له فيه تأخير الفائتة، لكونه حضر لصلاة عيد، أو ينضرّ (١) في بدنه، أو نحوه، أو أخرها لغرض صحيح (لتحريمه) أي: النفل المطلق إذن (كأوقات النهي) لتعين الوقت للفائتة، وكما لو ضاق وقت الحاضرة، ومفهومه أنه يصح النفل المقيد، كالرواتب والوتر؛ لأنها تتبع الفرائض، فلها شبه بها.
(وإن قلت الفوائت قضى سننها) الرواتب (معها) لأن النبي ﷺ لما فاتتْه الفجرُ صلى سنَّتَها قبلها (٢).
(وإن كثرت) الفوائت (فالأولى تركها) أي: السنن؛ لأن النَّبيَّ ﷺ لما قضى الصلوات الفائتة يوم الخندق (٣) لم ينقل أنه صلى بينها سنة، ولأن الفرض أهم، فالاشتغال به أولى، قاله في "الشرح".
(إلا سنة الفجر) فيقضيها، ولو كثرت الفوائت، لتأكدها وحث الشارع عليها.
стр. 667
(ويخير في الوتر) إذا فات مع الفرض وكثر، وإلا قضاه استحبابًا.
(ولا تسقط الفائتة بحج، ولا تضعيف صلاة في المساجد الثلاثة): المسجد الحرام، ومسجده ﷺ ، والمسجد الأقصى، فإذا صلى في أحد تلك المساجد وعليه فائتة لم تسقط بالمضاعفة.
(ولا) تسقط الفائتة بـ (ــغير ذلك) المذكور، سوى قضائها، لحديث مسلم: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" (١) والجملة مُعرَّفة الطرفين فتفيد الحصر.
(فإن خشي فوات الحاضرة، أو) خشي (خروج وقت الاختيار سقط وجوبه) أي: ما ذكر من الفور، والترتيب (٢) (إذا بقي من الوقت قدر فعلها، ثم يقضي) الفائتة؛ لأن الحاضرة آكد، بدليل أنه يقتل بتركها، بخلاف الفائتة، ولئلا تصير الحاضرة فائتة.
(وتصح البداءة بغير الحاضرة مع ضيق الوقت) ويأثم.
стр. 668
و (لا) تصح (نافلة ولو راتبة) مع ضيق الوقت (فلا تنعقد) لتحريمها، كوقت النهي، لتعين الوقت للفرض. وهكذا إذا استيقظ، وشك في طلوع الشمس، بدأ بالفريضة، نص عليه، لأن الأصل بقاء الوقت.
(و إن نسي الترتيب بين الفوائت حال قضائها) بأن كان عليه ظهر وعصر مثلًا، فنسي الظهر حتى فرغ من العصر (أو) نسي الترتيب (بين حاضرة وفائتة حتى فرغ) من الحاضرة (سقط وجوبه) أي: الترتيب، لقوله ﷺ : "عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان" رواه النسائي (١).
стр. 669
وما تقدم في حديث إعادته ﷺ صلاة المغرب عام الأحزاب (١): محمول على أنه ذكر صلاة العصر في أثنائها، بدليل أنه سأل عقب سلامه، كما تدل عليه الفاء، وجمعًا بين الأخبار.
(و لا يسقط) الترتيب (بجهل وجوبه) لقدرته على التعلم، فلا يعذر بالجهل لتقصيره، بخلاف النسيان (فلو صلى الظهر ثم الفجر جاهلًا) وجوب الترتيب (ثم صلى العصر في وقتها، صحت عصره) مع عدم صحة ظهره (لاعتقاده) حال صلاة العصر (أن لا صلاة عليه، كمن صلاها) أي: العصر (ثم تبين أنه صلى الظهر بلا وضوء) أو أنه كان ترك منها ركنًا أو شرطًا آخر، لأنه في معنى الناسي.
стр. 670
(ولا يسقط) الترتيب (بخشية فوت الجماعة) بل يصلي الفائتة ثم الحاضرة، ولو وحده، ويسقط وجوب الجماعة للعذر.
(وعنه: يسقط) الترتيب بخشية فوت الجماعة (اختاره جماعة، لكن عليه فعل الجمعة) إن خشي فوتها لو اشتغل بالفائتة (وإن قلنا بعدم السقوط) أي: سقوط الترتيب بخشية فوت الجمعة (ثم يقضيها ظهرًا) على القول بعدم السقوط، قال في "المبدع": وظاهره لا فرق بين الحاضرة أن تكون جمعة أو غيرها، فإن خوف فوت الجمعة كضيق الوقت في سقوط الترتيب، نص عليه، فيصلي الجمعة قبل القضاء، وعنه: لا يسقط، قال جماعة: لكن عليه فعل الجمعة في الأصح، ثم يقضيها ظهرًا اهـ وقال في "المنتهى" في باب الجمعة: وتترك فجر فائتة لخوف فوت الجمعة.
(و يسن أن يصلي الفائتة جماعة إن أمكن) ذلك، لفعله ﷺ كما تقدم (١).
(و إن ذكر فائتة، وهو في حاضرة، أتمها غير الإمام نفلًا، إما ركعتين، وإما أربعًا، ما لم يضق الوقت) عن فعل الفائتة ثم الحاضرة بعد إتمام ما شرع فيها؛ لقوله ﷺ : "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فليصل مع الإمام، فإذا فرغ من صلاته، فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام" رواه أبو يعلى الموصلي (٢) بإسناد حسن، قاله في "الشرح".
стр. 671
وروي موقوفًا على ابن عمر (١). وألحق بالمأموم المنفرد لأنه في معناه.
(ويقطعها) أي: الحاضرة (الإمام) إذا ذكر فائتة (نصًا مع سعته) أي: الوقت؛ لئلا يلزم اقتداء المفترض بالمتنفل.
(واستثنى جمع الجمعة) فلا يقطعها الإمام إذا ذكر الفائتة في أثنائها.
وإن ضاق الوقت بأن لم يتسع لسوى الحاضرة، أتمها الإمام وغيره، وإن اتسع للفائتة ثم الحاضرة فقط، قطعها أيضًا غير الإمام، لعدم صحة النفل إذن. وإن ذكر الإمام الفائتة قبل إحرامه بالجمعة استناب فيها، وقضى الفائتة. فإن أدرك الجمعة مع نائبه وإلا صلى ظهرًا.
(و إن شك في صلاة هل صلى ما قبلها، ودام) شكه (حتى فرغ) من صلاته (فبان أنه لم يصل، أعادهما) أي: الفائتة، ثم الحاضرة ليحصل الترتيب.
стр. 672
(وإن نسي صلاة من يوم) بليلته (يجهل عينها) بأن لم يدر أظهر هي أم غيرها؟ (صلى خمسًا بنية الفرض) أي: ينوي بكل واحدة من الخمس الفرض الذي عليه.
(ولو نسي ظهرًا وعصرًا من يومين، وجهل السابقة) منها (بدأ بإحداهما بالتحري) أي: الاجتهاد (١) (فإن لم يترجح عنده شيء، بدأ بأيهما شاء) للعذر.
(ولو علم أن عليه من يوم الظهرَ وصلاة أخرى، لا يعلم هل هي المغرب أو الفجر؟ لزمه أن يصلي الفجر، ثم الظهر، ثم المغرب) اعتبارًا بالترتيب الشرعي.
وإن ترك عشر سجدات من صلاة شهر قضى صلاة عشرة أيام، لجواز تركه كل يوم سجدة، ذكره أبو المعالي، وجزم بمعناه في "المنتهى".
ومن شك فيما عليه، وتيقن سبق الوجوب، أبرأ ذمته يقينًا، نص عليه. وإلا ما يتيقن وجوبه.
ولو شك مأموم هل صلى الإمام الظهر، أو العصر؟ اعتبر بالوقت، فإن أشكل، فالأصل عدم الإعادة.
(ولو توضأ) مكلف (وصلى الظهر، ثم أحدث، ثم توضأ وصلى العصر، ثم ذكر أنه ترك فرضًا) أو شرطًا (من إحدى الطهارتين (٢)، ولم يعلم عينها، لزمه إعادة الوضوء) لاحتمال أن يكون المتروك من الوضوء الثاني (و) إعادة (الصلاتين) ليخرج من العهدة بيقين (ولو لم يحدث بينهما، ثم توضأ للثانية تجديدًا، لزمه إعادة الأولى فقط) لاحتمال أن يكون المتروك من
стр. 673
الوضوء الأول، ولا يعيد الثانية لأنها صحيحة بكل حال، لأن المتروك إن كان من التجديد لم يضره تركه، وإن كان من الوضوء أولا، فالحدث ارتفع بالتجديد (من غير إعادة الوضوء) لما ذكر، وتقدم بعضه في الوضوء.
(وإن نام مسافر عن الصلاة حتى خرج الوقت، سن له الانتقال من مكانه) لحضور الشيطان له فيه (ليقضي الصلاة في غيره) أي: غير المكان الذي نام فيه، لفعله ﵊ لما نام عن صلاة الصبح، وتقدم (١).
стр. 674
باب ستر العورة وأحكام اللباس
الستر: - بفتح السين -، مصدر ستره أي: غطاه، - وبكسرها - ما يستر به.
والعورة لغة: النقصان، والشيء المستقبح، ومنه كلمة عوراء أي: قبيحة.
(وهو) أي: ستر العورة (الشرط السادس) في الذكر. قال ابن عبد البر (١): أجمعوا على فساد صلاة من ترك ثوبه، وهو قادر على الاستتار به، وصلى عريانًا، لقوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ (٢) لأنها وإن كانت نزلت بسبب خاص (٣)، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ولقوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمارٍ" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي (٤) وحسنه من حديث عائشة. ورواه الحاكم وقال: على شرط مسلم. والمراد بالحائض: البالغ.
стр. 675
والأحسن في الاستدلال أن يقال: انعقد الإجماع على الأمر به في الصلاة، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فيكون منهيًا عن الصلاة مع كشف العورة، والنهي في العبادات يدل على الفساد.
(والعورة سوأة الإنسان) أي: قبله ودبره. قال تعالى: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ (١) (وكل ما يستحى منه) على ما يأتي تفصيله، سميت عورة، لقبح ظهورها، ثم إنها تطلق على ما يجب ستره في الصلاة، وهو المراد هنا، وعلى ما يحرم النظر إليه، ويأتي في النكاح (فمعنى ستر العورة: تغطية ما يقبح ظهوره ويُسْتَحى منه) من ذكر وأنثى أو خنثى، حرًا وغيره.
(وسترها) أي: العورة (في الصلاة عن النظر، حتى عن نفسه) فلو كان جيبه واسعًا بحيث يمكن رؤية عورته منه، إذا ركع أو سجد، وجب زره ونحوه ليسترها، لعموم الأمر بستر العورة.
(و) حتى (خلوة) فيجب ستر العورة خلوة، كما يجب لو كان بين الناس، لحديث بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: "قلت: يا رسول الله، عوراتُنا، ما نأتي منها وما نذرُ؟ قال: احفظ عورتَك إلا من زوجتِك، أو ما ملكتْ يمينُكَ. قلت: فإذا كان القومُ بعضهم في بعضٍ؟ قال: فإن استطعتَ أن لا يراها أحدٌ، فلا يرينها.
قلت: فإذا كان أحدُنا خاليًا؟ قال: فالله ﵎ أحق أن يستحيى (٢) منه" (٣) رواه أبو داود (٤).
стр. 676
و (لا) يجب ستر العورة عن النظر (من أسفل، ولو تيسر النظر) إليها من أسفل، بأن كان يصلي على مكان مرتفع، بحيث لو رفع رأسه من تحته لرأى عورته. وفي "المبدع" وغيره: والأظهر بلى، إن تيسر النظر.
(واجب) خبر قوله: وسترها (بساتر لا يصف لون البشرة، سوادها وبياضها) لأن ما وصف سواد الجلد أو بياضه ليس بساتر له.
(فإن) ستر اللون، و (وصف الحجم) أي: حجم الأعضاء (فلا بأس) لأن البشرة مستورة، وهذا لا يمكن التحرز منه.
(ويكفي في سترها - ولو مع وجود ثوب - ورق شجر، وحشيش، ونحوهما) كخوص مضفور؛ لأن المقصود سترها، وقد حصل. ولأن الأمر بسترها غير مقيد بساتر، فكفى أي ساتر (و) يكفي في سترها أيضًا (متصل به، كيده، ولحيته) فإذا كان جيبه واسعًا ترى منه عورته، فضمه بيده، أو غطته لحيته، فمنعت رؤية عورته، كفاه ذلك، لحصول الستر. وكذا لو كان بثوبه حذاء فخذه ونحوه خرق فوضع يده عليه.
(ولا يلزمه) ستر عورته (ببارية) (١) والمراد بها: ما يصنع على هيئة الحصير من قصب، وفي "القاموس" (٢): هي الحصير (وحصير، ونحوهما مما يضره) إذا لم يجد غيره، دفعًا للضرر والحرج.
(ولا) يلزمه أيضًا ستر عورته بـ (ــحفيرة، وطين، وماء كدر) لأن ذلك لا يثبت، وفي الحفيرة حرج، واختار ابن عقيل: يجب الطين لا الماء.
(ولا) يكفي سترها (بما يصف البشرة) لأنه ليس بساتر.
стр. 677
قلت: لكن إن لم يجد غيره وجب، لحديث: "إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم" (١).
(ويجب سترها كذلك) أي: بما لا يصف البشرة، لا من أسفل - حتى خلوة - (في غير الصلاة، ولو في ظلمة، وحمام) لحديث بهز بن حكيم السابق (٢). قال في "الرعاية": يجب سترها مطلقًا حتى خلوة عن نظر نفسه، لأنه يحرم كشفها خلوة بلا حاجة، فيحرم نظرها، لأنه استدامة لكشفها المحرم، قال في "الفروع": ولم أجد تصريحًا بخلاف هذا، لا أنه يحرم نظر عورته حيث جاز كشفها، فإنه لا يحرم هو، ولا مسها اتفاقًا.
(ويجوز كشفها) أي: العورة لضرورة (و) يجوز (نظر الغير إليها لضرورة، كتداو، وختان، ومعرفة بلوغ، وبكارة، وثيوبة، وعيب، وولادة، ونحو ذلك) كحلق عانة من لا يحسنه. ويأتي توضيحه في النكاح.
(ويجوز كشفها) أي: العورة (ونظرها لزوجته، وعكسه) لقوله ﷺ : "احفظْ عورتكَ إلا من زوجتِك أو ما ملكتْ يمينُك" (٣).
(و) يجوز كشفها ونظرها (لأمته المباحة، وهي لسيدها) أي: يجوز للأمة المباحة كشف عورتها لسيدها، ونظرها لعورته، لما تقدم. وخرج بالمباحة المجوسية، ونحوها، والمزوّجة، والمعتدة، والمستبرأة من غيره.
(و) يجوز (كشفها لحاجة، كتخل، واستنجاء، وغسل. وتقدم في الاستطابة، والغسل.
стр. 678
ولا يحرم عليه نظر عورته حيث جاز كشفها) لتداو، أو نحوه مما تقدم، لكن يكره، كما يأتي في الأنكحة، نقله عن "الترغيب" وغيره.
(وعورة الرجل) أي: الذكر البالغ (ولو) كان (عبدًا أو ابن عشر) حرًا، أو عبدًا: ما بين السرة والركبة، لحديث علي قال: قال لي النَّبيُّ ﷺ : "لا تبرِزْ فخذَكَ، ولا تنظرْ إلى فخذِ حيٍّ، أو ميتٍ" رواته ثقات، رواه ابن ماجه، وأبو داود (١) وقال: هذا الحديث فيه نكارة.
стр. 679
وعن جَرْهد الأسلمي قال: "مر الرسول ﷺ وعليّ بردة، وقد انكشفتْ فخذِي فقال: غط فخذكَ، فإن الفخذَ عورةٌ" رواه مالك، وأحمد وغيرهما (١)، وفي إسناده اضطراب (٢)، قاله في "المبدع"، وقال في "الشرح": رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن.
стр. 680
(و) عورة (الأمة ما بين السرة والركبة) لما روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا قال: "إذا زوجَ أحدُكم عبدَه أمتَه أو أجيرَه، فلا ينظرْ إلى شيءٍ من عورتِهِ، فإن ما تحتَ السرةِ إلى ركبتِه عورةٌ" رواه أحمد، وأبو داود (١)، يريد به الأمة، فإن الأجير، والعبد، لا يختلف حاله بالتزوبج وعدمه، وكان عمر ينهى الإماء عن التقنع، وقال: "إنما القناعُ للحرائرِ" (٢) واشتهر ذلك ولم ينكر، فكان كالإجماع.
(وكذا أم ولد، ومعتق بعضها، ومدبرة، ومكاتبة، ومعلق عتقها على صفة) فعورتهن: ما بين السرة والركبة، لبقاء الرق فيهن، والمقتضي للستر بالإجماع هو الحرية الكاملة، ولم توجد، فبقين على الأصل.
(و) كذا عورة (حرة مراهقة، ومميزة) لمفهوم حديث: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ
стр. 681
حائضٍ إلا بخمار" (١).
(و) كذا عورة (خنثى مشكل) له عشر سنين فأكثر، لأنه لم تتحقق أنوثيته، فلم يجب عليه ما زاد على ذلك بالاحتمال.
(ويستحب استتارهن) أي: الأمة، وأم الولد، والمعتق بعضها، والمدبرة، والمكاتبة، والمعلق عتقها على صفة، والحرة المراهقة، والمميزة، والخنثى المشكل (كالحرة البالغة احتياطًا).
قال في "المبدع": في الأمة، يسن ستر رأسها في الصلاة. وقال في "شرح الهداية": والاحتياط للخنثى المشكل أن يستتر كالمرأة. وعلم مما سبق، أن السرة والركبة ليستا من العورة، بل العورة ما بينهما، لحديث عمرو بن شعيب، وتقدم. وحديث أبي أيوب أن النَّبيَّ ﷺ قال: "أسفلُ السرَّةِ وفوق الركبتينْ من العورَةِ" رواه أبو بكر (٢)، ولأنهما حدا العورة فلم يكونا منها.
(وابن سبع) وخنثى له سبع سنين (إلى عشر) سنين (عورته الفرجان فقط) لأنه دون البالغ.
(والحرة البالغة كلها عورة في الصلاة، حتى ظفرها، وشعرها) لقول النَّبيِّ ﷺ : "المرأةُ عورةٌ" رواه الترمذي (٣) وقال: حسن صحيح.
стр. 682
وعن أم سلمة أنها سألت النَّبيَّ ﷺ : "أتصلي المرأةُ في درعٍ وخمارٍ، وليسَ عليهَا إزارٌ؟ قال: إذا كان الدرعُ سابغًا يغطي ظهورَ قدمَيْها" رواه أبو داود (١)، وصحح عبد الحق (٢) وغيره أنه موقوف على أم سلمة.
(إلا وجهها) لا خلاف في المذهب أنه يجوز للمرأة الحرة كشف وجهها في الصلاة، ذكره في "المغني" وغيره.
стр. 683
(قال جمع: وكفيها) واختاره المجد، وجزم به في "العمدة" و"الوجيز"، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (١) قال ابن عباس، وعائشة: "وجهها وكفيها" رواه البيهقي (٢)، وفيه ضعف. وخالفهما ابن مسعود (٣).
(وهما) أي: الكفان (والوجه) من الحرة البالغة (عورة خارجها) أي: الصلاة (باعتبار النظر، كبقية بدنها) لما تقدم من قوله ﷺ : "المرأة عورة" (٤).
(ويسن لرجل، والإمام أبلغ) أي: آكد، لأنه يقتدى به، وبين يدي المأمومين، وتتعلق صلاتهم بصلاته (أن يصلي في ثوبين) ذكره بعضهم إجماعًا، قال ابن تميم وغيره: (مع ستر رأسه) بعمامة وما في معناها، لأنه ﷺ كان كذلك يصلي، قاله المجد في "شرحه"، وقال إبراهيم: كانوا يستحبون إذا وسع الله عليهم أن لا يصلي أحدهم في أقل من ثوبين.
стр. 684
(ولا يكره) أن يصلي (في ثوب واحد، يستر ما يجب ستره) من العورة، وأحد العاتقين في الفرض (والقميص أولى من الرداء إن اقتصر على ثوب واحد) لأنه أبلغ، ثم الرداء، ثم المئزر، أو السراويل، قاله في "الشرح".
وإن صلى في ثوبين، فأفضل ذلك ما كان أسبغ، فيكون الأفضل، القميص والرداء، ثم الإزار، أو السراويل مع القميص، ثم أحدهما مع الرداء، وأفضلهما مع الرداء الإزار؛ لأنه لبس الصحابة، ولأنه لا يحكي تقاطيع الخلقة، وأفضلهما تحت القميص السراويل، لأنه أستر، ولا يحكي خلقة في هذه الحالة، ذكره المجد في "شرحه".
(وإن صلى في الرداء، وكان واسعًا، التحف به، وإن كان) الرداء (ضيقًا، خالف بين طرفيه على منكبيه، كالقصار) لقوله ﷺ : "إذا كانَ الثوبُ ضيقًا فاشدُدْهُ على حقوك" رواه أبو داود (١).
(فإن كان جيب القميص واسعًا، سُنَّ أن يزرّه عليه ولو بشوكة) لحديث سلمة بن الأكوع، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني أكونُ في الصيدِ، وأصلِّي في القميص الواحدِ؟ قال: "نعمْ، وازرره ولو بشوكة" رواه ابن ماجه، والترمذي (٢)، وقال: حسن صحيح.
стр. 685
(ف إن رؤيت عورته منه بطلت) صلاته، لفوات شرطها، والمراد: أمكن رؤية عورته، وإن لم تر لعمى، أو ظلمة، أو خلوة، ونحوه، كما تقدم (فإن لم يزره) أي: الجيب (وشد وسطه عليه بما يستر العورة، أو كان ذا لحية تسد جيبه، صحت صلاته) لوجود الستر المأمور به (فإن اقتصر) الرجل، ومثله الخنثى (على ستر عورته، وأعرى العاتقين في نفل، أجزأه) دون الفرض، لأن مبنى النفل على التخفيف، ولذلك يتسامح فيه بترك القيام، والاستقبال في حال سفره مع القدرة، فسومح فيه بهذا القدر. ولأن عادة الإنسان في بيته، وخلواته، قلة اللباس، وتخفيفه، وغالب نفله يقع فيه، فسومح فيه لذلك، ولا كذلك الفرض. ويؤيده حديث عائشة "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ صلّى في ثوبٍ واحدٍ بعضُهُ عليَّ" رواه أبو داود (١).
والثوب الواحد لا يتسع لذلك مع ستر المنكبين.
(ويشترط في فرض مع سترها) أي: العورة (ستر جميع أحدهما) أي: العاتقين (بشيء من لباس) لحديث أبي هريرة: "لا يصلِّي الرجلُ في الثوبِ
стр. 686
الواحِدِ ليسَ على عاتِقهِ منه شيءٌ" رواه البخاري (١)، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وتقدم الفرق بين الفرض والنفل.
واستدل أبو بكر على التفرقة بين الفرض والنفل بقول النَّبيِّ ﷺ في حديث جابر: "إذا كان الثوبُ ضيقًا فاشددْهُ على حِقْوِكَ" وفي لفظ: "فاتزر به" رواه البخاري (٢) وقال: هذا في التطوع، وحديث أبي هريرة في الفرض، والمراد بالعاتق: موضع الرداء من المنكب.
وقوله: "بلباس" أي: سواء كان من الثوب الذي ستر به عورته، أم من غيره، ومحل ذلك إذا قدر عليه، فأي شيء ستر به عاتقه أجزأه (ولو وصف البشرة) لعموم قوله ﷺ : "ليسَ على عاتِقهِ منهُ شيءٌ" وهو يعم ما يصف، وما لا يصف (فلا يجزئ حبل ونحوه) لأنه لا يسمى لباسًا.
(ويسن للمرأة الحرة أن تصلي في درع، وهو القميص) وقال أحمد (٣): شبه القميص، لكنه سابغ يغطي قدميها، قاله في "المبدع" (وخمار) وهو غطاء رأسها، وتديره تحت حلقها (وملحفة) بكسر الميم (وهي الجلباب) روى ذلك محمد بن عبد الله الأنصاري في جزئه، عن عمر (٤)،
стр. 687
بإسناد صحيح.
وروى سعيد بن منصور، عن عائشة "أنها كانتْ تقومُ إلى الصلاة في الخمارِ، والإزار، والدرع، فتسبل الإزار فتجلبب به، وكانت تقول: ثلاثةُ أثوابٍ لا بدَّ للمرأةِ منها في الصلاةِ إذا وجَدتْها: الخمارُ، والجلبابُ، والدرعُ" (١) ولأن المرأة أوفى من الرجل عورة، فكانت أكثر منه سترة.
(ولا تضم ثيابها) قال السامري: (في حال قيامها.
و يكره) أن تصلي (في نقاب، وبرقع بلا حاجة) قال ابن عبد البر (٢): أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة، والإحرام، ولأن ستر الوجه يخل بمباشرة المصلي بالجبهة والأنف، ويغطي الفم، وقد نهى النَّبيُّ ﷺ الرجل عنه (٣)، فإن كان لحاجة كحضور أجانب، فلا كراهة.
стр. 688
(وإن اقتصرت على ستر ما سوى وجهها، كأن صلت في درع، وخمار، أجزأها) قال أحمد (١): اتفق عامتهم على الدرع، والخمار، وما زاد فهو خير وأستر، ولأنها سترت ما يجب عليها ستره. فاكتفي به.
(ولا تبطل الصلاة بكشف يسير من العورة) واليسير هو الذي (لا يفحش في النظر عرفًا) ويختلف الفحش بحسب المنكشف، فيفحش من السوأة ما لا يفحش من غيرها (بلا قصد) لقول عمرو بن سلمة الجرمي قال: "انطَلَقَ أبي وافِدًا إلى النَّبيِّ ﷺ في نفر من قومه، فعلمهُم الصلاةَ، وقال: يؤمّكُم أقرؤكُم، فكنتُ أقرأهم فقدموني، فكنتُ أؤمُّهم وعليَّ بردةٌ لي صفراء صغيرة، فكنت إذا سجدتُ انكشفتْ عني، فقالتْ أمرأةٌ من النساء: واروا عنا
стр. 689
سوأةَ قارِئِكُم، فاشتروا لي قميصًا عمانيًا، فما فرحتُ بعدَ الإسلامِ بشيء فرحي بهِ".
وفي لفظ: "فكنت أؤمهم في بردةٍ موصلةٍ فيها فتقٌ، فكنتُ إذا سجدتُ فيها خرجتْ إستي" رواه أبو داود، والنسائي (١).
وانتشر ذلك، ولم يبلغنا أن النَّبيَّ ﷺ أنكر ذلك، ولا أحد من أصحابه، ولأن ثياب الأغنياء، لا تخلو من فتق، وثياب الفقراء لا تخلو من خرق غالبًا، والاحتراز عن ذلك يشق، فعفي عنه (ولو) كان الانكشاف اليسير (في زمن طويل) لما مر.
(وكذا) لا تبطل الصلاة إن انكشف من العورة شيء (كثير في زمن قصير، فلو أطارت الريح سترته ونحوه) أي: نحو الريح (عن عورته، فبدا) أي: ظهر (منها ما لم يعف عنه) لو طال زمنه لفحشه (ولو) كان الذي بدا (كلها) أي: كل العورة (فأعادها سريعًا بلا عمل كثير، لم تبطل) صلاته، لقصر مدته، أشبه اليسير في الزمن الطويل، فإن احتاج في أخذ سترته لعمل كثير، بطلت صلاته.
(وإن كشف يسيرًا منها) أي: العورة (قصدًا، بطلت) صلاته، لأن التحرز منه ممكن من غير مشقة، أشبه سائر العورة، وكذا لو فحش وطال الزمن، ولو بلا قصد.
(ومن صلى - ولو نفلًا - في ثوب حرير) أو منسوج بذهب، أو فضة (أو) صلى في ثوب (أكثره) حرير، وهو (ممن يحرم على) ذلك، لم تصح صلاته، إن كان عالمًا ذاكرًا.
стр. 690
قال في "الاختيارات" (١): وينبغي أن يكون على هذا الخلاف، الذي يجر ثوبه خيلاء في الصلاة، لأن المذهب أنه حرام، وكذلك من لبس ثوبًا فيه تصاوير.
قلت: لازم ذلك كل ثوب يحرم لبسه يجري على هذا الخلاف، وقد أشار إليه صاحب "المستوعب".
(أو) صلى في ثوب (مغصوب) كله (أو بعضه) لم تصح صلاته، إن كان عالمًا ذاكرًا، وظاهره مشاعًا كان أو معينًا، وذكره ابن عقيل، لأن بعضه يتبع بعضًا.
(أو) صلى في (ما ثمنه المعين حرام، أو بعضه) أي: بعض ثمنه المعين حرام، لم تصح صلاته، إن كان عالمًا، ذاكرًا، ويأتي في الغصب. إذا كان الثمن في الذمة وبذله من الحرام (رجلًا كان، أو امرأة، ولو كان عليه غيره) أي: غير الثوب المحرم (لم تصح صلاته، إن كان عالمًا ذاكرًا) لما روى أحمد عن ابن عمر: "من اشترَى ثوبًا بعشرةِ دراهم، وفيه درهمٌ حرامٌ لم يقبلْ الله لهُ صلاةً ما دامَ عليْه" ثم أدخل إصبعيه في أذنيه وقال: "صُمّتَا إن لم يكن النَّبيُّ ﷺ سمعتُه يقولهُ" (٢) وفي إسناده هاشم، وبقية.
стр. 691
قال البخاري (١): هاشم غير ثقة، وبقية مدلس.
ولحديث عائشة: "من عملَ عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ" رواه الجماعة (٢).
ولأن قيامه، وقعوده، ولبثه فيه، محرم منهي عنه، فلم يقع عادة كالصلاة في زمن الحيض، وكالنجس، وكذا لو صلى في بقعة مغصوبة ولو منفعتها، أو بعضها، أو حج بغصب.
(وإلا) أي: وإن لم يكن المصلي في حرير ممن يحرم عليه كالأنثى (صحت) صلاته، لأنه غير آثم (كما لو كان المنهي عنه خاتم ذهب، أو) كان المنهي عنه (دملجًا، أو عمامة، أو تكة سراويل، أو خفًا من حرير) أو ترك ثوبًا مغصوبًا في كمه، فإن صلاته صحيحة، لأن النهي لا يعود إلى شرط الصلاة، أشبه ما لو غصب ثوبًا فوضعه في كمه.
(وإن جهل) كونه حريرًا، أو غصبًا (أو نسي كونه حريرًا، أو غصبًا) صحت صلاته، لأنه غير آثم.
стр. 692
(أو حبس بمكان غصب) أو نجس.
قال في "الاختيارات" (١): وكذا كل مكره على الكون بالمكان النجس، والغصب، بحيث يخاف ضررًا من الخروج في نفسه، أو ماله، ينبغي أن يكون كالمحبوس.
(أو كان في جيبه درهم) أو دينار، أو غيره (مغصوب، صحت) صلاته، لما تقدم.
(ولو صلى على أرض غيره ولو مزروعة) بلا غصب، ولا ضرر، جاز (أو) صلى (على مصلاه) أي: الغير (بلا غصب، ولا ضرر) في ذلك (جاز) وصحت صلاته لرضاه بذلك عرفًا. قال في "الفروع": ويتوجه احتمال فيما إذا كانت لكافر، لعدم رضاه بصلاة مسلم في أرضه، وفاقًا لأبي حنيفة (ويأتي في الباب بعده.
ويصلي في حرير) ولو عارية (لعدم) غيره (ولا يعيد) لأنه مأذون في لبسه في بعض الأحوال، كالحكة، والجرب، وضرورة البرد، وعدم سترة غيره، فليس منهيًا عنه إذن.
(و) يصلي (عريانًا مع) وجود ثوب (مغصوب) لأنه يحرم استعماله بكل حال، لعدم إذن الشارع في التصرف فيه مطلقًا، ولأن تحريمه لحق آدمي، أشبه من لم يجد إلا ماء مغصوبًا.
(و لا يصح نفل آبق) لأن زمن فرضه مستثنى شرعًا، فلم يغصبه، بخلاف زمن نفله. وقال ابن هبيرة في حديث جرير: "إذا أبق العبدُ لم تقبلْ له صلاةٌ" وفي لفظ "إذا أبق العبدُ من مواليهِ، فقد كفَرَ حتى يرجعَ إليهِمْ" رواهما مسلم (٢). قال: أراه على معنى إذا استحل الإباق. قال في "الفروع": كذا
стр. 693
قال، وظاهره صحة صلاته عنده. وقد روى ابن خزيمة في صحيحه عن جابر مرفوعًا: "ثلاثةٌ لا تقبلُ لهم صلاةٌ، ولا تصعدُ لهم حسنةٌ: العبدُ الآبقُ، حتى يرجع إلى موالِيهِ فيضع يَدَهُ في أيديهم، والمرأةُ الساخِطُ عليها زوجُها، والسكرانُ حتى يصحُو" (١).
(و من لم يجد إلا ثوبًا نجسًا، ولم يقدر على غسله، صلى فيه وجوبًا) لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة، لتعلق حق الآدمي به في ستر عورته، ووجوب الستر في الصلاة وغيرها، فكان تقديم الستر أهم (وأعاد) ما صلاه في الثوب النجس وجوبًا؛ لأنه قادر على كل من حالتي الصلاة عريانًا، ولبس الثوب النجس فيها، على تقدير ترك الحالة الأخرى، وقد قدم حالة التزاحم آكدهما.
стр. 694
فإذا زال التزاحم بوجوده ثوبًا طاهرًا، أوجبنا عليه الإعادة، استدراكًا للخلل الحاصل بترك الشرط الذي كان مقدورًا عليه من وجه، بخلاف من حبس بالمكان النجس؛ لأنه عاجز عن الانتقال عن الحالة التي هو عليها من كل وجه، كمن عدم السترة بكل حال.
(فإن صلى عريانًا مع وجوده) أي: الثوب النجس (أعاد) الصلاة وجوبًا؛ لأنه فوت السترة مع قدرته عليها من وجه، ولو كان نجس العين كجلد ميتة، صلى عريانًا من غير إعادة، ذكره بعضهم، قاله في "المبدع".
(فإن كان معه ثوبان نجسان صلى) فرضه (في أقلهما) وأخفهما (نجاسة) لأن ما زاد على ذلك مقدور على اجتنابه، فوجب، لحديث: "إذا أمرتكم بأمرٍ فائتُوا منه ما استطعتُم" (١).
وإذا كانت النجاسة في طرف الثوب وأمكنه أن يستتر بالطاهر منه، لزمه ذلك؛ لأن ملاقاتها وإن لم يحملها، وحملها وإن لم يلاقها: محذوران، وقد أمكنه اجتناب أحدهما، فلزمه.
стр. 695
فصل
(ومن لم يجد إلا ما يستر عورته فقط، أو منكبه فقط، ستر عورته وصلى قائمًا) وجوبًا، وترك ستر منكبيه؛ لما روى جابر أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا كان الثوبُ واسعًا فخالف بين طرفيهِ، وإن كان ضيقًا فاشدُدْهُ على حِقْوكَ" رواه أبو داود (١)، ولأن القيام متفق عليه، فلا يترك لأمر مختلف فيه.
(وإن كانت) السترة التي وجدها (تكفي عورته فقط، أو منكبه وعجزه فقط) بأن كانت إذا تركها على كتفه (٢) وسدلها من ورائه تستر عجزه (ستر منكبه وعجزه، وصلى جالسًا استحبابًا) لكونه يستر معظمها، والمغلظ منها، وستر المنكب لا بدل له، فكان مراعاته أولى مع صحة الحديث بستر أحد المنكبين.
(فإن لم يكف جميعها) أي: العورة (ستر الفرجين) لأنهما أفحش، وهما عورة بلا خلاف، وغيرهما كالحريم التابع لهما (فإن لم يكف) ما وجده من السترة (إلا أحدهما) أي: الفرجين (خير) بين ستر القبل، أو الدبر، لاستوائهما في وجوب الستر بلا خلاف (والأولى ستر الدبر) لأنه أفحش، وينفرج في الركوع والسجود، وظاهره لا فرق بين أن يكون رجلًا، أو امرأة، أو خنثى، ويتوجه أنه يستر آلة الرجل إن كان هناك امرأة، وآلتها إن كان هناك رجل، قاله في "المبدع".
(ويلزمه) أي: العاري (تحصيل سترة بشراء، أو استئجار، بقيمة
стр. 696
المثل) للعين أو المنفعة (وبزيادة يسيرة) على عرض المثل (كماء الوضوء) فيعتبر أن يكون فاضلًا عن حاجته.
(وإن بذلت له سترة لزمه قبولها عارية) لأن المنة لا تكثر فيها، فأشبه بذل الحبل، والدلو، لاستقاء الماء.
و (لا) يلزمه قبولها إن بذلت له (هبة) لما يلحقه من المنة، وعلم منه أنه لا يلزمه طلبها عارية.
(فإن عدم) السترة (بكل حال، صلى) ولا تسقط عنه بغير خلاف نعلمه، كما لو عجز عن استقبال القبلة، قاله في "المبدع" (جالسًا يومئ) بالركوع، والسجود (استحبابًا فيهما) أي: في الجلوس، والإيماء، لما روي عن ابن عمر "أن قومًا انكسرتْ بهمْ مركبُهم فخرجُوا عراةً - قال: يصلون جلوسًا، يومئُون إيماء برؤُسهم" (١) ولم ينقل خلافه، ويجعل السجود أخفض من الركوع (ولا يتربع، بل ينضام) نقله الأثرم والميموني (بأن يقيم إحدى فخذيه على الأخرى) لأنه أقل كشفًا (وإن صلى قائمًا، أو جالسًا، وركع وسجد بالأرض جاز) له ذلك، لعموم قوله ﷺ : "صل قائمًا" (٢).
وإنما قدم الجلوس على القيام؛ لأن الجلوس فيه ستر العورة، وهو قائم مقام القيام، فلو صلى قائمًا لسقط الستر إلى غير بدل، مع أن الستر آكد من القيام، لأنه يجب في الصلاة وغيرها، ولا يسقط مع القدرة بحال. والقيام
стр. 697
يسقط في النافلة، ولأن القيام سقط عنهم، لحفظ العورة، وهي في حال السجود أفحش؛ فكان سقوطه أولى.
لا يقال: الستر كله لا يحصل، وإنما يحصل بعضه، فلا يفي ذلك بترك ثلاثة أركان: القيام، والركوع، والسجود؛ لأن العورة إن كانت الفرجان فقد حصل سترهما، وإلا حصل ستر أغلظها وأفحشها، وإذا صلى قائمًا، لزمه أن يركع ويسجد بالأرض.
(ولا يعيد العربان، إذا قدر على الستر) بعد الفراغ من الصلاة، سواء صلى قائمًا، أو جالسًا، كفاقد الطهورين، وفي "الرعاية": يعيد على الأقيس.
(وإن وجد) العاري (سترة مباحة قريبة منه عرفًا) أي: في مكان يعد في العرف أنه قريب (في أثناء الصلاة، ستر) ما يجب ستره (وجوبًا، وبنى) على ما صلاه عريانًا، كأهل قباء لما علموا بتحويل القبلة (١) استداروا إليها، وأتموا صلاتهم.
(وإن كانت) السترة (بعيدة) عرفًا، بحيث يحتاج إلى زمن طويل، أو عمل كثير (ستر) الواجب ستره (وابتدأ) أي: استأنف الصلاة، لأنه لا يمكن فعلها إلا بما ينافيها من العمل الكثير، أو بدون شرطها، بخلاف التي قبلها.
(وكذا لو عتقت) الأمة، ونحوها (في الصلاة، واحتاجت إليها) أي: إلى السترة، بأن كانت رأسها مكشوفة مثلًا، فإن كان الخمار بقربها، تخمرت
стр. 698
به، وبنت، وإلا مضت إليه وتخمرت، واستأنفت. وكذا حكم من أطارت الريح سترته وهو في الصلاة.
(فلو جهلت العتق، أو) جهلت (وجوب الستر، أو) جهلت (القدرة عليه (١)، أعادت) الصلاة لتقصيرها (كخيار معتقة تحت عبد) إذا أمكنته من نفسها جاهلة العتق، أو ملك الفسخ، فإنه يسقط خيارها، ولا تعذر بالجهل، لتقصيرها في عدم التعلم.
(وتصلي العراة جماعة وجوبًا) إذا كانوا رجالًا، أحرارًا، لا عذر لهم يبيح ترك الجماعة، لأنهم قدروا عليها من غير عذر. أشبهوا المستترين.
ولا تسقط الجماعة بفوات السنة في الموقف، كما لو كانوا في ضيق لا يمكن تقدم إمامهم عليهم، ولأنهم أولى بالوجوب من أهل صلاة الخوف، ولا يسقط عنهم وجوب الجماعة.
(و) يكون (إمامهم في وسطهم، أي: بينهم) وإن لم يتساووا من عن يمينه وشماله (وجوبًا) لأنه أستر من أن يتقدم عليهم (فإن تقدمهم) الإمام (بطلت) قال في "المبدع": في الأصح (إلا في ظلمة) فيجوز أن يتقدم عليهم للأمن من رؤيتهم عورته، وكذا لو كانوا عميًا (٢)، لئلا يرى بعضهم عورة بعض.
(فإن كان المكان ضيقًا، صلوا جماعتين فأكثر) بحسب ما يتسع له المكان، كالنوعين (فإن كانوا) أي: العراة (رجالًا ونساء، تباعدوا، ثم صلى كل نوع لأنفسهم) لأن المرأة إن وقفت خلف الرجل شاهدت عورته، ومعه خلاف سنة الموقف، وربما أفضى إلى الفتنة.
стр. 699
(وإن كانوا في ضيق) قال في "المبدع": بفتح الضاد مخففًا من ضيق، ويجوز فيه الكسر، على المصدر على حذف مضاف، تقديره: ذي ضيق (صلى الرجال واستدبرهم النساء، ثم صلى النساء وستدبرهن الرجال) لما في ذلك من تحصيل الجماعة، مع عدم رؤية الرجال النساء، وبالعكس (ف إن بذلت لهم سترة، صلوا فيها، واحدًا بعد واحد) لقدرتهم على الصلاة بشرطها (إلا أن يخافوا خروج الوقت، فتدفع إلى من يصلح للإمامة، فيصلي بهم، ويتقدمهم) كإمام المستورين (إن عينه ربها) بالعارية، لأن الحق له، فيخص به من يشاء.
(وإلا) أي: وإن لم يعين ربها واحدًا منهم (اقترعوا إن تشاحوا) فيقدم بها من خرجت له القرعة، لترجحه بها (ويصلي الباقون عراة) خشية خروج الوقت، هذا معنى كلامه في "الشرح" وغيره. قال في "المبدع": والأصح يقدم إمام مع ضيق الوقت. وجزم به في "المنتهى".
(فإن كانوا رجالًا، ونساء) المراد فيهما الجنس (فالنساء أحق) بالسترة من الإمام وغيره، لأن عورتها أفحش، وسترها أبعد من الفتنة (فإذا صلين فيها أخذها الرجال) وصلوا فيها إن اتسع الوقت، وإلا صلوا عراة.
(وإن كان فيهم) أي: العراة (ميت، صلى فيها) أي: السترة المبذولة لهم (الحي) فرضه، لا على الميت (ثم كفن بها الميت) ليجمع بين الحقين، وتقدم في التيمم.
(ولا يجوز) للعاري (انتظار السترة) ليصلي فيها (إن خاف خروج الوقت) بل يصلي عريانًا إذا خاف خروجه (فإن كانت) السترة (لأحدهم، لزمه أن يصلي فيها) لقدرته على السترة (فإن أعارها وصلى عريانًا، لم تصح صلاته) لأنه ترك السترة مع قدرته عليها.
стр. 700
(ويستحب) لرب السترة (أن يعيرها لهم بعد صلاته) لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) (ولا يجب) عليه إعارتها لهم، بخلاف بذل الطعام الفاضل عن الحاجة للمضطر (فيصلون فيها واحدًا بعد واحد) ولم يجز لهم الصلاة عراة، لقدرتهم على السترة (إلا أن يخافوا خروج الوقت، فيصلي) من خاف خروج الوقت على حسب حاله، ويصلي (بها) أي: السترة (أحدهم بين أيديهم) لاستتار عورته (والباقون) يصلون (عراة كما تقدم) خلفه صفًا واحدًا جلوسًا، يومئون استحبابًا بالركوع والسجود.
وكذا لو كانوا في سفينة، ولم يمكن جميعهم القيام، صلوا واحدًا بعد واحد، إلا أن يخافوا خروج الوقت، فيصلي واحد قائمًا، والباقون قعودًا، ذكره بمعناه في "الشرح".
(فإن امتنع صاحب الثوب من إعارته، فالمستحب أن يؤمهم) لتحصل له فضيلة الجماعة (ويقف بين أيديهم) أي: قدامهم لاستتار عورته (فإن كان أميًا) لا يحسن الفاتحة (وهم قراء) يحسنونها (صلوا) أي: العراة (جماعة) وجوبًا (و) صلى (صاحب الثوب وحده) لأنه يصح أن يؤمهم، لأنه عاجز عن فرض القراءة مع قدرتهم عليه، ولا أن يأتم بأحدهم لقدرته على ستر العورة مع عجزهم عنه.
(وإن أعاره) أي: الثوب صاحبه (لغير من يصلح للإمامة، جاز) لأن الحق له، فيخص به من شاء (وصار حكمه حكم صاحب الثوب) لملكه الانتفاع به، فيصلي وحده، ويصلون جماعة لأنفسهم.
стр. 701
فصل "في أحكام اللباس في الصلاة وغيرها"
(يكره في الصلاة السدل، سواء كان تحته ثوب، أو لا) نقل محمد بن موسى: النهي فيه صحيح عن علي (١). وخبر أبي هريرة (٢) نقل مهنا: ليس بصحيح، لكن رواه أبو داود بإسناد جيد لم يضعفه أحمد، قاله في "الفروع".
(وهو) أي: السدل لغة: إرخاء الثوب، قاله الجوهري (٣): واصطلاحًا: (أن يطرح ثوبًا على كتفيه، ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى) وقال ابن عقيل: هو إرسال الثوب على الأرض، وقيل: وضع وسط الرداء على رأسه، وإرساله من ورائه على ظهره، وهي لبسة اليهود. وقال القاضي: هو وضع الرداء على عنقه، ولم يرده على كتفيه.
(فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى) لم يكره، لزوال معنى السدل. زاد في "الشرح": (أو ضم طرفيه بيديه، لم يكره) وهو رواية. ومقتضى ما قدمه في "الفروع" وغيره، وجزم بمعناه في "المنتهى": يكره لبقاء معنى السدل.
стр. 702
(وإن طرح القباء) بفتح القاف (على الكتفين من غير أن يدخل يديه في الكمين، فلا بأس بذلك، باتفاق الفقهاء، وليس من السدال المكروه، قاله الشيخ.
ويكره) في الصلاة (اشتمال الصماء) لحديث أبي هريرة وأبي سعيد: أن النَّبيَّ ﷺ "نهى عن اشتمال الصماء" رواه البخاري (١).
(وهو) أي: اشتمال الصماء (أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره). والاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر. وجاء ذلك مفسرًا في حديث أبي سعيد (٢)؛ من رواية إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر عن الزهري، عن عطاء بن يزيد عنه مرفوعًا "نهى عن لبستين، وهما اشتمالُ الصماءِ، وهو أن يضع ثوبه على أحدِ عاتقَيْه، فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوبٌ، والاحتباء: وهو أن يحتَبي به ليسَ على فرجهِ منه شيء" وعلم منه أنه إذا كان عليه ثوب آخر لم يكره؛ لأنها لبسة المحرم، وفعلها ﷺ ، وأن صلاته صحيحة، إلا أن تبدو عورته.
(و) يكره في الصلاة (تغطية الوجه) لما روى أبو هريرة أن النَّبيَّ ﷺ "نهى أن يغطِّيَ الرجلُ فاهُ" رواه أبو داود (٣) بإسناد حسن. ففيه تنبيه على كراهة تغطية الوجه، لاشتماله على تغطية الفم، ولأن الصلاة لها تحليل وتحريم، فشرع لها كشف الوجه كالإحرام.
стр. 703
(و) يكره في الصلاة (التلثم على الفم، والأنف) روي ذلك عن ابن عمر (١)، ولقوله ﷺ : "أمرتُ أن أسجدَ على سبعة أعظمٍ" متفق عليه (٢).
(ولف الكم بلا سبب) لقوله ﷺ : "ولا أكفُّ شعرًا، ولا ثوبًا" متفق عليه (٣)، زاد في "الرعاية": وتشميره.
(و) يكره (شد الوسط) بفتح السين (بما يشبه شد الزنار) بضم أوله، لنهي النبي ﷺ "عن التشبه بأهل الكتابِ" رواه أبو داود (٤). (ولو) كان شد الوسط بما يشبه شد الزنار (في غير صلاة، لأنه يكره التشبه بالكفار كل وقت) لما تقدم (قال الشيخ (٥): التشبه بهم) أي: الكفار (منهي عنه إجماعًا) لما تقدم (وقال: ولما صارت العمامة الصفراء، والزرقاء، من شعارهم حرم لبسها) اهـ.
(ويكره شد وسطه على القميص، لأنه من زي اليهود) نقله حرب، وظاهر ما قدمه في "الإنصاف": لا يكره (ولا بأس به) أي: بشد الوسط بمئزر،
стр. 704
أو حبل، أو نحوه، مما لا يشبه الزنار (على القباء) لأنه من عادة المسلمين. قاله القاضي. وقال ابن تميم: لا بأس بشد القباء في السفر على غيره، نص عليه، واقتصر عليه، قاله في "الإنصاف". و (قال ابن عقيل: يكره الشد بالحياصة (١)) وهو رواية حكاها في "المبدع" وغيره. وظاهره: أن المقدم لا يكره.
(ويستحب) شد الوسط (بما لا يشبه الزنار) وفعله ابن عمر (٢)، قاله المجد في "شرحه"، وقال: نص عليه، للخبر (٣) (كمنديل، ومنطقة، ونحوها لأنه أستر للعورة) زاد ابن تميم: إلا أن يشده لعمل الدنيا، فيكره.
(ويكره لامرأة شد وسطها في الصلاة ولو بغير ما يشبه الزنار) لأن ذلك يبين به حجم عجيزتها وتقاطيع بدنها، والمطلوب ستر ذلك، ومفهوم كلامه: أنه لا يكره لها شد وسطها خارج الصلاة بما لا يشبه شد الزنار، قال في "حاشية التنقيح": لأن شد المرأة وسطها معهود في زمن النَّبيِّ ﷺ ، وقبله، كما صح "أن هاجر أم إسماعيلَ اتخذت منطقًا" (٤) وكان لأسماء بنت أبي بكر
стр. 705
نطاقان (١). وأطلق في "المبدع" و"التنقيح" و"المنتهى": أنه يكره لها شد وسطها.
(وتقدم: لا تضم) المرأة (ثيابها) حال قيامها، لأنه تبين به تقاطيع بدنها، فيشبه الحزام.
(ولا بأس بالاحتباء مع ستر العورة) لما تقدم (٢) من مفهوم قوله ﷺ : "ليسَ على فرجهِ منه شيء".
(ويحرم) الاحتباء (مع عدمه) أي: عدم ستر العورة، لما فيه من كشف العورة بلا حاجة (وهو) أي: الاحتباء (أن يجلس ضاما ركبتيه إلى نحو) أي: جهة (صدره، ويدير ثوبه من وراء ظهره إلى أن يبلغ ركبتيه، ثم يشده، فيكون) المحتبي (كالمعتمد عليه، والمستند إليه) أي: الثوب الذي احتبى به.
(ويحرم، وهو) أي: الإسبال (كبيرة) للوعيد عليه الآتي بيانه في الخبر (إسبال شيء من ثيابه، ولو عمامة خيلاء) لقوله ﷺ : "من جر ثوبه خيلاءَ لم ينظر اللهُ إليهِ" متفق عليه (٣). وحديث ابن مسعود: "من أسبَل إزارَهُ في صلاتهِ خيلاءَ، فليسَ من الله في حلٍّ، ولا حرام" رواه أبو داود (٤) (في غير حرب) لما