله؛ لئلا يكون من ذلك، وكذا ما يجرحه (وتقدم في باب السواك (٢).
ويُلقي ما أخرجه الخِلَال، ويُكره أن يبتلعه) قال الناظم: للخبر (٣)
стр. 5515
(وإن قلعه بلسانه، لم يكره ابتلاعه) كسائر ما بِفِيهِ.
(ولا يأكل مما شُرِبَ عليه الخمر) لأنَّ شراءه لذلك فاسد؛ ولأنه أثر معصية.
(ولا) يأكل (مختلطًا بحرام) لاستلزامه أكل الحرام (١)، وأما الأكل من مال مَن في ماله حرام، فتقدم الكلام عليه مستوفىً (٢).
(ولا يُلْقِم جليسه) إلا بإذن رَبِّ الطعام (ولا يفسح لغيره إلا أن يأذن ربُّ الطعام) لأنه تصرف في ماله بغير إذنه.
(وفي معنى ذلك: تقديم بعض الضيفان ما لديه، ونَقْلُه إلى البعض الآخر) فلا يفعله بلا إذن ربِّ الطعام.
(قال في "الفروع": وما جرت العادةُ به، كإطعام سائل وسِنَّور ونحوه، وتلقيم) غيره (وتقديم) بعض الضيفان إلى بعض (يحتمل كلامهم وجهين، وجوازه أظهر؛ لحديث أنس في الدُّبَّاء) قال أنس: "دعا رسولَ الله ﷺ رجلٌ، فانطلقتُ معه، فجيءَ بمَرقة فيه دُبَّاءٌ، فجعل يأكلُ من ذلك الدُّبَّاءِ ويُعجبهُ، فلمّا رأيت ذلك جعلتُ أُلقيه ولا أَطْعَمُهُ. قال أنس: فما زلتُ أُحبُّ الدُّبَّاء" رواه مسلم، والبخاري (٣) ولم يقل: "ولا أَطْعَمُهُ" وفي لفظٍ: قال أنس: "فرأيتُ رسول الله ﷺ يَتَّبَّعُ الدُّبَّاء من
стр. 5516
حوالي الصَّحْفةِ - فلم أزَلْ أُحبُّ الدُّبَّاءَ من يومئذٍ - فجعلتُ أجمعُ الدُّبَّاء بين يديه".
(ولا يخلط طعامًا بطعام) لأنه قد يستقذره غيره.
(ولا يُكره قطع اللحم بالسكين، والنهي عنه لا يصح (١)) قاله أحمد (٢).
(وينبغي ألَّا يُبادر إلى تقطيع اللحم الذي يُقدَّم للضيفان حتى يأذنوا له في ذلك.
ولا بأس بالنِّهْد) - بكسر النون، ويقال: المناهدة - بأن يخرج كل من رفقته شيئًا من النفقة، ويدفعونه إلى من ينفق عليهم منه، ويأكلون جميعًا (وتقدم) ذلك (في) باب (ما يلزم الإمامَ والجيش (٣).
стр. 5517
وإن تصدَّق منه بعضهم، قال أحمد (١): أرجو ألَّا يكون به بأس، لم يزل الناس يفعلون ذلك).
قال في "المنتهى": فلو أكل بعضهم أكثر أو تصدق فلا بأس.
قال في "الآداب" (٢): (وعلى هذا يتوجَّه: صدقة أحد الشريكين بما يُسامَح به عادة وعْرْفًا، وكذا المضارِب والضيف ونحو ذلك) لأنه مأذون فيه عرفًا.
قال في موضع آخر (٣): لكن الأدب والأولى الكَف عن ذلك؛ لما فيه من إساءة الأدب على صاحبه، والإقدام على طعامه ببعض التصرف من غير إذن صريح.
(والسُّنة أن يكون البطن أثلاثًا: ثلثًا للطعام، وثلثًا للشراب، وثلثًا للنَّفَس) لقوله ﷺ : "بحَسْب ابن آدمَ لُقيماتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإن كان ولا بُدَّ، فثُلُثٌ لطعامه، وثُلُثٌ لشرابه، وثُلُثٌ لنفسه" (٤).
стр. 5518
(ويجوز أكله أكثر) من ثلثه (بحيث لا يؤذيه، و) أكله كثيرًا (مع خوف أذىً وتُخْمةٍ يحرم) نقله في "الفروع" عن الشيخ تقي الدين (١)، بعد أن نقل عنه: يكره. وفي "المنتهى": وكُره أكله كثيرًا بحيث يؤذيه.
(ويُكره إدمان أكل اللحم) ويأتي في الأطعمة.
(و) يُكره (تقليل الطعام بحيث يضره.
وليس من السُّنة تَرْك أكل الطيبات) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ (٢).
(ولا بأس بالجمع بين طعامين) من غير خلط؛ لحديث عبد الله بن جعفر قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ يأكل القِثاءَ بالرطب" (٣).
(و"من السَّرَف أن تأكل كلَّ ما اشتهيت") رواه ابن ماجه (٤) من
стр. 5519
حديث أنس مرفوعًا. قال في "الآداب" (١): وفيه ضعف.
(ومن أذهب طيِّباته في حياته الدنيا، واستمتع بها، نقصت درجاته في الآخرة) للأحاديث الصحيحة (٢).
(وقال) الإمام (أحمد (٣): يؤجر في تَرْكِ الشهوات. ومرادُه ما لم
стр. 5520
يخالف الشَّرْع).
قال الشيخ تقي الدين (١): من امتنع من الطيبات بلا سبب شرعي؛ فمبتدعٌ.
(ويأكل ويشرب مع أبناء الدنيا بالأدب والمروءة) بوزن سهولة (ويأكل مع الفقراء بالإيثار، و) يأكل (مع الإخوان بالانبساط، و) يأكل (مع العلماء بالتعلُّم، ولا يتصنَّع بالانقباض) لأنه يؤذي الحاضرين معه، ويتكلّف الانبساط (ولا يُكثِرُ النظر إلى المكان الذي يُخْرَج منه الطعام) لأنه دناءة.
(ويُستحبُّ الأكل مع الزوجة والولد - ولو طفلًا - والمملوك، وأن تَكثُر الأيدي على الطعام، ولو من أهله وولده) لتكثر البركة، ولعلّه يصادف صالحًا يأكل معه، فيُغفر له بسببه.
(ويُسَنُّ أن يُجلِس غلامه معه على الطعام، وإن لم يُجلِسْه؛ أطعمه منه) ويأتي في نفقة المماليك.
(و) يُسن (لمن أكل مع الجماعة ألّا يرفع يده قبلهم حتى يكتفوا) لئلا يُخجِلهم. قال في "الآداب" (٢): بلا قرينة. قال الشيخ عبد القادر (٣): إلا أن يعلم منهم الانبساط إليه.
(ويُكره لصاحب الطعام مَدْح طعامه وتقويمه؛ لأنه دناءة).
стр. 5521
فصل
(ويُستحبُّ أن يباسط الإخوان بالحديث الطيب، والحكايات التي تليق بالحال، إذا كانوا منقبضين) ليحصل لهم الانبساط، ويطول جلوسهم.
(ويُقدِّم) ربُّ الطعام (ما حضر) عنده (من الطعام من غير تكلُّف) لمعدوم؛ للخبر الآتي (ولا يحتقره) لأنه نعمة من الله، وإن قلّ.
(وإذا كان الطعام قليلًا، والضيوف كثيرة، فالأولى ترك الدعوة) لاسيما إذا كان قليلًا جدًّا؛ لأنه ربما يوقعهم في الخوض فيه. قال بعض العلماء: وهذا محمولٌ على من كان واجدًا للزيادة فتَرَكها، أما الذي لا يجد إلا ما قدَّمه، فلا ينبغي له الترك.
(ويُسنُّ أن يخصَّ بدعوته الأتقياء والصالحين (١)) لتناله بركتهم؛ ولأنهم يَتَقَوَّوْنَ به على طاعة الله، بخلافه (٢) ضدهم، فإنهم يتقوَّون به على معصيته، فيكون معينًا لهم عليها.
(وإذا طبخ مرقة، فليكثِر من مائها، ويتعاهد منه بعض جيرانه) للخبر (٣).
стр. 5522
(وإذا حضر الطعام، و) أقيمت (الصلاة، فقد تقدَّم آخر باب صفة الصلاة (١).
ولا خير في من لا يُضيف) كما في الخبر (٢).
(ومن آداب إحضار الطعام تعجيلُهُ) للقادم (لا سيما إذا كان الطعام قليلًا. و) يستحبُّ (تقديم الفاكهة قبل غيرها؛ لأنه أصلحُ في باب الطب) لأنها أسرعُ هضمًا، فتنحدر على ما تحتها فتفسده.
(ويُكره أكل ما لم يَطِبْ أكله) أي: ينضَج (منها) أي: من الفاكهة؛ لأنه مضرّ.
(ولا يستأذنهم) أي: لا يستأذن ربُّ الطعام الضيوفَ (في التقديم) أي: تقديم الطعام إليهم.
(ومن التكلُّف أن يقدِّم جميع ما عنده) وقال ﷺ : "أنا وأتقياء أمّتي بُرَآء من التكلُّف" (٣) وقال ﷺ : "لا تَكلَّفوا للضَّيف فتُبغضوه،
стр. 5523
فإنه (١) من أبغض الضَّيفَ فقد أبغضَ الله، ومَن أبغضَ الله أبغضَهُ الله" (٢).
стр. 5524
(قال الشيخ (١): إذا دُعي إلى أكل، دخل بيته، فأكل ما يكسر نَهْمَته قبل ذهابه. انتهى.
ولا يجمع بين النوى والتمر في طبق واحد) لأنه يورث نفورًا عن أكل الباقي، وكذا أكْل الرمان، وكلُّ ما له قشر، كالقصب.
(ولا يجمعه في كفِّه، بل يضعه من فيه على ظهر كفِّه، وكذا كل ما فيه عَجَم وثُفْل) قال أبو بكر بن حماد: رأيت الإمام أحمد يأكل التمر ويأخذ النوى على ظهر إصبعيه؛ السبابة والوسطى (٢).
والعَجَم - بالتحريك -: النوى، وكل ما كان في جوفِ مأكولٍ، كالزبيب. الواحدة عَجَمَةٌ، مثل قصب وقصبة. قال يعقوب (٣): والعامة تقول: عَجْم، بالتسكين، والثُّفْل - بضم الثاء المثلثة وسكون الفاء - ما يثْفُل من كل شيء؛ قاله في "الآداب" (٤).
(ولا يخلط قشر البِطّيخ الذي أكله بما لم يؤكل، ولا يرمي به؛ لأنَّ في جمعه ليُطرَح كُلْفةً، وربما صدم) حالَ رميه (رأس الجليس، أو قطر منه شيء في حالة الرمي) على جليسه فآذاه.
(ولربّ الطعام أن يخصَّ بعض الضيفان بشيء طيِّب إذا لم يتأذَّ غيْرُه) لأن له أن يتصرف في ماله كيف شاء.
(ويستحب للضيف أن يُفْضِل شيئًا) من الطعام (لاسيَّما إن كان ممن
стр. 5525
يُتَبَرَّك بفضلته (١)، أو كان ثمَّ حاجة) إلى إبقاء شيء منه.
(وفي "شرح مسلم" (٢): يُستحب لصاحب الطعام وأهل الطعام الأكل بعد فراغ الضيفان؛ لحديث أبي طلحة الأنصاري في "الصحيح" وفيه: "أنّهُ لم يكن له مالٌ، فذهب بالضَّيف، وقال لامرأته: هذا ضيفُ رسول الله ﷺ ، قالت: والله ما عندنا إلا قُوتُ الصِّبية، فقال: نَوِّمي صبيانك، وأطفئي السِّراج، وقدِّمي ما عندك للضَّيف، ونُوهمُهُ أنَّا نأكل، ففعلا ذلك، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٣)(٤).
(والأَولى: النَّظر في قرائن الحال) فإن دلّت قرينة على إبقاء شيء أبقاه، وإلا؛ مسح الإناء؛ لأنها تستغفر لِلاعقها (٥).
стр. 5526
(ولا يُشْرَع تقبيل الخُبز ولا الجَمادات، إلا ما استثناه الشرع) كتقبيل الحجر الأسود. وتقدم فيه كلام في الحج (١).
(ويُكره أن يأكل ما انتفخ من الخبز ووجهَه، ويتركَ الباقي) منه؛ لأنه كِبْر.
(ولا يقترح الزائر طعامًا بعينه، وإن خُيِّر) الزائر (بين طعامين، اختار الأيسر) منهما؛ لئلا يحمل رَبَّ الطَّعام على التكلُّفِ (إلا أن يعلم أنَّ مُضيفه يُسَرُّ باقتراحه ولا يُقصِّر) فلا بأس بالاقتراح؛ لأنه من إدخال السرور.
(وينبغي ألَّا يقصد) المدعو (بالإجابة إلى الدعوة نفسَ الأكل) لأنه سِيمة البهائم (بل ينوي به الاقتداء بالسُّنة، وإكرام أخيه المؤمن، وينوي صيانة نفسه عن مسيءٍ به الظن بالتكبّر) ليُثَاب عليه.
(ويُكره أكل الثُّوم والبصل ونحوهما) مما له رائحة كريهة نيئًا، ويأتي في الأطعمة.
(ويُستحبُّ أن يجعل ماء الأيدي في طَسْت واحد، فلا يرفعه إلى (٢) أن يمتلئ) لئلا يكون متشبهًا بالأعاجم في زِيِّهم.
(ولا يضع الصابون في ماء الطَّسْت بعد غسل يده) لأنه يذيبه
стр. 5527
(وظاهر كلامهم: لا يُكره غسل اليد بالطيب) فلا يُكره بالصابون المطيب.
(ومن أكل طعامًا، فليقل) استحبابًا: ("اللهم بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرًا منه") للخبر (١) (وإذا شرب لَبنًا قال) نَدْبًا: ("اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه") للخبر (٢).
(وإذا وقع الذباب) أي: البعوض (ونحوه) كالزنابير والنحل. قال الجاحظ (٣): اسم الذباب يقع عند العرب على الزنابير والنحل والبعوض وغيرها (في طعام أو شراب؛ سُنَّ غمسه كلّه فيه، ثم ليطرحه) لقوله ﷺ :
стр. 5528
"إذا وقع الذُّباب في شراب أحدكم - أو قال: في طعام أحدكم - فليغمسهُ كُلّه ثمَّ ليطرحهُ، فإنَّ في أحد جناحيه داءً وفي الآخر شفاءً، وإنّهُ يتّقي بالدَّاء" (١)، وظاهره: استحباب غمسها مطلقًا، وإن كانت حيّة وأفضى ذلك إلى موتها بالغمس.
(ويغسل يديه وفَمَهُ من ثومٍ، وبَصَلٍ، وزُهُومة، ورائحة كريهة) تنظيفًا لذلك (ويتأكد عند النوم) خشية اللَّمم (٢).
стр. 5529
(وفي الثريد فضل على غيره من الطعام) لحديث: "فَضْلُ الثّريد على الطّعام كفَضْل عائشة على النساء" (١) (وهو) أي: الثريد (أن يثرُدَ الخبز - أي: يفتَّه - ثم يَبُلَّه بمرق لحم أو غيره، وإذا ثَرَدَ غطَّاه شيئًا حتى يذهب فَوْرُه، فإنه أعظم للبركة.
ويُكره) لمن أكل مع جماعة (رَفْعُ يده قبلَهم بلا قرينة) تدلُّ على شبع الجميع، وتقدّم (٢).
(و) يُكره للإنسان (أن يقيم غيرَه عن الطعام قبل فراغه؛ لما فيه من قطع لَذَّتِهِ، ولا يقوم عن الطعام حتى يُرفع) الطعام.
(وإن أكل تمرًا عتيقًا ونحوه) مما يُسَوِّس (فتَّشه، وأخرج سُوسَه) لاستقذاره. قلت: وكذا نَبْق (٣) ونحوه مما يُدَوِّدُ.
(وإطعام الخبز البهيمةَ تركُه أولى) لأنه يؤذيها (إلا لحاجة، أو كان يسيرًا.
ومن السُّنة أن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار) تتميمًا لإكرامه
стр. 5530
(ويَحْسُنُ أن يأخذ بِرِكابه) أي: رِكاب ضيفه إذا ركب (ورُوي) عن ابن عباس ﵄ (مرفوعًا: "من أخذ بِركاب مَنْ لا يرجوه ولا يخافه، غُفر له" (١)) قاله في "الآداب" (٢).
(قال ابن الجوزي: وينبغي) أي: للضيف، بل لكل أحد (أن يتواضع في مجلسه، و) ينبغي (إذا حضر ألَّا يتصدَّر، وإن عيّن له صاحب البيت مكانًا لم يتعدَّه (٣)) أي: لم يتجاوزه إلى غيره؛ لأنه إساءة أدب منه.
(والنِّثَارُ في العرس وغيره والتقاطه مكروهان؛ لأنه شِبْه النُّهبة) وقد: "نَهَى ﷺ عن النُّهبى والمُثلة" رواه أحمد والبخاري من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري (٤). (والتقاطه دناءة وإسقاط مروءة) والله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها (٥)؛ ولأن فيه تزاحمًا وقت
стр. 5531
الأخذ (١)، وقد يأخذه مَنْ غَيْرُه أحبُّ إلى صاحبه.
(ومن أخذ منه) أي: النِّثَار (شيئًا؛ ملكه، ومن حصل في حَجره منه شيء؛ فهو له) سواء قصد تملّكه بذلك، أو لم يقصده؛ لأن مالكه قصد تمليكه لمن حازه، وقد حازه مَنْ أخذه، أو حصل في حجره، فيملكه (كما لو وَثَبَتْ سمكةٌ في البحر، فوقعت في حجره) وكذا لو دخل صيدٌ دارَه أو خيمته، فأغلق عليه الباب (وليس لأحَد أخذه منه) أي: أخذ النِّثَار
стр. 5532
ممن أخذه، أو حصل في حجره.
(فإن قسم) الآخذ للنِّثَار ما أخذه أو حصل في حجره (على الحاضرين لم يُكره) له ولا لهم؛ لأن الحق له وقد أباحه لهم (وكذلك) في عدم الكراهة (إن وضعه بين أيديهم، وأذن لهم في أخذه على وجه لا يقع فيه تناهب) فيُباح؛ لعدم موجب الكراهة.
(ويُسَن إعلان) أي: إظهار (النّكاح والضرب عليه بدُفٍّ لا حَلَقَ فيه، ولا صنوجَ للنساء) لما روى محمد بن حاطب قال: قال رسول الله ﷺ : "فَصْلُ ما بين الحلال والحرام، الصَّوتُ والدُّفُّ في النِّكاح" رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسَّنه (١). وقال أحمد (٢) - أيضًا -: يستحب ضرب الدف والصوت في الإملاك، فقيل له: ما الصوت؟ قال: يتكلم ويتحدث ويظهر.
(ويُكره) الضرب بالدفّ (للرجال) مطلقًا؛ قاله في "الرعاية". وقال الموفّق: ضرب الدفّ مخصوص بالنساء. قال في "الفروع": وظاهر نصوصه وكلام الأصحاب: التسوية (وتقدم بعضه في كتاب النكاح (٣).
فلا (٤) بأس بالغَزَل في العرس) لقوله ﷺ للأنصار:
أتيناكم أتيناكم … فحيُّونا نُحيِّيكم
لولا الذَّهب الأحمر … لما حلَّت بواديكم
стр. 5533
ولولا الحبَّة السوداء … ما سُرَّتْ عذاريكم (١)
لا على ما يصنعه الناس اليوم (وضرب الدفّ في الختان، وقدوم الغائب، ونحوهما) كالولادة (كالعرس) لما فيه من السرور.
(و تحرم كل مَلهاة سوى الدُّف، كمزمارٍ وطنبور ورباب وجَنْكٍ وناي ومَعْزَفة وجُفانة وعود وزمَّارةِ الراعي ونحوها، سواء استُعملت لحزن أو سرور) وفي القضيب (٢) وجهان. وفي "المغني": لا يكره إلا مع
стр. 5534
تصفيق، أو غناء، أو رقص ونحوه.
وكره أحمد (١) التغبير - بالغين المعجمة والباء الموحدة - ونهى عن استماعه، وقال (١): بدعة ومُحدَث. ونقل أبو داود (٢): لا يعجبني. ونقل يوسف (٣): ولا تستمعه، قيل: هو بدعة؟ قال: حسبك.
قال في "القاموس" (٤): والمُغبِّرَة قوم يُغَبِّرون لذكر الله، أي: يُهَلِّلون ويردّدون الصوت بالقراءة وغيرها، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يُرغِّبون الناس في المغابرة إلى الباقية (٥). انتهى.
وفي "المستوعب" منع من إطلاق اسم البدعة عليه ومن تحريمة؛ لأنه شعر مُلحّن، كالحِدَاء، والحَدْو للإبل ونحوه.
ونقل إبراهيم بن عبد الله القلانسي، أن أحمد قال (٦) عن الصوفية: لا أعلم أقوامًا أفضل منهم. قيل: إنهم يستمعون ويتواجدون. قال: دعوهم يفرحون مع الله ساعة. قيل: فمنهم من يموت ومنهم من يُغشى عليه؟ فقال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٧)(٨) ولعل مراده سماع القرآن، وعَذَرَهم لقوة الوارد؛ قاله في "الفروع".
стр. 5535
باب عشرة النساء والقَسْم والنشوز وما يتعلق بها
(وهي) أي: العِشْرة - بكسر العين المهملة - في الأصل: الاجتماع. يقال لكل جماعة: عِشرة ومَعْشَر.
والمراد هنا: (ما يكون بين الزوجين من الأُلفة والانضمام) أي: الاجتماع.
(يلزم كل واحد منهما) أي: الزوجين (معاشرة الآخر بالمعروف، من الصُّحبة الجميلة، وكفِّ الأذى، وألَّا يمطُلَه بحقِّه مع قُدْرَته، ولا يُظهِرَ الكراهة لبذله، بل ببِشْرٍ وطلاقة وجهٍ، ولا يتبعه أذىً ولا مِنَّةً) لأن هذا من المعروف المأمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) وقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢)، قال أبو زيد (٣): تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيكم (٤). وقال ابن عباس: إني لأحبُّ أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزيَّن لي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٥)(٦).