← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 622

كشاف القناع عن متن الإقناع - ط وزارة العدل

البهوتي

Полный текст (7 407 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

وجيفتُها له) أي: المالك (ونَقْلها عليه) قاله أبو يعلى الصغير (فيلزمه أن ينقلها إلى مكان يدفع فيه ضرَرَها عن الناس) لأن نفعها كان له، فغرمها عليه. (ويحرم وَسْم) في الوجه (وضَرْب في الوجه) لأنه ﷺ لعن من وَسَم أو ضَرَب الوجه، ونهى عنه (١) (إلا لمداواة) للحاجة. (و) تحريم ضَرْب الوجه (في الآدمي أشد) لأنه أعظم حُرمة. ويجوز وَسْم البهيمة في غير الوجه لغرض صحيح. (ويُكره خصي غيرِ غنم وديوكٍ) وقال في "المنتهى": ويُكره خصاء. قال في "الفروع": وكره أحمد (٢) خصاء غنم وغيرها إلا خوف غضاضة. وقال: لا يعجبني أن يخصي شيئًا. (ويحرم) الخصاء (في الآدميين لغير قصاص، ولو رقيقًا) وتقدم (٣). (و يُكره تعليق جرس، ووتر، وجزُّ معْرَفَةٍ (٤)، وناصيةٍ، وذنبٍ) للخبر (٥).

стр. 6197

(و يحرم لَعْن الدَّابة) لما روى أحمد ومسلم عن عمران: "أنه ﷺ كان في سفرٍ، فلعنت امرأةٌ ناقةً، فقال: خذوا ما عليها ودعوها مكانها ملعونة، فكأني أراها الآن تمشي في الناس ما تعرَّض لها أحدٌ" (١)، ولهما من حديث أبي برزة: "لا تصاحبنا ناقةٌ عليها لعنة" (٢) (قال) الإمام (أحمد (٣): قال الصالحون: لا تُقبل شهادته) أي: شهادة لاعِن الدابة. (وإن امتنع) مالك البهيمة (من الإنفاق عليها، أُجبر على ذلك) لأنه واجب عليه، كما يُجبر على سائر الواجبات (فإن أبى) الإنفاق عليها (أو عجز) عنه (أُجبر على بيعٍ، أو إجارةٍ، أو ذبحِ مأكول) لأن بقاءها في يده بترك الإنفاق عليها ظلم، والظلم تجب إزالته. (فإن أبى) فِعْل أحدِها (فَعَلَ الحاكم الأصلح) عن هذه الأمور الثلاثة (أو اقترض عليه) وأنفق عليها، كما لو امتنع من أداء الدين.

стр. 6198

(و يجوز الانتفاع بها في غير ما خُلِقت له، كـ) ــالانتفاع بـ (ـــبقر للحمل أو الركوب، وإبل وحُمُر لحَرْثٍ ونحوه) لأن مقتضى الملك جواز الانتفاع به فيما يمكن، وهذا ممكن، كالذي خُلِقَ له وجرت به عادة بعض الناس، ولهذا يجوز أكل الخيل، واستعمال اللؤلؤ في الأدوية، وإن لم يكن المقصود منهما ذلك. وقوله ﷺ : "بينما رجلٌ يسرق بقرةً أراد أن يركَبها، قالت: إني لم أُخلَقْ لذلك، إنما خُلِقتُ للحَرْث" متفق عليه (١)، أي. إنه معْظم النفع، ولا يلزم منه منع غيره. (ولا يجوز قَتْلها) أي: البهيمة (ولا ذبحها؛ للإراحة) لأنها مال ما دامت حية، وذبحها إتلاف لها، وقد نهي عن إتلاف المال، و (كالآدمي المتألّم بالأمراض الصعبة) أو المصلوب بنحو حديد؛ لأنه معصوم ما دام حيًّا. (و) يجب (على مقتني الكلب المباح) - وهو كلب صيد وماشية وزرع - (أن يطعمه) ويسقيه (أو يرسله) لأن عدم ذلك تعذيب له. (و لا يحل حَبْس شيء من البهائم؛ لتهلك جوعًا) أو عطشًا؛ لأنه تعذيب، ولو غير معصوم؛ لحديث: "إذا قتلتم، فأحسنوا القِتْلةَ" (٢). (ويحسن قِتْلَة ما يُباح قتلُه) للخبر (٣).

стр. 6199

(ويُباح تجفيف دود القز بالشمس إذا استكمل) كما هو المعتاد (وتدخين الزنابير) دفعًا لأذاها بالأسهل (فإن لم يندفع ضررُها إلا بإحراقها؛ جاز) إحراقُها؛ خَرَّجه المصنف في "شرحه" على "منظومة الآداب" على القول في النمل والقمل وغيرهما إذا لم يندفع ضرره إلا بالحرق؛ جاز بلا كراهة، على ما اختاره الناظم، وقال: أنه سأل عنه الشيخ شمس الدين شارح "المقنع" فقال: ما هو ببعيد. أما إذا اندفع ضررها بدون الحرق، فقال الناظم: يُكره، وظاهر كلام بعض الأصحاب: التحريم، وقطع به النووي (١)، حتى في القملة؛ للخبر (٢). (ولا تجب عمارةُ الملك الطِّلق) بكسر الطاء، أي: المختص به، وأما المشترك فقد تقدم (٣) الكلام عليه في حكم الجوار (إذا كان) الملك الطِّلق (مما لا روح فيه كالعقار) من دور وبساتين ونحوها. (ونحوه) أي: نحو العقار كالأواني؛ لأنه لا حُرْمة له في نفسه (بل تُستحبّ) نفقته على العقار ونحوه؛ لئلا يضيع. (وإن كان) الملك (لمحجورٍ عليه) لصغر أو سفه أو جنون (وجب على وليه عمارة داره) لأنه يجب عليه فعل الأحظ (و) يجب على وليّه أيضًا (حفظ ثمره وزرعه بالسقي وغيره) لأن إضاعته لماله حرام، وفي تَرْكه ذلك إضاعة.

стр. 6200

باب الحضانة - بفتح الحاء - مصدر: حضنت الصغير حضانة، أي: تحمّلت مؤنته وتربيته. والحاضنة: التي تربي الطفل، سُميت به؛ لأنها تضم الطفل إلى حضنها. (وهي) أي: الحَضَانة: (حِفْظُ صغيرٍ ومجنون، ومعتوه - وهو المُختلُّ العقل - عما يضرُّهم، وتربيتهم بعمل مصالحهم، كغسل رأس الطفل، و) غسل (بدنه، و) غسل (ثيابه، و) كـ (ـــدَهْنه وتكحيله وربطه في المهد، وتحريكه لينام ونحوه) أي: نحو ما ذكر مما يتعلَّق بمصالحه. (وهي) أي: حضانة مَنْ ذكر (واجبة) لأنه يهلك بتركها، فوجب حفظه عن الهلاك (كـ) ـــما يجب (الإنفاق عليه) وإنجاؤه من المهالك. (ومستحقُّها: رجلٌ عَصَبَةٌ) كالأب والجد والأخ لغير أم، والعم كذلك (وامرأة وارثة) كالأم والجدة والأخت (أو مُدْلية بوارث كالخالة، وبنات الأخوات، أو مُدْلية بعصبة كبنات الإخوة و) بنات (الأعمام، وذوي رَحِم) هو مرفوع، عطف على: "رجل عَصَبة" وجرّه للمجاورة، على ما فيه (غير من تقدم) كالعم لأم والجد لأم والأخ لأم (وحاكم. فإذا افترق الزوجان، ولهما طفل، أو معتوه، أو مجنون، ذكر أو أنثى، فأحقُّ الناس بحضانته أُمه - كما قبل الفراق - مع أهليتها وحضورها وقَبولها). قال في "المبدع": لا نعلم فيه خلافًا؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أن امرأةً قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني

стр. 6201

له وعاءً، وثديي له سقاءً، وحَجْري له حِواءً، وإن أباه طلَّقني وأراد أن ينتزعَه مني، فقال لها النبي ﷺ : أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي" رواه أحمد وأبو داود (١) ولفظه له؛ ولـ "قضاء أبي بكرٍ على عمرَ بعاصم بن عمرَ لأمه وقال: ريحُها وشمُّها ولُطْفها (٢) خيرٌ له منكَ" رواه سعيد في "سننه" (٣)؛ ولأن الأب لا يتولى الحضانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى من يقوم به. والمراد بأهليتها: أن تكون حُرَّة عاقلة عدلًا في الظاهر، فتُقدَّم

стр. 6202

(ولو بأجرة مثلها) مع متبرّعة (كرضاع، فهي) أي: الأم (أحق) بحضانته (من أبيه) للحديث. (ولأن أباه لا يتولَّى الحَضَانة بنفسه، وإنما يدفعه إلى امرأته، وأُمّه أَولى من امرأة أبيه) لشفقتها. (ولو امتنعت) الأم من حضانته (لم تُجبر) عليها؛ لأنها غير واجبة عليها. (ثم أُمهاتها) القربى فالقربى؛ لأن ولادتهن متحققة، فهن في معنى الأم، والأقرب أكمل شفقة من الأبعد. (ثم أب) لأنه أقرب من غيره، وليس لغيره كمال شفقته، فرجح بها. (ثم أُمهاته) لأنهن يُدْلِين بمَن هو أحقّ، وقُدِّمن على الجد؛ لأن الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان، دليله الأم مع الأب. (ثم جد) أبو الأب؛ لأنه أب أو بمنزلته. (ثم أمهاته) لأنهن يُدْلِين بمن هو أحق، وقُدِّمن على الأخوات مع إدلائهن بالأب؛ لما فيهن من وصف الولادة وكون الطفل بعضًا منهن، وذلك مفقود في الأخوات. ثم جد الأب، ثم أمهاته، ثم جد الجد، ثم أمهاته (وهلم جرًّا. ثم) الأخوات؛ لأنهن يُشاركن في النسب، وتُقدَّم منهن (أخت لأبوين) لقوة قرابتها. (وتُقدَّم أخت من أُمٍّ على أخت من أب) لأن الأم مُقَدَّمة على الأب، فَقُدِّم من يُدْلي بالأم على من يُدْلي به. (و) تُقدَّم (خالة على عمة) لأن الخالة تُدْلي بالأم؛ ولأن الشارع

стр. 6203

قَدَّم خالة ابنة حمزة على عمَّتها صفية؛ لأن صفية لم تطلب، وجعفر طلب نائبًا عن خالتها (١)، فقضى الشارع بها لها في غيبتها. (و) تُقدَّم (خالةُ أمٍّ على خالة أب) كالأخوات. (و) تُقدَّم (خالات أب على عمَّاته) أي: الأب؛ لأن خالاته يُدْلين بأمه، وعَمَّاته يُدْلين بأبيه، والأم أحق منه. (و) يُقدَّم (من يُدْلي من عمات وخالات بأم) فقط (على من يُدْلي بأب) وحده؛ لأن الأم مُقَدَّمة على الأب، فَقُدِّم من يُدْلي بها، ومن يُدْلي بالأبوين منهما مُقدَّم على من يُدْلي بأحدهما. (وتحريره) أي: الأحق بالحضانة أن نقول: الأحق بالحضانة (أم، ثم أمهاتها القربى فالقربى، ثم أب، ثم أمهاته كذلك) القربى فالقربى (ثم جد، ثم أمهاته كذلك) القربى فالقربى. ويُقدَّم - أيضًا - من الأجداد الأقرب فالأقرب (ثم أخت لأبوين، ثم) أخت (لأم، ثم) أخت (لأب، ثم خالة لأبوين، ثم) خالة (لأم، ثم) خالة (لأب، ثم عمَّات كذلك) أي: تُقدَّم مَنْ لأبوين ثم لأم، ثم لأب (ثم خالات أمه) كذلك (ثم خالات أبيه (٢)، ثم عمَّات أبيه) كذلك (ثم بنات إخوته، و) بنات (أخواته) كذلك (ثم بنات أعمامه، و) بنات (عماته) كذلك (ثم بنات أعمام أبيه وبنات عمَّات أبيه كذلك على التفصيل المتقدِّم) تُقدَّم من لأبوين، ثم من لأم، ثم لأب (٣) (وتقدمت حضانة

стр. 6204

لقيط) وأن الأحق بها واجدُه في باب اللقيط (١). (ثم) بعدَ مَنْ تقدَّم، الحضانةُ (لباقي العصبة، الأقرب فالأقرب) لأن لهم ولاية وتعصيبًا بالقرابة، فتثبت لهم الحضانة كالأب. (فإن كانت أنثى فـ) ـالحضانة عليها لعصبة (من محارِمها ولو برضاع ونحوه) كمصاهرة، بأن تكون ربيبة له دخل بأمها (فلا حضانة عليها لابن العم ونحوه) كابن عم الأب إذا لم يكن محرمًا برضاع ونحوه (لأنه ليس من مَحارِمها. وفي "المغني" وغيره) كـ "الشرح" و "النظم": (إذا بلغت سبعًا لم تُسَلَّم إليه) أي: إلى ابن العم غير المحرم (وقبلها) أي: السبع (له) أي: ابن العم (الحضانة عليها) لأنه لا حكم لعورتها، وليست محلًّا للشهوة (وهو قوي) وقطع به في "المنتهى"، وهو معنى ما تقدم في الحج من قولهم: وحيث اعتبر فلمن لعورتها حكم (٢). فإن لم يكن لبنت سبع سوى ابن عمها ونحوه ممن ليس مَحْرَمًا لها؛ سلَّمها إلى ثقة يختارها، أو إلى مَحْرمه. وكذا أم تزوَّجت وليس لولدها غيرها. (وإن اجتمع أخ وأخت، أو عمّ وعمة، أو ابن أخ وبنت أخ، أو ابن أخت وبنت أخت؛ قُدِّمت الأنثى على من في درجتها من الذكور (٣)) لأن

стр. 6205

الأنوثة مع التساوي توجب الرجحان كما تَقَدَّمَ. (كما تُقَدَّمُ الأم على الأب، وأم الأب على أبي الأب. ثم) تكون الحضانة (لذوي الأرحام رجالًا ونساء غير من تقدم) لأن لهم رَحِمًا وقَرابة يرثون بها عند عدم مَن هو أَولى منهم، أشبهوا البعيد من العصبة (فَيُقدَّم أبو أمٍّ، ثم أمهاته) لأن أبا الأم يُدْلي إليها بالأبوة والأخ يُدْلي (١) بالبنوّة، والأب يُقدَّم على الابن في الولاية فيقدَّم في الحضانة؛ لأنها ولاية. (ثم أخ من أم) لأنه يرث بالفرض ويسقط ذوي الأرحام (ثم خال، ثم حاكم، فيسلّمه إلى من يحضنه من المسلمين) ممن فيه أهلية وشفقة. (ولو استؤجرت) امرأة (للرضاع والحضانة؛ لزماها) بالعقد. (وإن استؤجرت للرضاع وأطلق) العقد (لزمتها الحضانة تبعًا) للرضاع؛ قدَّمه في "الرعاية الكبرى"، وقيل: لا يلزمها سوى الرضاع؛ وقدَّمه ابن رزين في "شرحه". (و) إن استؤجرت (للحضانة وأطلق) العقد (لم يلزمها الرضاع) قال في "تصحيح الفروع": والصواب الرجوع في ذلك إلى العُرف والعادة، فَيُعمل بهما (وتقدَّم في الإجارة (٢). وإن امتنعت الأم أو غيرها من الحضانة، أو كانت غير أهل (٣)؛ انتقلتْ إلى من بعدها) كما لو لم تكن. (ومن أسقط حقَّه منها) أي: الحضانة (سقط) لإعراضه عنه (وله العود) في حقه (متى شاء) لأنه يتجدَّد بتجدُّد الزمان، كالنفقة.

стр. 6206

فصل (ولا حضانة لرقيق) لعجزه عنها بخدمة سيده (ولا) حضانة أيضًا (لمن بعضُه حر، ولو كان بينه وبين سيده مُهَايأة) لأنه لا يملك نفعه الذي تحصل به الكفالة، وقال في "الهدي" (١): لا دليل على اشتراط الحرية. (فإن كان بعض الطفل) المحضون وكذا المجنون والمعتوه (رقيقًا، فـ) ـالحضانة (لسيده وقريبه بمُهَايأة؛ لأن حضانة الطفل الرقيق لسيده) والحر لقريبه (والأَولى لسيده أن يُقِرّه مع أمه) أو نحوها؛ لأنها أشفق. (ولا) حضانة -أيضًا- (لفاسق) لأنه لا يوفي الحضانة حقَّها. (ولا) حضانة -أيضًا- (لكافرٍ على مسلمٍ) بل ضرره أعظم؛ لأنه يفتنه عن دينه، ويُخرجه عن الإسلام بتعليمه الكفر وتربيته عليه، وفي ذلك كله ضرر. (ولا) حضانة (لمجنون ولو غير مطبق، ولا لمعتوه ولا لطفل) لأنهم يحتاجون لمن يحضنهم. (ولا) حضانة -أيضًا- لـ (ـعاجز عنها كأعمى ونحوه) كزَمِن؛ لعدم حصول المقصود به (قال الشيخ (٢): وضَعْف البصر يمنع من كمال ما يحتاج إليه المحضون من المصالح. انتهى. وإذا كان بالأم برص أو جُذام، سقط حقُّها من الحضانة) كما أفتى

стр. 6207

به المجد ابن تيمية (وصَرَّح بذلك العلائي الشافعي في "قواعده" (١)، وقال: لأنه يخشى على الولد من لبنها ومخالطتها. انتهى). قال في "الإنصاف": وقاله غير واحد، وهو واضح في كل عيب متعدٍّ، أو (٢) ضرره إلى غيره، وإلا فخلاف لنا. (ويأتى في التعزير أن: الجَذْمى ممنوعون من مخالطة الأصحاء) فمَنْعُهم من حضانتهم أولى. (ولا لامرأةٍ مزوّجة لأجنبيٍّ من الطفل) لقوله ﷺ : "أنتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحي" (٣)؛ ولأنها تشتغل عن الحضانة بحق الزوج، فتسقط حضانتها (من حين العقد) لأنها (٤) بالعقد مَلَك منافعها، واستحق زوجها منعها من الحضانة، فسقطت حضانتها (ولو رضي الزوج؛ لئلا يكون) المحضون (في حضانة أجنبي. فإن كان الزوج ليس أجنبيًّا كجدِّه) أي: المحضون (وقريبه، فلها الحضانة) لأن الزوح القريب يشاركها في القرابة والشفقة عليه، أشبه الأم لو (٥) كانت مزوجة بالأب. (ولو اتفقا) أي: أبو المحضون وأمه (على أن يكون) الولد (في حضانتها، وهي) أي: الأم (مزوّجة، ورضي زوجها؛ جاز) ذلك (ولم يكن لازمًا) لأن الحق لا يعدوهم، وأيهم أراد الرجوع فله ذلك. (ولو تنازع عَمَّان ونحوهما (٦)) كأخوين وابني أخ وابني عم

стр. 6208

(وأحدهما متزوّج بالأم أو الخالة، فهو أحق) بالحضانة؛ لأنه يليها بمن له قرابة وشفقة. (فإن زالت الموانع، كأن عَتَق الرقيق، وأسلم الكافر، وعدل الفاسق -ولو ظاهرًا- وعقل المجنون، وطَلَقت الزوجة -ولو رجعيًّا و) لو (لم تنقضِ العدة- رجعوا إلى حَقّهم) من الحضانة؛ لأن سببها قائم، وإنما امتنعت لمانع، فإذا زال المانع، عاد الحق بالسبب السابق الملازم. (ونظير هذه المسألة: لو وقف على أولاده، وشرط أن من تزوّج من البنات لا حقَّ لها، فتزوّجت) واحدة منهن أو أكثر (ثم طلقت؛ عاد إليها حقُّها) لزوال المانع (ومثله: لو وقف على زوجته ما دامت عازبة، فإن تزوَّجت، فلا حقَّ لها) لفوات شرطه (فإن طلقت، وكان قد أراد بِرَّها) ما دامت عازبة (رجع) إليها (حقُّها، كالوقف) على بناته على أن من تزوّج منهنّ فلا حقَّ لها. (وإن أراد صلتها ما دامت حافظة لحُرمة فراشه؛ فلا حقَّ لها) لأنها قد أزالت ذلك بتزويجها (١). وهذا إذا عُلمت إرادته واضحٌ، فإن لم يُعلم ما أراد، فقال ابن نصر الله: يحتمل وجهين، للاحتمالين. وفي "الإنصاف": قلت: يرجع في ذلك إلى حال الزوج عند الوقف، فإن دَلَّت قرينةٌ على أحدهما؛ عُمل به، وإلا؛ فلا شيء لها. (ولا تثبت الحضانة على البالغ الرشيد العاقل) لأنه استقلَّ بنفسه، وقدر على إصلاح أموره بنفسه، فوجب انفكاك الحَجْر عنه (وإليه الخيرة في الإقامة عند من شاء من أبويه) لأنه لم تثبت الولاية عليه لأحد.

стр. 6209

(فإن كان رجلًا، فله الانفراد بنفسه، إلا أن يكون أمرد يُخَاف عليه الفتنة، فيمنع من مفارقتهما) دفعًا للمفسدة (ويُستحبُّ) للولد (ألا ينفرد عنهما ولا يقطع بِرَّه عنهما) لحديث: "مَنْ أبَرُّ؟. . ." (١). (وإن كانت جارية، فليس لها الانفراد) بنفسها (ولأبيها وأوليائها -عند عدمه- مَنْعُها منه) أي: من الانفراد؛ لأنه لا يؤمن عليها أن تُخدع. (و) يجب (على عصبة المرأة مَنْعُها من المُحَرَّمات) بل كلُّ من قدر على ذلك وجب عليه؛ لأنه نهى عن مُنكَر (فإن لم تمتنع إلا بالحبس؛ حبسوها. وإن احتاجت إلى القيد؛ قَيَّدوها. وما ينبغي للولد أن يضرب أُمّه) لأنه قطيعة لها، ولكن ينهى ويداريها. (ولا يجوز لهم) أي: لعصبات المرأة أُمًّا كانت أو غيرها (مقاطعتها بحيث تتمكن من السوء؛ بل) ينهونها (بحسب قُدْرتهم، وإن احتاجت إلى رزق وكسوة كَسَوها) يُقدَّم بذلك من وجبت عليه نفقتها، على ما تقدم في النفقات (٢). (وليس لهم إقامة الحَدِّ عليها) لأن إقامته تختص بالحاكم والسيد. (ومتى أراد أحد الأبوين النُّقْلة إلى بلد مسافة قصر فأكثر، آمنٍ هو) أي: البلد (والطريق؛ ليسكنه، فالأب أحق بالحضانة) سواء كان المقيم هو الأب أو المنتقل؛ لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصغير وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع. (قال في "الهدي" (٣): هذا كله ما لم يُرِد) المنتقل (بالنُّقْلة مضارَّة الآخر) أي:

стр. 6210

ما لم يُرِد الأب بالانتقال مضارَّة الأم (وانتزاعَ الولد) منها (فإن أراد ذلك، لم يُجَب إليه) بل يعمل ما فيه مصلحة الولد. (انتهى). قال في "المبدع": وهو مراد الأصحاب. قال في "الإنصاف": أما صورة المضارَّة فلا شَكَّ فيها، وأنه لا يوافق على ذلك. (وإن كان البلد) المنتقل إليه (قريبًا) أي: دون مسافة القصر (للسكنى؛ فأمٌّ أحق) لأنها أتمُّ شفقة، والسفر القريب كَلَا سفر. (وإن كان) السفر (بعيدًا) لحاجة ثم يعود (ولو لحجٍّ، أو) كان السفر (قريبًا لحاجة ثم يعود، أو) كان السفر (بعيدًا للسُّكنى لكنه مَخوف هو أو الطريق؛ فمقيم) منهما (أولى) لأن في المسافرة بالطفل إضرارًا به مع عدم الحاجة إليه. (فإن اختلفا) أي: الأب والأم (فقل الأب: سفري للإقامة، وقالت الأم: بل) سفرك (لحاجة وتعود؛ فقوله مع يمينه) لأنه أدرى بمقصوده. (وإن انتقلا) أي: الأبوان (جميعًا إلى بلد واحد فالأم باقية على حضانتها) لعدم ما يُسقطها. (وإن أخذه الأب؛ لافتراق البلدين ثم اجتمعا) أي: الأبوان (عادت إلى الأم حضانتها) لزوال المانع. فصل (وإذا بلغ الغلام سبعَ سنين عاقلًا، واتفق أبواه أن يكون عند أحدهما؛ جاز) لأن الحق في حضانته إليهما لا يعدوهما. (وإن تنازعا) أي: الأبوان (فيه) أي: في حضانته (خيَّره الحاكم

стр. 6211

بينهما، فكان مع من اختار منهما) أي: من أبويه، قضى به عمر، رواه سعيد (١). وعلي، رواه الشافعي، والبيهقي (٢). وروى أبو هريرة قال: "جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ ، فقالت: إنَّ زوجي يريدُ أن يذهب بابني، وقد سقاني من بئر أبي عنبة ونفعني. فقال النبي ﷺ : هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به" رواه الشافعي، وأحمد، والترمذي وصححه (٣)، ورجاله ثقات؛ ولأنه إذا مال إلى أحد أبويه، دَلَّ على أنه أرفق به، وأشفق عليه. وقُيّد بالسبع؛ لأنها أولُ حالٍ أمرَ الشرع فيها بمخاطبته بالصلاة،

стр. 6212

بخلاف الأم، فإنها قُدِّمت في حال الصغر؛ لحاجته إلى حمله، ومباشرة خدمته؛ لأنها أعرف بذلك. (قال ابن عقيل: مع السلامة من فسادٍ، فأما إن عُلم أنه يختار أحدَهما ليمكّنه من فساد، ويَكره الآخرَ للأدب؛ لم يعمل بمقتضى شهوته. انتهى) لأن ذلك إضاعة له. (ولا يُخَيّر) الغلام بين أبويه (قبل سبع) لما سبق. (فإن اختار) الغلام (أباه، كان عنده ليلًا ونهارًا، ولا يُمنع من زيارة أمه) لما فيه من الإغراء بالعقوق، وقطيعة الرحم (وإن مرض) الغلام (كانت) أمه (أحقَّ بتمريضه في بيتها) لأنه صار بالمرض كالصغير في الحاجة. (وإن اختار) الغلام (أُمه، كان عندها ليلًا) لأنه وقت السكن، وانحياز الرجال إلى المنازل (و) يكون (عند أبيه نهارًا؛ ليعلّمه الصناعة والكتابة ويؤدّبه) لأن ذلك هو القصد في حظ (١) الولد. (فإن عاد) الغلام (فاختار الآخر؛ نُقِل إليه، وإن عاد فاختار الأول؛ رُدَّ إليه، هكذا أبدًا) لأن هذا اختيار تشهٍّ، وقد يشتهي أحدهما في وقت دون آخر، فأتبع ما يشتهيه. (فإن لم يختر أحدهما، أو اختارهما) أي: الأبوين (أُقرع) بينهما؛ لأنه لا مزية لأحدهما على الآخر (ثم إن اختار غيرَ من قُدِّم بالقرعة؛ رُدَّ إليه) كما لو اختاره ابتداء. (و لا يُخَيّر) الغلام (إذا كان أحد أبويه ليس من أهل الحضانة) لأن غير الأهل وجوده كعدمه (وتعيّن أن يكون) الغلام (عند الآخر) الذي هو

стр. 6213

أهل للحضانة، كما قبل السبع. (وإن اختار) ابنُ سبع (أباه، ثم زال عقلُه؛ رُدَّ إِلى الأم) لحاجته إلى من يتعاهده، كالصغير (وبطل اختيارُه) لأنه لا حكم لكلامه. (و الجارية إذا بلغت سبعَ سنين فأكثر؛ فعند أبيها إلى البلوغ) وجوبًا (وبعدَه) أي: البلوغ تكون (عنده) أي: الأب (أيضًا إلى الزِّفاف) بوزن كتاب (١) (ولو تبرَّعت الأم بحضانتها) لأن الغرض من الحضانة الحفظ، والأب أحفظ لها، وإنما تُخطب منه، فوجب أن تكون تحت نظره؛ ليؤمن عليها من دخول النساء؛ لكونها مُعَرَّضة للآفات، لا يؤمن عليها الانخداع لغرتها؛ ولأنها إذا بلغت السبعَ، قاربت الصلاحية للتزويج، وقد تزوَّج النبيُّ ﷺ عائشة وهي بنت سبع (٢)، ولا يُصار إلى تخييرها؛ لأن الشرع لم يرد به فيها. (ويمنعها) الأب (من الانفراد، وكذلك من يقوم مقامه) لأنها لا تؤمن على نفسها (وإذا كانت عند الأم أو الأب، فإنها تكون عنده ليلًا ونهارًا، فإن تأديبها وتخريجها في جوف البيت) من تعليمها الغَزْل والطبخ وغيرهما، ولا حاجة بها إلى الإخراج منه، بخلاف الغلام. (ولا يمنع أحدهما) أي: الأبوين (من زيارتها عند الآخر) لأن فيه حملًا على قطيعة الرحم (من غير أن يخلو الزوجُ بأمها، ولا يُطيل) المُقام؛ لأن الأم صارت بالبينونة أجنبية منه (والورع إذا زارت) امرأة (ابنتها، تحرِّي أوقات خروج أبيها إلى معاشه؛ لئلا يسمع كلامها)

стр. 6214

والكلام ليس بعورة، لكن يحرم تلذذ بسماعه. (وإن مرضت) البنتُ (فالأم أحقُّ بتمريضها في بيت الأم (١)) لحاجتها إلى ذلك (وتُمنع) الأم (من الخلوة بها) أي: البنت (إن كانت البنت مزوَّجة إذا خيف منها) الفتنة بينها وبين زوجها، والإضرار به (وكذلك الغلام) تُمنع أمه من الخلوة به، إذا خيف إفساده. (وإن مرض أحدُ الأبوين والولد عند الآخر، لم يُمنع الولد -ذكرًا كان أو أنثى- من عيادته) لئلا يكون إغراء بقطيعة الرحم (و) لا يُمنع من (تكرر ذلك) فيعيد مرة بعد مرة (ولا) يمنع أيضًا (من حضوره عند موته، و) لا من (تولي جَهازه) لأن ذلك من الصلة والبِرِّ (وأما في حال الصحة، فالغلام يزور أُمّه) على العادة (والأم تزور ابنتها) كما تقدَّم؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك، والبنتُ أحقُّ بالستر والصيانة؛ لأنها مُخَدَّرَة، بخلاف أُمّها (والغلامُ يزور أُمَّه على ما جرت العادة (٢)، كاليوم في الأسبوع. وإن مات الولد حضرته أُمُّه) لتعاهد (٣) بَل حَلْقِهِ ونحوه؛ لأنها أرفق أهله (وتتولى) من ولدها إذا احتضر (ما تتولاه حال الحياة، فتشهده في حال نزعه، وتشُدُّ لَحْييه، وتوجّهه) إلى القبلة (وتُشْرِفُ على من يتولَّى غسلَه وتجهيزه) لأن ذلك كله من البِر والصلة (ولا تُمنع من جميع ذلك إذا طلبته، فإن أرادت الحضور بما ينافي الشرع، من تخريق ثوب، ولَطْم خَدٍّ، ونوح؛ مُنعت) منه، كما تُمنع لو كانت في حبال زوجها؛ لأن ذلك محرَّم، كما تقدم في الجنائز (٤). (فإن امتنعت) من ذلك (وإلَّا حُجبت عنه

стр. 6215

إلى أن تترك المُنكَر) فيجب نهيها وكفُّها عنه بما يزال به المنكَر، ولا ينبغي لين القول للنساء في ذلك. (و إن استوى اثنان فأكثر في حضانة مَن له دون سبع سنين، كالأختين) شقيقتين، أو لأم، أو لأب (والأخوين) كذلك (ونحوهما) كالعمَّين (قُدِّم أحدهما بقُرعة) لعدم المرجِّح (فإذا بلغ) المحضون (سبعًا، ولو) كان (أنثى، كان عند من شاء منهم) لأنه لا مزيَّة للبعض، ولا يمكن الجمع. (و سائر العصبات، الأقرب فالأقرب منهم، كأب عند عدمه، أو عدم أهليته) لقيامه مقام الأب، فيكون بمنزلته (في التخيير) بينه وبين الأم إذا بلغ الغلام سبعًا (والإقامة والنُّقلة) إذا أراد أحدهما سفرًا، على ما تقدم تفصيله (إذا كان) العصبة (مَحْرَمًا للجارية، كما تقدم) ولو برضاع أو مصاهرة. (وسائر النساء المستحقَّات لها) أي: للحضانة، كالجدة والعمة والخالة (كأم في ذلك) أي: في التخيير والإقامة والنقلة. (ولا يُقَرُّ الطفل) ذكرًا كان أو أنثى (بيد من لا يصونه، و) لا (يصلحه) لأن وجود من لا يصونه ويصلحه كعدمه، فتُنقل عنه إلى من يليه. (والمعتوه ولو أنثى) يكون (عند أمه ولو بعدَ البلوغ) لحاجته إلى من يخدمه ويقوم بأمره، والنساء أعرف بذلك. "تتمة": قال في "المبدع": لم أقف في الخنثى المُشْكِل بعد البلوغ على نقل، والذي ينبغي أن يكون كالبنت البِكْر، حتى يجيء في جواز استقلاله وانفراده عن أبويه الخلاف.

стр. 6216

كتاب الجنايات

стр. 6217

كتاب الجنايات (وهي: جمع جناية، وهي) لغة: التعدي على بدن أو مال. وشرعًا: (التعدي على الأبدان بما يوجب قِصاصًا، أو غيرَه) أي: مالًا أو كفَّارة. وسَمَّوا الجناية على الأموال: غصبًا، ونهبًا، وسرقة، وخيانة، وإتلافًا. (قتْلُ الآدمي بغير حقٍّ) بألا يكون مرتدًّا، أو زانيًا محصنًا، أو قاتلًا لمكافئه، أو حربيًّا (ذنبٌ كبيرٌ، وفاعلُه فاسق) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا. . .﴾ الآية (١). وقوله ﷺ : "لا يحلُّ دمُ امرئٍ يشهد أنْ لا إله إلا الله؛ وأنِّي رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزَّاني، والنفس بالنفس، والتَّارك لدينه المفارق للجماعة" متفق عليه (٢). (وأمرُه) أي: القاتل (إلى الله تعالى، إن شاء عذَّبه، وإن شاء غَفَر له) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٣). (وتوبته مقبولة) لعموم الأدلة، وقاله أكثر أهل العلم، وخالف ابنُ عباس (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا. . .﴾ الآية (١)، وهي من آخر

стр. 6218

ما نزل، لم ينسخها شيء (١). وحجة الأكثر: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) فهو تحت المشيئة، والآية الأولى محمولة على مَنْ قَتَله مستحلًّا ولم يتب، أو على أنَّ هذا جزاؤه إن جازاه، وله العفو إن شاء. لا يُقال: لفظ الآية لفظ الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ؛ لأنا نقول بدخولها (٣) التخصيص، والتأويل. (ولا يسقطُ حقُّ المقتولِ في الآخرة بمجرَّد التوبة) كسائر حقوقه (قال الشيخ (٤): فعلى هذا: يأخذ المقتولُ من حسنات القاتلِ بقَدْر مظلَمتِهِ) بكسر اللام وفتحها. (فإن اقتُصَّ) للمقتول (من القاتل، أو عُفِي عنه) أي: عفا وليُّه عن القِصاص (فهل يطالبه المقتولُ في الآخرة؟ على وجهين): أحدهما: يطالبه، ويؤيده ما (قال القاضي عياض (٥) -في حديث صاحب النِّسْعَة، وهو حديث صحيح مشهور) فيه أن النبي ﷺ قال: "إنما تريد أن تبوء بإثمك وإثم صاحبك" (٦) -: (في هذا الحديث أن قتل القِصاص لا يُكفِّر ذنب القاتل بالكلية، وإن كفَّر ما بينه وبين الله تعالى، كما جاء في الحديث الآخر (٧)، فهو) أي: قتل القِصاص (كفَّارة له) أي:

стр. 6219

لحقّ الله (ويبقى حقّ المقتول) فله الطلب به. قال في "النهاية" في باب النون مع السين: النِّسعة بالكسر، سَيْرٌ مضفور، يجعل زمامًا للبعير وغيره، وقد تُنْسَج عريضة تجعل على صدر البعير (١) (ويأتي في باب المرتد له تتمة) وتوضيح. (والقتل) وهو فِعْل ما يكون سببًا لزهوق النفس، وهو مفارقة الروح البدن (ثلاثة أضرب): أحدها: (عمد يختصّ القِصاص به) دون قسيميه. (و) الثاني: (شبه عمد. و) الثالث: (خطأ). وهذا تقسيم أكثر أهل العلم، وأنكر مالك شِبْهَ العَمْدِ وقال: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ (٢). وجعل شِبْهَ العَمْدِ من قسم العمد، وحُكي (٣) عنه مثل قول الجماعة، وهو الصواب؛ لما روى عبدالله بن عمرو بن العاص، أن النبيَّ ﷺ قال: "ألا إن دِية الخطأ شِبه العمد ما كان بالسَّوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها" رواه أبو داود (٤). وهذا نصٌّ في ثبوت شِبه العمد.

стр. 6220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6221

وقَسَمه الموفق في "المقنع" إلى أربعة أقسام، فزاد: ما أُجري مجرى الخطأ، وهو أن ينقلب النائم على شخص فيقتله، ومن يقتل بسبب كحفر بئر مُحَرَّم ونحوه، وهذه الصور عند أكثر أهل العلم من قسم الخطأ. (ويُشترط في القتل العمد القصدُ) فإن لم يقصد القتل فلا قِصاص؛ لحديث: "عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (١). (فـ) ـالقتل (العمد: أن يقتله) قصدًا (بما يغلب على الظَّنِّ موته) أي: المقتول (به، عالمًا بكونه) أي: المقتول (آدميًّا معصومًا) فلا قِصاص بما لا يقتل غالبًا؛ لأن حصول القتل بما لا يغلب على الظن موته به يكون اتفاقًا لسبب أوجب الموت غيره، وإلا لما تخلف الموت عنه في غير تلك الحال على الأكثر، وكذا لا قِصاص إن لم يقصد، أو قصد غير معصوم. (وهو) أي: قَتْل العمد الموجب للقِصاص (تسعةُ أقسام) للاستقراء (أحدها: أن يجرحه بمحدَّد له مَوْر) بفتح الميم وسكون الواو (أي: دخول وتردد في البدن، يقطع الجلدَ واللحمَ، كسكِّين، وسيف، وسنان، وقَدُوم، أو يغرزَه بمِسلة) بكسر الميم (أو ما في معناه) أي: المحدد المذكور (مما يحدد ويجرح، من حديد، ونُحاس، ورصاص، وذهب، وفضة، وزجاج، وحَجَر، وخشب، وقصب، وعظم، جُرْحًا ولو صغيرًا، كشَرْط حجَّام، فمات) المجروح (ولو طالت عِلَّته منه، ولا عِلَّة به غيره)

стр. 6222

أي: الجرح، ولو كان في غير مقتل كالأطراف؛ لأن المحدَّد لا يُعتبر فيه غلبة الظن في حصول القتل به، بدليل ما لو قطع شحمة أذنه أو أنملته فمات؛ ولأن العمد لا يختلف مع اتحاد الآلة والفعل بسرعة الإفضاء وإبطائه؛ ولأن في البدن مقاتل خفية، وهذا له سراية ومَور، فأشبه الجرح الكبير (ولو لم يداوه) أي: الجرح (قادر عليه) أي: الدواء؛ لأنه ليس بواجب، بل ولا مستحب، فتركه ليس بقاتل (أو يغرزه) الجاني (بإبرةٍ أو شَوْكة ونحوِها) من كلِّ محدَّد صغير (في مقتلٍ، كالعين، والفؤاد) وهو: القلب (والخاصرة، والصُّدْغ، وأصل الأذن، والخُصيتين، فمات) في الحال (أو) جرحه بإبرة ونحوها (في غير مقتل كالألْية والفخذ، فمات في الحال، أو) لم يمت في الحال، لكن (بقي ضَمِنًا) بفتح الضاد وكسر الميم، أي: متألمًا (حتى مات) ففي ذلك كله القَوَد؛ لأن الظاهر أنه مات بفعل الجاني. (وإن قطع) أي: أبان سِلْعَةً (١) خطِرة من أجنبي مكلَّف، بغير إذنه، فمات، فعليه القود (أو بَطَّ) أي: شرط (سلعة خطِرة) ليخرج ما فيها (٢) (من أجنبيٍّ مكلَّف، بغير إذنه، فمات؛ فعليه القود) لأنه جَرَحه بغير إذنه جرحًا لا يجوز له، فكان عليه القود، حيث تعمد (٣)، كغيره، فإن كان بإذنه فلا ضمان، لكن إن جنت يده، أو كان غير حاذق؛ ضمنه بديته. (وإن فعله حاكم من صغير أو مجنون) لمصلحة؛ فلا شيء عليه. (أو) فعله (وليهما) أي: ولي الصغير والمجنون (لمصلحة؛

стр. 6223

فلا شيء عليه) سواء كان الولي أبًا أو وصيه؛ لأنه محسن بذلك، كما لو ختنه فمات. القسم (الثاني: أن يَضْرِبَهُ بمُثَقَّل) كبير (فوق عمود الفسطاط الذي تتخذه العرب لبيوتها، فيه رِقَّة ورشاقة، لا) بمثَقَّل (كهو) أي: كعمود الفُسطاط، وهو الخشبة التي يقوم عليها بيت الشَّعر؛ لأن النبي ﷺ "لما سُئل عن المرأة التي ضربت جارتَها بعمود فُسْطَاطٍ فقتلتها وجنينَها، قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغُرَّة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها" (١) والعاقلة لا تحمل العمد، فدلَّ على أن القتل بعمود الفُسطاط ليس بعمد، وأنَّ العمد يكون بما فوقه (وأما العمود الذي تتخذه الترك وغيرهم لخيامهم، فالقتل به عمد؛ لأنه يقتل غالبًا. أو يضربه بما يغلب على الظن موته به، كاللُّتِّ) بضم اللام وتشديد المثناة فوق (نوع من السلاح، والدَّبُّوس، وعقب الفأس، والكُوذين -الخشبة الثقيلة التي يَدُق بها الدقاقُ الثيابَ-، والسِّندان. أو) يضربه بـ (ـحجر كبير، أو يُلْقىَ حائطًا، أو سقفًا، أو صخرة، أو خشبة عظيمة، أو يُلقيَه من شاهق، أو يُكرِّرَ الضربَ) عليه (بخشبة صغيرة، أو حجر صغير) لأن ذلك كله مما يَقتلُ غالبًا. (أو يضربه به) أي: بما ذكر من الخشبة الصغيرة أو الحجر الصغير (مرَّة) في مقتل ونحوه (أو يلكُزَه بيده في مقتلٍ، أو في حال ضَعْفِ قُوَّةٍ من مرض، أو صغر، أو كبر، أو حَرٍّ مُفرِط، أو برد شديد، ونحوه، فمات؛ فعليه القود) لأن ذلك الفعل يقتل غالبًا (وإن ادَّعى جهل المرض في ذلك كله؛ لم يُقبل) وكذا إن قال: لم أقصد قتله؛ لم يُصَدَّق؛

стр. 6224

لأن الظاهر خلافه. (وإن لم يكن كذلك) أي: وإن لم يكن الضرب بما ذكر من الخشبة الصغيرة، أو الحجر الصغير، أو اللَّكز باليد، في مقتل، ولا في حال ضَعْفِ قوةٍ ونحوه مما ذكر (ففيه الدية؛ لأنه عمد الخطأ) لكونه لا يقتل غالبًا إذًا. (إلا أن يصغر جدًّا، كالضربة بالقلم أو الإصبع في غير مقتل ونحوه، أو مَسَّهُ بالكبير ولم يضربه) به (فلا قود فيه ولا دية) لأن ذلك الفعل لا يتسبب عنه قتل. القسم (الثالث: أن يجمع بينه وبين أسدٍ أو نَمِرٍ بضيق، كزُبية ونحوها، وزبية الأسد) بضم الزاي: (حفرة تُحفر له، شبهُ البئر) قال في "الحاشية": الزُّبية: حفرة في موضع عال، يصاد فيها الأسد وغيره (فيفعلَ به) الأسد ونحوه (ما يقتل مثلُه؛ فعليه القود) لأنه إذا تعمَّد الإلقاء، فقد تعمَّد قتله بما يقتل غالبًا. (وإن فعل به) الأسد أو نحوه (فعلًا لو فعله الآدمي لم يكن عمدًا؛ فلا قود) لأن السبُع صار آلة للآدمي، فكان فعله كفعله. (وإن ألقاه مكتوفًا بحضرة سبُع فقتله، أو) ألقاه (بمضيق بحضرة حيَّة فنهشته، أو ألسعه عقربًا من القواتل فقتلتْهُ؛ فعليه القود) لأن هذا يقتل غالبًا، فكان عمدًا محضًا. (وإن أنهشه) بالمعجمة والمهملة سواء، وقيل بالمهملة: الأخذ بأطراف الأسنان، وبالمعجمة: بالأضراس (كلبًا أو سبعًا) المراد به هنا: الحيوان المفترس (أو حية من القواتل، وهو) أي: ذلك الفعل (يقتل غالبًا؛ فعمد) يُقاد به؛ لأنه يقتل غالبًا.

стр. 6225

(وإن كان) ما ذكر من إنهاش الكلب أو السبع أو الحيَّة (لا يقتل غالبًا، كثعبان الحجاز، أو سبع صغير) أو كلب صغير (أو كَتَّفه وألقاه في أرضٍ غير مَسبعة) بفتح الميم أي: كثيرة السباع (فأكله سبع أو نهشته حية، فمات؛ فشبه عمد) فيضمنه بالدية على عاقلته، والكفَّارة في ماله؛ لأنه فَعَلَ فِعلًا تلف به، وهو لا يقتل مثله غالبًا. (وكذلك إن ألقاه مشدودًا في موضع لم يُعهَدْ وصول زيادة الماء إليه، أو تحتمل زيادةَ الماءِ وعَدَمَها فيها (١)) فوصلت إليه الزيادة ومات (٢)؛ فشِبْه عمدٍ؛ لما سبق. (وإن كان يعلم زيادةَ الماء في ذلك الوقت) وألقاه مشدودًا (فمات به؛ فهو عمدٌ) لأنه يقتل غالبًا. القسم (الرابع: ألقاه في ماء يُغْرِقه، أو نار لا يمكنه التخلُّص منهما) أي: من الماء والنار (إما لكثرتهما، أو لعجزه عن التخلُّص؛ لمرضٍ أو ضَعْفٍ أو صِغَرٍ، أو كان مربوطًا، أو مَنَعَه الخروجَ كونُه في حُفرة لا يقدر على الصُّعود منها ونحو هذا، فماتَ) فعمدٌ؛ لأن الموت حصل بعد فعل يغلب على الظن إسنادُ القتل إليه، فوجب كونه عمدًا. (أو حبسه في بيت وأوقد فيه نارًا وسدَّ المنافذ) التي للبيت (حتى اشتدَّ الدخان وضاق به النفس، أو دفنه حيًّا، أو ألقاه في بئر ذات نَفَس (٣)

стр. 6226

عالمًا بذلك، فمات؛ فعمْدٌ) لأن ذلك يقتل مثله غالبًا. (وإن ألقاه في ماء يسير يَقدر على التخلُّص منه، فلبث فيه اختيارًا حتى مات؛ فهدْر) لأنه مهلك لنفسه. (وإن كان) ألقاه (في نار يمكنه التخلُّص منها، فلم يخرج حتى مات؛ فلا قود) لأنه يمكنه التخلُّص، أشبه ما لو ألقاه في ماء يسير (ويَضمنُه بالدية) لأنه جانٍ بالإلقاء المُفضي إلى الهلاك، وهذا أحد وجهين، قال في "تصحيح الفروع": وهو الصَّوابُ. والوجه الثاني: لا شيء عليه، وهو ظاهرُ كلامه في "المحرَّر"، وقدَّمه في "الرعايتين"، و "الحاوي الصغير"، و "شرح ابن رزين". انتهى، وجَزَم به في "المنتهى". (وإنما تُعلم قُدرته) أي: المُلقَى في الماء، أو النار (على التخلُّص بقوله: أنا قادر على التخلُّص، أو نحو هذا). القسم (الخامس: خَنَقَه بحبل، أو غيره) وهو نوعان: أحدهما: أن يخنقه في عنقه، ثم يعلِّقه في نحو خشبة فيموت، فهو عمد، سواء مات في الحال، أو بقي زمنًا؛ لأن هذا جرت به عادة اللصوص والمفسدين (١)، الثاني: أن يخنقه وهو على الأرض. (أو سَدَّ فَمَه وأنفه، أو عصر خُصيَتَيه حتى مات) أي: عصرهما عصرًا يقتله غالبًا، فمات (في مدة يموت في مثلها غالبًا؛ فعمدٌ) لأنه يقتل غالبًا، وظاهر ما سبق: أنه يُعتبر سدُّ الفم والأنف جميعًا؛ لأن الحياة في الغالب لا تفوت إلا بسدِّهما (٢).

стр. 6227

(وإن كان) سَدُّ الفم والأنف، أو عصر الخُصيتين (في مدة لا يموت) مثلُه (فيها غالبًا، فشِبْه عمدٍ، إلا أن يكون صغيرًا (١) إلى الغاية، بحيث لا يُتوهم الموت فيه، فمات؛ فهدْر) لأنه لم يقتله. (ومتى خنقه وتركه متألمًا حتى مات؛ ففيه القود) لأنه قتله بما يقتل غالبًا. (وإن تنفَّس) المخنوق (وصَحَّ) بعد الخنق (ثم مات؛ فلا ضمان) على الخانق؛ لأنه لم يقتله، أشبه ما لو برئ الجرح ثم مات. القسم (السادس: حَبَسه، ومَنَعَه الطعامَ والشرابَ، أو أحدَهما) أي: الطعام وحده أو الشراب (أو) منعه (الدّفاءَ في الشتاء ولياليه الباردة -قاله ابن عقيل- حتى مات جوعًا، أو عطشًا، أو بردًا، في مدة يموت في مثلها غالبًا، بشرط أن يتعذَّر عليه الطلب؛ فعمدٌ) لأن الله تعالى أجرى العادة بالموت عند ذلك، فإذا تعمَّده الإنسان، فقد تعمَّد القتل. (فإن لم يتعذَّر) عليه الطلب، وتركه حتى مات (فهدرٌ) لأنه المهلك لنفسه (كتَرْكِه شدَّ موضع فِصادةٍ. والمدة التي يموت فيها غالبًا تختلف باختلاف الناس والزمان والأحوال، فإذا عطَّشه في الحَرِّ؛ مات في الزمان القليل، وعكسُه في البرد. وإن كان) حبسه مع منعه الطعام والشراب (في مدة لا يموت فيها غالبًا، فـ) ـهو (عمدُ الخطأ. وإن شَكَكْنا فيها) أي: في المدة، هل يموت فيها غالبًا أو لا (لم يجب القودُ) لعدم تحقق موجبه. القسم (السابع: سقاه سَمًّا لا يعلمُ) المقتول (به، أو خَلَطَه بطعامٍ ثم أطعمه إياه، أو خَلَطَه بطعامِ آكِله، فأكله وهو لا يعلم) به (فماتَ،

стр. 6228

فعليه القودُ إن كان) ذلك السَّم (مثلُه يقتل غالبًا) لما رُوي "أنَّ يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها النبي ﷺ وبَشِيرُ بنُ العَلاءِ (١)، فلما مات بشير، أرسل إليها النبي ﷺ فاعترفت، فأمر بقتلها" رواه أبو داود (٢). (وإن علم آكلُه) أي: السَّم (به، وهو بالغ عاقل، فلا ضمان) كما لو قدَّم إليه سكينًا، فقتل بها نفسه. (وإن كان) الآكلُ (غيرَ مكلَّف، بأن كان صغيرًا، أو مجنونًا؛ ضمِنـ) ـه واضع السَّم؛ لأن الصبي والمجنون لا عبرة بفعلهما. (وإن خَلَطه) أي: السَّم (بطعام نَفسِه، فأكله إنسان بغير إذنه،

стр. 6229

فلا ضمان عليه) لأنه لم يقتله، وإنما هو قتل نفسه، أشبه ما لو حفر في داره بئرًا ليقع فيها اللص، إذا دخل يسرق منها، وسواء دخل بإذنه أو بغيره، حيث لم يأذنه في الأكل. (فإن ادَّعى القاتلُ بالسَّم عدم علمه أنه قاتل؛ لم يُقبل) منه؛ لأن السَّم يقتل غالبًا (كما لو جَرَحه، وقال: لم أعلم أنه يموت. وإن كان) ما سقاه له (سَمًّا لا يقتل غالبًا) فقتله (فشِبْه عمد) لأنه قصد الجناية بما لا يقتل غالبًا. (وإن اختُلف) في السَّم المسقي له (هل يقتل غالبًا أو لا؟ وثَمَّ بينة) لأحدهما (عُمل بها) إذا كانت من ذوي الخبرة به. (وإن قالت) البينة: إن ذلك السَّم (يقتل النِّضْوَ الضعيف دون القوي، أو غير ذلك؛ عُمل على حسب ذلك) لأنه ممكن. (فإن لم يكن مع أحدهما بينةٌ؛ فالقول قول الساقي) لأنه منكِرٌ (١). القسم (الثامن: أن يقتله بسحرٍ يقتل غالبًا، فهو عمدٌ) إذا كان الساحر يعلم ذلك، أشبه ما لو قتله بمحدَّد (وإن قال) الساحرُ: (لم (٢) أعلمه قاتلًا؛ لم يُقبل قوله) لأنه خلاف الظاهر (فهو) أي: السحر (كسَمٍّ حكمًا) أي: في حكمه السابق. (وإذا وجب قتله) أي: الساحر (بالسحر، وقُتِل) به (كان قتلُه به حدًّا) قاله ابن البناء، وصحَّحه في "الإنصاف"، ومقتضي ما قدَّمه المصنِّف كغيره في الحدود: أنه يُقتَل قصاصًا؛ لتقديم حقِّ الآدمي (وتجب دِيةُ المقتول في تَرِكته) أي: الساحر، كما لو مات أو قتل بغير

стр. 6230

المسحور. (والمِعْيَان: الذي يقتُلُ بعينه -قال ابن نصر الله في "حواشي الفروع":- ينبغي أن يُلحَق بالساحر الذي يقتُل بسحرِه غالبًا، فإذا كانت عينه يستطيع القتل بها، ويفعله باختياره؛ وجب به القصاصُ) لأنه فعل به ما يقتل غالبًا. (وإن فعل ذلك بغير قَصْدِ الجناية، فيتوجَّه أنه خطأ يجب فيه ما يجب في القتل الخطأ، وكذا ما أتلفه بعينه، يتوجَّه فيه القول بضمانه، إلا أن يقع بغير قصده، فيتوجَّه عدم الضمان. انتهى، ويأتي في التعزير). وقال ابن القيم في "شرح منازل السائرين" (١): إن كان ذلك بغير اختياره، بل غلب على نفسه، لم يُقتصَّ منه، وعليه الدية، وإن عمد ذلك، وقَدَرَ على رَدِّه، وعَلِم أنه يقتل به، ساغ للوليّ أن يقتله بمثل ما قَتَل به، فيعينه إن شاء، كما أعان هو المقتول، وأما قتله قصاصًا بالسيف، فلا؛ لأنه غير مماثل للجناية. قال: وسألتُ شيخنا عن القتل بالحال هل يوجب القصاص؟ فقال: للوليّ أن يقتله بالحال، كما قتل به. وفَرَّق ابنُ القيم في المشهد الثاني من المشاهد بين العائن والساحر من وجهين. والعين: نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع، يحصُل للمنظور منه ضرر، قال بعضهم: وإنما يحصل ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، ونظير ذلك: أن الحائض تضع يدها في إناء اللبن يفسد، ولو وضعته بعد طُهرها لم يفسد، وأن الصحيح ينظر في عين الأرمد فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب؛ قاله

стр. 6231

الحافظ ابن حجر (١). القسم (التاسع: أن يشهد اثنان فأكثرُ على شخص بقتلٍ عمدٍ، أو رِدَّة حيث امتنعت التوبة، أو) يشهد (أربعة فأكثر بزنى مُحصَنٍ، ونحوِ ذلك مما يوجب القتل، فقُتل بشهادتهم، ثم رجعوا واعترفوا بتعمُّد القتل، فعليهم القِصاصُ) لما روى القاسم بن عبدالرحمن "أن رجلين شهدا عند علي (٢) أنه سرق فقطعه، ثم رجعا عن شهادتهما، فقال عَليٌّ: لو أعلم أنكما تَعَمَّدتما لقطعت أيديكما" (٣)؛ ولأنهما توصَّلا إلى قتله بسبب يقتل غالبًا، أشبه المسكر (٤). وقوله: "حيث امتنعت التوبة" بأن شهدا أنه سبَّ الله أو رسولَهُ ونحو ذلك، بخلاف ما تُقبَل فيه التوبة، إذ يمكنه دفعهما بالتوبة. (وكذلك الحاكم، إذا حكم على شخص بالقتل عالمًا بذلك) أي: بكذب البينة (متعمِّدًا، فَقُتِل، واعترف) الحاكم بذلك (فعليه القِصاص) لأنه في معنى الشهود، فكان الحاصل بسببه عمدًا، كالقتل الحاصل بسبب الشاهدين. (ولو أن الوليَّ الذي باشر قَتْلَه أقرَّ بعلمِه بكَذِب الشُّهود، وتعمُّدِ

стр. 6232

قتله، فعليه القِصاصُ وحدَه) لأنه باشر القتل عمدًا بغير حق (فإن أقرَّ الشاهدان والوليُّ والحاكمُ جميعًا بذلك) أي: بالكذب والتعمُّد لقتله (فعلى الوليِّ المباشرِ) للقتل (القِصاصُ وحده -أيضًا-) لأنه باشر القتلَ عمدًا عدوانًا، قال في "الشرح": ينبغي ألا يجب على غيره شيء؛ لأنهم متسببون، والمباشر يُبْطِلُ حكمها، كالدافع مع الحافر. (وإن كان الوليُّ لم يباشِر) القتل (وإنما باشر وكيلُه، فإن كان الوكيل عالمًا؛ فعليه القِصاص وحدَه) لأنه المباشِر (وإلا) أي: وإن لم يكن الوكيل عالمًا (فعلى الوليِّ) القصاص، كما لو باشره (فيختصُّ مباشرٌ عالمٌ بالقَوَد، ثم وليٌّ) عالم (ثم بيِّنة وحاكمٌ، ومتى لزمت الديةُ الحاكمَ والبينةَ، فهي بينهم سواء، على الحاكم مثلُ واحد منهم) لأن الجميع متسببون (ولو رجع الولي والبيِّنة، ضمنه الولي وحده) لمباشرته القتل. (ولو قال بعضهم: عَمَدْنا قتلَه، وقال بعضُهم: أخطأنا -يريد كلُّ قائل نفسه دون البعض الآخر؛ قاله ابن قُندس في "حاشية الفروع"-، أو قال واحد: عَمَدْتُ قتله، وقال الآخر: أخطأت؛ فلا قود على المتعمِّد) لأن القتل لم يتمحَّض موجبًا (وعليه) أي: المتعمِّد (حِصَّته من الدِّية المغلَّظة) مؤاخذةً له بإقراره (وعلى المخطئ حِصَّته من الدية المخفَّفة. ولو قال كلُّ واحدٍ منهم: تعمَّدتُ وأخطأ شريكي، أو قال واحد: عمَدنا جميعًا، وقال الآخر: عمدتُ وأخطأ صاحبي، أو قال واحد: عمدتُ ولا أدري ما فعل صاحبي؛ فعليهما القود) لاعتراف كلٍّ منهما بالقتل عمدًا عدوانًا. (ولو قال واحد: عمدنا) حال كونه (مخبرًا عنه وعمن معه، وقال الآخر: أخطأنا. مخبرًا عنه وعمن معه؛ لزم المُقِرَّ بالعمد القَوَدُ) مؤاخذةً

стр. 6233

له بإقراره (و) لزم (الآخر نصف الدية مخففة إذا كانا اثنين) فإن كانوا ثلاثة فأكثر، فقال واحدٌ منهم: عمدنا، وقال آخر: أخطأنا؛ فلا قَوَد، وعلى من قال: عمدنا حصتُه من الدية المغلَّظة، والآخر حِصَّته من الدية المخفَّفة، ولو قالوا: عمدنا الإشهاد دون القتل؛ فالدية. (وإن قالا: أخطأنا، فعليهم (١) الدِّية مخفَّفة. ولو حفر في بيته بئرًا، وسَتَره ليقع فيه أحدٌ، فوقع) فيها أحد (فمات، فإن كان) الواقع (دخل بإذنه؛ قُتل به) لتسببه في قتله (لا إن دخل بلا إذنه، أو كانت مكشوفة بحيث يراها الداخل، أو لم يقصده) أي: القتل، فلا يُقتل به، ويأتي بأوضح من هذا في الديات. (ولو جعل في حَلْقِ زيدٍ خُراطةً) أي: حبلًا ونحوه (وشدَّها في شيء عال، وتَرَك تحتَه حجرًا، فأزاله آخرُ عمدًا، فماتَ، قُتِل مزيلُه دون رابطه) كالحافر مع الدافع. (وإن جَهِل) المُزيلُ (الخُراطةَ فلا قود) عليه؛ لأنه لم يتعمَّد القتل (وعلى قاتله في ماله الدية) جزم بمعناه في "المنتهى" وغيره. وفيه نظر؛ لأنه إن كان عمدًا، أوجب القود، وإن كان خطأً أو شبه عمد، فالدية على العاقلة. (ولو شَدَّ على ظهره قِرْبةً منفوخةً وألقاه في البحر، وهو لا يُحسن السباحةَ، فجاء آخرُ وخَرَق القِربةَ، فخرج الهواء، فغرق، فالقاتل هو الثاني) لأنه المباشر، والأول متسبب. (واختار الشيخ (٢)، أن الدَّالَّ) على المقتول ليُقتل ظلمًا (يلزمه

стр. 6234

القود إن تعمَّد) وعلم الحال، ولعل مراده إذا تعذَّر تضمين المباشر، وإلا، فهو الأصل (وإلا) أي: وإن لم يتعمد الدالُّ (فـ) ــعليه (الدية. و) اختار الشيخ (١) أيضًا (أنَّ الآمر) بالقتل بغير حق (لا يرث) من المقتول شيئًا؛ لأن له تسببًا في القتل. فصل (وشِبه العمد، ويُسمَّى: خطأَ العمدِ، وعمدَ الخطإ) لاجتماعهما فيه (أن يقصد الجناية إما لقصد العدوان عليه، أو) قصد (التأديب له، فيسرف فيه بما لا يقتل غالبًا ولم يجرحه بها، فَيَقْتل، قَصَدَ قتله أو لم يقصده) سُمِّي بذلك؛ لأنه قصَد الفعلَ وأخطأ في القتل. (نحو أن يضربه بسوط أو عصًا، أو حجر صغير، أو يَلْكِزَه بيده، أو يُلقيه في ماء قليل، أو يسحره بما لا يقتل غالبًا، أو بسائر ما لا يقتل غالبًا، أو يصيح بصبي (٢) أو معتوه وهما على سطح أو نحوه) من الأمكنة المرتفعة (فيسقطان) فيموتان (أو يغتفل عاقلًا فيصيح به، فيسقط فيموت، أو يذهب عقله، فـ) ــهذا كله لا قود فيه؛ لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا قال: "عَقْلُ شبهِ العمد مغلَّظٌ مثلُ عَقْلِ العمدِ، ولا يُقتلُ صاحبُه" رواه أحمد وأبو داود (٣).

стр. 6235

وعن عبدالله بن عمرو مرفوعًا: "ألا إن في قتل الخطأ شبهِ العمد قتيل السوط والعصا: فيه مائةٌ من الإبل، منها أربعونَ في بطونها أولادها" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه (١)، ولهم من حديث ابن عمر مثله (٢)، ورواهما النسائي والدارقطني مسندًا ومرسلًا. وهذا القسم ثبت بالسُّنة، والقسمان الآخران ثبتا بالكتاب. و (فيه الكفَّارة إذا مات) المجني عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ
следующие страницы →