← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

أو: أنت شريكتها (لم يصر مؤليًا من الثانية) لأن اليمين بالله لا تصح إلا بلفظ صريح من اسم أو صفة، والتشريك بينهما كناية، فلم تقع به اليمين، بخلاف الطلاق والظهار. (و يصح الإيلاء بكل لُغَةٍ، ممن يُحسِن العربية، وممن لا يحسِنها) كالطلاق والعتق (فإن آلى بلغة لا يعرفها؛ لم يكن مؤليًا) عربية كانت أو عَجَميّة، كمن جرى على لسانه ما لا يقصده (ولو نوى موجَبَها عند أهلها) كما تقدم (١) في الطلاق. (فإن اختلف الزوجان في معرفة) معنى (ذلك) اللفظ الصادر من الزوج (فقوله؛ إذا كان متكلمًا بغير لسانه) لأن الأصل إذًا عدم علمه معناه، وهو أدرى بحاله (فإن آلى) زوج (بلغته، وقال: جرى) اللفظ (على لساني من غير قصد) لمعناه (لم يُقبل في الحكم) لأنه خلاف الظاهر. (وإن آلى من الرجعية؛ صح) إيلاؤه؛ لأنها زوجة (وابتداءُ المدَّة) التي تضرب له (من حين آلى) لا من حين الرجعة، كما قبل طلاقها. (ولا يصح الإيلاء من) الزوجة (الرتقاء، و) لا من (القرناء) لأنه لا يمكن وطؤهما، فلا تأثير للحلف. (الشرط الرابع) المتمم لشروط الإيلاء: (أن يكون من زوج) للآية (يمكنه الوطء) لأن الإيلاءَ: اليمينُ المانعة من الجماع، ويمين من لا يمكنه لا تمنعه، بل فعل ذلك متعذِّر منه (مسلمًا كان) المؤلي (أو كافرًا، حرًّا أو عبدًا، سليمًا أو خصيًّا، أو مريضًا يرجى برؤه) لعموم قوله تعالى:

стр. 5917

﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ … ﴾ (١) الآية. (فلا يصح إيلاء الصبي غيرِ المميز، ولا المجنون) لأنهما لا يدريان ما يصدر منهما (ولا) إيلاء (العاجز عن الوطء بجَبٍّ كامل، أو شلل) للذَّكرِ. (ولو آلى) سليم (ثم جُبَّ) أي: قطع ذكره؛ بحيث لم يبق ما يمكن جماع به (بَطَل إيلاؤه) لأنه لا يطالب بالوطء مع عدم قدرته عليه. (ويصح إيلاء السكران، و) إيلاء (المميز، كطلاقهما. ولا يُشترط في صحة الإيلاء الغضبُ، ولا قصدُ الإضرار) قاله ابن مسعود (٢) (كالطلاق) وقال ابن عباس: إنما الإيلاء في الغضب (٣). (والإيلاء والظهار وسائر الأيمان في الغضب والرضا سواء) لعموم الأدلة. (ومدة الإيلاء في الأحرار والرقيق سواء) لعموم النص؛ ولانها مدَّة ضُربتْ للوطء، أشبهت مدة العُنَّة. (وإذا أسلم الذمي، لم ينقطع حكم إيلائه) كطلاقه وظهاره. (و لا حَقَّ لسيدِ الأمة في طلب الفِيئة، و) لا في (العفو عنها، بل) الحق في ذلك (لها) لكون الاستمتاع يحصُل لها، فإن تَرَكَتِ المطالبةَ؛ لم يكن لمولاها المطالبةُ به؛ لأنه لا حَقَّ له، لا يقال: حَقُّه في الولد؛ لأنه لا يعزل عنها إلا بإذنه؛ لأنه لا يستحق على الزوج استيلادَ المرأة؛

стр. 5918

بدليل أنه لو حلف ليعزلن عنها أو لا (١) يستولدها؛ لم يكن مؤليًا. (ولو حلف) السيد (ألا يطأ أَمَته) لم يكن مؤليا؛ لما تقدم؛ ولأنه لا حق لها في الوطء. (أو) حلف إنسان لا يطأ امرأة (أجنبية مطلقًا، أو) حلف لا يطؤها (إن تزوَّجها؛ لم يكن مؤليًا) لظاهر الآية. (و) يصح الإيلاء من الزوجة (سواء كانت الزوجة حرة أو أمة، مُسلِمة أو كافرة، عاقلة أو مجنونة، صغيرة أو كبيرة) لعموم: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٢). (وتُطالِبُ) زوجةٌ (غيرُ مكلفة إذا كُلِّفت) لا قبل ذلك؛ لعدم صحة دعواها. فصل (وإذا صَحَّ الإيلاء) لاجتماع شروطه الأربعة (ضُربت له) أي: المؤلي (مدةُ أربعة أشهر، ولا يُطالب بالوطء فيهن) أي: في الأربعة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (٢). (وابتداء المُدَّة من حين اليمين، ولا تفتقر إلى ضرب حكم، كمدة العِدة) لأنها ثبتت بالنص والإجماع (٣). (فإذا مضت) الأربعة أشهر (ولم يطأ، ولم تُعْفِه) مَن آلى منها

стр. 5919

(ورافعته إلى الحاكم، أمره بالفَيئة) -بكسر الفاء- مثل الصيغة؛ ذكره في "الصحاح" (١). (وهي) أي: الفِيئة (الجماع) سُمِّي جماع المؤلي فِيئة؛ لأنه رجوع إلى فعلِ ما تَرَكه بحَلفه، من الفيء، وهو الظل بعد الزوال؛ لأنه رجع من المغرب إلى المشرق. (فإن أبى) المؤلي الفِيئة (أمره) الحاكم (بالطلاق) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢). (فإن لم يُطَلِّق) المؤلي (طَلَّق الحاكم عليه، كما يأتي آخر الباب. ولا تطلق بمجرَّد مضي المُدَّة) قال أحمد (٣): يوقف عن أكابر الصحابة. وقال في رواية أبي طالب: قال ذلك عمر (٤)، وعثمان (٥)،

стр. 5920

وعلي (١)، وابن عمر (٢)، وجعل يثبت حديث علي، ورواه البخاري عن ابن عمر (٣). قال: ويذكر عن أبي الدرداء، وعائشة، واثنى عشر رجلًا من أصحاب النبي ﷺ (٤).

стр. 5921

وقال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي ﷺ كلهم يقفون المُؤلي؛ رواه الشافعي والدارقطني بإسناد جيد (١). وقال ابن مسعود (٢)، وابن عباس (٣): إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة. وقال مكحول (٤)، والزهري (٥): تطليقة رجعية. ورُدَّ بظاهر الآية، فإن الفاء للتعقيب، ثم قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ ولو وقع (٦) بمضي المُدَّة، لم يحتج إلى عزمٍ عليه، وقوله: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يقتضي أن الطلاق مسموع، ولا يكون المسموع إلا كلامًا؛ ذكره في "المبدع" ملخصا. (فإن كان به) أي: المؤلي (عُذْرٌ في المُدَّة يمنع الوطء -ولو طارئًا-

стр. 5922

بعد يمينه، كحَبْسه، وإحرامه، ونحوه؛ احتُسب عليه بمُدَّته) أي: العذر؛ لأن المانع من جهته، وقد وُجِد التمكين الذي عليها، ولذلك لو أمكنته من نفسها، وامتنع؛ وجبت لها النفقة. (وإن كان) العذر (المانع) من وطئها (من جهتها، كصغرها، ومرضِها، وحبسِها، وصيامها واعتكافها الفَرْضين، وإحرامِها، ونِفاسِها، وغيبتها، ونُشوزِها، وجنونها، ونحوه) كالإغماء عليها (وكان) ذلك العذر (موجودًا حال الإيلاء؛ فابتداء المُدَّة من حين زواله) لأن المُدَّة تضرب لامتناعه من وطئها، والمنع هنا مِن قِبَلِها. (وإن كان) العذر (طارئًا في أثناء المُدَّة؛ استؤنِفت) الأربعة أشهر (من وقت زواله) ولم تُبْنَ علي ما مضى؛ لقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ وظاهره يقتضي أنها متوالية، فإذا قطعتها وجب استئنافها، كمُدَّة الشهرين في صوم الكفارة (إن كان قد بقي منها) أي: من المُدَّة التي حلف لا يطؤها فيها (أكثرُ من أربعة أشهر، وإلا) أي: وإن لم يكن بقي منها أكثر من أربعة أشهر، بل أربعة فأقل (سقط حكم الإيلاء) كما لو حلف على ذلك ابتداء. (ولا تَبني على ما مضى) إذا حدث عذرٌ مما سبق (كمُدَّة الشهرين في صوم الكفارة) إذا انقطع التتابع يستأنفهما (إلا الحيض، فإنه يُحتسب عليه) أي: المؤلي (مدته (١)) إذا كانت حائضًا (وقت الإيلاء، ولا يقطع) الحيضُ (مُدَّتَه إن طرأ) في أثنائها؛ لأنه لو منع لم يُمكن ضرب المدة؛ لأن الحيض في الغالب لا يخلو منه شهر، فيؤدِّي ذلك إلى إسقاط حكم الإيلاء.

стр. 5923

(وإنْ آلى) من زوجته بعد الدخول (في الرِّدة) أي: ردته، أو رِدتها، أو رِدتهما (فابتداء المدة من حين رجوع المرتد منهما إلي الإسلام) إن كان ذلك في العِدَّة (فإن طرأت الرِّدة في أثناء المُدة؛ انقطعت (١)، وحرم الوطء، فإذا عاد إلى الإسلام؛ استؤنفت) المُدَّة (سواء كانت الردة منهما، أو من أحدهما. وكذلك إن أسلم أحد الزوجين الكافرين) بعد الدخول، وكان آلى منها، فابتداء المدة من حين يُسلِم الآخر في العِدة؛ لأنه صار ممنوعا من وطئها بغير (٢) يمين. (وإن طَلَّقها في أثناء المُدَّة بعِوض، أو بثلاث، أو أبانها بفسخ، أو خلع، أو بانت برِدَّة، أو إسلام أحدهما، أو انقضت عِدَّةُ الرجعة (٣)) بعد أن آلى منها في المدة (انقطعت المُدَّة) لما تقدم. (فإن عاد فتزوَّجَها، وقد بقي من المُدة) التي حلف لا يطؤها فيها (أكثرُ من أربعة أشهر؛ عاد حُكمُه) فتضرب له المُدَّةُ. (وإن كان الطلاق رجعيًّا، ولم تنقض العِدة) قبل مُدَّة التربص (بَنَتْ) على ما مضى قبل الطلاق؛ لأن الرجعية زوجة، فإذا تمت أربعة أشهر قبل انقضاء عدة الطلاق؛ وقف، فإن فاء؛ وإلا أُمِرَ بالطلاق (فإن راجعها) في العِدَّة قبل انقضاء مدة التربُّص (بَنَتْ أيضًا على ما مضى من المدة؛ لما تقدم. (وإن آلى من زوجته الأمة، ثم اشتراها، ثم أعتقها، وتزوَّجها) عاد

стр. 5924

الإيلاء (أو كان المؤلي عبدًا، فاشترته امرأته) التي آلى منها (ثم أعتقته، ثم تزوَّجته؛ عاد الإيلاء) لأنه لم يوجد به اليمين (١) من حنث أو كفَّارة. وكذا لو بانت الزوجة برِدة، أو إسلام منهما، أو من أحدهما، ثم تزوجها تزويجًا جديدا؛ عاد الإيلاء، وتستأنف المدة في جميع ذلك، سواء عادت إليه بعد زوج ثان أو قبله. وكذا لو قال لزوجته: إنْ دخلتِ الدار فوالله لا جامعتُكِ، ثم طلقها، ونكحت غيره، ثم تزوَّجها، عاد حكم الإيلاء، فإن دخلتها في حال البينونة، ثم عاد فتزوجها، لم يثبت حكم الإيلاء في حقه؛ لأنه لا ينعقد بالحلف على الأجنبية؛ ذكره في "الشرح". (وإن انقضت المُدَّة، وبها) أي: المرأة (عذرٌ يمنع الوطء) كحيض أو إحرام (لم تملك طلب الفيئة، ولا المطالبة بالطلاق) لأن الوطء ممتنع من جهتها؛ ولأن المطالبة مع الاستحقاق، وهي لا تستحق في هذه الأحوال (وتتأخَّر المطالبة) بالوطء أو الطلاق (إلى حين زواله) أي: العذر، إنْ لم يكن قاطعًا للمدة، كالحيض، أو كان العذر حَدَث بعد انقضاء المدةِ. (وإن كان العذرُ به) أي: المؤلي (وهو) أي: العذر (مما يَعجز به عن الوطء، من مرض، أو حبس يُعذر فيه) بأن كان ظلمًا، أو على دين لا يمكنه أداؤه (أو غيرِه) أي: الحبس، كالإحرام (لزمه أن يفيء بلسانه في الحال، فيقول: متى قدرت جامعتك) هذا قول ابن مسعود (٢)

стр. 5925

وجمع (١)؛ لأن القصد بالفَيِئة ترك ما قصده من الإضرار، وقد ترك قَصْدَ الإضرار بما أتى به من الاعتذار، والقول مع العذر يقوم مقام فِعلِ القادر، بدليل إشهاد الشفيع على الطلب بالشُّفعة، ولا يحتاج أن يقول: ندمت؛ لأن الغرض أن يظهر رجوعه عن المُقام على اليمين. (وإن كان محبوسًا بحق يمكنه أداؤه؛ طولب بالفِيئة؛ لأنه قادر عليها بأداء ما عليه) من الدَّيْن، فلا عُذر له (فإن لم يفعل) أي: يؤدِّ ما عليه مع قدرته عليه ليفيء (أُمِرَ بالطلاق) كغير المحبوس. (وإن كان عاجزًا عن أدائه) أي: أداء ما حُبس عليه (أو) كأن (حُبس ظلمًا؛ أُمر) أن يأتي (بِفَيئة المعذور) فيقول: متى قَدَرت جامعتُكِ، كما سبق. (ومتى زال عذره) أي: عذر المؤلي، من حبس أو غيره (وقدر علي الفِيئة، وطُولب بها؛ لزمه) أن يفيء (إن حَلَّ الوطءُ) بأن لم يكن بها مانع من نحو حيض؛ لأنه أخَّر حقَّها لعجزه عنه، فإذا قَدَر عليه، لزمه أن يوفيها إيَّاه كالدَّين على المعسر، إذا قَدَر عليه (فإن لم يفعل) أي: يطأ (أُمِرَ بالطلاق) كما لو لم يكن فاء بلسانه؛ لأن الفَيئة باللسان مجرَّد وعدٍ، وحقها الأصلي باقٍ، ولا مانع من فعله. (وإن كان) المؤلي (غائبًا، لا يمكنه القدوم، لخوفٍ) بالطريق (أو نحوه؛ فاء فَيئة المعذور) لأنه معذور، فيقول: متى قَدَرت جامعتُها (وإن أمكنها القدوم، فلها أن توكِّلَ من يطالبُه بالمسير إليها، أو حملها إليه) ليوفيها حقها من الفِيئة (أو) يطالبه بـ (ـالطلاق) إن لم يفعل؛ لأنه غير

стр. 5926

معذور إذًا. (وإن كان) المؤلي (مظاهِرًا؛ لم يؤمر بالوطء) لأنه محرَّمٌ عليه قبل التكفير، فهو عاجز عنه شرعًا، أشبه المريض (ويقال له: إما أن تُكَفِّر) وتفيء (وإما أن تطلق) إزالة لضررها. (فإن طلب الإمهال ليطلب رقبة يُعتِقُها، أو طعامًا يشتريه) ويطعمه للمساكين إن كان عاجزًا عن العتق والصوم (أمهل ثلاثة أيام) لأنها مدة قريبة، فالظهار كالمرض عند الخِرقي ومن تابعه، وكذا الاعتكاف المنذور؛ ذكره في "المبدع". (وإن عُلم أنَّه) أي: المظاهر (قادر على التكفير في الحال، وإنما قصده المدافعة؛ لم يُمهل) لأنه إنما يُمهل للحاجة، ولا حاجة هنا. (وإن كان فَرْضُه الصيام) لقدرته عليه، وعجزه عن العتق، وطَلَب أن يُمهل ليصوم (لم يُمهل حتَّى يصوم) شهرين متتابعين؛ لأنه كثير (بل) يؤمر أن (يُطَلِّق. وإن كان قد بقي عليه) أي: على المظاهر (من الصيام مدةٌ يسيرة) عرفًا (أُمهل فيها) كسائر المعاذير. (وإن وطئها في الفَرْج وطئًا مُحرَّمًا، مثلَ أن يطأ) ها (في الحيض، أو النفاس، أو الإحرام، أو صيام فرض من أحدهما، أو) وطئها (مُظاهِرًا؛ فقد فاء إليها) لأن يمينه انحلَّت، فزال حكمها، وزال عنها الضرر (وعصى بذلك) لتحريمه (وانحل إيلاؤه) لأن الوطاء قد وُجد، واستوفت المرأة حقها. و (لا) تحصُل الفِيئة (إن وطئها دون الفرج، أو في الدُّبُر) لأن الإيلاء يختص بالحلف على ترك الوطء في القُبُل، والفِيئة الرجوع عن ذلك، فلا تحصُّل بغيره، كما لو قبَّلها؛ ولأن ذلك -أيضًا- لا يزول به

стр. 5927

ضرر المرأة. (وإن أراد الوطء في حال الإحرام، أو) أراد الوطء في (الصيام الفرض، أو) أراد الوطء (قبل تكفيره للظِّهار، فمنعته؛ لم يسقط حقها) من طلب الفِيئة؛ لأنه وطء حرام إذًا، فلا يلزم التمكين منه (كما لو منعته في الحيض) من الوطء. (وليس على من فاء بلسانه كفارة، ولا حنث) لأنه لم يفعل المحلوف عليه، وإنما وعد بفعله. (وإن كان) المؤلي (مغلوبًا على عقله بجنون أو إغماء؛ لم يُطالب) بالفِيئة ولا بالطلاق (حتَّى يزول ذلك) الجنون أو الإغماء؛ لأنه لا يصلح للخطاب، ولا يصح منه الجواب (١). (وإن قال) المؤلي: (أمهلوني حتى أقضيَ صلاتي، أو) حتى (أتغدَّى، أو حتى ينهضِمَ الطعام، أو حتى أنام؛ فإني ناعس، أو حتى (أفطر من صومي، أو) حتَّى (أرجع إلى بيتي؛ أُمْهِلَ بقدر الحاجة فقط) لأن العادة تقتضيه، وزمنه يسير. (فإن كانت الزوجة صغيرةً أو مجنونةً؛ فليس لها المطالبة) لأن قولها غير معتبر (ولا لوليِّها) لأن هذا طريقه الشهوة، فلا تدخله الولاية. (فإن كانتا ممن لا يمكن وطؤهما؛ لم يُحتَسَب عليه بالمُدَّة) لأن المنع من جهتها. (فإن كان وطؤهما ممكِنًا، فأفاقتِ المجنونةُ، وبلغت الصغيرةُ قبل انقضائها) أي: مُدَّة الحلف (فلهما المطالبة) إن تمَّت مُدَّة التربُّص؛ لأن الحق لهما ثابت، وإنما تأخَّر لعدم إمكان المطالبة (فإذا لم يبقَ له عُذر،

стр. 5928

وطَلَبت الفِيئة، فجامَعَ، انحلَّت يمينُه) لوجود المحلوف عليه (وعليه كفَّارتُها) لعموم النص (فإن كفَّر قبل الوَطء؛ انحلَّت يمينُهُ) بالتكفير (ولم يخرُج من الفِيئة) لعدم الوطء. (ولو عَلَّق طلاقًا ثلاثًا بوطئها) بأن قال: إنْ وطئتُك فأنتِ طالق ثلاثًا (أُمر بالطلاق، وحرم الوطء) لوقوع الثلاث بإدخال الحَشَفة، فيكون نزعه في أجنبية، والنزع جماع؛ ولأنه طلاق بدعة؛ لأنه يقع بعد الإصابة، وفيه جمع الثلاث بكلمة. (فإن أولج؛ فعليه النزعُ حين يولجُ الحَشَفة) لأنها بانت بذلك، فصارت أجنبية (ولا حدَّ ولا مهر) إن نزع في الحال؛ لأنه تارك. (ومتى تمَّم الإيلاج، أو لبث؛ لَحِقَهُ نسبه) أي: نسب ولد أتت به من هذا الوطء (ووجب المهر) لهذا الوطء؛ لأنه حصل منه وطء مُحَرَّم في محل غير مملوك، فأوجب المهر، كما لو أولج بعد النزع (ولا حدَّ) عليه؛ للشبهة. (وإن نَزَع ثم أولجَ، فإن جَهِلا التحريمَ؛ فالمهرُ) عليه (والنَّسَبُ لاحِقٌّ) به (ولا حدَّ) عليهما؛ لشبهة جهل التحريم (والعكسُ بعكسه) أي: وإن لم يجهلا؛ فلا مهر حيث مَكَّنت؛ لأنها زانية مطاوعة، ولا نسب، وعليهما الحدُّ؛ لأنه إيلاج في أجنبية بلا شُبهة. (وإن علمه) أي: التحريمَ، الواطئُ (وَحْدَه؛ لزمه المهر) بما نال من فرجها (و) لزمه (الحدُّ) لأنه زانٍ عالم (ولا نسب) يلحقه؛ لما مرَّ. (وإن عَلِمَتْه) أي: التحريم (وَحْدَها؛ فالحدُّ عليها، والنسب لاحقٌ) بالواطئ؛ لجهله (ولا مهر) لها؛ لأنها زانية مطاوعة. (وكذا إن تزوَّجت) المطلقة (في عدَّتها) غير مُبِينها.

стр. 5929

(ولو علَّق طلاق غيرِ مدخول بها بوطئها، فوطِئَها؛ وقع رجعيًّا) لأنه يقع عقب الوطء فتكون مدخولًا بها. "تتمة" لو قال لزوجته: إن وطئتُكِ فأنتِ عليَّ كظهر أمي. فقال أحمد (١): لا يقرَبها حتى يُكفِّر، مع أنه لا يصير مظاهرًا قبل الوطء، ولا يصح تقديم كفَّارة الظهار قبل (٢)؛ لأنه سببها. وقال إسحاق (٣): قلت لأحمد، في من قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي إن قَرِبْتُك إلى سنة، فقال أحمد: إن جاءت تطلب، فليس له أن يعضُلها بعد مضيّ الأربعة الأشهر، يقال له: إما أن تفيء، وإما أن تطلِّق، فإن وطئها؛ فقد وجب عليه كفَّارة، وإن أبى وأرادت مفارقته؛ طَلَّقها الحاكم عليه. فينبغي أن تُحمل الرواية الأولى على الوطء بعد الوطء الَّذي صار به مظاهرًا؛ لما تقدم، ولتتفق الروايتان. أشار إليه الشارح، وفيه شيء. (وأدنى ما يكفي من ذلك) أي: من الوطء في فِيئة المؤلي، ووقوع الطلاق المعلَّق على الوطء ونحو ذلك (تغييب الحَشَفة) إن كانت (أو قدرها) من مقطوعها (في الفرج) لأن أحكام الوطء تتعلَّق به (ولو من مُكْرَهٍ، وناسٍ، وجاهل) بالزوجة التي آلى منها، بأن اشتبهت عليه بغيرها، ونحوه (ونائم إذا استدخَلت ذكره، و) من (مجنون) لوجود الوطء (ولا كفَّارة عليه فيهنَّ) لعدم الحنث من الحالف. (وإن لم يَفِئ) المؤلي بوطء من آلى منها (وأعفته المرأة؛ سقط؛ حقُّها) لأن الحق لها، وقد أسقطته (كعفوها) عن العِينِّين (بعد) مضي (مُدَّة

стр. 5930

العُنَّة) وهي السَّنَة. (وإن لم تُعفِه؛ أُمر بالطلاق) إن طلبته؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١) فإذا امتنع من أداء الواجب، فقد امتنع من الإمساك بالمعروف، فيؤمر بالتسريح بالإحسان. (فإن طَلَّق) المدخولَ بها (واحدة؛ فله رَجعتها) ما دامت في العِدَّة (سواء أوقعه بنفسه، أو طَلَّق الحاكم عليه) لأنه طلاق صادف مدخولًا بها من غير عدد، ولا استيفاء عدد، فكان رجعيًّا، كالطلاق في غير الإيلاء، ويفارق فُرقة العُنَّة؛ لأنها فسخ لعيب. (فإن لم يُطَلِّقْ، ولم يطأ، أو امتنع المعذور من الفِيئة بلسانه؛ طَلَّقَ الحاكم عليه) لأنه حقٌّ تعيَّن مستحقه، فدخلته النيابة، كقضاء الدين. ويفارق من أسلم على أكثر من أربع، فإنه يُجبر على التخيير؛ لأن المستحق من النسوة غير معين؛ ولأنها خِيَرة تشهٍّ؛ بخلاف ما هنا. (وليس للحاكم أن يأمره بالطلاق) إلا أن تطلب المرأةُ ذلك (ولا) للحاكم (أن يُطَلِّقَ عليه؛ إلا أن تطلب المرأةُ ذلك) من الحاكم؛ لأنه حقٌّ لها، فلا يستوفيه بدون طلبها (فإن طَلَّقَ) الحاكم (عليه) أي: المؤلي (واحدة، أو) أكثر (اثنتين، أو ثلاثًا، أو فَسَخَ؛ صَحَّ) ذلك؛ لأن الحاكم قائمٌ مقام الزوج، فملك ما يملكه (والخيرة في ذلك للحاكم) فيفعل ما فيه المصلحة. قلت: تقدَّم أن إيقاع الثلاث بكلمة واحدة مُحَرَّم، فهنا أولى. (وإن قال) الحاكم: (فَرَّقت بينكما؛ فهو فَسْخٌ) لا ينقص به عدد

стр. 5931

الطلاق، ولا تحل له إلا بعقد (١) جديد. (وإن ادعى) المؤلي (أن المُدَّة) أي: مُدَّة التربص، وهي الأربعة أشهر (ما انقضت، وادَّعت) المرأة (مُضِيَّها؛ فقوله مع يمينه) لأن الأصل عدم انقضائها. (وإن ادَّعى أنَّه وطئها، فأنكرته، وكانت ثيبًا؛ فقوله) كما لو ادَّعى الوطء في العُنَّة؛ ولأنه أمرٌ خفيٌّ لا يُعلم إلا من جهته، فَقُبِلَ فيه (٢)، كقول المرأة في حيضها (مع يمينه) للخبر (٣)، وكالدَّين؛ ولأن ما تدعيه المرأة محتمل، فوجب نفيه باليمين (ولا يُقضى فيه بالنُّكُول) عن اليمين (نصًّا (٤)) لأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال. (وإن كانت بكرًا، واختلَفَا في الإصابة) بأن ادَّعى أنَّه وطئها، وأنكرته (وادَّعت) بـ (ــأنها عَذراء) أي: بكر (فشهدت امرأةٌ عدلٌ بثيوبَتِها؛ فقولُهُ) كما لو كانت ثيبًا (وإن شهدت) عدل (بكارتها؛ فقولها) لأنه اعتضد بالبينة، إذ لو وطئها لزالت بكارتها (فإن لم يشهد لها أحدٌ) بزوال البكارة ولا بقائها (فقوله) كما لو كانت ثيبًا. ومن قلنا: القول قوله؛ فعليه اليمين؛ لأنه حقٌّ لآدمي يجوز بَذْله، فيستحلف فيه، كالديون، ولعموم: "واليمينُ على من أنكر" (٥).

стр. 5932

كتاب الظهار

стр. 5933

كتاب الظهار مشتق من الظَّهْر، سُمِّي بذلك لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وإنما خصَّ الظهر دون غيره؛ لأنه موضع الركوب، إذِ المرأة مركوبة إذا غُشيت، فقوله: أنت عليَّ كظهر امي، اي: رُكوبُكِ للنكاح حرام عليَّ كركوب أمي للنكاح، فأقام الظهر مقام المركوب؛ لأنه مركوب، وأقام الركوب مقام النكاح؛ لأن الناكح راكب. ويقال: كانت المرأة تحرم بالظهار على زوجها ولا تُباح لغيره، فنقل الشارع حكمه إلى تحريمها بالعود، ووجوب الكفارة (١)، وأبقى محلّه، وهو الزوجة. (وهو مُحَرَّم) إجماعًا؛ حكاه ابن المنذر (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٣)، وقول المُنكَر والزور من أكبر الكبائر؛ للخير (٤). ومعناه: أن الزوجة ليست كالأم في التحريم؛ لقوله

стр. 5934

تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (٢)؛ ولحديث أوس بن الصامت: "حين ظاهر من زوجته خُوَيلة (٣) بنت مالك بن ثعلبة، فجاءت النبيَّ ﷺ تشتكيه، فأنزل الله أوَّل سورة المجادلة" رواه أبو داود، وصححه ابن حبان والحاكم (٤). وفيه أحاديث أخر تأتي.

стр. 5935

(وهو أن يُشبِّه) الزوجُ (امرأتَهُ، أو) يُشَبِّه (عضوًا منها) أي: من امرأته (بظهر مَن تَحْرُم عليه على التأبيد) كأُمّه وأخته مِن نسب أو رَضاع، أو حَماته (أو) يُشبِّه ذلك بظهر من تحرم عليه (إلى أمَدٍ) كأخت امرأته وعَمّتها وخالتها. (أو) يُشبِّه امرأته أو عضوًا منها (بها) أي: بمن تَحْرُم عليه على التأبيد، أو إلى أمَد (ولو) كان التشبيه المذكور (بغير العربية) ممن

стр. 5936

يحسنها، كالإيلاء، والطلاق (ولو اعتقد الحِلَّ) أي: حِلَّ المشبَّه بها من أمّ وأخت (كمجوسيّ) قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أختي، وهو يعتقد حِلَّ أخته، فلا أثر لاعتقاده ذلك، ويكون مظاهرًا؛ لأنه اعتقاد لا سند له، فنأمره بالكفَّارة إذا رافع إلينا، أو أسلم وقد وطئ. (أو) يُشبِّه امرأتَهُ أو عضوًا منها (بعضوٍ منها) أي: ممن تَحْرُم عليه على التأبيد، أو إلى أَمَدٍ. (أو) يُشبِّه امرأتَهُ أو عضوًا منها (بذكَرٍ) كأبيه، أو زيد (أو) يُشبِّه امرأتَهُ أو عضوًا منها (بعضو منه) أي: من الذَّكَر، كظهره، أو رأسه. وأمثلة ما سبق (كـ) ـقوله لامرأته: (أنتِ كظهر أُمِّي، أو: أنتِ عليَّ كظهر) أمّي (أو): أنتِ عليَّ كـ (ـبطن) أمِّي (أو): أنتِ عليَّ كـ (ـيَدِ) أمّي (أو): أنتِ عليَّ كـ (ـرأس أمّي. أو): أنت عليَّ (كيد أختي، أو كوجه حَمَاتي، ونحوه) قال في "المبدع": الأحْماءُ في اللغة: أقارب الزوج، والأَخْتانُ: أقارب المرأة، والأصهار لكل واحد منهما. ونقل ابن فارس (١) أن الأحماء كالأصهار، فعلى هذا يقال: هذه حماةُ زيد، وحماة هند. (أو يقول: ظهرُكِ) كظهر أمي، أو بطنها، ونحوه. (أو) يقول: (يدُكِ، أو رأسك، أو جلدك، أو فَرْجكِ عليَّ كظهر أمي، أو كيد أختي، أو عمّتي، أو خالتي، من نسب أو رضاع) في الكلّ. (وإن قال): أنتِ عليَّ، أو يدكِ ونحوها عليَّ (كشعر أمِّي، أو) كـ (ـسِنِّها، أو) كـ (ـظُفُرِها) فليس بظِهار؛ لأنها ليست من الأعضاء الثابتة (أو شبَّه شيئًا من ذلك) أي: الشّعر والظُّفُر والسنّ ونحوها (من امرأته

стр. 5937

بأمِّه، أو بعضو من أعضائها) بأن قال: شعر امرأتي أو سِنها أو ظفرها عليَّ كأمي، أو كظهرها (أو قال: بروح أمِّي، أو عَرَقها، أو ريقها، أو دمعها، أو دمها) فليس بظِهار؛ لما سبق. (أو قال: وجهي من وجهك حرام؛ فليس بظِهار) بل لغوٌ، نصَّ عليه (١)؛ لأنه يُستعمل كثيرًا في غير الظِّهار، ولا يُؤدِّي معناه. (وإن قال: أنا مظاهر) فلغوٌ (أو) قال: (عليَّ الظِّهار) أو: عليَّ الحرام (أو: الحرام لي لازم؛ فلغوٌ) إلا مع نية أو قرينة (ومع نية أو قرينة) تدلُّ على الظِّهار (ظِهار) لأنه نوى الظِّهار بما يحتمله لفظه، فكان ظِهارًا، وتقدم (٢) كلام "الفروع" و"تصحيحه": لو نوى به الطلاق. (وكذا: أنا عليك حرام) يكون ظِهارًا مع نية أو قرينة؛ لأن تحريم نفسه عليها يقتضي تحريمَ كلِّ واحد منهما على الآخر. (أو): أنا عليك (كظهر رجل) يكون ظِهارًا مع نية أو قرينة؛ لأن تشبيه نفسه بغيره من الرجال يلزم منه تحريمها عليه، كما تحرم على ذلك الغير، فيكون ظِهارًا، كما لو شبّهها بمن تحرم عليه، فإن لم تكن نية ولا قرينة؛ فلغوٌ. (ويُكره أن يُسمِّيَ) أي: ينادي (الرّجل امرأته بمن تحرم عليه، كقوله لها: يا أختي، يا ابنتي، ونحوه) لما روى أبو داود "أن رجلًا قال لامرأةٍ: يا أخته (٣)، فقال النبي ﷺ : هي أختك؟! فكَرِه ذلك ونهى عنه" (٤) لأنه لفظ يُشبه الظِّهار (ولا يثبت به حكم الظِّهار؛ لأنه) ليس

стр. 5938

صريحًا في الظِّهار، و (ما نواه به) وكذا نداؤها له: يا أخاها ونحوه. (وإن قال) لامرأته: (أنتِ عندي) كأمِّي، أو مثل أمِّي (أو) قال: أنتِ (منِّي) كأمِّي، أو مثل أمِّي (أو) قال: أنتِ (معي كأمِّي، أو مثل أمّي) كان مظاهرًا (أو) قال: (أنتِ عليَّ كأمِّي، كان مظاهرًا) لأنه شبَّه امرأته بأمِّه، أشبه ما لو شبَّهها بعضوٍ من أعضائها، وسواء نوى به الظِّهار، أو أطلق؛ لأنه الظاهر من اللفظ. (وإن قال: أردت: كأمِّي في الكرامة؛ قُبِلَ حكمًا) لأنه ادَّعى بلفظه ما يحتمله، فَقُبِلَ. (و) إن قال: (أنتِ كظهر أُمي طالق؛ وقع الظِّهار والطلاق معًا) لأنه أتى بصريحهما، وسواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًّا (و: أنتِ طالق كظهر أمِّي؛ طَلَقت) لأنه أتى بصريح الطلاق (ولم يكن ظِهارًا) جزم به في "الشرح"؛ لأنه أتى بصريح الطلاق أولًا، وجعل قوله: "كظهر أمِّي" صفةً له، فأشبه ما لو نوى به تأكيده (إلا أن ينويه) أي: الظِّهار، وجعلها في "المنتهى" كالتي قبلها. (فإن نواه) أي: الظِّهار (وكان الطلاق بائنًا؛ فكالظهار من الأجنبية؛

стр. 5939

لأنه أتى به) أي: بالظِّهار (بعد بينونتها بالطلاق. وإن كان) الطلاق (رجعيًّا؛ كان ظِهارًا صحيحًا) لأن الرجعية زوجة. (و) قوله لامرأته: (أنتِ أمي، أو كأمي، أو مثل أمي، أو) قوله: (امرأتي أمي؛ ليس بظِهار) لأن هذا اللفظ ظاهرٌ في الكرامة، فتعيَّن حمله عليه عند الإطلاق؛ ولأنه ليس بصريحٍ فيه، لكونه غير اللفظ المستعمل فيه، كما لو قال: أنتِ كبيرة مثل أمي (إلا أن ينويه) أي: الظِّهار (أو يَقْرُنَ به) أي: بهذا اللفظ (ما يدلُّ على إرادته) أي: الظِّهار؛ لأن النية تُعَيِّن اللفظَ في المنويِّ، والقرينة شبيهة بها. (وإن قال: أمِّي امرأتي، أو): أمِّي (مثل امرأتي؛ لم يكن مظاهِرًا) لأن اللفظ لا يصلح للظِّهار. (و) قوله لامرأته: (أنتِ عليَّ كظهر أبي، أو كظهر غيره من الرجال) الأقارب، أو الأجانب (أو) قال: أنتِ عليَّ (كظهر أجنبية، أو) كظهر (أخت زوجتي، أو عمَّتها، أو خالتها ونحوه؛ ظِهار) لأنه شَبَّهها بظهر في تَحْرم عليه، أشبه ظهر الأم، وكذا إن شَبَّهها بالميتة؛ قاله في "المبدع". (و) لو قال: (أنتِ عليَّ كظهر البهيمة) فلا ظِهار؛ لأنه ليس محلًّا للاستمتاع. (أو) قال: (أنتِ حرام إن شاء الله؛ فلا ظِهار). وكذا لو قَدَّم الاستثناء؛ كقوله: "والله لا أفعل كذا إن شاء الله" بجامع أنها يمين مُكَفَّرة. (و: أنتِ عليَّ حرام؛ ظِهار، ولو نوى طلاقًا) فقط، أو مع ظِهار (أو) نوى (يمينًا) لأنه تحريم أوقعه في الزوجة، فكان ظِهارًا، كتشبيهها بظهر أمّه، وحكاه إبراهيم الحربي عن

стр. 5940

عثمان (١) وابن عباس (٢) وغيرهما (٣). (وإن قال ذلك) أي: أنتِ عليَّ حرام (لمُحرَّمَةٍ عليه بحيض أو نحوه) كنفاس أو إحرام (ونوى الظِّهار؛ فظِهار) لأن اللفظ يصلح له (وإن نوى أنّها مُحَرَّمةٌ عليه بذلك) أي: الحيض أو نحوه (أو أطلق) فلم ينو شيئًا (فليس بظِهار) لأنه صادق في تحريمها عليه؛ للحيض أو نحوه. (وإن قال: الحِلُّ عليَّ حرام، أو: ما أحلّ الله لي) حرام (أو: ما أنقلبُ إليه حرام؛ فمظاهر) لتناول ذلك لتحريم الزوجة. (وإن صَرَّحَ بتحريم المرأة، أو نواها، كقوله: ما أحَلَّ الله عليَّ حرام من أهل ومال؛ فهو آكد، وتجزئه كفَّارة الظِّهار؛ لتحريم المرأة والمال) لأنه يمين واحدة، فلا يوجب كفَّارتين، واختار ابن عقيل: يلزمه كفَّارتان، للظِّهار ولتحريم المال؛ لأنه لو انفردا وجب كذلك، فكذا إذا اجتمعا. (و: أنتِ عليَّ كظهر أمِّي حرام) ظِهار (أو: أنتِ عليَّ حرام كظهر أمي؛ ظهار (٤)) لأنه صريح فيه.

стр. 5941

فصل (ويَصحُّ) الظِّهارُ (من كلِّ زوج يَصحُّ طلاقُه) فكل زوج صَحَّ طلاقُه صَحَّ ظِهارُه؛ لأنه قول يختص النكاح، أشبه الطلاقَ. (فيصحُّ ظِهارُ الصبيِّ المميز) لأنه يصح طلاقه (وقال الموفَّقُ: الأقوى عندي أنه لا يصحُّ من الصبي) ولو مميزًا (ظِهارٌ ولا إيلاءٌ) لأنه يمين مكفَّرة، فلم ينعقد في حقِّه، كاليمين؛ ولأن الكفَّارة وجبت لما فيه من قول المُنكَر والزُّور، وذلك مرفوع عن الصبي؛ لأن القلم مرفوعٌ عنه. (ويصحُّ) الظِّهارُ (من الذِّمِّي) لأنه تجب عليه الكفَّارة إذا حَنِثَ، فوجب صحةُ ظِهاره كالمسلم، و (كجزاء صيد، ويُكَفِّر بغير صوم) إما بالعتق إن قَدَرَ، أو الإطعام؛ لأن الصوم لا يصح منه. (ويصحُّ) الظِّهارُ (من السكران؛ بناءً على) صحة (طلاقه. و) يصحُّ (من العبد) كالحُرِّ (ويأتي حكم تكفيره. ويصحُّ) الظِّهارُ (ممن يُخْنَقُ في الأحيان في إفاقته، كطلاقه) في إفاقته؛ لأنه عاقل. (ولا يصحُّ ظِهار الطفل، و) لا ظِهار (المُكْرَه، و) لا ظِهار (الزائل العقل، بجنون، أو إغماء، أو نوم، أو غيره) كشرب دواء، أو مُسْكِرٍ مكرَهًا؛ لأنه لا حكم لقولهم. (و يصحّ) الظِّهارُ (من كلِّ زوجةٍ، كبيرةً كانت أو صغيرةً، حُرَّة أو أَمَةً، مسلمةً أو ذِمِّيَّة، وطؤها ممكن أو غير ممكن) لعموم الآية؛ ولأنها زوجة يصحُّ طلاقُها، فصحَّ ظِهارُها. (فإن ظاهر) سيدٌ (من أمَته أو) من (أُمِّ ولده، أو قال لها) أي:

стр. 5942

لأمَته، أو أُمِّ ولده: (أنتِ عليَّ حرام؛ فعليه كفَّارة يمين) كتحريم سائر ماله. وقال نافع: "حَرَّم رسولُ الله ﷺ جاريتَهُ، فأمره الله أن يُكَفِّرَ يمينَه" (١). (وإن قالت لزوجها: أنتَ عليَّ كظهر أبي، أو قالت: إن تزوَّجتُ فلانًا فهو عليَّ كظهر أبي؛ فليس بظِهار) للآية؛ ولأنه قول يوجب تحريم الزوجة، يملك الزوج رفعه، فاختصَّ به الرجل، كالطلاق. (وعليها كفَّارته) أي: كفَّارة الظِّهار؛ لأن عائشة بنت طلحة قالت: "إن تزوجتُ مصعَبَ بن الزبير، فهو عليَّ كظهر أبي، فاستفتت أصحاب النبي ﷺ ، فأفتَوْها أن تُعْتِق رقبةً وتتزوَّجه" رواه سعيد والأثرم والدارقطني (٢)؛ ولأنها زوج أتى المُنكَر من القول والزور كالآخر؛ ولأن الظِّهار يمين مكفَّرة، فاستوى فيها المرأة والرجل؛ قاله أحمد (٣). و (لا تجب) الكفَّارة (عليها حتى يطأها مطاوعةٌ) كالرجل إذا ظاهر منها (ويجب عليها تمكينُهُ قَبلَها) أي: قبل إخراج الكفارة؛ لأن ذلك حق

стр. 5943

عليها، ولا يسقط يمينها، كاليمين بالله. (وإن قال لأجنبية: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أو) قال لأجنبية: (إن تزوجتُكِ فأنتِ عليَّ كظهر أمي؛ لم يطأها إن تزوَّجها حتى يُكفِّر كفَّارة الظَّهار) لأنه إذا تزوَّجها تحقق معنى الظِّهار منها، وحيث كان كذلك امتنع وطؤها قبل التكفير. وعُلِم منه: صحة الظِّهار من الأجنبية، ورواه أحمد عن عمر (١)؛ لأنها يمين مكفَّرة، فصحَّ عقدها قبل النكاح، كاليمين بالله تعالى، والآية الكريمة خرجت مخرج الغالب. والفرق بينه وبين الطلاق: أن الطلاق حَلُّ قيدِ النِّكاح، ولا يمكن حلُّه قبل عقده، والظَّهار تحريم الوطء (٢)، فيجوز تقديمه على العقد،

стр. 5944

كالحيض. وإنما اختص حكم الإيلاء بنسائه؛ لكونه يقصد الإضرار بهنَّ، والكفَّارة هنا وجبت لقول المُنكَر والزور، فلا يختصُّ ذلك بنسائه. (وكذا إن قال: كلُّ النساء) عليَّ كظهر أمي (أو) قال: (كلُّ امرأة أتزوجُها عليَّ كظهر أمِّي، فإن تزوَّج نساء وأراد العود) أي: الوطء (فعليه كفَّارةٌ واحدة؛ وسواء تزوجهنَّ في عقد أو عقود) لأنها يمين واحدة، فلا توجب أكثر من كفَّارة. (فإن قال للأجنبية (١): أنتِ عليَّ كظهر أمِّي، وقال: أردتُ أنها مثلها في التحريم؛ دُيِّن) لأنه أدرى بما أراده (ولم يُقبل) منه (في الحكم) لأنه صريح في الظِّهار. (وإن قال لها) أي: لأجنبية (أنتِ عليَّ حرام، وأراد: في كلِّ حال؛ فمُظَاهر) فلا يطؤها إذا تزوَّجها حتى يُكفِّر؛ لأن لفظة "الحرام" صريح في الظِّهار من الزوجة، فكذا الأجنبية (وإن أراد) أنها حرام (في تلك الحال) أي: حال كونها أجنبية (أو أطلق) فلم ينو شيئًا (فلا) ظِهار؛ لأنه صادق. (ولو ظاهر من إحدى زوجتيه، ثم قال للأخرى: أشركتُكِ معها، أو: أنتِ مثلها؛ فصريحٌ في حق الثانية -أيضًا-) كالطلاق، وتقدم. (ويصحُّ الظِّهار مُعجَّلًا) أي: منجزًا كما سبق. (و) يصح (معلَّقًا بشرطٍ، نحو: إن دخلتِ الدار فأنتِ عليَّ كظهر أمي، أو: إن شاء زيد) فأنتِ عليَّ كظهر أمي (فمتى شاء زيد، أو دَخَلَتِ الدار، صار مظاهِرًا) لوجود شرطه. (و) يصحُّ (مطلَقًا ومؤقَّتًا، نحو: أنتِ عليَّ كظهر أمي شهرًا، أو شهر رمضان، فإذا مضى الوقت، زال الظِّهار وحلَّت بلا كفَّارة، ولا يكون

стр. 5945

عائدًا إلا بالوطء في المُدَّة) لأن التحريم صادف ذلك الزمن دون غيره، فوجب أن ينقضي بانقضائه. (و: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن شاء الله) لا ينعقد ظِهاره، نصَّ عليه (١)؛ لأنها يمين مُكفَّرة، فصح فيها الاستثناء، كاليمين بالله. (أو) قال: (ما أحلَّ الله عليَّ حرام إن شاء الله) لا ينعقد ظِهاره. (أو) قال: (أنتِ عليَّ حرام إن شاء الله) لا ينعقد ظِهاره؛ لما تقدم. (أو) قال: أنتِ عليَّ حرام ونحوه (إن شاء الله وشاء زيد، فشاء زيد) لا ينعقد ظِهاره؛ لأنه عَلَّقه على شيئين، فلا يحصل بأحدهما. (و: أنتِ إن شاء الله حرام ونحوه) كـ: أنتِ إن شاء الله عليَّ كظهر أمي (لا ينعقد ظِهاره) لما مرّ. (و) إن قال: (أنتِ عليَّ حرام، ووالله لا واكلتكِ إن شاء الله؛ عاد الاستثناء إليهما) أي: للظِّهار واليمين بالله، فلا كفَّارة عليه فيهما؛ لأنَّ العطف صَيَّر الجملتين كالواحدة (إلا أن يريد) عوده إلى (أحَدِهما) فيختص بها؛ لأنَّ النية مخصصة. فصل في حكم الظِّهار (ويحرم على مظاهِر ومظاهَر منها الوطء) قبل التكفير؛ للآية؛ ولما روى عكرمة عن ابن عباس: "أنَّ رجلًا أتى النبيَّ ﷺ فقال: إني ظاهرتُ من امرأتي فوقعتُ عليها قبل أن أُكفِّر، فقال: ما حملكَ على ذلك يرحمك الله؟ فقال: رأيت خَلْخَالها في ضوءِ القمر. فقال: لا تقربها حتى

стр. 5946

تفعل ما أمرك الله به" رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه، والنسائيُّ (١)،

стр. 5947

وقال: المرسل أولى بالصواب. (و) يحرم -أيضًا- (الاستمتاع منها بما دون الفرج قبل التكفير) لأنَّ ما حرَّم الوطء من القول حرَّم دواعيه، كالطلاق والإحرام. (ومن مات منهما) أي: المظاهِر والمظاهَر منها (ورثه الآخر) وإن لم يُكفر، كالمؤلي منها. (وتجب الكفَّارة) أي: تثبت في ذمته (بالعود، وهو الوطء في الفرج) لقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) فأوجب الكفَّارة عقب العود، وذلك يقتضي تعلقها به (ولا تجب قبل ذلك، إلا أنها شرطٌ لحِلِّ الوطء، فيؤمر بها من أراده؛ ليستحلَّه بها) كما يؤمر بعقد النكاح من أراد حِلَّها؛ ولأن العود في القول هو فعل ضِد ما قال، كما أن العود في الهبة استرجاع ما وهب. (وتقديم الكفَّارة قبل الوجوب تعجيل لها قبل وجوبها، لوجود سببها) وهو الظِّهار (كتعجيل الزكاة قبل الحَوْلِ بعد كمال النصاب) وكتقديم كفَّارة اليمين بعد الحَلِف وقبل الحنث. (ولو مات أحدهما، أو طَلَّقها) المُظاهِر (قبل الوطء؛ فلا كفَّارة) عليه، ولو كان عزم على الوطء؛ لأنه لم يعد إلى ما قال؛ خلافًا لأبي الخطاب؛ لأن العود عنده: العزم على الوطء؛ وفاقًا لمالك (٢)، وأنكره

стр. 5948

أحمد (١). (فإن عاد) المُظاهِرُ بعد أن طلَّق المُظاهَرَ منها (فتزوَّجها؛ لم يطأها حتى يُكفِّر) سواء كان الطلاق ثلاثًا أو لا، وسواء رجعت إليه بعد زوج آخر أم لا؛ للآية، كالتي لم يطلِّقْها؛ ولأن الظِّهار يمين مكفَّرة، فلم يبطل حكمها بالطلاق، كالإيلاء. (وإن وطئ) المظاهِرُ التي ظاهَر منها (قبل التكفير؛ أَثِمَ مكلَّفٌ) منهما، أو من أحدهما؛ لأنه عصى ربه بمخالفته أمره (واستقرَّت عليه) أي: المظاهِر (الكفَّارة، ولو مجنونًا) نص عليه (٢)، فلا تسقط بعد ذلك، كالصلاة إذا غَفَلَ عنها في وقتها. (وتحريمها) أي: المظاهَرِ منها (باقٍ عليه حتى يكفِّر) لظهاره؛ لقوله ﷺ في الحديث السابق: "لا تقربها حتَّى تفعل ما أمرك الله به" (٣). (وتجزئه كفارة واحدة) لحديث سلمة بن صخر (٤)؛ ولأنه وُجِدَ الظِّهار

стр. 5949

والعود، فيدخل في عموم الآية. (وإن ظاهر من امرأته الأمة، ثمَّ اشتراها) انفسخ النِّكاحُ، وحكم الظِّهار باقٍ، و (لم تحلَّ له حتى يكفِّر) للآية؛ ولأن الظِّهار لا يسقط بالطلاق المُزيل للملك والحِل، فبملك اليمين أولى. (فإن أعتقها عن كفّارته) أي: كفارة ظِهاره منها (صَحَّ) العتق، وأجزأته حيث كانت مُسلِمة سليمة؛ لعموم الآية (فإن تزوَّجها بعد ذلك حلَّت له بلا كفارة) لأنَّ الكفَّارة قد تقدَّمت. (فإن أعتقها في غير الكفَّارة) عن ظِهاره منها، بأن أعتقها تبرُّعًا، أو

стр. 5950

عن نذرٍ، أو كفَّارةِ قَتْلٍ، أو ظِهار من امرأة له أخرى (ثمَّ تزوَّجها؛ لم تحلَّ له حتى يكفِّر) لظهاره منها؛ لبقائه، كما سبق. (و إن كَرَّرَ الظِّهار قبل التكفير؛ فكفَّارة واحدة، في مجلس كان أو مجالس، نوى التأكيد والإفهام) أو الاستئناف (أو لم ينو) بأن أطلق؛ لأن ما بعد الأول قول لم يؤثِّر تحريمَ الزوجة، فلم تجب به كفارة ظهار، كاليمين بالله تعالى. (وإن ظاهر، ثمَّ كفَّر، ثمَّ ظاهر؛ فكفَّارة ثانية) للظهار الثاني، قال في "المبدع": بغير خلاف؛ لأنه أثبت في المحل تحريمًا أشبه الأول. (وإن ظاهر من نسائه بكلمةٍ واحدة، بأن قال: أنتُنَّ عليَّ كظهر أمِّي، فـ) ـــعليه (كفَّارة واحدة) بغير خلاف في المذهب؛ قاله في "الشرح" ورواه الأثرم (١) عن عمر وعلي؛ ولأنها يمين واحدة، فلم يجب بها أكثرُ من كفارة، كاليمين بالله. (وإن كان) الظهار من نسائه (بكلمات، بأن قال لكل واحدة) منهن: (أنتِ عليَّ كظهر أمِّي؛ فلكل واحدة كفَّارة) لأنها أيمان في محالَّ مختلفةٍ، أشبه ما لو وجدت في عقود متفرقة، بخلاف الحدّ، فإنَّه عقوبة يدرأ بالشبهة.

стр. 5951

فصل في كفَّارة الظِّهار وغيرها مما هو في معناها، وذلك كفَّارة الوطء في نهار رمضان، وكفَّارة القتل. فـ (ـــكفَّارة الظِّهار على الترتيب، فيجب تحرير رَقَبَةٍ، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؛ فإطعام ستين مسكينًا) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ. . .﴾ الآيتين (١)؛ ولحديث خُوَيلة امرأة أوس بن الصامت حين ظاهر منها، فقال لها النبي ﷺ : "يعتق رقبةً، قالت -يعني امرأته-: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: شيخٌ كبير ما به من صيام، قال: فيُطْعِمُ ستين مسكينًا" (٢). وهذا في الحُرِّ، ويأتي حكم العبد. (وكفَّارة الوطء في نهار رمضان مثلُها) فيما ذكر، وسبق ذلك. (وكفَّارة القتل مثلُهما، لكن لا إطعام فيها) لأنه لم يُذكر في كتاب الله، ولو كان واجبًا لذكره، كالعتق والصيام. (و الاعتبار في الكفَّارات بحالة الوجوب) لأنها تجب على وجه الطُّهرة، فكان الاعتبار بحال الوجوب (كالحدّ) نصّ عليه (٣) (وإمكان الأداء مبني على زكاة) وتقدم (٤) أنَّه ليس شرطًا لوجوبها، بل للزوم أدائها

стр. 5952

(فإن وجبت) الكفَّارة (وهو موسر) بها (ثمَّ أعسر؛ لم يجزئه إلا العتق) لأنه هو الذي وجب عليه، فلا يخرج من العُهدة إلا به (وإن وجبت وهو معسِر، ثمَّ أيسر) لم يلزمه العتق (أو) وجبت (وهو عبد، ثمَّ عَتَق؛ لم يلزمه العتق) لأنه غير ما وجب عليه. لا يقال: الصوم بَدَلٌ عن العتق، فإذا وَجَدَ من يعتقه وجب الانتقال إليه، كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة أو فيها؛ للفرق بينهما، فإن الماء إذا وُجِدَ بعد التيمم بَطَلَ، بخلاف الصوم، فإن العتق لو وُجِدَ بعد فعله لم يبطل (وله) أي: للمُعْسِر إذا أيسر، والعبد إذا عَتَقَ (الانتقال إليه) أي: إلى العتق (إن شاء) لأنَّ العتق هو الأصل، فوجب أن يجزئه كسائر الأصول. (ووقت الوجوب) في كفَّارة الظِّهار (من وقت العَوْدِ) وهو الوطء (لا) من (وقت المُظَاهَرة) لأنَّ الكفارة لا تجب حتى يعود. (ووقته) أي: الوجوب (في اليمين) بالله (من) وقت (الحِنْثِ، لا) من (وقت اليمين) لأنها لا تجب حتى يحنث. (و) وقتُ الوجوب (في القتل زمنُ الزُّهوق، لا زمنُ الجَرْح) لأنها لا تجب إلا بالزهوق. (فإن شرع) من وجبت عليه كفَّارة الظِّهار، أو نحوها (في الصوم، ثمَّ قَدَرَ على العتق؛ لم يلزمه الانتقال إليه) لأنه لم يقدِر على العتق قبل تلبُّسِه بالصيام، أشبه ما لو استمرَّ العجز إلى ما بعد الفراغ؛ ولأنه وَجَدَ المبدلَ بعد الشروع في البدل، فلم يلزمه الانتقال إليه، كالمتمتع يجد الهدي بعد الشروع في صيام الأيام الثلاثة، ويفارق ما إذا وَجَدَ الماء في الصلاة، فإن قضاءها يسير. "تنبيه" قوله: "فإن شرع. . ." إلى آخره، مبنيٌّ على رواية أن

стр. 5953

الاعتبار بأغلظ الأحوال، كما يعلم من "المقنع" وغيره، فالأولى حذفه؛ لأنه لم يذكر الرواية التي هو مفرع عليها، أما على الأولى، فمتى وجبت وهو مُعْسِر؛ لم يلزمه العتق، شرع في الصوم أو لا، كما يعلم مما سبق. (وله أن ينتقل إليه) أي: إلى العتق بعد الشروع في الصوم (و) له أن ينتقل (إلى الإطعام والكسوة في كفَّارة اليمين) لأنَّ ذلك هو الأصل، فوجب إجزاؤه، كسائر الأصول. (وإن كفَّر الذِّميُّ) عن ظِهاره (بالعتق؛ لم يجزئه إلا رقبة مؤمنة) كالمسلم (فإن كانت في ملكه، أو ورثها) فأعتقها (أجزأت عنه) وحل له الوطء (وإلا فلا سبيل له إلى شراء رقبة مؤمنة) لأنه لا يصح منه شراؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) (ويتعيَّن تكفيره بالإطعام) لعجزه عن العتق والصيام (إلا أن يقول) الذِّميُّ (لمسلم: أعتقْ عبدَك) المسلمَ (عنِّي وعليَّ ثمنُهُ؛ فيصح) عتقه عنه، ويجزئه. (وإن أسلم قبل التكفير بالإطعام، فكالعبد يعتق قبل التكفير بالصيام) لأنَّ الاعتبار بوقت الوجوب، فيجزئه الإطعام، وله أن يكفِّر بالعتق والصيام. (وإن ظاهر وهو مسلم، ثمَّ ارتد، وصام في رِدته عن كفَّارته، لم يصح) صومه عنها، كسائر صومه. (وإن كفَّر) المرتدُّ (بعتق أو إطعام؛ لم يجزئه، نصًّا (٢)) لأنه محجورٌ عليه لحقِّ المسلمين، وقال القاضي: المذهب أنه موقوف.

стр. 5954

فصل (فمن مَلَكَ رَقَبةً) لزمه العتق (أو أمكنه تحصيلُها) أي: الرقبة (بما) أي: بشيء، من نَقْدٍ أو غيره (هو فاضِلٌ عن كفايتِه، وكفاية من يَمُونُه على الدوام، و) عن (غيرها) أي: غير كفايته وكفاية من يَمُونه (من حوائجِه الأصليَّة) لأنها قريبة من كفايته، ومساوية لها، بدليل تقديمها على غرماء المفلس (ورأس ماله كذلك) أي: رأس المال الذي يحتاجه لكفايته، وكفاية عياله، وحوائجه الأصلية، والكاف للتعليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (١) (و) عن (وفاء دَينِهِ، ولو لم يكن مطالبًا به) أي: بالدَّين؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كمن وَجَدَ ماءً يحتاجه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمّم (بثمن مِثلها) لأن ما حصل بأكثر من ثمن المِثل يجوز له الانتقال، كالمتيمِّم (لزمه العتق) إجماعًا (٢)؛ قاله في "المبدع" (وليس له الانتقال إلى الصوم إذا كان حرًّا مسلمًا) لقدرته على الرقبة. (ولو كان له عَبْدٌ اشتبه بعبدِ غيرِه أمكنه العِتقُ) وكذا لو اشتبهت أَمَته بأَمةِ غيره (بأن يعتق الرقبة التي في ملكه، ثم يُقْرِع بين الرقاب، فيعتق) أي: يظهر عتق (من وقعت عليه القُرعة) هذا قياس المذهب؛ قاله القاضي وغيره. (ومن له خادمٌ يحتاج إلى خدمته، إما لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ، أو زَمَانة،

стр. 5955

أو عِظَمِ خَلْقٍ، ونحوه، مما يُعجِز عن خدمة نفسه) كهزال مفرط (أو يكون) مَن له خادم (ممن لا يخدِمُ نفسه عادة، ولا يجد رقبة فاضلة عن خدمته) لم يلزمه العتق. (أو له دار يسكنها) لم يلزمه العتق بثمنها. (أو) له (دابة يحتاج إِلَى ركوبها، أو) إِلَى (الحمل عليها، أو) له (كُتُب علم يحتاجها، أو) له (ثياب يتجمَّل بها) لم يلزمه العِتق بثمنها (إذا كان ذلك صالحًا لمِثله) لأنه في حكم العدم، كمن معه ماء يحتاج إليه لعطشٍ أو نحوه. (أو لم يجد رقبةً إلا بزيادة عن ثمن مثلها، تُجحِف به؛ لم يلزمه العتق) لأن عليه ضررًا فِي ذلك (وإن كانت) الزيادة (لا تُجحِف به؛ لزمه) العتق، كما لو وجدها بثمن مِثلها. (وإن وَجَدَ ثمنها -وهو محتاجٌ إليه- لم يلزمه شراؤها) لما فيه من الضرر عليه. (وإن كان له مال يحتاجه لأكل الطَّيِّب، ولُبْسِ النَّاعم، وهو مِن أهله؛ لزمه شراؤها) أي: الرقبة (لعدم عِظَم المشقَّة). (وإن كان له خادم يخدِمُ امرأتَه، وهو) أي: الزوج (ممن عليه إخدامها) لكون مثلها لا يخدِمُ نفسه؛ لم يلزمه العتق، كما لو احتاجه لخدمة نفسه. (أو كان له رقيقٌ يتقوَّتُ بخَرَاجِهم، أو) له (عَقَار يحتاج إلى غَلَّتِهِ، أو عَرْضٌ للتجارةِ ولا يَستغني عن رِبْحه فِي مُؤْنته) ومُؤْنة عياله وحوائجه الأصلية (لم يَلْزمه العتقُ) لأنه غير فاضل عن حاجته. (وإن استغنى عن شيء من ذلك، مما يُمكِنه أن يشتري به رقبةً؛
следующие страницы →