← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الشفاعةُ" رواه مسلم (١). وعن جابر: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوةِ التامةِ والصلاةِ القائمةِ، آت محمدًا الوسيلة والفضيلةَ، وابعثْه مقامًا محمودًا الذي وعدتَه، حلت له شفاعتي يوم القيامةِ" رواه البخاري (٢). قال في "المبدع": ولم يذكر "والسلام" معه، فظاهره أنه لا يكره بدونه، وقد ذكر النووي أنه يكره. "تتمة" "اللهم" أصله: يا الله، والميم بدل من ياء، قاله الخليل وسيبويه (٣)، وقال الفراء (٤): أصله يا الله أمنا بخير، فحذف حرف النداء، ولا يجوز الجمع بينهما إلا في الضرورة. "والدعوة" - بفتح الدال - هي دعوة الأذان، سميت تامة لكمالها، وعظم موقعها، وسلامتها من نقص يتطرق إليها. وقال الخطابي (٥): وصفها بالتمام لأنها ذكر الله، يدعى بها إلى طاعته، وهذه الأمور التي تستحق صفة الكمال والتمام، وما سواها من أمور الدنيا معرض للنقص والفساد. وكان الإمام أحمد يستدل بهذا على أن القرآن غير مخلوق. قال: لأنه ما من مخلوق إلا وفيه نقص. و"الصلاة القائمة" التي ستقوم، وتفعل بصفاتها.

стр. 632

"والوسيلة" منزلة عند الملك، وهي منزلة في الجنة. "والمقام المحمود" الشفاعة العظمى في يوم القيامة، لأنه يحمده فيه الأولون والآخرون. والحكمة في سؤال ذلك مع كونه واجب الوقوع بوعد الله تعالى إظهار كرامته، وعظم منزلته، وقد وقع منكّرًا في الصحيح، تأدبًا مع القرآن، فيكون قوله "الذي وعدته" منصوبًا على البدلية، أو على إضمار فعل، أو مرفوعًا على أنه خبر لمبتدأ محذوف. (ثم يسأل الله تعالى العافية في الدنيا، والآخرة. ويدعو هنا) أي: عند فراغ الأذان، لقوله ﷺ : "لا يردُّ الدعاءُ بين الأذان، والإقامةِ" رواه أحمد، والترمذي (١) وحسنه. (و) يدعو (عند الإقامة) (٢) فعله أحمد، ورفع يديه.

стр. 633

(ويقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبالُ ليلكَ، وإدبارُ نهارِك، وأصواتُ دُعَاتِكَ، فاغفرْ لي) للخبر (١).

стр. 634

باب شروط الصلاة الشروط: جمع شرط، كفلوس جمع فلس. والشرائط: جمع شريطة كفرائض وفريضة، والأشراط واحدها شرط بفتح الشين والراء، وسمي شرطًا لأنه علامة على المشروط، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (١). وفي الاصطلاح: هو ما يلزم من انتفائه انتفاء الحكم، كالإحصان مع الرجم، فالشرط ما لا يوجد المشروط مع عدمه، ولا يلزم أن يوجد عند وجوده، وهو عقلي، كالحياة للعلم، ولغوي، كإن دخلت الدار فأنت طالق، وشرعي، كالطهارة للصلاة. (وهي) أي: شروط الصلاة (ما يجب لها قبلها) بأن تتقدم على الصلاة وتسبقها (إلا النية) فإنه لا يجب أن تتقدم على الصلاة، بل الأفضل أن تقارن التكبير، ويأتي. (ويستمر حكمه إلى انقضائها) أي: الصلاة، وبهذا المعنى فارقت الأركان. (و الشرط) الشرعي (ما يتوقف عليه صحة مشروطه) صلاة كان، أو غيرها (إن لم يكن عذر) يعجز به عن تحصيل الشرط (ولا يكون) ما تتوقف عليه الصحة (منه) أي: من المشروط بخلاف الأركان، فإنها تتوقف عليها الصحة، لكنها من العبادة. (فمتى أخل بشرط لغير عذر، لم تنعقد صلاته) لفقد شرطها (ولو) كان التارك للشرط (ناسيًا) له (أو جاهلًا) به.

стр. 635

(وهي) أي: شروط الصلاة (تسعة: الإسلام، والعقل، والتمييز) وهذه الثلاثة شرط في كل عبادة، ولذلك أسقطها في "المقنع" وغيره، إلا التمييز في الحج؛ فإنه يصح ممن لم يميز، ولو أنه ابن ساعة، ويحرم عنه وليه، كما يأتي. (و) الرابع: (الطهارة من الحدث) الأكبر، والأصغر، لقوله ﷺ : "لا يقبلُ اللهُ صلاةً بغير طهورٍ" الحديث، رواه مسلم (١). (وتقدمت) مفصلة (وتأتي بقيتها) أي: الشروط. (و الخامس: دخول الوقت) لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٢)، قال ابن عباس: "دلوكها إذا فاء الفيء" (٣) ويقال: هو غروبها، وقيل: طلوعها، وهو غريب. قال عمر: "الصلاة لها وقت شرطه الله لها لا تصح إلا به" (٤) وحديث جبريل حين أَمَّ النَّبيَّ ﷺ في الصلوات الخمس، ثم قال: "يا محمدُ هذا وقتُ الأنبياءِ من قبلِك" (٥).

стр. 636

(وتجب الصلاة بدخول أول وقتها) في حق من هو من أهل الوجوب، وجوبًا موسعًا، بمعنى أنها تثبت في ذمته، يفعلها إذا قدر؛ لقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١) والأمر للوجوب على الفور؛ ولأن دخول الوقت سبب للوجوب، فترتب عليه حكمه عند وجوده، فالوقت سبب وجوب الصلاة لأنها تضاف إليه، وهي تدل على السببية، وتتكرر بتكرره، وهو سبب نفس الوجوب، إذ سبب وجوب الأداء الخطاب. (والصلوات المفروضات) العينية (خمس) في اليوم والليلة، أجمع المسلمون على ذلك، وأن غيرها لا يجب إلا لعارض، كالنذر. وأما الوتر فسيأتي، والكلام على الجمعة يأتي في بابها. (الظهر) واشتقاقها من الظهور، إذ هي ظاهرة في وسط النهار، والظهر لغة: الوقت بعد الزوال. وشرعًا: صلاة هذا الوقت، من تسمية الشيء باسم وقته.

стр. 637

(وهي أربع ركعات) إجماعًا (وهي) أي: الظهر (الأولى) قال عياض (١): هو اسمها المعروف لبداءة جبريل ﵇ بها - لما صلى بالنبي ﷺ وفي البداءة بها إشارة إلى أن هذا الدين ظهر أمره، وسطع نوره، من غير خفاء، ولأنه لو بدأ بالفجر، لختم بالعشاء ثلث الليل، وهو وقت خفاء، فلذلك ختم بالفجر؛ لأنه وقت ظهور، وفيه ضعف، إشارة إلى أن هذا الدين يضعف في آخر الأمر. وبدأ ابن أبي موسى، والشيرازي، وأبو الخطاب بالفجر، لبداءته ﷺ بها السائل (٢)، ولأنها أول اليوم. فإن قيل: إيجابها كان ليلًا، وأول صلاة تحضر بعد ذلك هي الفجر، فلم لا بدأ بها جبريل؟ أجيب بأنه يحتمل أنه وُجد تصريح أن أول وجوب الخمس من الظهر، ويحتمل أن الإتيان بها متوقف على بيانها؛ لأن الصلوات مجملة، ولم تبين إلا عند الظهر. (وتسمى الهجير) لفعلها وقت الهاجرة. (ووقتها من زوال الشمس، وهو ميلها عن وسط السماء) أجمع العلماء على أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر (٣)، وابن

стр. 638

عبد البر (١)، لحديث جابر أن النَّبيَّ ﷺ "جاءه جبريل، فقال: قمْ فصل، فصلى الظهرَ حينَ زالتْ الشمسُ، ثم جاءه من الغدِ للظهرِ، فقال: قمْ فصلِّه، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم قال: ما بين هذين وقت" إسناده ثقات، رواه أحمد، والترمذي (٢)، وقال البخاري (٣): هو أصح شيء في المواقيت. وصححه ابن خزيمة. وللترمذي (٤) وحسنه من حديث ابن عباس نحوه، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "أمنِي جبريلُ عندَ البيتِ مرتيْنِ - وفيه - فصلى الظهرَ حين زالت الشمسُ وكانتْ قدرَ الشِّراكِ" - وهو بشين معجمة مكسورة، وراء مهملة، وبالكاف -: أحد سيور النعل. (ويعرف ذلك) أي: ميل الشمس عن وسط السماء (بزيادة الظل بعد تناهي قصره) لأن الشمس إذا طلعت، رفع لكل شاخص ظل طويل من جانب المغرب، ثم ما دامت الشمس ترتفع فالظل ينقص، فإذا انتهت الشمس إلى

стр. 639

وسط السماء، وهي حالة الاستواء انتهى نقصانه، فإذا زاد الظل أدنى زيادة، دل على الزوال. والظل أصله الستر، ومنه: أنا في ظل فلان، ومنه: ظل الجنة، وظل شجرها، وظل الليل: سواده، وظل الشمس: ما ستر الشخوص من سقطها، ذكره ابن قتيبة (١) قال: والظل يكون غدوة، وعشية، من أول النهار وآخره، والفئ لا يكون إلا بعد الزوال، لأنه فاء أي: رجع من جانب إلى جانب، (ولكن لا يقصر) الظل (في بعض بلاد خراسان لسير الشمس ناحية عنها، قاله ابن حمدان وغيره) فصيفها كشتاء غيرها، ولذلك أنيط الحكم بالزوال، دون زيادة الظل. (ويختلف الظل باختلاف الشهر، والبلد) فيقصر الظل في الصيف، لارتفاعها إلى الجو، ويطول في الشتاء، لمسامتتها للمنتصب، ويقصر الظل جدًا في كل بلد تحت وسط الفلك، وذكر السامري وغيره: أن ما كان من البلاد تحت وسط الفلك، مثل مكة، وصنعاء، في يوم واحد، وهو أطول أيام السنة لا ظل، ولا فيء لوقت الزوال، بل يعرف الزوال هناك بأن يظهر للشخص فيء من نحو المشرق، للعلم بأنها قد أخذت مغربة. (فأقل ما) أي: ظل للآدمي (تزول) الشمس عليه (في إقليم الشام، والعراق، وما سامتهما) أي: حاذاهما من البلاد (طولًا: على قدم وثلث) تقريبًا (في نصف حزيران) وذلك مقارب لأطول أيام السنة، وأطولها سابع عشر حزيران (وفي نصف تموز، وأيار، على قدم ونصف وثلث، وفي نصف آب، ونيسان، على ثلاثة) أقدام (وفي نصف آذار) بالذال المعجمة (و)

стр. 640

نصف (أيلول على أربعة ونصف) قدم (وفي نصف سباط) بضم السين المهملة، قاله في حاشيته (و) نصف (تشرين الأول، على ستة) أقدام (وفي نصف كانون الثاني، وتشرين الثاني، على تسعة، وفي نصف كانون الأول، على عشرة أقدام وسدس) قدم، وذلك مقارب لأقصر أيام السنة، وأقصرها سابع عشر كانون الأول. (وتزول) الشمس (على أقل) من ذلك (و) على (أكثر) منه (في غير ذلك) الوقت والإقليم، فإذا أردت معرفة ذلك فقف على مستو من الأرض، وعلِّم الموضع الذي انتهى إليه ظلك، ثم ضع قدمك اليمنى بين يدي قدمك اليسرى، وألصق عقبك بإبهامك، فإذا بلغت مساحة هذا القدر بعد انتهاء النقص فهو وقت زوال الشمس، قاله في "المبدع" وغيره. (وطول الإنسان ستة أقدام وثلثان بقدمه تقريبًا) وقد تنقص في بعض الناس يسيرًا، أو تزيد يسيرًا. (ويمتد وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد) الظل (الذي زالت عليه الشمس، إن كان) ثم ظل زالت عليه، لما تقدم، فتضبط ما زالت عليه الشمس من الظل، ثم تنظر الزيادة عليه، فإذا بلغت قدر الشخص فقد انتهى وقت الظهر. (والأفضل تعجيلها) أي: الظهر. لما روى أبو برزة قال: "كان النَّبيُّ ﷺ يصلي الهجير، التي تدعونها الأولى، حين تدحضُ الشمسُ" (١). وقال جابر: "كان النَّبيُّ ﷺ يصلي الظهرَ بالهاجرةِ" متفق عليهما (٢).

стр. 641

وقالت عائشة: "ما رأيت أحدًا أشد تعجيلًا للظهرِ من رسولِ الله ﷺ ، ولا من أبي بكرٍ، ولا من عمر" (١) حديث حسن. (وتحصل فضيلة التعجيل بالتأهب لها) أو لغيرها مما يسن تعجيلها (إذا دخل الوقت) بأن يشتغل بأسباب الصلاة من حين دخول الوقت، لأنه لا يعد حينئذ متوانيًا ولا مقصرًا. (إلا في شدة حر، فيسن التأخير، ولو صلى وحده حتى ينكسر) الحر، لحديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا اشتدّ الحرُّ فأبردوا بالصلاةِ، فإن شدة الحرِّ من فيحِ جهنمَ" متفق عليه (٢)، وفي لفظ: "أبردوا بالظهرِ" (٣). وفيح جهنم: هو غليانها، وانتشار لهبها ووهجها.

стр. 642

(و) إلا (في غيم لمن يصلي) الظهر (في جماعة) فيؤخرها (إلى قرب وقت الثانية) أي: العصر، لما روى ابن منصور عن إبراهيم قال: "كانوا يؤخرونَ الظهرَ، ويعجلونَ العصرَ، في اليوم المتغيم" (١). ولأنه وقت يخاف فيه العوارض من المطر ونحوه، فيشق الخروج لكل صلاة منهما، فاستحب تأخير الأولى من المجموعتين، ليقرب من الثانية، لكي يخرج لهما خروجًا واحدًا، طلبًا للأسهل المطلوب شرعًا. (في غير صلاة جمعة، فيسن تعجيلها في كل حال بعد الزوال) حرًا كان، أو غيمًا، أو غيرهما، لقول سهل بن سعد: "ما كنا نقيلُ ولا نَتَغَدَّى إلا بعد الجمعةِ" (٢) وقال سلمة بن الأكوع: "كنا نجمعُ مع النَّبيِّ ﷺ ثم نَرْجعُ فنتتبعُ الفيء" (٣) متفق عليهما. (وتأخيرها) أي: الظهر (لمن لم تجب عليه الجمعة إلى بعد صلاتها) أي: الجمعة أفضل من فعلها قبله. (و) تأخير الظهر (لمن يرمي الجمرات) أيام منى (حتى يرميها أفضل) من فعلها قبله (ويأتي) ذلك في صفة الحج موضحًا. (ثم يليه) أي: وقت الظهر (وقت العصر) من غير فصل بينهما، ولا اشتراك، والعصر العشي، قال الجوهري (٤): والعصران: الغداة، والعشي، ومنه سميت العصر، وذكر الأزهري (٥) مثله، تقول: فلان يأتي فلانًا العصرين،

стр. 643

والبردين، إذا كان يأتيه طرفي النهار، فكأنها سميت باسم وقتها. (وهي أربع ركعات) إجماعًا (وهي) الصلاة (الوسطى) قال في "الإنصاف": نص عليه الإمام أحمد، وقطع به الأصحاب، ولا أعلم عنه ولا عنهم فيها خلافًا اهـ. وفي "الصحيحين": "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمسُ" (١) ولمسلم: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" (٢). وعن ابن مسعود، وسمرة قالا: قال النَّبيُّ ﷺ : "الصلاةُ الوسطى صلاةُ العصرِ" (٣) قال الترمذي: حسن صحيح، وقاله أكثر العلماء من الصحابة وغيرهم. والوسطى مؤنث الأوسط، وهو أي: الوسط الخيار. وفي صفة النَّبيِّ ﷺ "أنه من أوسط قومه" (٤) أي: خيارهم، وليست بمعنى متوسطة، لكون الظهر هي الأولى، بل بمعنى الفضلى.

стр. 644

(ووقتها) المختار: (من خروج وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشيء مثليه، سوى ظل الزوال، إن كان) لأن جبريل صلاها بالنَّبيِّ ﷺ حينَ صارَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه في اليوم الأول، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كلِّ شيء مثليْهِ، وقال: الوقت فيما بينَ هذينِ" (١). (وهو) أي: بلوغ ظل الشيء مثليه سوى ظل الزوال (آخر وقتها المختار) في اختيار الخرقي، وأبي بكر، والقاضي، وكثير من أصحابه، وقدمها في "المحرر" و"الفروع"، وقطع به في "المنتهى" وغيره لقوله ﷺ في حديث ابن عباس: "الوقتُ ما بين هَذيْن" (١). (وعنه: إلى اصفرار الشمس، اختاره الموفق، والمجد، وجمع) وصححها في "الشرح" وابن تميم، وجزم بها في "الوجيز". قال في "الفروع": وهي أظهر، لما روى ابن عمرو أن النَّبيَّ ﷺ قال: "وقتُ العصرِ ما لم تصفَرَّ الشمسُ" رواه مسلم (٢). (وما بعد ذلك وقت ضرورة إلى غروبها) فتقع الصلاة فيه أداء، ويأثم فاعلها بالتأخير إليه لغير عذر. (وتعجيلها أفضل بكل حال) في الحر والغيم وغيرهما، للأحاديث. (ويسن جلوسه بعدها) أي: العصر (في مصلاه أبى غروب الشمس، وبعد فجر إلى طلوعها) لحديث مسلم "أنه ﷺ كان يقعدُ في مُصَلَّاهُ بعد صلاةِ الفجر حتى تطلع الشمس" (٣).

стр. 645

(ولا يستحب ذلك في بقية الصلوات) نص عليه، ذكره ابن تميم، واقتصر عليه في "المبدع" وغيره. (ثم يليه) أي: يلي وقت الضرورة للعصر (وقت المغرب) وهو في الأصل: مصدر غربت الشمس - بفتح الراء وضمها - غروبًا ومغربًا، ويطلق في اللغة على وقت الغروب، ومكانه، فسميت هذه الصلاة باسم وقتها، كما تقدم. (وهي وتر النهار) لاتصالها به، فكأنها فعلت فيه، وليس المراد: الوتر المشهور، بل إنها ثلاث ركعات. (ولا يكره تسميتها بالعشاء) قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب (و) تسميتها (بالمغرب أولى) قال المجد وغيره: الأفضل تسميتها بالمغرب. (وهي ثلاث ركعات) إجماعًا، حضرًا وسفرًا. (ولها وقتان) (١) قال في "الإنصاف": على الصحيح من المذهب، وعليه

стр. 646

جماهير الأصحاب (وقت اختيار، وهو إلى ظهور النجوم (١)) قال في "النصيحة" للآجري: من أخر حتى يبدو النجم، أخطأ (وما بعده) أي: بعد ظهور النجم إلى آخر وقتها (وقت كراهة) على ما تقدم. وقال في "المبدع": قد استفيد من كلامهم أن من الصلوات ما ليس له إلا وقت واحد، كالظهر والمغرب والفجر على المختار، وما له ثلاثة، كالعصر والعشاء، وقت فضيلة، وجواز، وضرورة، وفي كلام بعضهم: أن لها وقت تحريم أي: يحرم التأخير إليه، ومعناه: أن يبقى ما لا يسع الصلاة اهـ. وكلامه لا ينافي ما تقدم عن "الإنصاف". لأن قوله: للمغرب وقتان؛ أي: وقت فضيلة وجواز، ومراد صاحب "المبدع": أن لها وقتًا واحدًا: نفي وقت الضرورة فقط. (وتعجيلها) أي: المغرب (أفضل) قال في "المبدع": إجماعًا لما روى جابر أن النَّبيَّ ﷺ "كان يصلي المغربَ إذا وجبتْ" (٢). وعن رافع بن خديج قال: "كنا نصلي المغربَ مع النَّبيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أحدُنا وإنه ليبصرُ مواقعَ نبلِهِ" (٣) متفق عليهما. ولما فيه من الخروج من الخلاف. (إلا ليلة المزدلفة، وهي ليلة النحر لمن قصدها) أي: مؤلفة (محرمًا، فيسن له تأخيرها) أي: المغرب (ليصليها مع العشاء) جمع تأخير،

стр. 647

إن جاز له، لفعله ﷺ (١) (إن لم يوافها) أي: مزدلفه (وقت الغروب) فإن حصل بها وقته لم يؤخرها، بل يصليها في وقتها، لأنه لا عذر له. (و) إلا (في غيم لمن يصلي جماعة) فيسن تأخيرها إلى قرب العشاء، ليخرج لهما مرة واحدة، طلبًا للأسهل، كما تقدم في الظهر. (و) إلا (في الجمع إن كان) التأخير (أرفق) به طلبًا للسهولة (ويأتي) في الجمع. (ويمتد وقتها) أي: المغرب (إلى مغيب الشفق الأحمر) لأنه ﷺ "صلى المغربَ حين غابتْ الشمسُ، ثم صلى المغربَ في اليوم الثاني حين غاب الشفق" (٢). وعن عبد الله بن عمرو عن النَّبيِّ ﷺ قال: "وقتُ المغربِ ما لم يغيب الشفقُ" (٣) رواهما مسلم. وهذا بالمدينة، وحديث جبريل كان أول فرض الصلاة بمكة؛ فيكون منسوخًا على تقدير التعارض، أو محمولًا على التأكد والاستحباب. وقيد الشفق بالأحمر؛ لقول ابن عمر: "الشفق الحمرة" (٤).

стр. 648

وقد قال الخليل بن أحمد وغيره (١): البياض لا يغيب إلا عند طلوع الفجر. (ثم يليه) أي: وقت المغرب (العشاء) بكسر العين والمد: اسم لأول الظلام، سميت الصلاة بذلك لأنها تفعل فيه، ويقال لها عشاء الآخرة (٢)، وأنكره الأصمعي، وغلطوه في إنكاره (٣). (وهي أربع ركعات) إجماعًا. (ولا يكره تسميتها بالعتمة) لقول عائشة: "كانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيبَ الشفقُ إلى ثلثِ الليلِ" رواه البخاري (٤). والعتمة في اللغة: شدة الظلمة. والأفضل أن تسمى العشاء، قاله في "المبدع". (ويكره النوم قبلها، ولو كان له من يوقظه، والحديث بعدها) لحديث أبي برزة الأسلمي أن النَّبيَّ ﷺ "كان يستحبُّ أن يؤخرَ العشاءَ التي تدعونهَا العتمة، وكان يكرهُ النومَ قبلها والحديثَ بعدها" متفق عليه (٥). وعلله القرطبي (٦): بأن الله تعالى جعل الليل سكنًا، وهذا يخرجه عن ذلك. (إلا) الحديث (في أمر المسلمين، أو شغل، أو شيء يسير، أو مع

стр. 649

أهل، أو ضيف) فلا يكره؛ لأنه خير ناجز، فلا يترك لمفسدة متوهمة. (و آخر وقتها المختار: إلى ثلث الليل) الأول، نص عليه (١). واختاره الأكثر؛ لأن جبريل "صلاها بالنَّبيِّ ﷺ في اليومِ الأولِ حين غابَ الشفقُ، وفي اليوم الثاني حين كان ثلثُ الليل الأول، ثم قال: الوقت فيما بين هذين" رواه مسلم (٢). وتقدم حديث عائشة (٣). (وعنه): يمتد وقت العشاء المختار إلى (نصفه) أي: الليل (اختاره الموفق، والمجد، وجمع) منهم القاضي وابن عقيل، وقدمه ابن تميم. قال في "الفروع": وهو أظهر لما روى أنس أن النَّبيَّ ﷺ "أخرها إلى نصفِ الليلِ، ثم صلى، ثم قال: ألا صلى الناس ونامُوا، أما إنكم في صلاةٍ ما انتظرْتموها" متفق عليه (٤). وعن ابن عمر مرفوعًا قال: "وقت العشاءِ إلى نصفِ الليلِ" رواه مسلم (٥).

стр. 650

(ثم وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني) لقوله ﷺ : "ليس في النوم تفريطٌ إنما التفريطُ في اليقظةِ: أن يؤخر صلاةً إلى أن يدخل وقتُ صلاةٍ أخرى" رواه مسلم (١) من حديث أبي قتادة. ولأنه وقت للوتر، وهو من توابع العشاء، فاقتضى أن يكون وقتًا لها؛ لأن التابع إنما يفعل في وقت المتبوع، كركعتي الفجر (٢). (وهو) أي: الفجر الثاني: (البياض المعترض في المشرق، ولا ظلمة بعده) ويقال له: الفجر الصادق، والفجر الأول يقال له: الفجر الكاذب، وهو مستطيل بلا اعتراض، أزرق له شعاع، ثم يظلم، ولدقته يسمى: ذنب السرحان، أي: الذئب، قال محمد بن حسنويه (٣): سمعت أبا عبد الله يقول: الفجر يطلع بليل، ولكن تستره أشجار جنات عدن. (وتأخيرها) أي: العشاء (إلي آخر وقتها المختار أفضل) لقول النَّبيِّ ﷺ : "لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتُهم أن يؤخِّرُوا العِشَاءَ إلى ثلثِ الليلِ، أو نصفهِ" رواه الترمذي (٤) وصححه.

стр. 651

(ما لم يشق) التأخير (على المأمومين، أو) على (بعضهم) فإنه يكره، نص عليه في رواية الأثرم، لأنه ﷺ "كان يأمرُ بالتخفيف رفقًا بهم" (١) قاله في "المبدع". (أو يؤخر مغربًا لغيم، أو جمع، فتعجيل العشاء فيهن أفضل) من تأخيرها. (ولا يجوز تأخير الصلاة) التي لها وقت اختيار، ووقت ضرورة (أو) تأخير (بعضها إلى وقت الضرورة ما لم يكن عذر) قال في "المبدع": ذكره الأكثر. (وتقدم) في كتاب الصلاة. (وتأخير عادم الماء العالم) وجوده (أو الراجي وجوده) أو المستوي عنده الأمران (إلى آخر الوقت الاختياري) إن كان للصلاة وقتان (أو إلى آخر الوقت، إن لم يكن لها وقت ضرورة أفضل في) الصلوات (الكل، وتقدم في التيمم) موضحًا. (وتأخير) الكل (لمصلي كسوف أفضل، إن أمن فوتها) لتحصيل فضيلة الصلاتين.

стр. 652

(و) التأخير أيضًا أفضل (لمعذور كحاقن، وتائق ونحوه) حتى يزيل ذلك، ليأتي بالصلاة على أكمل الأحوال (وتقدم إذا ظن مانعًا من الصلاة) كحيض (ونحوه) كموت، وقتل، في كتاب الصلاة. (ولو أمره والده بتأخيرها) أي: الصلاة (ليصلي به أخر، نصًا) إلى أن يبقى من الوقت الجائز فعلها فيه بقدر ما يسعها. قال في "شرح المنتهى": وظاهره أن هذا التأخير يكون وجوبًا (فـ) يؤخذ من نص الإمام (لا تكره إمامة ابن بأبيه) لأن الكراهة تنافي ما طلب فعله شرعًا. (ويجب التأخير) إلى أن يضيق الوقت على من لا يحسن الفاتحة، أو واجب الذكر (لتعلم الفاتحةِ وذكرٍ واجبٍ في الصلاة) حيث أمكنه التعلم، ليأتي بالصلاة تامة، من غير محذور بالتأخير. (ثم يليه) أي: وقت الضرورة للعشاء (وقت الفجر) سمي به لانفجار الصبح، وهو ضوء النهار إذا انشق عنه الليل، وقال الجوهري (١): هو في آخر الليل كالشفق في أوله، تقول: قد أفجرنا، كما تقول: قد أصبحنا، من الصبح - مثلث الصاد - حكاه ابن مالك (٢)، وهو ما جمع بياضًا وحمرة، والعرب تقول: وجه صبيح، لما فيه من بياض وحمرة. (وهي ركعتان) إجماعًا، حضرًا، وسفرًا (وتسمى الصبح) وتقدم ما فيه. (ولا يكره تسميتها بالغداة) قال في "المبدع": في الأصح، وهي من صلاة النهار، نص عليه (ويمتد وقتها إلى طلوع الشمس) لما روى ابن عمرو أن النَّبيَّ ﷺ قال: "وقتُ الفجرِ ما لم تطلع الشمسُ" رواه مسلم (٣).

стр. 653

(وليس لها وقت ضرورة) وقال القاضي، وابن عقيل، وابن عبدوس: يذهب وقت الاختيار بالإسفار، ويبقى وقت الإدراك إلى طلوع الشمس. (وتعجيلها) أول الوقت (أفضل) لقول عائشة: "كن نساء المؤمنات يشهدنَ مع النَّبيِّ ﷺ صلاةَ الفجرِ متلفعاتٍ بمروطهنَّ، ثم ينقلبنَ إلى بيوتهنَّ حين يقضينَ الصلاةَ، ما يعرفهنَّ أحدٌ من الغلس" متفق عليه (١). وعن أبي مسعود الأنصاري أن النَّبيَّ ﷺ "غلس بالصبحِ ثم أسفرَ ثم لم يعد إلى الإسفارِ حتى مات" رواه أبو داود، وابن خزيمة في "صحيحه" (٢).

стр. 654

قال الحازمي (١): إسناده ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة. قال ابن عبد البر (٢): صح عن النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ أنهمْ كانوا يُغَلِّسُونَ، ومحال أن يتركوا الأفضل، وهم النهاية في إتيان الفضائل. وحديث: "أسفرُوا بالفجرِ فإنه أعظمُ للأجرِ" رواه أحمد (٣)، وغيره. وحكى (٤) الترمذي عن الشافعي، وأحمد، وإسحاق: أن معنى الإسفار أن يضيء (٥) الفجر، فلا يشك فيه. قال الجوهري (٦): أسفر الصبح، أي:

стр. 655

أضاء، يقال: أسفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته وأظهرته. (و يكره تأخيرها بعد الإسفار بلا عذر) قاله في "الرعاية الصغرى"، وفرعه في "المبدع" على قول القاضي ومن تابعه، ومقتضى كلام الأكثر: لا كراهة. (ويكره الحديث بعدها) أي: صلاة الفجر (في أمر الدنيا حتى تطلع الشمس) ويأتي له تتمة في صلاة التطوع. ووقت المغرب في الطول والقصر يتبع النهار، فيكون الصيف أطول، ووقت الفجر يتبع الليل، فيكون في الشتاء أطول؛ لأن النورين تابعان للشمس (١)، هذا يتقدمها، وهذا يتأخر عنها، فإن (٢) كان الشتاء طال زمن مغيبها، فيطول زمن الصوم التابع لها، وإذا كان الصيف طال زمن ظهورها، فيطول زمن النور التابع لها. قال الشيخ تقي الدين (٣): ومن زعم أن وقت العشاء بقدر حصة الفجر في الشتاء والصيف، فقد غلط غلطًا بينًا باتفاق الناس. (ومن أيام الدجال، ثلاثة أيام طوال، يوم كسنة، فيصلى فيه صلاة سنة). قلت: وكذا الصوم، والزكاة والحج. (ويوم كشهر، فيصلى فيه صلاة شهر، ويوم كجمعة، فيصلى فيه صلاة جمعة) فيقدر للصلاة في تلك الأيام بقدر ما كان في الأيام المعتادة، لا أنه للظهر مثلًا بالزوال وانتصاف النهار، ولا للعصر بمصير ظل الشيء مثله، بل يقدر الوقت بزمن يساوي الزمن الذي كان في الأيام المعتادة.

стр. 656

قال ابن قندس: أشار إلى ذلك، يعني الشيخ تقي الدين في "الفتاوى المصرية". والليلة في ذلك كاليوم، فإذا كان الطول يحصل في الليل كان للصلاة في الليل ما يكون لها في النهار.

стр. 657

فصل فيما يدرك به أداء الصلاة، وحكم ما إذا جهل الوقت (تدرك مكتوبة أداء كلها بتكبيرة إحرام في وقتها) أي: وقت تلك المكتوبة، سواء أخرها لعذر، كحائض تطهر، ومجنون يفيق، أو لغيره، لحديث عائشة أن النَّبيَّ ﷺ قال: "من أدرك سجدةً من العصر قبل أن تغرُبَ الشمسُ، أو من الصبحِ قبلَ أن تطلعَ الشمسُ فقد أدركها" رواه مسلم (١)، وللبخاري (٢): "فليتم صلاته" وكإدراك المسافر صلاة المقيم (٣)، وكإدراك الجماعة. (ولو) كانت المكتوبة (جمعة) وأدرك منها تكبيرة الإحرام في وقتها، فقد أدركها أداء، كباقي المكتوبات (ويأتي) ذلك في الجمعة. (ولو كان) الوقت الذي أدرك فيه تكبيرة الإحرام (آخر وقت ثانية في جمع) وكبر فيه للإحرام فتكون التي أحرم بها أداء، كما لو لم يجمع. (فتنعقد) الصلاة التي أدرك تحريمتها في وقتها (ويبني عليها) أي: على التحريمة. (و لا تبطل) الصلاة (بخروج الوقت وهو فيها، ولو) كان (أخرها عمدًا)

стр. 658

لعموم ما سبق (قال المسجد: معنى قولهم: تدرك بتكبيرة، بناء (١) ما خرج منها عن وقتها على تحريمة الأداء في الوقت، وأنها لا تبطل، بل تقع الموقع في الصحة والإجزاء) وتبعه في مجمع البحرين وابن عبيدان، قال في الفروع: وظاهر كلامه في المغني، أنها مسألة القضاء والأداء الآتية بعد ذلك. (و من شك في دخول الوقت لم يصل) حتى يغلب على ظنه دخوله؛ لأن الأصل عدم دخوله؛ (فإن صلى) مع الشك (فعليه الإعادة، وإن وافق الوقت) لعدم صحة صلاته، كما لو صلى من اشتبهت عليه القبلة من غير اجتهاد. قال ابن حمدان: من أحرم بفرض مع ما ينافيه (٢) لا مع ما ينافي الصلاة عمدًا (٣)، أو جهلًا، أو سهوًا فسد فرضه، ونفله محتمل وجهين انتهى. قلت: يأتي أنه يصح نفلًا إذا لم يكن عالمًا. (فإن غلب على ظنه دخوله) أي: الوقت (بدليل من اجتهاد أو تقليد) عارف (أو تقدير الزمان بقراءة، أو صنعة) كمن جرت عادته بقراءة شيء إلى وقت الصلاة، أو بعمل شيء مقدر من صنعته إلى وقت الصلاة (صلى) أي: جاز له أن يصلي (إن لم يمكنه اليقين بمشاهدة) الزوال ونحوه (أو إخبار عن يقين) لأنه أمر اجتهادي، فاكتفي فيه بغلبة الظن كغيره، ولأن الصحابة كانوا يبنون أمر الفطر على غلبة الظن. (والأولى: تأخيرها قليلًا احتياطًا) حتى يتيقن دخول الوقت، ويزول الشك (إلا أن يخشى خروج الوقت، أو تكون صلاة العصر في يوم غيم، فيستحب التبكير) لحديث بريدة قال: "كنا مع النَّبيِّ ﷺ في غزوة فقال: بكروا

стр. 659

بصلاة العصر في اليوم الغيم؛ فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله" رواه البخاري (١). قال الموفق: ومعناه - والله أعلم - التبكير بها إذا حل فعلها بيقين أو غلبة ظن، وذلك لأن وقتها المختار في زمن الشتاء ضيق، فيخشى خروجه. وقال في "الإنصاف": فعلى المذهب يستحب التأخير، حتى يتيقن دخول الوقت، قاله ابن تميم، وغيره. (والأعمى ونحوه) كالمطمور (يقلد) العارف في دخول الوقت. وفي "الجامع" للقاضي: والأعمى يستدل على دخول وقت الصلاة، كما يستدل البصير في يوم الغيم، لأنه يساويه في الدلالة، وهو مرور الزمان، وقراءة القرآن، والرجوع إلى الصنائع الراتبة، فإذا غلب على ظنه دخول الوقت جاز له أن يصلي، والاحتياط التأخير، كما تقدم في البصير، ويفارق التوجه إلى القبلة، حيث قالوا: لا يجتهد له، لأنه ليس معه الآلة التي يدركها بها، وهي حاسة البصر، وليس كذلك دخول الوقت، لأنه يستدل عليه بمضي المدة، ومعناه في "المبدع".

стр. 660

(فإن عدم) الأعمى، ونحوه (من يقلده، وصلى، أعاد، ولو تيقن أنه أصاب) كمن اشتبهت عليه القبلة، فصلى بغير اجتهاد، قال في "المنتهى" و"شرحه": ويعيد أعمى عاجز عن معرفة وقت تلك الصلاة انتهى، فعلم منه: أن من قدر على الاستدلال - كما تقدم (١) - لا إعادة عليه. (فإن أخبره) أي: الجاهل بالوقت - أعمى كان أو غيره - (مخبر) عارف بدخول الوقت (عن يقين (٢) قبل قوله) وجوبًا (إن كان ثقة) لأنه خبر ديني، فقبل فيه قول الواحد، كالرواية. (أو سمع أذان ثقة) يعني أنه يلزم العمل بأذان ثقة عارف؛ لأن الأذان شرع للإعلام بدخول وقت الصلاة، فلو لم يجز تقليد المؤذن، لم تحصل الحكمة التي شرع الأذان لها، ولم يزل الناس يجتمعون للصلاة في مساجدهم، فإذا سمعوا الأذان، قاموا إلى الصلاة، وبنوا على قول المؤذن من غير مشاهدة للوقت، ولا اجتهاد فيه، من غير نكير، فكان إجماعًا. (و إن كان) الإخبار بدخول الوقت (عن اجتهاد، لم يقبله) لأنه يقدر على الصلاة باجتهاد تفسه، وتحصيل مثل ظنه، أشبه حالة اشتباه القبلة، زاد ابن تميم وغيره: (إذا لم يتعذر عليه الاجتهاد، فإن تعذر) عليه الاجتهاد (عمل بقوله) أي: قول المخبر عن اجتهاد. (ومنه): أي: من الإخبار بدخول الوقت عن اجتهاد (الأذان في غيم، إن كان عن اجتهاد) فلا يقبله، إذا لم يتعذر عليه الاجتهاد (فيجتهد هو) أي: مريد الصلاة، إن قدر على الاجتهاد، لقدرته على العمل باجتهاد نفسه.

стр. 661

(وإن كان المؤذن يعرف الوقت بالساعات) وهو العالم بالتسيير، والساعات، والدقائق، والزوال، (أو) كان يؤذن بـ (ــتقليد عارف) بالساعات. (عمل بأذانه) إذا كان ثقة في الغيم وغيره. (و متى اجتهد) من اشتبه عليه الوقت (وصلى، فبان أنه وافق الوقت أو ما بعده، أجزأه) ذلك، فلا إعادة عليه؛ لأنه أدى ما خوطب به وفرض عليه (وإن وافق) ما (قبله) أي: الوقت (لم يجزئه عن فرضه) لأن المكلف إنما يخاطب بالصلاة عند دخول وقتها، ولم يوجد بعد ذلك ما يزيله، ولا ما يبرئ الذمة منه، فبقي بحاله (وكانت) صلاته (نفلًا، ويأتي) في باب النية (وعليه الإعادة) أي: فعل الصلاة إذا دخل وقتها. (و من أدرك من أول وقت) مكتوبة (قدر تكبيرة، ثم طرأ) عليه (مانع من جنون، أو حيض، ونحوه) كنفاس (ثم زال المانع بعد خروج وقتها، لزمه قضاء) الصلاة (التي أدرك) التكبيرة (من وقتها فقط) لأن الصلاة تجب بدخول أول الوقت على مكلف، لم يقم به مانع، وجوبًا مستقرًا، فإذا قام به مانع بعد ذلك لم يسقطها، فيجب قضاؤها عند زوال المانع. ولا يلزمه غير التي دخل وقتها قبل طروء المانع؛ لأنه لم يدرك جزءًا من وقتها، ولا من وقت تبعها، فلم تجب، كما لو لم يدرك من وقت الأولى شيئًا. وفارق مدرك وقت الثانية، فإنه أدرك وقتًا يتبع الأولى، فإن الأولى تفعل في وقت الثانية متبوعة مقصودة يجب تقديمها والبداءة فيها بخلاف الثانية مع الأولى؛ فلا يصح قياس الثانية على الأولى. والأصل: أنه لا تجب صلاة إلا بإدراك وقتها. (وإن بقي قدرها) أي: قدر التكبيرة (من آخره) أي: آخر الوقت (ثم زال المانع) من حيض، أو جنون، ونحوه (ووجد المقتضي) للوجوب (ببلوغ صبي، أو إفاقة مجنون، أو إسلام كافر، أو طهر حائض)، أو نفساء

стр. 662

(وجب قضاؤها وقضاء ما تجمع إليها قبلها، فإن كان) زوال المانع، أو طروء التكليف (قبل طلوع الشمس، لزمه قضاء الصبح) فقط؛ لأن التي قبلها لا تجمع إليها (وإن كان قبل غروبها، لزم قضاء الظهر والعصر، وإن كان قبل طلوع الفجر، لزم قضاء المغرب والعشاء) لما روى الأثرم، وابن المنذر، وغيرهما عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس أنهما قالا في الحائض - تطهر قبل طلوع الفجر بركعة -: "تصلي المغربَ والعشاءَ، فإذا طهرت في غروب الشمس، صلت الظهر والعصرَ جميعًا" (١). ولأن وقت الثانية وقت للأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه قضاء فرضها، كما يلزمه فرض الثانية، وإنما تعلق الوجوب بقدر تكبيرة؛ لأنه إدراك فاستوى فيه القليل والكثير، كإدراك المسافر صلاة المقيم. وإنما اعتبرت الركعة في الجمعة للمسبوق؛ لأن الجماعة شرط لصحتها، فاعتبر إدراك الركعة، لئلا يفوته الشرط في معظمها.

стр. 663

فصل في قضاء الفوائت وما يتعلق به (ومن فاتته صلاة مفروضة فأكثر) من صلاة (لزمه قضاؤها) لحديث: "من نام عن صلاةٍ أو نسيَها فليصلِّها إذا ذكرها" متفق عليه (١). (مرتبًا) نص عليه في مواضع؛ لأنه ﷺ عام الأحزاب صلى المغربَ فلما فرغَ قال: هل علمَ أحدٌ منكمْ أني صليتُ العصرَ؟ قالوا: يا رسول الله ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصرَ، ثم أعاد المغرب" رواه أحمد (٢). وقد قال ﷺ : "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" (٣) وقد رأوه قضى الصلاتين مرتبًا، كما رأوه يقرأ قبل أن يركع، ويركع قبل أن يسجد، ولوجوب الترتيب بين المجموعتين، ولأن القضاء يحكي الأداء.

стр. 664

(على الفور) لما تقدم من قوله ﷺ : "فليصلِّها إذا ذكرها" فأمر بالصلاة عند الذكر، والأمر للوجوب. (إلا إذا حضر) من عليه فائتة (لصلاة عيد) فيؤخر الفائتة حتى ينصرف من مصلاه لئلا يقتدى به، (ما لم يتضرر في بدنه، أو ماله، أو معيشة يحتاجها) فيسقط عنه الفور، ويقضيها بحيث لا يتضرر لحديث: "لا ضرر ولا ضرار" (١).

стр. 665

وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١). (ويجوز التأخير) أي: تأخير الفائتة (لغرض صحيح كانتظار رفقة، أو جماعة للصلاة) لفعله ﷺ بأصحابه لما فاتتهم صلاة الصبح وتحولوا من مكانهم، ثم صلى بهم الصبح، متفق عليه (٢) من حديث أبي هريرة - والظاهر أن منهم من فرغ من الوضوء قبل غيره. (ولا يصح نفل مطلق) ممن عليه فائتة (إذن) أي: في الوقت الذي أبيح

стр. 666

له فيه تأخير الفائتة، لكونه حضر لصلاة عيد، أو ينضرّ (١) في بدنه، أو نحوه، أو أخرها لغرض صحيح (لتحريمه) أي: النفل المطلق إذن (كأوقات النهي) لتعين الوقت للفائتة، وكما لو ضاق وقت الحاضرة، ومفهومه أنه يصح النفل المقيد، كالرواتب والوتر؛ لأنها تتبع الفرائض، فلها شبه بها. (وإن قلت الفوائت قضى سننها) الرواتب (معها) لأن النبي ﷺ لما فاتتْه الفجرُ صلى سنَّتَها قبلها (٢). (وإن كثرت) الفوائت (فالأولى تركها) أي: السنن؛ لأن النَّبيَّ ﷺ لما قضى الصلوات الفائتة يوم الخندق (٣) لم ينقل أنه صلى بينها سنة، ولأن الفرض أهم، فالاشتغال به أولى، قاله في "الشرح". (إلا سنة الفجر) فيقضيها، ولو كثرت الفوائت، لتأكدها وحث الشارع عليها.

стр. 667

(ويخير في الوتر) إذا فات مع الفرض وكثر، وإلا قضاه استحبابًا. (ولا تسقط الفائتة بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة): المسجد الحرام، ومسجده ﷺ ، والمسجد الأقصى، فإذا صلى في أحد تلك المساجد وعليه فائتة لم تسقط بالمضاعفة. (ولا) تسقط الفائتة بـ (ــغير ذلك) المذكور، سوى قضائها، لحديث مسلم: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (١) والجملة مُعرَّفة الطرفين فتفيد الحصر. (فإن خشي فوات الحاضرة، أو) خشي (خروج وقت الاختيار سقط وجوبه) أي: ما ذكر من الفور، والترتيب (٢) (إذا بقي من الوقت قدر فعلها، ثم يقضي) الفائتة؛ لأن الحاضرة آكد، بدليل أنه يقتل بتركها، بخلاف الفائتة، ولئلا تصير الحاضرة فائتة. (وتصح البداءة بغير الحاضرة مع ضيق الوقت) ويأثم.

стр. 668

و (لا) تصح (نافلة ولو راتبة) مع ضيق الوقت (فلا تنعقد) لتحريمها، كوقت النهي، لتعين الوقت للفرض. وهكذا إذا استيقظ، وشك في طلوع الشمس، بدأ بالفريضة، نص عليه، لأن الأصل بقاء الوقت. (و إن نسي الترتيب بين الفوائت حال قضائها) بأن كان عليه ظهر وعصر مثلًا، فنسي الظهر حتى فرغ من العصر (أو) نسي الترتيب (بين حاضرة وفائتة حتى فرغ) من الحاضرة (سقط وجوبه) أي: الترتيب، لقوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" رواه النسائي (١).

стр. 669

وما تقدم في حديث إعادته ﷺ صلاة المغرب عام الأحزاب (١): محمول على أنه ذكر صلاة العصر في أثنائها، بدليل أنه سأل عقب سلامه، كما تدل عليه الفاء، وجمعًا بين الأخبار. (و لا يسقط) الترتيب (بجهل وجوبه) لقدرته على التعلم، فلا يعذر بالجهل لتقصيره، بخلاف النسيان (فلو صلى الظهر ثم الفجر جاهلًا) وجوب الترتيب (ثم صلى العصر في وقتها، صحت عصره) مع عدم صحة ظهره (لاعتقاده) حال صلاة العصر (أن لا صلاة عليه، كمن صلاها) أي: العصر (ثم تبين أنه صلى الظهر بلا وضوء) أو أنه كان ترك منها ركنًا أو شرطًا آخر، لأنه في معنى الناسي.

стр. 670

(ولا يسقط) الترتيب (بخشية فوت الجماعة) بل يصلي الفائتة ثم الحاضرة، ولو وحده، ويسقط وجوب الجماعة للعذر. (وعنه: يسقط) الترتيب بخشية فوت الجماعة (اختاره جماعة، لكن عليه فعل الجمعة) إن خشي فوتها لو اشتغل بالفائتة (وإن قلنا بعدم السقوط) أي: سقوط الترتيب بخشية فوت الجمعة (ثم يقضيها ظهرًا) على القول بعدم السقوط، قال في "المبدع": وظاهره لا فرق بين الحاضرة أن تكون جمعة أو غيرها، فإن خوف فوت الجمعة كضيق الوقت في سقوط الترتيب، نص عليه، فيصلي الجمعة قبل القضاء، وعنه: لا يسقط، قال جماعة: لكن عليه فعل الجمعة في الأصح، ثم يقضيها ظهرًا اهـ وقال في "المنتهى" في باب الجمعة: وتترك فجر فائتة لخوف فوت الجمعة. (و يسن أن يصلي الفائتة جماعة إن أمكن) ذلك، لفعله ﷺ كما تقدم (١). (و إن ذكر فائتة، وهو في حاضرة، أتمها غير الإمام نفلًا، إما ركعتين، وإما أربعًا، ما لم يضق الوقت) عن فعل الفائتة ثم الحاضرة بعد إتمام ما شرع فيها؛ لقوله ﷺ : "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته، فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام" رواه أبو يعلى الموصلي (٢) بإسناد حسن، قاله في "الشرح".
следующие страницы →