← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.

стр. 5951

فصل في كفَّارة الظِّهار وغيرها مما هو في معناها، وذلك كفَّارة الوطء في نهار رمضان، وكفَّارة القتل. فـ (ـــكفَّارة الظِّهار على الترتيب، فيجب تحرير رَقَبَةٍ، فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؛ فإطعام ستين مسكينًا) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ. . .﴾ الآيتين (١)؛ ولحديث خُوَيلة امرأة أوس بن الصامت حين ظاهر منها، فقال لها النبي ﷺ : "يعتق رقبةً، قالت -يعني امرأته-: لا يجد، قال: فيصوم شهرين متتابعين، قالت: شيخٌ كبير ما به من صيام، قال: فيُطْعِمُ ستين مسكينًا" (٢). وهذا في الحُرِّ، ويأتي حكم العبد. (وكفَّارة الوطء في نهار رمضان مثلُها) فيما ذكر، وسبق ذلك. (وكفَّارة القتل مثلُهما، لكن لا إطعام فيها) لأنه لم يُذكر في كتاب الله، ولو كان واجبًا لذكره، كالعتق والصيام. (و الاعتبار في الكفَّارات بحالة الوجوب) لأنها تجب على وجه الطُّهرة، فكان الاعتبار بحال الوجوب (كالحدّ) نصّ عليه (٣) (وإمكان الأداء مبني على زكاة) وتقدم (٤) أنَّه ليس شرطًا لوجوبها، بل للزوم أدائها

стр. 5952

(فإن وجبت) الكفَّارة (وهو موسر) بها (ثمَّ أعسر؛ لم يجزئه إلا العتق) لأنه هو الذي وجب عليه، فلا يخرج من العُهدة إلا به (وإن وجبت وهو معسِر، ثمَّ أيسر) لم يلزمه العتق (أو) وجبت (وهو عبد، ثمَّ عَتَق؛ لم يلزمه العتق) لأنه غير ما وجب عليه. لا يقال: الصوم بَدَلٌ عن العتق، فإذا وَجَدَ من يعتقه وجب الانتقال إليه، كالمتيمم يجد الماء قبل الصلاة أو فيها؛ للفرق بينهما، فإن الماء إذا وُجِدَ بعد التيمم بَطَلَ، بخلاف الصوم، فإن العتق لو وُجِدَ بعد فعله لم يبطل (وله) أي: للمُعْسِر إذا أيسر، والعبد إذا عَتَقَ (الانتقال إليه) أي: إلى العتق (إن شاء) لأنَّ العتق هو الأصل، فوجب أن يجزئه كسائر الأصول. (ووقت الوجوب) في كفَّارة الظِّهار (من وقت العَوْدِ) وهو الوطء (لا) من (وقت المُظَاهَرة) لأنَّ الكفارة لا تجب حتى يعود. (ووقته) أي: الوجوب (في اليمين) بالله (من) وقت (الحِنْثِ، لا) من (وقت اليمين) لأنها لا تجب حتى يحنث. (و) وقتُ الوجوب (في القتل زمنُ الزُّهوق، لا زمنُ الجَرْح) لأنها لا تجب إلا بالزهوق. (فإن شرع) من وجبت عليه كفَّارة الظِّهار، أو نحوها (في الصوم، ثمَّ قَدَرَ على العتق؛ لم يلزمه الانتقال إليه) لأنه لم يقدِر على العتق قبل تلبُّسِه بالصيام، أشبه ما لو استمرَّ العجز إلى ما بعد الفراغ؛ ولأنه وَجَدَ المبدلَ بعد الشروع في البدل، فلم يلزمه الانتقال إليه، كالمتمتع يجد الهدي بعد الشروع في صيام الأيام الثلاثة، ويفارق ما إذا وَجَدَ الماء في الصلاة، فإن قضاءها يسير. "تنبيه" قوله: "فإن شرع. . ." إلى آخره، مبنيٌّ على رواية أن

стр. 5953

الاعتبار بأغلظ الأحوال، كما يعلم من "المقنع" وغيره، فالأولى حذفه؛ لأنه لم يذكر الرواية التي هو مفرع عليها، أما على الأولى، فمتى وجبت وهو مُعْسِر؛ لم يلزمه العتق، شرع في الصوم أو لا، كما يعلم مما سبق. (وله أن ينتقل إليه) أي: إلى العتق بعد الشروع في الصوم (و) له أن ينتقل (إلى الإطعام والكسوة في كفَّارة اليمين) لأنَّ ذلك هو الأصل، فوجب إجزاؤه، كسائر الأصول. (وإن كفَّر الذِّميُّ) عن ظِهاره (بالعتق؛ لم يجزئه إلا رقبة مؤمنة) كالمسلم (فإن كانت في ملكه، أو ورثها) فأعتقها (أجزأت عنه) وحل له الوطء (وإلا فلا سبيل له إلى شراء رقبة مؤمنة) لأنه لا يصح منه شراؤها؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (١) (ويتعيَّن تكفيره بالإطعام) لعجزه عن العتق والصيام (إلا أن يقول) الذِّميُّ (لمسلم: أعتقْ عبدَك) المسلمَ (عنِّي وعليَّ ثمنُهُ؛ فيصح) عتقه عنه، ويجزئه. (وإن أسلم قبل التكفير بالإطعام، فكالعبد يعتق قبل التكفير بالصيام) لأنَّ الاعتبار بوقت الوجوب، فيجزئه الإطعام، وله أن يكفِّر بالعتق والصيام. (وإن ظاهر وهو مسلم، ثمَّ ارتد، وصام في رِدته عن كفَّارته، لم يصح) صومه عنها، كسائر صومه. (وإن كفَّر) المرتدُّ (بعتق أو إطعام؛ لم يجزئه، نصًّا (٢)) لأنه محجورٌ عليه لحقِّ المسلمين، وقال القاضي: المذهب أنه موقوف.

стр. 5954

فصل (فمن مَلَكَ رَقَبةً) لزمه العتق (أو أمكنه تحصيلُها) أي: الرقبة (بما) أي: بشيء، من نَقْدٍ أو غيره (هو فاضِلٌ عن كفايتِه، وكفاية من يَمُونُه على الدوام، و) عن (غيرها) أي: غير كفايته وكفاية من يَمُونه (من حوائجِه الأصليَّة) لأنها قريبة من كفايته، ومساوية لها، بدليل تقديمها على غرماء المفلس (ورأس ماله كذلك) أي: رأس المال الذي يحتاجه لكفايته، وكفاية عياله، وحوائجه الأصلية، والكاف للتعليل، كما قيل في قوله تعالى: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (١) (و) عن (وفاء دَينِهِ، ولو لم يكن مطالبًا به) أي: بالدَّين؛ لأن ما استغرقته حاجة الإنسان كالمعدوم في جواز الانتقال إلى البدل، كمن وَجَدَ ماءً يحتاجه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمّم (بثمن مِثلها) لأن ما حصل بأكثر من ثمن المِثل يجوز له الانتقال، كالمتيمِّم (لزمه العتق) إجماعًا (٢)؛ قاله في "المبدع" (وليس له الانتقال إلى الصوم إذا كان حرًّا مسلمًا) لقدرته على الرقبة. (ولو كان له عَبْدٌ اشتبه بعبدِ غيرِه أمكنه العِتقُ) وكذا لو اشتبهت أَمَته بأَمةِ غيره (بأن يعتق الرقبة التي في ملكه، ثم يُقْرِع بين الرقاب، فيعتق) أي: يظهر عتق (من وقعت عليه القُرعة) هذا قياس المذهب؛ قاله القاضي وغيره. (ومن له خادمٌ يحتاج إلى خدمته، إما لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ، أو زَمَانة،

стр. 5955

أو عِظَمِ خَلْقٍ، ونحوه، مما يُعجِز عن خدمة نفسه) كهزال مفرط (أو يكون) مَن له خادم (ممن لا يخدِمُ نفسه عادة، ولا يجد رقبة فاضلة عن خدمته) لم يلزمه العتق. (أو له دار يسكنها) لم يلزمه العتق بثمنها. (أو) له (دابة يحتاج إِلَى ركوبها، أو) إِلَى (الحمل عليها، أو) له (كُتُب علم يحتاجها، أو) له (ثياب يتجمَّل بها) لم يلزمه العِتق بثمنها (إذا كان ذلك صالحًا لمِثله) لأنه في حكم العدم، كمن معه ماء يحتاج إليه لعطشٍ أو نحوه. (أو لم يجد رقبةً إلا بزيادة عن ثمن مثلها، تُجحِف به؛ لم يلزمه العتق) لأن عليه ضررًا فِي ذلك (وإن كانت) الزيادة (لا تُجحِف به؛ لزمه) العتق، كما لو وجدها بثمن مِثلها. (وإن وَجَدَ ثمنها -وهو محتاجٌ إليه- لم يلزمه شراؤها) لما فيه من الضرر عليه. (وإن كان له مال يحتاجه لأكل الطَّيِّب، ولُبْسِ النَّاعم، وهو مِن أهله؛ لزمه شراؤها) أي: الرقبة (لعدم عِظَم المشقَّة). (وإن كان له خادم يخدِمُ امرأتَه، وهو) أي: الزوج (ممن عليه إخدامها) لكون مثلها لا يخدِمُ نفسه؛ لم يلزمه العتق، كما لو احتاجه لخدمة نفسه. (أو كان له رقيقٌ يتقوَّتُ بخَرَاجِهم، أو) له (عَقَار يحتاج إلى غَلَّتِهِ، أو عَرْضٌ للتجارةِ ولا يَستغني عن رِبْحه فِي مُؤْنته) ومُؤْنة عياله وحوائجه الأصلية (لم يَلْزمه العتقُ) لأنه غير فاضل عن حاجته. (وإن استغنى عن شيء من ذلك، مما يُمكِنه أن يشتري به رقبةً؛

стр. 5956

لزمه) العتق؛ لقدرته عليه بلا ضرر. (فلو كان له خادم يُمكِنُ بيعُهُ، ويشتري به) أي: بثمنه (رقبتين يستغني بخِدمة إحداهما، ويُعتِقُ الأخرى؛ لَزِمه ذلك. وكذا لو كان له ثيابٌ فاخرةٌ تزيد على ملابس مِثْله، يمكنه بيعُها، وشراء ما يكفيه في لِباسه، و) شراء (رقبةٍ يُعتقها) فِي كفارته (أو له دار) فوق ما يحتاجها (يمكنه بيعها، وشراء ما يكفيه لسُكنى مثله، ورقبة) يعتقها بالباقي؛ لزمه؛ لأنه أمكنه العتق بلا ضرر. (أو) له (صنعة يفضل منها عن كفايته ما يمكنه به شراء رقبة، ويُراعى فِي ذلك الكفاية التي يحرم معها أخذ الزكاة؛ لزمه) العتق؛ لأنها بثمن مثلها، ولا يعد شراؤها بذلك ضررًا، وإنما الضرر في إعتاقها، وذلك لا يمنع الوجوب، كما لو كان مالكًا لها. (ويُستثنى من ذلك: لو كانت له سُرِّيّة؛ لم يلزمه إعتاقها؛ وإن أمكنه بيعها، و) أمكنه (شراء سُرِّيّة أخرى، و) شراء (رقبة يُعتقها؛ لم يلزمه ذلك) لأن الغرض قد يتعلَّق بعينها، بخلاف الخادم. (وإن وَجَدَ رقبةً) تُباع (بثمنِ مثلها، إلَّا أنها رفيعة يمكن أن يشتري بثمنها رقابًا من غير جنسها؛ لزمه شراؤها) مع عدم غيرها، وكون ثمنها فاضلًا عن حاجته، كما تقدم؛ لقدرته على العتق بلا ضرر. (وإن وُهِبَتْ له رقبة) يُعْتِقها (لم يلزمه قَبولها) كما لو وُهِب له ثمنها؛ لما فيه من المنَّة عليه، بخلاف ماء التيمم؛ لعدم تموّله عادة. (وإن كان ماله غائبًا، وأمكنه شراؤها) أي: شراء رقبة يُعتِقها (بـ) ــــثمن (نسيئة) لزمه ذلك (أو كان ماله دينًا مَرْجُوَّ الوفاء) وأمكنه شراء الرقبة نسيئة (لزمه ذلك) لأنه قادر عليها بما لا مَضرَّة فيه (فإن لم تُبَعْ

стр. 5957

بالنسيئة؛ جاز الصومُ، ولو فِي غير كفَّارة الظِّهار) للحاجة، وكالعادم، وفي "الشرح": إذا كان يرجو الحضور قريبًا لم يجز الانتقال إِلَى الصيام؛ لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة، وإن كان بعيدًا جاز الانتقال في غير كفَّارة الظِّهار؛ لأنه لا ضرر فِي الانتظار. وهل يجوز في كفَّارة الظِّهار؟ على وجهين، أحدهما: لا يجوز؛ لوجود الأصل فِي ماله، والثاني: يجوز؛ لأنه يحرم عليه المسيس، فجاز له الانتقال للحاجة. فصل (ولا يجزئُ فِي جميع الكفَّارات، و) فِي (نَذْرِ العِتق المُطلَقِ؛ إلَّا) عتق (رقبةٍ مؤمنة) حكاه ابن المنذر إجماعًا (١) في كفَّارة القتل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٢)، وما عدا كفَّارة القتل؛ فبالقياس عليها؛ ولقوله ﷺ : "أعْتقها فإنَّها مؤمنة" رواه مسلم (٣) من حديث معاوية. (سليمةٍ من العيوب المُضِرَّة بالعمل ضررًا بيِّنًا) لأن المقصود تمليك الرقبة منافعها، وتمكينها من التصرُّف لنفسها، ولا يحصُل هذا مع ما يضرُّ بالعمل ضررًا بيِّنًا (كالعمى) لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع (و) كـ (ــــقَطْع اليدين، أو إحداهما، أو) قطع (الرجلين، أو إحداهما، أو أشلِّ شيء من ذلك) أي: من اليدين، أو إحداهما، أو الرِّجلين، أو

стр. 5958

إحداهما؛ لأن اليد آلةُ البطش، والرجل آلة المشي، فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلف إحداهما، أو شللها. (أو قطع إبهام اليد، أو قطع أنملة منه) أي: من إبهام اليد (أو) قطع (أُنملتين من غيره) أي: غير الإبهام، كالسَّبَّابة والوسطى (كقطْع الكُلِّ) أي: كل ذلك الإصبع الذي قطع أنملتاه (أو قطع سبابتها أو الوسطى) من يد (أو قطع الخِنْصَرِ والبِنْصِر من يد واحدة) لأن نفع اليد يزول بذلك. (وقَطْعِ أنملة واحدة من غير الإبهام، ولو) كان قطع الأنملة (من الأصابع الأربع لا يمنع الإجزاء) لأن نفع اليد باقٍ لم يَزُل بذلك. (ويجزئُ من قُطِعت خِنصِرُه) فقط (أو) قُطِعت (بِنْصِرُه) فقط (أو قُطِعت إحداهما من يدٍ، و) قُطِعت (الأخرى من اليد الأخرى) بأن قُطِعت الخِنْصِر من اليمنى والبِنْصِر من اليسرى أو بالعكس؛ لأن نفع الكفّين باقٍ. (و) يجزئ (من قُطِعت أصابع قدمه كلها) هذا ما اختاره المصنف تبعًا لجماعة، وفي "التنقيح" وتبعه فِي "المنتهى": حكم الرِّجْلِ فِي ذلك كاليد، وقد ذكرتُ كلامَه -فِي حاشيته على "التنقيح"- في "حاشية المنتهى" (١).

стр. 5959

(و) يجزئ (الأعرج يسيرًا، و) يجزئ - أيضًا - (من يُخْنَق في الأحيان. و) تُجزئ (الرَّتْقاء، والكبيرة التي تقْدِر على العمل، والأَمَة المزوَّجة، والحُبْلى؛ وله استثناءُ حَمْلِها، والمُدَبَّر، وولد الزِّنى، والصغير؛ حيث كان محكومًا بإسلامه) تبعًا لأحد أبويه، أو لِسَابِيهِ، أو للدار. (و) يجزئ (الأعور، والمؤجر، والمرهون، ولو كان الراهن معسرًا) وينفذ عتقه، ويتبعه المرتهن بدينه إن حل، أو قيمة العبد تجعل رهنًا مكانه إذا أيسر، وتقدم في الرهن (١). (و) يجزئ (الخصيُّ، ولو مجبوبًا، والأقرعُ، والأبخر، والأبرص، وأصمُّ غير أخرس) لأن هذه العيوب كلها لا تضرُّ بالعمل ضررًا بيّنًا. (و) يجزئ (الجاني) لأن جنايته لا تمنع صحة عتقه، ولا تضرُّ بعمله (ولو قُتل في الجِنَاية) لأن الإجزاء حصل بمجرَّد العتق، ولا يرتفع عتقُهُ بذلك. (و) يجزئ (الأحمقُ، وهو الذي يعمل القبيحَ والخطأ على بصيرة؛ لقلّة مبالاته بما يعقبه من المضارّ. ويجزئ مقطوعُ الأنف، و) مقطوع (الأذنين، ومن ذهب شَمُّه) لأن ذلك لا يضرُّ بالعمل. (ولا يجزئ مريض مأيوس من بُرئِه، كمرض السِّلِّ) بكسر السين، وتقدم؛ لأنه يندُرُ برؤه، ولا يتمكن من العمل مع بقائه.

стр. 5960

(ولا) يجزئ - أيضًا - (النَّحيف العاجز عن العمل) لأنه كالمريض المأيوس من بُرئه (وإن كان) النحيف (يتمكَّن من العمل أجزأ، كمريض يُرْجى برُؤه، كمَن به حُمَّى ونحوه) كصُداع؛ لأن ذلك لا يمنعه من العمل. (ولا يُجزئ جنين، وإن وُلِدَ حيًّا) لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا بعد. (ولا) يُجزئ (زَمِن، ولا مُقعَد) لعجزهما عن العمل. (ولا) يُجزئ (غائبٌ لا يُعْلم خبره) لأنه مشكوك في حياته، والأصل بقاء شَغل الذِّمة، ولا يبرأ بالشك. لا يقال: الأصل الحياة؛ لأنه قد علم أن الموت لا بُدَّ منه، وقد وُجِدت دلالة عليه، وهو انقطاع خبره (فإن أعتقه) أي: الغائب (ثم تبيّن أنه حيٌّ؛ أجزأ) لأنه عتق صحيح. (ولا) يجزئ (مجنون مُطبِق) لأنه معدوم النفع، ضرورة استغراق زمنه في الجنون، وفي معناه الهَرِم؛ قاله في "الرعاية". (ولا) يجزئ (أخرس لا تُفهم إشارته) لأن منفعته زائلة، أشبه زوال العقل (فإن فُهمت) إشارته (وفَهِمَ) أي: الأخرس (إشارةَ غيره، أجزأ) عتقه؛ لأن الإشارة تقوم مقام الكلام (ولا أخرسُ أصمُّ؛ ولو فُهِمت إشارتهُ) لأنه ناقص بفقد حاستين تنقص بفقدهما قيمته نقصًا كثيرًا. (ولا من عُلِّق عِتْقُه بصفة، عند وجودها) كما لو قال لعبده: إن دخلتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ، ثم دخلها، ونوى السيد حال دخوله أنه عن كفَّارته؛ لم يُجزئه؛ لأن عتقه مستحق بسبب آخر، وهو الشرط (فإن عَلَّق عِتقَه للكفَّارة) بأن قال: إن اشتريتك فأنت حُرّ للكفَّارة، ثم اشتراه لها؛ أجزأ؛ لأن عتقه للكفارة (أو) علّق عتق عبد بصفة، كقدوم زيد، ودخول

стр. 5961

الدار، ثم (أعتقه قبل وجود الصفة؛ أجزأ) لأنه أعتق عبده الذي يملكه عن الكفَّارة. (ولا) يجزئ (من يَعْتِقُ عليه بالقرابة) لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (١) والتحرير: فِعل العتق، ولم يحصُل هنا بتحرير منه، ولا إعتاق، فلم يكن ممتثلًا للأمر. ويفارق المشتري البائعَ من وجهين: أحدهما: أن البائع يعتقه، والمشتري لا يعتقه، وإنما يعتق بإعتاق الشارع من غير اختياره. الثاني: أن البائع لا يُسْتَحَقُّ عليه إعتاقه، بخلاف المشتري. (ولا من اشتراه بشرط العِتق) لأنه إذا فعل ذلك، فالظاهر أن البائع نقصه من الثمن لأجل هذا الشرط، فكأنه أخذ عن العتق عوضًا. (ولو قال له) أي: للمظاهِر، ونحوه ممن عليه كفارة (رجلٌ) أو امرأة: (أعتقْ عبدَكَ عن كفَّارتك ولك عَشَرة دنانير، ففعل) أي: أعتقه لذلك (لم تجزئه عن الكفَّارة) لاعتياضه عن العتق (وولاؤه له) لعموم حديث: "الولاء لمن أعتق" (٢) (فإن رَدَّ) المُعتِق (العشرة بعد العتق على باذلها، ليكون العتق عن الكفَّارة؛ لم يجزئ) العتق (عنها) لأن العتق ابتداءً وقع غير مجزئ، فلم ينقلب مجزئًا برد العوض. (وإن قصد) المُعتِق ابتداءً (العتقَ عن الكفارة وحدها، وعزم على ردّ العشَرة، أو ردّ العشَرة قبل العتق، وأعتقه عن كفارته؛ أجزأ) عتقه عن كفارته؛ لتمحضه لها. (وإن اشترى عبدًا ينوي إعتاقَه عن كفّارته، فوجد به عيبًا لا يمنع

стр. 5962

الإجزاء في الكفّارة) كالعَوَر (فأخذ أرْشه، ثم أعتقه عن كفَّارته؛ أجزأه) عتقه عنها؛ لعدم المانع (وكان الأرش له) كما لو لم يعتقه (فإن أعتقه قبل العلم (١)، ثم ظهر على العيب، فأخذ أرشه؛ فهو) أي: الأرش (له - أيضًا -) كما لو أخذه قبل إعتاقه. وعنه (٢): أنه يصرف الأرش في الرقاب. (ولا تجزئ أمُّ ولدٍ) لأن عتقها مُستحَقَّ بسبب آخر، كَرَحِمِهِ المحرم (ولا) يجزئ - أيضًا - (ولدُها الذي ولدته بعد كونها أُمّ ولد) لأنه تابع لها، وحكمه حكمها. (ولا) يجزئ (مُكاتَبٌ قد أدَّى من كتابته شيئًا) لأنه إذا أدَّى شيئًا فقد حصل العوض عن بعضه، فلم يَجْزِ، كما لو أعتق بعض رقبة (ولا مغصوب) لعدم تمكنه من منافعه (ولا من أوصى) ربُّه قبل موته (بخدمته أبدًا) وقَبِلَ الموصى له ذلك؛ لنقصه. (ولو أعتق عن كفَّارته عبدًا لا يجزئ) عتقه (في الكفَّارة) كأقطع (نَفَذَ عتقه) لأنه عِتق من مالك جائز التصرُّف (ولم يجزئ عنها) أي: الكفارة؛ لما تقدم (٣). (ومن أعتق غيرُهُ عنه عبدًا بغير أمْرِه) في كفَّارة، أو غيرها (لم يَعْتِقْ عن المُعْتَق عنه إذا كان حيًّا) لأنه لم يحصل منه عتق، ولا أمر به مع أهليته (وولاؤُه) أي: العتيق (لمُعتِقِهِ) لحديث: "الولاء لمن أعتق" (٤) (ولا يجزئ عن كفَّارته) أي: كفَّارة المعتَق عنه (وإن نوى) المعتِق

стр. 5963

(ذلك) لأن العِتقَ لم يصدر ممن وجبت عليه الكفَّارة، حقيقة، ولا حكمًا. (وكذا من كفَّرَ عنه غيرُه بالإطعام) بغير إذنه؛ فإنه لا يجزئه؛ لعدم النية ممن وجبت عليه الكفَّارة (فأما الصيام؛ فلا يصح أن ينوبَ عنه) أحد (ولو بإذنه) لأنه عبادة بدنية محضة، فلا تدخله النيابة، كالصلاة. (وإن أعتقه عنه بأمره) بأن قال له: أعتق عبدك عني (ولو لم يجعل) الآمر (له عوضًا) عن عتقه عنه، فأعتقه عنه (صَحَّ العِتْقُ عن المُعْتَق عنه، وله ولاؤُه، وأجزأ عن كفَّارته) ويُقَدَّر أنه انتقل من ملك المأمور إلى الآمر حال العتق، وكان العتق من الآمر؛ لأن المأمور كالوكيل عنه. (فإن كان المُعتَقُ عنه ميتًا، وكان) الميت (قد أوصى بالعتق؛ صَحَّ) العتق؛ لأن الموصى إليه كالنائب عن الموصي. (وإن لم يوصِ) قبل موته بالعتق (فأعتق عنه أجنبيٌّ؛ لم يصح) أي: لم يَجْز عتقه؛ لأنه لا ولاية له عليه، وقد تقدم أنه يجزئ في الولاء. (وإن أعتق عنه) أي: الميِّت (وارثُه، ولم يكن عليه) أي: الميت (واجبُ) عِتق (لم يصح) عتقه (عنه) لأنه إذًا كالأجنبي (ووقع) العتق (عن المُعتِق) الأجنبي، أو الوارث، وتقدّم في الولاء (١) أنه يصح ويقع عن الميِّت. (وإن كان عليه عتق واجب؛ صَحَّ) من الوارث عتقه عنه؛ لأنه وليُّه. (فإن كان عليه) أي: الميِّت (كفَّارة يمين، فأطعم عنه) الوارث (أو كسا) عشرة مساكين (جاز) لأنه قائم مقام الميِّت ونائب عنه.

стр. 5964

(وإن أعتق عنه) أي: عن الميِّت في كفَّارة اليمين (ففيه وجهان) تقدم في الولاء (١) أنه يصح. (ولو قال مَن عليه الكفَّارة) أي: كفَّارة اليمين لغيره: (أطْعِمْ) عن كفارتي (أوِ اكْسُ عن كفَّارتي؛ صَحَّ) ذلك كالآمر بالعتق، سواء (ضَمِن له عوضًا أو لا (٢)) أي: أم لم يضمن له عوضًا؛ لأنه أذنه في الإخراج عنه. (ولو ملك نصف عبدٍ، فأعتقَه عن كفَّارته وهو مُعسِرٌ، ثم اشترى باقيَه، فأعتَقَه) عن كفّارته (أجزأه)؛ لأنه أعتق رقبة كاملة في وقتين، كما لو أطعم المسكين في وقتين (فإن أعتقه) أي: أعتق العبد المشترك (كلّه عن كفَّارته وهو موسِرٌ (٣)) بقيمة نصيب شريكه (سرى) العتق (إلى نصيب شريكه، وعَتَق، ولم يجزئه) نصيب شريكه (عن كفَّارته) لأنه لم يحصل بالمباشرة، بل بالسِّراية، كما لو أعتق نصفَ عبدٍ (وأجزأه عتق نَصيبه) أي: يحتسب له به من الكفَّارة؛ لأنه باشر عتقه (فإن أعتق نصفًا آخر؛ أجزأه، كمن أعتق نصفي عبدين، أو) أعتق (نصفي أَمَتين، أو) أعتق (نصفَ أَمةٍ ونصفَ عبدٍ) لأن الأشقاص كالأشخاص فيما لا يمنع العيب (٤) اليسير، دليله الزكاة، إذا كان يملك نصف ثمانين شاة (٥)، وجبت الزكاة، كما لو ملك أربعين منفردة، وكالهدايا والضحايا إذا اشتركوا فيها، ولا فرق بين كون الباقي منهما حُرًّا أو رقيقًا. (فإن كان العبد كلّه له) أي: لمن عليه الكفّارة (فأعتق جزءًا منه

стр. 5965

معيّنًا أو مشاعًا؛ عَتَقَ جميعه) بالسِّراية (فإن نوى به الكفّارة؛ أجزأ عنه) لأنه أعتق رقبةً كاملة الرق له، ناويًا بها الكفَّارة، فأجزأته، وظاهر "المنتهى": لا يجزئه. (وإن نوى إعتاق الجزء الذي باشره بالإعتاق عن الكفَّارة دون بقيته؛ لم يحتسب له إلا بما نوى) لقوله ﷺ : "وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى" (١). فصل (فمن لم يجد رقبةً) ليشتريها، أو وَجَدَها ولم يجد ثمنها فاضلًا عما تقدَّم (٢) من حوائجه، أو وجدها لكن لا تُباع إلَّا يزيادة كثيرة تُجحف بماله، أو وَجَدها لكن احتاجها لخدمة ونحوه (فعليه صيام شهرين متتابعين) إذا قَدَرَ عليه إجماعًا (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٤)، وأجمعوا (٥) على وجوب التتابع، ومعناه: الموالاة بين صيام أيامهما (٦) (حرًّا كان) المكفِّر (أو عبدًا) بغير خلاف نعلمه؛ قاله في "المبدع". (فلا يجوز أن يُفطِر فيهما) أي: في الشهرين (ولا أن يصوم فيهما

стр. 5966

عن غير الكفّارة) لئلا يفوت التتابع (ولا تجب نيةُ التتابع، ويكفي فِعلُه) أي: التتابع؛ لأنه شرط، وشرائط العبادات لا تحتاج إلى نية، وإنما تجب النية، لأفعالها و (كالمتابعة بين الركعات) في الصلاة؛ فإنها فرض، ولا تُعتبر نيتها. (وإن تخلّل صومَهما صومُ شهرِ رمضان) بأن يبتدئ الصوم من أول شعبان فيتخلله رمضان؛ لم ينقطع التتابع. (أو) تخلّله (فِطْرٌ واجبٌ، كفِطْرِ العيدين، وأيام التشريق) بأن يبتدئ مثلًا من ذي الحجة، فيتخلله يوم النحر وأيام التشريق؛ لم ينقطع التتابع؛ لأنه زمن مَنَعَه الشرعُ عن صومه في الكفارة، كالليل. (أو) تخلّله فِطْرٌ (لحيضٍ، أو نِفاس) أجمعوا (١) عليه في الحيض، وقيس عليه النفاس. (أو) تخلّله فِطْرٌ لِـ (ــجنون، أو إغماء، أو مرض ولو غير مخوف) لم ينقطع التتابع؛ لأنه أفطر بسبب لا صُنع له فيه، كالحيض. (أو) تخلّله فِطْر لـ (ــسفر يبيحان) أي: المرض والسفر (الفِطر) لم ينقطع التتابع، كالمرض المخوف. (أو) تخلّله (فِطْرُ الحامل والمرضع، لخوفهما على أنفسهما، أو) خوفهما على (ولديهما) لم ينقطع التتابع؛ لأنه فِطْر أُبيح لعُذر من غير جهتها، أشبه المرض. (أو) تخلّله فِطْرٌ (لإكراهٍ، أو نسيان، أو لخطأ) لحديث: "عُفِيَ لأمتي عن الخطَأ والنسيان، وما اسْتُكْرِهوا عليه" (٢). (لا) إن أفطر

стр. 5967

لـ (ــجهلٍ) فلا يُعذر به، ومثال الفِطر خطئًا (كمن أكل يظن أن الفجر لم يطلع، وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت، ولم تَغِب) لم ينقطع التتابع؛ لما سبق. (أو وطئ غيرَ المظاهَرِ منها ليلًا، ولو عمدًا). قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه؛ لأن ذلك غير محرَّم عليه، ولا هو مخلٌّ بتتابع الصوم؛ كالأكل. (أو) وطئ غيرَ المظاهَر منها (نهارًا، ناسيًا للصوم، أو لعُذرٍ يُبيح الفِطر) لم ينقطع التتابع؛ لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع. (أو) وطئ غيرَ المظاهَر منها (في أثناء الإطعام، أو العتق، أو أصاب المظاهَر منها في أثناء الإطعام، أو العتق؛ لم ينقطع (١) التتابع) بذلك، فيبني على ما قَدَّمه من العتق، أو الإطعام، ويتمُّه. (وإن أفطر يَظُنُّ أنه قد أتمَّ الشهرين، فبانَ بخِلافِهِ) انقطع التتابع (أو ظَنَّ أن الواجب شهرٌ واحدٌ) فأفطر (أو) أفطر (ناسيًا لوجوب التتابع، أو أفطر لغير عُذْر) انقطع التتابع؛ لقطعه إياه، ولا يُعذر بالجهل كما تقدم؛ لأن مثل ذلك لا يخفى. (أو صام) في أثناء الشهرين (تطوُّعًا، أو قضاء) عن رمضان (أو) صام (عن نَذْر، أو كفَّارة أخرى) انقطع؛ لأنه قطعه بشيء يمكنه التحرُّز منه، أشبه ما لو أفطر من غير عُذْر. (أو أصاب المظاهَر منها ليلًا أو نهارًا، ولو ناسيًا، أو مع عُذر يُبيح

стр. 5968

الفِطر) كمرض وسفر (انقطع) التتابع؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (١) فأمر بصيام شهرين خاليين عن وطءٍ، ولم يأتِ بهما كما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئها نهارًا ناسيًا. (ويقع صومُهُ) في أثناء الشهرين (عمَّا نواه) من قضاء، أو كفَّارة، أو نَذْرٍ؛ لأنه زمن لم يتعيَّن للكفَّارة. (وإن لَمَسَ المظاهَرَ منها، أو باشرها دونَ الفرج، على وجه يُفْطِر به) بأن أنزل (قَطَع التتابع) لفساد صومه (وإلا) بألا يكون (٢) على وجه يُفطِر به، بأن لم ينزل (فلا) يقطع التتابع؛ لعدم فساد الصوم. (وحيث انقطع التتابع؛ لزمه الاستئناف) ليأتي بالشهرين المتتابعين. (فإن كان عليه نَذْرُ صومٍ غيرِ معيَّن) بأن نذَرَ صوم شهر، أو أيام مطلقة (أخَّره إلى فراغه من الكفارة) لاتساع وقته (وإن كان) النذر (معيّنًا) كأنْ نذر صوم المحرَّم (أخَّر الكفّارة عنه، أو قدَّمها عليه إن أمكن) بأن اتسع لها الوقت؛ لأنه أمكن الإتيان بكل من الواجبين؛ فلزمه. (وإن كان) النذر (أيامًا من كل شهر، كيوم) الـ (ــخميس) ويوم الاثنين (أو أيام البيض، قدَّم الكفَّارة عليه) لوجوبها بأصل الشرع (وقضاه بعدها) قلت: ويكفّر؛ لفوات المحل، كما يأتي. (ويجوز أن يبتدئ صوم الشهرين من أول شهر، و) أن يبتدئه (من أثنائه، فإن الشهر اسم) مشترك (لما بين الهلالين، ولثلاثين يومًا، فإن بدأ من أول شهر فصام شهرين بالأهلة؛ أجزأه، وإن كانا) أي: الشهران

стр. 5969

(ناقصين، أو) كان (أحدهما) ناقصًا؛ لأنه قد صام شهرين (وإن بدأ من أثناء شهر، وصام ستين يومًا) أجزأه؛ لأنه صام شهرين (أو صام شهرًا بالهلال وشهرًا بالعدد، كمن صام خمسة عشر من المحرَّم، و) صام (صفر، و) صام (خمسة عشر من ربيع) الأوّل (أجزأه، وإن كان صفر ناقصًا) لأنه قد صام شهرين. (وإن) صام شعبان ورمضان و (نوى صوم رمضان عن الكفّارة؛ لم يجزئه عن واحد منهما) أي: عن رمضان؛ لأنه لم ينوه عنه، ولا عن الكفَّارة؛ لأن رمضان لا يسع غيره (وانقطع التتابع، حاضرًا كان أو مسافرًا) فيستأنف صوم الشهرين للتتابع. وإن سافر في رمضان المتخلل لصوم الكفَّارة، وأفطر؛ لم ينقطع التتابع؛ لأنه زمن لا يُستَحَقُّ صومُه عن الكفَّارة، فلم ينقطع التتابع بفطره، كالليل. فصل (فإن لم يستطع الصومَ لكبرٍ، أو مرضٍ - ولو رُجيَ زوالُه - أو لخوف زيادَتِه) أي: المرض (أو تطاوُلِه، أو لشَبَقٍ؛ فلا يصبر فيه عن جماع الزوجة؛ إذا لم يقدِر على غيرها، أو لضعف عن معيشته) التي يحتاجها (لزمه إطعام ستين مسكينًا) إجماعًا (١)؛ للآية (٢)، والخبر (٣). وعُلم منه: أنه لا يجوز الانتقال إليه لأجل السفر؛ لأنه لا يعجِزه عن الصيام، وله نهاية ينتهي إليها، وهو من أفعاله الاختيارية، بخلاف المرض.

стр. 5970

(مسلمًا، حرًّا أو مكاتَبًا، ذكرًا كان أو أنثى، كبيرًا كان أو صغيرًا) لأنه مسكين، فجاز إطعامه كالكبير، واعتُبر الإِسلام فيه كالزكاة (ولو لم يأكل الطعام) لأنه مسلم محتاج، أشبه الكبير (ولو مجنونًا، ويقبض لهما وليّهما) أي: وليّ الصغير والمجنون، كالزكاة. (ويجوز دفعها إلى مُكاتَبِه) كالزكاة (وإلى) كل (من يُعطى من زكاةٍ لحاجةٍ) وهو المراد بالمسكين، ويدخل فيه الفقير، فهما صنفان في الزكاة، صنف واحد في غيرها، ويدخل فيه ابن سبيل، وغارم لنفسه، ونحوه. (ولا يجوز دفعها) أي: الكفّارة (إلى كافر) كالزكاة. (ولا) يجوز دفعها (إلى قِنٍّ) غير مُكاتَبٍ. وأمّ الولد، والمدبَّر، والمعلّق عتقه بصفة؛ كالقِنِّ الصرف؛ لوجوب نفقتهم على سيّدهم (ولا إلى من تلزمه) أي: المكفِّر (مُؤْنته) كزوجته، وعمودَيْ نسبه، ونحوهم؛ لأن الزكاة لا تُدفع إليهم، فكذا الكفّارة. (ويجوز) دفعها (إلى من ظاهِرُهُ الفقر أو المَسْكَنة) لأن العلم بباطن الأمر متعذَّر أو متعسِّر (فإن بان) المدفوع إليه من الكفّارة (غنيًّا؛ أجزأه) كالزكاة، لعُسْرِ التحرز من (١) ذلك. و (لا) تجزئ (إن) دفعها إليه، ثم (بان كافرًا أو قِنًّا) لأن ذلك لا يخفى غالبًا، كالزكاة. (وإن رَدَّدَها على مسكين واحد ستين يومًا؛ لم يجزئه) لأن الله تعالى أوجب إطعام ستين مسكينًا، ولم يطعم إلا مسكينًا واحدًا (إلا ألا يجد غيره؛ فيجزئه) ترديدها عليه؛ لأنه معذور بعدم وِجدان غيره.

стр. 5971

(وإن دفع إلى مسكين في يوم واحد من كفَّارتين؛ أجزأه) لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب؛ فأجزأ، كما لو دفع إليه ذلك في يومين، و (كما لو كان الدافع اثنين. ولو دفع ستين مُدًّا إلى ثلاثين مسكينًا، من كفّارة واحدة، لكلّ مسكين مُدّان؛ أجزأه ثلاثون) مُدًّا (ويطعم ثلاثين آخرين) ليتم له إطعام ستين مسكينًا؛ لأنه هو الواجب، فلا يجزئه أقل منه. (فإن دفع الستين) مُدًّا إلى ثلاثين مسكينًا (من كفَّارتين؛ أجزأه عن كل كفارة ثلاثون) ويُتَمِّمُ؛ لأنه دفع القدر الواجب إلى العدد الواجب؛ فأجزأ، كما تقدم. (والمُخْرَجُ في الكفَّارة ما يجزئ في الفِطْرَةِ) وهو: البُرّ، والشعير، ودقيقهما، وسويقهما، والتمر، والزبيب، والأَقِط (فإن كان قوتُ بلده غيرَ ذلك، كالذُّرَة، والدُّخْن، والأرز؛ لم يَجْز إخراجه) لأن الخبر (١) ورد بإخراج هذه الأصناف في الفطرة، فلم يَجْزِ غيرها، كما لو لم يكن قوت بلده. واختار أبو الخطاب والموفَّق وغيرهما: يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٢). (و إخراجُ الحَبِّ أفضلُ) للخروج من الخلاف، وهي حالَةُ كمالِه؛ لأنه يُدَّخر، ويتهيأ لمنافعه كلها، بخلاف غيره. ونقل ابن هانئ (٣): التمر والدقيق أحبُّ إليَّ مما سواهما. وفي "الترغيب": التمر أعجب إلى

стр. 5972

أحمد (١). قلت: هو قياس ما تقدم في الفطرة. (فإن أخرج دقيقًا؛ جاز، لكن يزيد على المُدِّ قدرًا يبلغ المُدَّ حبًّا، أو يخرجه) أي: الدقيق (بالوزن رَطلًا) عراقيًا (وثلثًا) لأن الحب تتفرق أجزاؤه بالطحن فيكون في مكيال الحب أكثر مما يكون في مكيال الدقيق. (ولا يُجزِئ إخراجُ خُبْزٍ) لأنه خرج عن الكيل والادّخار، فأشبه الهريسةَ (وعنه (٢) - واختاره جمع) منهم الخرقي، قال القاضي وأصحابه: الأولى الجواز، وفي "المغني": هذا أحسن، أي - (إجزاء الخُبْز) لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (٣) وهذا من أوسط ما يُطعِم أهله، وليس الادّخار مقصودًا في الكفَّارة، فإنها مقدَّرة بما يقوت المسكين في يومه، وهذا مُهيّأ للأكل المعتاد للاقتيات، وأما الهريسة فإنها خرجت عن الاقتيات المعتاد إلى حيّز الإدام (٤). (ولا يجزئ من البُرِّ أقل من مُدٍّ) وقاله زيد (٥)، وابن عباس (٦)، وابن عمر (٧)؛ لما روى أحمد (٨) بسنده إلى أبي يزيد المدني قال:

стр. 5973

"جاءت امرأةٌ من بني بَيَاضَةَ بنصفِ وَسْقِ شعيرٍ، فقال النبي ﷺ : أطعمْ هذا، فإنَّ مُدَّي شعيرٍ مكان مُدِّ بُرٍّ" وعلى هذا يُحمل ما رُوي عن أبي سلمة، عن سلمة بن صخر أن النبي ﷺ أعطاه مكيلًا (١) فيه خمسة عشر صاعًا، فقال: "أطعمْ ستين مسكينًا" وذلك لكُلِّ مسكينٍ مُدٌّ؛ رواه الدارقطني (٢) وهو للترمذي (٣) بمعناه. (ولا) يجزئ (من التمر، والشعير، والزبيب، والأقِطِ أقلُّ من مُدَّين) لقوله ﷺ : "فإن مُدَّيْ شعير مَكَانَ مُدِّ بُرٍّ" (٤) وهو مرسل جيد. (ولا من خُبْزِ البُرِّ أقلُّ من رَطلين بالعراقي) لأن الغالب أن ذلك لا يبلغ مُدًّا (ولا من خُبْزِ الشعير أقلُّ من أربعة أرطال) بالعراقي إن قلنا بإجزاء الخبز (إلا أن يَعلمَ أنه) أي: المخرَج من الخبز (مُدٌّ من البُرِّ، أو مُدَّان من الشعير) فيجزئ؛ لأنه الواجب. (فإذا أخذ من دقيق البُرِّ ثلاثة عشر رَطلًا وثلثًا) من رَطل عراقي (أو) أخذ (من الشعير مِثْليه) ستة وعشرين وثلثي رَطل عراقية (فَخَبَزَ) ذلك (وقسم على عشرة مساكين في كفَّارة اليمين؛ أجزأ، ولو لم يبلغ خُبْزُ البُرِّ عشرين رَطلًا، ولا) بلغ (خبز الشعير أربعين رَطلًا، وكذا في سائر الكفَّارات) لأنه أخرج الواجب.

стр. 5974

(و يُستحبُّ إخراج أُدْمٍ مع المجزئ) نص عليه (١)، خروجًا من خلاف من أوجبه. (و لا يجزئ إخراجُ القيمةِ) لأن الواجب هو الإطعام، وإعطاء القيمة ليس بإطعام. (و يجب أن يُمَلِّكَ المِسكينَ القَدْرَ الواجبَ من الكفَّارة، فإن غدَّى المساكينَ أو عشَّاهم، ولو بمُدٍّ فأكثرَ لكلِّ واحد؛ لم يجزئه) لأن الإعطاء هو المنقول عن الصحابة؛ ولأنه مال واجب للفقراء، أشبه الزكاة. (وإن قدَّم لهم) أي: لستين مسكينًا (ستينَ مُدًّا، وقال): هذا (بينَكم بالسَّويَّةِ، فقَبِلُوها؛ أجزأه) ذلك، وإلا لم يجزئه ما لم يعلم أن كلًّا أخذ قَدْر حَقِّه من ذلك. (ولا يجب التتابُعُ في إطعام) الـ (ــكفَّارة) لأنه غير مأمور به، وإنما أمر بإطعام ستين مسكينًا، فتناول الإطعام متتابعًا ومتفرِّقًا، والبدلُ لا يُعطى حكمَ المبدل (٢) من كل وجه. فصل (ولا يجزئ إطعامٌ، وعِتقٌ، وصومٌ إلا بنيّة، بأن ينويَه عن الكفّارة) لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيَّات" (٣)؛ ولأنه حق (٤) على سبيل الطُّهرة، فافتقر إلى النية، كالزكاة، فينوي (مع التكفير، أو قَبْله بيسير)

стр. 5975

كالصلاة والزكاة. (ونيَّة الصوم واجبةٌ كل ليلة) للخبر (١). (ولا يُجزئ فيهنَّ) أي: الإطعام، والعتق، والصوم (نيَّة التقرُّبِ فقط) لأنه يقع تَبرُّعًا، وعن الكفَّارة وغيرها، فلا بُدَّ من نيَّةٍ تميِّز الكفَّارة عن غيرها. (فإن كانت عليه كفَّارة واحدة فنوى: عن كَفَّارَتيْ (٢)؛ أجزأه) ولم يلزمه تعيين سببها، سواء علمه أو جهله؛ لأن النية تعيَّنت لها؛ ولأنه نوى عن كفَّارته، ولا مزاحم لها، فوجب تعليق النية بها. (وإن كان عليه كفَّارات من جنسٍ واحد؛ لم يجب تعيين سببها، ولا تتداخل. فلو كان مظاهِرًا من أربع نسائه، فأعتق عبدًا عن ظِهاره؛ أجزأه عن إحداهنَّ، وحَلَّتْ له واحدة) من نسائه (غير مُعيَّنةٍ) لأنه واجب من جنس واحد، فأجزأته نيَّة مُطْلَقة، كما لو كان عليه صوم يومين من رمضان (فتخرج بقُرْعة) كما تقدم في نظائره. (فإن كان الظِّهار من ثلاثِ نِسْوة، فأعتق عن) ظِهار (إحداهُنَّ، وصام عن) ظِهار (أخرى) لعدم ما يعتقه (ومرض، فأطعم عن) ظِهار (أخرى؛ أجزأه) لما تقدم (وحلَّ له الجميع، من غير قُرعة ولا تعيين) لأن التكفير حصل عن الثلاث، أشبه ما لو أعتق ثلاثة أعبد عن الثلاثة دفعة واحدة.

стр. 5976

(وإن كانت) الكفَّارات (من أجناس، كظِهار، وقَتْلٍ، وجِماعٍ في) نهار (رمضان، ويمين؛ لم يجب تعيين السبب أيضًا) لأنها عباده واجبة، فلم تفتقر صحة أدائها إلى تعيين سببها، كما لو كانت من جنس (ولا تتداخل) الكفَّارات؛ لاختلاف أسبابها. (فلو كانت عليه كفَّارة واحدة، نَسِيَ سَبَبَها؛ أجزأتْهُ كفَّارة واحدةٌ) لأن تعيين السبب ليس شرطًا، فإذا أخرج كفَّارة، وقعت عن كفَّارته، فيخرج من العُهْدة. (وإن كانت) عليه (كفَّارتان من ظِهار) بأن قال لكلٍّ من زوجتيه: أنتِ عليَّ كظهر أمي (أو) كان عليه كفَّارتان (من ظِهار وقَتْلٍ، فقال: أعتقتُ هذا عن هذه) الزوجة (و) أعتقتُ (هذا عن هذه) الزوجة الأخرى، أو قال: أعتقتُ هذا عن كفَّارة الظِّهار، وهذا عن كفَّارة القتل؛ أجزأه. (أو) قال: أعتقتُ (هذا عن إحدى الكفَّارتين، و) أعتقتُ (هذا عن) الكفَّارة (الأخرى، من غير تعيين) أجزأ؛ لما تقدم. (أو أعتقهما) أي: العبدين (عن الكفَّارتين) معًا (أو) قال: (أعتقتُ كل واحد منهما) أي: من العبدين (عنهما) أي: الكفَّارتين (جميعًا؛ أجزأه) ذلك؛ لما تقدم. (ولا يجزئ تقديم كفَّارةٍ) لظِهار أو غيره (قبل سَبَبِها) كتقديم الزكاة على ملك النصاب (فلا يُجزئ كفارة الظِّهار قبلَه) أي: قبل الظِّهار (ولا) يجزئ تقديم (كفَّارة اليمين عليها) أي: اليمن (ولا) تقديم (كفارة القتل قبل الجرح) لتقدمها على سببها. (فلو قال لعبده: أنتَ حُرٌّ الساعة؛ إن تَظَهَّرْتُ؛ عَتَقَ، ولم يجزئه عن ظِهاره أن تَظَهَّرَ) لتقدمه عليه.

стр. 5977

(ولو قال) لزوجته: (إن دخلتِ الدارَ، فأنتِ عليَّ كظهر أمي؛ لم يجز) ئه (التكفير قبل الدخول) لأنه لا يصير مظاهرًا قبله. (ولو قال لعبده: (إن تَظَهَّرْتُ، فأنتَ حُرٌّ عن ظِهاري، ثم تَظَهَّر؛ عَتَقَ العبد) لوجود شرطه (ولم يجزئه عن الكفَّارة) لأن عتقه مستحق بسبب آخر، وهو الشرط؛ ولأن النية لم توجد عند عِتْقِ العبد، والنية عند التعليق لا تجزئ؛ لأنه تقديم لها على سببها. (فإن لم يجد) المظاهِر (ما يطعمـ) ــه للمساكين (لم تسقط) عنه الكفارة (وتبقى في ذمته) وكذا كفَّارة القتل وغيرها، ما عدا كفَّارة الوطء في الحيض، وكفارة الوطء في نهار رمضان، فيسقطان بالعجز (وتقدم (١) في باب ما يُفسِد الصوم بعض ذلك، و) تقدم (٢) أيضًا هناك (حكم أكله من كفاراته) كلها.

стр. 5978

كتاب اللعان وما يلحق من النسب

стр. 5979

كتاب اللعان وما يلحق من النسب (وهو) أي: اللعان مصدر لَاعَن لعانًا، إذا فعل ما ذكر، أو لعن كل واحد منهما الآخر، مشتق من اللعن؛ لأن كل واحد منهما يلعن نفسه في الخامسة. وقال القاضي: سُمِّي به؛ لأن أحدهما لا ينفكُّ عن أن يكون كاذبًا، فتحصل اللعنة عليه، وهي الطرد والإبعاد. يقال: لعنه الله، أي: أبعده، والْتَعَنَ الرجل: إذا لعن نفسه من قِبل نفسه. ولا يكون اللعان إلا بين اثنين، يقال: لاعَنَ امرأته لعانًا وملاعنة، وتلاعَنَا بمعنىً، ولاعَنَ الإمام بينهما، رجل لُعَنة كهُمزة، إذا كان يلعن الناس كثيرًا، ولُعْنة - بسكون العين - إذا كان يلعنه الناس. و (شَرْعًا: شهاداتٌ مؤكَّداتٌ بأيمان من الجانبين، مقرونةٌ باللَّعْن والغضب، قائمةٌ مقام حَدِّ قَذْفٍ) إن كانت الزوجة محصنة (أو) قائمة مقام (تعزير في جانبه) إن لم تكن محصنة (و) قائمة مقام (حَدِّ زِنىً في جانبها) إذا أقرت بالزِّنى، أو حَبْسٍ إلى أن تقر أو تلاعن. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ. . .﴾ الآيات (١)، نزلت سنة تسع، منصرفه ﷺ من تبوك، في عويمر العجلاني (٢)، أو هلال بن أمية (٣)، ويحتمل أنها نزلت فيهما، ولم يقع

стр. 5980

بعدهما بالمدينة إلا في زمن عمر بن عبد العزيز، والسُّنَّة شهيرة بذلك؛ ولأن الزوج يُبتلى بقذف امرأتة لنفي العارِ، والنسبِ الفاسد، ويتعذَّرُ عليه إقامةُ البيِّنة، فجُعل اللعان بيّنة له، ولهذا لما نزلت آية اللعان، قال النبي ﷺ : "أبشرْ يا هلالُ؛ فقد جعلَ الله لكَ فرجًا ومخرجًا" (١). (إذا قذَفَ الرجلُ زوجتَه بالزِّنى، في طُهرٍ أصابها فيه، أو لا) أي: أو في طهر لم يصبها فيه (في قُبُل أو دبر - كما يأتي - ولم تُصدِّقه) فيما قَذَفها به (ولم يأتِ بالبَينة) تشهد له بما قذفها به (لزمه ما يلزم بقَذْفِ أجنبية، من حَدٍّ) إن كانت مُحْصَنة (أو تعزير) إن لم تكن كذلك (وحُكِم بفسقه، ورُدَّت شهادتُه) لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ. . .﴾ الآية (٢). (فإنْ لاعَنَ) الزوج (ولو) لاعَنَ (وحده؛ سقط عنه) الحَدُّ أو التعزير، والحكمُ بفسقه، وردِّ شهادته. (وله) أي: الزوج (إسقاطُ بعضِه) أي: الحَدِّ (أيضًا باللِّعَان) بأن يلاعن في أثناء الحَدِّ (ولو بقي منه) أي: الحدّ (سوط) واحد.

стр. 5981

(ويَسقط) الحدّ، أو (الباقي منه - أيضًا - بتصديقها) أي: الزوجة لزوجها فيما رماها به، كالأجنبية. (وله) أي: الزوج (إقامة البيّنة) عليها بزِناها (بعد اللِّعان، ونفيِ الولد، ويثبُتُ موجَبُهما). أي: موجب اللعان؛ من الحريم المؤبَّد، وانتفاء الولد، وموجب البينة؛ من إقامة الحَدِّ عليها. (وصفتُهُ) أي: اللِّعان (أن يقول الزوجُ بحضرة حاكمٍ أو نائبِه، وكذا لو حَكَّما) أي: المتلاعنان (رجلًا أهلًا للحُكم، ويأتي في القضاء) لأن حكمه حكم قاضي الإمام: (أشهدُ بالله إني لمن الصادقين فيما رميتُ به امرأتي هذه من الزنى، مشيرًا إليها) إن كانت حاضرة. (ولا يحتاج مع حضورها، و) مع (الإشارة إليها؛ إلى تسميتـ) ــها (و) بيان (نسبـ) ــتها (كما لا يحتاج إلى ذلك في سائر العقود) اكتفاء بالإشارة. (وإن لم تكن حاضرة) بالمجلس (أسْماها، ونَسَبَها) بما تتميَّز به، حتى تنتفي المشاركة بينها وبين غيرها. قال في "المبدع": فلا يبعد أن يقوم وصفها بما هي مشهورة به مقام الرفع في نسبها. ويُعِيد قوله: أشهد بالله. . . إلخ، مرة بعد أخرى (حتى يُكْمِلَ ذلك أربعَ مرات. ولا يُشترط حضورهما) أي: المتلاعنين (معًا، بل لو كان أحدهما غائبًا عن صاحبه، مثل: أن لاعَنَ الرجل في المسجد، والمرأة على بابه، لعُذْر) كالحيض (جاز) لعموم الأدلة. (ثم يقولَ في) المرة (الخامسة: وأنَّ لَعْنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رميتها به من الزِّنى) ولا يُشترط - على الأصح - أن يقول:

стр. 5982

فيما رماها به من الزنى؛ قاله في "شرح المنتهى". قال ابن هُبيرة: لا أراه يحتاج إليه؛ لأن الله تعالى أنزل ذلك وبيّنه، ولم يذكر هذا الاشتراط. (ثم تقولَ هي: أشهدُ بالله إن زوجي هذا لَمِنَ الكاذبين، فيما رماني به من الزنى، وتشير إليه إن كان حاضرًا) بالمجلس. (وإن كان غائبًا) عن المجلس (أسْمَتْه ونسبَتْه) كما تقدم، وتكرّرُ ذلك. (فإذا كَملتْ أربع مرات؛ تقول في الخامسة: وأنَّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فقط، وتزيد استحبابًا: فيما رماني به من الزنى) خروجًا من خلاف من أوجبه، وإنما لم يَجب؛ لما تقدم. وإنما خُصّتْ هي في الخامسة بالغضب؛ لأن النساء يُكْثِرْن اللَّعْن كما ورد (١). ثم أخذ يبين محترزات ذلك التي تُخِلُّ بصحة اللِّعان فقال: (فإنْ نَقَص أحدهما) أي: أحد المتلاعنين (من الألفاظ) أي: الجُمَل (الخمسة شيئًا) لم يُعتدَّ به؛ لأن الله تعالى عَلَّق الحكم عليها؛ ولأنها بيّنة، فلم يجز النقص من عددها، كالشهادة، وعُلم منه: أنه لا يضرُّ نقص بعض الألفاظ حيث أتى بالجُمَل الخمسة، كما يشير إليه كلام ابن قندس في حاشية "الفروع". (أو بدأت) المرأة (باللَّعان قبلَهُ) أي: قبل الرجل، لم يعتدّ به؛ لأنه خلاف المشروع؛ ولأن لِعانَ الرَّجل بيّنة الإثبات، ولِعانها بيّنة الإنكار، فلم يجز تقديم بيِّنة الإنكار على الإثبات.

стр. 5983

(أو تلاعنا بغير حضرة حاكم) لم يُعتدَّ به؛ لأنه يمين في دعوى، فاعتبر فيه أمر الحاكم كسائر الدعاوى، فلو لاعَنَ السيد بين عبده وأَمَته؛ لم يصح. (أو أبدل أحدهما لفظةَ "أشْهَد" بـ "أُقْسِم" أو "أَحْلِف" أو "أُولِي") لم يُعتدَّ به؛ لأن اللِّعان يقصد فيه التغليظ، ولفظ الشهادة أبلغ فيه. (أو) أبدل (لفظة اللعنة بالإبعاد، أو أبدلها) أي: لفظة اللعنة (بالغضب) لم يعتدّ به. (أو أبدلت) المرأة (لفظة الغضب بالسَّخَط، أو قدَّمت الغضبَ) فيما قبل الخامسة؛ لم يعتدّ به. (أو أبدلته) أي: الغضب (باللَّعْنة، أو قدَّم) الرجل (اللَّعنةَ) فيما قبل الخامسة؛ لم يعتدّ به؛ لمخالفة المنصوص. (أو أتى به) أي: اللعان (أحدُهما قبل إلقائه عليه) من الإمام أو نائبه؛ لم يعتدّ به، كما لو حلف قبل أن يحلِّفه الحاكم. (أو علَّقه) أي: عَلَّق أحدهما اللعان (بشرط) لم يُعتدّ به؛ قاله ابن عقيل وغيره (أو لم يُوالِ) أحدهما (بين الكلمات) في اللعان (عُرْفًا) لم يُعتدَّ به. (أو أتى به) أي: باللِّعان (بغير العربية، مَنْ يُحسِنُها) منهما؛ لم يعتدَّ به؛ لأن الشرع ورد بالعربية، فلم يصح بغيرها، كأذكار الصلاة. (أو أتى) الزوج (به) أي: اللعان (قبل مطالبتها له بالحدّ، مع عدم ولدٍ يريد نفيه) باللِّعان (لم يعتدّ به) أي: باللعان؛ لأن اللعان شُرِعَ لدرء الحدِّ عن القاذف، فإذا لم تطالب بالحد لم يكن للِّعان فائدة. فإن كان هناك ولدٌ؛ صح اللِّعان قبل المطالبة بالحدّ - على قول

стр. 5984

القاضي - لنفي الولد، ونصه خلافه؛ لأن نفي الولد جاء تبعًا للِّعان، لا مقصودًا لنفسه، فإذا انتفى اللعان انتفى نفي الولد. (وإن عَجَزا) أي: المتلاعنان (عنه بالعربية؛ لم يلزمهما تعلُّمُها، ويصحّ) إذًا (بلسانهما) لأنه موضع حاجة، وكالنكاح. (فإن كان الحاكم يحسن لسانهما؛ أجزأ ذلك) ولاعن بينهما. (ويُستَحب أن يحضر معه أربعة يحسنون لسانَهما) لأن الزوجة ربما أقرت بالزنى، فيشهدون على إقرارها. (وإن كان) الحاكم (لا يُحْسِن) لسانَهما (فلا يجزئ في الترجمة إلا عدلان) قال في "المبدع": على المذهب. (وإذا فُهمت إشارة الأخرس منهما، أو كتابته؛ صحَّ لِعانه بها) كالطلاق، ولدعاء الحاجة (وإلا) أي: وإن لم تُفهم إشارة الأخرس منهما، ولا كتابته (فلا) يصح لِعانه. (وإذا قَذَفَ الأخرسُ ولاعَنَ) بالإشارة المفهومة، أو الكتابة (ثم أُطْلِقَ لسانُهُ، فتكلَّم، فأنكر القذفَ واللِّعانَ؛ لم يُقبلْ إنكارُهُ للقذفِ) لأنه تعلَّق به حق لغيره بحكم الظاهر (ويُقبل) إنكاره (اللِّعان فيما عليه، فيُطالب بالحَدِّ) إن كانت محصنة، وإلا؛ فالتعزير (ويلحقُهُ النَّسب، ولا تعود الزوجية) لأنها حرمت باللِّعان على التأبيد (فإن لاعَنَ) حينئذ (لسقوطِ الحَدِّ، ونفي النسب؛ فله ذلك) كما لو لم يحصل له خَرَسٌ قبلُ. (ويصح اللِّعان ممن اعتُقِل لسانه - وأُيِسَ من نُطقه - بإشارة) مفهومة، كالأخرس الأصلي (فإن رُجِي عَوْدُ نُطْقِه، بقولِ عدلين من أطباء المسلمين، انتُظِرَ به ذلك) أي: أن ينطق، وفي "الترغيب": ثلاثة أيام (١).

стр. 5985

فصل (والسُّنة أن يتلاعنا قيامًا) لقوله ﷺ لهلال بن أمية: "قمْ، فاشهَدْ أربعَ شهادات" (١)؛ ولأنه أبلغ في الردع، فيبدأ الزوجُ فَيَلْتعِن وهو قائم، فإذا فرغ؛ قامت المرأة فالْتعنت (بمَحضرِ (٢) جماعة) لحضور ابن عباس (٣)، وابن عمر (٤)، وسهل (٥) (٦). والصبيان إنما يحضرون تبعًا

стр. 5986

للرجال؛ إذِ اللعان مبني على التغليظ؛ للردع والزجر، وفِعله في الجماعة أبلغ في ذلك. (ويُستحبُّ ألا ينقصوا عن أربعة) لأن بيّنة الزنى - الذي شرع اللعان من أجل عدم الرضا به - أربعة. قال في "المبدع": وليس بواجب، بغير خلاف نعلمه (في الأوقات والأماكن المُعظَّمة) لأن ذلك أبلغ في الردع (ففي) المكان؛ في (مكة، بين الرُّكن) الذي به الحجر الأسود (والمقام) قال في "المبدع": ولو قيل: بالحِجْر، لكان أولى؛ لأنه من البيت (وبالمدينة عند منبر النبي ﷺ ) مما يلي القبر الشريف؛ لقوله ﷺ : "ما بينَ قَبري ومنْبري روْضةٌ مِن رِياضِ الجنَّةِ" (١)

стр. 5987

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5989

(وفي بيت المقدس عند الصخرة (١)، وفي سائر) أي: باقي (البلدان في جوامعها، وتقف الحائض عند باب المسجد) للعذر. (و) في (الزمان بعد العصر) لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ (٢) والمراد: صلاة العصر عند المفسرين (٣). (وقال أبو الخطَّاب في موضع آخر): و (بين الأذانين) أي: بين الأذان والإقامة (لأن الدُّعاء بينهما لا يردُّ.

стр. 5990

فإذا بلغ كلُّ واحدٍ منهما الخامسةَ؛ أمر الحاكم رجلًا، فأمسك بيده على فَمِ الرجل، و) أمر (امرأة تضع يدها على فَمِ المرأة، ثم يعظه، فيقول: اتقِ الله؛ فإنها الموجبة، وعذاب الدنيا أهونُ من عذابِ الآخرة) لما روى ابن عباس قال: "يشهدُ أربعَ شهادات بالله إنه لمن الصادقينَ، ثمَّ أمرَ بهِ، فأُمْسِكَ على فيهِ، فوعظَهُ، وقال: ويحكَ كلُّ شيء أهونُ عليكَ من لعنة الله، ثم أرسلهُ، فقال: لعنةُ الله عليه إن كان من الكاذبينَ، ثم أمرَ بها فأمسك على فيها، فوعظها، وقال: ويلك (١) كلُّ شيءٍ أهونُ عليكِ من غضب الله" أخرجه الجُوزجاني (٢). (وإذا قَذَفَ نساءَه - ولو بكلمة واحدة - فعليه أن يُفْرِد كلَّ واحدة) منهن (بِلِعَانٍ) لأنه قاذف لكلِّ واحدةٍ منهنَّ؛ أشبه ما لو لم يقذف غيرها؛ ولأن اللِّعان أيمان لجماعةٍ، فلا تتداخل، كالأيمان في الديون. (فيبدأ بِلِعان التي تبدأ بالمطالبة) لترجحها بالسبق (فإن طالبن جميعًا) معًا (وتشاحَحْنَ؛ بدأ بإحداهنَّ بقُرْعة) لعدم المرجِّح غيرها (وإن
следующие страницы →