من الجن. وليكون التوحيد أول شيء يقرع سمعه حين خروجه إلى الدنيا، كما يلقن عند خروجه منها، ولما فيه من طرد الشيطان عنه، فإنه يفر عند سماع الأذان.
وفي مسند ابن رزين أنه ﷺ "قرأ في أذنِ مولودٍ سورةَ الإخلاصِ" (١) والمراد أذنه اليمنى. قاله في "شرح المنتهى".
(ويسن كون المؤذن صيتًا) أي: رفيع الصوت، لقوله ﷺ لعبد الله بن زيد: "قم مع بلالٍ فألقهِ عليهِ، فإنه أندَى صوتًا منكَ" (٢).
واختار أبا محذورة للأذان؛ لكونه صيتًا، ولأنه أبلغ في الإعلام.
(أمينًا) أي: عدلًا، لما روى أبو محذورة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "أمناءُ الناسِ على صلاتِهِم وسحُورِهم المؤذنون" رواه البيهقي (٣)، وفي إسناده يحيى بن عبد الحميد، وفيه كلام.
стр. 597
ولأنه مؤتمن يرجع إليه في الصلاة وغيرها، ولا يؤمن أن يغرهم بأذانه، إذا لم يكن كذلك.
ولأنه يعلو للأذان، فلا يؤمن منه النظر إلى العورات.
(بصيرًا) لأن الأعمى لا يعرف الوقت، فربما غلط، وكره ابن مسعود، وابن الزبير أذانه (١)، وكره ابن عباس إقامته (٢).
(عالمًا بالأوقات) ليتحراها، فيؤذن في أولها، وإذا لم يكن عارفًا بها، لا يؤمن منه الخطأ.
(ولو) كان المؤذن (عبدًا، ويستأذن سيده) قاله أبو المعالي. وذكر ابن هبيرة (٣) أنه تستحب حريته اتفاقًا، لكن ما ذكره المصنف ظاهر كلام جماعة، أي: أنه لا فرق.
(ويستحب أن يكون) المؤذن (حسن الصوت) قاله في "المغني" وغيره؛ لأنه أرق لسامعه.
(وأن يكون بالغًا) خروجًا من الخلاف، ولأنه أكمل.
(وإن كان) المؤذن (أعمى، وله من يعلمه بالوقت، لم يكره نصًا)
стр. 598
لفعل ابن أم مكتوم (١).
(فإن تشاحّ) من الشح وهو البخل مع حرص (فيه) أي: الأذان (اثنان فأكثر، قدم أفضلهما في ذلك) أي: في الخصال المذكورة، لأنه ﷺ قدم بلالًا على عبدِ اللهِ، لكونه أندى صوتًا منهُ، وقسنا بقية الخصال عليه.
(ثم) إن استويا في ذلك، قدم (أفضلهما في دينه، وعقله) لما روى ابن عباس أن النَّبيَّ ﷺ قال: "ليؤذنْ لكم خيارُكم، وليؤمكم أقرؤكم" (٢) رواه أبو داود (٣)، وغيره.
ولأنه إذا قدم بالأفضلية في الصوت، فبالأفضلية في ذلك أولى، لأن مراعاتهما أولى من مراعاة الصوت، لأن الضرر بفقدهما أشد.
(ثم) إن استووا في ذلك قدم (من يختاره الجيران المصلون، أو أكثرهم) لأن الأذان لإعلامهم، فكان لرضاهم أثر في التقديم، ولأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته، ومن هو أعف عن النظر.
стр. 599
(فإن استووا أقرع بينهم) لقوله ﷺ : "لو يعلم الناسُ ما في النداءِ والصفِّ الأولِ ثم لم يجدُوا ألا أن يستَهِمُوا عليه، لاستهَمُوا" متفق عليه (١).
وتشاح الناس في الأذان يوم القادسية، فأقرع بينهم سعد (٢)، ولأنها تزيل الإبهام.
(وإن قدم) من له ولاية التقديم (أحدهم بعد الاستواء) في الخصال السابقة (لكونه أعمر للمسجد، وأتم مراعاة له، أو لكونه أقدم تأذينًا، أو أبوه) أقدم تأذينًا، (أو لكونه من أولاد من جعل النَّبي ﷺ الأذان فيه، فلا بأس) بذلك، وعلم منه أنه لا يقدم بهذه الخصال إلا إذا رآها من له ولاية التقديم، بخلاف الخصال التي قبلها.
(وبصير، وحر، وبالغ، أولى من ضدهم) فالبصير أولى من الأعمى، والحر أولى من العبد والمبعض، والبالغ أولى ممن دونه، لما تقدم.
(وتشترط ذكوريته) فلا يعتد بأذان امرأة وخنثى، قال جماعة: ولا يصح لأنه منهي عنه (٣)، كالحكاية، وظاهر كلام جماعة صحته، لأن الكراهة لا تمنع
стр. 600
الصحة، فيتوجه على هذا بقاء فرض الكفاية؛ لأنه لم يفعله من هو فرض عليه.
(وعقله) فلا يصح من مجنون، كسائر العبادات.
(وإسلامه) لاشتراط النية فيه، وهي لا تصح من كافر.
(وتمييزه) لما تقدم، فيجزئ أذان مميز، وقال في "الاختيارات" (١): الأشبه أن الأذان الذي يسقط به الفرض عن أهل القرية، ويعتمد في وقت الصلاة، والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي، قولًا واحدًا، ولا يسقط الفرض، ولا يعتمد في العبادات، وأما الأذان الذي يكون سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر، ونحو ذلك، فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه.
(وعدالته، ولو مستورًا) فلا يعتد بأذان ظاهر الفسق، لأنه ﷺ وصف المؤذنين بالأمانة (٢)، والفاسق غير أمين، قال في "الشرح": فأما مستور الحال فيصح أذانه، بغير خلاف علمناه.
(ولا يشترط علمه) أي: المؤذن (بالوقت) لما تقدم في ابن أم مكتوم (٣).
(والمختار أذان بلال) بن رباح. وهو أول من أذن لرسول الله ﷺ (خمس عشرة كلمة، أي: خمس عشرة جملة، لا ترجيع فيه، والإقامة إحدى عشرة) جملة، لحديث عبد الله بن زيد (٤).
وكان بلال يؤذن كذلك، ويقيم، حضرًا، وسفرًا مع النَّبيِّ ﷺ إلى أن مات، وعليه عمل أهل المدينة.
стр. 601
قال أحمد (١): هو آخر الأمرين وكان بالمدينة، قيل له: إن أبا محذورة بعد حديث عبد الله؛ لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، فقال: أليس قد رجع النبي ﷺ إلى المدينة، وأقر بلالًا على أذان عبد الله؟
ويعضده حديث أنس قال: "أمر بلالٌ أن يشفع الأذانَ، ويوترَ الإقامةَ" متفق عليه (٢)، زاد البخاري: "إلا الإقامة".
وحديث ابن عمر قال: "إنما كان الأذانُ على عهد رسولِ الله ﷺ مرتيْنِ، مرتين، والإقامة مرة، مرة، غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" رواه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة (٣) وصححه.
"فائدة" قوله: "الله أكبر" أي: من كل شيء، أو أكبر من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، وهو (٤) بمعنى كبير.
وقوله: "أشهد" أي: أعلم.
стр. 602
وقوله: "حي على الصلاة" أي: أقبلوا إليها، وقيل: أسرعوا.
"والفلاح" الفوز، والبقاء؛ لأن المصلي يدخل الجنة إن شاء الله، فيبقى فيها ويخلد. وقيل: هو الرشد والخير، وطالبهما مفلح؛ لأنه يصير إلى الفلاح، ومعناه: هلموا إلى سبب ذلك. وختم بلا إله إلا الله، ليختم بالتوحيد، وباسم الله تعالى، كما ابتدأ به. وشرعت المرة، إشارة إلى وحدانية المعبود سبحانه.
(فإن رَجَّع في الأذان بأن يقول الشهادتين سرًا) بحيث يسمع من بقربه أو أهل المسجد، إن كان واقفًا، والمسجد متوسط الخط (بعد التكبير، ثم يجهر بهما) فالترجيع: اسم للمجموع من السر، والعلانية، سمي بذلك لأنه رجع إلى الرفع بعد أن تركه، أو إلى الشهادتين بعد ذكرهما (أو ثنى الإقامة، لم يكره) لأن ترجيع الأذان فعل أبي محذورة، وعليه عمل أهل مكة إلى اليوم.
وعن أبي محذورة أن النَّبيَّ ﷺ "علمهُ الأذَانَ تسعَ عشرةَ كلمةً، والإقامة سبعَ عشرةَ كلمة" رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان (١).
والحكمة أن يأتي بهما بتدبر وإخلاص، لكونهما المنجيتين من الكفر، المدخلتين في الإسلام.
стр. 603
وأجاب الشارح بأن النَّبيَّ ﷺ إنما أمر أبا محذورة بذكر الشهادتين سرًا، ليحمل له الإخلاص بهما، فإنه في الإسرار أبلغ، وخص أبا محذورة بذلك؛ لأنه لم يكن مقرًا بهما حينئذ، فإن في الخبر (١) أنه كان مستهزئًا، يحكي أذَانَ مؤذن النَّبيِّ ﷺ فسمعه، فدعاه، فأمره بالأذان، وقصد نطقه بهما ليسلم بذلك، وهذا لا يوجد في غيره. بدليل أنه لم يأمر به بلالًا ولا غيره ممن هو ثابت الإسلام.
ويعضده أن خبر أبي محذورة متروك بالإجماع، لعدم عمل الشافعي به
стр. 604
في الإقامة (١)، وأبي حنيفة في الأذان (٢).
(ولا يشرع) الأذان (بغير العربية) لعدم وروده، قال في "الإنصاف": مطلقًا على الصحيح من المذهب.
(ويسن أن يقول في أذان الصبح: "الصلاة خير من النوم" مرتين بعد الحيعلة) أي: قول "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، لقوله ﷺ لأبي محذورة: "فإذا كان أذانُ الفجر فقلْ: الصلاةُ خيرٌ من النَّوْمِ، مرتين" رواه أحمد، وأبو داود (٣).
وفي رواية "إن بلالًا جاءَ ذات يومٍ، فأراد أن يدعو رسولَ اللهِ ﷺ ، فقيل له: إنه نائم، فصرخ بأعلى صوته: الصلاةُ خيرٌ من النومِ، مرتين" (٤). قال ابن
стр. 605
المسيب: فأدخلت هذه الكلمةُ في التأذين إلى صلاةِ الفجرِ.
(سواء أذنَ مغلسًا، أو مسفرًا) لعموم ما سبق (وهو) أي: قول: "الصلاةُ خيرٌ من النومِ" يسمى: (التثويب) من ثاب بالمثلثة، إذا رجع، لأن المؤذن دعا للصلاة بالحيعلتين ثم عاد إليها. واختصت الفجر بذلك لأنه وقت ينام الناس فيه غالبًا.
(ويكره) التثويب (في غيرها) أي: غير الفجر، أي: أذانها، لقول بلال: "أمرني رسولُ اللهِ ﷺ أن أثوبَ في الفجر، ونهاني أن أثوبَ في العشاء" رواه أحمد وغيره (١).
стр. 606
(و) يكره التثويب (بين الأذان، والإقامة) لما روى مجاهد أنه "لما قدم عمر مكة أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقال: ويحك يا مجنون، أما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتى تأتينا" (١).
ولأنه دعاء بين الأذان، والإقامة إلى الصلاة، فكان مكروهًا، كتخصيص الأمراء به.
(وكذا النداء بالصلاة بعد الأذان في الأسواق، وغيرها. مثل أن يقول: الصلاة، أو الإقامة أو الصلاة - رحمكم الله -.
قال الشيخ في شرح العمدة (٢): هذا إذا كانوا قد سمعوا النداء الأول) لعدم الحاجة إليه (فإن لم يكن الإمام، أو البعيد من الجيران قد سمع النداء الأول، فلا ينبغي أن يكره تنبيهه، و (قال) الشيخ (وقال ابن عقيل: فإن تأخر الإمام الأعظم، أو إمام الحي، أو أماثل الجيران، فلا بأس أن يمضي إليه منبه يقول له: قد حضرت الصلاة، انتهى) لاحتمال أنه لم يسمع الأذان.
(ويكره قوله) أي: المؤذن (قبل الأذان: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا. . .﴾ الآية (٣)) أي: اقرأها ونحوه.
стр. 607
(وكذلك إن وصله) أي: الأذان (بعده بذكر، قاله في شرح العمدة (١)) لأنه محدث.
(و) يكره (قوله قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك) من المحدثات.
(ولا بأس بالنحنحة قبلهما) أي: قبل الأذان، والإقامة.
(و) لا بأس بـ (ــأذان واحد بمسجدين لجماعتين) لعدم المحذور فيه.
(ويستحب أن يؤذن) في (أول الوقت) ليصلي المتعجل، ويتأهب من يريد الصلاة.
(و) يسن (أن يترسل في الأذان) أي: يتمهل، ويتأنى، من قولهم: جاء فلان على رسله.
(و) أن (يحدر الإقامة) أي: يسرع فيها، لما روى جابر، أن النَّبيَّ ﷺ قال لبلال: "يا بلالُ إذا أذنتَ فترسّلْ (٢)، وإذا أقمتَ فاحدرْ" رواه الترمذي (٣) وقال: لا نعرفه إلا من رواية عبد المنعم صاحب الشفاء (٤)، وهو إسناد مجهول.
ورواه الحاكم في "مستدركه" (٥)، وعن عمر، معناه، رواه
стр. 608
أبو عُبيد (١)، ولأنه إعلام الغائبين، فالتثبت فيه أبلغ، والإقامة إعلام الحاضرين، فلا حاجة إليه فيها.
(ولا يعربهما) أي: الأذان، والإقامة (بل يقف على كل جملة) منهما، قال إبراهيم النخعي: "شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما: الأذان، والإقامة".
(و) يسن أن (يؤذن) قائمًا (و) أن (يقيم قائمًا) لما روى أبو قتادة، أن النَّبيَّ ﷺ قال لبلال: "قمْ فأذنْ" (٢).
وكان مؤذنوه ﷺ يؤذنون قيامًا، قال ابن المنذر (٣): أجمع كل من نحفظ عنه أنه من السنة، لأنه أبلغ في الإسماع.
(ويكرهان من قاعد، وراكب، وماش لغير عذر) كالخطبة قاعدًا، فإن كان لعذر جاز، قال في "المبدع": ولم يذكروا الاضطجاع، ويتوجه الجواز، لكن يكره لمخالفة السنة.
و (لا) يكرهان (لمسافر راكبًا، وماشيًا) لأنه ﷺ "أذنَ في السفرِ على راحلتِهِ" رواه الترمذي (٤) وصححه.
стр. 609
(ويستحب أن يكون متطهرًا من الحدثين) الأصغر، والأكبر، لقوله ﷺ : "لا يؤذنُ إلا متوضئٌ" رواه الترمذي، والبيهقي (١) مرفوعًا، من حديث
стр. 610
أبي هريرة، وموقوفًا عليه، وقالا: هو أصح.
وحكم الإقامة كذلك.
وفي "الرعاية": يسن أن يؤذن متطهرًا من نجاسة بدنه، وثوبه.
(فإن أذن محدثًا) حدثًا أصغر (لم يكره) أذانه كقراءة القرآن.
(و تكره إقامة محدث) للفصل بينها وبين الصلاة.
(و) يكره (أذان جنب) للخلاف في صحته، ووجهها: أن الجنابة أحد الحدثين، فلم تمنع صحته، كالآخر.
(ويسن) أن يؤذن (على موضع عال) أي: مرتفع، كالمنارة ونحوها، لما روي عن امرأة من بني النجار قالت: "كان بيتي من أطولِ بيتٍ حول المسجدِ، وكان بلال يؤذنُ عليه الفجرَ، فيأتي بسحرٍ فيجلس على البيتِ، فينظر إلى الفجر، فإذا رآه تمطّى، ثم قال: اللهم إني أستعديك (١) وأستنصرُكَ على قريش
стр. 611
أن يقيموا دينك، قالت: ثم يؤذنُ" رواه أبو داود (١).
ويسن أن يكون (مستقبل القبلة) قال في "الشرح": قال ابن المنذر (٢): أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل القبلة بالأذان. وذلك لأن مؤذني رسول الله ﷺ كانوا يؤذنون مستقبلي القبلةَ، فإن أخل باستقبال القبلة، كره له ذلك (٣).
(فإذا بلغ الحيعلة التفت) برأسه، وعنقه، وصدره. وظاهر المحرر: أنه لا يلتفت بصدره (يمينًا لحي على الصلاة، و) التفت (شمالًا لحي على الفلاح، في الأذان دون الإقامة) لحديث أبي جحيفة، ويأتي.
(ويقيم) أي: يأتي بالإقامة (في موضع أذانه) لقول بلال للنبي ﷺ : "لا تسبقْنِي بآمين" (٤) لأنه لو كان يقيم بالمسجد لما خاف أن يسبقه بها، كذا استنبطه الإمام أحمد، واحتج به، ولقول ابن عمر: "كنا إذا سمعنا الإقامة
стр. 612
توضأنا ثم خرجنا إلى الصلاة" (١) ولأنه أبلغ في الإعلام، وكالخطبة الثانية.
(إلا أن يشق) على المؤذن أن يقيم في موضع أذانه (بحيث يؤذن في المنارة، أو) يؤذن (في مكان بعيد من المسجد، فيقيم في غير موضعه) الذي أذن فيه، أي: فيقيم في المسجد، لئلا يفوته بعض الصلاة، ودفعًا للمشقة.
(ولا يزيل قدميه) عند قوله "حي على الصلاة، حي على الفلاح" في الأذان، بل يلتفت يمينًا، وشمالًا، كما تقدم، ولو أعقبه له، لكان أولى. لحديث أبي جحيفة قال: "أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وهو في قبةٍ حمراءَ من أدمٍ، فخرجَ وتوضأ، وأذن بلالٌ، فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا، يقول يمينًا، وشمالًا: حي على الصلاة، حي على الفلاح" متفق عليه (٢). ورواه أبو داود، وفيه: "فلما بلغ حيَّ على الصلاةِ، حي على الفلاح لوى عنقه يمينًا وشمالًا، ولم يستدر" (٣).
стр. 613
(قال القاضي) أبو يعلى (والمجد) عبد السلام بن تيمية (وجمع) منهم صاحب "الروضة" و"المذهب الأحمد"، و"الإفادات" و"المنور": (إلا في منارة ونحوها) قال في "الإنصاف": وهو الصواب، لأنه أبلغ في الإعلام، وهو المعمول به.
(و يجعل إصبعيه السبابتين في أذنيه) لما روى أبو جحيفة "أن بلالًا وضع إصبعَيه في أذنَيْهِ" رواه أحمد، والترمذي (١) وصححه.
وعن سعد القرظ "أن رسول اللهِ ﷺ ، أمر بلالًا بذلكَ. وقال: إنه أرفع
стр. 614
لصوتك" رواه ابن ماجه (١).
(و) يسن أن (يرفع وجهه إلى السماء فيه) أي: الأذان (كله) نص عليه في رواية حنبل، لأنه حقيقة التوحيد (٢)، وكذا في الإقامة.
(ويتولاهما) أي: الأذان، والإقامة واحد (معًا، فلا يستحب أن يقيم غير من أذن) لما في حديث زياد بن الحارث (٣) الصدائي، حين أذن قال: فأراد بلالٌ أن يقيم، فقال النَّبيُّ ﷺ : "يقيم أخو صدَاء، فإن منْ أذن فهو يقيمُ" رواه أحمد، وأبو داود (٤)، قال الترمذي (٥): إنما نعرفه من طريق عبد الرحمن
стр. 615
الإفريقي، وهو ضعيف عند أهل الحديث.
ولأنهما ذِكران يتقدمان الصلاة، فسن أن يتولاهما واحد، كالخطبتين.
(ولا يصح) الأذان، وكذا الإقامة (إلا مرتبًا) لأنه ذكر معتد به، فلا يجوز الإخلال بنظمه، كأركان الصلاة.
(متواليًا عرفًا) لأنه لا يحصل المقصود منه - وهو الإعلام بدخول الوقت - بغير موالاة، وشرع في الأصل كذلك، بدليل أنه ﷺ "علم أبا محذورة الأذان مرتبًا، متواليًا" (١).
(منويًا) لحديث: "إنما الأعمال بالنيات" (٢).
(من واحد، فلو أتى) واحد (ببعضه، وكمله آخر، لم يعتد به) كالصلاة، قال في "الإنصاف": بلا خلاف أعلمه.
(ولو) كان ذلك (لعذر) بأن مات، أو جن، ونحوه من شرع في الأذان، أو الإقامة فكمله الثاني.
(وإن نكسه) أي: الأذان، أو الإقامة، بأن قدم بعض الجمل على بعض، لم يعتد به، لعدم الترتيب.
(أو فرق بينه بسكوت طويل، ولو بـ) ــسبب (نوم، أو إغماء، أو جنون.
أو) فرق بينه بـ (ــكلام كثير) لم يعتد به، لفوات الموالاة.
(أو) فرق بينه بكلام (محرم، كسب، وقذف، ونحوهما) وإن كان
стр. 616
يسيرًا، لم يعتد به؛ لأنه قد يظنه سامعه متلاعبًا أشبه المستهزئ، ذكره المجد.
(أو ارتد في أثنائه، لم يعتد به) لخروجه عن أهلية الأذان.
(ويكره فيه) أي: الأذان (سكوت يسير) بلا حاجة.
(و) كره فيه (كلام) مباح يسير (بلا حاجة) فإن كان لها، لم يكره؛ لأن سليمان بن صرد - وله صحبة - كان يأمر غلامه بالحاجة في أذانه (١) (كإقامة) فيكره فيها سكوت يسير وكلام (ولو لحاجة).
قال أبو داود (٢): قلت لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ قال: نعم. قلت: يتكلم في الإقامة، قال: لا. ولأنه يستحب حدرها. وظاهر ما قدمه في "الإنصاف" وغيره: أن الإقامة كالأذان.
(وله رد سلام فيهما) أي: في الأذان، والإقامة، ولا يبطلان به، ولا يجب الرد؛ لأن ابتداء السلام إذن غير مسنون.
(و يكفي مؤذن واحد في المصر، بحيث يحصل لأهله العلم) لأن المقصود بالأذان الإعلام، وقد حصل. وفي "المستوعب": من أذن واحد سقط عمن صلى معه مطلقًا خاصة.
(ويكفي بقيتهم) أي: بقية أهل المصر الذي أذن فيه الواحد، بحيث حصل لأهله العلم (الإقامة) فلا يطلب الأذان من كل فرد، وكذا الإقامة لا تطلب من كل فرد، لكن يقيم لكل جماعة واحد.
(فإن لم يحصل الإعلام بـ) ــأذان (واحد، زيد بقدر الحاجة) ليحصل المقصود منه.
يؤذن (كل واحد من جانب) من البلد (أو) يؤذنون (دفعة واحدة بمكان
стр. 617
واحد) قاله في "الفروع" (ويقيم أحدهم) إن حصلت به الكفاية، وإلا أقام من يكفي، كما في "المنتهى".
وإن أذن اثنان، واحد بعد واحد، يقيم من أذن أولًا، قاله في "الفروع".
(ورفع الصوت به) أي: الأذان (ركن) ما لم يؤذن لحاضر، فبقدر ما يسمعه، قال في "الإنصاف": ويستحب رفع صوته (بقدر طاقته) لأنه أبلغ في الإعلام، وقوله (ليحصل السماع) متعلق بقوله "ورفع الصوت به ركن" على أنه علة له، أي: لأن المقصود من الأذان الإعلام، ولا يحصل إلا برفع الصوت.
(وتكره الزيادة) في رفع الصوت (فوق طاقته) خشية ضرر.
(وإن أذن لنفسه، أو) أذن (لحاضر) واحدًا كان أو جماعة (خُيّر) بين رفع الصوت وخفضه (ورفع الصوت أفضل) من خفضه.
(وإن خافتَ ببعضه، وجهر ببعضه، فلا بأس) قاله ابن تميم بمعناه. قال في "الإنصاف": والظاهر أن هذا مراد من أطلق، بل هو كالمقطوع به، وهو واضح، وقال في "الرعاية الكبرى": ويرفع صوته إن أذن في الوقت للغائبين، أو في الصحراء. فزاد: في الصحراء، وهي زيادة حسنة. وقال أبو المعالي: رفع الصوت بحيث يسمع من تقوم به الجماعة ركن.
(ووقت الإقامة إلى الإمام، فلا يقيم) المؤذن الصلاة (إلا بإذنه) أي: الإمام.
(و) وقت (أذان إلى المؤذن) فيؤذن إذا دخل الوقت، وإن لم يأذن الإمام. قال في "الجامع": وينبغي للمؤذن أن لا يقيم حتى يحضر الإمام، ويأذن له في الإقامة، نص عليه في رواية علي بن سعيد. وقد سأله عن حديث علي: "الإمام أملك بالإقامة" (١) فقال: الإمام يقع له الأمر، أو تكون له الحاجة، فإذا
стр. 618
أمر المؤذن أن يقيم أقام انتهى.
وفي "الصحيحين": "أن المؤذنَ كانَ يأتي النَّبيَّ ﷺ " (١) ففيه إعلام المؤذن للإمام بالصلاة وإقامتها.
وفيهما قول عمر: "الصلاة يا رسولَ الله، رقدَ النساءُ والصبيانُ" (٢).
وقال أبو المعالي: إن جاء الغائب للصلاة أقام حين يراه للخبر (٣).
(و يحرم أن يؤذن غير) المؤذن (الراتب إلا بإذنه، إلا أن يخاف فوت) وقت (التأذين) كالإمام، جزم به أبو المعالي.
(ومتى جاء) الراتب (وقد أذن) غيره (قبله، أعاد) الراتب الأذان، نص عليه. قال في "الإنصاف": استحبابًا.
(ولا يصح) الأذان (قبل دخول الوقت) لما روى مالك بن الحويرث، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا حضرت الصلاةُ فليؤذنْ لكم أحدُكم وليؤمكمْ أكبركم" متفق عليه (٤).
ولأنه شرع للإعلام بدخول الوقت، وهو حث على الصلاة، فلم يصح في وقت لا تصح فيه.
стр. 619
(كالإقامة، إلا الفجر، فيباح) الأذان لها (بعد نصف الليل) لأن معظمه قد ذهب، وبذلك يخرج وقت العشاء المختار، ويدخل وقت الدفع من مزدلفة، ورمي جمرة العقبة، وطواف الإفاضة، فيعتد بالأذان إذن، سواء برمضان أو غيره، ولأن وقت الفجر يدخل على الناس، وفيهم الجنب، والنائم، فاستحب تقديم أذانه، حتى يتهيئوا لها، فيدركوا فضيلة أول الوقت.
(والليل هنا ينبغي أن يكون أوّله غروب الشمس، وآخره طلوعها، كما أن النهار المعتبر نصفه، أوله طلوع الشمس، وآخره غروبها) لانقسام الزمان إلى ليل، ونهار (قاله الشيخ (١).
ولا يستحب تقدمه) أي: أذان الفجر (قبل الوقت كثيرًا) لما في "الصحيح" من حديث عائشة قال القاسم: "ولم يكنْ بين أذانهما، إلا أن ينزل ذا ويرقى ذا" (٢).
قال البيهقي (٣): مجموع ما روي في تقدم الأذان قبل الفجر، إنما هو بزمن يسير، وأما ما يفعل في زماننا من الأذان للفجر من الثلث الأخير، فخلاف السنة إن سلم جوازه، وفيه نظر. قاله في "المبدع".
(ويستحب لمن أذن قبل الفجر أن يجعل أذانه في وقت واحد في الليالي كلها) فلا يتقدم، ولا يتأخر، لئلا يغرّ الناس (٤).
стр. 620
(و يكره) الأذان (في رمضان قبل فجر ثان، مقتصرًا عليه) أي: على الأذان قبل الفجر (أما إذا كان معه من يؤذن أول الوقت، فلا) يكره، لقول النَّبيِّ ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليلٍ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابنُ أم مكتوم" متفق عليه (١)، زاد البخاري: "وكان رجلًا أعمَى، لا ينادِي حتى يقالَ له: أصبحت أصبحت".
(وما سوى التأذين قبل الفجر) ويوم الجمعة (من التسبيح، والنشيد، ورفع الصوت بالدعاء، ونحو ذلك في المآذن) أو غيرها (فليس بمسنون، وما أحد من العلماء قال: إنه يستحب، بل هو من جملة البدع المكروهة) لأنه لم يكن في عهده ﷺ ولا عهد أصحابه، وليس له أصل فيما كان على عهدهم يرد إليه (فليس لأحد أن يأمر به، ولا ينكر على من تركه، ولا يعلق استحقاق الرزق به) لأنه إعانة على بدعة (ولا يلزم فعله، ولو شرطه واقف) لمخالفته السنة.
(وقال) عبد الرحمن (ابن الجوزي في كتاب تلبيس إبليس (٢): قد رأيت من يقوم بليل كثيرًا على المنارة، فيعظ، ويذكر، ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات) انتهى.
(ويسن أن يؤخر الإقامة) بعد الأذان (بقدر) ما يفرغ الإنسان من (حاجته) أي: بوله وغائطه (و) بقدر (وضوئه، وصلاة ركعتين، وليفرغ الآكل من أكله، ونحوه) أي: كالشارب من شربه، لحديث جابر: أن النَّبيَّ ﷺ قال لبلال: "اجعلْ بين أذانك وإقامتِك قدرَ ما يفرغُ الآكلُ من أكله، والشارب من
стр. 621
شربه، والمقتضِي (١) إذا دخل لقضاءِ حاجته" رواه أبو داود والترمذي (٢).
(و) يسن (في المغرب) أي: إذا أذن لها أن (يجلس قبلها) أي: الإقامة (جلسة خفيفة) لما سبق، ولما روى تمام في فوائده بإسناده عن أبي هريرة مرفوعًا: "جلوسُ المؤذنِ بين الأذانِ والإقامةِ سنةٌ في المغربِ" (٣) ولأن الأذان شرع للإعلام، فسن تأخير الإقامة للإدراك، كما يستحب تأخيرها في غيرها.
(وكذا كل صلاة يسن تعجيلها) وقيده في "المحرر" وغيره (بقدر ركعتين) قال بعضهم: خفيفتين. وقيل: والوضوء.
(ثم يقيم) قال في "الإنصاف": والأول، أي: الجلوس جلسة خفيفة: هو المذهب انتهى.
قلت: فليست المسألة على قول واحد، كما توهمه عبارته، إلا أن يقال: الخلف لفظي، فيرجعان إلى قول واحد معنى.
стр. 622
(ولا يحرم إمام وهو) أي: المقيم (في الإقامة) نص عليه، خلافًا لأبي حنيفة (١).
(و يستحب) الإحرام (عقب فراغه منها) أي: الإقامة، وظاهره: لا تعتبر موالاة بين الإقامة، والصلاة، خلافًا للشافعي (٢)، إذا أقام عند إرادة الدخول في الصلاة، لقول الصحابي لأبي بكر ﵄: "أتصلي فأقيم؟ " (٣).
ولأنه ﷺ "لما ذكر أنهُ جنبٌ ذهبَ فاغتسلَ" (٤) وظاهره: طول الفصل، ولم يعدها، قاله في "الفروع".
(و تباح ركعتان قبل) صلاة (المغرب) بعد أذانه، فلا يكرهان، ولا يستحبان، وعنه يسن فعلهما للخبر الصحيح (٥)، وعنه: بين كلِّ أذانينِ صلاةٌ
стр. 623
قاله ابن هبيرة (١) في غير المغرب (وفيهما) أي: الركعتين قبل المغرب (ثواب).
قلت: هذا يدل على استحبابهما، وجزم به في "المفردات"، لأن المباح لا ثواب في فعله ولا تركه.
(و يحرم خروج من مسجد بعد الأذان، بلا عذر، أو نية رجوع) لحديث عثمان بن عفان: قال الرسول ﷺ : "من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج، لم يخرج وهو لا يريد الرجعةَ فهو منافقٌ" رواه ابن ماجه (٢).
(إلا أن يكون قد صلى) نقل صالح (٣): لا يخرج، ونقل أبو طالب (٤): لا ينبغي، ونقل ابن الحكم (٤): أحب إليَّ أن لا يخرج، وكرهه أبو الوفاء، وأبو المعالي. وقال ابن تميم: يجوز للمؤذن أن يخرج بعد أذان الفجر، نص عليه (قال الشيخ (٥): إن كان التأذين للفجر قبل الوقت، لم يكره الخروج) أي: من
стр. 624
المسجد قبل الصلاة (نصًا) قال في "الإنصاف": الظاهر أن هذا مراد من أطلق.
(ويستحب أن لا يقوم) الإنسان (إذا أخذ المؤذن) أي: شرع (في الأذان بل يصير قليلًا) أي: إلى أن يفرغ، أو يقارب الفراغ (لأن في التحرك عند سماع النداء تشبهًا بالشيطان) حيث يفر عند سماعه، كما في الخبر (١).
قال في "الاختيارات" (٢): إذا أقيمت الصلاة وهو قائم يستحب له أن يجلس، وإن لم يكن صلى تحية المسجد، قال ابن منصور: رأيت أبا عبد الله أحمد يخرج عند المغرب، فحين انتهى إلى موضع الصف أخذ المؤذن في الإقامة فجلس. انتهى. لما روى الخلال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن النَّبيَّ ﷺ : "جاءَ وبلالٌ في الإقامة فقعد".
(ومن جمع بين صلاتين) أذن للأولى، وأقام لكل منهما، سواء كان الجمع في وقت الأولى أو الثانية، لما روى جابر "أن النَّبيَّ ﷺ جمعَ بين الظهرِ والعصرِ بعرفةَ، وبين المغربِ والعَشاءِ بمزدلفة بأذانٍ وإقامتين" رواه مسلم (٣).
(أو قضى فوائت أذن لـ) ــلصلاة (الأولى فقط، ثم أقام لكل صلاة) لما روى أبو عبيدة، عن أبيه، عن ابن مسعود (٤) "أن المشركين يوم الخندق
стр. 625
شغلوا النَّبيَّ ﷺ عن أربع صلوات، حتى ذهبَ من الليلِ ما شاء الله، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهرَ، ثم أقام فصلى العصرَ، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاءَ" رواه النسائي، والترمذي (١) واللفظ له وقال:
стр. 626
ليس بإسناده بأس، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
(و يجزئ أذان مميز لبالغين) لما روى ابن المنذر (١) بإسناده عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس قال: "كان عمومتي يأمرونني أن أؤذن لهم، وأنا غلام لم أحتلم، وأنس بن مالك شاهد لم ينكر ذلك" ولأنه ذكر تصح صلاته، فصح أذانه، كالبالغ، وتقدم كلام الشيخ تقي الدين فيه.
(و) يصح أذان (ملحن) وهو الذي فيه تطريب، يقال: لحن في قراءته، إذا أطرب بها وغرد، لحصول المقصود به.
(و) يصح أذان (ملحون، إن لم يحل) لحنه (المعنى) كما لو رفع الصلاة، أو نصبها، لأن ذلك لا يمنع إجزاء القراءة في الصلاة فهنا أولى.
(مع الكراهة فيهما) أي: في الملحن والملحون. قال أحمد (٢): كل شيء محدث أكرهه، مثل التطريب.
(فإن أحال) اللحن (المعنى، كقوله: الله وأكبر) أي: بهمزة مع الواو، بدليل رسم الألف بعدها، وأما لو قلب الهمزة واوًا للوقف، لم يكن لحنًا، لأنه لغة، وقرئ به، كما يعلم من كتب القراءات (لم يعتد به) كالقراءة في الصلاة.
ويكره الأذان - أيضًا - من ذي لثغة فاحشة، فإن لم تكن فاحشة لم يكره، فقد روي أن بلالًا كان يبدل الشين سينًا (٣)، والفصيح أحسن وأكمل، قاله في "الشرح".
стр. 627
(ولا يجزئ أذان فاسق) ظاهر الفسق، وتقدم تعليله.
(و) لا أذان (خنثى، وامرأة) لأن رفع صوتهما منهي عنه، فيخرج الأذان عن كونه قربة، فلم يصح كالحكاية.
(ويسن لمن سمع المؤذن ولو) سمع مؤذنًا (ثانيًا، وثالثًا، حيث سن) الأذان ثانيًا، وثالثًا، لسعة البلد، أو نحوها، قال في "المبدع": لكن لو سمع المؤذن، وأجابه وصلى في جماعة، لا يجيب الثاني، لأنه غير مدعو بهذا الأذان.
(حتى) إنه يستحب للمؤذن أن يجيب (نفسه نصًا) صرح باستحبابه جماعة، وظاهر كلام آخرين: لا يجيب نفسه، قال ابن رجب في القاعدة السبعين (١): الأرجح أنه لا يجيب نفسه.
(أو) أي: ويسن لمن سمع (المقيم) حتى نفسه على ما تقدم (أن يقول متابعة) لـ (ــقوله (٢) سرًا، كما يقول) المؤذن، أو المقيم (ولو) كان السامع (في طواف) فرض، أو نفل (أو) كان السامع (امرأة، أو تاليًا، ونحوه) كالذاكر (فيقطع القراءة) أو الذكر (ويجيب (٣)) لعموم ما يأتي.
و (لا) يجيب السامع إن كان (مصليًا) فرضًا، أو نفلًا (و) لا إن كان
стр. 628
(متخليًا) أي: داخلًا الخلاء، ونحوه، لقضاء حاجته.
(ويقضيانه) أي: يقضي المصلي، والمتخلي، ما سمعه من أذان، أو إقامة، إذا فرغ من صلاته، أو خرج من قضاء حاجته، على صفة ما يجيبه عقبه.
(فإن أجابه المصلي بطلت) الصلاة (بالحيعلة فقط) أي: إذا قال السامع مجيبًا للمؤذن، أو المقيم: حي على الصلاة، أو حي على الفلاح، بطلت صلاته، دون ألفاظ باقي الأذان (١)، لأنها أقوال مشروعة في الصلاة في الجملة، بخلاف الحيعلة، لأنها خطاب آدمي، ومثل الحيعلة إذا أجاب في التثويب: بـ "صدقت وبررت" فتبطل به الصلاة.
(إلا في الحيعلة) استثناء من قوله: كما يقول (فيقول) السامع للحيعلة (لا حول) أي: تحول من حال إلى حال (ولا قوة) على ذلك (إلا بالله) وقيل: لا حول عن معصية الله، إلا بمعونة الله، ولا قوة على طاعة الله، إلا بتوفيقه. والمعنى الأول أجمع وأشمل، قاله الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة" (٢).
(و) يقول المجيب (عند التثويب) أي: قول المؤذن في أذان الفجر "الصلاة خير من النوم": (صدقت وبررت) (٣) بكسر الراء.
(و) إلا (في الإقامة) فيقول (عند لفظها: أقامها الله وأدامها) لما روى عمر، أن النَّبي ﷺ قال: "إذا قال المؤذنُ: الله أكبر، الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على
стр. 629
الفلاح، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقال: لا إله إلا الله، مخلصًا من قلبه دخل الجنة" رواه مسلم (١).
وإنما لم يتابعه في الحيعلة لأنه خطاب، فإعادته عبث، بل سبيله الطاعة، وسؤال الحول والقوة، وتكون الإجابة عقب كل جملة للخبر.
والأصل في استحباب إجابة المقيم، ما روى أبو داود بإسناده عن بعض أصحاب النبي ﷺ "أن بلالًا أخذَ في الإقامةِ، فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال النَّبيُّ ﷺ : أقامَها الله وأدامَها" (٢) وقال في سائر ألفاظ الإقامة: كنحو حديث عمر في الأذان.
وإنما استحبت الإجابة للمؤذن والمقيم على ما تقدم، ليجمع بين أجر الأذان، والإقامة، والإجابة.
والحيعلة هي قول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، على أخذ الحاء والياء من "حي"، والعين واللام من "على"، كما يقال: الحوقلة في "لا حول ولا قوة إلا بالله" على أخذ الحاء من حول، والقاف من قوة، واللام من اسم الله تعالى، وتقدم معناها.
стр. 630
وقال ابن مسعود: "لا حول عن معصية الله، إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله، إلا بمعونته" (١) قال الخطابي (٢): هذا أحسن ما جاء فيه.
(و لو دخل المسجد - والمؤذن قد شرع في الأذان - لم يأت بتحية المسجد ولا بغيرها، بل يجيب) المؤذن (حتى يفرغ) من أذانه، فيصلي التحية بشرطه، ليجمع بين أجر الإجابة والتحية. قال في "الفروع": (ولعل المراد غير أذان الخطبة) أي: الأذان الذي يكون بين يدي الخطيب يوم الجمعة (لأن سماعها) أي: الخطبة (أهم) من الإجابة، فيصلي التحية إذا دخل.
(ثم يصلي على النَّبيِّ ﷺ بعد فراغه) من الأذان، وإجابته.
(ثم يقول) كل من المؤذن، وسامعه: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته) لما روى ابن عمر (٣) مرفوعًا: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلَ ما يقولُ المؤذن، ثم صلُّوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا، ثم سلُوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلةٌ في الجنةِ، لا ينبغي أن تكونَ إلا لعبدٍ من عبادِ الله، وأرجو أن أكونَ أنَا هوَ، فمن سألَ لي الوسيلةَ حلتْ عليهِ
стр. 631
الشفاعةُ" رواه مسلم (١).
وعن جابر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوةِ التامةِ والصلاةِ القائمةِ، آت محمدًا الوسيلة والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه، حلت له شفاعتي يوم القيامةِ" رواه البخاري (٢).
قال في "المبدع": ولم يذكر "والسلام" معه، فظاهره أنه لا يكره بدونه، وقد ذكر النووي أنه يكره.
"تتمة" "اللهم" أصله: يا الله، والميم بدل من ياء، قاله الخليل وسيبويه (٣)، وقال الفراء (٤): أصله يا الله أمنا بخير، فحذف حرف النداء، ولا يجوز الجمع بينهما إلا في الضرورة.
"والدعوة" - بفتح الدال - هي دعوة الأذان، سميت تامة لكمالها، وعظم موقعها، وسلامتها من نقص يتطرق إليها.
وقال الخطابي (٥): وصفها بالتمام لأنها ذكر الله، يدعى بها إلى طاعته، وهذه الأمور التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سواها من أمور الدنيا معرض للنقص والفساد. وكان الإمام أحمد يستدل بهذا على أن القرآن غير مخلوق. قال: لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص.
و"الصلاة القائمة" التي ستقوم، وتفعل بصفاتها.
стр. 632
"والوسيلة" منزلة عند الملك، وهي منزلة في الجنة.
"والمقام المحمود" الشفاعة العظمى في يوم القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون.
والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله تعالى إظهار كرامته، وعظم منزلته، وقد وقع منكّرًا في الصحيح، تأدبًا مع القرآن، فيكون قوله "الذي وعدته" منصوبًا على البدلية، أو على إضمار فعل، أو مرفوعًا على أنه خبر لمبتدأ محذوف.
(ثم يسأل الله تعالى العافية في الدنيا، والآخرة.
ويدعو هنا) أي: عند فراغ الأذان، لقوله ﷺ : "لا يردُّ الدعاءُ بين الأذان، والإقامةِ" رواه أحمد، والترمذي (١) وحسنه.
(و) يدعو (عند الإقامة) (٢) فعله أحمد، ورفع يديه.
стр. 633
(ويقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبالُ ليلكَ، وإدبارُ نهارِك، وأصواتُ دُعَاتِكَ، فاغفرْ لي) للخبر (١).
стр. 634
باب شروط الصلاة
الشروط: جمع شرط، كفلوس جمع فلس. والشرائط: جمع شريطة كفرائض وفريضة، والأشراط واحدها شرط بفتح الشين والراء، وسمي شرطًا لأنه علامة على المشروط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١).
وفي الاصطلاح: هو ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، كالإحصان مع الرجم، فالشرط ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده، وهو عقلي، كالحياة للعلم، ولغوي، كإن دخلت الدار فأنت طالق، وشرعي، كالطهارة للصلاة.
(وهي) أي: شروط الصلاة (ما يجب لها قبلها) بأن تتقدم على الصلاة وتسبقها (إلا النية) فإنه لا يجب أن تتقدم على الصلاة، بل الأفضل أن تقارن التكبير، ويأتي.
(ويستمر حكمه إلى انقضائها) أي: الصلاة، وبهذا المعنى فارقت الأركان.
(و الشرط) الشرعي (ما يتوقف عليه صحة مشروطه) صلاة كان، أو غيرها (إن لم يكن عذر) يعجز به عن تحصيل الشرط (ولا يكون) ما تتوقف عليه الصحة (منه) أي: من المشروط بخلاف الأركان، فإنها تتوقف عليها الصحة، لكنها من العبادة.
(فمتى أخل بشرط لغير عذر، لم تنعقد صلاته) لفقد شرطها (ولو) كان التارك للشرط (ناسيًا) له (أو جاهلًا) به.
стр. 635
(وهي) أي: شروط الصلاة (تسعة: الإسلام، والعقل، والتمييز) وهذه الثلاثة شرط في كل عبادة، ولذلك أسقطها في "المقنع" وغيره، إلا التمييز في الحج؛ فإنه يصح ممن لم يميز، ولو أنه ابن ساعة، ويحرم عنه وليه، كما يأتي.
(و) الرابع: (الطهارة من الحدث) الأكبر، والأصغر، لقوله ﷺ : "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغير طهورٍ" الحديث، رواه مسلم (١).
(وتقدمت) مفصلة (وتأتي بقيتها) أي: الشروط.
(و الخامس: دخول الوقت) لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢)، قال ابن عباس: "دلوكها إذا فاء الفيء" (٣) ويقال: هو غروبها، وقيل: طلوعها، وهو غريب. قال عمر: "الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به" (٤) وحديث جبريل حين أَمَّ النَّبيَّ ﷺ في الصلوات الخمس، ثم قال: "يا محمدُ هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِك" (٥).