أشهر (ولم يُقِرّ المشتري للبائع به) فلا يلحقه نسبه؛ لأنه ولد أمة المشتري، فلا تُقبل دعوى غيره له، إلا بإقرار من المشتري.
(وإن ادعاه) أي: ادعى البائعُ الولدَ أنه منه (بعد ذلك) أي: بعد أن ولدته لستة أشهر (وصدَّقه المشتري؛ لَحِقه) أي: البائعَ (نسبُه، وبَطَلَ البيع) لأنها أم ولد (فإن لم يكن البائع أقرَّ بوطئها قبل بيعها؛ لم يلحقه الولد بحال، سواء ولدته لستة أشهر، أو لأقل) منها؛ لأنه يحتمل أن يكون من غيره.
(وإن اتفقا) أي: البائع والمشتري (على أنه ولدُ البائعِ؛ فهو ولده) لأن الحق لهما، يثبت باتفاقهما (وبَطَلَ البيع) لأنها أمُّ ولدٍ.
(وإن ادعاه البائع) أنه ولده (ولم يصدقه المشتري؛ فهو عبدٌ للمشتري) ولا يُقبل قول البائع في الإيلاد؛ لأن الملك انتقل إلى المشتري في الظاهر، فلا يُقبل قول البائع فيما يبطل حقه (كما لو باع عبدًا، ثم أقر أنه كان أعتقه. والقول قول المشتري مع يمينه) لاحتمال صدق البائع. وهل يلحق البائع نسبه مع كونه عبدًا للمشتري؛ لأنه يجوز أن يكون ابنًا لأحدهما، مملوكًا للآخر، أو لا؛ لأن فيه ضررًا على المشتري، فإنه لو أعتقه كان أبوه أحق بميراثه؟ وجهان.
(ويُلْحَق الولدُ بوطء الشبهة) وتقدم (١).
(و) يلحق (في كل نكاح فاسد فيه شُبهة) كالنكاح المختلف في صحته، فيكون (كنكاحٍ صحيح) في لحوق النسب؛ حيث أتت به لستة أشهر منذ أمكن اجتماعه بها.
و (لا) يكون (كملك) الـ (ــيمين) بحيث يتوقف لحوق النسب فيه
стр. 6022
على الإقرار بالوطء.
(و لا أثر لشبهه) أي: شبهه (١) كما في "المنتهى" بأن أشبه ولدُ زوجته أو سُرِّيَّته رجلًا غير زوجها أو سيِّدها (مع فراش) لحديث: "الولد للفراشِ" (٢).
(و إن وطئ المجنون من لا ملك له عليها، ولا شُبهة ملك؛ لم يلحقه نسبه) لأنه لا يستند إلى مِلك، ولا اعتقاد إباحة، وعليه مهر المثل إن أكرهها على الوطء؛ لأن الضمان يستوي فيه المكلف وغيره.
وتبعية نسبٍ لأبٍ (٣) إجماعًا (٤)؛ ما لم ينتفِ؛ كابن ملاعنة.
وتبعية ملك أو حرية لأم، إلا مع شرط أو غرور.
وتبعية دِين لخيرهما.
وتبعية نجاسة وحُرمة أكلٍ لأخبثهما.
стр. 6023
كتاب العدد
(واحدها عِدَّة) بكسر العين فيهما، قال ابن فارس والجوهري (١): عِدَّة المرأة: أيام أقرائها، والمرأة معتدة.
(وهي) أي: العِدَّة شرعًا (التربُّصُ المحدودُ شرعًا) يعني: مدّة معلومة تتربَّصُ فيها المرأة، لتعرف براءة رَحِمِها، وذلك يحصُل بوضع حَمْلٍ، أو مُضِيِّ أقراء، أو أشهر، على ما يأتي تفصيله.
والأصل فيها: الإجماع (٢)، ودليله: الكتاب والسُّنة، ويأتي مفصَّلًا في مواضعه.
والمعنى يشهد له؛ لأن رَحِمَ المرأة رُبَّما كان مشغولًا بماء شخص، وتمييز الإنسان مطلوب في نظر الشارع، والعِدَّة طريق إليه.
و العِدَّة أربعة أقسام: معنىً محض، وتعبُّد محض، ويجتمع الأمران والمعنى أغلب، ويجتمع الأمران والتعبد أغلب.
فالأول: عِدَّة الحامل.
والثاني: عِدَّة المتوفى عنها زوجها التي لم يدخل بها.
والثالث: عِدَّة الموطوءة التي يمكن حَبَلها ممن يولد لمثله، سواء كانت ذات أقراء أو أشهر، فإن معنى براءة الرحم أغلب من التعبد بالعَددِ المعتبر لغلبة ظَنِّ البراءة.
والرابع: كما في عِدَّة الوفاة للمدخول بها التي يمكن حَمْلها، وتمضي أقراؤها في أثناء الشهور، فإن العَدد الخاص أغلب من براءة
стр. 6024
الرَّحِم بمُضِيّ تلك الأقراء.
(كلُّ امرأة فارقها زوجُها في حياته قبل المَسيس والخلوة، فلا عِدَّة عليها) إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ. . .﴾ الآية (١)؛ ولأن العِدّة إنما وجبت في الأصل لبراءة الرَّحِم. والمَسيس: اللمسُ باليد، ثم استُعير للجماع؛ لأنه مستلزم له.
(وإن خلا) الزوج (بها وهي مطاوِعَةٌ، ولو لم يَمَسَّها) مع علمه بها (ولو) كانت الخلوة (في نكاحٍ فاسد، فعليها العِدَّة، سواء كان بهما) أي: الزوجين مانع (أو) كان (بأحدهما مانع من الوطء) حِسّيّ أو شرعيٌّ (كإحرام، وصيام، وحيض، ونِفاس، ومرض، وجَبٍّ، وعُنَّة، ورَتْق، وظِهار، وإيلاء، واعتكاف، أو لم يكن) مانع؛ لما روى أحمد، والأثرم، عن زُرارة بن أبي أوفى (٢)، قال: قضى الخلفاء الراشدون أن من أغلق بابًا، أو أرخى سِتْرًا، فقد وجب المهر، ووجبت العِدَّة (٣). ورُوي أيضًا عن ابن عمر (٤)، وزيد بن ثابت (٥)، وهذه قضايا اشتهرت ولم تُنكر، فكانت كالإجماع. وضعّف أحمد ما رُوي خلافه (٦)؛ ولأنه عقدٌ على
стр. 6025
المنافع، فالتمكين منه يجري مجرى الاستيفاء في الأحكام، كعقد الإجارة، والآية مخصوصة بما ذكرناه، والحكم مُعلَّقٌ على الخلوة التي هي مظنة الإصابة دون حقيقتها، فلم يؤثِّر.
ولو اختلى بها واختلفا في المسيس، قُبِل قول يدَّعي الوطء احتياطًا للأبضاع؛ ولأنه أقرب إلى حال الخلوة؛ ذكره في "المبدع".
(إلا ألا يعلم) الزوج (بها) في الخلوة (كأعمى وطفل) فلا عِدّة عليها؛ لأن المظنة لا تتحقق.
(ومن لا يولد لمِثْله لصغره) كابن دون عشرٍ (أو كانت لا يوطأ مثلُها لصغرها) كبنت دون تسع، فلا عِدّة (١).
(أو) خلا بها (غير مطاوِعَة وفارقها في حياته، فلا عِدّة عليها، ولا يكمل صَدَاقها) لعدم تحقُّق المظنة مع ظهور عدم المسيس.
(ولا تجب) العِدّة (بالخلوة بلا وطء في نكاح مُجمَعٍ على بطلانه) كالخامسة والمعتدة، سواء (فارقها) حيًّا (أو مات عنها) لأن وجود صورة ذلك العقد كعدمه.
(وإن وَطِئها) في النكاح المُجْمَع على بطلانه (ثم مات أو فارقها، اعتدت لِوطئِه بثلاثة قروء منذ وَطئَها) لأن ذلك العقد كعدمه (كالمَزْنيّ بها من غير عقد.
стр. 6026
ولا) تجب العِدَّة (بتحمُّلِها ماءَ الرجل) قال ابن حمدان: إن كان ماءَ زوجها؛ اعتدَّت، وإلا؛ فلا. وقال في "المبدع" - في ما يلحق من النسب -: إذا تحمَّلتْ ماء زوجها، لَحِقه نسب مَن ولدته منه، وفي العِدَّة والمهر وجهان، فإن كان حرامًا، أو ماءَ مَنْ ظنَّتْه زوجَها؛ فلا نسب ولا مهر ولا عِدَّة في الأصح فيها، وقال في "المنتهى" في كتاب الصداق: ويثبت به نسب، وعِدّة، ومصاهرة، ولو من أجنبي.
(ولا) تجب العِدَّة (بالقُبْلة، واللَّمْس من غير خَلْوة) لأن العِدَّة في الأصل إنما وجبت لبراءة الرَّحِم، وهي مُتيقَّنة.
(وتجب) العِدَّة (على) الزوجة (الذِّمية من) زوجها (الذِّمي، و) من زوجها (المسلم) لعموم الأدلة؛ ولأنهم مخاطَبون بفروع الإسلام (ولو لم تكن) العِدَّة (من دينهم) أي: الذِّميين، أي: مشروعة فيه؛ لما تقدم (وعِدَّتها كعِدَّة المسلمة) على ما يأتي تفصيله؛ للعموم.
(وتجب) العِدَّة (على من وُطئت، مطاوعةً كانت أو مُكرَهة، إلا أن يكون الواطئ لا يولد لمثله، لصغره) كابن دون عشر، فلا عِدَّة عليها لوطئه (وهو مذهب المالكية (١)) لأن العِدَّة تُراد للعِلم ببراءة الرَّحِم من الحمل، فإذا كان الواطئ لا يُولد لمثله، فالبراءة متيقَّنة، فلا فائدة في العِدَّة.
(والمعتدات ستٌّ) أي: ستة أضْرُبٍ تأتي مفصَّلة، ولم يجعل الآيسات من المحيض ضربًا، واللائي لم يحضن ضربًا؛ لاستواء عدتهما:
(إحداهن: أولات الأحمال، أجلهنَّ أن يضعنَ حملهنَّ، حرائرَ كُنَّ
стр. 6027
أو إماءً، مسلِمات أو كافرات، من فُرقة الحياة أو الممات) لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) قال في "المبدع": وآية الحمل متأخِّرة عن آية الأشْهُر. قال ابن مسعود: من شاء باهَلْتُهُ أو لاعنْتُهُ أن الآية التي في سورة النساء القُصْرَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١) نزلت بعد آية البقرة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ. . .﴾ الآية (٢)(٣)، والخاصّ مقدَّم على العامّ.
(ولا تنقضي عِدَّتها إلا بوضع كلِّ الحَمْل) لقوله تعالى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، فإذا وضعتهُ؛ انقضت عِدَّتها (ولو لم تطهر وتغتسل من نِفاسها) للعِلم ببراءة الرَّحِم بالوضع (لكن إن تزوَّجت في مُدَّة النِّفاس؛ حرم وطؤها حتى تطهر) قياسًا على الحيض.
(فلو ظهر بعضُ الولد؛ فهي في عِدَّة حتى ينفصل باقيه؛ إن كان) الحمل (واحدًا، وإن كان) الحمل (أكثر) من واحد (فـ) ــهي في عِدَّة (حتى ينفصل باقي الأخير) لقوله تعالى: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، وقبل وَضْعِ كل الأخير لم تضع حملها، بل
стр. 6028
بعضه (١).
(فإن وضعت ولدًا، وشكَّت في وجود ثان، لم تنقضِ عِدَّتها حتى تزول الرِّيبة، ويُتَيقن أنه لم يبقَ معها حَمْل) وفي نسخٍ: ولد؛ ليحصُل العلم ببراءة الرَّحِم.
(و الحمل الذي تنقضي به العِدَّة ما تصير به الأَمَة أمَّ ولد، وهو ما تَبيَّن فيه شيء من خَلْق الإنسان؛ كرأس ورِجْل) فتنقضي به العِدَّة إجماعًا؛ حكاه ابن المنذر (٢)؛ لأنه عُلم أنه حملٌ فيدخل في عموم النص.
(فإن وضعت مُضْغَة لا يتبين فيها شيء من ذلك) أي: من خلق الإنسان (فذكر ثقاتٌ من النساء أنه مبدَأُ خلقِ آدميٍّ؛ لم تنقضِ به العِدَّة) لأنه لم يصر ولدًا، أشبه العَلَقة.
(وكذا لو ألقت نُطفة، أو دمًا، أو عَلَقة) فلا يتعلَّق به شيء من الأحكام؛ لأنه لم يثبت أنه ولد بالمشاهدة ولا بالبينة.
(لكن لو وضعت مُضْغة لم يتبيَّن) أي: يظهر (فيها الخَلْق، فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن فيها صورةً خفية بأن بها أنها خِلْقةُ آدميٍّ؛ انقضت به العِدّة) لأنه حمل، فيدخل في عموم النص.
(وإن أتت بولد لا يلحقه) أي: الزوج (نسبه، كامرأةِ صغيرٍ لا يولد لمِثْله، و) امرأة (خصيٍّ مجبوب) أو خصي غير مجبوب كما سبق (ومُطلَّقةٍ عقب عقد) بأن طَلَّقها بالمجلس، وكذا لو مات (ومن أتت به لدون ستة
стр. 6029
أشهر منذ عَقَد عليها وعاش، أو بعد أربع سنين منذ مات، أو) منذ (بانت منه، أو) منذ (انقضاء عِدَّتها إن كانت رجعيّة؛ لم تنقضِ عِدَّتها به) لأنه حمل ليس منه يقينًا، فلم تعتدَّ بوضعه، كما لو بعد موته (وتعتدُّ بعْدَه عِدَّةَ وفاة) إن كانت متوفًّى عنها (أو عدَّةَ فراق) إن كان فارقها في الحياة (حيث وجبت) عِدَّة الفراق، على ما تقدم تفصيله.
(وأقل مدَّةِ الحمل ستةُ أشهر) وفاقًا (١)؛ لما روى الأثرم والبيهقي عن أبي الأسود: أنه رُفِعَ إلى عمر أن امرأة ولدت لستة أشهر، فهمَّ عمر برجمها، فقال له عليّ: ليس لك ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣) فحولان وستة أشهر ثلاثون شهرًا، لا رَجْم عليها، فخلَّى عمرُ سبيلها (٤).
وقال ابن عباس كذلك؛ رواه البيهقي (٥).
стр. 6030
وذكر ابن قتيبة في "المعارف" (١): أن عبد الملك بن مروان وُلِد لستة أشهر.
(وغالبُها) أي: مدة الحمل (تسعةُ أشهر)؛ لأن غالب النساء كذلك يحمِلْن، وهذا أمر معروفٌ بين الناس.
(وأكثرُها أربعُ سنينَ)؛ لأن ما لا نَصَّ فيه يُرجع فيه إلى الوجود، وقد وُجِد أربع سنين (٢)، فروى الدارقطنيُّ عن الوليد بن مسلم: قلت
стр. 6031
لمالك بن أنس عن حديث عائشة قالت: "لا تزيدُ المرأةُ في حملها على سنتين" فقال: سبحانَ الله، من يقولُ هذا؟ هذهِ جارتنا امرأةُ محمّد بن عجلان امرأة صِدْقٍ، وزوجا صِدْق، حملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة (١).
وقال الشافعي (٢): بقي محمد بن عجلانَ في بطنِ أمهِ أربعَ سنين.
وقال أحمد (٣): نساءُ بني عجلان تحملُ أربع سنين.
(وأقلُّ ما يتبيَّن به) خَلْق (الولد: أحدٌ وثمانون يومًا) لحديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "إنَّ أحدكُم يُجمعُ خلقُهُ في بطنِ أمه أربعين يومًا نُطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلكَ، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلكَ. . ." الحديث (٤).
стр. 6032
ولا شكَّ أن العِدَّة لا تنقضي بما دون المضغة، فوجب أن يكون بعد الثمانين، فأما بعد أربعة أشهر فليس فيه إشكال. وذكر المجد في "شرحه": أن غالب ما يتبين فيه خَلْقُه ثلاثةُ أشهر.
فصل
(الثانية) من المعتدات: (المتوفَّى عنها زوجُها، ولو) كان (طفلًا، أو) كانت (طفلة لا يولد لمثلِهما، ولو قبل الدخول) والخلوة (فتعتدُّ إنْ لم تكن حاملًا منه أربعةَ أشهر وعشرَ ليالٍ بعشرة أيام إن كانت حُرة) قال في "المبدع": بالإجماع (١)، يعني في الجملة، وسنده: الآيةُ، وقول النبي ﷺ : "لا يحلُّ لامرأةٍ تُؤمن بالله واليومِ الآخر أن تُحِدَّ على ميّتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زَوجٍ أربَعَةَ أشْهُرٍ وعَشرًا" (٢)، والعرب تُغلِّب حكم التأنيث في العدد خاصة على المذكر (٣)، تطلق لفظ الليالي وتريد الليالي بأيامها؛ لقوله تعالى لزكريا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ (٤) يريد بأيامها؛ لقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (٥).
стр. 6033
(وإن كانت) المتوفى عنها (أَمَة) فعدتها (نصفها) أي: شهران وخمسة أيام بلياليها؛ لأن الصحابة أجمعوا على أن عدة الأمة على النصف من عدة الحرة (١)؛ قاله في "المبدع".
(وإن كانت) المتوفَّى عنها (حاملًا من غيره) أي: من غير زوجها (اعتدت للزوج) عدّة وفاة (بعد وضع الحمل) وتقدم (٢).
(و) عدة (معتَقٍ بعضُها بالحساب من عدة حرة وأَمَة، ويُجبَرُ الكسر) فمَن نصفها حر ونصفها رقيق، تعتد بثلاثة أشهر وثمانية أيام بلياليها.
(وإن مات زوج الرجعيّة في عدّتها، استأنفت عدة وفاةٍ من حين موته) لأنها زوجة، فتدخل في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ. . .﴾ الآية (٣) (وسقطت عِدةُ الطلاق) لأنها تعتدُّ للوفاة، فلا يجتمع معها غيرها إجماعًا؛ حكاه ابن المنذر (٤).
(و إذا قُتِل المرتدّ في عِدّة امرأته، استأنفت عدة وفاةٍ) لأنه كان يمكنه تلافي النكاح بعوده إلى الإسلام، فأشبهت الرجعيّة.
(و لو أسلمت امرأةُ كافرٍ، ثم مات قبل انقضاء العِدّة، انتقلت إلى عِدَّةِ وفاةٍ في قياس التي قبلها) قاله الشيخ تقي الدين (٥)، واقتصر عليه في "الإنصاف".
(وإن طلَّقها في الصحّة بائنًا، ثم مات في عدّتها، لم تنتقل عنها) بل تبني على عدة الطلاق مطلقًا، ولا تعتدّ للوفاة؛ للآية؛ ولأنها أجنبية منه
стр. 6034
في غير نكاحه وميراثه، فلم تعتدّ لوفاته، كما لو انقضت عِدَّتُها.
(وإن كان الطلاق) البائن (في مرض موته) المَخوف، ومات في العدّة (اعتدت أطول الأجلين، من عدة طلاق وعدة وفاة) لأنها وارثة؛ فيجب عليها أن تعتدّ للوفاة، ومطلَّقة، فيجب عليها أن تعتدّ للطلاق، فيجب (١) أن تعتدّ بأطولهما، ضرورة أنها لا تخرج عن العهدة يقينًا إلا بذلك (إلا أن تكون) البائن في المرض (لا ترثه، كالأمة، أو الحرة يطلِّقُها العبد، أو الذمية) الكتابية (يطلِّقُها المسلم، أو تكون هي سألته الطلاق، أو) سألته (الخلع، أو فعلت ما يفسخ نكاحها) من نحو رضاع زوجة صغرى (فتعتدّ للطلاق لا غير) لأنها ليست وارثة، أشبهت المبانة في الصحة.
(وإن كانت المطلَّقة) البائن (مبهمة، أو) كانت (معيَّنة، ثم أُنْسِيَها، ثم مات؛ اعتدت كلُّ واحدة الأطولَ منهما) لأن كلَّ واحدة يحتمل أنها المطلَّقة وأنها المتوفَّى عنها، فلا تخرج عن العُهدة يقينًا إلا بذلك، لكن ابتداء القُرْءِ من حين طلَّق، وابتداء عدة الوفاة من حين مات. وكذا لو كان المطلَّقات ثلاثًا من أربع (ما لم تكن حاملًا) فتنقضي عدتها بوضع الحمل على كل حال.
(وإن مات المريضُ المطلِّق في مرضه بعد انقضاء عدتها بالحيض، أو بالشهور، أو بوضع الحمل، أو كان طلاقه قبل الدخول، فليس عليها عدةٌ لموته) لأنها ليست زوجة ولا في حكمها (ولا يُعتبر وجود الحيض في عدة الوفاة) في قول عامة الفقهاء؛ لظاهر الآية.
(وإن ارتابت المتوفَّى عنها) أو غيرها عن المعتدات (لظهور أمارات
стр. 6035
الحمل، من: الحركة، وانتفاخ البطن، وانقطاع الحيض، ونزول اللبن من ثديها، وغير ذلك، قبل أن تنكح، ولو بعد فراغ شهور العدة؛ لم تَزَل في عدة حتى تزول الرِّيبة) فإن بان حملًا، انقضت عدتها بوضعه، فإن زالت وبان أنه ليس بحمل؛ تيقَّنَّا أن عدّتها انقضتْ بالشهور.
(وإن تزوَّجت قبل ذلك) أي: قبل زوال الرِّيبة (لم يصح النكاح، ولو تبين عدم الحمل) لأنها تزوَّجت وهي في حكم المعتدات (وإن كان) ظهور الرِّيبة (بعد) العقد عليها، و (الدخول) بها (لم يفسد نكاحها) لأنه وُجِد بعد انقضاء العدة ظاهرًا، والحمل مع الريبة مشكوك فيه، فلا يزول ما حكمنا بصحته (ولم يحل وطؤها حتى تزول الرِّيبة) لشكنا في حل وطئها؛ لقوله ﷺ : "مَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فلا يحلُّ له أن يسقيَ ماءَهُ زرعَ غيرِه" (١). (وإن كان) ظهور الرِّيبة (قبله) أي: قبل الدخول (وبعد العقد، لم يفسد أيضًا) لما تقدم (إلا أن نأتي بولد، والمراد: ويعيش لدون ستة أشهر منذ نكحها، فيفسد) أي: يتبين بطلان العقد؛ لأنها معتدة (فيهما) أي: في صورتَيْ ما إذا كان ظهور الريبة بعد الدخول وقبله (٢).
(وإن مات عن امرأة نكاحُها فاسدٌ، كالنكاح المختلَفِ فيه) كـ: بلا وليٍّ (فعليها عِدّة وفاة) لأنه نكاح يلحق فيه النسب، فوجبت به العدة كالصحيح.
وإن فارقها في الحياة بعد الإصابة أو الخلوة؛ اعتدت بثلاثة قُروء
стр. 6036
أو أشهر. والنكاح المجمع على بطلانه وجوده كعدمه، وتقدم (١).
فصل
(الثالثة) من المعتدات: (ذات القُروء المفارَقَةُ في الحياة بعد الدخول بها) أو الخلوة (بطلاق، أو خُلع، أو لِعان، أو رَضاع، أو فَسْخٍ بعيب، أو إعسار، أو إعتاق) تحت عبد (أو اختلاف دِين، أو غيره، فعدتُها ثلاثة قُروء إن كانت حُرّة أو بعضُها) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٢)، وغير المطلّقة بالقياس عليها؛ ولأن عِدّة الأمة بالقُروء قُرْءان، فأدنى ما يكون فيها من الحرية يوجب قُرءًا ثالثًا؛ لأنه لا يتبعَّض.
(و) عِدّتها (قُرْءان إن كانت أمة) رُوي عن عمر (٣)، وعليّ (٤)، وابن عمر (٥)، ولا يُعرف لهم مخالف في الصحابة، وكالحدّ، وكان القياس
стр. 6037
يقتضي أن تكون حيضة ونصفًا، كما أن حدّها على النصف من الحرّة، إلا أن الحيض لا يتبعَّض، فوجب تكميله كالطلقة، والمُدَبَّرةُ، والمكاتَبةُ، وأمُّ الولد كالأمة.
(و القُرء الحيض) لقول عمر (١)، وعلي (٢)، وابن عباس (٣)، ورُوي عن أبي بكر (٤)، وعثمان (٥)، وأبي موسى (٤)، وعبادة (٤)، وأبي الدرداء (٨). قال أحمد (٦) في رواية الأثرم: كنت أقول: إنه الأطهار، ثم
стр. 6038
رجعت لقول الأكابر؛ ولأنه لم يُعهد في لسان الشارع استعماله بمعنى الطهر في موضع، واستعمل بمعنى الحيض في غير حديث.
(و لا يُعتد بالحيضة التي طلَّقها فيها) حتى تأتي بثلاث كاملة بعدها؛ لظاهر الآية. ورواه البيهقي (١) بإسناد رجاله ثقات عن ابن عمر.
(وإن قال الزوج: وقع الطلاق في الحيض، أو في أوَّله، وقالت: بل) وقع (في الطُّهر الذي قبله) أي: الحيض (أو قال) الزوج: (انقضت حروف الطلاق مع انقضاء الطُّهر، فوقع في أول الحيض، وقالت: بل بقي منه) أي: الطُّهر (بقية، فالقول قولها) لأنها مؤتمنة على نفسها في الحيض، وفي انقضاء العِدّة؛ قاله في "الشرح". وقال في "الفروع" و"المنتهى"، وغيرهما: القول قوله: إنه لم يطلق إلا بعد حيض، أو ولادة، أو في وقت كذا.
(وإذا انقطع دَمُها من الحيضة الثالثة، لم تحلَّ للأزواج حتى تغتسل، وإن فَرَّطت في الاغتسال مدّة طويلة) قال أحمد (٢): رُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: إذا انقطع الدم من الحيضة الثالثة فقد بانت منه (٣)، وهو أصح في النظر. قيل له: فلم لا تقول به؟ قال: ذلك يقول به عمر
стр. 6039
وعليّ وابن مسعود (١)، فأنا أتهيب أن أخالفهم. يعني اعتبار الغسل. ويُرشِّحُه أن الظاهر إنما تركوه عن توقيف ممن له البيان، وروي عن أبي بكر، وعثمان، وأبي موسى، وعبادة، وأبي الدرداء (٢).
(وتنقطع بقية الأحكام) من قطع الإرث، والطلاق، واللِّعان، والنفقة (بانقطاعه) أي: دم الثالثة (وتقدم في الرجعة (٣)).
فصل
(الرابعة) من المعتدات: (المفارَقة في الحياة، ولم تَحِض لإياس أو صغر، فعِدّتها ثلاثة أشهر) لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ (٤).
(وإن كانت أَمَة، ولو أم ولد) أو مُدَبَّرة، أو مكاتَبة؛ فعدتها (شهران) احتج بقول عمر؛ رواه الأثرم (٥)؛ ولأن كل شهرٍ مقامُ قُرء، وعدتها بالأقراء قرءان، فكذا بدلهما شهران.
(و) عدة (من بعضُها حرٌّ بالحساب) من عدة حرة وأمة، فتزيد على الشهرين من الثالث بقدر حريتها، فمَن نصفُها حر ونصفُها رقيق، تعتد بشهرين ونصف، ومَن ثلثاها حر، تعتد بشهرين وعشرين يومًا وهكذا.
وذكر أبو بكر - وقدَّمه في "الترغيب" -: أن عدَّتها كَحُرَّة، على الروايات.
стр. 6040
(والابتداء) أي: ابتداء العِدَّة (من حينَ وَقَعَ الطلاق، سواء كان) وقوعه (في الليل أو النهار، أو في أثنائهما، من ذلك الوقت إلى مثله، فإن كان الطلاق في أول الشهر، اعتبر ثلاثة أشهر بالأهلة) لظاهر النص (وإن كان في أثنائه) أي: الشهر (اعتدت بقيته وشهرين بالأهلة) كاملين كانا، أو ناقصين (ومن) الشهر (الثالث تمامَ ثلاثين يومًا تكملة) ما اعتدته من (الأول) لما تقدم أن الشهر يُطلق على ما بين الهلالين مطلقًا، وعلى ثلاثين يومًا.
(وحد الإياس خمسون سنة) لقول عائشة: لن ترى في بطنها ولدًا بعد خمسين سنة (١).
(واختار الشيخ: لا حدَّ لأكثر سِنِّه (٢)) أي: الإياس.
وذكر الزبير بن بكار في كتاب "النسب" (٣): أن هندًا بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة ولدت موسى بن عبد الله بن حُسين (٤) بن حسن بن علي بن أبي طالب ولها ستون سنة (٥). وقال: يقال: إنها لم تلد بعد خمسين سنة إلا عربية، ولا تلد بعد الستين إلا قرشيّة.
(وإن حاضت الصغيرة في عِدَّتها ولو قبل انقضائها بلحظة؛ ابْتَدَأتْها) أي: العِدّة (بالقُروء) لأن الشهورَ بدل عنها، فإذا وُجِد المبدل
стр. 6041
بَطَلَ حكم البدل، كالتيمم مع الماء (وإن كان) حيض الصغيرة (بعد انقضائها) أي: العِدَّة (بالشهور ولو) كانت البعدية (بلحظة؛ لم يلزمها استئنافها) أي: العِدَّة بالقروء؛ لأنه حدث بعد انقضاء العِدَّة، أشبه ما لو حدث بعد طول الفصل.
(و إن يئست ذات القروء في عِدَّتها؛ ابتدأت عِدَّة آيسة) أي: ابتدأت بثلاثة أشهر؛ لأن العِدَّة لا تُلَفَّق من جنسين، وقد تعذّر الحيض، فتنتقل إلى الأشهر؛ لأنها عَجَزت عن الأصل، وكالتيمم.
(فإن بان بها حملٌ من الزوج؛ سقط حكم ما مضى، وتبيّن أن ما رأته من الدم لم يكن حيضًا) لأن الحامل لا تحيض، وتعتدُّ بوضع الحمل.
(وإن عَتَقت الأَمَة الرجعية في عدتها؛ بَنَتْ على عدة حُرَّة) لأن الحرية وُجِدت وهي زوجة، فوجب أن تعتدَّ عدة الحرة، كما لو عتقت قبل الطلاق.
(وإن كانت) الأمة (بائنًا) وعَتَقت (بَنَتْ على عِدَّة أَمة) لأن الحرية لم توجد وهي زوجة، فوجب أن تبنى على عِدَّة أَمةٍ، كما لو انقضت العدة.
(وإن عَتَقت) الأمة (تحت عبد فاختارت نفسها؛ اعتدت عِدَّة حُرَّة) لأنها بانت من زوجها وهي حرة. وروى الحسن أن النبي ﷺ "أمرَ بريرةَ بذلكَ" (١).
стр. 6042
وإن طلَّقها رجعيًّا، فأعتقها سيّدها؛ بَنَت على عِدَّة حرّة، سواء فسخت أو أقامت على النكاح.
فصل
(الخامسة) من المعتدات: (من ارتفع حيضُها ولو بعد حيضة أو حيضتين، لا تدري ما رَفَعَهُ) أي: سببه (اعتدت سنة) منذ انقطع بعد
стр. 6043
الطلاق، فإن كان انقطاعه قبل الطلاق فمنه (تسعة أشهر للحمل) لأنها غالب مدّته؛ لتعلم براءتها من الحمل (وثلاثة للعِدّة) رواه الشافعي بإسناد جيد من حديث سعيد بن المسيب عن عمر (١). قال الشافعي: هذا قضاءُ عُمَرَ بينَ المُهاجرين والأنصار، لا يُنْكرُه مُنْكِرٌ عَلِمْناهُ. ولأن الغرض بالاعتداد معرفة براءة رحمها، وهذا تحصل به براءة الرحم، فاكتفي به، وإنما اعتبرنا مضيّ سنة من الانقطاع ولو بعد حيضة أو حيضتين (لأنها لا تُبنى عِدّةٌ على عِدّة أخرى.
وإن كانت) من ارتفع حيضها ولم تدْرِ ما رفعه (أَمَة، فبأحد عشر شهرًا) تسعة للحمل وشهران للعِدَّة.
(فإن عاد الحيض إلى الحرّة أو الأَمَة قبل انقضاء عِدّتها ولو في آخرها) أي: آخر العدة (لزمها الانتقال إليه) لأنه الأصل (وإن عاد) الحيض (بعد مضيّها) أي: العِدّة (ولو قبل نكاحها؛ لم تنتقل) إلى الاعتداد بالحيض، كما لو عاد بعد النكاح (فإن كان عادة المرأة أن يتباعد ما بين حيضتيها؛ لم تنقض عِدَّتها إلا بثلاث حيض وإن طالت) لأنها من ذوات الأقراء.
стр. 6044
(وعدة الجارية التي أدركت ولم تحض) ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ. . .﴾ الآية (١)؛ ولأن الاعتبار بحال المعتدة لا بحال غيرها، وفارق من ارتفع حيضُها، فإنها من ذوات القُروء.
(و) عِدّة (المستحاضة الناسية) لعادتها ولا تمييز لها ثلاثة أشهر.
(و) عدة (المستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر) إن كانت حرّة (والأَمَة شهران) لأن النبي ﷺ أمر حَمْنة بنت جَحْش أن تجلس في كل شهر ستة أيام أو سبعة (٢)، فجعل لها حيضة من كل شهر، بدليل أنها تترك فيها الصلاة ونحوها.
(وإن كانت لها عادة أو تمييز؛ عَمِلت به) كما تعمل به في الصلاة والصوم (فإن كانت عادتها سبعة أيام من أول كل شهر، فمضى لها شهران بالهلال وسبعة أيام من أوّل) الشهر (الثالث؛ فقد انقضت عدَّتُها) لمضيّ ثلاث حِيَض بحسب عادتها.
(وإن علمت) المستحاضة (أن لها حيضةً في كل شهرٍ، أو) كل (شهرين ونحوه، ونسيت وقتها) أي: وقت الحيضة (فعدتها ثلاثة أمثال ذلك) الوقت التي لها فيه الحيضة؛ لتحقق مضيّ ثلاث حيضات بحسب العادة.
(وإن عرَفت ما رفعه) أي: الحيض (من مرض، أو رَضاع، أو نفاس؛ فلا تَزَال) إذا طلقت ونحوه (في عدّة حتى يعود الحيض فتعتدَّ به) لما روى الشافعي عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه أخبره: "أنَّ حَبّانَ بن مُنقذ طلّقَ امرأتَهُ، وهو صحيحٌ وهي
стр. 6045
مرضعةٌ، فمكثتْ سبعةَ أشهرٍ لا تحيضُ يمنعُهَا الرَّضاعُ، ثمَّ مرضَ حبّانُ، فقيلَ له: إنْ مُتَّ وَرِثَتْكَ، فجاءَ إلى عثمانَ، وأخبرَهُ بشأن امرأته، وعندهُ عليٌّ وزيدٌ، فقال لهما عثمانُ: ما تريانِ؟ فقالا: نرى أنها ترثُهُ إنْ ماتَ ويرِثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض، وليست من اللائي لم يحضن، ثم هي على عِدّة حيضها ما كان من قليل وكثير، فرجع حَبَّانُ إلى أهله فانتزع البنتَ منها، فلما فقدت الرَّضاع حاضت حيضة ثم أخرى، ثم مات حَبَّان قبل أن تحيض الثالثة، فاعتدت عِدّة الوفاة وورِثته" (١). ورواه البيهقي بطريق آخر، وليس فيه ذِكْرُ زيد.
(أو) حتى (تبلغ سنَّ الآيسةِ، فتعتدَّ عِدّتها) لأنها آيسة أشبهت سائر الآيسات (وعنه (٢): تنتظر زواله) أي: الرافع للحيض من مرض ونحوه (ثم إن حاضت اعتدَّتْ به، وإلا اعتدَّتْ بسَنَةٍ) وهو ظاهر "عيون المسائل" و"الكافي".
فصل
(السادسة) من المعتدات: (امرأة المفقود) حرةً كانت أو أَمَة (الذي انقطع خبرُهُ لغَيْبةٍ ظاهرُها الهلاكُ، كالذي يُفقَدُ من بين أهله) ليلًا أو
стр. 6046
نهارًا (أو يخرج إلى الصلاة فلا يرجع، أو يمضي إلى مكان قريب ليقضي حاجةً ويرجع، فلا يظهر له خبرٌ، أو يُفقَدُ في مفَازَة) مهلكة كدَرْب الحجاز (أو) يُفقَد (بين الصَّفَّين إذا قُتل قوم، أو مَن غَرِق مركبه ونحو ذلك، فإنها) أي: زوجته (تتربَّص أربع سنين، ولو كانت أَمَة، ثم تعتدّ للوفاة) الحرة (أربعة أشهر وعشرًا، والأمة شهران وخمسة أيام).
قال الأثْرَمُ: قلت لأبي عبد الله: تذهب إلى حديث عمر، وهو "أن رجلًا فُقِد، فجاءتِ امرأتُه إلى عمر، فذكرتْ ذلك له، فقال: تربَّصي أربع سنين، ففعلتْ، ثم أتته، فقال: تربَّصي أربعة أشهر وعشرًا، ففعلت، ثم أتته فقال: أين وليُّ هذا الرجل؟ فجاؤوا به، فقال: طلِّقها، ففعل، فقال عمر: تزوجي من شئت" رواه الأثرم والجُوزْجاني والدارقطني (١). قال أحمد (٢): هو أحسنها، يُروى عن عمر من ثمانية وجوه. ثم قال: زعموا أنَّ عمر رجع عن هذا، هؤلاء الكذابين. وقال: من ترك هذا أيُّ شيء يقول؟ هو عن خمسة من الصحابة؛ عمر،
стр. 6047
وعثمان (١)، وعلي (٢)، وابن عباس (٣)، وابن الزبير (٤).
(و) قال (في التنقيح): الأمة (كحُرّة. وهو سهو) إذ الأمة إنما تساوي الحرة في التربّص فقط، لا في العِدّة بَعدَهُ.
(ولا يفتقر الأمر إلى حاكم ليحكم بضرب المدَّة وعِدة الوفاة
стр. 6048
والفُرقة) لأنها مدة تُعتبر لإباحة النكاج، فلم تفتقر إلى الحاكم، كمُدَّةِ مَن ارتفعَ حيضُها ولم تَدْرِ ما رفَعَهُ، فيكون ابتداء المدة من حين انقطع خبرُهُ.
(ولا) يفتقر الأَمر (إلى طلاق وليِّ زوجها بعد اعتدادها) وهو قول ابن عمر (١)، وابن عباس (١)، وهو القياس (فلو مضت المُدّة والعِدَّة؛ تزوَّجت) عن غير طلاق وليٍّ ولا حاكم.
(وإذا حكم الحاكم بالفرقة، أو فرغت المُدّة؛ نَفَذَ الحكمُ) بالفرقة (في الظاهر) لأنَّ عمر لما حكم بالفُرقة، نَفَذَ ظاهرًا؛ ولو لم ينفذ لما كان في حكمه فائدة (دون الباطن) لأنَّ حكم الحاكم لا يغيّر الشيء عن صفته في الباطن (فلو طلَّق الأوَّلُ، صحّ طلاقُهُ؛ لبقاء نكاحه) بدليل تخييره في أخذها لو رجع (وكذا لو ظاهر منها، ونحوه) كما لو آلى أو قذفها.
(ولو تزوّجت امرأته) أي: المفقود (قبل) مُضيِّ (الزمان المعتبر) للتربُّص والعِدَّة (ثم تبيَّن أنه كان ميِّتًا، أو أنه) كان (طلَّقها قبل ذلك بمدة تنقضي فيها العِدَّة؛ لم يصحّ النكاح) لأنها ممنوعة منه؛ أشبهت المزوَّجة.
(وإذا تربصّت) الأربع سنين (واعتدَّت) للوفاة (ثم تزوَّجت، ثم قَدِم زوجُها الأول قبل وطء الثاني؛ رُدَّتْ إليه) أي: إلى الأول؛ لأنَّا تبيَّنَّا حياته؛ أشبه ما لو شهدت بينة بموته فكان حيًّا (ولا صداق على الثاني) لبطلان نكاحه؛ لأنه صادف امرأة ذات زوج، وتعود إلى الأول بالعقد الأول.
(وإن كان) عَوْدُ الأول (بعده) أي: بعد دخول الثاني بها (خُيِّر الأول بين أخذها) منه، فتكون امرأته (بالعقد الأول، ولو لم يطلق الثاني؛
стр. 6049
نصًّا (١)) لأن نكاحه كان باطلًا في الباطن (ويطأ) الأول (بعد عِدّته) أي: عدة الثاني (وبين تركها مع الثاني) لقول عمر (٢) وعثمان (٣) وعلي (٤)، وقضى به ابن الزبير (٥)، ولم يُعرف لهم مخالف، فكان كالإجماع، وإذا لم يخترها الأول، كانت مع الثاني (من غير تجديد عقد) في الأشهر؛ قاله في الرِّعاية"؛ لأن الصحابة لم يُنقل عنهم تجديدُ عقدٍ (واختار الموفَّقُ التجديدَ. انتهى) وهو القياس. قال المنقِّح: قلت: الأصح بعقد. انتهى؛ لأنا تبيَّنَّا بطلان عقده بمجيء الأول، ويحتمله قول الصحابة. انتهى. وعلى ذلك فيحتاج إلى طلاق الأول، كما في "الرعاية"، ثم إلى انقضاء العدة ثم يجدد العقد.
(ويأخذ الأولُ) إذا تركها للثاني (قَدْرَ الصداقِ الذي أعطاها هو) أي: الأول (من الثاني) لقضاء عثمان (٦) وعليّ؛ (٧) ولأن الثاني أتلف المعوَّض، فرجع عليه بالعوض، كشهود الطلاق إذا رجعوا، فعلى ذلك إن لم يكن دفع الصداق، لم يرجع عليها بشيء، وإلا رجع في قَدْر ما أقبض منه.
(ويرجع الثاني على الزوجة بما أخذ منه) لأنه غرِمه بسببها.
(وإن رجع الأولُ بعد موتها؛ لم يَرِثْها) لأنها زوجة الثاني ظاهرًا (وإن رجع) الأول (بعد موت الثاني؛ وَرِثَتْهُ) لأنها زوجته ظاهرًا
стр. 6050
(واعتدَّتْ، ورجعت إلى الأول) لعدم المعارض له. قال الشيخ تقي الدين (١): هي زوجة الثاني ظاهرًا وباطنًا، وتَرِثه؛ ذكره أصحابنا. وهل تَرِثُ الأول؟ قال أبو جعفر: تَرِثُه. وخالفه غيرُه. ومتى ظهر الأول، فالفُرقة ونكاح الثاني موقوفان، فإن أخذها بَطَل نكاح الثاني حينئذ، وإن أمضى؛ ثبت نكاح الثاني. انتهى.
قلت: وهذا مبنيٌّ على الأول، وأمَّا على ما اختاره الموفَّق من تجديد العقد إذا تركها الأول، فلا ينبغي أن ترث من الثاني ولا أن يرث منها؛ بطلان نكاحه بظهور حياة الأول.
(وأما مَن) أي: المفقود الذي (انقطع خبرُهُ لغَيْبة ظاهرها السلامة؛ كسفر التاجر في غير مهلكة، وإباقِ العبدِ، و) السفر لـ (ــطلب العلم والسياحة، والأسر) عند من ليس عادته القتل (وسفر الفُرْجَة ونحوه، فإنَّ امرأته تتربَّص تمام تسعين سنة من يوم وُلِدَ) لأن الظاهر أنه لا يعيش أكثر منها فإن فُقِدَ ابن تسعين، اجتهد الحاكم؛ ذكره في "الترغيب"؛ نقله عنه في "المبدع" (ثم تعتدُّ عِدَّة الوفاة) لأنه قد حكم بموته (ثم تحِلُّ) للأزواج (وتقدم في باب ميراث المفقود (٢).
وإن كانت غيبتُه) أي: الزوج (غيرَ منقطعة) بأن كانت بحيث (يُعرَفُ خبرُه ويأتي كتابهُ، فليس لامرأته أن تتزوَّج إلا أن يتعذَّر الإنفاقُ عليها من ماله، فلها الفسخُ) بإذن الحاكم؛ لتعذُّر الإنفاق عليها بالاستدانة وغيرها، كما يأتي في النفقات، فإن كان الزوج رقيقًا فنفقة زوجته على سيّده، فيُعتبر تعذُّر الإنفاق منه.
стр. 6051
و (لا) تفسخ (بتعذُّر الوطء إذا لم يقصد بغيبته الإضرارَ بتركه، فإن قَصَدَه؛ فلها الفسخُ به إذا كان سفرُه أكثر من أربعة أشهر).
قلت: مقتضى ما سبق: إذا غاب فوق نصف سنة في غير غزو أو حج واجبين، أو طلب رزق يحتاحه، وطلبت قدومه ولم يَقدَم؛ فلها الفسخ وإن لم يقصد المضارَّة. وأما قصد المضارَّة؛ فتفسخ إذا مضت الأربعة أشهر وطلبت الفيئة وأَبى، على ما تقدم في الإيلاء (١).
(ومن ظهر موتُهُ باستفاضة؛ كَأَنْ تظاهرت الأخبارُ بموته، أو) شهدت به (بيِّنةٌ، فاعتدت زوجتُه للوفاة، أُبيح لها أن تتزوَّج) للحكم بموته (ف إن عاد زوجُها بعد ذلك، فكمفقودٍ) إن كان قبل الدخول، ردّت إلى الأول، وإن كان بعده، فإنه (يُخيَّر زوجُها) الأول (بين أخذِها) من الثاني (و) بين (تَرْكها) للثاني (وله الصداق) الذي أعطاها هو، يأخذه من الثاني، ويرجع به الثاني عليها (وله) أي: للزوج القادم (تضمين البيّنة) التي شهدت بموته (ما تَلِفَ من ماله) لتسبُّبها في إتلافه (وله تضمينُ مُتْلِفه) لمباشرته الإتلاف (وتضمَنُ البينةُ مَهْرَ الثاني) لأنها تسببت في غُرمه.
(وإن اختارت امرأةُ المفقودِ المُقَامَ والصبرَ حتى يتبيَّن أمره؛ فلها النفقةُ من ماله ما دام حيًّا) لقيام موجِبها، وهو الزوجية (فإن تبيَّن أنه) كان (مات أو فارقها؛ رُجِع) بالبناء للمفعول، أي: رَجع الورثة فيما إذا مات، أو رجَع هو فيما إذا فارق (عليها بما بعد ذلك من النفقة) لانقطاع الزوجية.
(وإن ضرب لها) أي: لامرأة المفقود (حاكمٌ مدّة التربُّص، فلها فيها النفقة) لأنه لم يحكم بموته بعد، و (لا) نفقة لها (في العِدّة) لأنه
стр. 6052
حكم بموته بعد مدة التربُّص، فصارت معتدَّة للوفاة.
والوجه الثاني: لها النفقة؛ قاله القاضي، وهو نص أحمد (١)؛ لأن النفقة لا تسقط إلا بيقين الموت، ولم يوجد ههنا. وكذا ذكر صاحب "المغني"، و"الشرح " وزاد: أنَّ نفقتها لا تسقط بعد العِدَّة - أيضًا -؛ لأنها باقية على نكاحه ما لم تتزوَّج، أو يُفَرِّقُ الحاكمُ بينهما.
(وإن تزوَّجت) امرأةُ المفقود؛ سقطت نفقتُها (أو فرَّق الحاكمُ بينهما؛ سقطت) النفقة؛ لانقطاع الزوجيّة ظاهرًا (فإن قَدِم الزوج بعد ذلك ورُدَّتْ إليه؛ عادت نفقتها من حين الرد) كالنَّاشِزِ إذا عادت للطاعة.
(وإذا تزوَّج امرأةً لها ولد من غيره، وليس للولد وَلدٌ ولا وَلَدُ ابنٍ ولا أبٌ ولا جدٌّ، وهي غير آيسَةٍ، فمات) ولدها (اعتزلها الزوجُ وجوبًا حتى تحيض) حيضة نصًّا (٢) (أو يَتبيَّن حَمْلُها) رُوي عن عليّ (٣)، وابنه الحسن (٤)، ونحوُه عن عمر (٥)، والحسين بن علي (٦)، والصَّعب بن
стр. 6053
جَثَّامة (١) (لأن حَمْلَها يرثُه) أي: يرث ولدَها؛ لأنه أخوه لأمه، وليس مَن يحجُبه (فإن لم يفعل) أي: الزوج، بأن لم يعتزلها (وأتت بولد قبل ستة أشهر) وعاش (ورِث) من ولد أُمه؛ لأنا تبيَّنَّا أنه كان موجودًا حين موته (وإن أتت به بعدها) أي: بعد ستة أشهر (من حين وَطِئَها) الزوج (بعد موت الولد؛ لم يرث) الحمل؛ لاحتمال حدوثه بالوطء.
(ومن طلَّقها زوجُها) وهو غائب (أو مات عنها) زوجُها (وهو غائب عنها، فعدَّتُها من يوم مات أو طلّق) رُوي عن ابن عمر (٢)، وابن عباس (٣)، وابن مسعود (٤)؛ رواه عنهم البيهقي. كما لو كان حاضرًا؛ ولأن القصد غير معتبر في العِدَّة؛ بدليل الصغيرة والمجنونة، وكما لو كانت حاملًا، فوضعت غير عالمة بفرقته (وإن لم تجتنب ما تجتنبه المعتدة) لأن الإحداد الواجب ليس بشرط في العِدَّة؛ لظاهر النصوص.
(وإن أقرَّ الزوجُ أنه طلَّقها من مدَّة تزيد على العِدَّة، إن كان فاسقًا أو مجهول الحال؛ لم يُقبَل قوله في انقضاء العِدّة التي فيها حقّ لله) قاله في
стр. 6054
"الاختيارات" (١) (وإن كان عدلًا غير مُتَّهم، مثلَ أن كان غائبًا، فلما حضر أخبرها أنه طلَّق من كذا وكذا) قُبِلَ قوله؛ لعدم التُّهمة، قال في "الاختيارات" (٢): إنه المشهور عن أحمد (فتعتدُّ من حينِ الطلاق، كما لو قامت به بينة.
وعِدَّة موطوءة بشُبهة) كمطلَّقة؛ ذكره في "الانتصار" إجماعًا؛ لأن الوطء في ذلك من شغل الرحم، ولحوق النسب، كالوطء في النكاح الصحيح (أو) أي: وعِدّة موطوءة بـ (ــزنىً كمُطلَّقة) لأنه وطء يقتضي شغل الرحم، كوطء الشبهة؛ ولأنه لو لم تجب العِدّة، لاختلط ماء الواطئ والزوج، فلم يُعلم لمن الولد منهما (إلا أمة غير مزوَّجة، فـ) ــتُستبرأ (بحيضة) لأن المقصود العلم ببراءة الرحم من الحمل، وذلك حاصل بالحيضة؛ كما لو أراد سيّدها بيعها بعد وطئها.
(وإن وُطئت زوجتُه) بشبهة أو زنىً (أو) وُطئت (سُرِّيَّتُهُ بشُبهة أو زنىً؛ حَرُمت) أي: حَرُم وطؤها (حتى تعتدَّ الزوجة) حُرَّة كانت أو أمة (وتُستبرأَ السُّرِّيَّة) خشية اشتباه الأنساب واختلاط المياه (وله) أي: الزوج أو السيّد (الاستمتاع منهما) أي: من الزوجة والسُّرِّيَّة (بما دون الفرج) كقُبْلة ولمس لشهوة؛ لأن التحريم لعارض كالحيض.
فصل
(وإن وُطِئت معتدَّةٌ بشُبهة أو نكاحٍ فاسدٍ؛ فُرِّق بينهما) لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه (وأتمت عدّة الأول) لأن سببها سابق على الوطء
стр. 6055
المذكور (ولا يُحتسبُ منها) أي: العدَّة (مدَّةُ مُقامِها) أي: الموطوءة (عند الواطئ الثاني) بعد الوطء، بل ابتداؤها من التفريق بينهما (وله) أي: المُطلِّق (رجعةُ رجعية في مدة تتمَّة عدته) كما لو لم توطأ، وتقدم (١) في الرجعة (ثم استأنفت العِدّة من الواطئ) لأن العدّتين من رَجُلين لا يتداخلان، كالدينين (٢).
(وإن كانت بائنًا فأصابها المُطَلِّق) في عِدَّتها (عمدًا، فكذلك) أي: تُتِمُّ العِدَّة الأولى، ثم تعتدُّ من الوطء؛ لأنه وطء مُحَرَّم لا يلحق فيه النسب؛ ولأن العدة الأولى عِدَّةُ طلاق، والثانية عِدَّة زنىً، فلم تدخل إحداهما في الأخرى؛ لاختلاف سببهما، كالكفَّارات.
(وإن أصابها) مُبينُها في عِدَّتها (بشُبْهة؛ أستأنفت العِدَّة للوطء) لأن الوطء قَطَع العِدَّة الأولى، وهو موجب للاعتداد؛ للاحتياج إلى العلم ببراءة الرحم من الحمل (ودخلت فيها بقية) العِدَّة (الأولى) لأن الوطء لشُبهة (٣) يلحق فيه النسب، فدخلت بقية الأولى في العِدَّة الثانية.
(وإن وُطِئت امرأة) مزوَّجة (بشُبهة، ثم طَلَّقها زوجها رجعيًّا؛ اعتدت له) أي: للطلاق (أولًا) لقوته (ثم اعتدت للشبهة) ولا تتداخل العدة مع اختلاف الواطئين، كما تقدم.
(وكل معتدَّة من غير النكاح الصحيح، كالزانية والموطوءة بشُبْهة أو في نكاح فاسد، قياسُ المذهب تحريمها (٤) على الواطئ وغيره في العِدَّة؛ قاله الشارح. وقال الموفق: والأولى حِلُّ نكاحها لمن هي معتدَّة
стр. 6056
منه أن كان يلحقه نسب ولدها) كالموطوءة بشُبهة، أو نكاح فاسد؛ لأن العِدَّة لحفظ مائه وصيانة نسبه، ولا يُصان ماؤه المحترم عن مائه المحترم، ولا يُحفظ نسبه عنه، كالمطلقة البائن (وإلا) أي: وإن لم يلحقه نسب ولدها، كالمزني بها (فلا) تَحِلُّ له في عِدَّتها (وتقدم في المُحَرَّمات في النكاح (١)): تحل له المعتدَّة منه إذا كان يلحقه نسب ولدها (إن لم يلزمها عِدّة من غيره) فإن لزمتها عدة من غيره؛ فلا، حتى تنقضي (٢).
(وإن تزوجت) امرأة (في عِدَّتها، فنكاحها باطل) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٣)؛ ولأن العِدَّة إنما اعتُبرت لمعرفة براءة الرحم؛ لئلا يُفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب (ويجب أن يُفَرَّق بينهما) لأنهما أجنبيان.
(وتسقط نفقة الرجعية وسكناها عن الزوج الأول لنشوزها، ولم تنقطع عِدّتها حتى يطأ الثاني) لأن العقد باطل، لا تصير به المرأة فراشًا، وسواء علم بالتحريم أو جهله، فإذا دخل بها انقطعت العِدّة؛ لأنها حينئذ صارت فراشًا له (ثم إذا فارقها؛ بنت على عِدّتها من الأول) لأن حَقَّه أسبق؛ ولأن عدّته وجبت عن وطء في نكاح صحيح (واستأنفت العِدَّة) بعد ذلك (من الثاني) ولا تتداخل العِدّة؛ رواه مالك، والشافعي، والبيهقي، بإسناد جيد عن عمر (٤)
стр. 6057
وعلي (١)، ولا نعرف لهما مخالفًا في الصحابة؛ قاله في "المبدع"؛ ولأنهما حقان مقصودان لآدميين، كالدَّيْنَيْنِ.
(وإن أتت بولد من أحدهما) عينًا (انقضت عِدَّتها به) أي: بوضعه (منه) أي: ممن لحق به الولد (ثم اعتدَّتْ للآخر) بثلاثة أقراء، ويكون الولد للأول عينًا؛ إذا ولدته لدون ستة أشهر وعاش من وطء الثاني،
стр. 6058
ويكون للثاني عينًا إذا ولدته لفوق ستة أشهر من وطئه، ولفوق أربع سنين من إبانة الأول لها.
(وإن أمكن أن يكون) الولد (منهما) بأن أتت به لفوق ستة أشهر من وطء الثاني، ولدون أربع سنين من بينونة الأول (أُرِيَ) الولدُ (القافةَ معهما) أي: مع الواطئين (فأُلْحِقَ) الولدُ (بمن ألحقوه به منهما) لأن قولها في ذلك حجّة (وانقضت عِدَّتُها به) أي: الولد (منه) أي: ممن أُلحِق به؛ لأن عدّة الشخص تنقضي بوضع حمله، وقد وُجِد (واعتدّت للآخَرِ) لأنه لا يجوز أن يكون الحمل من إنسان والعِدّة من غيره.
(وإن ألحقَتْه) القافة (بهما) أي: الواطئين (لحق بهما، وانقضت عِدّتها به منهما) لأن الولد محكومٌ به لهما، فتكون قد وضعت حملها منهما.
(وإن نفته) القافةُ (عنهما) أي: الواطئين (أو أشكل عليها، أو لم يوجد قافة ونحوه) كما لو اختلف قائفان (اعتدَّت بعد وضعه بثلاثة قُروء) لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها من عدة الثاني، وإن كان من الثاني فعليها أن تكمل عدة الأول؛ ليسقط الفرض بيقين. وعُلم مما سبق أنها إذا ولدت لدون ستة أشهر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من فراق الأول، لم يلحق بواحد منهما، ولا تنقضي عِدَّتها به منه؛ لأنا نعلم أنه من وطء آخر (وللثاني أن ينكحها بعد انقضاء العِدَّتين) وهو قول علي (١)، ورُوي عن عمر: أنه رجع إليه؛ رواه
стр. 6059
البيهقي (١) بإسناد جيد. وكما لو زنى بها، وآيات الإباحة عامة. وقال الشافعي (٢): له نكاحها بعد قضاء عدة الأول؛ لأن العدة إنما شُرعت لحفظ النسب وصيانة للماء، والنسب لاحقٌ به، أشبه ما لو خالعها ثم نكحها في عِدَّتها. قال في "المغني": وهذا قولٌ حسنٌ موافق للنظر.
(وإن وطئ رجلان امرأةً بشُبهة أو زنىً، فعليها عدّتان لهما) لقول عمر (٣) وعلي (٤)؛ ولأنهما حقَّان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا (٥)، كالدَّيْنين. واختار ابن حمدان: إذا زنيَ بها تكفيها عِدّة، وجزم بمعناه في "المنتهى". قال في "التنقيح": وهو أظهر. قال في "شرح المنتهى": في الأصح؛ لعدم لحوق النسب فيه، فيبقى القصد العلم ببراءة الرحم، وعلى هذا عدتها من آخر وطء، والأول قدَّمه في "المبدع" و"التنقيح" وهو مقتضى "المقنع".
(وإذا تزوَّج معتدةً) من غيره (وهما) أي: العاقد والمعقود عليها (عالمان بالعِدّة) قلت: ولم تكن من زنىً (و) عالمان (بتحريم النكاح فيها) أي: العدة (ووطئها فيها) أي: العدة (فهما زانيان، عليهما حد الزنى، ولا مهر لها) لأنها زانية مطاوعة، ولا نظر لشُبهة العقد؛ لأنه باطل مجمَعٌ على بطلانه، فلا أثر له، بخلاف المعتدَّة من زنىً، فإن نكاحها فاسد،
стр. 6060
والوطء فيه حكمه حكم وطء الشُّبهة؛ للاختلاف في وجوبها، ومحل سقوط مهرها (إن لم تكن أَمَة) فإن كانت أَمَة لم يسقط؛ لأنه لسيِّدها، فلا يسقط بمطاوعتها (ولا يلحقه النسب) لأنه من زنىً.
(وإن كانا) أي: الناكح والمنكوحة (جاهلين بالعِدَّة، أو) جاهلي (التحريم؛ ثَبَت النسب، وانتفى الحدّ، ووجب المهر) لأنه وطء من شُبهة.
(وإن عَلِم هو دونها؛ فعليه الحدّ) للزنى (و) عليه (المهر) بما نال من فَرْجها (ولا يَلْحقه النسبُ) لأنه زانٍ (وإن علمت هي دونه؛ فعليها الحدّ، ولا مهر لها) إن كانت حرة؛ لأنها زانية مطاوعة (ويلحقه النسب) لأنه وطء شُبهة.
فصل
(وإن طلَّقها) الزوج (واحدةً) رجعيّة (فلم تنقض عِدّتها حتى طلَّقها ثانية؛ بَنَت على ما مضى من العِدّة) لأنهما طلاقان لم يتخلّلهما وطء ولا رجعة، أشبها الطلقتين في وقت واحد.
(وإن راجعها، ثم طَلَّقها بعد دخوله بها أو قبله؛ استأنفت العِدَّة) لأنه طلاق في نكاح صحيح وطئ فيه، كما لو لم يتقدَّمه طلاق (كفسخها) للنكاح (بعد الرجعة بعتقٍ) تحت عبد (أو غيره) أي: غير العتق، كفسخها لعُنّة، أو إعسار؛ لأن موجب الفسخ في العدة موجب الطلاق، فكان حكمه كحكمه.
وإن وطئها في عِدَّتها؛ حصلت به الرجعة كما تقدم (١)، فهذا طَلَّقها استأنفت.