والسين المهملة- يقال: توجَّس: إذا تسمَّع إلى الصوت الخفي (إن كانا مَستورَي العورة، وإلا) بأن لم يكونا مستورَي العورة. (حَرُم مع رؤيتها) أي: العورة؛ لحديث: "احفظ عورتك" وتقدَّم (١).
(ويُكره أن يُقبِّلها) أي: زوجته أو سُرِّيَّته (ويباشرها عند الناس) لأنه دناءة.
(وله الجمع بين) وطء (نسائه وإمائه بغُسْلٍ واحد) لأن رسول الله ﷺ : "طاف على نسائه في ليلةٍ بغُسلٍ واحدٍ" رواه أحمد والنسائي (٢)؛ ولأنَّ حَدَثَ الجنابة لا يمنع الوطء، بدليل إتمام الجماع.
(ويُسنُّ أن يتوضأ لمُعاودة الوَطء) لما روى أبو سعيد مرفوعًا: "إذا أتى أحدُكم أهلَه، ثمَّ أراد أن يعود، فليتوضَّأ" رواه مسلم (٣)، ورواه ابن خزيمة والحاكم وزاد: "فإنه أنشط للعود" (٤).
(والغسلُ) لمعاودة الوطء (أفضل) لحديث أبي رافع: "أنَّ رسول الله ﷺ طاف على نسائه جميعًا، فاغتسل عند كلِّ امرأةٍ منهنَّ غُسلًا، فقلتُ: يا رسول الله، لو جعلته غُسلًا واحدًا؟ قال: هذا أزكى وأطيبُ وأطهرُ" رواه أحمد وأبو داود من حديث أبي
стр. 5567
رافع (١).
(وليس) واجبًا (عليها خدمةُ زوجِها في عَجْنٍ وخَبزٍ وطبخٍ ونحوه) ككنس الدار وملء الماء من البئر وطحن (نصًّا (٢)) لأن المعقود عليه منفعةُ البُضع، فلا يملك غيره من منافعها (لكنَّ الأولى لها فِعْلُ ما جرت العادة بقيامها به) لأنه العادة، ولا يصلح الحال إلَّا به، ولا تنتظم المعيشة بدونه.
(وأوجب الشيخُ (٣) المعروفَ من مِثْلها لمِثْلِهِ) وفاقًا للمالكية (٤). وقاله أبو بكر بن [أبي] (٥) شيبة، وأبو إسحاق الجوزجاني، واحتجَّا بقضية علي وفاطمة: "فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قضى على ابنته فاطمةَ بخدمة البيت، وعليٍّ (٦) ما كان خارجًا من البيت من عمل" رواه الجوزجاني من
стр. 5568
طرق (١).
(وأما خدمةُ نفسِها في ذلك) أي: في العجن والخبز، والطبخ ونحوه (فـ) ـهي (عليها) بمعنى أنها لا تلزمه (إلا أن يكون مِثلُها لا تخدِمُ نفسها) فعليه خادم لها (ويأتي في النفقات.
ولا تصح إجارتها) أي: الزوجة (لرَضاع وخدمة، إلا بإذنه) أي: الزوج؛ لأنه عقد يفوت به حقُّ من ثبت له الحق بعقد سابق، فلم يصح، كإجارة المؤجَّر، فأما مع إذن الزوج فإن الإجارة تصحّ، ويلزم العقد؛ لأن الحقَّ لهما لا يخرج عنهما (أوْ لَه) أي: إذا أجَرَت الزوجة نفسها للزوج؛ صح؛ لأنَّ عقده معها إذنٌ فيه (أو) أجرت نفسها (لعمل في ذِمَّتها) صح العقد؛ لأن ذمَّتها قابلةٌ لذلك (فإن عملته) أي: العمل الذي استؤجرت له (بنفسها، أو) عمله (مَنْ أقامتْهُ مُقامَها؛ استحقَّت الأجرة) لأنها وفَّت بالعمل.
(فإن أجَرت نفسها) أو أجرها وليُّها لصغرها مثلًا (ثم تزوَّجت؛ صَحَّ العقد) أي: عقد الإجارة (ولم يملك الزوج فسخَ الإجارَة، ولا مَنْعَها من الرضاع، حتى تنقضي المُدَّة) لأن منافعها مُلكتْ بعقد سابق على نكاحه (أشبه ما لو اشترى أمَة مستأجرة، أو دارًا مشغولَة) بما
стр. 5569
يطول نقله منها.
(فإذا نام الصبي) الذي استؤجرت لرضاعه (أو اشتغل؛ فللزوج الاستمتاعُ بها) لزوال المعارض لِحقِّه (وليس لوليّ الصبي منعُه) أي: الزوج، من الاستمتاع بها.
(وله) أي: الزوج (الاستمتاعُ بها) أي بزوجته المؤجرة لرضاع (ولو أضرَّ اللبنَ) لأن وطء الزوج مستحق بعقد التزويج، فلا يسقط بأمر مشكوك فيه، كما لو أذن فيه الوليّ، ولا يملك الزوج فسخ النكاح مع جهله بكونها مؤجرة.
(وله) أي: الزوج (مَنْعُها من رضاع وَلَدِها من غيره، و) له منعها -أيضًا- (من رضاع ولد غيرها) لأن اشتغالها بذلك يفوِّتُ عليه كمال الاستمتاع بها.
و (لا) يمنعها من رضاع (ولدها منه) لأنه حق لها، فلا يمنعها منه كسائر حقوقها، ومحل مَنْعه لها من رضاع ولدها من غيره، ومن رضاع ولد غيرها (إلا أن يُضطَّر) الرضيع (إليها، ويُخشى عليه) كألّا توجد مرضعةٌ سواها، أو لا يقبل ثدي غيرها، أو تكون قد شرطته عليه، فلا يمنعها منه (نصًّا (١)، ويأتي في نفقة الأقارب) موضّحًا.
(ولا يجوز الجمع بين زوجتيه) فأكثر (في مسكن واحد -أي: بيت واحد- بغير رضاهما؛ لأن) على كل واحدة منهما ضررًا، لما بينهن من الغيرة، واجتماعهن يثير الخصومة؛ لأن (كلَّ واحدة منهما تسمع حِسَّه إذا أتى الأخرى، أو ترى ذلك. فإن رضيتا ذلك، أو) رضيتا (بنومه بينهما في
стр. 5570
لِحاف واحد؛ جاز) لأن الحقَّ لهما لا يعدوهما، فلهما المُسامحة بتركه.
(وإن أسكنهما في دار واحدة، كُلُّ واحدةٍ منهما في بيت) منها (جاز؛ إذا كان) بيتُ كل واحدة منهما (سكنُ (١) مِثْلها) لأنه لا جمع في ذلك.
(وكذلك الجمع بين الزوجة والسُّرِّيَّة) في بيت واحد، فلا يجوز (إلا برضا الزوجة) لما تقدم.
(ويجوز نومه) أي: الرجل (مع امرأته -بلا جماع- بحضرة مَحْرَم لها) لنوم النبي ﷺ وميمونة في طول الوسادة، وابن عباس -لما بات عندها- في عرضها (٢).
(وله) أي: الزوج (منعُها) أي: الزوجة (من الخروج من منزله إلى ما لها منه بُدّ، سواء أرادت زيارة والديها، أو عيادتهما، أو حضور جنازة أحدهما، أو غير ذلك). قال أحمد (٣) في امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعةُ زوجها أوجبُ عليها من أمها، إلا أن يأذن لها.
(ويَحرُمُ عليها) أي: الزوجة (الخروجُ بلا إذنه) أي: الزوج؛ لأن حقَّ الزوج واجب، فلا يجوز تركه بما ليس بواجب.
стр. 5571
(فإن فعلت) الزوجة أي: خرجت بلا إذنه (فلا نفقة لها إذًا) أي: ما دامت خارجة بغير إذنه؛ لعدم التمكين من الاستمتاع.
(هذا) أي: ما ذُكر من تحريم الخروج بلا إذنه، وسقوط نفقتها به (إذا قام) الزوج (بحوائجها) التي لا بد لها منها (وإلا) أي: وإن لم يقم بحوائجها (فلا بدَّ لها) من الخروج للضرورة، فلا تسقط نفقتها به.
(قال الشيخ (١) في من حبسته امرأته بحقِّها: إن خاف خروجها بلا إذنه؛ أسكنها حيث لا يمكنها الخروج، فإن لم يكن له من يحفظها غيرُ نفسه؛ حُبست معه) ليحفظها (يعني: إذا كان الحبس مسكن مثلها) ولم يُفضِ إلى اختلاطها بالرجال (كما يأتي في الباب.
فإن عَجَز عن حِفْظها) بالحبس (أو خِيفَ حدوث شرٍّ) بسبب حبسها معه (أُسكنت في رباط ونحوه) دفعًا للمفسدة.
(ومتى كان خروجها مَظِنَّةَ الفاحشة؛ صار حقًّا لله يجب على وليّ الأمر رعايته.
فإن مرض بعضُ محارمها) كأبويها وإخوتها (أو مات) بعض محارمها (لا غيرُه) أي: المَحْرَم (من أقاربها) كأولاد عَمِّها وعمتها، وأولاد خالها وخالتها (استُحبَّ له) أي: الزوج (أن يأذن لها في الخروج إليه) إلى (٢) تمريضه، أو عيادته، أو شهود جنازته؛ لما في ذلك من صلة الرحم، وفي منعها من ذلك قطيعة رحم، وربما حملها عدم إذنه على مخالفته.
стр. 5572
و (لا) يُستحبُّ (١) أن يأذن لها في الخروج (لزيارة أبويها) مع عدم المرض؛ لعدم الحاجة إليه؛ ولئلا تعتاده.
(ولا يملك) الزوج (منعها من كلامهما.
ولا) يملك (منعهما من زيارتها) لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (إلا مع ظن حصول ضرر يعرف بقرائن الحال) بسبب زيارتهما، فله منعهما إذًا من زيارتها، دفعًا للضرر.
(ولا يلزمُها طاعةُ أبويها في فِراقه، ولا) في (زيارة ونحوه، بل طاعة زوجها أحقُّ) لوجوبها عليها، وروى ابن بطة في "أحكام النساء" عن أنس: "أنَّ رجلًا سافرَ ومنعَ زوجتَه الخروجَ، فمرضَ أبوها فاستأذنت رسول الله ﷺ في حضورِ جنازته، فقال لها: اتّقي الله ولا تُخالفِي زوجَكِ، فأوْحَى الله إلى النبيِّ ﷺ : إِنِّي قد غفرت لها بطاعةِ زوجِها" (٢).
стр. 5573
فصل في القسْم بين الزوجتين فأكثر
(وهو توزيع الزمان على زوجاته) إن كُنَّ ثنتين، فأكثر.
(ويلزم غير طفل أن يساوي بين زوجاته في القَسْمِ، إذا كُنَّ حرائر كلهنَّ، أو) كنَّ (إماءً كلهنَّ) لأنه إذا قسم لواحدة أكثر من غيرها كان في ذلك ميل، وقد قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) وليس مع الميل معروف، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ﴾ (٢) لأن العدل ألَّا يقع ميل البتة، وهو متعذِّر ﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ على تحري ذلك وبالَغْتُم فيه ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ التي ليست ذات بَعْل ولا مطلَّقة.
وعن أبي هريرة مرفوعًا: "من كان له امرأتان، فمالَ إلى إحداهُما، جاءَ يوم القيامةِ وشِقُّهُ مائلٌ" (٣).
وعن عائشة: "كان رسولُ الله ﷺ يقسِمُ بيننا، فيعدلُ، ثُمَّ يقولُ: اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملك، فلا تَلُمْني فيما لا أملِكُ" رواهما أبو داود (٤).
ويكون (ليلة) و (ليلة) لأنه إن قسم ليلتين وليلتين أو أكثر من ذلك، كان في ذلك تأخير لحقِّ مَن لها الليلة الثَّانية للتي قبلها (إلا أن يرضين بالزيادة) على ليلة وليلة؛ لأن الحقَّ لا يعدوهنَّ.
(وعماد القَسْمِ الليل) لأنه يأوي فيه الإنسان إلى منزله، ويسكن إلى
стр. 5574
أهله، وينام على فراشه مع زوجته عادة، والنهار للمعاش، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا. وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (١) (ويخرج في نهاره في معاشه، وقضاء حقوق الناس، وما جرت العادة به، ولصلاة العشاء والفجر، ولو قبل طلوعه، كصلاة النهار).
قلت: لكن لا يعتاد الخروج قبل الأوقات إذا كان عند واحدة دون الأخرى؛ لأنه غير عدل بينهما، أما لو اتفق ذلك بعض الأحيان، أو لعارض فلا بأس.
(وحكم السبعة) للبكر (والثلاثة (٢)) للثيب (التي يقيمها عند المزفوفة) إليه (حكم سائر القَسْم) في أنَّ عمادها الليل، وأنه يخرج بالنهار؛ لما تقدم، وللصلوات وما جرت العادة به.
(فإن تعذَّر عليه) أي: الزوج (المُقام عندها) أي: عند ذات الليلة (ليلًا، لشغل أو حبس، أو تَرَكَ ذلك) أي: المُقام عندها في ليلتها (لغير عُذر، قَضَاه لها) كسائر الواجبات.
(ويدخل النهار تبعًا للَّيْلة الماضية) لأن النهار تابع لليل، ولهذا يكون أولَ الشهر الليلُ، وقالت عائشة: "قُبض رسول الله ﷺ في بيتي وفي يومي" (٣) وإنما قُبض ﷺ نهارًا (٤).
стр. 5575
(وإن أحبَّ أن يجعل النهار مضافًا إلى الليل الذي يتعقبه؛ جاز) له ذلك (لأن ذلك لا يتفاوت) والغرض التعديل بينهن، وهو حاصل بذلك (إلا لمن معيشته بالليل كالحارس، فإنه يَقْسِم بالنهار؛ لأنه مَحِلُّ سَكَنه، ويكون الليل تبعًا للنهار) في حقه.
(وليس له) أي: الزوج، إذا أراد الشروع في القسْم (البُداءة بإحداهنَّ) إلا بقرعة أو رضاهن؛ لأن البداءة بها تفضيل لها، والتسوية واجبة؛ ولأنهن متساويات في الحق، ولا يمكن الجمع بينهن، فوجب المصير إلى القرعة، إن لم يرضين.
(ولا) أي: وليس للزوج (السفر بها) أي: بإحداهنَّ (أو بأكثر من واحدة) منهن (إلا بقرعة، أو رضاهن ورضاه) لما تقدم؛ ولأنه ﷺ : "كان إذا أرادَ سفرًا، أقرعَ بين نسائِه، فمن خرج سَهْمُها خرجَ بها معه" متفق عليه (١).
(فإن) رضين ورضي بالبُداءة بواحدة، أو السفر بها؛ جاز؛ لأن الحق لا يعدوهم، وإن (رضين) بالبُداءة بإحداهن، أو السفر بها (ولم يرض) الزوج بها (وأراد خروج غيرها) للبُداءة أو السفر (أقرع) لما تقدم.
(وإذا بات) الزوج (عند إحداهن بقُرعة، أو غيرها) برضًا أو غيره (لزمه المبيت) في الليلة الآتية (عند الثانية) من الزوجات (إن كُنَّ اثنتين) ليحصل التعديل أو تدارك الظلم، ولم يحتج لإعادة القُرعة.
(فإن كنَّ) أي: الزوجات (ثلاثًا) وبدأ بإحداهن بقُرعة، أو غيرها
стр. 5576
(أقرع في الليلة الثانية) بين الباقيتين؛ ليحصل التعديل بينهما؛ إن لم يتراضوا.
(فإن كنَّ) أي: الزوجات (أربعًا) وبدأ بإحداهنَّ، ثم بأخرى منهنَّ (أقرع في الليلة الثالثة) بين الباقيتين؛ لما تقدم (ويصير في الليلة الرابعة إلى) الزوجة (الرابعة بغير قُرعة) لأنها حقها.
(ولو أقرع) من له أربع زوجات (في الليلة الأولى) بينهنَّ (فجعل سهمًا للأولى، وسهمًا للثانية، وسهمًا للثالثة، وسهمًا للرابعة، ثم أخرج) السهام (عليهنَّ مرةً واحدة؛ جاز) ذلك؛ لأنه مُوَفٍّ بالمقصود (وكان لكلِّ امرأة ما يخرج لها) من الليالي، عملًا بمقتضى القُرعة.
(ويَقْسِمُ) من تحته مُبعَّضة وغيرها (كمُعتَقٍ (١) بعضها، بالحساب) بأن يجعل لحريتها بحساب ما للحُرَّة، ولرقِّها بحساب ما للأَمة، فإن كان نصفها حرًّا فلها ثلاث ليال، وللحرة أربع؛ لأنَّا نجعل لجزئها الرقيق ليلة، فيكون لما يقابله من الحرة ليلتان ضعف ذلك، ونجعل لجزئها الحرِّ ليلتين، فيكون لما يقابله من الحرة ليلتان مثل ذلك.
(ويَقسم) الزوجُ (المريضُ والمجبوبُ والعِنِّين والخَصيُّ كالصحيح) لأن القسم للأُنس، وذلك حاصل ممن لا يطأ، وقد روت عائشة عن رسول الله ﷺ : "أنّهُ لمّا كان في مرضه جعلَ يدور في نسائه ويقولُ: أينَ أنا غدًا؟ أينَ أنا غدًا؟ " رواه البخاري (٢).
(فإن شَقَّ على المريض) القَسْم (استأذن أزواجه أن يكون عند إحداهنَّ) لما روت عائشة: "أنَّ رسولَ الله ﷺ بعثَ إلى نسائهِ فاجتمعن،
стр. 5577
فقال: إنِّي لا أستطيعُ أن أدورَ بينكنَّ، فإنْ رأيتُنَّ أن تأذَنَّ لي فأكون عندَ عائشةَ؛ فعلتُ، فأذِنَّ لهُ" رواه أبو داود (١).
(فإن لم يأذَنَّ له) أن يقيم عند إحداهن (أقام عند إحداهنَّ بقُرعة، أو اعتزلهنّ جميعًا، إن أحب) ذلك، تعديلًا بينهن.
(ويطوف بمجنون مأمون) له زوجتان فأكثر (وليُّه، وجوبًا) لحصول الأُنس به.
(فإن خيف منه) لكونه غير مأمون (فلا قَسْمَ عليه؛ لأنه لا يحصُل منه أُنس) لهنَّ.
(ولا قَسْمَ لمجنونة يخاف منها) لما تقدم.
(وإن لم يعدل الوليّ في القَسْمِ، ثم أفاق الزوج) من جنونه (قضي للمظلومة) ما فاتها استدراكًا للظُّلامة.
(ويحرم تخصيص) بعض الزوجات (بإفاقته) لأنه جَور على الأخرى.
(وإذا أفاق) المجنون (في نوبةِ واحدة) من زوجاته (قضى يوم جنونه للأخرى) ليحصل التعديل.
(ولا يجب عليه) أي: الزوج (التسوية بينهن في وطءٍ ودواعيه) لأن ذلك طريقه الشهوة والميل، ولا سبيل إلى التسوية بينهن في ذلك.
(ولا) يجب عليه -أيضًا- التسوية بينهن (في نفقة، وشهوات،
стр. 5578
وكُسوة؛ إذا قام بالواجب) عليه من نفقة وكُسوة.
(وإن أمكنه ذلك) أي: التسوية بينهن في الوطء ودواعيه، وفي النفقة والكُسوة وغيرها (وفَعَلَهُ؛ كان أحسنَ وأولى) لأنه أبلغ في العدل بينهن. ورُوي: "أنَّ النبي ﷺ كان يُسوِّي بين زوجاته في القُبلةِ، ويقولُ: اللهُمَّ هذا قَسْمي فيما أمْلِكُ، فلا تَلُمني فيما لا أملِكُ" (١).
(ويَقْسِمُ) مَن تحته حُرة وأَمَة (لزوجته الأَمَة ليلة؛ لأنها على النصف من الحرّة، و) لزوجته (الحرّة ليلتين، وإن كانت) زوجته الحرّة (كتابية) لقول عليٍّ: "إذا تزوَّجَ الحُرَّة على الأَمَةِ، قَسمَ للأَمَةِ ليلةً وللحُرَّةِ ليلتين" رواه الدارقطني (٢)، واحتج به أحمد (٣)؛ ولأن الحرّة حقُّها في الإيواء أكثر، ويخالف النفقة والكُسوة؛ فإنه مقدَّر بالحاجة، وقسمُ الابتداء شُرع ليزول الاحتشامُ لكلٍّ منهما (٤).
(فإن عَتَقَت الأَمَة في نوبتها) فلها قسْم حرَّة (أو) عَتَقَت الأَمَة (في نوبة حرّة متقدمة قبلها، فلها قَسْمُ حرَّة) لأن النوبة أدركتها وهي حُرَّة، فتستحق قَسْمَ حُرَّة.
стр. 5579
(وإن عَتَقَت) الأمة (في نوبة حرّة متأخِّرة) عن الأمة (أتمَّ للحُرَّة نوبتها على حكم الرق) لضرَّتها (ولا تزاد الأَمَة شيئًا، ويكون للحرّة ضعف مدة الأمة) لأنه باستيفاء الأمة مدّتها في حال الرق وجب للحرة ضعفها، بخلاف ما إذا عتقت قبل مجيء نوبتها أو قبل تمامها (١)، والحرية الطارئة لا تَنْقُصُ الحرة مما وجب لها، وإذا أتم للحرة نوبتها ابتدأ القَسْم متساويًا.
(والحقّ في القَسْم للأمة دون سيّدها، فلها) أي: الأمة (أن تَهَب ليلتها لزوجها، أو لبعض ضرائرها) بإذن زوجها (كالحرّة) لأن الحق لها.
(وليس لسيدها الاعتراض عليها) في ذلك (ولا أن يهبه) أي: وليس لسيد الأمة أن يهبَ حقَّها من القسم (دونها) لأن الإيواء والسكن حقٌّ لها دون سيدها. وتقدم.
(ويقسم) الزوجُ (لـ) ـزوجته (حائضٍ، ونُفُساءَ، ومريضة، ومَعيبة) بجذام أو نحوه (ولرتقاء، و) لـ (ـصغيرة يمكن وطؤها، ومن آلى) منها (أو ظاهر منها، ومُحْرِمة، وزَمِنة، ومجنونة مأمونة، نصًّا (٢)) لأن القصد السكن والإيواء والأُنس، وحاجتهن داعية إلى ذلك، فإن خيف من المجنونة فلا قَسْم لها، وتقدم (٣).
(ولا قَسْم لـ) ـمطلَّقة (رجعية، صَرَّح به في "المغني" و"الشرح" والزركشي في الحضانة، وما ثَمَّ صريح يخالفه؛ ولأنها ترجع حضانتها على ولدها) من غير مُطلِّقها (وهي رجعية) فدلَّ ذلك على أنها ليست
стр. 5580
زوجة من كل وجه.
(ويَقْسِمُ) الزوجُ (لمن سافر بها) من زوجاته (بقُرعة إذا قدم) من سفره (ولا يحتَسِب عليها بمدة السفر) لحديث عائشة السابق (١)، ولم تذكر قضاء؛ ولأن المسافرة اختصت بمشقة السفر فاختصت بالقَسْم.
(وإن كان) السفر بها (بغير قُرعة، لزمه القضاء مدة غيبته) لأنه خَصَّ بعضهنَّ بمدَّة على وجهٍ تلحقه التُّهمة فيه، فلزمه القضاء، كما لو كان حاضرًا (ما لم تكن الضَّرّة رضيت بسفرها) أي: سفر ضرَّتها معه. قال في "المبدع": وينبغي أن يقضي منها ما أقام معها لمبيتٍ ونحوه.
(ويقضي) من سافر بإحدى زوجاته (مع قُرعة ما تعقَّبه السفر) أي: ما أقامه عند انتهاء مسيره في السفر (أو) ما (تخلّله) أي: السفر (من مدَّة إقامة، وإن قلَّت) لتساكنهما في ذلك، لا زمن سيره وحِلِّه وترحاله؛ لأن ذلك لا يُسمَّى سكنًا، فلا يجب قضاؤه، كما لو كانا منفردين.
(و إذا) أراد السفر وأقرع بين نسائه، و (خرجت القُرعة لإحداهنّ؛ لم يجب عليه السفر بها، وله تركُها والسفر وحده) لأن القُرعة لا توجب، وإنما تُعيِّن من استحق التقديم.
و (لا) يجوز له السفر (بـ) ـإحدى زوجاته (غير من خرجت لها القُرعة) لأنه جَوْر.
(وإن وهبت) من خرجت لها القُرعة (حقَّها من ذلك) أي: من السفر معه لإحدى ضراتها (جاز) لها ذلك (إذا رضي الزوج) لأن الحق لا يعدوهما.
(وإن وهبتهُ) أي: وهبتْ من خرج لها القرعة حقَّها من السفر معه
стр. 5581
(للزوج، أو) وهبته (لـ) ـضرائرها (الجميع، أو امتنعت) من خرجت لها القُرعة (من السفر؛ سقط حقُّها) لإعراضها عنه باختيارها (إذا رضي الزوج) بما صنعته من الهبة، أو الامتناع (واستأنف القُرعة بين البواقي) من ضَرَّاتها؛ إن لم يرضين معه بواحدة (وإن أبى) ما صنعته من الهبة، أو الامتناع (فله إكراهها على السفر معه) لأنه حقٌّ له، فأُجبرت عليه كسائر حقوقه.
(والسفر الطويل والقصير سواء) فيما تقدم. قال في "المبدع": وظاهره: لا يشترط كونه مباحًا، بل يشترط كونه مرخَّصًا.
(ومتى سافر بإحداهن بقرعة إلى مكان -كالقدس مثلًا- ثم بدا له) السفر (إلى مصر) مثلًا (فله استصحابها معه) إليها؛ لأن ذلك إتمامٌ لسفره الأول، وليس ثَمَّ من لها حقٌّ معها، أشبهت المنفردة.
(وإذا سافر بزوجتين) فأكثر (بقُرعة، أوى إلى كلِّ واحدة ليلةً) بيومها (في رَحْلِها، من خيمة، أو خِرْكاه (١)، أو خباء شعر، فهو) أي: رَحْلُها (كبيت المقيمة) فيما ذكر.
(وإن كانتا جميعًا في رَحْلِهِ، فلا قَسْم إلا في الفراش) كما لو كانتا معه في بيت واحد برضاهما (فلا يحل) له (أن يخصَّ فراش واحدة) منهما (بالبيتوتة فيه دون فراش الأخرى) لأنه مَيْلٌ.
(ويحرم) على من تحته أكثر من زوجة (دخوله في ليلتها) أي: ليلة إحدى الزوجات (إلى غيرها) لأنه ترك الواجب عليه (إلا لضرورة، مثل أن تكون) غير ذات الليلة (منزولًا بها) أي: محتضرة، فيريد أن يحضرها (أو توصي إليه، أو ما لا بُدَّ منه) عُرفًا؛ لأن ذلك حالَ ضرورةٍ، فأُبيح به
стр. 5582
ترك الواجب لإمكان قضائه في وقت آخر.
(فإن لم يلبث عندها؛ لم يقضِ) شيئًا؛ لأنه لا فائدة فيه، لقلّته (وإن لبث) عندها (أو جامع؛ لزمه أن يقضي لها مثلَ ذلك من حقّ الأخرى) لأن التسوية واجبة ولا تحصُل إلا بذلك.
(وإن (١) قَبَّلَ) التي دخل إليها في غير ليلتها (أو باشر) ها (أو نحوه) كما لو نظر إليها بشهوة (لم يقض) ذلك لذات الليلة؛ لقول عائشة: "كانَ رسول الله ﷺ يدخلُ عليَّ في يوم غيري، فينالُ منِّي كل شيءٍ إلا الجِماعَ" (٢) (والعدل القضاء) لتحصل التسوية بينهن.
(وكذا يحرم دخوله نهارًا إلى غيرها إلا لحاجة) قال في "المغني" و"الشرح": كدفع نفقة، وعيادة، أو سؤال عن أمْرٍ يحتاج إلى معرفته، أو زيارتها لبعد عهده بها.
(ويجوز أن يقضي ليلة صيف عن ليلة شتاء) لأنه قضى ليلة عن ليلة.
стр. 5583
(و) يجوز -أيضًا- أن يقضي (أول الليل عن آخره، وعكسه) بأن يقضي ليلة شتاء عن ليلة صيف وآخر ليل عن أوله؛ لأنه قضى بقَدْرِ ما فاته. وفي "الشرح" و"المبدع": يُستحبُّ أن يقضي لها في مثل ذلك الوقت؛ لأنه أبلغ في المماثلة.
(والأولى أن يكون لكل واحدة من نسائه مسكن يأتيها فيه) لفعله ﷺ ؛ ولأنه أصون لهنَّ وأستر، حتى لا يخرجن من بيوتهن.
(فإن اتَّخذ) الزوج (لنفسه مسكنًا) غير مساكن زوجاته (يدعو إليه كلَّ واحدة منهنَّ في ليلتها ويومها، ويُخْلِيهِ من ضَرتها (١)؛ جاز) له ذلك؛ لأن له نَقْل زوجته حيث شاء بمسكن يليق بها.
(وله دعاء البعضِ إلى مسكنه، ويأتي البعضَ) لأن له أن يُسكِن كلَّ واحدة منهنَّ حيث شاء.
(وإن امتنعتْ مَن دعاها عن إجابته) وكان ما دعاها إليه مسكن مثلها (سقط حقُّها من القَسْم) لنشوزها.
(وإن أقام عند واحدة) من زوجاته (ودعا الباقيات إلى بيتها؛ لم تجب عليهن الإجابة) لما بينهن من الغيرة، والاجتماعُ يزيدها.
(وإن حُبس) الزوج (فاستدعى كلَّ واحدة) من زوجاته في الحَبْس (في ليلتها؛ فعليهنَّ طاعته؛ إن كان) الحبس (مسكن مثلهن) ولا مفسدة، كما لو لم يكن محبوسًا (وإلا) بأن (٢) لم يكن الحبس مسكن مثلهن (لم يلزمهن) طاعته، كما لو دعاهن في غير الحبس إلى ما ليس مسكنًا لمِثلهن.
стр. 5584
(فإن أطعْنه) في الإتيان إلى الحبس، سواء كان مسكن مِثلهنَّ، أو لا (لم يكن له أن يترك العدل بينهنَّ) لأنه جور (ولا استدعاء بعضهن دون بعض) لما فيه من ترك التسوية بلا عُذر (كما في غير الحبس.
فإن كانت امرأتاه في بلدين) أو كان نساؤه في بلاد (فعليه العدل بينهما) أو بينهن (بأن يمضي إلى الغائبة) عن البلد (في أيامها، أو يُقْدِمَها إليه) ليسوِّي بينهن.
(فإن امتنعت) الغائبة (من القدوم مع الإمكان؛ سقط حقُّها) من القَسْم والنفقة (لنشوزها.
وإن قَسَمَ في بلديهما؛ جعل المدة بحسب ما يمكن، كشهر وشهر، أو أكثر أو أقل، على حسب تقارب (١) البلدين) وبُعدِهما؛ لحديث: "إذا أمَرتُكُم بأمر فأْتُوا منه ما استطعتُم" (٢).
(فإن (٣) قَسَم لإحدي زوجاته، ثم جاء ليقسم للثانية، فأغلقت الباب دونه، أو منعته من الاستمتع بها، أو قالت: لا تدخل عليَّ، أو: لا تبيت عندي، أو ادَّعت الطلاق؛ سقط حقُّها من القَسْم والنفقة) لنشوزها.
(فإن عادت إلى المطاوعة؛ استأنف القَسْم بينهما) أي: بين من كانت ناشزًا وضَرَّتها (ولم يقضِ للناشز) مبيته عند ضَرتها، لسقوط حقِّها إذ ذاك.
(فإنْ كان له أربع نسوة، فأقام عند ثلاث منهنَّ ثلاثين ليلة) عند كل
стр. 5585
واحدة عشر ليال، ولم تكن الرابعة ناشزًا (لزمه أن يُقيم عند الرابعة عشرًا) ليعدل بينهن.
(فإن نشزت إحداهن) أي: الأربع (وظلم واحدة) منهن (فلم يقسم لها، وأقام عند الاثنتين ثلاثين ليلة) كل واحدة خمس عشرة (ثم أطاعته الناشز، وأراد القضاء للمظلومة؛ قسم لها ثلاثًا، وللناشز ليلة، خمسة أدوار، ليكمل للمظلومة خمس عشرة ليلة) لتساوي ضرتيها (ويحصل للناشز خمس) ليال؛ لأنها واحدة من أربع، فيكون لها رُبْعُ الزمن المستقبل، وذلك خمس من عشرين، والأولى والثانية قد استوفتا مدتهما، فالخمسة عشر للمظلومة (ثم يقسم بين الجميع) على السواء.
(فإن كان له ثلاث نسوة، فَقَسَم بين اثنتين ثلاثين ليلة، وظلم الثالثة) فلم يقسم لها (ثم تزوَّج جديدة، ثم أراد أن يقضي للمظلومة) ما فاتها (فإنه يخص الجديدة بسبع) ليال (إن كانت بِكرًا، أو بثلاث إن كانت ثيبًا) لما يأتي (ثم يَقسِمُ بينها) أي: الجديدة (وبين المظلومة خمسة أدوار، للمظلومة من كل دور ثلاثًا، وواحدة للجديدة) لما تقدم في الناشز.
وكذا لو كانت وَهَبَتْهُ قَسْمَها ثم رجعت فيه، فإذا أكمل الحقَّ ابتدأ التسوية.
فصل
(وإن أراد) مَنْ تحته أكثر من امرأة (النُّقلة من بلد إلى بلد بنسائه، فأمكنه استصحاب الكلِّ في سفره؛ فعل) أي: استصحبهنَّ.
стр. 5586
(ولا يجوز له إفرادُ إحداهُنَّ) باستصحابها معه (بغير قُرعة) لأنه مَيْلٌ (فإن فعل) بأن استصحب إحداهنَّ معه بغير قُرعة (قضى للباقيات) جميع زمن سفره وإقامته بها وحدها؛ ليسوِّي بينهنَّ.
(وإن لم يمكنه) استصحاب الكل (أو شَقَّ عليه) استصحاب الكل (وبَعَثَ بهنَّ جميعًا مع غيره ممن هو مَحْرَمٌ لهنَّ؛ جاز) له ذلك (ولا يقضي لأحدٍ) منهنَّ؛ لتساويهنَّ في انفراده عنهن.
(وإن انفرد بإحداهُنَّ بقُرعة) واستصحبها معه (فإذا وصل البلد الذي انتقل إليه، فأقامت معه فيه؛ قضى للباقيات مدَّةَ كَوْنِها معه في البلد خاصةً) لتساكنهما إذًا، لا زمن سيره وحِلِّه وترحاله؛ لأنه لا يُسَمَّى سكنًا، فلا يجب قضاؤه.
(وإن امتنعت) إحدى زوجاته (من السفر معه) بلا عُذر (أو) امتنعت (من المبيت عنده، أو سافرت بغير إذنه) لحاجتها أو غيرها (أو) سافرت (بإذنه لحاجتها؛ سقط حقُّها من قَسْمٍ ونفقة) أما الممتنعة من السفر أو المبيت معه؛ فلأنها عاصية له، فهي كالناشز. وكذا من سافرت بغير إذنه. وأما من سافرت لحاجتها؛ فلأن القَسْم للأُنس، والنفقة للتمكين من الاستمتاع، وقد تعذَّر ذلك بسبب من جهتها، فسقط، كما قبل الدُّخول بها، وفارق ما إذا سافرت معه؛ لأنه لم يتعذَّر ذلك.
(وإن بعثها) الزوجُ (لحاجته، أو انتقلت من بلد إلى بلد بإذنه؛ لم يسقط حقُّها من نفقة ولا قَسْمٍ) لأنَّ تعذُّرَ استمتاعه بها بسببٍ من جهته (ويقضي لها بحسب ما أقام عند ضَرتها) ليسوِّي بينهما.
(وللمرأة أن تَهَبَ حقَّها من القَسْم في جميع الزمان، وفي بعضه، لبعض ضرائرها، بإذنه، أو) تهب حقَّها من القسم (لهنَّ) أي: لضرائرها
стр. 5587
(كلهن، أو) تهبه (له) أي: للزوج (فيجعله لمن يشاء (١) منهن، ولو أبتِ الموهوبُ لها) ذلك؛ لأن الحق في ذلك للواهبة والزوج، فإذا رضيت هي والزوج؛ جاز؛ لأن الحق لا يخرج عنهما، وحق الزوج في الاستمتاع ثابت في كل وقت على كل واحدة منهن، وإنما منعته المزاحمة في حق صاحبتها، فإذا زالت المزاحمة بهبتها، ثبت حقُّه في الاستمتاع بها وإنْ كرهت، كما لو كانت منفردة، وقد ثبت أن سَوْدة وهبت يومها لعائشة: "فكان رسولُ الله ﷺ يَقْسِمُ لعائشةَ يومها ويومَ سودةَ" متفق عليه (٢).
(ولا يجوز هِبَةُ ذلك بمالٍ) لأن حقَّها في كون الزوج عندها، وليس ذلك يقابَل بمال (فإن أخذت) الواهبةُ (عليه مالًا؛ لزمها ردُّه) إلى من أخذته منه (وعليه) أي: الزوج (أن يقضي لها) زمن هبتها (لأنها تركته بشرط العوض، ولم يُسلَّم) العوض (لها) فترجع بالمعوض.
(فإن كان عوضها غيرَ المال، كإرضاء زوجها عنها أو غيره؛ جاز) لأن عائِشَة أرضَتْ رسول الله ﷺ عن صفيَّةَ فأخذَتْ يومها، وأخبرت بذلك رسولَ الله ﷺ ، فلم يُنكِرهُ (٣).
стр. 5588
(وقال الشيخ (١): قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها، من القَسْمِ وغيره. ووقع في كلام القاضي ما يقتضي جوازه) كأخذ العوض عن القَوَد، وفي الخلع.
(ثم إن كانت تلك الليلة الموهوبة) لإحدى الضرائر (تلي ليلة الموهوب لها؛ وَالى) الزوج (بينهما) أي: الليلتين فيبيتهما عند الموهوب لها (وإلا) أي: وإن لم تَلِ تلك الليلة ليلةَ الموهوب لها (لم يجز) أن يوالي بين الليلتين (إلا برضا الباقيات) لأن الموهوب لها قامت مقام الواهبة في ليلتها؛ فلم تُغيَّر عن موضعها، كما لو كانت الواهبة باقية، فإن رضين؛ جاز؛ لأن الحق لا يخرج عنهن.
(ومتى رجعت) الواهبة (في الهِبة؛ عاد حقُّها في المستقبل فقط، ولو في بعض الليل) لأنها هبة لم تُقْبَض (ولا يقضيه) أي: لا يقضي بعضًا من ليلة (إن لم يعلم) الزوج برجوعها (إلا بعد فراغ الليلة) لحصول التفريط منها.
(ولها) أي: المرأة (هِبة ذلك) أي: قَسمِها (ونفقتِها، وغيرِهما، لزوجها ليمسكها، ولها الرجوع في المستقبل) لأنها هِبة لم تُقْبَض، بخلاف ما مضى؛ لأنه قد اتَّصل به القبض.
(ولا قَسْمَ عليه في مِلك اليمين، وله الاستمتاع
стр. 5589
بهنَّ (١) وإن نقص) به (زمن زوجاته) بحيث لا يَنْقُص الحُرَّة عن ليلة من أربعة، والأمَة عن ليلة من سبع، كما تقدَّم (لكن يساوي بينهنَّ في حرمانهن، أي: الزوجات، كما إذا بات عند أمَته، أو) بات (في دُكَّانه، أو عند صديقه) أو منفردًا.
(و) له أن (يستمتع بِهنَّ كيف شاء إن شاء، كالزوجات، أو أقل، أو أكثر) بأن يطأ من شاء منهن متى شاء (وإن شاء ساوى) بينهن (وإن شاء فضَّل، وإن شاء استمتع ببعضهنَّ دون بعض) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) وقد كانَ للنبي ﷺ مارِيَةُ ورَيْحانةُ، فلم يكن يَقسِمُ لهما (٣)؛ ولأن الأمةَ لا حقَّ لها في الاستمتاع، ولذلك لا يثبت لها الخيار بكون السيد مجبوبًا أو عِنِّينًا، ولا يضرب لها مدة الإيلاء.
(ويُستحبُّ) له (التسويةُ بينهنَّ) في القَسْم؛ ليكون أطيب لنفوسهن (٤) (و) عليه (ألَّا يعضُلَهُنَّ إن لم يُرِدِ الاستمتاعَ) بهنَّ، فلا يمنعهن من الزواج.
(وإذا احتاجت الأَمة إلى النكاح، وَجَبَ عليه) أي: السيد
стр. 5590
(إعفافُها، إما بوطئها، أو تزويجها، أو بيعها) لأن إعفافهنَّ وصَونهنَّ عن احتمال الوقوع في المحظور (١) واجب.
فصل
(وإذا تزوَّج بكرًا، ولو أَمَة) ومعه غيرها، ولو حرائر (أقام عندها سبعًا) ثم دار.
(و) إذا تزوَّج (ثيّبًا، ولو أَمَة) أقام عندها (ثلاثًا) لعموم ما يأتي؛ ولأنه يُراد للأُنس، وإزالة الاحتشام، والأَمَةُ والحُرَّةُ سواء في الاحتياج إلى ذلك، فاستويا فيه، كالنفقة.
(ولا يَحْتَسِبُ عليهما بما أقام عندهما، فإذا انتهت مُدَّةٌ إقامته عند الجديدة، عاد إلى القَسْم بين زوجاته كما كان) قبل أن يتزوَّج الجديدة (ودخلت) الجديدة (بينهنَّ، فصارت آخرهنَّ نوبة) لما روى أبو قِلابة عن أنس قال: "مِن السُّنةِ إذا تزوَّجَ الرجلُ البِكرَ على الثيبِ، أقامَ عندها سبعًا، وقسمَ، وإذا تزوَّجَ الثيبَ أقامَ عندها ثلاثًا، ثمَّ قسمَ" قال أبو قلابة: "لو شئتُ لقلتُ: إنَّ أنسًا رفعهُ إلى النبيِّ ﷺ " متفق عليه (٢)، ولفظه للبخاري. وخُصَّت البِكر بزيادة؛ لأن حياءها أكثر، والثلاث مُدّة معتبرة في الشرع، والسبعة؛ لأنها أيام الدنيا، وما زاد عليها يتكرر، وحينئذ ينقطع الدور.
стр. 5591
(وإن أحبَّت الثيبُ أن يقيم) الزوج (عندها سبعًا؛ فعل، وقضى للبواقي) من ضَرّاتها (سبعًا سبعًا) لِمَا روت أم سلمة: "أنَّ النبي ﷺ لمَّا تزوَّجها أقامَ عندها ثلاثًا، وقال: إنهُ ليس بكِ هَوانٌ على أهلِكِ، وإنْ شئْتِ سَبَّعْتُ لكِ، وإنْ سَبّعْتُ لكِ سَبَّعتُ لنسائي" رواه مسلم (١). قال ابن عبدالبر (٢): والأحاديث المرفوعة على ذلك، وليس مع من خالف حديث مرفوع، والحُجَّة مع من أدلى بالسُّنة.
(وإن تزوَّج امرأتين، فزُفَّتا إليه في ليلة واحدة؛ كُرِهَ له ذلك، بِكْرَيْنِ كانتا أو ثيِّبين، أو بكرًا وثيِّبًا) لأنه لا يمكن الجمع بينهما في إيفاء حقِّهما، وتستضرُّ التي يؤخر حقُّها، وتستوحش (ويُقدِّم أسبقهما دخولًا، فيوفِّيها حق العقد) لأن حقَّها سابق (ثم يعود إلى الثانية، فيوفِّيها حق العقد) لأن حقَّها واجب عليه، ترك العمل به في مُدّة الأولى؛ لأنه عارضه ورجح عليه، فإذا زال المعارِضُ؛ وجبَ العمل بالمقتضي (ثم يبتدئ القَسْم) ليأتي بالواجب عليه من حقّ الدور.
(فإن أُدخِلَتا عليه معًا؛ قدَّم إحداهما بقُرعة) لأنهما استويا في سبب الاستحقاق، والقُرعة مرجِّحة عند التساوي وفي "التبصرة": يبدأ بالسابقة بالعقد، وإلا؛ أقرع.
(ويُكره أن تُزَفَّ إليه امرأة في مُدّة حقِّ) عقدِ (امرأة زُفَّتْ إليه قبلَها) لِمَا تقدم (وعليه أن يُتمِّم للأولى) حقَّ عقدها؛ لسبقها (ثم يقضي حقَّ) عقد (الثانية) لزوال المعارض.
(وإن أراد) من زُفَّت إليه امرأتان معًا
стр. 5592
(سفرًا (١)) بإحدى نسائه، فأقرع بينهن (فخرجت القُرعة لإحدى الجديدتين؛ سافر بها، ودخل حقُّ العقد في قَسْم السَّفَرِ) لأنه نوع قَسْمٍ يختصُّ بها.
(فإذا قَدِمَ) من سفر (٢) (بدأ بالأخرى، فوفَّاها حقَّ العقد) لأنه حقٌّ وجبَ لها قبل سفره لم يؤدِّه، فلزمه قضاؤه، كما لو لم يسافر بالأخرى معه.
(فإن قَدِم من سفره قبل مُضي مُدّةٍ ينقضي فيها حقُّ عقد الأولى؛ تمَّمه في الحضر، وقضى للحاضرة حقّها) لِمَا تقدّم.
(فإن خرجتِ القُرعة لغير الجديدتين، وسافر بها؛ فإذا قدم قضى للجديدتين حقَّهما واحدةً بعد واحدةٍ، يقدِّم السابقة دخولًا) إن دخلت عليه إحداهما قبل الأخرى (أو بقُرعة؛ إن دخلتا معًا) لما سبق.
(وإن سافر بجديدة وقديمةٍ بقُرعة أو رِضًا، تمَّم للجديدة حَقَّ العقد، ثم قَسَمَ بينها وبين الأخرى) على السواء.
(وإذا طلّق إحدى نسائه في ليلتها) أثم (أو) طلّق (الحارسُ) إحدى نسائه (في نهارها؛ أثم) لأنه فرَّ من حقِّها الواجب لها.
(فإن تزوَّجها بعد) ذلك (قضى لها ليلتها) لأنه قدر على إيفاء حقِّها، فلزمه، كالمُعْسِر إذا أيسر بالدَّين (ولو كان قد تزوَّج غيرها بعد طَلاقها) لأن تزوُّجَهُ بغيرها لا يُسقط حقَّها.
(وإذا كان له امرأتان، فبات عند إحداهما ليلةً، ثم تزوَّج ثالثةً) أو تجدَّد حقُّها بعَودٍ في هبة، أو رجوع عن نشوز (قبْلَ ليلةِ الثانية؛ قَدَّمَ
стр. 5593
المزفوفةَ بلياليها، ثم يَبيتُ ليلةً عند المظلومةِ، ثم نصفَ ليلةٍ للجديدة) لأن الليلة التي يُوفِّيها للمظلومة نصفُها من حقِّها، ونصفُها من حقّ الجديدة، فيثبت للجديدة في مقابلة ذلك نصفُ ليلة بإزاء ما خصَّ ضرَّاتها (١) (ثم يبتدئُ) قال في "الإنصاف": هذا المذهب. (واختار الموفق والشارح: لا يبيت نصفها، بل ليلةً كاملةً؛ لأنه حَرَجٌ) لأنه ربما لا يجد مكانًا ينفرد فيه، أو لا يقدر على الخروج إليه في نصف الليلة، أو المجيء منه.
(ولو سافر بإحدى زوجتيه، بقُرْعة) أو رضاهن (ثم تزوَّجَ في سفرِه) بـ (ـامرأة أخرى، وزُفَّت إليه) في سفره (فعليه تقديمُهَا بأيامها) لعموم ما سبق (ثم يَقْسِم) بين الجديدة وضَرَّتها كما تقدم.
ويجوز بناء الرجل بزوجته في السفر، وركوبها معه على دابة بين الجيش؛ لفعله ﷺ بصفية بنت حُيَيٍّ (٢).
فصل في النُّشوز
وهو كراهة كلٍّ من الزوجين صاحبَه، وسوء عشرته، يقال: نشزت المرأة على زوجها، فهي ناشزة وناشز، ونشز عليها زوجها: جفاها
стр. 5594
وأضرَّ بها؛ قاله في "المبدع" وغيره (وهو معصيتُها إيَّاه فيما يجب عليها) مأخوذ من النَّشْز: وهو ما ارتفع من الأرض، فكأنها ارتفعت عما فرض الله عليها من المعاشرة بالمعروف، ويقال: نشصت، بالشين المعجمة والصاد المهملة.
(وإذا ظهر منها أَمَارات النُّشُوز؛ بأن تتثاقل) إذا دعاها (أو تدافع (١) إذا دعاها إلى الاستمتاع، أو تجيبه مُتبرِّمة مُتكرِّهة، ويَخْتَلَّ أدبُها في حقِّه؛ وعَظَها) بأن يَذكُرَ لها ما أوجب الله عليها من الحقّ، وما يلحقها من الإثم بالمخالفة، وما يسقط بذلك من النفقة والكُسوة، وما يُباح له من هجرها وضَرْبها؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ (٢).
(فإن رجعت إلي الطاعة والأدب؛ حَرُمَ الهَجْر والضَّرْب) لزوال مُبيحه (وإن أصرَّت) على ما تقدّم (وأظهرت النُّشُوز؛ بأن عَصَتْهُ، وامتنعت من إجابته إلى الفراش، أو خرجت من بيته بغير إذنه، ونحو ذلك؛ هجرها في المضجع ما شاء) لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾. وقال ابن عباس: لا تُضاجِعْها في فِراشِكَ (٣). وقد هَجَر النبيُّ ﷺ نِساءَهُ، فلمْ يدخُلْ عَليهنّ شَهرًا؛ متفق عليه (٤)(٥).
стр. 5595
(و) هَجَرها (في الكلام ثلاثةَ أيام، لا فوقَها) لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهْجُرَ أخاهُ فوق ثلاثة أيامٍ" (١) والهجرُ ضد الوصل، والتهاجر التقاطع.
(فإن أصرَّتْ ولم ترتدعْ) بالهجر (فله أن يضرِبَها) لقوله تعالى: ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾ (٢) (فيكون الضرب -بعد الهجر في الفراش وتَرْكِها من الكلام) ثلاثة أيام- (ضربًا غير مُبرِّحٍ، أي: غير شديد) لحديث عبدالله بن زمعة يرفعه: "لا يَجْلِد أحَدُكم امرأتَهُ جَلْدَ العبد، ثمَّ يُضاجعها في آخر اليوم" (٣) (يُفرِّقه على بدنها، ويجتنب الوَجْه) تكرمةً له (و) يجتنب (البطن، والمواضع المَخُوفة) خوف القتل (و) يجتنب المواضع (المستحسَنَة) لئلا يشوهها.
ويكون الضرب (عشرة أسواط فأقل) لقوله ﷺ : "لا يُجلَد أحَدٌ فوق عَشَرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدود الله" متفق عليه (٤). وفي "الترغيب" وغيره: الأَولى ترك ضربها، إبقاءً للمودّة.
(وقيل): يضربها (بدِرَّةٍ، أو مِخراقٍ) وهو (منديل ملفوف، لا بسوط، ولا خشب) لأن المقصود التأديب وزجرها، فيبدأ فيه بالأسهل فالأسهل (فإن تلفت من ذلك، فلا ضمان عليه) لأنه مأذون فيه شرعًا.
стр. 5596
(ويُمنَع منها) أي: من هذه الأشياء (مَنْ) أي: زوج (علِمَ بمنعه حقَّها، حتى يؤدِّيه، و) حتى (يُحْسِن عِشرتها) لأنه يكون ظالمًا بطلبه حقَّه مع منعه حقَّها.
وينبغي للمرأة ألَّا تُغضب زوجَها؛ لما روى أحمد بسنده عن الحُصَين بن المِحْصَن: "أنَّ عَمَّةً له أتَت النبيَّ ﷺ فقال: ذاتُ زوج أنتِ؟ قالت: نعم. فقال: انظري أين أنتِ منهُ؟ فإنّما هو جنَّتُكِ ونارُك" (١). قال في "الفروع": إسناده جيّد.
وينبغي للزوج مداراتها. ونقل ابن منصور (٢): حُسنُ الخُلق ألَّا تغضب ولا تَحْتَدَّ (٣). وحَدَّث رجل لأحمد ما قيل: العافية عشرة
стр. 5597
أجزاء، تسعة منها في التغافل، فقال أحمد (١): العافية عشرة أجزاء كلها في التغافل.
(ولا يسأله أحد لِمَ ضربها؟ ولا أبوها) لما روى أبو داود عن الأشعث عن عمر أنه قال: "يَا أشْعَثُ، احفظ عنِّي شيئًا سمعتُهُ من رسول الله ﷺ : لا تسْألَنَّ (٢) رجلًا فيمَ ضرب امرأتَهُ؟ " (٣) (ولأن فيه إبقاءً للمودّة) ولأنه قد يضربها لأجل الفراش، فإن أخبرَ بذلك استحيا، وإن أخبر بغيره كَذَبَ.
(وله تأديبها كذلك) أي: مثل التأديب على النشوز (على ترك
стр. 5598
فرائض الله تعالى) كالصلاة والصوم الواجبين (نصًّا (١)) قال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ (٢) قال: "علِّموهُم وأدِّبوهم" (٣). وروى الخلال بإسناده عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ الله عَبْدًا أعْلَق (٤) في بيته سوطًا يُؤدِّبُ به أهلهُ" (٥).
стр. 5599
فإن لم تُصَلِّ؛ فقال أحمد (١): أخشى ألَّا يحل للرجل أن يقيم مع امرأة لا تصلي، ولا تغتسل من الجنابة، ولا تتعلم القرآن.
ولا يؤدِّبها في حادثٍ متعلِّق بحق الله تعالى كسِحاقٍ (٢).
(فإن ادَّعى كلٌّ منهما) أي: الزوجين (ظلمَ صاحبه؛ أسكنهما الحاكم إلى جانب ثقة يُشرف عليهما، ويكشف حالهما، كما يكشفُ عن عدالةٍ وإفلاس، من خبرةٍ باطنة، ويُلزِمُهما الإنصافَ) لأن ذلك طريقٌ إلى الإنصاف، فتعيَّن، كالحكم بالحقّ.
(ويكون الإسكانُ المذكورُ قبلَ بَعْثِ الحكمين) لأنه أسهل منه (فإن خرجا إلى الشِّقاق والعداوة، وبلغا إلى المُشاتمة، بعث الحاكم حكمين، حُرَّين، مسلمين، ذَكَرين، عَدْلين، مكلَّفين، فقيهين، عالمين بالجمع والتفريق) لأنه يفتقر إلى الرأي والنظر؛ ولأن الوكيل متى كان متعلِّقًا بنظر الحاكم؛ لم يجز أن يكون إلا عدلًا. وفي "المغني": الأولى إن كانا وكيلين لم يعتبر؛ لأن توكيل العبد جائز، بخلاف الحكم (يفعلان ما يريانِهِ من جمعٍ بينهما، أو تفريقٍ بطلاق أو خُلْع، والأولى أن يكونا من أهلهما) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَينِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣) الآية؛ ولأنهما أشفق وأعلم بالحال، ويجوز أن يكونا من غير أهلهما؛ لأن القرابة ليست شرطًا في الحكم، ولا الوكالة.
стр. 5600
(وينبغي لهما) أي: للحكمين (أن ينويا الإصلاح، لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَينَهُمَا﴾ (١) وأن يُلطِّفا) القول (و) أن (يُنْصِفا، ويُرغِّبا، ويُخَوِّفا، ولا يَخُصَّا بذلك أحدَهما دون الآخر) ليكون أقرب للتوفيق بينهما.
(وهما وكيلان عن الزوجين في ذلك، لا يُرسَلان إلا برضاهما، وتوكيلهما) لأنه حقٌّ لهما، فلم يجز لغيرهما التصرف إلا بالوكالة (فلا يَملِكان تفريقًا إلا بإذنهما، فيأذنُ الرجل لوكيله فيما يراه من طلاق، أو إصلاح، وتأذن المرأة لوكيلها في الخُلع والصلح على ما يراه، ولا ينقطع نظرهما) أي: الحَكَمين (بغَيبةِ الزوجين، أو) غيبة (أحدهما) لأنهما وكيلان، والوكيل لا ينعزل بغيبة الموكل.
(وينقطع) نظرهما (بجنونهما، أو) جنون (أحدهما، ونحوه، مما يُبطل الوكالة) كسائر أنواع الوكالة.
(وإن امتنعا من التوكيل، لم يُجبرا عليه) لما تقدم (لكن لا يزال الحاكم يَبْحَثُ ويستبحث حتى يظهر له مَنِ الظالمُ فيردعه، ويستوفي منه الحقّ) إقامةً للعدل والإنصاف.
(ولا يصحّ الإبراء من الحَكَمين) لأنهما لم يوكَّلا فيه (إلا في الخلع خاصة، من وكيل المرأة فقط) فتصحُّ براءته عنها؛ لأن الخلع لا يصح إلا بعوض، فتوكيلها فيه إذنٌ في المعاوضة، ومنها الإبراء.
(وإن خافت امرأةٌ نشوزَ زوجها، وإعراضه عنها لكِبَرٍ، أو غيره) كمرض أو دمامة (فوضعت عنه بعض حقوقها، أو) وضعت عنه (كلَّها) أي: كلَّ حقوقها (تسترضيه بذلك؛ جاز) لأنه حقّها، وقد رضيت
стр. 5601
بإسقاطه (وإن شاءت رجعت في ذلك في المستقبل) كالهبة التي لم تُقبض، و (لا) رجوع لها في (الماضي) كالهبة المقبوضة.
وإن شرطا ما لا ينافي نكاحًا؛ لزم، وإلا؛ فلا، كترك قَسْم أو نفقة، ولمن رضي العود (ويأتي: إذا اختلفا في النُّشوز، أو بذل التسليم، في كتاب النفقات) مفصَّلًا.
стр. 5602
باب الخلع
يقال: خلع امرأته خَلْعًا، وخالعها مُخالعة، واختلعت هي منه فهي خالع. وأصله من خلع الثوب؛ لأن المرأة تنخلع من لباس زوجها، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ (١).
(وهو فِراق) الزوج (امرأته بعِوض يأخذه الزوجُ) من امرأته أو غيرها (بألفاظ مخصوصة) وفائدته: تخليصها من الزوج على وجه لا رجعة له عليها؛ إلا برضاها.
و (إذا كرهت المرأة زوجها لخَلْقه، أو خُلُقه) أي: صورته الظاهرة أو الباطنة (أو) كرهته لـ (ـنقص دينه، أو لِكبَره، أو ضعفه، أو نحو ذلك، وخافت إثمًا بترك حقِّه، فَيُبَاحُ لها أن تُخالِعَه على عوض تفتدي به نفسَها منه) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢).
(وتُسنُّ) له (إجابتها) لحديث ابن عباس قال: "جاءت امرأةُ ثابت بن قيس إلى النَّبِيّ ﷺ فقالت: يَا رسول الله، ثابت بنُ قَيْسٍ؛ ما أَعيب عليه من دِينٍ ولا خُلُقٍ، ولكن أكره الكفر في الإسلام. فقال النَّبِيُّ ﷺ : أتَرُدِّينَ عليه حديقَتَهُ؟ قالت: نعم. فأمَرَها برَدِّها، وأمرهُ بفِراقها" رواه البخاري (٣).
стр. 5603
(إلا أن يكون) الزوج (له إليها مَيْلٌ ومحبةٌ، فيُستحبُّ صَبْرُها، وعدم افتدائها) قال أحمد (١): "ينبغي لها ألَّا تختلع منه، وأن تصبر". قال القاضي: قول أحمد: "ينبغي لها أن تصبر" على سبيل الاستحباب والاختيار، ولم يرد بهذا الكراهة؛ لأنه قد نصَّ على جوازه في غير موضع.
(وإن خالعته) المرأة (مع استقامة الحال؛ كُرِهَ) ذلك؛ لحديث ثوبان أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "أيُّما امرأةٍ سألت زوجَها الطلاقَ منْ غير ما بأسٍ فحرامٌ عليها رائحةُ الجنّة" رواه الخمسة إلا النسائي (٢)؛ ولأنه عبثٌ، فيكون مكروهًا (ووقع الخُلْعُ) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ
стр. 5604
نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١).
(وإن عَضَلها، أي: ضارَّها، بالضَّرب، والتضييق عليها، أو مَنَعَها حقوقها، من القَسْم والنَّفَقة، ونحوِ ذلك) كما لو أنقصها (٢) شيئًا من ذلك (ظُلْمًا؛ لتفتدِيَ نفسَها؛ فالخُلْع باطل، والعِوض مردودٌ، والزوجيَّة بحالها) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾ (٣)؛ ولأن ما تفتدي به نفسَها مع ذلك عوض أُكرهت على بذله بغير حق، فلم يستحق أخذه منها، للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد (إلا أن يكون بلفظ طلاق، أو نيته، فيقع رجعيًّا) ولم تَبِنْ منه؛ لفساد العِوض (وإلا) بأن لم يكن بلفظ الطَّلاق ولا نيَّته؛ كان (لغوًا) لفساد العوض.
(وإن فعل) الزوج (ذلك) أي: ما ذُكر من المُضارّة، بالضرب، والتضييق، والمنع من الحقوق (لا لتفديَ) منه فالخلع صحيح؛ لأنه لم يعضلها ليذهب ببعض مالها، ولكن عليه إثم الظلم.
(أو فَعَله لزِناها، أو نُشُوزِها، أو تركها فرضًا) كصلاة أو صوم (فالخُلع صحيح) لقوله تعالى: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١) وقيس الباقي عليها.
(و لا يفتقر الخُلْع إلى حاكم، نصًّا (٤)) ورواه البُخَارِيّ (٥) عن عمر
стр. 5605
وعثمان؛ ولأنه إن قيل: إنه عقد معاوضة؛ كان كالبيع، أو قيل: إنه قَطْعُ عقد بالتراضي؛ كان كالإقالة، وكلٌّ منهما لا يفتقر إلى حاكم.
(ولا بأس به) أي: الخلع (في الحيض) إذا كان بسؤالها؛ لأنها رضيت بإدخال ضرر تطويل العِدّة على نفسها (و) لا بأس به في (الطُّهر الذي أصابها فيه؛ إذا كان بسؤالها) لما تقدّم، وكذا الطلاق بعوض (وتقدّم في) باب (الحيض (١).
و يصحُّ) الخلع (من كل زوج يصحُّ طلاقه، وأن يتوكَّل فيه، مسلمًا كان أو ذميًّا) بالغًا، أو مميزًا يعقله، رشيدًا أو سفيهًا، حرًّا أو عبدًا؛ لأن كلَّ واحد منهم زوج يصحّ طلاقه، فصح خلعه؛ ولأنه إذا ملك الطلاق بغير عوض؛ فبالعوض أولى. وظاهره: أنه لا يصحّ من غير الزوج أو وكيله.
وقال في "الاختيارات" (٢): والتحقيق أنه يصح ممن يصح طلاقه، بالملك، أو الوكالة، أو الولاية، كالحاكم في الشقاق، وكذا لو فعله الحاكم في الإيلاء، أو العُنَّة، أو الإعسار، وغيرها من المواضع التي