أرْش موضِحتين، وعلى الثاني أرْش موضِحة؛ لأن فعل أحدهما لا ينبني على فعل الآخر) فانفرد كلُّ واحدٍ منهما بحكم جنايته.
(وإن أزاله) أي: الحاجز بينهما (المجنيُّ عليه، فعلى الأول أرْش موضِحتين) لأن ذلك وجب عليه بجنايته، فلم يسقط عنه شيء بفعل غيره.
(فإن اختلفا في مَنْ خَرَقه) أي: الحاجز بينهما (فقال الجاني: أنا شققتُ ما بينهما، وقال المجنيُّ عليه: بل أنا) الخارق لما بينهما (أو) قال المجني عليه للجاني: (أزالها آخر سواك، فقولُ المجنيِّ عليه) بيمينه؛ لأن سبب أرْش موضِحتين قد وُجِد، والجاني يدَّعي زواله والمجروح ينكِره، والقول قول المنكِر؛ لأن الأصل معه.
(وإن خَرَق الجاني ما بينهما) أى: الموضِحتين (في الباطن بأن قَطَع اللحمَ الذي بينهما وتَرَك الجلدَ الذي فوقهما؛ صارا) موضِحة (واحدة) لاتصالهما في الباطن، وكذا لو خَرَقه ظاهرًا وباطنًا، كما يُعلم مما تقدم.
(وإن خَرَقه) أي: الحاجز (في الظاهر فقط؛ فثنتان) أي: موضِحتان، لعدم اتصالهما باطنًا (كما لو جَرَحه جراحًا واحدة، وأوضحه في طرفيها) أي: الجراحة، فموضحتان.
(وإن شَجَّ جميعَ رأسه سِمْحَاقًا، إلا موضعًا منه أوضحه، لم يلزمه أكثر من أرْش موضِحة، كما لو أوضحه) أي: الرأس (كله) أي: لأنه لو أوضحه في رأسه كله لم يلزمه سوى أرش موضحة، فهنا أولى.
(وإن شَجَّه شَجَّةً، بعضُها هاشمةٌ، وباقيها دونها) أى: دون الهاشمة، موضِحة كانت أو دونها (لم يلزمه أكثر من أرْش هاشمة) كما لو هَشَمه في رأسه كله.
стр. 6442
(وإن كانت) الشَّجَّة (منقِّلة وما دونها أو) كانت (مأمومة وما دونها، فعليه أرْش منقِّلة) فقط (أو مأمومة) فقط؛ لما تقدم في الموضِحة والهاشمة.
(ثم) يلي الموضِحةَ (الهاشمةُ، وهي التي توضح العظم) أي: تُبْرِزُه (وتهشِمه) أي: تكسره (وفيها عشر من الإبل) رُوي عن زيد بن ثابت (١)، ومثل ذلك لا يُقال بالرأي، فيكون توقيفًا.
(فإن هَشَمَهُ هاشِمَتين بينهما حاجز، ففيهما عشرونَ من الإبل، على ما ذكرنا من التفصيل في المُوضِحة) بلا فرق (وتستوي الهاشمة الصغيرة والكبيرة، كالموضِحة) لأن الاسم يتناولهما (وإن ضَرَبه بمثقَّل فهَشَمه من غير أن يوضِحه؛ فحكومة) لأن ذلك ليس بهاشمة، ولا تقدير فيه يرجع إليه، فوجب فيه حكومة.
(وإن أوضحه موضِحتين هَشَم العظمَ في كلِّ واحدةٍ منهما واتَّصل الهشمُ في الباطن؛ فـ) ـهما (هاشمتان) فيهما عشرون بعيرًا؛ لأن الهشم إنما يكون تبعًا للإيضاح، فإذا كانتا موضحتين كان الهشم هاشمتين، بخلاف الموضحة؛ فإنها ليست تبعًا لغيرها، فافترقا.
(ثم) يلي الهاشمةَ (المنقِّلةُ وهي التي توضِحُ) العظمَ (وتهشِمُ)
стр. 6443
العظمَ (وتنقِّلُ عظامَها بتكسيرها، وفيها خمسَ عشرةَ من الإبل) بإجماع أهل العلم؛ حكاه ابن المنذر (١)، وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبيُّ ﷺ : "وفي المنقّلة خمس عشرة من الإبل" (٢) (وفي تفصيلها) أي: المنقّلة (ما في تفصيل الموضِحة والهاشِمة على ما مضى) توضيحه.
(ثم) يلي المنقِّلة (المأمومة وتُسمَّى الآمَّة) بالمَدِّ، قال ابن عبد البر (٣): أهل العراق يقولون لها: الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة (وهي) الشَّجَّة (التي تصل إلى أُمّ الدماغ، وهي) أي: أم الدماغ (جِلدة فيها الدماغ) قال النضر بن إسماعيل (٤): أمُّ الرأس: الخريطة التي فيها الدماغ، سُميت بذلك لأنها تحوط الدماغ وتجمعه (وفيها ثلث الدية) لقوله ﷺ في كتاب عمرو بن حزم: "في المأمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ" (٢) وعن ابن عمر مرفوعًا (٥) مثل ذلك.
ثم يلي المأمومة الدامغة بالغين المعجمة وهي المذكورة بقوله: (وفي الدامغة ما في المأمومة) أي: ثلث الدية، لأنها أبلغ من المأمومة،
стр. 6444
ولا يسلم صاحبها في الغالب (وهي) الدامغة (١) (التي تخرِق جلدة الدماغ.
وإن أوضحه جانٍ ثم هَشَمَه ثانٍ، ثم جعلها) أي: الشَّجَّة المذكورة (ثالثٌ منقِّلة، ثم) جعلها (رابع مأمومة أو دامغة، فعلى الرابع ثمانية عشر وثُلُثٌ من الإبل) لأنها تفاوت ما بين المنقِّلة والمأمومة أو الدامغة (وعلى كلِّ واحد من الثلاثة قبلَه خمس من الإبل) لأنها تفاوت ما بين الشَّجتين، على ما تقدم.
فصل
(وفي الجائفة ثُلُث الدية) لقوله ﷺ في كتاب عمرو بن حزم: "وَفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ" (٢)؛ ولحديث عَمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده (٣)، وسواء كانت عمدًا أو خطأ (وهي) أي: الجائفة (التي تَصِلُ إلى باطن الجوف من بطنٍ، أو ظهرٍ، أو صَدْرٍ، أو نَحْرٍ) قال في الفروع: وحَلْق، ومثانة، وبين خُصيتين، ودُبُر. وفي "الرعاية": وهي: ما وصل جوفًا فيه قوة محيلة للغذاء، من ظهر، أو بطن، وإن لم تخرق الأمعاء، أو صدر، أو نَحْر، أو دماغ، وإن لم تخرق الخريطة، أو مثانة، أو ما بين وعاء الخُصيتين والدُّبر.
(وإن أجافه جائفتين بينهما حاجز فعليه ثُلُثا الدية) لكل جائفة ثُلُثٌ.
стр. 6445
(وإن خرق الجاني ما بينهما) صارا واحدة (أو خرق) ما بينهما (بالسراية صارا جائفة واحدة فيها ثُلُث الدية لا غير) ذلك، كما تقدم (١) في الموضِحة.
(فإن خَرَق ما بينهما) أي: الجائفتين (أجنبيٌّ أو) خَرَقه (المجنيُّ عليه فعلى الأول ثُلثا الدية، وعلى الأجنبي الثاني ثُلثها) لأن فعل أحدهما لا ينبني على فِعل الآخر، والمراد هنا بالأجنبي غير الجاني والمجني عليه، ووليه، والطبيب بأمره.
(ويسقط ما قابل فِعْل المجنيّ عليه) فلا يجب به شيء؛ لأن الإنسان لا يجب له على نفسه أرْش.
(وإن احتاج) المجنيُّ عليه (إلى خَرْق ما بينهما) أي: الجائفتين (للمداواة، فَخرَقها المجني عليه، أو) خَرَقها (غيرُه بأمره، أو) خرقها (وليُّ المجني عليه لذلك) أي: للمداواة (أو) خرقها (الطبيب بأمره) أي: أمر المجني عليه إن كان مكلَّفًا، أو بأمر ولي غيره (فلا شيء في خرق الحاجز) على أحد (وعلى الأول ثُلُثَا الدية) لأن فعله لا ينبني على فعل غيره.
(و إن جَرَحه من جانب، فخرج من الجانب الآخر؛ فجائفتان) لما روى سعيد بسنده إلى أبي بكر "أنّهُ قَضى في جَائِفةٍ نَفَذَتْ بِثُلُثي الدِّيةِ" (٢)
стр. 6446
وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده: "أنَّ عُمَرَ قَضى في الجائِفَةِ إذا نَفَذَتْ بأرْشِ جائِفَتَينِ" (١) وكما لو طَعَنه من جانبين فالتقتا، والاعتبار بوصول الجرح إلى الجوف، ولا عبرة بكيفية إيصاله، إذ لا أثر لصورة الفعل مع التساوي في المعنى.
(وان خَرَق شِدْقَه أو) خرق (أنْفَه فوصل إلى فمِه، فليس بجائفة؛ لأن باطن الفَم في حكم الظَّاهر) لا الباطن، وعليه حُكومة (وإن طَعَنه في خدِّه فكَسَرَ العظمَ ووصل إلى فَمِهِ، فليس بجائفة أيضًا) لما ذكر من أن باطن الفم في حكم الظاهر (وعليه دية منقِّلة) خمسة عشر بعيرًا (لكسر العظم، وفيما زاد) على كسر العظم (حكومة) لما نقص.
(وإن جَرَحه في ذكره فَوَصَل) الجرح (إلى مجرى البول أو) جَرَحه (في جفنه فوصل) الجرح (إلى بيضة عينه؛ فحكومة) لأن ذلك ليس بباطن، فليس بجائفة (كإدخاله إصبعه في فَرْجِ بِكْرٍ؛ وداخل عظم فخذ.
وإن جرحه في وَرِكه فوصل الجرح إلى جوفه، أو أوضحه فوصل) الجرح (إلى قَفَاه، فعليه) في الأولى (دِية جائفة) وحكومة (و) في الثانية (٢) دية (موضِحة وحكومة لجُرْح (٣) القفا والورك) لأن الجراح في غير موضع الجائفة والموضِحة، فانفرد فيه الضمان، كما لو لم يكن معه جائفة أو موضِحة، وأما الحكومة؛ فلأنه لا توقيت فيه.
(و إن أجافه) واحد (ووسَّع آخرُ الجرحَ؛ فجائفتان، على كلِّ واحدٍ
стр. 6447
منهما أرْشُ جائفة) لأن فعل كل واحد منهما لو انفرد لكان جائفة، فلا يسقط حكمه بانضمامه إلى غيره (وإن وسَّعها الطبيبُ بإذنه) أي: المجني عليه المكلَّف (أو) وسّعها الطبيب بـ (ـإذن وليه) إن لم يكن مكلّفًا (لمصلحته، فلا شيء عليه) لعدم تعديه.
(وإن أدخل) مكلَّف (سكينًا في الجائفة، ثم أخرجها، عُزِّر) لارتكابه معصية (ولا شيء عليه) لعدم جنايته (وإن خاطها) أي: الجائفة (فجاء آخر فقطع الخيط وأدخل السكين فيها قبل أن تلتحم، عُزِّرَ أشدٌ من التعزير الذي قبله) لأن فعله أشد (وغرم ثمن الخيوط) لإتلافه لها تعديًا (وأجرة الخياط) لتسببه في ذلك (ولا شيء عليه) أي: لا دية عليه للجائفة عليه؛ لأنه لم يَجِفْهُ.
(وإن التحمت الجائفةُ ففتحها آخر، فهي جائفة أخرى عليه أرْشها) أي: ثُلُث الدية؛ لأنه عاد إلى الصحة، فصار كالذي لم يُجْرح (وإن التحم بعضها) أي: الجائفة (دون بعض، ففتق ما التحم، فعليه أرْش جائفة) لما سبق (وإن فَتَقَ غير ما التحم، فليس عليه أرْش جائفة) لأنه لم يعد إلى الصِّحة (وحكمه حكم مَن فَعَل مثل فِعْله قبل أن يلتحم منها شيء) فيغرم ثمن الخيوط وأجرة الخياط (وإن وسَّع بعضَ ما التحم في الظاهر فقط، أو) وسَّعه في (الباطن فقط، فعليه حكومة) لتوسيعه؛ لأن جنايته لم تبلغ الجائفة.
(ومن وطئ زوجتَه، وهي صغيرة) لا يوطأ مثلها لمثله (أو) وطئها وهي (نحيفة لا يوطأ مثلها لمِثْله، فخرق ما بين مخرج بول ومَنِيٍّ، أو) خرق (ما بين القُبُل والدُّبُر، فلم يستمسك البول؛ لزمه (١) الدية) لأن
стр. 6448
للبول مكانًا في البدن يجتمع فيه للخروج، فعدم إمساك البول إبطال لنفع ذلك المحل، فتجب فيه الدية، كما لو لم يستمسك الغائط.
(وإن استمسك) البول (فعليه ثُلُث الدية) لأنها جائفة؛ ولما رُوي أن عمر قضى في الإفضاء بثلث الدية (١). ولم يُعرف له مخالف من الصحابة (ويلزمه المهر المُسمَّى في النكاح) لأنه تقرَّر بالدخول (مع أرْش الجناية) السابق وهو الدية إن لم يستمسك بول، وإلا فثُلثها؛ لأن كلًّا منهما يُضمن منفردًا، فضمنا مجتمعين.
(ويكون أرْش الجنابة في ماله) أي: الجاني (إن كان عمدًا محضًا) لأن العاقلة لا تحمله (وهو) أي: العمد المحض (أن يعلم) الزوج (أنها لا تُطيقه، وأن وطْأهُ يُفْضِيها.
وإن علم ذلك) أي: أنها لا تُطِيقه (وكان) وَطْؤه (مما يحتمل ألا يفضي إليه) أي: إلى الإفضاء (فـ) ـالأرش (على العاقلة) لأنه شِبْه عَمْدٍ.
(وإن اندمل الحاجز وزال الإفضاء؛ وجبت حكومة) لجبر ما حصل من النقص؛ قاله في "الشرح" (فقط) وفيه نظر، لأنه قد تقدم آخر الباب
стр. 6449
قبله (١): ولو التحمت الجائفة لم يسقط موجبها. قال في "الإنصاف" رواية واحدة؛ قاله في "المجرد" وغيره.
(وإن كانت) الزوجة (كبيرة محتمِلَة للوَطْء يُوطأُ مثلها لمِثلْه) فَهَدْرٌ؛ لأنه ضرر حصل عن (٢) فعل مأذون (٣) شرعًا فلم يضمنه، كسراية القَوَد.
(أو) كانت الموطوءة (أجنبيةً كبيرةً مطاوعةً، ولا شُبهةَ، وهي حُرَّة مكلَّفة) ووقع ما سبق (فهَدْرٌ) لأنه ضرر حصل من فعل مأذون فيه، فلم يضمنه، كأرْش بكارتها (ولا مهرَ) للأجنبية؛ لأنها زانية مطاوِعة (كما لو أذنت في قَطْعِ يدها فسرى) القطع (إلى نفسها.
وإن كانت) الأجنبية (مكرَهة أو وطئها بشُبهة، فأفضاها؛ لزمه ثُلث ديتها) إن استمسك البول، وإلا فالدية كما سبق (و) لزمه (مهر مثلها) بما استباح من فَرْجها.
(و) لزمه (أرْش البكارة) قال في "الفروع"، و"المبدع": ولا يندرج أرْش بكارة في دية إفضاء على الأصح. قال في "الإنصاف": وجزم بوجوب أرش البكارة في "الهداية" و"المذهب" و"المستوعب" و"الخلاصة" وغيرهم. انتهى. لكن تقدم في كتاب الصداق (٤): أن أرْش البكارة يدخل في المهر إذا كانتْ حُرَّة، وأنه يجب مهرها بكرًا فقط، فينبغي حمل ما ذكره هؤلاء على إفضاءٍ لا يجب معه مهرٌ، بأن يكون بغير وطء، ويدلُّ عليه قول "الفروع": "في دية إفضاء"، ولم يقل: في مهر.
стр. 6450
(وإن استطلق بولُها) أي: الأجنبية المكرَهة، أو الموطوءة بشُبهة (فدِية فقط) أي: فلا يجب معها ثلث دية للفتق، وليس المراد الاحتراز عن المهر إن وطئ، ولا عن أرْش البكارة على ما تقدم، كما يدلُّ عليه كلام "المبدع" وغيره.
فصل
(وفي كَسْرِ الضلع) -بكسر الضاد وفتح اللام، وتسكينُها لغة- واحد الضلوع المعروفة (بعير) إن جُبر مستقيمًا.
(وفي التَّرْقُوَتين) واحدهما تَرقوة بالفتح. قال الجوهري: ولا تقل تُرقوة بالضم (١) (بعيران، وفي إحداهما بعير. والترقوة: العظم المستدير حول العنق من النحر إلى الكَتِفِ، لكل آدمي تَرْقُوتان) روى سعيد عن عمر قال: في الضلعِ جَمَلٌ، وفي الترقُوَة جَمَل (٢).
وظاهر الخرقي، وجزم به في "الإرشاد": أن في الواحدة بعيرين فيكون فيهما أربعة أبعرة، وروي عن زيد (٣). لكن قال القاضي: المراد
стр. 6451
بقول الخرقي التَّرْقُوتان معًا، وإنما اكتفى بلفظ الواحد لإدخال الألف واللام المقتضية للاستغراق، فيكون في كل تَرْقُوة بعير.
(وفي كل واحد من الذراع وهو الساعد الجامع لعَظْمَي الزَّنْد) بفتح الزاي، وهو ما انحسر عنه اللحم من الساعد. قال الجوهري (١): الزند: وصل طرف الذراع بالكف، وهما زندان بالكوع والكرسوع، وهو: طرف الزند الذي يلي الخِنْصِرَ، وهو الناتئ عند الرسغ (٢).
(و) من (العَضُد والفَخِذ والسَّاق، إذا جُبِرَ ذلك مستقيمًا) بأن بقي على ما كان عليه من غير أن يتغير عن صفته (بعيران) لما روى سعيد، عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ عَمْرو بن العاصِ كَتَبَ إلى عُمرَ في أحَدِ الزَّندَينٍ إذا كُسِر، فكتبَ إليه عُمرُ: أنَّ فيهِ بعيرَينِ، وإذا كَسَرَ الزَّنْدين (٣) فَفيهِما أربعةُ أبعِرَةٍ (٤). ولم يُعرف له مخالف في الصحابة، فكان كالإجماع، وبقية العظام المذكورة كالزند (وإلا) أي: وإن لم ينجبر ما تقدَّم من الضلع والترقوة والزند والفخذ والساق (فحكومة) لذلك النقص (ولا مقدّر في غير هذه العظام) لعدم التقدير فيه.
(وما عدا ما ذكرنا من الجروح، وكَسْر العظام: مثل خَرَزَةِ الصُّلب
стр. 6452
والعُصْعُص) بضم العينين، وقد تفتح الثانية للتخفيف: عَجْبُ الذَّنَب، وهو العظم الذي في أسفل الصلب عند العجز، وهو العسيب من الدواب، قاله في الحاشية (والعانة، ففيه حكومة) لأنه لم يرد فيه تقدير.
(وخَرَزَة الصُّلب) فقاره (إن أريد بها كَسْر الصُّلْب، ففيه الدية) قال (١) في "الشرح" و"المبدع"، وقال القاضي: فيه حكومة. كما تقدم (٢)، وتقدم توجيهه.
(والحكومة أن يُقوَّم المجنيُّ عليه كأنه عَبْدٌ لا جنايةَ به، ثم يُقَوَّم وهي) أي: الجناية (به قد بَرِئت، فما نقص من القيمة فله) أي: المجني عليه (مثلُه) بالنسبة (من الدية) أي: دية المجني عليه (كأَنْ كانَ قيمته) أي: المجني عليه لو فُرض قنًّا (وهو صحيحٌ عشرون، وقيمتُه وبه الجناية تسعةَ عَشَرَ، ففيه نصفُ عُشْر ديته) لأن الناقص بالتقويم واحد من عشرين، وهو نصف عُشْرها، فيكون للمجنيّ عليه نصفُ عُشر ديته، ضرورة أن الواجب مثل ذلك من الدية (إلا أن تكون الحكومة في شيء فيه مُقَدَّر، فلا يبلغ به) أي: بحكومته (أرْش المُقدَّر.
فإن كانت) الحكومة (في الشَّجاج التي دون الموضِحة، لم يبلغ بها) أي: بالحكومة (أرْش الموضحة.
وإن كانت) الحكومة (في إصبع؛ لم يبلغ بها دية الإصبع.
وإن كانت) الحكومة (في أنملة؛ لم يبلغ بها ديتها) والنقص على حسب اجتهاد الحاكم. لا يقال: قد وجب في بعض البدن أكثر مما وجب في جميعه، ووجب في منافع الإنسان أكثر من الواجب فيه؛ لأنه إنما
стр. 6453
وجب دية النفس دية عن الروح، وليست الأطراف بعضها، بخلاف مسألتنا؛ ذكره القاضي.
(وإن كانت) الجناية (مما لا تنقص شيئًا بعد الاندمال، قُوّمت حال الجناية) لأنه لابُدَّ من نقصٍ لأجل الجناية.
(ولا تكون) الجناية (هَدْرًا) فإذا كان التقويم بعد الاندمال ينفي ذلك، وجب أن يقوم في حال جريان الدم ليحصُل النقص (فإن لم تنقصه حال الجناية، ولا بعد الاندمال، أو زادته) الجناية (حسنًا، كإزالة لِحْية امرأة) أو إصبع (أو يد زائدة، فلا شيء فيها) إذا لم يحصُل بالجناية نقص في جمال، ولا نفع (كما لو قطع سِلْعة أو ثُؤلولًا، أو بطَّ جراحًا (١).
وإن لطمه في وجهه، فلم يُؤثَّر، فلا ضمان) لأنه لم يحصُل نقص (ويُعزَّر، كما لو شَتَمه) لأنه ارتكب معصية.
стр. 6454
باب العاقلة وما تحمله
(وهي) جمع عاقل، يقال: عقَلْتُ فلانًا: إذا أدَّيتَ ديته، وعقَلْتُ عن فلان إذا غرمتَ منه ديته. وأصله من عقل الإبل، وهي الحبال التي تُثنى بها أيديها إلى ركبها، وقيل: من العقل، وهو المنع؛ لأنهم يمنعون عن القاتل، وقيل: لأنهم يتحمّلون العقل، وهو الدية، سُميت بذلك؛ لأنها تعقل لسان وليِّ المقتول.
والعاقلة: (من غَرِم ثلث الدية فأكثر بسبب جناية غيره) وهو تعريف بالحكم، فيدخله الدور، فلذلك رَفَعه بقوله:
(فعاقلة الجاني - ذكرًا كان أو أنثى - ذُكورُ عصباته نسبًا) كالآباء، والأبناء، والإخوة لغير أم، والأعمام كذلك (وولاءً) كالمعتق وعصبته المتعصبين بأنفسهم (قريبُهم وبعيدُهم، حاضرُهم وغائبهم، صحيحُهم ومريضُهم، ولو هرِمًا، وزَمِنًا، وأعمى) لما روى أبو هريرة، قال: "قضَى رسول الله ﷺ في جنينِ امرأةٍ من بني لحيان سقط ميتًا بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ، ثم إنَّ المرأة التي قضى عليها بالغُرّة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ أنَّ ميرَاثَهَا لبِنْتيها وزوجها، وأنَّ العَقْلَ على عصبَتِها" متفق عليه (١). وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: "أنَّ رسول الله ﷺ قضَى أن يَعْقِل عن المرأة عصَبتُها من كانوا، ولا يرثون منها إلا ما فضل عن
стр. 6455
ورثتها" رواه الخمسة إلا الترمذي (١).
(ومنهم) أي: العاقلة (عمودًا نسبه: آباؤه) أي: أبوه وإن علا بمحض الذكور (وأبناؤه) وإن نزلوا بمحض الذكور؛ لأنهم أحقُّ العصبات بميراثه، فكانوا أولى بتحمُّل عقله.
(ولا يُعتبر) في العاقلة (أن يكونوا وارثين في الحال) أي: حال العقل (بل متى كانوا يرثون لولا الحَجْبُ عقلوا) لأنهم عصبة، أشبهوا سائر العصبات، يحققه أن العقل موضوع على التناصر وهم من أهله.
(وليس منهم) أي: العاقلة (الإخوة لأمّ، ولا سائرُ ذوي الأرحام) ولا النساء؛ لأنهم ليسوا من ذوي النصرة (ولا الزوجُ، ولا المولى من أسفل) وهو العتيق؛ لأنه لا يرث (ولا مولى الموالاة، وهو الذي يوالي رجلًا يجعل له ولاءه ونُصرته) لحديث: "إنما الوَلاءُ لمن أعتق" (٢) (ولا الحليفُ الذي يحالف آخر على التناصر، ولا العديدُ: وهو الذي لا عشيرة له ينضم إلى عشيرة؛ فيُعَدُّ منهم) لأنه لا نَصَّ في ذلك، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
стр. 6456
(وإن عُرف نسب قاتل من قبيلة، ولم يُعلم من أيّ بطونها، لم يَعقلوا عنه) لأنهم لا يرثونه.
(ولا مدخل لأهل الديوان في المعاقلة) فإذا قتل واحد من ديوان لم يعقلوا عنه، كأهل محلّته؛ لأنهم لا يرثونه.
(وليس على فقير ولو مُعْتَمِلًا) حَمْل شيء من الدية؛ لأن حمل العاقلة مواساة، فلا يلزم الفقير، كالزكاة؛ ولأنه وجب على العاقلة تخفيفًا عن القاتل، فلا يجوز التثقيل على الفقير؛ لأنه كلفة ومشقَّة (ولا صبيٍّ، ولا زائلِ العقل) لأن الحمل للتناصر وهما ليسا من أهله (ولا امرأةٍ) لما تقدم (ولا خُنثى مشكِل - ولو كانوا مُعْتِقين -) لاحتمال أن يكون الخنثى امرأة (ولا رقيقٍ) لأنه أسوأ حالًا من الفقير (ولا مخالفٍ لدِين الجاني؛ حَمْلُ شيء من الدية) لأن حَمْلها للنصرة، ولا نُصرة لمخالف في دِينه.
و (يَحمل الموسِرُ من غيرهم) أي: غير الصبي، وزائل العقل، والمرأة، والخنثى، والرقيق، والمخالف في الدين إذا كان عصبة (وهو) أي: الموسر (هنا: من ملك نِصابًا) زكويًّا (عند حُلولِ الحول فاضلًا عنه) أي: عن حاجته (كحجٍّ، وكفَّارة ظِهار) فيُعتبر أن يفضل عن حاجته الأصلية، وعياله، ووفاء دينه.
(وخطأُ الإمام والحاكم في أحكامهما في بيت المال) لأن خطأه يكثُرُ فيجحف بعاقلته؛ ولأنه نائب عن الله، فكان أرْش جنايته في مال الله (كخطأ وكيل) فإنه على موكّله، يعني أن الوكيل لا يضمنه (فعلى هذا للإمام عزل نفسه) ذكره القاضي وغيره؛ قاله في "الفروع" و"المبدع" و"التنقيح".
(وخطؤهما الذي تحمله العاقلة) هو خطؤهما في غير حكمهما
стр. 6457
(وشِبْهُه) أي: شِبْه الخطأ، إذا كان (في غير حكم على عاقلتهما) أي: الإمام والحاكم، كخطأ غيرهما.
(وكذا الحكم إن زادا سوطًا لخطأ في حدٍّ أو تعزير، أو جَهِلا حملًا، أو بان مَنْ حكما) أي: الإمام والحاكم (بشهادته غيرَ أهلٍ، في أنه من بيت المال) لأنه من خطئه في حكمه (ويأتي في كتاب الحدود.
ولا تعاقل بين ذميٍّ وحربيٍّ) فلا يعقل إحدهما عن الآخر؛ لعدم التناصر، وقيل: بلى (١)، إن توارثا (بل بين ذمِّيَّين إن اتَّحدتْ مِلَّتُهما، فلا يعقِلُ يهودي) عن نصراني (ولا نصراني عن الآخر) أي: عن يهودي؛ لعدم التوارث والتناصر (فإن تهوَّد نصراني، أو تنصَّر يهودي، أو ارتدَّ مسلِم؛ لم يعقل عنهم أحد) لأنهم لا يُقَرّون على ذلك الدِّين (وتكون جناياتهم في أموالهم، كسائر الجنايات التي لا تحمِلها العاقلة.
ومن لا عاقلة له، أو له) عاقلة (وعَجَزَت عن الجميع، فالدية) إن عَجَزوا عن الكل (أو باقيها) إن أدّوا البعض وعَجَزوا عن الباقي (عليه) أي: الجاني (إن كان ذميًّا) لأن بيت المال لا يعقل عنه.
(وإن كان) الجاني (مسلمًا أُخِذَت) الدية (أو) أُخِذ (باقيها من بيت المال) حيث لا عاقلة، أو عَجَزت؛ لأن المسلمين يرثون مَن لا وارث له، فيعقلون عنه عند عدم عاقلته، كعَصَباتِه، فتؤخذ (حالَّة دَفْعةً واحدة) لأنه ﷺ أدَّى دية الأنصاري دَفعةً واحدة (٢)، وكذا
стр. 6458
عمر (١)؛ لأن الدية انما أُجَّلت على العاقلة تخفيفًا، ولا حاجة إلى ذلك في بيت المال.
(فإن تعذَّر) الأخذ من بيت المال إذن (فليس على القاتل شيء؛ لأن الدِّية تلزم العاقلة ابتداء) بدليل أنه لا يُطالب بها غيرهم، ولا يُعتبر تحمّلهم ولا رِضاهم بها، فلا تجب على غير مَن وجبت عليه، كما لو عُدِم القاتل. وعنه (٢): تجب في مال القاتل، قال في "المقنع": وهو أولى، أي: من إهدار دم الأحرار في أغلب الأحوال؛ فإنه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدية كلها، ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال، فتضيع الدماء، والدية تجب على القاتل، ثم تتحمّلها العاقلة، وإن سَلَّمنا وجوبها عليهم ابتداءً لكن مع وجودهم، كما قالوا في المرتد: يجب أرْش خطئه في ماله؛ لأنه لا عاقلة له تحملها.
(وإن رمى ذميٌّ) صيدًا، ثم تغيَّر دِينُه (أو) رمى (مسلم صيدًا ثم تغيَّر دِينه، ثم أصاب السهمُ آدميًّا فقتله، فالدية في ماله) لأنه قتيل في دار الإسلام، معصوم، تعذَّر حَمْل عاقلته عَقْله، فوجب على قاتله، ولا
стр. 6459
يعقله عَصَبَة القاتل المسلمون؛ لأنه لم يكن مسلمًا حال رميه (١)، ولا المعاهَدُون؛ لأنه لم يقتله إلا وهو مسلم.
(ولو اختلف دِيْنُ جارحٍ؛ حالتي جرح وزُهوق) بأن جرحه وهو مسلم، ثم تغيَّر دِينُه، أو وهو ذِمي، ثم أسلم، ثم مات المجروح (حملته عاقلتُه حالَ الجرح) لأنه لم يصدر منه فعل بعد الجرح.
(ولو جنى ابن المعتَقة من عبد، فعقله على موالي أُمّه) لأنهم مواليه؛ ولقوله ﷺ : "الولاءُ لُحْمَةٌ كلُحْمة النَّسَب" (٢).
(فإن عَتَق أبوه، وانجرَّ ولاؤه) لموالي أبيه (ثم سرت جنايته) خطأً، فأرْشها في ماله؛ لتعذُّر حَمْل العاقلة؛ قاله في "المقنع"، وجزم به في "المغني" و"الشرح" و"شرح ابن منجا" وغيرهم. قال في "الإنصاف": وهو المذهب. قال: قال في "الفروع". . . إلى أن قال: أن انجرَّ ولاء ابن معتقة بين جرح أو رمي وتلف، فكتغير دِيْن. وقاله في "المحرر" وغيره، انتهى. فعلى هذا تكون الدية في هذه المسألة - وهي مسألة الجرح - على عاقلته حال الجرح، كما في تغيُّر الدِّيْن، إذ لا فرق بينهما، ولذلك (٣) حمل صاحب "المبدع" عبارة "المقنع" على ذلك، ولم يتبع صاحب "المنتهى" كلامه في "الإنصاف" أولًا، ولا "المقنع"، مع أن "التنقيح" لم يخالفه.
(أو رمى) ابن المعتَقة من عبدٍ (بسهم، فلم يقع السهم حتى عَتَق أبوه، فأرْشها) أي: الجناية (في ماله) أي: الجاني، لا يحمله أحد؛ لما
стр. 6460
سبق في تغيير (١) الدين.
فصل فيما تحمله العاقلة
(و لا تحمل العاقلة عمدًا مَحْضًا، ولو لم يجب فيه القِصاص، كالجائفة) لما روي عن ابن عباس مرفوعًا، قال: "لا تَحْمِلُ العاقلةُ عَمْدًا، ولا عبدًا، ولا صُلحًا، ولا اعْترافًا" (٢). وروي عن ابن عباس موقوفًا (٣)، ولم يُعرف له في الصحابة مخالِفٌ، فيكون
стр. 6461
كالإجماع (١). وعن عمر نحوه؛ رواه الدارقطني (٢).
وعن الزهري قال: "مضت السُّنةُ أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ شيئًا من دية العمد إلا أنْ تشاء" رواه مالك (٣)؛ ولأن حَمْل العاقلة في الخطأ إنما هو
стр. 6462
مواساة للعُذْر، والعامد ليس بمعذور.
(ولا) تحمِلُ العاقلة (عبدًا قَتَل عمدًا أو خطأ، ولا) دية (طَرَفِه، ولا جنايته) لما سبق.
(ولا) تحمل (قيمةَ دابةٍ) كالعبد (ولا) تحمل (صُلْحَ إنكار، ولا) تحمل (اعترافًا: بأن يُقِرَّ على نفسه بجناية خطأ، أو شِبْه عمدٍ، توجب ثُلُثَ الدية فأكثر، إن لم تُصدِّقْه العاقلة) لما سبق.
(ولا) تحمل (ما دون ثلث الدية الكاملة، وهي دِيةُ الذَّكَر الحُرِّ المسلم) لقضاء عمر (١) أنها لا تحمل شيئًا حتى يبلغ عقل المأمومة؛ ولأن الأصل وجوب الضمان على الجاني؛ لأنه هو المتلِف، فكان عليه كسائر المتلَفَات، لكن خُولِف في الثلث لإجحافه بالجاني؛ لكثرته، فما عداه يبقى على الأصل، والثلث حدُّ الكثير؛ للخبر (٢).
(إلا غُرَّةَ جنينٍ مات مع أُمّه بجناية واحدة، أو) مات (بعدَ موتها) لأن الجناية واحدة، فتبعها مع زيادتها على الثلث، و (لا) تحمل الغُرَّة إن
стр. 6463
مات الجنين (قبلَها) أي: قبل أُمّه مع اتحاد الجناية، فلا تحملها العاقلة (لنقصه عن الثلث) ولا تبعية لموته قبلها.
(فهذا كله) أي: العمد المحض، والعبد، وقيمة الدابة، وصُلْح الإنكار، والاعتراف، وما دون ثلث الدية (في مال الجاني حالًّا) لأن الأصل وجوب الجناية على الجاني حالًّا؛ لأنه بدل متلَف، كقيمة المَتَاع، خُولِف في غير ذلك لدليلٍ، فبقي على الأصل.
(وتحمِل) العاقلةُ (ديةَ المرأة) المُسلِمة؛ لأنها نصف الدية الكاملة، بخلاف دية الكافرة فلا تحمِلها؛ لأنها دون الثلث.
(وتحمِل) العاقلة (من جراحها) أي: المُسلِمة (ما يبلغ أرْشه ثلث الدية الكاملة فأكثر، كدية أنفها) لأن فيه ديتها، وهي نصف الدية الكاملة، و (لا) تحمل ديةَ (يدها) لأنها نصف ديتها، وهي الربع.
(وكذا حكم الكتابي) فتحمل ديته، وما يبلغ أرشه من جراحه ثلث الدية الكاملة، كأنفه، ولسانه، لا يده ورجله.
(ولا تحمِل شيئًا من دية المجوسي والوثني؛ لأنها دون الثلث.
وتحمِل) العاقلة (شِبه العمدِ، كالخطأ وما أُجري مُجْراه) لحديث أبي هريرة: "اقتتلتْ امرأتان من هُذَيْلٍ. . ." الحديث، وتقدَّم (١)؛ ولأنه لا يوجب قصاصًا، كالخطأ.
(و ما يحمله كلُّ واحدٍ من العاقلة غير مقدَّر) لأن التقدير من الشرع، ولم يَرِد به (ويُرجَعُ فيه إلى اجتهادِ الحاكم، فيُحمِّل كلَّ إنسان منهم ما يَسهُلُ) عليه (ولا يَشقُّ) لأن التحمّل على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه، ولا يخفّف عن الجاني ما يثقل على غيره؛ ولأن
стр. 6464
الإجحاف لو كان مشروعًا كان الجاني أحقّ به.
(ويبدأ) الحاكمُ (بالأقرب فالأقرب، كعصباتٍ في ميراث، لكن يؤخذ من بعيدٍ لغَيبةِ قريبٍ) لمحلِّ الضروره (فإن اتَّسعت أموال الأقربين لها) أي: الدية (لم يتجاوَزْهم) أي: لم ينتقل لغيرهم؛ لأنه حقٌّ يستحق بالتعصيب، فقُدِّم الأقرب فالأقرب، كالميراث (وإلا) أي: وإن لم تتسع أموال الأقربين لها (انتقلَ إلى من يليهم) لأن الأقربين لو لم يكونوا موجودين، تعلَّقت الدية بمن يليهم، فكذا إذا تحمَّل الأقربون ما وجب عليهم، وبقيت بقيةٌ.
(فيبدأ بالآباء، ثم بالأبناء) الأقرب فالأقرب. ومقتضى كلامه في "الإنصاف": أنه يبدأ بالأبناء ثم بالآباء، وقد ذكرنا كلامه في "الحاشية" (ثم بالإخوة) يقدم من يُدْلي بأبوين على من يُدْلي بأب (ثم بنيهم) كذلك (ثم الأعمام، ثم بنيهم) كذلك (ثم أعمام الأب، ثم بنيهم) كذلك (ثم أعمام الجد، ثم بنيهم كذلك أبدًا.
فإذا انقرض المناسبون) أي: العصبة من النسب (فعلى المولى المعتِق، ثم على عَصَباته) الأقرب فالأقرب، كالميراث (فإن كان المعتِقُ) للجاني (امرأةً، حَمَل عنها جنايةَ عتقها (١) من يحمل جنايتها من عصباتها) كالآباء، والأبناء، والإخوة، والأعمام. وقوله "حمل عنها" أي: من حيث إن الولاء لهم من جرائها وسببها (٢)، وإلا فالظاهر أنها وجبت عليهم ابتداءً، لا عليها، ثم تحوَّلت إليهم.
(ثم على مولى المولى) أي: مُعتِق المُعتِق (ثم على عصباته،
стр. 6465
الأقرب فالأقرب) من النسب، ثم من الولاء (كالميراث سواء، فَيُقَدَّم من يُدْلي بأبوين على من يُدْلي بأب) من الإخوة، والأعمام، وبنيهم.
(وإن تساوى جماعةٌ في القُرْب، وكَثُروا) كالبنين، والإخوة لأبوين أو لأب (وُزِّع ما يلزمُهم بينهم) كالميراث.
(ومن صار أهلًا عند الحول، ولم يكن أهلًا عند الوجوب، كفقيرٍ يستغني، وصبيٍّ يبلُغُ، ومجنونٍ يُفيقُ؛ دَخَل في التَّحمُّلِ) لأنه في وقت الوجوب من أهل الوجوب، أشبه من كان من ابتداء الحول كذلك.
(وعاقلةُ ابنِ المُلاعِنة) المنفي باللعان، وولد الزنى (عصبةُ أُمِّهِ) لأنهم عصبته الوارثون له.
فصل
(وما تحمله العاقلةُ يجب مؤجَّلًا في ثلاث سنين) لقول عمر (١)،
стр. 6466
وعلي (١) في دية الخطأ، ولم يُعرف لهما مخالف، فكان كالإجماع (٢) (في آخر كلِّ سنةٍ ثلثه إن كان) الواجب (دية كاملة، كدية النفس، أو) دية (طَرَف، كالأنف) لأنه لا مُرَجِّح لبعض السنين على بعض؛ ولأنه مالٌ يجبُ على سبيل المواساة، فلم يجب حالًّا، كالزكاة.
(وإن كان) الواجب (الثُّلث، كَدِية المأمومة) والجائفة (وَجَب في آخر السَّنة الأولى) ولم يجب منه شيء حالًّا؛ لأن العاقلة لا تحمِل حالًّا.
(وإن كان) الواجب (نصفَ الدِّية الكاملة، كدِية اليد) من الذَّكر الحُرِّ المسلم (ودِية المرأة) المُسلِمة (و) دية (الكتابي، أو) كان الواجب (ثُلثيها، كدية المَنْخِرين) دون الحاجز (وجب الثلث في آخر السنة الأولى) لأنه قدر ما يؤدي من الدية الكاملة، فوجب لتساويهما في وقت الوجوب (و) وجب (الثلث الثاني، أو السدس الباقي من النصف في آخر) السنة (الثانية) لأن ذلك محل القسط الثاني من الكاملة.
(وإن كان) الواجب (أكثر من دية، مثل أن أذهب سمع إنسان
стр. 6467
وبصره بجناية واحدة، ففي ست سنين) فيؤخذ (في كلِّ سنة ثُلث) دية؛ لأن الواجب لو كان دون الدية لم ينقص في السنة عن الثلث، فكذا لا يزيد عليه إذا زاد على الثلث.
(وكذا لو قتلت الضربةُ الأمَّ وجنينَها بعدما استهلَّ) لوقتٍ يعيش لمثله، ففيهما ديتها ودية الجنين (لم يزد في كل حول على ثلث دية) كاملة؛ لأنهما كالنفس الواحدة.
(وإن قَتَل اثنين) ولو بجناية واحدة، فديتهما في ثلاث سنين؛ لأن كلَّ واحدٍ له دية، فيستحقّ ثلثها، كما لو انفرد حقّه (أو أذهب سمعَه وبصرَه بجنايتين، فديتُهما) أي: السمع والبصر (في ثلاث سنين) فيؤخذ (من كل دِية ثُلثٌ (١)) لأنهما من جنايتين؛ أشبه ما لو انفرد كلٌّ منهما.
(وابتداءُ الحولِ في الجُرْح من حين الاندمال) لأن الأرْش لا يستقر إلا به (و) ابتداء الحول (في القتل من حين الموت، سواء كان قتلًا مُوَحِّيًا (٢)، أو عن سراية جرح) لأنه حالة الوجوب.
(ومن مات من العاقلة قبل الحول، أو افتقر، أو جُنَّ) منهم قبل الحول (لم يلزمه شيء) لأنه مالٌ يجب في آخر الحول على سبيل المواساة، أشبه الزكاة.
(وإن مات) من العاقلة أحد (بعد الحول لم يسقط) ما عليه؛ لأنه حق تدخله النيابة لا يملك إسقاطه في حياته، أشبه الدَّيْن؛ ولأنه وجب عليه لحولان الحول، فلم يسقط، كالزكاة، وكذا (٣) لو جُنَّ بعد الحول،
стр. 6468
وأما لو افتقر ففيه نَظَر.
(و عمدُ غيرِ مكلَّفٍ خطأٌ تحمله العاقلة) لأنه لا يتحقَّق من الصغير والمجنون كمال القصد، فوجب أن يكون كخطأ البالغ؛ ولأنه لا يوجب القَوَد، فحملته كغيره (وتقدَّم في كتاب الجنايات (١)).
стр. 6469
باب كفارة القتل
الكفَّارة: مأخوذة من الكَفْر، وهو الستر؛ لأنها تُغَطِّي الذنْبَ وتستره، والأصل فيها الإجماع (١)، وسنده قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً. . .﴾ الآية (٢)، فذكر في الآية ثلاث كفَّارات: إحداهن بقتل المسلم في دار الإسلام خطأً. الثانية بقتله في دار الحرب، وهو لا يعرف إيمانه. الثالثة بقتل المعاهد، وهو الذّمي.
(من قتل نفسًا مُحَرَّمة، أو شارك فيها، ولو نفسَه، أو قِنَّه، أو مستأمِنًا، أو معاهَدًا خطأً) للآية الكريمة (أو ما أُجري مُجْراه) لأنه أجري مُجْراه في عدم القِصاص، فكذا يجري مَجْراه في الكفَّارة (أو شِبه عمدٍ) لما سبق (أو قَتَل بسببٍ في حياته، أو بعدَ موته، كحفر بئرٍ، ونَصْبِ سكّين، وشهادة زُورٍ) و (لا) كفّارة (في قتل عَمْد محضٍ) لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً. . .﴾ (٢) وسواء كان موجبًا للقصاص أو غيره (ولا) كفّارة أيضًا (في قَتْل أسير حربيٍّ يمكنه أن يأتي به الإمامَ، فقتله قبلَه) أي: قبل أن يأتى به الإمام (ولا في قتل نساء حرب وذرِّيَّتهم، ولا) في قتل (من لم تبلغه الدعوة إن وُجِد) فيحرم قتله قبل الدعوة، ولا كفّارة؛ لأنه لا إيمان لهم ولا أمان (فعليه) أي: القاتل، أو المشارك في سوى ما استثني (كفَّارة كاملة في ماله، ولو كان القاتل إمامًا في خطأ يحمله بيت المال) فتجب الكفّارة في ماله لا في بيت المال (أو) كان القاتل (كافرًا) فتجب عقوبة له، كالحدود.
стр. 6470
(وهي) أي: كفَّارة القتل (عِتْق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد) رقبةً مؤمنةً فاضلة كما تقدم (فصيام شهرين متتابعين) للآية (وتقدّم حكمها عند كفَّارة الظِّهار (١).
ولو ضَرَب بَطْنَ امرأةٍ فألقت جنينًا ميتًا، أو حيًّا، ثم ماتَ، فعليه الكفَّارة) لأنه قَتَل نفسًا محرَّمةً، أشبه قتل الآدمي بالمباشرة، وكالمولود. و (لا) تجب الكفارة (بإلقاء مُضغة) لم تتصور؛ لأنها ليست نفسًا.
(وإن قتل جماعةً) أو شارك في قتلهم (لَزِمَه كفارات) بعددهم، كجزاء الصيد والدية.
(و) تجب الكفَّارة (سواء كان المقتول مُسلِمًا، أو كافرًا مضمونًا) كالذمي والمستأمن؛ لأنه مقتول ظُلمًا، فوجبت فيه الكفَّارة كالمسلم، وسواء كان المقتول (حُرًّا أو عبدًا) لعموم: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ (٢) وسواء كان المقتول (صغيرًا أو كبيرًا، ذكرًا أو أنثى) لما سبق.
(وسواءٌ كان القاتل كبيرًا عاقلًا، أو صبيًّا، أو مجنونًا، حرًّا (٣) أو عبدًا)، أو (ذكرًا أو أنثى) لأنه حقٌّ مالي يتعلَّق بالقتل، فتعلَّقت بهم، كالدية، والصلاة والصوم عبادتان بدنيتان، وهذه مالية أشبهت نفقةَ الأقارب.
(ولا تجب كفَّارة اليمين على الصبي والمجنون) لأن كفارة اليمين تتعلَّق بالقول، ولا قول للصغير والمجنون، وهذه تتعلَّق بالفعل، وفعلهما متحقِّق، ويتعلَّق بالفعل ما لا يتعلَّق بالقول، بدليل إحبالها.
(ويُكفِّر العبدُ بالصيام) لأنه لا مال له، ولو مكاتَبًا؛ لأن ملكه
стр. 6471
ضعيف (ويأتي في آخر كتاب الأيمان.
ويُكفِّر مِن مالِ غيرِ مكلفٍ وليُّهُ) كإخراج زكاته، ويكفِّر سفيه بصوم، كمفلس.
(ومن رمى - في دار الحرب - مسلمًا يعتقده كافرًا، أو رمى إلى صفِّ الكفَّار فأصاب فيهم مسلمًا، فعليه الكفَّارة) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١) ولا دية، كما تقدم (٢)؛ لظاهر الآية.
(ولا كفَّارة في قَتْلٍ مُبَاحٍ، كقتل حربي، وباغٍ، وصائلٍ، وزانٍ محصن، وقتلٍ قصاصًا أو حدًّا) لأنه قتل مأمور به، والكفَّارة لا تجب لمحوِ المأمور به.
(ولا) كفَّارة (في قَطْع طَرَف) كأنف ويد (و) لا في (قَتْل بهيمة) لأنه لا نصّ فيه، وليس في معنى المنصوص، وقتل الخطأ لا يوصف بتحريم ولا إباحة؛ لأنه كقتل المجنون، لكن النفس الذاهبة به معصومة محرَّمة؛ فلذلك وجبت الكفّارة فيها. وقال قوم: الخطأ محرَّم ولا إثم فيه، ولا تلزم الكفّارة قاتلًا حربيًّا؛ ذكره في "الترغيب".
(وأكبر الذنوب الشرك بالله، ثم القتل، ثم الزنى) للخبر (٣).
باب القسامة
اسم للقَسَم، أُقيم مُقَام المصدر، من أقسم إقسامًا وقسَامةً، فهي: الأيمان إذا كثرت على وجه المبالغة.
(وهي (١): أيمان مُكَرَّرة في دعوى قَتْل معصوم) قال ابن قتيبة في "المعارف" (٢): أول من قضى بالقسامة في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأقرَّها النبيُّ ﷺ في الإسلام. اهـ. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن؛ وسليمان بن يسار، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار: "أن النبيَّ ﷺ أقَرَّ القسامَةَ على ما كانت عليه في الجاهلية" رواه أحمد ومسلم (٣).
(ولا نثبت) القسامة (إلا بشروط) أربعة، بل عشرة، كما يُعلم مما يأتي:
(أحدها: دعوى القتل عمدًا، أو خطأً، أو شِبْهَ عمدٍ) لأن كل حقٍّ لآدمي لا يثبت لشخص إلا بعد دعواه أنه له، والقتل من الحقوق (على واحدٍ) قال في "المبدع": لا يختلف المذهب فيه؛ لقوله ﷺ : "فيَحْلِفُ خمسون منكم على رجلٍ منهم فَيُدفع برُمَّتِه" (٤)؛ ولأنها بيِّنة ضعيفة خُولف بها الأصل لدليل في الواحد، فيقتصر عليه، ويبقى على الأصل ما عداه (مُعيَّنٍ) لأن الدعوى لا تُسمع على المبهم (مُكلَّفٍ) لتصح الدعوى
стр. 6474
(ذكرٍ أو أنثى، حُرٍّ أو عبدٍ، مسلم أو كافر، ملتزم) لأحكام المسلمين، كالذميِّ؛ لعموم قوله ﷺ : "على رجُل منهم" والأنثى كالذكر (ذكرًا كان المقتول أو أنثى، حرًّا أو عبدًا، مسلمًا أو ذميًّا) لأنه قتل آدمي يوجب الكفَّارة، فشرعت القسامة فيه، كالحُرِّ المسلم؛ ولأن ما كان حُجة في قتل الحُرِّ المسلم كان حُجَّة في قتل العبد والذِّمي.
(ويُقسِم على العبد) المقتول (سيِّدُه) لقيامه مقام وارثه.
(وأمّ الولد، والمدبرَّ، والمُكاتَب، والمعلَّق عتقه بصفةٍ) قبل وجودها (كالقِنِّ) يُقسِم عليه سيده. قلت: والمبعّض يُقسِم عليه وارثه وسيده بحسب ما فيه من الحرية والرِّقِّ.
(فإن قُتل عبدُ المكاتَب، فللمُكاتَب أن يُقسِم على الجاني) بشرطه (١)؛ لأنه سيد المقتول (وإن عجز) المُكاتَب عن أداء مال الكتابة، كلِّه أو بعضِه (قبل أن يُقسِم) على الجاني (فلسيده أن يُقْسِم) عليه؛ لعوده إليه هو وما كان بيده.
(ولو اشترى) العبدُ (المأذونُ له في التجارة عبدًا، أو ملَّكَه سيدُه عبدًا، فقُتِل، فالقَسامة لسيده) لأنه المالك (دونه) أي: المأذون؛ لأنه لا يملك ولو مُلِّك.
(ولا قَسامةَ فيما دون النفس من الجراح، والأطراف، والمالِ غيرَ العبدِ) لأن القَسامة ثبتت في النفس لِحُرمتها، فاختصَّت بها، كالكفَّارة (والدعوى فيها كـ) ــالدعوى في (سائر الحقوق، البينة على المُدَّعي، واليمين على من أنكر يمينًا واحدة) لأنها دعوى لا قَسامة فيها، فلا تغلَّظ بالعَدد.
стр. 6475
(وكذا لو ادُّعيَ القتل من غير وجود قتيل ولا عداوة) فالبينة عليه، واليمين على المُنكِر يمينًا واحدة؛ لعموم الخبر (١).
(والمحجور عليه لسَفَهٍ، أو فَلَسٍ كغيره في دعوى القتل) لأن الحَجْر عليهما في مالهما وما يتعلَّق بالتصرف فيه (و) المحجور عليهْ لسَفَهٍ أو فَلَس، كغيره في (الدعوى عليه) بالقتل (إلا أنه إذا أقرَّ بمال، أو لزمته الدِّية بالنّكول عن اليمين، لم يلزمه في حال حجره) لاحتمال التواطؤ، ويتبع بذلك بعد فَكِّ الحَجْر عنه.
(ولو جُرِح) بالبناء للمفعول (مُسلِم، فارتدَّ المجروحُ، ومات على الرِّدة؛ فلا قَسَامة) لأنه غير معصوم (وإن مات) المجروحُ (مسلمًا فارتد وارثُه قبل القَسامة؛ فكذلك) أي: لا قَسامةَ؛ لأن ملك المرتد لماله إما أن يزول، أو يكون موقوفًا، وحقوق المال لها حكمه، فإن قلنا بزوال ملكه، فلا حقَّ له، وإن قلنا هو موقوف، فهو قبل انكشاف حاله مشكوك فيه، ولا يثبت الحكم بشيء مشكوك فيه، خصوصًا قتل مسلم.
(وإن ارتدَّ) الوارث (قبل موت مورِّثه (٢)، كانت القسامة لغيره) أي: غير المرتدّ (من الورَّاث) لأن المُرتدَّ كالعدم؛ لقيام المانع به، فإن عاد إلى الإسلام قبل قَسامةِ غيره، فقياس المذهب أنه يدخل في القسامة؛ قاله في "الشرح".
(وإن لم يكن له وارثٌ سواء) أي: المرتد (فلا قَسامةَ فيه) لعدم الوارث الخاص.
(وإن ارتدَّ رَجُل، ففُتِل عبده، أو قُتل عبده ثم ارتدَّ) السيد (فإن
стр. 6476
عاد) السيد (إلى الإسلام، فله القَسامة) كما لو لم يرتدَّ (وإلا) أي: وإن لم يعد إلى الإسلام، بأن قُتل للرِّدة أو غيرها، أو مات مرتدًّا (فلا) قَسامة؛ لعدم الوارث الخاص.
فصل
الشرط (الثاني: اللَّوْثُ، ولو في الخطأ وشِبْهِ العمد، واللَّوْث: العداوة الظاهرة، كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر، وكما بين القبائل التي يَطلبُ بعضها بعضًا بالثأر (١)، وما بين أحياء العرب وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب، وما بين البُغَاة وأهل العدل، وما بين الشُّرَط) بوزن رُطب: أعوان السلطان، الواحد شُرْطة كغرفة، وشُرطي؛ ذكره في "الحاشية" (واللصوص) جمع لص، ولعل المراد السارق، وقاطع الطريق، والمختلس، وباطُّ الصُّفْن (٢)، ونحوه (وكل من بينه وبين المقتول ضِغن) أي: حقد (يغلبُ على الظن أنه قَتَله) لأن مقتضى الدليل ألا تُشرع القَسامة، تُرك العمل به في العداوة الظاهرة؛ لقصة الأنصار (٣) في القتيل بخيبر (٤)، ولا يجوز القياس عليها؛ لأن الحكم ثبت بالمظنة، ولا يجوز القياس في المظان؛ لعدم التساوي بين الأصل والفرع في المقتضي.
стр. 6477
(قال القاضي: يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل إذا غلب على ظنهم أنه قَتَل (١)، وإن كانوا غائبين عن مكان القتل؛ لأن) النبي ﷺ قال للأنصار: "تحلِفُون وتستحقُّون دَمَ صاحبِكم" (٢). وكانوا بالمدينة والقتيل بخيبر؛ ولأن (للإنسان أن يحلف على غالب ظَنّه، كما أن من اشترى من إنسان شيئًا فجاء آخر يدَّعيه، جاز) للمشتري (أن يحلِفَ أنه) أي: المدعي (لا يستحقّه؛ لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه) له.
(وكذلك) في الحلف على غلبة الظن (إذا وَجَد شيئًا بخطه، أو بخطِّ أبيه في دفتره، جاز أن يحلِفَ) إذا علم منه الصدق والأمانة، وأنه لا يكتب إلا حقًّا.
(وكذلك) في الحلف على غلبة الظَّن (إذا باع شيئًا لم يَعلمْ فيه عيبًا، فادَّعى عليه المشترى أنه مَعيبٌ، وأراد ردَّه، كان له) أي: البائع (أن يحلِف أنه باعه بريئًا من العيب) على القول بأنه يقبل قول البائع، والمذهب: القول قول المشتري بيمينه، كما تقدم في خيار العيب (٣).
(ولا ينبغي أن يحلِف المُدَّعي) للقتل (إلا بعدَ الاستثبات، وغَلَبة ظنٍّ تُقارِب اليقينَ) ولذلك لما قُتِل عبد الله بن سهل واتُّهِمَت اليهود، قال ﷺ : "أتَحْلِفُون وتستحِقونَ لقاتلكم؟ قالوا: كيف نحلِف ولم نشهد ولم نَرَ" (٢).
(وينبغي للحاكم أن يعظهم) ويقول لهم: اتقوا الله واستثبتوا، ويقرأ عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا. . .﴾ الآية (٤)
стр. 6478
(ويعرِّفهم ما في اليمين الكاذبة) من الإثم، وأنها "تَدَعُ الديار بَلاقع" (١).
стр. 6479
(ويدخل في اللَّوْث: لو حصلت عداوة بين سيد عبدٍ) وغيره، فقُتِل العبدُ، فلسيده أن يُقسِم على عدوه.
(و) يدخل في اللَّوْث - أيضًا - لو حصلت العداوة بين (عصبته) وغيرهم، وقُتِل، فلعصبته أن يُقسِموا على أعدائهم، وإن لم يكن بين المقتول وبينهم عداوة، اكتفاءً بما بين عصبته وبينهم، وكذا لو حصلت عداوة بين سَيّد وعبده.
(فلو وُجِد قتيل في صحراء، وليس معه غير عبده، كان ذلك لوثًا في حَقِّ العبد) قلت: لعلَّ المراد إن كان عداوة بينه وبينه، وإلا فلا يظهر ذلك (ولورثة سَيّده القَسامة) على العبد ببقية الشروط.
(فإن لم تكن عداوة ظاهرة) بين المُدَّعى عليه القتل، والمقتول، أو عصبته، أو سيده (ولكن غلب على الظَّنِّ صِدْق المُدَّعي، كتفرق جماعة عن قتيل، أو كانت عصبية من غير عداوة ظاهرة، أو وُجِد قتيل عند من معه سيف ملطَّخ بدم، أو في زحام، أو شهادة جماعة ممن لا يثبت القتل بشهادتهم، كالنساء، والصبيان، والفُسَّاق، أو) شهد بالقتل (عَدْلٌ واحد وفَسَقَةٌ، أو تفرَّق فئتان (١) عن قتيل، أو شهد رجلان) عدلان (على إنسان (٢) أنه قتل أحد هذين القتيلين، أو شَهِدَا) أي: الرجلان (أن هذا
стр. 6480
القتيل قتله أحدُ هذين، أو شهد أحدهما أن هذا (١) قَتَله، وشهد الآخر أنه أقرَّ بقتله) لم يثبت القتل عند القاضي، ولا يكون ذلك لَوْثًا، والمنصوص (٢): يثبت القتل، وأختاره أبو بكر، ذكره في "الشرح" و"المبدع"، وهو مقتضى كلامهم في الشهادات (أو شهد أحدهما) أي: الرجلين على القاتل (أنه قَتَله بسيف، و) شهد (الآخر) أنه قتله (بسكين ونحو ذلك، فليس بلوث) لقوله ﷺ : "لو يُعطى الناس بدعواهُم. . ." الخبر (٣).
(ولا يُشترط) للقَسامة (مع العداوة) الظاهرة (ألا يكون (٤) في الموضع الذي به القتل غير العدو) لأنه ﷺ لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا (٥)، مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها؛ لأنها كانت أملاكًا للمسلمين، يقصدونها لأخذ غلال أملاكهم.
(ولا) يُشترط للقَسامة أيضًا (أن يكون بالقتيل أثر القتل، كدم في أذنه أو أنفه) لأن النبي ﷺ لم يسأل الأنصار هل بقتيلهم أثر أم لا، مع أن القتل يحصُل بما لا أثر له، كغَمّ الوجه.
(وقول القتيل: قتلني فلان، ليس بلَوْث) لقوله ﷺ : "لو يُعْطَى الناس بدعواهُم. . ." الخبر (٦)، وأما قول قتيل بني إسرائيل: فلان