الرأس و) شعر (اللحية، و) شعر (الحاجبين، كثيفة كانت) تلك الشعور (أو خفيفة، جميلة أو قَبيحة، من صغير أو كبير) إذا أذهبها (بحيث لا تعود) رُوي عن علي (١) وزيد بن ثابت (٢) في الشعر الدية؛ ولأنه أذهب الجمال على الكمال، كما تقدم (ولا قِصاص في هذه الشعور الأربعة؛ لعدم إمكان المساواة.
وفي كل حاجب نصفُها) لأن لكل إنسان حاجبين (وفي بعض ذلك بقسطه من الدية، يُقدَّر بالمساحة) كالأذنين.
(وإن عاد الشعر قبل أخذ الدية سقطت) ديته (و) إن عاد (بعدَه) أي: بعدَ أخذ الدية (تُرَدُّ) للجاني، كما تقدم (٣) في عود البصر وغيره.
(وإن بقي من شعر اللحية، أو) بقي من شعر (غيره من الشعور) الثلاثة (ما لا جمال فيه، فـ) ـالواجب (دية كاملة) لأنه أذهب المقصودَ منه كلَّه، أشبه ما لو أذهب ضوءَ العينين؛ ولأن جنايته ربما أحوجت لإذهاب الباقي؛ لزيادته في القبح على ذهاب الكل.
(و في الشارب حكومة) إن لم يَعُدْ؛ لأنه لا مُقدَّر فيه.
(وفي الأذنين، ولو من أصم، الدية) قضى به عمر (٤)،
стр. 6407
وعلي (١) (وفي إحداهما نصفُها) أي: الدية. وما روي: "أن أبا بكر قضى في الأذن بخمسة عشر بعيرًا" رواه سعيد (٢)؛ فمنقطع، وقال ابن المنذر (٣): لا يثبت.
(وإن قطع بعضَ الأذن وجب بالحساب من دِيتها، يُقدَّر بالأجزاء) كالنصف والثلث (وكذا قَطْعُ بعضِ المارِنِ) أي: ما لان من الأنف (و) قَطْعُ (الحَلَمَة، و) قطع (اللسان، و) قطع (الشَّفة، والحشَفَة، والأُنملة، والسِّن، وشَقِّ الحَشَفَة طولًا) فإن في قطع أبعاض هذه الأشياء بقسطها من ديتها.
(فإن جنى على أذنه فاسْتَحْشَفَتْ -أي: شَلَّتْ- ففيها حُكومة) لأنه لم يذهب المقصود منها بالكلية، وهو الجمال (فإن قطعها) أي: الأذن (قاطعٌ بعد اسْتِحْشافها، ففيها دِيَتُها) لأن فيها جمالها المقصود منها.
(وفي السمع إذا ذهب منهما) أي: الأذنين (الدِّيةُ) قال في "المبدع": بغير خلاف. وسنده قوله ﷺ : "وفي السمع الدية" (٤).
стр. 6408
(وإن ذهب) السمع (من إحداهما) أي: الأذنين (فنصفُها) أي: الدية.
(وإن قَطَع أذنيه فذهب سمعه، فديتان) دية للأذنين، ودية للسمع؛ لأنّه من غير الأذنين، فلا تدخل دية أحدهما في الآخر، كالبصر مع الأجفان، والنطق مع الشفتين.
(فإن اختلفا) أي: الجاني ووليُّ الجناية (في ذهاب سمعه، فإنه) أى: المجني عليه (يُغْتَفَلُ ويُصاحُ به، ويُنظرُ اضطرابه، ويُتأمَّلُ عند صوت الرعد والأصوات المُزْعِجة) كنهيق الحمير (فإن ظهر منه انزعاج أو التفات، أو ما يدلُّ على السمع، فقول الجاني مع يمينه) لظهور أمارة صدقه (وإن لم يوجد شيء من ذلك) المذكور (فقوله) أى: المجني عليه (مع يمينه) لأن الظاهر معه. ومتى حكم له بالدية، ثم انزعج عند صوت، فطولب بالدية، فادعى أنه فعل ذلك انفاقًا؛ قُبِل قوله؛ لأنه محتملٌ، فلا ينقض الحكم بالاحتمال، وإن تكرَّر ذلك بحيث تُعلم صحة سمعه؛ ردَّ ما أخذ؛ لأنا تبينا كَذِبه. وكذا يُقال في الشَّمِّ.
وإن ادَّعى الجاني أنه ولد أبكم ولا بيِّنة تكذّبه، قُبِل قوله مع يمينه، وقيل: تُرَدُّ (١)، كما لو قال: وُلِد ناطقًا ثم خَرِس.
(وإن ادَّعى) المجني عليه (نقصان سمع إحداهما) أي: الأذنين (فاختباره بأن تُسد (٢) الأذن (العَليلة وتطلق الصحيحة، ويَصيح رجلٌ من موضع يسمعه، ويُعمل كما تقدم (٣) في نَقْصِ البصر في إحدى العينين،
стр. 6409
ويؤخذ من الدية) أي: دية سمع الأذن (بقَدْرٍ نقصه) أي: سمعها، كما تقدم في العين (وإن ادَّعى (١) نقصان السمع فيهما) أي: الأذنين (حَلَف) لأنه لا يعلم إلا عن جهته، ولا يتأتَّى العرض على أهل الخبرة، بخلاف البصر (ووجبت فيه حكومة.
وفي مارِنِ الأنف -وهو) أي: مارنه (ما لان منه) دون القصبة (ولو من أخشمَ (٢) - الدِّية) لأن الشم ليس في الأنف كما سبق (وإن قطع) الجاني (المارِنَ وشيئًا من القصبة فـ) ـعليه (دِية واحدة) ويندرج ما قطع من القصبة في دية الأنف، كما لو قطع اليدين مما فوق الكوع.
(وفي كلٍّ واحدٍ من المَنْخِرين والحاجز بينهما ثلث الدية) لأن الأنف يشتمل على هذه الثلاثة (وفي قَطْع أحدهما) أي: المَنْخِرين (مع نصف الحاجز نصفُها) أي: الدية؛ لأنه قطع نصف الأنف (و) في قطع أحد المَنْخِرين (مع كله) أي: الحاجز (ثلثاها) أي: الدية.
(وفي الشَّمِّ الدية) لما في كتاب عمرو بن حزم (٣).
(وفي ذهابه) أي: الشَّمِّ (من أحد المَنْخِرين نصفُها) أي: الدية (وفي بعضه حكومة) إذا لم يعلم قدره (وإن نقص) الشم (من أحدهما) أي: المَنْخِرين (قُدِّر) النقص (بما يُقَدَّر به نقص السمع من إحدى الأذنين) كما مَرَّ.
(وإن قطع أنفَهُ فذهب شمُّه، فديتان) لأن الشمَّ ليس في الأنف، فلا تندرج ديته فيه.
стр. 6410
(و إن ادَّعى) المجنيُّ عليه (ذهابَ شمِّه، اختُبِر بالروائح الطيبة والمُنْتِنة، فإن هشَّ للطيب، وتنكَّر من المُنْتِن فـ) ـالقول (قول الجاني مع يمينه) عملًا بالظاهر (وإلا) بأن لم يهش للطيب، ولم يتنكَّر من المُنْتِن (فـ) ـالقول (قول المجنيِّ عليه مع يمينه) لأن الظاهر معه.
(وإن ادَّعى) المجنيُّ عليه (نقص شَمّه) بسبب الجناية (فقوله مع يمينه) لأنه لا يعلم إلا منه (ويجب) له إذن (ما تخرجه الحكومة) كما تقدم في السمع (١).
(وإن قطع مع الأنف اللحمَ الذي تحته، ففي اللَّحم حكومة) لأنه غير الأنف، ولا مُقدَّر فيه (كقطع الذَّكَر واللحم الذي تحته.
وإن ضرب) الجاني (أنفَه فأشلَّه، أو عوَّجه، أو غيَّر لونه؛ فحكومة) لأن نفع الأنف باقٍ مع الشلل، بخلاف اليد، فإنَّ نفعها قد زال، ونفعُ الأنف جمع الرائحة ومنع وصول شيء إلى دماغه (وفي قَطْعِه) أي: الأنف (بعد ذلك) أي: بعد شلله، أو تعويجه، أو تغير لونه (دية كاملة) لأن نفعه باقٍ كما تقدم.
(فإن قطعه) أى: الأنف (إلا جِلْدة بقي معلَّقًا بها، فلم يلتحم واحتيج إلى قَطْعِه، ففيه ديته) لأن بقاءه إذن كعدمه (وإن ردَّه فالتحم؛ أو أبانه فردَّه فالتحم، فحكومة) لنقصه.
(وفي الشفتين الدِّية) إذا استوعبتا قطعًا (وفي كلِّ واحدةٍ منهما) أي: الشفتين (نصفُها) أي: الدية.
(فإن ضربهما) أي: الشفتين (فأشلَّهما) ففيهما الدية؛ لأنه عطَّل نفعهما، أشبه ما لو أشلَّ يده (أو) ضربهما فـ (ـتقلَّصَتا، فلم تنطبقا على
стр. 6411
الأسنان) ففيهما الدية؛ لأنَّه عطَّل جمالهما (أو استرختا، فصارتا لا تنفصلان عن الأسنان، ففيهما الدية) لأنَّه عطَّل نفعهما.
(وإن تقلَّصتا) أي: الشفتان (بعض التقلُّص؛ فحكومة) لذلك النقص.
(وحَدُّ الشفة السُّفلى من أسفل ما تجافى عن الأسنان واللِّثَة مما ارتفع عن جلْدة الذقن، وحَدُّ) الشفة (العليا: من فوق ما تجافى عن الأسنان واللِّثَة إلى اتصاله بالمَنخِرين والحاجز، وحدُّهما) أي: الشفتين (طولًا: طول الفم إلى حاشية الشِّدْقين.
وفي اللسان الناطق الدية) إذا استُوعِب قطعًا، إجماعًا، ذكره ابن حزم (١)؛ لأنَّه أعظم الأعضاء نفعًا وأتمها جمالًا، يقال: جمال الرجُلِ في لسانه، والمرء بأصغريه: قلبه ولسانه (٢)، ويقال: ما الإنسان لولا اللسان إلَّا صورة مهملة (٣) أو بهيمة مهملة.
(وفي الكلام الدية) لأنَّ كل ما تعلقت الدية بإتلافه؛ تعلقت بإتلاف محله.
(وفي الذوق إذا ذهب -ولو من لسان أخرس- الدِّية) لأنَّ الذوق حاسة، أشبه الشم (والمذاق) الـ (ـخمس: الحلاوة، والمرارة، والحموضة، والعذوبة، والملوحة، فإذا ذهب واحد منها) أي: الخمس
стр. 6412
(فلم يُدركه، وأدرك الباقي) منها (فخُمس الدية) لأنَّ الخَمس تجب فيها الدية، ففي إحداها خُمسها (وإن ذهب اثنان (١)) من الخَمس (فخُمسان) من الدية (وفي ثلاثة) من الخَمس (ثلاثة أخماس) الدية (وفي) ذهاب (أربعة) من الخمس (أربعة أخماس) الدية (وإن لم يدرك بواحدة) من الخمس (ونقَص الباقي، فخمس الدية) للتي لم يدرك بها (وحكومة لنقص الباقي.
وإن جَنَى علَّى لسان ناطقٍ فأذهب كلامَه وذوقَه) مع بقاء اللسان (فديتان) كما لو ذهبت منافع الإنسان (٢) مع بقائه (وإن قطعه) أي: اللسان (فذهبتا) أي: منفعة الكلام والذوق (معًا فَدِية واحدة) لأنهما ذَهَبَا تبعًا، فوجب دية اللسان دونهما، كما لو قتل إنسانًا.
(و إن ذهب بعضُ الكلام وجب من الدية بقَدْر ما ذهب) من الكلام، كما تقدَّم في نظائره (يُعتبر ذلك بحروف المعجم، وهي ثمانية وعشرون حرفًا) جَعلًا للألف المتحرّكة واللينة حرفًا واحدًا؛ لتقاربهما في المخرج، ولذلك إذا احتاجوا إلى تحريك الألف قلبوها همزة، وإلا فهي تسعة وعشرون حرفًا كما في حديث أبي ذر (٣).
(ففي الحرف الواحد رُبُع سُبعِ الدِّية) لأنَّ الواحد رُبع سبع الثمانية والعشرين (وفي الحرفين نصف سُبعها، وكذا حساب ما زاد) ففي الثلاثة
стр. 6413
أحرف ثلاثة أرباع سُبع الدية، وفي أربعة أحرف سُبع الدية، وهكذا (ولا فرق بين ما خَفَّ على اللسان من الحروف أو ثَقُل) لأنَّ كل ما وجب فيه المقدّر لم يختلف لاختلاف قَدره، كالأصابع (ولا) فرق أيضًا (بين الشفوية والحَلْقية واللسانية.
وإن جنى على شفتيه فذهب بعضُ الحروف؛ وجب فيه) أي: الذاهب (بقدره) أي: بنسبته من الدية (وكذلك أن ذهب بعض حروف الحَلق بجناية) وجب في الذاهب بقَدْره.
(وإن ذهب حرفٌ فعَجَزَ) المجنيُّ عليه (عن كلمة، كجعْله "أحمد": "أمَد"؛ لم يجب غير أرْش الحرف) الذاهب؛ لأنَّه لم يذهب سواه (وإن ذهب حرف فأبدل مكانه حرفًا آخر، مثل أن كان يقول: "درهم" فصار يقول: "دلهم"، أو "دغهم"، أو "ديهم" فعليه ضمان الحرف الذاهب) لأنَّ ما يبدل لا يقوم مقام الذاهب في القوة ولا غيرها (فإن جنى عليه فذهب البدل؛ وجبت ديته أيضًا؛ لأنَّه) أي: البدل (أصل) بنفسه.
(وإن لم يذهب) بالجناية (شيء من الكلام، لكن حصلت فيه عجلة، أو تمتمة، أو فأفأة) وتقدم (١) أن التمتام: من يكرر التاء، والفأفاء: من يكرر الفاء (فعليه) أي: الجاني (حكومة) لما حصل من النقص والشَّيْن، ولم تجب الدية؛ لأنَّ المنفعة باقية.
(فإن جنى عليه) أي: على ذلك المجنيِّ عليه الذي حصل في كلامه عجلة، أو تمتمة، أو فأفأة (جانٍ آخر فأذهب كلامه، ففيه الدِّية كاملة) كما لو جنى على عينه جان فعَمِشتْ، ثم جنى عليه آخر فأذهب بصرها.
стр. 6414
(فإن أذهب) الجاني (الأول بعضَ الحروف، وأذهب) الجاني (الثَّاني بقية الكلام، فعلى كلِّ واحدٍ منهما) أي: الجانيين (بقسطه) من الدية، فيضمن ما أتلفه دون غيره.
(وإن كان) المجنيُّ عليه (ألثغ من غير جناية عليه، فذهب إنسان بكلامه كلِّه) بجنايته عليه (فإن كان) الألثغ (مأيوسًا من زوال لُثُغَته، ففيه) أي: الذاهب (بقسطه) من الدية، أي: بقسط (ما ذهب من الحروف) كما لو أذهب سَمعَ أذن، أو شم مَنخِر (وإن كان) الألثغ (غير مأيوس من زوالها) أي: زوال لُثغته (كالصغير، ففيه الدية كاملة) لأنَّ الظاهر زوال لُثغته (وكذلك الكبير إذا أمكن زوال لُثغته بالتعليم) وجنى عليه فأذهب كلامه، ففيه الدية كاملة.
(وإن قطع) الجاني (بعضَ اللسان، فذهب بعضُ الكلام، فإن استويا، مثل أن قطع رُبع لسانه فذهب رُبعُ كلامه، فربعُ الدية) لِرُبعِ اللسان، ويندرج فيه رُبع الكلام، كما لو قطعه كلِّه.
(فإن ذهب من أحدهما أكثر من الآخر، كأن قطع رُبع لسانه، فذهب نصفُ كلامه، أو بالعكس) بأن قطع نصف لسانه فذهب رُبع كلامه (وجب بقَدْرِ الأكثر، وهو نصف الدية في الحالين) لأنَّ كلَّ واحدٍ من اللسان والكلام مضمون بالدية منفردًا، ألا ترى أنَّه لو ذهب نصف الكلام ولم يذهب من اللسان شيء، أو ذهب نصف اللسان ولم يذهب من الكلام شيء وجب في كل صورة نصف الدية.
(وإن قطع) جانٍ (رُبعَ اللسان فذهب نصفُ الكلام، ثم قطع) جانٍ (آخر بقيته) أي: اللسان (فذهب بقية الكلام، فعلى) الجاني (الأول نصف الدية) لأنَّه أذهب نصف الكلام (وعلى) الجاني (الثَّاني نصفُها) أي: الدية
стр. 6415
لنصف اللسان بنصف الكلام (و) عليه أيضًا (حكومة لرُبع اللسان) الذي لا كلام فيه؛ لأنَّه لا نفع فيه، فهو بمنزلة الأشلّ.
(ولو قطع) جان (نصفَه) أي: اللسان (فذهب رُبعُ الكلام، ثم قطع آخر بقيته) أي: اللسان (فذهب (١) ثلاثة أرباعه) أي: الكلام (فعلى الأوَّل نصف الدية) لإذهابه نصف اللسان (وعلى الثَّاني ثلاثة أرباعها) أي: الدية؛ لإذهابه ثلاثة أرباع الكلام.
(وإن) جنى عليه فذهب كلامُهُ أو ذوقه، أو قطع لسانه، ثم (عاد كلامُه، أو ذوقُه، أو لسانه؛ سقطت الديةُ) عن الجاني، كما تقدم (٢) في عود السمع وغيره.
(وإن كان) المجني عليه (قبضَها) أي: الدية، ثم عاد ما ذهب بالجناية (ردَّها) أي: ردَّ المجني عليه الديةَ للجاني أو عاقلته؛ لأنَّه تبيَّن أنَّه لا يستحقها.
(وإن قطع نصفَه) أي: اللسان (فذهب كلُّ كلامِهِ، ثم قطع آخرُ بقيته فعاد كلامُه، لم يجب ردُّ الدية) لأنَّ الكلام الذي كان باللسان قد ذهب ولم يعد إلى اللسان، وإنَّما عاد إلى محل آخر.
(وإن قطعه) أي: اللسان (فذهب كلامُه، ثم عاد اللسان دون الكلام، لم يردّ الدية) كما لو أذهب (٣) كلامه واللسان باقٍ.
(وإن اقتص مَنْ) أي: مجني عليه (قُطِعَ بعضُ لسانه، فذهب من كلام الجاني مثلُ ما ذهب من كلام المجني عليه أو أكثر، فقد استوفى)
стр. 6416
المجنيُّ عليه (حقَّه، ولا شيء له) أي: الجاني (في الزائد) على (١) المجني عليه (لأنه من سراية القَوَد، وسراية القَوَد غير مضمونة. وإن ذهب) من كلام الجاني (أقلُّ) مما ذهب من كلام المجني عليه (فللمقتصِّ ديةُ ما بقي؛ لأنَّه لم يستوفِ بدله).
ولو كان اللسان ذا طرفين فقطع أحدهما، ولم يذهب من الكلام شيء، وكانا متساويين في الخِلقة، فكلسانٍ مشقوقٍ، فيهما الدية، وفي أحدهما نصفُها، وإن كان أحدهما تام الخِلْقة والآخر ناقصًا، فالتام فيه الدية، والناقص زائد فيه حكومة.
(وإذا قطع لسان صغير لم يتكلَّم لطفوليته، ففيه الدية) كلسان الكبير، لأنَّ الأصل السلامة.
(وإن بلغ) الصَّغير (حدًّا يتكلَّم مثلُه، فلم يتكلَّم) وقطع لسانه (ففيه حكومة، كلِسَانْ الأخرس) إن كان لا ذوق له، وإلا وجبت (وإن كبِرَ) الصغيرُ بعد قَطْع لسانه (فنطق ببعضِ الحروف، وجب فيه بقَدْر ما ذهب من الحروف؛ لأنَّا تبينا أنَّه كان ناطقًا.
وإن كان) الصَّغير (قد بلغ إلى حدٍّ يتحرَّك) لسانه (بالبكاء و (٢) غيره، فلم يتحرّك، ففيه) أي: لسانه إذا قُطِع (حكومة) كلسان أخرس (وإن لم يبلغ إلى حد يتحرك) بالبكاء وغيره (ففيه الدية) لأنَّ الظاهر سلامته.
(وفي كل سِنٍّ ممن قد أُثغِر) بالبناء للمفعول (خَمس من الإبل)
стр. 6417
رُوي عن عمر (١) وابن عباس (٢)؛ ولخبر عمرو بن حزم مرفوعًا: "في السِّن خمس من الإبل" رواه النسائي (٣) (والأضراس والأنياب كالأسنان) لما روى أبو داود عن ابن عباس مرفوعًا، قال: "الأسنانُ سواءٌ، الثَّنيَّةُ والضِّرْسُ سواء" (٤)، فيكون في جميعها مائة وستون بعيرًا؛ لأنها اثنان وثلاثون: أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وعشرون ضرسًا، في كل جانب، خمسة من فوق، وخمسة من أسفل (إذا قلعت) الأسنان (بسِنخِها -وهو ما بطن منها في اللحم- أو قلع الظاهر) منها (فقط) لعموم ما سبق، و (سواء قلعها) أي: الأسنان (في دفعة، أو دفعات) لعموم الخبر.
(وإن قلع منها السِّنْخ) -بالسين المهملة والخاء المعجمة- وهو أصلها كما سبق (فقط، ولو كان هو) أي: القالع للسِّنْخ (الذي جنى على
стр. 6418
ظاهرها، ففيه) أي: السِّنْخ (حكومة) لأنَّه لم يرد فيه تقدير.
(ولا يجب بقلع سِنِّ الصَّغير الذي لم يُثغِر) أي: تسقط رواضعه (في الحال شيء) لأنَّ العادة عَوْد سِنّه (لكن يُنتظر عودها، فإن مضت مُدة ييأس من عودها، وجبت ديتها) قال أحمد (١): يتوقف سَنَة؛ لأنَّه غالب في نباتها (إلا أن ينبت مكانها أخرى) مماثلة لها، فلا شيء فيها، كما لو عاد السمع.
(وإن عادت) السِّنُّ (قصيرة، أو مشوَّهة، أو أطول من أخواتها، أو صفراء، أو حمراء، أو سوداء، أو خضراء؛ فحكومة) لأنها لم تذهب بمنفعتها، فلم تجب ديتها، ووجبت الحكومة لنقصها.
(وإن) عادت قصيرة و (أمكن تقدير نقصها عن نظيرتها، أو كان فيها ثلمة أمكن تقديرها، ففيها بقَدْر ما نقص) منها من دِيتها بالنسبة، كما لو نقص سمع أذن، أو بصر عين، وأمكن تقديره.
(وإن نبتت) السِّنّ المجني عليها (مائلة عن صف الأسنان بحيث لا يُنتفع بها، ففيها ديتها) كأنها لم تعد؛ إذ لا نفع بذلك العائد (وإن كان يُنتفع بها) مع ميلها (فحكومة) للميل.
(وإن جعل) المجنيُّ عليه (مكان السِّنِّ) المقلوعة (سِنًّا أخرى) من آدمي (أو سِنّ حيوان أو عظمًا، فثبتت، وجبت دِيتها) كما لو لم يجعل مكانها شيئًا (وإن قلعت هذه الثَّانية (٢)؛ فحكومة) للنقص.
(وإن قلع سنه، أو قطع (٣) طرفه) كلسان ومارِنٍ (ونحوهما، فردّه
стр. 6419
فالتحم، فله أرش نقصه) فقط، وهو حكومة (ثم إن أبانه أجنبي) بعد ذلك (وجبت ديته) كما لو لم يتقدّمه جناية عليه.
(وإن عادت سِنُّ من قد أثغر، ولو بعد الإياس من عودها، ردَّ) المجني عليه (ديتها إن كان أخذها) لأنا تبينا أنَّه كان لا يستحقها، وإن لم يكن أخذها سقطت.
(وإن كسر) الجاني (بعضَ ظاهر السن، ففيه) أي: الذاهب (من دِية السِّن بقَدره، كالنصف) والثلث، كسائر ما فيه مقدّر (وإن جاء) جانٍ (آخر فكَسَرَ الباقي منها، فعليه بقية الأرش) أي: بقية ديتها (وإن اختلفا) أي: الجانيان في قدر ما أذهب كل منهما (فالقول قول المجني عليه في قَدرِ ما أتلف كل واحد منهما) أي: الجانيين.
(وإن انكشفت اللِّثَة) بكسر اللام وفتح الثاء مخفَّفة (عن بعض السِّن) ثم كسر السن، أو بعض السن، وأريد تقديره (فالدية في قَدْر الظاهر) من السن (عادةً، دون ما انكشف على خلاف العادة) لأنَّه عارض فلا يُعتدُّ به.
(وإن اختلفا) أي: الجاني والمجني عليه (في قَدر الظاهر) من السن (اعتُبِر ذلك بأخواتها) لأن الظاهر مساواتها لهن (فإن لم يكن لها شيء تُعتبر به) بأن لم يكن له غيرها (ولم يمكن أن يَعرف ذلك أهلُ الخبرة؛ فقول الجاني) بيمينه؛ لأنَّه منكِرٌ فيما زاد عما يقرُّ به.
(وإن قلع) الجاني (سنًّا مضطربة، لكبر أو مرض، وكانت منافعها) أي: السن (باقيةً من المضغ، وحفظ الطَّعام، والريق، وجبت ديتها، وكذلك إن ذهب بعضُ منافعها وبقي بعضُها) وجبت ديتها؛ لأنَّه أذهب عضوًا فيه منفعة (وإن ذهبت منافعها كلها، فهي كاليد الشلاء) ففيها
стр. 6420
حكومة.
(وإن قلع سنًّا فيها داء، أو) قلع سنًّا فيها (أكِلَة، ولم يذهب شيء من أجزائها، ففيها دية سِن صحيحة) لكمالها وبقاء منافعها (وإن سقط من أجزائها شيء، سقط من ديتها بقَدر الذاهب منها، ووجب الباقي) من ديتها فيما أذهبه، كسائر ما فيه مقدَّر.
(وإن كانت ثنيَّته قصيرة) خِلْقة، وقلَعَها جانٍ (نقص من ديتها بقَدْر نقصها، كما لو نقصت بكسرها) ثم جنى عليها.
(وإن جنى على سنِّه فبقي فيها اضطراب، ففيها حكومة) لنقصها بذلك.
(وفي تسويد السِّن والظفر) ديته، رُوي عن زيد بن ثابت (١)، ولم يُعرف له مخالف من الصّحابة؛ ولأنه أذهبَ جمالَ ذلك على الكمال، فكملت ديتها، كما لو قطع أذن الأصم.
(و) في تسويد (الأذن والأنف بحيث لا يزول) السواد (عنه) أي: عما ذكر من السِّن والظفر والأذن والأنف (ديته) كالسِّن والظفر.
(فإن ذهبت) السِّن السوداء، أو الظفر، أو الأذن، أو الأنف (بعد ذلك) الاسوداد (بجناية) عليه (ففيها حكومة) كاليد الشلاء (وإن احمرَّت
стр. 6421
السن) بالجناية (أو اصفرَّت، أو اخضرَّت، أو كلَّت، أو تحرَّكت؛ فحكومة) للنقص (فإن قلعها بعد ذلك قالع؛ فحكومة) ولا يعارض ذلك ما تقدم فيما إذا اضطربت لمرض أو كبر، لأن تحركها هنا بجناية.
(ولو نبتت) السن (من صغير سوداء، ثم ثُغِر، ثم عادت سوداء؛ فديتها) إذا (١) أذهبها الجاني، كمن خُلِق أسود الوجه والجسم جميعًا، وإن نبتت أولًا بيضاء، ثم ثُغر، ثم عادت سوداء، فإن قال أهل الخبرة: ليس السواد لمرض ولا عِلَّة، ففيها كمال ديتها، وإلا فحكومة.
(وفي اللحيين الدية) لأن فيهما نفعًا وجمالًا، وليس في البدن مثلها (وهما) أي: اللحيان (العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى، وفي إحداهما نصفُها، فإن قلعها) أي: اللحي (بما عليها من الأسنان، وجبت ديتها ودية الأسنان) فلا تدخل دية الأسنان في اللحيين، بخلاف أصابع اليدين؛ لأن الأسنان ليست متصلة باللحيين؛ وإنما هي مغروزة فيها، بخلاف الأصابع، وأيضًا كلُّ من اللحيين والأسنان ينفرد باسم، واللحيان يوجدان قبل وجود الأسنان ويثبتان بعد قلعهما، بخلاف الكف مع الأصابع.
(وفى اليدين الدية، وفي إحداهما نصفُها) للأخبار (٢) (وسواء
стр. 6422
قطعهما من الكوع، أو المَنْكِب، أو مما بينهما) لأن اليد اسمٌ للجميع؛ لأنه لما نزلت آية التيمم (١) مسح الصحابة إلى المناكب (٢).
стр. 6423
(فإن قطعهما من الكوع) وجبت الدية؛ لأن اليد في الشرع محمولة على ذلك، بدليل قطع السارق، والمسح في التيمم.
(ثم) إن (قطعهما) الجاني (من المَرفِق، أو مما قبلَه، أو) ما (بعدَه، ففي المقطوع ثانيًا حكومة) لأن الدية وجبت عليه بالقطع الأول، كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف.
(وإن جنى عليهما) أي: اليدين (فأشلَّهما وأذهب نفعهما، أو أشلَّ رجله، أو ذكره، أو أنثييه، أو إسْكتيها (١)، وكذا سائر الأعضاء) إذا جنى
стр. 6424
عليها فأشلَّها (ففيه ديته) أي: دية العضو الذي أشلَّه (كاملة) لأنه عطَّل نفعه.
(إلا الأذن والأنف) إذا أشلَّهما فلا تجب ديتهما، بل حكومة (كما تقدم (١)) لأن المقصود منهما الجمال، وهو باقٍ مع شللهما، كما سبق.
(وإن جنى على يَدٍ فعوَّجها، أو نقص قوتها، أو شَانَها) أي: عيَّبها (فـ) ـعليه (حكومة) لأنها أرْش كلَّ ما لا مقدَّر فيه.
(وإن كسرها) الجاني، أي: اليد (ثم انجبرت مستقيمة؛ فحكومة لشينها إن شانها ذلك) إن لم يكن الكسر في الذراع أو العضد، وإلا فيأتي حكمه.
(وإن عادت) اليد بعد كَسْرها (معوجَّة؛ فالحكومة أكثر) من الحكومة إذا عادت مستقيمة، لزيادة الشين.
(وإن قال الجاني: أنا أكسرها، ثم أجبُرُها مستقيمة؛ لم يمكَّن) من ذلك؛ لما فيه من الإضرار بالمجني عليه، وقد لا يصيب.
(فإن كسرها تعديًا) أي: بغير إذن ولىِّ الجناية (ثم جَبَرها فاستقامت، لم يسقط ما وجب من الحكومة في اعوجاجها) لأنه استقرَّ بالاندمال (وفى الكسر الثانى حكومة أخرى) لأنه جناية غير الأولى.
(وتجب دية في يَدِ المرتعش، و) تجب دية الرجل في (قَدَم الأعرج، و) تجب دية اليد في (يد الأعْسَم) لعموم الأخبار (٢) (وهو) أى: العَسَم (اعوجاج في الرُّسْغ) أي: مفصِل ما بين الكف والساعد، والقدم إلى الساق.
стр. 6425
(فإن كان له كفَّان في ذراع، أو يدان في عضد وإحداهما باطشة دون الأخرى، أو) إحداهما (أكثر بطشًا) من الأخرى (أو) إحداهما (في سَمْت الذراع) أي: مقابلته (والأخرى منحرِفة عنه، أو إحداهما تامَّة) الخَلْق (والأخرى ناقصة، فالأولى هي الأصلية والأخرى زائدة، ففي الأصلية دِيتها) إن قُطعت خطأ أو عمدًا واختيرت (والقصاص بقطعها عمدًا، وفي الزائدة حكومة، سواء قطعها منفردة أو مع الأصلية) لأنها زائدة.
(وإن استوتا من كل الوجوه، فإن كانتا غير باطشتين، ففيهما حكومة) لأنه لا نفع فيهما، كاليد الشلاء (وإن كانتا باطشتين، ففيهما جميعًا دية يد واحدة) لأن إحداهما أصلية (وحكومة للزائدة، وإن قطع إحداهما فلا قَوَد) فيها لاحتمال أن تكون هي الزائدة، فلا تؤخذ بها الأصلية (وفيها) أي: إحدى الباطشتين (نصف ما فيهما إذا قطعتا، أي: نصف دية وحكومة، وإن قطع إصبعًا من إحداهما، فنصف أرْش إصبع وحكومة) هذا أحد وجهين أطلقهما في "الشرح" وهو قياس ما قبله، واقتصر في "الإنصاف" و"تصحيح الفروع" و"التنقيح" على نصف أرش إصبع، وتبعهم في "المنتهى".
(وإن قطع ذو اليد التى لها طرفان يدًا؛ لم يُقطعا) بتلك اليد، لئلا تؤخذ يدان بيد واحدة (ولا) تُقطع (إحداهما) بتلك اليد؛ لأنا لا نعرف الأصلية فنأخذها بها، ولا تؤخذ زائدة بأصلية (وكذا الرِّجْلُ) على التفصيل السابق.
(و إن قَطَع كفًّا بأصابعه لم يجب إلا دية اليد) وتندرج فيها دية الأصابع؛ لأن مُسمَّى الجميع يد، كما تقدم (١).
стр. 6426
(وإن قطع كفًّا عليه بعض أصابع، دخل ما حاذى الأصابع) من الكف (فى ديتها) لأن الأصابع لو كانت سالمة كلها لدخل أرْش الكف كله فى دية الأصابع، فكذلك ما حاذى الأصابع السالمة يدخل فى ديتها (وعليه) أى: الجانى (أرْش باقى الكفّ) المحاذى للمقطوعات؛ لأنه ليس له ما يدخل فى ديته، فوجب أرْشه، كما لو كانت الأصابع كلها مقطوعة.
(و إن قطع أنملة بظفرها، فليس عليه إلا ديتها) أي: الأنملة، وتندرج فيها دية الظفر، لدخوله فى مُسمَّى الأنملة.
(وفى كفٍّ بلا أصابع) حكومة (و) فى (ذراع بلا كف) حكومة (و) فى (عضد بلا ذراع حكومة) قال المصنِّف فى "حاشية التنقيح" إنه المذهب. وقطع به فى "المبدع" فى موضع، والرواية الثانية (١): يجب ثلث ديته؛ قدَّمه فى "المبدع" فى موضع آخر، وقطع به في "التنقيح"، وتَبِعه فى "المنتهى"، وصححه فى "الإنصاف". قال: وقد شَبَّه الإمامُ أحمد (٢) ذلك بعين قائمة، قال: وحكم الرِّجْل حكم اليد فى ذلك. انتهى. قلت: مقتضى تشبيه الإمام له بعين قائمة وجوب حكومة فيها، كما هو الصحيح فيها.
(وفى الرِّجْلين الدية، وفى إحداهما نصفُها، وتفصيلها كاليدين) لما تقدم.
стр. 6427
(ومَفصِل الكعبين مثل مَفصِل الكفين، فإن كان له قدمان على ساق، فكالكفين على ذراع واحد) وتقدم (فإن كانت إحداهما أطول من الأخرى فقطع الطُّولى وأمكنه المشي على القصيرة، فهي الأصلية) فيكون في المقطوعة حكومة (وإلا) أي: وإن لم يمكنه المشي على القصيرة، فهى (زائدة) ويجب في المقطوعة نصف الدية.
(وفي الثديين الدية، وفي أحدهما نصفُها) قال "في "المبدع": بالإجماع (١) (وفى حَلَمَتيهما الدية) لأنه ذهب منهما ما تذهب المنفعة بذهابه، كحشفة الذكر (وفى إحداهما نصفُها، وإن قطع الثديين بحَلَمَتيهما، فدية واحدة) كقطع الذكر بحشفته؛ لأن مُسمَّى الجميع واحد.
(فإن حصل مكان قطعهما) أي: الثديين (جائفة، ففيها ثلث الدية مع ديتهما) أي: دية الثديين (وإن) حصل (جائفتان، فدية) للثديين (وثلثان) من الدية للجائفتين.
(وإن جنى) على الثديين (فأذهب لبنهما من غير أن يُشِلَّهما، فـ (ـعليه (حكومة) لما حصل من النقص، ولم تجب الدية؛ لأنه لم يذهب نفعهما بالكلية.
(وإن جنى عليهما) أي: الثديين (من صغيرة، ثم ولدت فلم يَنزل لها لبن، فإن قال أهل الخِبرة: قطعته الجناية، فعليه) أي: الجاني (ما على مَن ذهب باللبن بعد وجوده) وهو حكومة إذا لم يشلّهما، كما تقدم (وإن قالوا) أي: أهل الخبرة: (قد انقطع من غير الجناية؛ لم يضمن) ما ذهب من اللبن؛ لأنه بغير جنايته.
стр. 6428
(وإن نقص لبنهما) أي: الثديين بالجناية؛ فحكومة (أو كانا ناهدين فكسرهما، أو صار بهما مرض فـ (ـعليه (حكومة) لذلك النقص.
(وفي ثَنْدُوَتي الرجل) الواحدة ثَندوة -بفتح الثاء بلا همزة، ويضمها مع الهمز- وهي (مَفْرِز (١) الثدي) وقال الجوهري (٢): الثدي للرجل والمرأة. وهو أصح في اللغة، ومنهم من أنكره؛ ذكره فى "المبدع" (الدية) لأنه يحصل بهما الجمال، وليس في البدن غيرهما من جنسهما (وفي إحداهما نصفُها.
وفى الأليتين الدِّية، وفي إحداهما نصفُها، وهما) أي: الأليتان (ما علا وأشرف عن الظهر وعن استواء الفخذين، وإن لم يصل إلى العظم الذي تحتهما، وفي ذهاب بعضهما) أي: الأليتين، (بقَدْره) من الدية بنسبة الأجزاء، كسائر ما فيه مقدَّر (فإن جُهل المقدار) أي: مقدار الذاهب منهما، أي: جهلت نسبته منهما (فحكومة) كنقص السمع.
(وفى كسر الصُّلب الدية إذا لم ينجبر) قاله في "الشرح" وغيره، ذكره في "المبدع" في موضع، وهو موافق لما في كتاب عمرو بن حزم مرفوعًا: "وفي الصُّلبِ الدِّيةُ" (٣). وروى الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: "مضت السُّنةُ أن في الصُّلب
стр. 6429
الدية" (١)، وقال القاضي: ليس فيه دية إلا أن يذهب مشيه أو جِماعه، وقال في "المبدع": أو (٢) إذا كُسِر صلبه، فجبر وعاد إلى حاله، فحكومة للكسر، وإن احدودب، فحكومة لهما، أي: للكسر والاحديداب.
(فإن ذهب به) أي: بكسر الصلب (مَشيُه) فديةٌ واحدة (أو) ذهب بكسر صلبه (نكاحُه، فدية واحدة) لأن الذاهب منفعة واحدة (وإن ذهبا) أي: المشيُ والنكاحُ (فديتان) كما لو ذهبت منافع الإنسان مع بقائه.
(وإن جُبِرَ) الصَّلبُ بعد كسره (فعادت إحدى المنفعتين، لم يجب إلا ديةُ) المنفعة الذاهبة دون ما عادت (إلا أن تنقص الأخرى) التى عادت (أو تنقصا) أي: المنفعتان بلا ذهاب (فحكومة) للنقص.
(وإن ادَّعى) المجنىُّ عليه (ذهاب جِماعه) بالجناية (فقال رجلان من أهل الخبرة: إنَّ مثل هذه الجناية تذهِب الجماعَ، فقول المجنيِّ عليه مع يمينه) لأن الظاهر معه.
(وإن ذهب ماؤه) بالجناية (أو) ذهب (إحبَالُه دون جِماعه) بالجناية (ففيه الدية) لأنه منفعة مقصودة، أشبه السمع.
(وفي ذهاب الأكل) بالجناية (الدية) لأنه نفع مقصود، كالشم.
(وفي إذهاب منفعة الصوتِ الدية) ذكره في "الترغيب" وغيره، وفي "الفنون": لو سقاه زَرْقَ (٣) حَمَامٍ فذهب صوته، لزمه حكومة.
стр. 6430
(وفي الحَدَب) بفتح الحاء والدال (الدِّية) لأن بذلك تذهب المنفعة والجَمَال؛ لأن انتصاب القامة من الكمال والجمال، وبه شرف الآدمي على سائر الحيوانات (فإن انحنى قليلًا، فحكومة) للنقص.
(وفى الصَّعَر الدية) رواه مكحول عن زيد (١) ولا يُعرف له مخالِف؛ ولأنه أذهب الجمال والمنفعة (وهو) أي: الصَّعَر (أن يجني عليه فيصير وجهه في جانب ولا يعود، فلا يقْدِر على النظر أمامه، ولا يمكنه ليُّ عنقه) وأصل الصَّعَر: داء يأخذ البعير في عنقه فيلتوي منه عنقه، قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ (٢) أي: لا تُعْرِض عنهم بوجهك (وإن صار الالتفات، أو ابتلاع الماء أو) ابتلاع (غيره شاقًّا عليه؛ فـ (ـعلى الجاني (حكومة) لهذا النقص.
(وفي الذكَر الدية) إجماعًا (٣) وتقدم (٤) (من صغير وكبير، وشيخ وشاب) لعموم حديث عمرو بن حزم مرفوعًا: "وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ" رواه
стр. 6431
أَحْمد والنسائي (١).
(وإن قطع) الجاني (نصفَه) أي: الذَّكَر (بالطول ففيه الدية كاملة؛ لأنه ذهب بمنفعة الجِمَاع) قال الموفَّق والشارح: هذا هو الأولى، قال في "الإنصاف": وهو الصواب. ونقل الموفّق عن أصحابنا أن فيه نصف الدية، وقطع به في "المنتهى".
وإن قَطَع منه قطعة مما دون الحشفة، وخرج البول على عادته؛ وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية، وإن خرج من موضع القطع وجب الأكثر من الدية، أو الحكومة (وفي حَشَفَتِهِ) أي: الذكر (الدية) قال في "المبدع": بغير خلاف نعلمه (٢)؛ لأن منفعته تكمل بالحشفة، كما تكمل منافع اليد بالأصابع.
(وفي ذكر الخصيِّ ولو جامع به) حكومة (و) في (ذكر العِنِّين) حكومة (و) في (الذَّكر دون حشفته حكومة) لأنه لا مقدَّر فيه، ولا يمكن إيجاب دية كاملة، لذهاب منفعته.
(وفي الأُنثيين الدية) لخبر عمرو بن حزم (٣) (وفي إحداهما نصفُها، فإن قَطَع الذَّكر والأُنثيين معًا) فديتان (أو) قطع (الذَّكر ثم الأُنثيين،
стр. 6432
فديتان) لأن كلَّ واحد منهما لو انفرد لوجب في قَطعِهِ الدية، فكذا لو اجتمعا (وإن قطع الأُنثيين، ثم) قَطَع (الذكر، ففي الأُنثيين الدية) لأن قطعهما لم يُصادف ما يوجب نقصهما عن ديتهما (وفي الذَّكر حكومة) لأنه ذَكَرُ خصي.
(وإن رضَّ أنثييه أو أشلَّهما، كملت ديتُهما) كما لو قطعهما (وإن قطعهما) أي: الأنثيين (فذهب نسلُه، فديةٌ واحدة) وكذا لو قطع إحداهما فذهب النسل، فنصف الدية؛ لأن دية منفعة العضو تندرج فيه كما سبق، غير السمع والشم.
(وفي إسْكَتَي المرأة) بكسر الهمزة وفتحها (وهما) أي: إسكتاها (اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم، وهما شُفراها) -بضم الشين- وقال أهل اللغة (١): الشفران حاشيتا الإسكتين (الدية) لأن فيهما منفعة وجمالًا، وليس في البدن غيرهما من جنسهما (وفي إحداهما (٢) نصفُها، وسواء كانتا غليظتين أو دقيقتين، قصيرتين أو طويلتين، من بكر أو ثيب، صغيرة أو كبيرة، مَخْفوضة -أي: مختونة- أو غير مخفوضة، ولو من رَتْقَاء) وإن أشلهما ففيهما الدية، كما لو جنى على شفتيه فأشلهما.
(وفي رَكَب المرأة) بالتحريك (وهو عانتها حكومة، وكذا عانته) أي: الرَّجل؛ لأنه لا مقدَّر فيها (فإن أُخذ منه) أي: الركب (شيء مع فَرْجها أو) مع (ذكره، فحكومة) لما أخذ منه (مع الدية) أي: دية الفَرْج أو الذَّكَر.
(وفي أصابع اليدين الدية، وفي أصابع الرِّجْلين الدية، وفي كل
стр. 6433
إصبع عُشرها) لما روى التِّرْمِذِي -وصحَّحه- عن ابن عباس مرفوعًا: "ديَةُ أصابع اليدين والرِّجْلين عَشْرٌ من الإبل لكلِّ إصبع" (١) وفي البُخَارِي عنه مرفوعًا، قال: "هذه وهذه سواءٌ، يعني الخِنصِرَ والإبهام" (٢).
(وفي كُلِّ أنملة ثلث العشر) لأن دية الإصبع تُقسم على أنامله كما قُسِمت ديةُ اليد على أصابعها بالسوية (فإن كانت) الأنملة (من إبهامٍ فنصفُ العُشر) لأنهما مَفْصِلان.
(وفي الظُّفر خُمس ديةِ الإصبعِ) لقول زيد (٣)، ورُوي عن ابن عباس (٤) ولم يُعرف لهما مخالف (إذا قلعه ولم يعد) أو عاد أسود، كما
стр. 6434
في "المنتهى"؛ لذهاب جماله (و في الأصابع (١) الزائدة حكومة) لأنها لا مقدَّر فيها.
(وإن جنى على مثانته فلم يستمسك بوله، ففيه الدية، وإن جنى عليه) بأن ضَرَب بطنه أو نحوه (فلم يستمسك غائطه، ففيه الدِّية) لأن ذلك منفعة كبيرة ليس في البدن مثلها، والضرر بفواتهما عظيم، فكان في كل واحد منهما الدية، كالسمع والبصر (وإن أذهب المنفعتين؛ فَدِيتان) ولو بجناية واحدة، لأن كلًّا منهما لو انفردت فيها الدِّية، فكذا إذا اجتمعا (٢).
(وفي ذهاب العقل الدِّيةُ) قال في "المبدع": بالإجماع (٣). وسنده ما في كتاب عمرو بن حزم (٤)؛ ولأنه أكبر المعاني قدْرًا وأعظم الحواس نفعًا؛ فإنَّه يتميز به من البهيمة، وتُعرف به صحَّة حقائق المعلومات، ويُهتدى به إلى المصالح، ويدخل به في التكليف، وهو شرط في ثبوت الولايات، وصحة التصرفات، وأداء العبادات، فكان أولى من بقية الحواس (٥).
(فإن نَقَص) العقل (نقصًا معلومًا، مثل أن صار يُجَنّ يومًا ويُفِيق يومًا، ففيه من الدية بقَدْر ذلك) الذاهب بالنسبة، كذهاب سمع أذن (وإن
стр. 6435
لم يُعلم) قَدْر الذاهب (مثل أن صار مدهوشًا، أو) صار (يَفْزَع مما لا يُفزع منه، ويَستوحِش إذا خلا؛ فحُكومة) لذلك النقص.
(وإن أذهب عَقْلَه بجناية توجب أرْشًا، كالجرح (١)) من موضحة أو غيرها (أو قطع عضوًا من يديه، أو رِجليه، أو غيرهما، أو ضَرَبه على رأسه) فذهب عقله (وجبت الدية) لذهاب العقل (و) وجب (أرْش الجراح (٢) إن كان) ثَمَّ جرح.
(وإن جنى عليه، فأذهب سمعَهُ وعَقلَه وبصرَه وكلامَه، وجب أربعُ ديات) لقضاء عمر؛ رواه أَحْمد في رواية ولده عبد الله (٣) (مع أرْش الجرح) إن كان، كما لو ذهبت بجنايات.
(فإن مات) المجني عليه (من الجناية، لم يجب إلَّا دية واحدة) للنفس، واندرج فيها ما عداها من المنافع، كديات الأعضاء.
(وإن أنكر الجاني زوالَ عقلِهِ ونَسَبَه إلى التَّجَانُنِ) يعني أنَّه يتفعّل الجنون (راقبناه) أي: المجني عليه (في خلواته، فإن لم تنضبط أحواله؛ وجبت الدية) عملًا بالظاهر (ولا يُحَلَّفُ) لعدم أهليته له.
(وفي تسويد الوجه -إذا لم يَزُل- الدِّيةُ) لأنه أذهب الجمال على الكمال، أشبه قطع أذني الأصم (فإن حمَّره أو صفَّره) أي: الوجه (فحُكومة) لأنه لم يذهب الجمال (٤).
стр. 6436
فصل
(وفي العضو الأشلِّ -وهو الذي ذهبت منفعتُه، من اليد، والرِّجْل، والذَّكَر، والثدي، ولسان الأخرس) الذي لا ذوق له (والعين القائمة في موضعها، صورتها كصورة كصحيحة غير أنَّه ذهب بصرُها، وشحمة الأذن) وهي ما لانَ في أسفلها، وهي مُعلَّق القُرْطِ (وذَكَر الخصي والعِنِّين، والسِّن السوداء التي ذهبت منفعتُها بحيث لا يعض (١) بها شيئًا، والثدي دون حَلَمته، والذَّكَر دون حَشَفته، وقصبة الأنف دون مارِنه، واليد والإصبع الزائدتين -حكومةٌ) لما حصل من النقص والشَّين مع عدم ورود تقدير في شيء منها، والتقدير بابه التوقيف (وتقدم بعضه) ويأتي معنى الحكومة في الباب بعده.
(ولا تجب دية جرح حتَّى يَندَمِل) لما مَرَّ.
(ولا) تجب (دية سِنٍّ، و) لا دية (ظُفر، و) لا دية (منفعة) من بصر أو غيره (حتَّى يُيْأس من عودها) لما تقدم (٢) من أنَّه لا دية لما رُجِى عوده في مدة تقولها أهل الخبرة.
(فإن مات) المجنيُّ عليه (في المُدَّة) التي ذكر أهل الخبرة أنه يعود فيها قبل العود (فلوليه دية) ما جني عليه من (سِنٍّ وظُفر) ومنفعة، لليأس من عوده بموته (وله القَوَد في غيرهما) أي: غير السّن والظُّفر من الأعضاء؛ لأن العادة لم تجرِ بعوده، لكن لا يقتصّ إلا بعد الاندمال، لأنه لا يدري أَقتْل هو أم ليس بقتْلٍ، فينتظر ليعلم حكمه وما الواجب فيه،
стр. 6437
ولذا لم تجب ديته قبل الاندمال (وتقدم بعضه.
ولو التحمت الجائفةُ أو الموضِحة وما فوقها) كالهاشمة والمنقِّلة (على غير شَيْنٍ، لم يسقط موجبها) لأن الشارع أوجب فيها ذلك الأرْش، ولم يقيده بحال دون حال، فوجب بكل حال.
стр. 6438
باب الشجاج وكسر العظام
(الشَّجَّة) واحدة الشِّجاج، وهي (اسم لجُرْحِ الرأس و) جرح (الوجه خاصة) وقد تُستعمل في غير ذلك من الأعضاء؛ قاله ابن أبي الفتح (١).
(وهي عشر) بالاستقراء: (خَمْسٌ لا مقدَّر فيها) لأن التقدير من الشرع، ولم يرد فيها.
(أولها: الحارِصَةُ) بالحاء والصاد المهملتين (وهي التي تَشُقُّ الجلدَ قليلًا، أي: تقشِرُه شيئًا يسيرًا ولا تُدْميه) والحَرْصُ: الشَّق، ومنه حَرَصَ القَصَّارُ الثوب إذا شقه قليلًا، وهي القاشرة والقُشْرَة. قال ابن هُبيرة (٢) تبعًا للقاضي: وتُسمَّى المِلْطاء.
(ثم) ثانيها: (البازِلة، وتُسمَّى الدامية والدامِعة) لقلة سيلان دمها، تشبيهًا له بخروج الدمع من العين (وهي التي يسيل منها الدم.
ثم) ثالثها: (الباضِعَة، وهي التي تَبضع اللحم) أي: تشقه (بعد الجلد.
ثم) رابعها: (المُتلاحِمة، وهي التي أخذت في اللحم، أي: دخلت فيه دخولًا كثيرًا، فوق الباضِعة ودون السِّمحاق.
ثم) خامسها: (السِّمحاق، وهي التي بينها وبين العظم قِشرة رقيقة) فوق العظم (تُسمَّى تلك القشرة سِمحاقًا، و) لذلك (٣) (تُسمَّى الجراح
стр. 6439
الواصلة إليها سِمحاقًا، فهذه الخَمس فيها حكومةٌ) لأنها جراحات لم يرد فيها توقيت من الشرع، أشبهت جراحات البدن.
(وخَمس (١) فيها مقدَّر:
أولها: المُوضِحة) والوَضَح: البياض (وهي التي توضِح العظم) أي: تُبدي بياضه (أي: تُبْرِزه، ولو بقَدْر رأسِ إبرة، وموضِحة الوجه والرأس سواء) لعمومِ الأخبار (وفيها -إن كانت من حُرٍّ مسلِم ولو أنثى- خمس من الإبل) لما في حديث عَمرو بن حزم: "وفي المُوضِحةِ خمسٌ من الإبل (٢). وعن عَمرو بن شعيب، عن أَبيه، عن جده أن النَّبِيّ ﷺ قال: "في المَواضحِ خمسٌ خمسٌ" رواه الخمسة (٣).
(ولا يُعتبر إيضاحُها للناظر، فلو أوضَحَه برأس مِسَلَّةٍ أو) رأس (إبرة؛ وعُرِف وصولُها إلى العظم؛ كانت موضحة) لأنها أوضحت العظمَ.
(فإن عَمَّت الرأسَ) ونزلت إلى الوجه فموضحتان (أو لم تَعُمُّه)
стр. 6440
أي: الرأس (ونزلت إلى الوجه فموضحتان) لأنه أوضحه في عضوين، فكان لكلِّ واحد منها حكم نفسه، كما لو أوضحه في رأسه ونزل إلى القفا.
(وإن أوضحه موضِحتين بينهما حاجز فعليه) أي: الجاني (أرْش موضحتين) عشرة أبعرة (فإن خَرَق الجاني ما بينهما) أي: الموضِحتين، صارتا واحدة (أو ذهب) ما بين الموضحتين (بالسراية صارا موضِحة واحدة) كما لو أوضحه الكلَّ من غير حاجز.
(ومثله لو قَطَع ثلاثَ أصابعِ امرأةٍ) حُرَّةٍ مسلِمةٍ (فعليه ثلاثون من الإبل، فإن قطع الرابعة قبل البرء عاد) ما عليه (إلى عشرين) كما تقدم عن سعيد بن المسيب وقوله: هكذا السُّنة (١).
(فإن اختلفا) أي: الجاني والمجني عليها (في قاطعها) أي: الإِصبع الرابعة، بأن قال الجاني: إنه قَطَعها، أو إنها ذهبت بالسراية، وقالت: بل قطعها غيرُكَ (فقول مجنيٍّ عليها) لأن الظاهر معها، فيلزمه ثلاثون بعيرًا، ولا يُقبل قولُها على الغير بلا بينة؛ لأن الأصل براءته.
(وإن اندملت الموضحتان، ثم أزال) الجاني (الحاجز بينهما، فعليه أرش ثلاث مواضح) لأنه استقر عليه أرْش الأوَّلَتين بالاندمال، ثم لزمه أرْش الثالثة (وإن اندملت إحداهُما، ثم زال الحاجز بفعله) أي: الجاني (أو بسراية الأخرى) التي لم تندمل (فموضحتان) لأنه استقر عليه أرْش التي اندملت، وما عداها موضِحة واحدة، كما لو لم يكن معها غيرها.
(وإن خَرَقه) أي: الحاجز بين موضحتين (أجنبيٌّ، فعلى الأول
стр. 6441
أرْش موضِحتين، وعلى الثاني أرْش موضِحة؛ لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر) فانفرد كلُّ واحدٍ منهما بحكم جنايته.
(وإن أزاله) أي: الحاجز بينهما (المجنيُّ عليه، فعلى الأول أرْش موضِحتين) لأن ذلك وجب عليه بجنايته، فلم يسقط عنه شيء بفعل غيره.
(فإن اختلفا في مَنْ خَرَقه) أي: الحاجز بينهما (فقال الجاني: أنا شققتُ ما بينهما، وقال المجنيُّ عليه: بل أنا) الخارق لما بينهما (أو) قال المجني عليه للجاني: (أزالها آخر سواك، فقولُ المجنيِّ عليه) بيمينه؛ لأن سبب أرْش موضِحتين قد وُجِد، والجاني يدَّعي زواله والمجروح ينكِره، والقول قول المنكِر؛ لأن الأصل معه.
(وإن خَرَق الجاني ما بينهما) أى: الموضِحتين (في الباطن بأن قَطَع اللحمَ الذي بينهما وتَرَك الجلدَ الذي فوقهما؛ صارا) موضِحة (واحدة) لاتصالهما في الباطن، وكذا لو خَرَقه ظاهرًا وباطنًا، كما يُعلم مما تقدم.
(وإن خَرَقه) أي: الحاجز (في الظاهر فقط؛ فثنتان) أي: موضِحتان، لعدم اتصالهما باطنًا (كما لو جَرَحه جراحًا واحدة، وأوضحه في طرفيها) أي: الجراحة، فموضحتان.
(وإن شَجَّ جميعَ رأسه سِمْحَاقًا، إلا موضعًا منه أوضحه، لم يلزمه أكثر من أرْش موضِحة، كما لو أوضحه) أي: الرأس (كله) أي: لأنه لو أوضحه في رأسه كله لم يلزمه سوى أرش موضحة، فهنا أولى.
(وإن شَجَّه شَجَّةً، بعضُها هاشمةٌ، وباقيها دونها) أى: دون الهاشمة، موضِحة كانت أو دونها (لم يلزمه أكثر من أرْش هاشمة) كما لو هَشَمه في رأسه كله.
стр. 6442
(وإن كانت) الشَّجَّة (منقِّلة وما دونها أو) كانت (مأمومة وما دونها، فعليه أرْش منقِّلة) فقط (أو مأمومة) فقط؛ لما تقدم في الموضِحة والهاشمة.
(ثم) يلي الموضِحةَ (الهاشمةُ، وهي التي توضح العظم) أي: تُبْرِزُه (وتهشِمه) أي: تكسره (وفيها عشر من الإبل) رُوي عن زيد بن ثابت (١)، ومثل ذلك لا يُقال بالرأي، فيكون توقيفًا.
(فإن هَشَمَهُ هاشِمَتين بينهما حاجز، ففيهما عشرونَ من الإبل، على ما ذكرنا من التفصيل في المُوضِحة) بلا فرق (وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة، كالموضِحة) لأن الاسم يتناولهما (وإن ضَرَبه بمثقَّل فهَشَمه من غير أن يوضِحه؛ فحكومة) لأن ذلك ليس بهاشمة، ولا تقدير فيه يرجع إليه، فوجب فيه حكومة.
(وإن أوضحه موضِحتين هَشَم العظمَ في كلِّ واحدةٍ منهما واتَّصل الهشمُ في الباطن؛ فـ) ـهما (هاشمتان) فيهما عشرون بعيرًا؛ لأن الهشم إنما يكون تبعًا للإيضاح، فإذا كانتا موضحتين كان الهشم هاشمتين، بخلاف الموضحة؛ فإنها ليست تبعًا لغيرها، فافترقا.
(ثم) يلي الهاشمةَ (المنقِّلةُ وهي التي توضِحُ) العظمَ (وتهشِمُ)
стр. 6443
العظمَ (وتنقِّلُ عظامَها بتكسيرها، وفيها خمسَ عشرةَ من الإبل) بإجماع أهل العلم؛ حكاه ابن المنذر (١)، وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبيُّ ﷺ : "وفي المنقّلة خمس عشرة من الإبل" (٢) (وفي تفصيلها) أي: المنقّلة (ما في تفصيل الموضِحة والهاشِمة على ما مضى) توضيحه.
(ثم) يلي المنقِّلة (المأمومة وتُسمَّى الآمَّة) بالمَدِّ، قال ابن عبد البر (٣): أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة (وهي) الشَّجَّة (التي تصل إلى أُمّ الدماغ، وهي) أي: أم الدماغ (جِلدة فيها الدماغ) قال النضر بن إسماعيل (٤): أمُّ الرأس: الخريطة التي فيها الدماغ، سُميت بذلك لأنها تحوط الدماغ وتجمعه (وفيها ثلث الدية) لقوله ﷺ في كتاب عمرو بن حزم: "في المأمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ" (٢) وعن ابن عمر مرفوعًا (٥) مثل ذلك.
ثم يلي المأمومة الدامغة بالغين المعجمة وهي المذكورة بقوله: (وفي الدامغة ما في المأمومة) أي: ثلث الدية، لأنها أبلغ من المأمومة،
стр. 6444
ولا يسلم صاحبها في الغالب (وهي) الدامغة (١) (التي تخرِق جلدة الدماغ.
وإن أوضحه جانٍ ثم هَشَمَه ثانٍ، ثم جعلها) أي: الشَّجَّة المذكورة (ثالثٌ منقِّلة، ثم) جعلها (رابع مأمومة أو دامغة، فعلى الرابع ثمانية عشر وثُلُثٌ من الإبل) لأنها تفاوت ما بين المنقِّلة والمأمومة أو الدامغة (وعلى كلِّ واحد من الثلاثة قبلَه خمس من الإبل) لأنها تفاوت ما بين الشَّجتين، على ما تقدم.
فصل
(وفي الجائفة ثُلُث الدية) لقوله ﷺ في كتاب عمرو بن حزم: "وَفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ" (٢)؛ ولحديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده (٣)، وسواء كانت عمدًا أو خطأ (وهي) أي: الجائفة (التي تَصِلُ إلى باطن الجوف من بطنٍ، أو ظهرٍ، أو صَدْرٍ، أو نَحْرٍ) قال في الفروع: وحَلْق، ومثانة، وبين خُصيتين، ودُبُر. وفي "الرعاية": وهي: ما وصل جوفًا فيه قوة محيلة للغذاء، من ظهر، أو بطن، وإن لم تخرق الأمعاء، أو صدر، أو نَحْر، أو دماغ، وإن لم تخرق الخريطة، أو مثانة، أو ما بين وعاء الخُصيتين والدُّبر.
(وإن أجافه جائفتين بينهما حاجز فعليه ثُلُثا الدية) لكل جائفة ثُلُثٌ.
стр. 6445
(وإن خرق الجاني ما بينهما) صارا واحدة (أو خرق) ما بينهما (بالسراية صارا جائفة واحدة فيها ثُلُث الدية لا غير) ذلك، كما تقدم (١) في الموضِحة.
(فإن خَرَق ما بينهما) أي: الجائفتين (أجنبيٌّ أو) خَرَقه (المجنيُّ عليه فعلى الأول ثُلثا الدية، وعلى الأجنبي الثاني ثُلثها) لأن فعل أحدهما لا ينبني على فِعل الآخر، والمراد هنا بالأجنبي غير الجاني والمجني عليه، ووليه، والطبيب بأمره.
(ويسقط ما قابل فِعْل المجنيّ عليه) فلا يجب به شيء؛ لأن الإنسان لا يجب له على نفسه أرْش.
(وإن احتاج) المجنيُّ عليه (إلى خَرْق ما بينهما) أي: الجائفتين (للمداواة، فَخرَقها المجني عليه، أو) خَرَقها (غيرُه بأمره، أو) خرقها (وليُّ المجني عليه لذلك) أي: للمداواة (أو) خرقها (الطبيب بأمره) أي: أمر المجني عليه إن كان مكلَّفًا، أو بأمر ولي غيره (فلا شيء في خرق الحاجز) على أحد (وعلى الأول ثُلُثَا الدية) لأن فعله لا ينبني على فعل غيره.
(و إن جَرَحه من جانب، فخرج من الجانب الآخر؛ فجائفتان) لما روى سعيد بسنده إلى أبي بكر "أنّهُ قَضى في جَائِفةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثي الدِّيةِ" (٢)